← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 524

كشف الغمة عن أدلة الحجاب في الكتاب والسنة

أمل آل خميسة

Полный текст (507 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

العبد إلى شعر سيدته، وكأنهم عدوا الشعر من الزينة التي لا تبديها لعبدها كما عده بن عباس ﵄ فيما رويناه من الزينة التي لا تبديها لمحارمها. قال ابن حجر فتح الباري (٥/ ٢٦٥): وفيه دليل على أن عائشة كانت ترى ترك الاحتجاب من العبد سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها لأنه كان مكاتب ميمونة زوج النبي ﷺ . اهـ ولهذا جعله الفريق الآخر محرما لها يسافر بها ويخلو بها! وقد أنكر شيخ الإسلام هذا فقال في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١١): فهذا يقتضي جواز نظر العبد إلى مولاته وقد جاءت بذلك أحاديث وهذا لأجل الحاجة لأنها محتاجة إلى مخاطبة عبدها أكثر من حاجتها إلى رؤية الشاهد والمعامل والخاطب فإذا جاز نظر أولئك فنظر العبد أولى وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرما يسافر بها كغير أولى الأربة فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا محارم يسافرون بها فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها. قال النحاس في معاني القرآن (ت ٣٣٨ هـ) (٤/ ٥٢٧): قال ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فيه أقوال ... والقول الثاني أنه ليس لعبيدهن أن يروا منهن إلا ما يرى الأجنبي - الأتباع والعبيد المملوكون للغير - كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال ولا ينظر عبدها إلى شعرها ولا نحرها وأما الخلخال فلا ينظر إليه إلا الزوج. وهو مذهب عبد الله بن مسعود ومجاهد وعطاء والشعبي ...

стр. 457

ويكون التقدير على القول الثاني أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف. قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٧): وقد قيل إن التقدير أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة (١) أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال حكاه المهدوي. اهـ وهذا هو الصحيح والله أعلم؛ أن المراد بقوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من غير أولي الإربة، يؤكد ذلك قرينة في الآية وهي قوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ فلو لم تكن الصفة ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ عائدة على كلا النوعين (ملك اليمين والتابعين) لما كان لقوله ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ فائدة، ولكان قوله ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ كاف لبيان المراد. وهذا لا ينفي كون العبيد ممن يحل لهم الدخول على النساء من غير حجاب، ولكن المراد أنه ليس لهم حكم العبيد غير أولي الإربة المستثنين في الآية الذين يحل للمرأة أن تبرز لهم بالدرع والخمار دون الرداء:

стр. 458

- عن الشعبي أنه كان لا يرى بأسا أن تضع المرأة ثوبها - الرداء والملحفه - عند مملوكها وإن كان يكره أن يرى شعرها. اهـ (١) أما العبد تملكه المرأة وهو من أولي الإربة فهو كسائر العبيد لا تبدي له من زينتها إلا ما ظهر منها (الوجه والكفين) فلا تضع رداءها عنده. قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٣٨٩): لم أر من الصواب؛ إلا أن يكون المملوك من غير أولى الإربة؛ فيكون حكمه حكم الأطفال الذين لا يفطنون لعورات النساء وكم من المماليك الأوغاد أتى منهم الفساد. اهـ فإذا كان لا يحتجب من العبد المملوك؛ وكان المملوك من غير أولي الأربة حكمه كحكم المحارم والأطفال الذين لا يفطنون لعورات النساء؛ دل ذلك على أن المملوك من أولي الأربة لن يكون كحكم المملوك من غير أولي الأربة فيرى زينة المرأة، وهو ليس كحكم الحر الأجنبي الذي يجب على المرأة الحرة أن تحتجب منه! فلم يبق إلا أن يكون ممن لا يرى إلا الزينة الظاهرة منها، أي (الوجه والكفين). يؤيد ذلك قوله ﴿الَّذِينَ﴾ للجمع بعد بصفة الإفراد وذلك لبيان عطف ما بعدها على ما قبلها من الرجال حيث قال بعد قوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ فلا بد أن تعود ﴿الَّذِينَ﴾ ... على آخرين مع الطفل ولا يكون إلا أقرب مذكور وهم ﴿مَا مَلَكَتْ

стр. 459

أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ فيكون التقدير والله أعلم: (أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة من الرجال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء، أو الأطفال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء) إذ إنه لو لم يكن كذلك لجاء نعت الطفل مفردا (أو الطفل الذي) أو جاء المنعوت بالجمع كما جاءت في قوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ ولهذا قال تعالى في ختام هذه الآية ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ النور: ٥٩. فيكون المعنى المراد والله تعالى أعلم أنه بعد أن عدّ من يحل لهم الدخول على المرأة من محارمها؛ ذكر النساء (أو نسائهن) ليكون فاصلا بين المحارم وبين من يشترط فيهم أن يكونوا من غير أولي الأربة؛ وهم الذين يتبعون أهل البيت ليس لهم حاجة في النساء ولا يحصل منهم ذلك بحال من الأحوال سواء كانوا من الرجال كالشيخ الكبير أو الأحمق والأبله أو الخصي والعنين، أو كان من الأطفال كيتيم الرجل الذي في حجره، وهذا التأويل كما ترى قد جمع بين جميع الآثار الواردة في تأويل هذه الآية. - الحادي عشر: ومما يؤيد أن المراد بمن يحل له رؤية الزينة الظاهرة (الوجه والكفين) في هذه الآية (إلا ما ظهر منها) هم ممن يحل لهم النظر إلى المرأة دون حجاب من العبيد ونحوهم؛ إجماع أئمة المفسرين على تفسير آية إدناء الجلابيب بتغطية الوجه للنساء الحرائر دون ذكر للتعارض بين الآيتين،

стр. 460

فلا يسوغ أن يُحمل تأويلهم لجواز إظهار الوجه والكفين في هذه الآية؛ ووجوب تغطيتهما في آية الأحزاب على نفس الفئة من الرجال! إذ لو كان كذلك لبيّنوا وجه هذا التعارض! وقبل أن أنقل أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية لابد أن نذكّر بما سبق أن بيّناه من إطلاق السلف وأهل العلم لمسمى (الأجنبي) و (الغريب) عند الحديث عن النظر إلى المرأة وهم: مطلق الرجال الأجانب بالنسبة للإماء لأنه لم يفرض عليهن الحجاب، والمملوكون والأتباع بالنسبة للنساء الحرائر، وهذا هو السبب في وهم المتأخرين في هذه المسألة، حيث حملوا مراد من قال من أهل العلم المتقدمين (أن الزينة الظاهرة تبدى للأجنبيين) على أن مراده جواز إظهار المرأة الحرة لوجهها وكفيها للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم! والصحيح أن المراد هو من يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لا يعد محرما لها من العبيد المملوكين أو الأتباع. ومن ذلك قول سعيد بن جبير ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني الوجه والكفين فزينة الوجه الكحل وزينة الكفين الخضاب ولا يحل أن يرى منها غريب غير ذلك. (١).

