١٣٣ - حدثني أبي، حدثنا أبو عُبَيْدة السَّرِيُّ (١) بن يحيى، حدثنا أحمد بن جَوَّاس (٢)، حدثنا نَوْفَل، قال: كنَّا عند ابن المُبَارك، فحدَّثَنا عن سُفيان (٣)، عن أبي حَصِين، عن الشَّعْبي: أنَّه كَرِهَ أنْ يأخذَ مِن المُخْتَلِعَةِ كلَّ ما أعطاها (٤). فقال رجلٌ: حدثنا قَيْس بن الرَّبيع (٥)، عن أبي حَصِين، عن الشَّعْبي: أنَّه كَرِهَ أنْ يأخذَ مِن المُخْتَلِعَةِ أكثرَ ممَّا أعطاها. فقال ابنُ المُبَارك: إنَّ قَيْسًا لم يكن يُفَرِّقُ (٦) بين كُلٍّ وأَكْثرَ، فاطلُب لسُفيانَ قِرْنًا (٧) ولن تجدَ (٨).
١٣٤ - حدثنا محمد بن الوليد النَّرْسي، حدثنا أبو حَفْص (٩)، حدثنا أبو داود (١٠)، حدثنا حمَّاد بن سلمة، عن هارون بن رِئَاب (١١)، عن عبد الله بن
стр. 229
عُبيد (١)، عن ابن عبَّاس أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله، إنَّ امرأتي لا تَدَعُ يَدَ لامِسٍ. قال: «طَلِّقْهَا». قال: إنَّها حَسْنَاءُ، وإنِّي أخشى على نفسي. قال: «أَمْسِكْهَا» (٢).
قال أبو حَفْص: فحدَّثتُ بهذا الحديث يحيى بنَ سعيد فأنكره وقال: إنَّما هو مُرْسَلٌ عن عبد الله بن عُبيد عن النبي ﷺ .
فقال عفَّانُ بن مُسْلِم وكان إلى جنبِه: حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، حدثنا هارون بن رِئَاب وعبد الكَريم المُعَلِّم، عن عبد الله بن عُبيد -قال أحدُهما: عن ابن عبَّاس- عن النبي ﷺ (٣).
فقال يحيى بنُ سعيد: أبو داود لا يُفَرِّقُ (٤) بين هذين (٥).
١٣٥ - حدثنا عبد الله بن صالح البُخَاري (٦)، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كَثِير،
стр. 230
حدثنا نُعَيْم بن حمَّاد قال: قلتُ لعبد الرحمن بن مَهْدي: أين ابنُ عُيَيْنَة مِن الثَّوْري؟ فقال: عند ابنِ عُيَيْنَة مِن معرفتِه بالقرآن، وتفسير الحديث، وغَوْصِه على حروفٍ متفرِّقةٍ يجمعُها ما لم يكن عند الثَّوْري (١).
١٣٦ - حدثنا (٢) الحسين (٣) بن بِهَان، حدثنا سَهْل بن عثمان، حدثنا حفص، عن أشعث، عن ابن سِيرين قال: أتيتُ شُرَيْحًا، فكنتُ أُجالِسُه في مجلس القضاءِ، فاشْتَبَه عليه يومًا في قضيَّة، فأرسلَ إلى عَبِيدة السَّلْماني فسأله، فقلتُ: هاهنا مَن هو أعلمُ مِن شُرَيْح! فأتيتُه وتركتُ شُرَيْحًا.
١٣٧ - حدثنا أبو عمر بن سُهَيْل الفقيه، حدثنا محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الأصْبَهاني بمكَّة، حدثنا مُصْعَب الزُّبَيْري قال: سمعتُ مالكَ بنَ أنس، وقد قال لابنَيْ أختِه أبي (٤) بكر وإسماعيل ابنَيْ أبي أُوَيس: أَراكما تُحِبَّان هذا الشأنَ وتطلُبانِه؟ يعني: الحديثَ. قالا: نعم. قال: إنْ أحببتُما أنْ تَنْتَفِعا، وينفعَ اللهُ بكما، فأقِلَّا منه، وتَفَقَّها.
стр. 231
ونَزلَ ابنُ مالك بن أنس مِن فوقُ، ومعه حَمَامٌ (١) قد غطَّاه، قال: فعَلِمَ مالكٌ أنَّه قد فَهِمَه الناسُ، فقال: الأدبُ أدبُ الله، لا أدبُ الآباء والأُمَّهات، والخيرُ خيرُ الله، لا خيرُ الآباء والأُمَّهات (٢).