стр. 461

وإليك نماذج من أقوال المفسرين المتقدمين في تفسير هذه الآية، وأقوالهم في تفسير آيتي الأحزاب: * ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ١٨/ ١١٧: وقوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عني بذلك الوجه والكفان يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب. ثم قال في تفسير آيتي الحجاب في سورة الأحزاب: (١) ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قال: وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعا فاسألوهن من قوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ وراء حجاب يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن. (١) (٢) ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة ... وقال آخرون بل أمرن أن يشددن

стр. 462

جلابيبهن على جباههن. اهـ أي ليس بسدلها على وجوههن من فوق رؤوسهن ولكن بشدها على جباههن ثم عطفها وردّها على الأنف وهو التقنع كما بيّنا ذلك مسبقا. * النحاس (ت ٣٣٨ هـ) في معاني القرآن ٤/ ٥٢١ - ٥٢٢: قال جل وعز ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ... عن ابن عباس قال الوجه والكف وبعضهم يقول عن ابن عباس الكحل والخضاب وكذلك قال مجاهد وعطاء ومعنى الكحل والخضاب ومعنى الوجه والكف سواء. وروت أم شبيب عن عائشة قالت (القلب والفتخة) والفتخة الخاتم والقلب السوار. قال أبو جعفر وهذا قريب من قول ابن عمر وابن عباس وأكثر الفقهاء عليه ألا ترى أن المرأة يجب عليها أن تستر في الصلاة كل موضع منها يراه المرء وأنه لا يظهر منها إلا وجهها وكفاها. ثم قال في تفسير آية الحجاب في سورة الأحزاب (٥/ ٣٧٨): ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى آخر الآية قال الحسن ذلك أدني أن يعرف أنهن حرائر فلا يؤذين، قال الحسن تغطي نصف وجهها، وكان عمر إذا رأى أمة قد تقنعت علاها بالدرة، قال محمد بن سيرين سألت عبيدة عن قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقال تغطي حاجبها بالرداء ثم ترده على أنفها حتى تغطي رأسها ووجهها وإحدى عينيها.

стр. 463

* أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن ٥/ ١٧٢ - ١٧٣: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال أصحابنا المراد الوجه والكفان لأن الكحل زينة الوجه والخضاب والخاتم زينة الكف فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين، ويدل على أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة أيضا أنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين فلو كانا عورة لكان عليها سترهما كما عليها ستر ما هو عورة وإذا كان ذلك جاز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة. ثم قال في تفسير آيتي الحجاب في سورة الأحزاب: (١) ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وهذا الحكم وإن نزل خاصا في النبي ﷺ وأزواجه فالمعنى عام فيه وفي غيره إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون أمته. (١) (٢) ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال أبو بكر في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين. (٢)

стр. 464

* الثعلبي (ت ٤٢٧ هـ) ٧/ ٨٧ - ٨٨: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الخفيّة التي أُمرن بتغطيتها ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ ثم قال في تفسير آيتي الحجاب في سورة الأحزاب: (١) ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ قال ابن عباس لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله ﷺ ونحن أيضاً نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٥ في ترك الاحتجاب من هؤلاء وأن يروهن. (١) (٢) قال تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ويغطّين وجوههن ورؤوسهن. (٢) * الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) ٢/ ٧٦١: قوله ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الخلخالين والقرطين والقلائد والدمالج ونحوها مما يخفى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهو

стр. 465

الثياب والكحل والخاتم والخضاب والسوار فلا يجوز للمرأة أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى نصف الذراع. ثم قال في تفسير آيتي الحجاب في سورة الأحزاب: (١) ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال فلما نزلت هذه الآية ضرب عليهن الحجاب فكانت هذه آية الحجاب بينهن وبين الرجال ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي الحجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فإن كل واحد من الرجل والمرأة إذا لم ير الآخر لم يقع في قلبه. (١) (٢) ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة، قال المفسرون: يغطين رءوسهن ووجوهن إلا عينا واحدة، فيعلم أنهن حرائر، فلا يعرض لهن بأذى. (٢) * ابن العربي في أحكام القرآن (ت ٥٤٣ هـ) (٣/ ٣٨١): واختلف في الزينة الظاهرة على ثلاثة أقوال: الأول: أنها الثياب يعني أنها يظهر منها ثيابها قاله ابن مسعود الثاني: الكحل والخاتم قاله ابن عباس والمسور

стр. 466

الثالث: أنه الوجه والكفان ... والصحيح أنها من كل وجه هي التي في الوجه والكفين فإنها التي تظهر في الصلاة وفي الإحرام عبادة وهي التي تظهر عادة. ومما ينفي أن يكون مراده جواز إظهار ذلك من المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب قوله في تأويل آيتي الحجاب: (١) ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها والمرأة كلها عورة بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة كالشهادة عيها. (١) (٢) قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قيل معناه تغطي به رأسها فوق خمارها وقيل تغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى. وقال في كتابه عارضة الأحوذي (٤/ ٥٦): ستر وجه المرأة بالبرقع فرض، إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها. * القرطبي (ت ٦٧١ هـ) ١٢/ ٢٢٧ - ٢٣٠: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أمر الله النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان ثم استثنى ما يظهر من الزينة ...