١٣٨ - حدثنا عبد الرحمن بن محمد المَازِني، حدثنا هارون الفَرْوي، حدثني أبي قال: كان يحيى بنُ مالك بن أنس يدخلُ ويخرجُ، ولا يَجْلِسُ معنا عند أبيه، فكان إذا نظرَ إليه أبوه يقول: هَاهْ، إنَّ ممَّا يُطَيِّب نفسي أنَّ هذا العِلْمَ لا يُورَث، وأنَّ أحدًا لم يَخْلُف أباه في مجلسِه، إلَّا عبدُ الرحمن بنُ القاسم (٣).
١٣٩ - حدثنا بَكْر بن أحمد بن الفَرَج الزُّهري، حدثنا العبَّاس بن الفَرَج الرِّيَاشي، حدثنا عبد الملك بن قُرَيْب قال: دخل عبدُ الملك بن مروان المسجدَ الحرامَ، فرأى حِلَقَ العِلْم والذِّكْر فأُعْجِب بها، فأشار إلى حَلْقة فقال: لِمَن هذه الحَلْقة؟ فقيل: لعَطَاء. ونظر إلى أخرى فقال: لِمَن هذه؟ فقيل: لسعيد بن جُبَيْر. ونظر إلى أخرى فقال: لِمَن هذه؟ فقيل: لمَيْمون بن مِهْران. ونظر إلى أخرى فقال: لِمَن هذه؟ فقيل: لمَكْحول. ونظر إلى أخرى فقال: لِمَن هذه؟ فقيل: لمُجَاهد. وكلُّ هؤلاء مِن أبناء الفُرْس الذين باليَمَن.
فرجعَ إلى منزلِه، وبعث إلى أحياءِ قُرَيْش فجَمَعهم، فقال: يا معشرَ قُرَيْش،
стр. 232
كنَّا فيما قد عَلِمتُم، فمَنَّ اللهُ علينا بمُحمَّد ﷺ وبهذا الدِّين، فحَقَرْتُموه حتى غلبكم أبناءُ الفُرْس. فلم يَرُدَّ أحدٌ منهم إلَّا عليُّ بن الحُسين؛ فإنَّه (١) قال: ذلك فضلُ الله يؤتيه مَن يشاء. ثم قال عبد الملك: ما رأيتُ كهذا (٢) الحَيِّ مِن الفُرْس، مَلَكوا مِن أوَّلِ الدَّهر فلم يحتاجُوا إلينا، ومَلَكناها (٣) فما استغنينا عنهم ساعةً.
١٤٠ - حدثنا أحمد بن محمد العَسْكَري، حدثنا أبو زُرْعة الدِّمَشْقي (٤)، حدثنا أبو مُسْهِر قال: سمعتُ كامِل بن سَلَمة بن رَجاء بن حَيْوَة قال: قال هِشامُ بنُ عبد المَلِك: مَن سيِّدُ أهل فِلَسْطين؟ قالوا: رَجاء بن حَيْوَة. قال: فمَن سيِّدُ أهل الأُرْدُنِّ؟ قالوا: عُبَادة بن نُسَيٍّ. قال: فمَن سيِّدُ أهل دِمَشْق؟ قالوا (٥): يحيى بن يحيى الغَسَّاني قال: فمَن سيِّدُ أهل حِمْص؟ قالوا: عمرو بن قَيْس. قال: فمَن سيِّدُ أهل الجَزِيرة؟ قالوا: عَدِيُّ بن عَدِيٍّ الكِنْدي. قال: يا لَكِنْدَة (٦).
стр. 233
١٤١ - حدثنا موسى بن زكريا، أخبرنا (١) عمرو بن الحُصَين، حدثنا ابن عُلَاثة، حدثنا حُمَيْد الطَّويل قال: قَدِمَ رجلٌ مِن أهل الباديةِ البَصْرةَ، فاستقبلَه خالدُ بنُ مِهْران، فقال له: يا (٢) عبد الله، أخبِرني عن سيِّد أهل هذا المِصْر مَن هو؟ قال: الحسن بن أبي الحسن قال: أعربيٌّ أم مولًى؟ قال: مولًى. قال: مولى لِمَن؟ قال: للأنصار (٣). قال: فبِمَ سادَهم؟ قال (٤): احتاجوا إليه في دينِهم، واستغنى هو عن دنياهم. فقال البَدَوي: كفى بهذا سُودَدًا (٥).