стр. 467

وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة ظاهر الزينة هو الكحل والسوار، والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس ... فهذا أقوى من جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها. ومما يؤكد ذلك وأن مراده ليس الأحرار الأجانب الذين يجب على المرأة الحرة الاحتجاب منهم؛ قوله في تفسير آيتي الحجاب في الأحزاب: (١) ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتين فيها ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها كما تقدم فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها. (١) (٢) ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لما كانت عادة العربيات التبذل وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء ... أمر الله رسوله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن ... وقد قيل إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء. (٢)

стр. 468

ولذلك فإن من الخطأ أن نحمل أقوال المفسرين في تفسير الزينة الظاهرة على أن المراد بها ما تظهره المرأة الحرة لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأجانب؛ وهم قد فسروا آية إدناء الجلابيب بأنها تفيد وجوب تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجال الأحرار الأجانب، لأن في ذلك حمل الآيتين على معنيين وحكمين متعارضين! وخلاصة هذا المبحث أن المراد بمن لا تُظهر المرأة الحرة زينتها لهم (إلا ما ظهر منها) المفسرة بـ (الوجه والكفين بما فيهما من الزينة كالخاتم والسوار) هم من يحل لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية وهم: العبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك والتابع إذا كان من أولي الإربة، والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار (الصبية المميزين) والنساء غير المسلمات، والمحارم بالمصاهرة والرضاع، والعم والخال، فهؤلاء تظهر لهم بثيابها الظاهرة (بردائها أو ملحفتها وخمارها ضاربة به على جيبها)، أما من استثني في الآية (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ... ) فهؤلاء تضع عندهم الرداء فتبرز لهم بخمارها دون أن تضرب به على جيبها، فيرون منها الزينة الباطنة، هذا كل ما تعنيه الآية، وبذلك يتبين بطلان الاستدلال بقوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ المفسر بالوجه والكفين، وحديث عائشة " إن المرأة إذا بلغت المحيض. . . " على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.

стр. 469

* الثاني عشر: وقبل إنهاء هذا المبحث لابد من الإجابة على هذا التساؤل: ما صحة القول بأن عورة المرأة عند النساء والمحارم من السرة إلى الركبة؟ أنكر الشيخ الألباني في بحثه السابع على من قال بأن عورة المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة؛ وقال: مع أن هذا القول لا أصل له في الكتاب والسنة بل هو خلاف قوله تعالى في آية النور ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود .. فهذا النص القرآني صريح في أن المرأة لا يجوز لها أن تبدي أمام المسلمة أكثر من هذه المواضع. اهـ فالقول بأن (عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل)؛ قول غير صحيح، إذ لم يدل عليه حديث صحيح ولا ضعيف. بل دلت نصوص الكتاب والسنة على خلاف ذلك؛ فإن الله تعالى في آية النور ذكر النساء بعد ذكر المحارم وقبل ذكر غير أولي الإربة من الرجال، فحكم النساء مع النساء حكم ما ذكر قبلهن وما ذكر بعدهن في الآية، وحدود الزينة التي تبدى لهم تنحصر في الوجه والكفين والقدمين بما فيها من الزينة. كما سبق بيان ذلك. قال البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩٤): باب ما تبدي المرأة من زينتها للمذكورين في الآية من محارمها: أخبرنا أبو زكريا ... ثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح

стр. 470

عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. وروينا عن مجاهد أنه قال يعني به القرطين والسالفة والساعدين والقدمين وهذا هو الأفضل ألا تبدي من زينتها الباطنة شيئا لغير زوجها إلا ما يظهر منها في مهنتها. * ولو سلمنا جدلا أن عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل (ما بين السرة والركبة) فإن هذا القول يستدل به في أحكام العورات لا في أحكام اللباس! وقد وضح الشيخ محمد العثيمين هذه المسألة فقال: يجب أن نعلم أن العورة ليست هي مقياس اللباس، فإن اللباس يجب أن يكون ساتراً وإن كانت العورة -أعني عورة المرأة -بالنسبة للمرأة ما بين السرة والركبة، لكن اللباس شيء والعورة شيء آخر. ولذلك يجب على المرأة أن تلبس اللباس الشرعي الذي يكون ساتراً، فقد كان لباس نساء الصحابة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من الكف إلى الكعب في بيوتهن، أي من كف اليد إلى كعب الرجل فإذا خرجن لبسن ثياباً طويلة تزيد على أقدامهن بشبر، ورخص لهن النبي ﷺ إلى ذراع من أجل ستر أقدامهن هذا بالنسبة للمرأة المكتسية، فإن رفعت اللباس فهي من الكاسيات العاريات. أما بالنسبة للمرأة الناظرة فإنه لا يجوز لها أن تنظر عورة المرأة، يعني لا يجوز أن تنظر ما بين السرة إلى الركبة، مثل أن تقضي حاجتها فلا يجوز للمرأة أن تنظر إليها، لأنها تنظر إلى العورة، أما ما فوق السرة

стр. 471

أو دون الركبة، إذا كانت المرأة لابسة لباس حشمة فكشفت عنه لحاجة مثل أنها رفعت ثوبها عن ساقها لأنها تمر بطين مثلاً، أو تريد أن تغسل الساق وعندها امرأة أخرى فهذا لا بأس به، أو أخرجت ثديها لترضع طفلها أمام النساء فإنه لا بأس، لكن لا يفهم من قولنا هذا كما تفهم بعض النساء الجاهلات؛ أن المعنى أن المرأة تلبس من الثياب ما يستر ما بين السرة والركبة فقط، هذا غلط عظيم على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﷺ وعلى شريعة الله وعلى سلف هذه الأمة. فالحديث يبين أن المرأة لا تنظر إلى عورة المرأة، فيخاطب الناظرة دون اللابسة، أما اللابسة فيجب أن تلبس ثياباً ساترة كما كانت تلبس نساء الصحابة من الكف إلى الكعب. فهناك فرق بين اللباس وبين النظر. (١) اهـ * ومما يدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تبدي شيئا من جسدها أمام النساء إلا ما جرت العادة بظهوره من الوجه والكفين والأقدام؛ النهي عن دخول المرأة للحمّام وهو مكان الاغتسال الجماعي سواء للرجال مع بعضهم، أو للنساء مع بعضهن؛ فقد قال الرسول ﷺ " الحمّام حرام على نساء أمتي" (٢) كما روي أن نساء من أهل حمص دخلن على عائشة ﵂ فقالت: أنتن اللاتي يدخلن نساؤكن الحمامات؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول" أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله" (٣)