١٤٢ - حدثنا أحمد بن عبد الله بن حمَّاد الخُرَاساني، حدثنا أبو بكر العابِدِي (٦)، حدثنا الزُّبَيْر بن أبي بكر (٧)، حدثني رَجُلٌ، عن قَيْس بن حَفْص الدَّارمي، حدثني مَسْعود بن سُلَيْم قال: ابْتَنى (٨) معاويةُ بالأَبْطَح (٩) مَجْلِسًا،
стр. 234
فجلسَ عليه ومعه ابْنَةُ قَرَظَة (١)، فإذا هو بجماعةٍ على رِحَالٍ، وشابٌّ منهم قد رَفَعَ عَقِيرتَه (٢) يُغَنِّي:
بينما يَذْكُرْنَني أَبْصَرْنَنِي ... عند قِيدِ المِيلِ (٣) يَسْعَى بي الأَغَرْ (٤)
قُلْنَ تَعْرِفْنَ الفَتَى قُلْنَ نَعَمْ ... قد عَرَفْنَاه وهَلْ يَخْفى القَمَرْ
قال (٥): مَن هذا؟ قالوا (٦): عُمر بن أبي رَبِيعة (٧). قال: خَلُّوا له الطريقَ فليذهَبْ.
قال: ثم إذا هو بجماعة، وإذا رجلٌ يُسْأَل يقال (٨) له: رَمَيْتُ قبل أنْ أَحْلِقَ، وحلقتُ قبل أنْ أرميَ. لأشياء أَشْكَلت عليهم (٩) مِن مناسك الحَجِّ قال: مَن
стр. 235
هذا؟ قالوا: عبد الله بن عُمَر (١). فالتفت إلى ابنةِ قَرَظَة قال: هذا -وأبيكِ- الشَّرفُ، هذا واللهِ شرفُ الدُّنيا وشرفُ الآخرة (٢).
١٤٣ - حدثنا أحمد بن سعيد، أنَّ الزُّبَيْر (٣) حدَّثهم، حدثنا إبراهيم الحِزَامي، حدثني مَعْن بن عيسى، حدثني ابنُ أخي ابن شهاب قال: كتب بعضُ ملوك بني أُمَيَّة إلى عمِّي يسأله عن الخُنْثى: مِن أين يُوَرَّث؟ قال: مِن حيث يَخْرجُ الماءُ (٤)، فإنْ خرجَ منهما جميعًا فمِن أيِّهما سَبق.
قال مَعْنٌ: فسَمِعني رجلٌ ممَّن يسكن بلادَ الزُّهري فقال (٥): أَلَمْ تَسمعْ ما قال الشاعرُ له حين قضى بهذا؟ فقلتُ: لا، وما ذاك؟ قال: قال:
ومُهِمَّةٍ أَعْيى القُضَاةَ قَضَاؤها ... تَذَرُ الفقيهَ يَشُكُّ شَكَّ الجَاهل
عَجَّلْتَ قبلَ حَنِيذِها (٦) بشِوائِها ... وقَطَعْتَ مَفْصِلَها بحُكْمٍ فاصِل
فتَرَكْتَها بعد العَمَايَةِ سُنَّةً ... للمُقْتَدِين وللإمامِ العادِل
стр. 236
قال (١) الحِزَامي: فسمِعني المُؤَمَّل بن طالوت، فقال: هذا قائد (٢) بن أَصْرَم (٣) البَلَوي (٤).
وقال سعيد بن وهب (٥) يذكر مالكَ بن أنس:
يَأْبى الجَوَابَ فمَا يُرَاجَعُ هَيْبَةً ... والسَّائِلُونَ نَوَاكِسُ (٦) الأَذْقَان
هَدْيُ التَّقِيِّ (٧) وعِزُّ سُلْطَانِ الهُدَى ... فهْو العَزِيزُ وليس ذا سُلْطَانِ (٨)
стр. 237
١٤٤ - حدثنا إبراهيم بن حُمَيْد النَّحْوِي، حدثني أبو بكر الخَصَّاف، حدثني هِلال بن مسلم قال: كنتُ أختلفُ إلى غُنْدَر أكتبُ عنه، وكان يَسْتَثْقِلُني للمَذْهَب (١)، فأتيتُه يومًا، وأصحابُ الحديث عنده، فلمَّا رآني أَظْهَرَ استِثْقالًا، وأقبل على أصحاب الحديث يُحَدِّثهم لكراهتِه لي، فسلَّمتُ وجلستُ فقلتُ: أصلحكَ اللهُ! حديثُ صفوانَ بن عَسَّال المُرَادي: أنَّ يهوديَّين نَظَرا إلى النبي ﷺ فمالا إليه، فقالا: نسألُك عن التِّسع الآياتِ التي جاء بها موسى. قال: فأخبرهما بها، فقالا له: نشهدُ أنَّك نبيٌّ. قال: «فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تُسْلِمَا؟ ». قالا: نخافُ أنْ تقتلَنا يهودُ. فقال: نعم، حدثني شعبة، عن الحَكَم (٢)، فأيُّ شيء لصاحبِك في هذا؟ قلتُ: إنَّهما قالا: نشهد أنَّك نبيٌّ. ثم رَجَعا إلى اليهودية، فلم يجعل ذلك رِدَّةً منهما. فالتفتَ إلى أصحاب الحديث، فقال: أتُحْسِنون أنتم مِن هذا شيئًا؟ ثم أقبل عليَّ، فقال: أُحِبُّ أنْ تَلْزمني. وتَبَسَّطَ إليَّ، ثم قُمْتُ مِن عنده وتركتُه (٣).
стр. 238
١٤٥ - حدثنا شيخُنا أبو عمر أحمد بن محمد بن سُهَيْل، حدثني رجلٌ ذَكَره مِن أهل العِلْم، وأُنْسِيتُ أنا اسمَه، وأحسِبُه (١) يوسُفَ بنَ الصَّادِّ قال: وَقَفَتِ امرأةٌ على مجلسٍ فيه يحيى بن مَعِين وأبو خَيْثَمة وخَلَف بن سالم في جماعةٍ يتذاكرون الحديثَ، فسَمِعَتْهم يقولون: قال رسولُ الله ﷺ ، وسمعتُ رسولَ الله ﷺ ، ورواه فلانٌ، وما حَدَّث به غيرُ فلان.
فسألَتْهم المرأةُ (٢) عن الحائضِ تُغَسِّلُ الموتى، وكانت غاسِلةً، فلم يُجِبْها أحدٌ منهم، وجعل بعضُهم ينظر إلى بعض، فأقبل أبو ثَوْر فقيل لها: عليك بالمُقْبِل. فالتفتت إليه، وقد دنا منها، فسألَتْه فقال: نعم تُغَسِّلُ الميِّتَ لحديث عُثْمان بن
стр. 239
الأَحْنَف، عن القاسم، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها (١): «أَمَا إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» (٢)، ولقولِها: كنتُ أَفْرُقُ (٣) رأسَ رسولِ الله ﷺ بالماءِ وأنا حائضٌ (٤). قال أبو ثور: فإذا فَرَقَتْ رأسَ الحَيِّ بالماءِ فالمَيِّتُ أَوْلى به. فقالوا: نعم، رواه فُلانٌ، وحدَّثَناه فُلانٌ (٥)، ونعرِفُه (٦) مِن طريقِ كذا.
وخاضوا في الطُّرُق والرِّوَايات، فقالت المرأةُ: فأين كنتم إلى الآن؟ ! (٧).
стр. 240
١٤٦ - أخبرنا السَّاجي، أنَّ جعفر بن أحمد حدَّثهم قال: لمَّا وَضعَ أبو عُبيد كُتُبَ الفقه والردِّ بلغ ذلك حُسين بن علي الكَرَابيسي فأخذ (١) بعضَ كتبِه، فنظر فيه، فإذا هو يحتجُّ عليهم بحُجَجِ الشافعيِّ (٢) ويحكي لفظَه، وهو لا يذكر الشافعيَّ، فغضبَ حُسينٌ ولَقِيَه، فقال: يا أبا عُبيد، تقولُ في كتبِك: قال ابنُ الحسن، وقال فلان، وتُدْغِمُ ذِكْرَ (٣) الشافعيِّ، وقد سرقتَ احتجاجَه مِن كتبِه، ما أنت؟ وهل تُحْسِنُ أنت شيئًا؟ إنَّما أنت راوِيةٌ. ثم سألَه عن رجلٍ ضَربَ صدرَ رجلٍ، فكَسر ضِلْعًا مِن أضلاعه، فأجابه بالخطإ، فقال: أنت لا تُحسن مسألةً واحدةً، تضعُ الكتبَ؟ ! فلم يَقُم حتى بيَّن أمرَه (٤).