стр. 472

فإذا كانت المرأة تمنع من دخول الحمام وهو خاص بالنساء، وتمنع من نزع ثيابها ولو بحضرة النساء، كان من المتعين أن عورة المرأة مع المرأة كعورة المرأة مع محارمها، لا كعورة الرجل. كما أنه لم ينقل خبر بإسناد صحيح ولا ضعيف ذكر فيه تكشف النساء وإظهارهن عدا ما بين السرة والركبة فيما بينهن، فلو اعتقد السلف جواز ذلك والرخصة فيه لنقل ذلك عنهن كما نقل غيره مما هو دونه، فهذا يدل دلاله واضحة على ضعف قول من قال بجواز كشف ماعدا ما بين السرة إلى الركبة للنساء فيما بينهن. * ومما يشهد لذلك أيضا ما صح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" (١) قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٣٠٧): فكل ثوب يصف ولا يستر فلا يجوز لباسه بحال إلا مع ثوب يستر ولا يصف فإن المكتسية به عارية. قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٤/ ١١٠): وقيل معناه تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارا لجمالها ونحوه وقيل معناه تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها.

стр. 473

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٤٦): وقد فسر قوله (كاسيات عاريات) بأن تكتسي ما لا يسترها فهي كاسية وهي في الحقيقة عارية مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك وإنما كسوة المرأة ما يسترها فلا يبدي جسمها ولا حجم أعضائها لكونه كثيفا واسعا. * ومما يشهد لذلك أيضا ما ورد عن أسامة بن زيد قال: (كساني رسول الله ﷺ قبطية (١) كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي فقال: مرها فلتجعل تحتها غلالة (٢) فإني أخاف أن تصف حجم عظامها) (٣). قال الألباني في جلباب المرأة /١٣١: فقد أمر ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب - ليمنع بها وصف بدنها والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول. ولذلك قال الشوكاني في شرح هذا الحديث (٢/ ٩٧): والحديث يدل على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه وهذا شرط ساتر العورة وإنما أمر بالثوب تحته لأن القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها.

стр. 474

* ويشهد لذلك ما ورد أن المنذر بن الزبير لما قدم من العراق، أرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مروية وقوهية (١) رقاق عتاق، بعد ما كف بصرها، فلمستها بيدها ثم قالت: أُف، ردوا عليه كسوته، فشق عليه ذلك، وقال: يا أمَّه، إنه لا يشف. قالت: إنها إن لم تشف فإنها تصف". (٢) * وما ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الناس القباطي (٣)، ثم قال: لا تَدرعها نساؤكم، فقال رجل يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي فأقبلت في البيت وأدبرت فلم أره يشف فقال عمر: إن لم يشف فإنه يصف". (٤) * وما ثبت عن الزهري قال أخبرتني هند بنت الحارث، عن أم سلمة ﵂ قالت: استيقظ النبي ﷺ من الليل وهو يقول" لا إله إلا الله، ماذا أُنزل الليلة من الفتنة؟ ماذا أُنزل من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟ كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة" قال الزهري: وكانت هند لها أزرار في كميَّها بين أصابعها. (٥)

стр. 475

قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٣٠٣): لأنها كانت تخشى أن يبدو من جسدها شيء بسبب سعة كميَّها فكانت تزرر ذلك لئلا يبدو منه شيء فتدخل في قوله ﷺ " كاسية عارية". * قال الباجي في المنتقى (٧/ ٢٢٤): (كاسيات عاريات) ويحتمل عندي والله أعلم أن يكون ذلك لمعنيين: أحدهما: الخفة فيشف عما تحته، فيدرك البصر ما تحته من المحاسن، ويحتمل أن يريد به الثوب الرقيق الصفيق الذي لا يستر الأعضاء بل يبدو حجمها. وسأل مالك عن الوصائف يلبسن الأقبية فقال ما يعجبني ذلك، وإذا شدتها عليها ظهر عجزها، ومعنى ذلك أنه لضيقه يصف أعضاءها عجزها وغيرها مما شرع ستره. (١) وقوله ﷺ (رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) ... ويحتمل أن يريد به أنها كاسية في الدنيا بلباس ما قد نهيت عنه فهي تعرى من أجله في الآخرة إذا كسي غيرها من أهل الصلاح. * قال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية سابقا في فتاواه (٢/ ١٥٩): لقد تغيرت الأحوال في هذه الأزمان وابتلي الكثير من النساء بخلع جلباب الحياء والتهتك وعدم المبالاة، وتتابعت في ذلك وانهمكت فيه إلى حد يخشى منه الانحدار في هوةٍ سحيقة من السفور والانحلال، وحلول المثلات

стр. 476

والعقوبات من ذي العزة والجلال، ذلك مثل لبسهن ما يبدي تقاطيع أبدانهن من عضدين وثديين وخصر وعجيزة ونحو ذلك، ومثل لبس الثياب الرقيقة التي تصف البشرة، وكذلك الثياب القصيرة التي لا تستر العضدين ولا الساقين ونحو ذلك. ولا شك أن هذه الأشياء تسربت عليهن من بلدان الإفرنج ومن يتشبه بهم، لأنها لم تكن معروفة فيما سبق ولا مستعملة، ولا شك أن هذا من أعظم المنكرات، وفيه من المفاسد المغلظة، والمداهنة في حدود الله لمن سكت عنها، وطاعة للسفهاء في معاصي الله، وكونه يجر إلى ما هو أطم وأعظم، ويؤدي إلى ما هو أدهى وأمر من فتح أبواب الشرور والفساد، وتسهيل أمر التبرج والسفور. ولهذا لزم التنبيه على مفاسدها والتدليل على تحريمها والمنع منها، ونكتفي بذكر أمهات المسائل ومجملاتها طلباً للاختصار: أولاً: أنها من التشبه بالإفرنج والأعاجم ونحوهم، وقد ثبت في الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة النبوية النهي عن التشبه بهم في عدة مواضع معروفة. ثانياً: أن المرأة عورة، ومأمورة بالاحتجاب والستر ومنهية عن التبرج وإظهار زينتها ومحاسنها ومفاتنها، قال تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ النور: ٣١ وقال تعالى ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الأحزاب: ٣٣. وهذا اللباس ليس بساتر للمرأة بل هو مبرز لمفاتنها ومغرٍ لها ومغرٍ بها من رآها وشاهدها، وهي بذلك داخلة في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد: نساء كاسيات

стр. 477

عاريات مائلات مميلات. . . " الحديث. وقد فسر الحديث: بأن تكتسي المرأة بما لا يسترها فهي كاسية ولكنها عارية في الحقيقة، مثل أن تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي مقاطع خلقها مثل عجيزتها وساعديها ونحو ذلك، لأن كسوة المرأة في الحقيقة هو ما سترها ستراً كاملاً بحيث يكون كثيفاً فلا يبدي جسمها، ولا يصف لون بشرتها لرقته وصفائه، ويكون واسعاً فلا يبدي حجم أعضائها ولا تقاطيع بدنها لضيقة، فهي مأمورة بالاستتار والاحتجاب لأنها عورة. وقد صرح الفقهاء ﵏ بالمنع من لبس ما يصف اللين والخشونة والحجم لما روى الإمام أحمد عن أُسامة بن زيد ﵁، قال" كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة. . . " كما صرحوا بمنع المرأة من شد وسطها مطلقاً (١)، أي سواء كان بما يشبه الزنار أو غيره، وسواءً كانت في الصلاة أو خارجها، لأنه يبين حجم عجيزتها وتبين به مقاطع بدنها. قالوا: ولا تضم المرأة ثيابها حال قيامها لأنه يبين به تقاطيع بدنها فتشبه الحزام، وهذه الألبسة أبلغ من الحزام وضم الثياب حال القيام وأحق بالمنع منه. (٢) اهـ

стр. 478

وفي نهاية هذا المبحث ذكر الشيخ الألباني خمسة عشر قولا مما سبق أن استشهد به من أقوال العلماء والتي سبق أن بيّنا بطلان استشهاده بها على جواز كشف الوجه والكفين من المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب. ولنا أن نذّكر بما سبق بسطه في مناقشة البحوث السابقة من عبارات علماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم التي تثبت إجماعهم أن تغطية الوجه واجب وفرض على المرأة الحرة: ١ - قال أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ): المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين. ٢ - قال أبو زيد القيرواني (ت ٣٧٦ هـ): ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها أو نحو ذلك مما يباح لها. ٣ - قال ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب. . . فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع. ٤ - قال أبو الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ): يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس.

стр. 479

٥ - قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطى رأسها وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال. ٦ - قال أبو الحسن الكيا الهراس (ت ٥٠٤ هـ): فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن، ٧ - قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): وإن كانت أجنبية حرم النظر إليها مطلقا. وقال: لأمر الرجال أيضا بالتنقب كما أمر النساء. ٨ - قال ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): ستر وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها. ٩ - قال الإمام أبو الوليد ابن رشد (ت ٥٩٥ هـ): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن، ولم يحجب الرجال عن النساء. ١٠ - قال ابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ): لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم. وقال: فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.

стр. 480

١١ ـ قال ابن القطان (ت ٦٢٨ هـ): قال القاضي أبو بكر بن الطيب: (وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال) وهو صواب كما ذكر. ١٢ - قال أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ): وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة قد تقنعت ضربها بالدرة، محافظة على زي الحرائر. وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والاماء. ١٣ - قال الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ): يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز وتسدل على وجهها ما يستره. ١٤ - قال النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ): أمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الاماء بلبس الملاحف وستر الرؤوس والوجوه. ١٥ - قال نظام الدين الحسن القمي (ت ٧٢٨ هـ): فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه. ١٦ - قال ابن جزي الكلبي المالكي (ت ٧٤١ هـ): فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن. ١٧ - قال أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ): أمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.

стр. 481

١٨ - قال صدر الدين عليّ بن ابن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ): فإن النبي ﷺ لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا. ١٩ - قال ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ): كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها. ٢٠ - قال عمر بن علي ابن الملقن الشافعي (٨٠٤ هـ): وجميعُ النسوان لم يكن يحتجبن إلى أن نزل آية الحجاب فحجبن وجوههن عن عيون الناس أجمعين. ٢١ - قال الإمام ابن نور الدين محمد بن علي بن الخطيب (ت ٨٢٥ هـ): لم يزل عمل الناس على هذا قديما وحديثا في جميع الأمصار والأقطار، فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها ولا يتسامحون للشابة ويرونه عورة ومنكرا. ٢٢ - قال العلامة المجتهد الكبير ابن الوزير محمد بن إبراهيم (ت ٨٤٠ هـ): وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء. ٢٣ - قال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأمر الرجال بالتنقب، أو منعو من الخروج. ٢٤ - قال بدر الدين العيني الحنفي (ت ٨٥٥ هـ): الأمر بستر وجوههن يدل عليه قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وقال في موضع آخر: لا يجوز للمرأة

стр. 482

أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع. ٢٥ - قال إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي ﷺ (المرأة عورة). ٢٦ - قال أبو عبد الله المواق المالكي (ت ٨٩٧ هـ): قال مالك إن صلت الحرة منتقبة لم تعد ... وتسدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل. ٢٧ - قال الإمام العلامة ابن المَبْرَد يوسف بن عبدالهادي المقدسي (ت ٩٠٩ هـ): ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت بالاتفاق. ٢٨ - قال ابن نجيم الحنفي (ت ٩٧٠ هـ): ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة ... وهو يدل على أن هذا الإِرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها. ٢٩ - قال محمد الخطيب الشربيني (ت ٩٧٧ هـ): إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب. ٣٠ - قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها، ومن ذلك قوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن.