١٤٧ - أخبرني أبي، أنَّ القاسم بن نصر المُخَرِّمي حدَّثهم قال: سمعتُ عليَّ بن المَدِيني يقول: قَدِمتُ الكوفةَ (٥)، فعُنِيتُ بحديث الأعمش فجمعتُه، فلما
стр. 241
قَدِمتُ البَصْرةَ لقيتُ عبدَ الرحمن (١)، فسلَّمتُ عليه، فقال: هاتِ يا عليُّ ما عندك. فقلتُ: ما أحدٌ يُفيدني عن الأعمش شيئًا. قال: فغَضِب، فقال: هذا كلامُ أهل العلم؟ ! ومَن يَضبِطُ العلمَ؟ ومَن يُحيط به؟ مثلُك يتكلَّم بهذا؟ معك شيء تكتبُ (٢) فيه؟ قلتُ: نعم. قال: اكتب. قلتُ: ذاكِرني؛ فلعلَّه عندي. قال: اكتب، لستُ أُمْلي عليك إلَّا ما ليس عندك. قال: فأملى عليَّ ثلاثين حديثًا لم أسمَعْ منها حديثًا، ثم قال: لا تَعُدْ. قلتُ: لا أعودُ.
قال عليٌّ: فلمَّا كان بعد سنَةٍ جاء سليمانُ (٣) إلى الباب، فقال: امضِ بِنا إلى عبد الرحمن حتى أفضحَه اليومَ في المَناسِك. قال عليٌّ: وكان سليمان مِن أعلمِ أصحابِنا بالحجِّ. قال: فذهبنا فدخلنا عليه، فسلَّمنا وجلسنا بين يديه، فقال: هاتا ما عندكما، وأظنُّك يا سليمان صاحبَ الخُطْبة. قال: نعم، ما أحدٌ يُفيدنا في الحَجِّ شيئًا. فأقبل عليه بمثل ما أقبل عليَّ، ثم قال: يا سليمان، ما تقول في رجل قضى المناسكَ كلَّها إلَّا الطوافَ بالبيت، فوقع على أهلِه؟ فاندفع سليمانُ فروى: يتفرَّقانِ حيث اجتَمَعا، ويجتمعانِ حيث تفرَّقا. قال: اروِ ومتى (٤) يجتمعان، ومتى يفترقان (٥)؟ قال: فسكت سُليمان، فقال: اكتب. وأقبل يُلْقي عليه
стр. 242
المسائلَ، ويُملي عليه، حتى كتبنا ثلاثين مسألةً في كلِّ مسألةٍ يروي الحديثَ والحديثين، ويقول: سألتُ مالكًا، وسألتُ سفيانَ، وعُبيد الله بن الحسن. قال: فلما قمتُ قال: لا تَعُدْ ثانيًا تقول ما قلتَ. فقمنا وخرجنا، قال: فأقبل عليَّ سليمانُ، فقال: أَيْشٍ خرج علينا مِن صُلْب مَهْديٍّ هذا؟ ! كأنَّه كان (١) قاعدًا معهم، سمعتُ مالكًا وسفيانَ وعُبيدَ الله (٢).
١٤٨ - أخبرني أحمد بن محمد بن الفضل التُّسْتَري، حدثنا محمد بن سعيد التِّرْمِذي، وقد كتبتُ أنا عنه ولم أسمَعْ هذا منه، حدثنا علي بن المَدِيني، أخبرنا عبد الرَّزَّاق، عن مَعْمَر، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ».
قال محمد بن سعيد التِّرْمِذي: فسألتُ أبا عُبَيْد عن العَقْر؟ فقال: لا أدري. ثم سألوا أبا عبد الله بن الأعرابي عنها؟ فقال: لا أدري. ثم سألوا أبا عمرو الشَّيْباني؟ فقال: لا أدري.
فقيل: سَلُوا أهلَها. فقالوا لأحمد بن حنبل: ما معنى قولِ النبيِّ ﷺ : «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ»؟ فقال: كانوا في الجاهليَّة إذا مات فيهم السَّيِّدُ عَقَروا على قبره، فنهى النبيُّ ﷺ عن ذلك، فقال: «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ».
стр. 243
قال محمد بن سعيد: فأخبرتُ أبا عُمر هِلالَ (١) بنَ العَلَاء الرَّقِّي، فأُعْجِبَ بقول أحمد وأنشد:
وإذا مَرَرْتَ بقبرِه فاعْقِرْ به ... كُومَ الهِجَانِ (٢) وكُلَّ طِرْفٍ (٣) سابِحِ (٤)
ثم قال لي (٥): عُقِرَ في الجاهليَّة على قبر رَبيعة بن مُكَدَّم (٦)، وفي الإسلام على قبر المُغِيرة بن المُهَلَّب (٧)، عَقَرَ عليه كَعْب بن أبي سُود.
стр. 244
١٤٩ - حدثني العبَّاس بن الحُسين البغدادي، حدثنا أحمد بن محمد (١) بن بَكْر النَّيْسابوري قال: سمعتُ أبا العبَّاس الحَرَّانيَّ يقول: سمعتُ أبا عاصم النَّبِيل يقول: الرِّياسة في الحديث بلا دِرايةٍ رِياسةٌ نَذْلَةٌ (٢).
١٥٠ - حدثني أحمد بن محمد بن سَهْل الطَّيَالِسي قال: سمعتُ محمد بن يُونُس الكُدَيْمي يقول: سمعتُ سليمان الشَّاذَكُوني يقول: وسُئِل عن أحمد وعلي بن المَدِيني فقال: «ما أُشَبِّهُ (٣) السُّكَّ باللُّكِّ (٤)» (٥).
стр. 245
يريد: فقهَ أحمد وعِلْمَه بغوامض الحديث (١).
١٥١ - أخبرني أبو بكر أحمد (٢) بن عبد العزيز بن أبي شَيْبَة، أخبرنا محمد بن عِمْران الضَّبِّي قال: استأذَنَ شَرِيكٌ على أبي عُبيد الله كاتبِ المَهْدي (٣) فدخل وعنده جماعةٌ مِن أهل البَصْرة وأهل الكُوفة، فقال لشَرِيك: يا أبا عبد الله، إنَّ أصحابَنا قد اختلفوا في أمرٍ، وقد ضمِنْتُ عنك بأنْ تقضيَ بينهم، فقال: أَصْلحك اللهُ، الاختلافُ قديمٌ، وإنْ أَعْفَيْتني كان أحبَّ إليَّ. قال: لا، إنَّه لابدَّ. قال: ففيمَ اختلفوا؟ قال: زعم أهلُ الكُوفة أنَّ النَّبِيذَ بمَنْزِلة الماء، وزعم البصريُّون أنَّه حرامٌ كالخَمر. فقال شَرِيكٌ: حدثنا إسماعيل، عن قَيْس، عن
стр. 246
عبد الله أنَّه شَرِب نَبِيذًا كأشدِّ النَّبِيذ، وحدثنا. وجعل يذكر الحديثَ، وما جاء فيه مِن الرُّخصة.
١٥٢ - وأخبرنا به أبو يعلى المَوْصلي فيما كَتَبَ به (١) إلينا، أنَّ منصورَ بن أبي مُزاحِم حدَّثهم قال: سمعتُ شَرِيكَ بنَ عبد الله في مجلس أبي عُبَيد الله (٢)، وفيه الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، وأبو مُصْعب، وعنده مِن أشراف الناس، وابنٌ لأبي موسى يقال له: أبو بلال بن الأشعري، وخالد بن هِلال المَخْزومي، فتذاكروا (٣) النَّبِيذَ، فتحدَّثوا فيه، فتكلَّم مَن حَضَر مِن العراقيين، فرخَّصوا في النَّبِيذ، وذَكَرَ الحجازيُّون التشديدَ.
فقال شَرِيك بن عبد الله: حدثنا أبو إسحاق الهَمْداني، عن عمرو بن مَيْمون قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ : إنَّا نأكلُ لُحُومَ هذه الإبل، وليس يَقْطَعُه في بطوننا إلا النَّبِيذُ الشديدُ (٤).
فقال الحسن بن زيد (٥): ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧].
فقال شَرِيك للحسن: شَغَلَك عن هذا جلوسُك على الطَّنَافِس (٦) في صدور
стр. 247
المجالس، هذا أمرٌ لم تَسْهَر فيه عيناك، ولم تَسْمُل (١) فيه ثوباك (٢)، ولم تتمزَّق فيه خُفَّاك، أصحابُ هذا يطلبونه في مَظَانِّه.
فقال أبو عُبَيد الله: فأنتَ يا أبا عبد الله، كيف تقولُ في هذا؟
قال: هَيْهَاتَ، أهلُ الحديث أشدُّ ضِنًّا بِه (٣) مِن أنْ يُعَرِّضُوه (٤) للتكذيب.
فقال بعضُهم: كان سفيانُ الثَّوْري يشرب.
فقال قائل منهم: بلغنا أنَّ سفيانَ ترك النَّبِيذ.