стр. 483

٣١ - وقال الدمياطي (ت ١٣٠٢ هـ): واعلم أن للحرة أربع عورات: فعند الأجانب جميع البدن، ويكره أن ... يصلي الرجل متلثما والمرأة منتقبة إلا أن تكون بحضرة أجنبي لا يحترز عن نظره لها فلا يجوز لها رفع النقاب. ٣٢ - قال الجاوي الحنفي (ت ١٣١٦ هـ): جميع بدنها حتى قلامة ظفرها وهي عورتها عند الرجال الأجانب فيحرم على الرجل الأجنبي النظر إلى شيء من ذلك ويجب على المرأة ستر ذلك عنه. ٣٣ - وقال محمد الجرداني الحنفي: وبالنسبة لنظر الأجنبي إليها؛ جميع بدنها بدون استثناء شيء منه أصلا ولو كانت عجوزاً شوهاء، فيحرم على الرجل أن ينظر إلى شيء منها، ولو بغير شهوة، ويجب أن تستتر عنه. هذا هو المعتمد. ٣٤ - وقال مفتي باكستان الشيخ شفيع الحنفي: وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب. وفي نهاية هذا المبحث وبعد أن تقرر إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه وأنه فرض على النساء الحرائر بأمر من الله أنزله في كتابه وعملت به الأمة، وبعد أن تبيّن أن مراد من قال من الفقهاء بجواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة؛ هو نظر الرقيق المملوكين ونحوهم ممن أباح لهم الشرع الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب، فإنه بعد ذلك إن وجد من

стр. 484

الفقهاء أو غيرهم من أهل العلم من يقول بجواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب؛ فلا حجة في قوله امتثالاً للقاعدة الأصولية التي تقول ((أقوال العلماء يحتج لها بالدليل، ولا يحتج بها على الدليل)) كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٥٣٧): وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية. ولنا أن نذكر هنا قول الشيخ الألباني: ومن الحجة لهم في ذلك قوله ﷺ : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم (وفي رواية: برأيهم)، فضلوا وأضلوا". متفق عليه، والواقع في أكثر البلاد الإسلامية مصداق هذا الحديث الصحيح، ومنه ما نحن فيه. والله المستعان.

стр. 485

ــ:: البحث العاشر:: ــ قال الشيخ الألباني: هل يجب على النساء أن يسترن وجوههن لفساد الزمان وسداً للذريعة؟ هذا السؤال يطرحه اليوم الذين جاؤوا من بعد الأئمة بعلة ابتدعوها وهي قولهم: " بشرط أمن الفتنة" وإلا وجب عليها سترهما، وغلا أحدهم فنسب ذلك إلى اتفاق الأئمة ﵃! ولذلك لم يعرِّج على الشرط المذكور أحد كبار أتباع أبي حنيفة من المتأخرين، وهو محمد بن أحمد السرخسي وصفه العلامة اللكنوي في " الفوائد " (١٠٨) ب: " كان إماما علامة حجة متكلما مناظرا أصوليا مجتهدا عده ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل" فالسرخسي هذا مع إمامته صرّح تبعاً لأبي حنيفة وصاحبيه والطحاوي كما تقدم بإباحة النظر إلى الأجنبيات مع أنه ذكر أن حرمة النظر لخوف الفتنة وأن الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر أعضائها فقال في كتابه" المبسوط" (١٠/ ١٥٢): "ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس ﵃ فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفيها إذا لم يكن النظر عن شهوة فإن كان يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحلل له النظر إلى شيء منها" ... ومن فرَّق، فقد تناقض وتعصّب للرجال على النساء، إذ إنهم مشتركون جميعاً في وجوب غضِّ النظر، فمن زاد على الآخر حكماً جديداً بغير برهان من الله ورسوله، فقد تعدَّى وظلم) اهـ.

стр. 486

ــ:: مناقشة البحث العاشر:: ــ (١) يتبين أن الإمام السرخسي ممن يقول بالفرق بين الحرائر والإماء في الحجاب: فقال في كتابه المبسوط في الصفحة السابقة للصفحة للتي أشار إليها الشيخ الألباني (١٠/ ١٥١): وأما النظر إلى إماء الغير والمدبرات وأمهات الأولاد والمكاتبات فهو كنظر الرجل إلى ذوات محارمه لقوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الآية فأمر الله تعالى الحرائر باتخاذ الجلباب ليعرفن به من الإماء. (٢) ننقل قول الإمام السرخسي بتمامه؛ قال الإمام السرخسي في المبسوط (١٠/ ١٥٢): (ولكنا نأخذ بقول علي وبن عباس رضي الله تعالى عنهما فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفها ... وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدمها أيضا وهكذا ذكر الطحاوي لأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو منتعلة وربما لا تجد الخف في كل وقت، وذكر في جامع البرامكة عن أبي يوسف أنه يباح النظر إلى ذراعيها أيضا لأنها في الخبز وغسل الثياب تبتلى بإبداء ذراعيها أيضا). اهـ فقد ذكر الشيخ الألباني اجتهاد السرخسي في إباحته للنظر إلى الوجه والكفين؛ ولم يذكر اجتهاده في إباحته للنظر إلى القدمين والذراعين!! وهذا يكشف أن مراد الإمام السرخسي هو ما يباح إبداؤه لمن يحل له الدخول على المرأة

стр. 487

والنظر إليها دون حجاب من العبيد والأتباع، وليس مراده جواز ذلك لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب، ومما يبعد أن يكون مراده فيما سبق إطلاق جواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب: قول السرخسي في المبسوط (٢/ ٤١): (قال) -الإمام أبو حنيفة - (وليس على النساء خروج في العيدين وقد كان يرخص لهن في ذلك فأما اليوم فإني أكره ذلك) يعني للشواب منهن فقد أمرن بالقرار في البيوت ونهين عن الخروج لما فيه من الفتنة، فأما العجائز فيرخص لهن في الخروج إلى الجماعة لصلاة المغرب والعشاء والفجر والعيدين، ولا يرخص لهن في الخروج لصلاة الظهر والعصر والجُمَع في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يرخص للعجائز في حضور الصلوات كلها وفي الكسوف والاستسقاء لأنه ليس في خروج العجائز فتنة والناس قل ما يرغبون فيهن وقد كن يخرجن إلى الجهاد مع رسول الله يداوين المرضى ويسقين الماء ويطبخن. وأبو حنيفة قال في صلوات الليل: تخرج العجوز مستترة وظلمة الليل تحول بينها وبين نظر الرجال إليها بخلاف صلوات النهار. (٣) أما ما ذكره الشيخ الألباني من" استمرار القول بجواز النظر إلى وجه المرأة وكفيها إذا أمن الناظر الفتنة" فهذا كما بيّنا أن المراد به جواز النظر حال جواز الكشف أي؛ النظر إلى الوجه والكفين من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، ونظر العبيد والأتباع للوجه والكفين من النساء الحرائر اللاتي لم