فقال شَرِيك: أنا رأيتُه يشرب في بيت حَبْر (٥) أهل الكوفة في زمانه، مالكِ بن مِغْوَل (٦).
стр. 248
قال أبو محمد: والحديثُ على لفظ أبي يعلى عن منصور قد سبق.
١٥٣ - حدثني محمد بن خلف بن المَرْزُبان، حدثنا أحمد بن مسعود بن نصر النَّحْوي، عن عبد الله بن صالح العِجْلي (١) قال: سألتُ الكِسائي عن قوله: «التَّحِيَّاتُ للهِ» ما معناها؟ فقال: التحيَّاتُ مثلُ البَرَكات. قلتُ: ما معنى البَرَكات؟ فقال: ما (٢) سمعتُ فيها شيئًا.
وسألتُ عنها محمد بن الحسن فقال: هو شيءٌ تَعَبَّدَ اللهُ به عبادَه.
فقدمتُ الكُوفةَ فلقيتُ عبدَ الله بن إدريس (٣)، فقلتُ: إنِّي سألتُ الكِسائيَّ ومحمدًا عن قوله: «التَّحِيَّاتُ» فأجاباني (٤) بكذا وكذا. فقال عبد الله بن إدريس: إنَّه لا عِلْمَ لهما (٥) بالشِّعر، وبهذه الأشياء، التحيَّة: المُلْكُ.
وأنشدني:
стр. 249
أَؤمُّ (١) بها أبا قابوسَ (٢) حتى ... أُنِيخَ (٣) على تحيَّتِه بجُنْدِي (٤)
١٥٤ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن حَسَّان الأَنْمَاطي، حدثنا أبو هَمَّام الوليد ابن شُجَاع، حدثنا مُطَهَّر بن الهَيْثَم، حدثنا محمد بن ثابت البُنَاني، عن أبيه، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُقَادُ البَعِيرُ بَيْنَ اثْنَيْنِ» (٥).
قال أبو هَمَّام: سمعتُ أبا عاصم الضَّحَّاك بن مَخْلَد يقول: لا يَرْكَبانِه جميعًا بل يَمْشِيان.
١٥٥ - حدثنا موسى بن سَهْل الجَوْني (٦)، حدثنا يونُس بن عبد الأعلى، حدثنا
стр. 250
سفيان بن عُيَيْنَة، حدثنا عُبَيْد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سِبَاع بن ثابت، سمع مِن أم كُرْز الكَعْبِيَّة، عن النبي ﷺ ، قال: «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا» (١).
قال يونُس: فقال لي محمد بن إدريس الشافعيُّ: معنى هذا الحديث: أنَّ الرجلَ مِن أهل الجاهليَّة كان إذا أراد الحاجةَ أتى الطيرَ في وَكْرِها، فنَفَّرَها، فإنْ أخذَتْ ذاتَ اليمينِ مضى لِحاجتِه، وإنْ أخذَتْ ذاتَ الشِّمال رجعَ، فنَهى النبيُّ ﷺ عن ذلك (٢).
وأمَّا الحديث الآخر: «لَا تَطْرُقُوا الطَّيْرَ فِي أَوْكَارِهَا» (٣) فإنَّه نهى عن صيدِها ليلا (٤).
стр. 251
قال القاضي أبو محمد: هكذا في الحديث: «مَكِنَاتِهَا»، وأهلُ العربيَّة يقولون: «وُكَنَاتِهَا» (١) قال امْرُؤ القَيْس:
وقَدْ أغْتَدِي (٢) والطَّيْرُ (٣) في وُكَنَاتِها (٤)
والوُكْنَةُ: اسمٌ لكلِّ وَكْرٍ وعُشٍّ، والوَكْرُ موضِعُ الطائرِ الذي يَبِيضُ فيه ويُفْرِخُ (٥)، وهو الخُرُوق في الحِيطان والشَّجَر، ويقال: وَكَنَ الطائرُ (٦) يَكِنُ
стр. 252
وُكُونًا، إذا حَضَنَ (١) على بَيضِه، وهذا ونحوه ممَّا لا يَعرفُ معناه إلَّا أهلُ الحديث كثيرٌ.
قال أبو محمد: وقال (٢) بعضُ أصحابِنا: قلتُ لسُليمان الشَّاذَكُوني في حديثٍ يُذْكَر فيه عليٌّ ﵁: «ضَرَباتُه أَبْكارٌ، تَقْصُرُ (٣) معها الأَعْمارُ». قال: معناه: أنَّه لا يحتاجُ إلى أكثرَ مِن ضَرْبةٍ واحدةٍ حتى يَقضِيَ (٤) على المَضْروب.