стр. 488

يفرض عليهن الاحتجاب منهم، كما بيّنا أن من أئمة الفقهاء من لم يدع جواز النظر هنا على إطلاقه بل منع من النظر لغير حاجة ولو أمن الفتنة: * فمن المذهب الحنبلي: المغني (ت ٦٢٠ هـ) (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد. الإنصاف للمرداوي (ت ٨٨٥ هـ) (٨/ ٢٧ - ٢٩): فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب ... واختاره الشيخ تقي الدين فقال أصح الوجهين لا يجوز كما أن الراجح في مذهب الإمام أحمد ﵀ أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز. كشاف القناع (٥/ ١٤): ولا يجوز النظر إلى شيء من الحرة الأجنبية قصدا. * ومن المذهب الشافعي: المهذب (ت ٤٧٦ هـ) (٢/ ٣٤): وأما من غير حاجة فلا يجوز للأجنبي أن ينظر إلى الأجنبية. متن أبي شجاع (ت ٥٠٠ هـ) (١/ ١٥٨): ونظر الرجل إلى المرأة على سبعة أضرب أحدها نظره إلى أجنبية لغير حاجة فغير جائز.

стр. 489

الوسيط للغزالي (ت ٥٠٥ هـ) (٥/ ٣٢): وإن كانت أجنبية حرم النظر إليها مطلقا ومنهم من جوز النظر إلى الوجه حيث تؤمن الفتنة وهذا يؤدي إلى التسوية بين النساء والمرد وهو بعيد. شرح صحيح مسلم للنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤/ ٣١): وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها. فتح المعين للمليباري (ت ٩٨٧ هـ) (٣/ ٢٥٨): يحرم على الرجل ولو شيخا هرما تعمد نظر شيء من بدن أجنبية حرة أو أمة بلغت حدا تشتهى فيه ولو شوهاء أو عجوزا وعكسه وإن نظر بغير شهوة أو مع أمن الفتنة على المعتمد. * ومن المذهب المالكي: الذخيرة لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (ت ٦٨٤ هـ) (١٣/ ٣١٥): ويجوز النظر للمتجالة لقوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ ولا يجوز له أن ينظر للشابة إلا لعذر من شهادة أو علاج أو إرادة تزوجها. القوانين الفقهية لابن جزي (ت ٧٤١ هـ) (١/ ٢٩٤): الفصل الأول في حكم النظر وهو أربعة أقسام؛ الأول: نظر الرجل للمرأة فإن كانت زوجته أو مملوكته جاز له أن ينظر إلى جميع جسدها، وإن كانت ذات محرم جاز له رؤية وجهها ويديها دون سائر جسدها على الأصح، وإن كانت أجنبية جاز أن يرى الرجل من

стр. 490

المتجالة الوجه والكفين ولا يجوز أن يرى ذلك من الشابة إلا لعذر من شهادة أو معالجة أو خطبة. مواهب الجليل (ت ٩٥٤ هـ) (٣/ ٤٠٥): قال في التوضيح يجوز النظر للشابة الأجنبية الحرة في ثلاثة مواضع للشاهد وللطبيب ونحوه، وللخاطب وروي عن مالك عدم جوازه للخاطب ولا يجوز لتعلم علم ولا غيره انتهى. (٤) أما قول الشيخ الألباني (هل يجب على النساء أن يسترن وجوههن لفساد الزمان وسداً للذريعة؟) فإن من قال بذلك من الفقهاء الأعلام على اختلاف مذاهبهم وجلالة قدرهم؛ فمرادهم ستر ذلك حال جواز الكشف والنظر؛ أي ستر الإماء لوجوههن، وستر وجوه الحرائر عمن يحل له النظر إليهن من العبيد المملوكين ونحوهم خشية الفتنة وسداً للذريعة؛ أما ستر وجه المرأة الحرة عمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب عنها؛ فهو واجب وفرض افترضه الله عليها بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وليس الذي أوجبه عليها فساد الزمان وسد الذريعة. * فقهاء المذهب الحنبلي - المرداوي في الإنصاف (ت ٨٨٥ هـ) (٨/ ٢٦): قلت الصواب أن - الأمة- الجميلة تنتقب وأنه يحرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الحرة الأجنبية. اهـ

стр. 491

* فقهاء المذهب الشافعي - غاية البيان للرملي (ت ١٠٠٤ هـ) (١/ ٢٤٧): وقضية كلام الناظم حرمة نظر الرجل الفحل - من العبيد - إلى وجه المرأة الأجنبية وكفيها ند أمن الفتنة وهو كذلك كما في المنهاج، لاتفاق المسلمين على منع النساء - الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب - من الخروج سافرات الوجوه. - حاشية قليوبي على شرح منهاج الطالبين (ت ١٠٦٩ هـ) (٣/ ٢٠٩): قوله (لأن النظر إلخ) فيحرم عليهن الخروج سافرات الوجوه لأنه سبب للحرام. * فقهاء المذهب الحنفي - البحر الرائق لابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ) (٢/ ٣٨١) والدر المختار (١/ ٤٠٥): تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة. وفي فتاوي قاضيخان: ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة. - مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لعبد الرحمن الكليبولي المدعو شيخي زادة (ت ١٠٧٨ هـ) (١/ ١٢٢): وفي المنتقى تمنع الشابة عن كشف وجهها لئلا يؤدي إلى الفتنة، وفي زماننا المنع واجب بل فرض لغلبة الفساد.

стр. 492

* فقهاء المذهب المالكي - مواهب الجليل للخطاب (ت ٩٥٤ هـ) (١/ ٤٩٩): واعلم أنه إن خشي من المرأة الفتنة يجب عليها ستر الوجه والكفين قاله القاضي عبد الوهاب ونقله عنه الشيخ أحمد زروق في شرح الرسالة وهو ظاهر التوضيح فهذا ما يجب عليها. - الفواكه الدواني للنفراوي (ت ١١٢٥ هـ) (٢/ ٢٧٧): اعلم أن المرأة إذا كان يخشى من رؤيتها الفتنة وجب عليها ستر جميع جسدها حتى وجهها وكفيها. . . وأقول الذي يقتضيه الشرع وجوب سترها وجهها في هذا الزمان. (٥) أما قوله (ومن فرَّق، فقد تناقض وتعصّب للرجال على النساء، إذ إنهم مشتركون جميعاً في وجوب غضِّ النظر، فمن زاد على الآخر حكماً جديداً بغير برهان من الله ورسوله، فقد تعدَّى وظلم) فيقال أن حجاب المرأة مشروع بأمر الله الحكيم في تشريعه؛ فإن الله حين أودع الفتنة في النساء وأودع الميل لهن في الرجال خصّهن من دون الرجال بأمور؛ كأمرهن بالقرار في البيوت، وأمرهن بعدم الخضوع في القول، وكان مما خصّهن به الحجاب. وقد فرق الشرع الحكيم بين الرجال والنساء في أمور كثيرة، والتفريق بين الرجال والنساء؛ بمنع النظر للنساء بأمرهن بتغطية وجوههن بالحجاب دون الرجال؛ أمر متقدم متقرر عند أهل العلم على اختلاف مذاهبهم، بل إن القول بمساواة الرجل بالمرأة في أحكام النظر هو الذي لم يقل به أحد من علماء الإسلام، وإليك بعض أقوالهم في إثبات الفرق بينهما:

стр. 493

قال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في فتح الباري (٩/ ٣٣٧) والعيني في عمدة القاري (٢٠/ ٢١٧): استمرار العمل على جواز خروج النساء؛ إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال. ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء؛ فدل على تغاير الحكم بين الطائفتين. * ومن فقهاء المذهب الحنفي: ـ بدر الدين العينى (ت ٨٥٥ هـ) في البناية شرح الهداية (١٢/ ١٣٤) وابن عابدين في حاشية رد المختار (١/ ٤٠٧): قال في الملتقط الغلام إذا بلغ مبلغ الرجال ولم يكن صبيحا فحكمه حكم الرجال وإن كان صبيحا فحكمه حكم النساء وهو عورة من قرنه إلى قدمه، لا يحل النظر إليه عن شهوة، وأما الخلوة والنظر إليه لا عن شهوة فلا بأس به ولهذا لم يؤمر بالنقاب. * ومن فقهاء المذهب الحنبلي: - إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن مفلح أبو إسحاق (ت ٨٨٤ هـ) في المبدع في شرح المقنع (٧/ ١١): ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة ... ولأنه لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب لئلا ينظرن إليهم كما تؤمر النساء به. * ومن فقهاء المذهب الشافعي: - قال أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) في الوسيط في المذهب (٥/ ٣٦): نظر المرأة إلى الرجل ... الأصح أنها تنظر إلى ما وراء العورة وتحترز عند

стр. 494

خوف الفتنة كما يحترز الرجل من النظر إلى الأمرد إذ لو استوى النظران لأمر الرجال أيضا بالتنقّب كما أمر النساء. * ومن فقهاء المذهب المالكي: - الإمام أبو الوليد ابن رشد (ت ٥٩٥ هـ) في بداية المجتهد (١/ ١٨٣): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن، ولم يحجب الرجال عن النساء. فهل ينطبق قوله غفر الله له (فمن زاد على الآخر حكماً جديداً بغير برهان من الله ورسوله، فقد تعدَّى وظلم) على هؤلاء الأعلام!

стр. 495

ــ:: الخاتمة للشيخ الألباني:: ــ قال الشيخ الألباني: هذا، ولا بد لي في هذه الخاتمة من لفت النظر إلى أن التشدد في الدين شر لا خير فيه. قال ﷺ : " إن الدين يسير، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا ... " رواه البخاري. فلا بدَّ أن القراء الكرام لاحظوا هذا التشدد مجسماً فيما حكينا من أقوالهم وآرائهم منها قولهم: " حتى ظفرها"، وفي الصلاة أيضاً! وما تكلفوا به من رد الأدلة القاطعة بجريان العمل بكشف الوجه في القرون المشهود لها بالخيرية، وشهادة فضلاء الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين بجواز ذلك ... وإني لأعتقد أن مثل هذا التشديد على المرأة لا يمكن أن يخرج لنا جيلاً من النساء يستطعن أن يقمن بالواجبات الملقاة على عاتقهن في كل البلاد والأحوال مع أزواجهن وغيرهم، ممن تحوجهم الظروف أن يتعاملن معهم، كما كن في عهد النبي ﷺ ، كالقيام على خدمة الضيوف، وإطعامهم، والخروج في الغزو، يسقين العطشى، ويداوين الجرحى، وينقلن القتلى، وربما باشرن القتال بأنفسهن عند الضرورة، فهل يمكن للنسوة أن يباشرن مثل هذه الأعمال وهن منقبات ومتقفزات؟ لا وربي، فإن ذلك مما لا يمكن إلا بالكشف عن (إلا ما ظهر منها) كما سنرى في بعض الأمثلة الشاهدة لما كان عليه النساء في عهد النبي ﷺ ... وعلى هذا المنهج النبوي الكريم يجب على المشايخ والدعاة أن يقوموا بتربية الناس رجالاً ونساءً، ولن يستطيعوا ذلك إلا إذا تعرفوا على السنة، والسيرة النبوية الصحيحة التي تشمل: قوله ﷺ ، وفعله، وتقريره، وما كان عليه سلفنا الصالح مما صح عنهم، فإن فقه العالم لا يستقيم إلا بهذا كله، مستعيناً
следующие страницы →