قال أبو محمد: وحديثٌ رواه مُعاويةُ بن قُرَّة: «أَمِيرُ الْقَوْمِ أَقْطَفُهُمْ دَابَّةً» (٥). قال: معناه: أنَّه (٦) لهم أنْ يَسيروا بسَيْرِه؛ لأنَّ القَطُوفَ يَتَباطَأُ (٧) في السَّيْر لِئَلَّا يُحِيطَ به العدوُّ، ويَعْرِضَ (٨) له السَّبُعُ.
стр. 253
قال: وقولُه ﵇: «إِنَّ عَلَى كُلِّ هُدْبَةٍ شَيْطَانًا». قال: هذا مَثَلٌ في الاجتماع والافتراق، يقول: اجتمِعوا ولا تفرَّقوا (١)، وكونوا سَدًى ولَحْمَةً (٢)؛ فإنَّكم إذا تفرَّقتم كنتم بمَنْزِلةِ الهُدْبِ (٣)، كان مع كلِّ واحد منكم شيطانٌ يدعوه إلى أنواع الخِلاف، وإذا اجتمعتُم كنتُم بمَنْزِلةِ السَّدَى واللَّحْمَة (٤)، ومثلُه قولُه: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» (٥).
١٥٦ - حدثنا القاسم بن محمد بن حمَّاد (٦)، حدثنا أبو بِلال الأَشْعَري، حدثنا
стр. 254
عبد الله بن مِسْعَر بن كِدَام، عن أبيه، عن وَبَرَة، عن ابن عُمَر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لِرَجُلٍ: «تَوَقَّهْ وَتَبَقَّهْ» (١).
١٥٧ - حدثناه (٢) الحَضْرَمي، حدثنا القاسم بن محمد العَبْسِي، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن سَيَّار (٣)، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لأبي بكر: «يَا أَبَا بَكْرٍ تَوَقَّ وَتَبَقَّ».
وهذا على وَجْهِ الدُّعاء، وتقديرُه (٤): وَقَاك اللهُ وأَبْقَاك. وأخرجَه مَخْرجَ الأمر،
стр. 255
كما قال للآخَرِ (١): «عِشْ حَمِيدًا، وَالْبَسْ جَدِيدًا، وَمُتْ شَهِيدًا» (٢)، وكما قال بعضُ الشُّعَراء:
يا أمينَ اللهِ عِشْ أَبَدا (٣)
ويُحتمل أنْ يكونَ (٤): تَوَقَّ المَحَارِمَ؛ لِتَصِلَ إلى بقاءِ الأَبَد، والهاءُ عِمادٌ (٥)، كقولِه : ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وأشباهِه.
١٥٨ - قال أبو محمد: قال لنا حَسْنُون بن أحمد المِصْري: قال لنا أحمد بن
стр. 256
صالح: قال لنا ابن وهب: قولُ النبي ﷺ : «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ» (١)، ليس يريدُ فقرَ القِلَّةِ، إنَّما أرادَ فقرَ القَلْب (٢).
وكان الحسن بن علي السَّرَّاج (٣) يقول: يزعمون أنَّ أصحابَ الحديث أغمارٌ، وحَمَلةُ أسفارٍ! وكيف يَلْحَقُ هذا النعتُ قومًا ضَبطوا هذا العِلْمَ، حتى فرَّقوا بين الياء والتاء؟
فمِن ذلك: أنَّ أهلَ الكوفةِ روَوْا حديثَ إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيْس بن أبي حازم، عن المُسْتَوْرِد بن شَدَّاد، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ (٤) تَرْجِعُ» (٥)، فقالوا: «تَرْجِعُ» بالتاء، جعلوا الفعلَ للإصْبَع وهي مؤنَّثة.
وروى أهلُ البَصْرة، عن إسماعيل هذا الحديثَ، فقالوا: «يَرْجِعُ» بالياء، جعلوا الفعلَ لليَمِّ (٦).
قال القاضي: وضَبطوا الحَرْفَين يَشْتَرِكانِ في الصورة، يُعْجَمُ أحدُهما ولا يُعْجَمُ
стр. 257
الآخرُ، كقولِه ﵇: «يُنْضَحُ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ» (١) بالحاء غير مُعْجَمَة، وفي الحديث الآخر: «نَضَخَهُ بِالْمَاءِ» بالخاء (٢)، والنَّضْخُ بالخاء مُعْجَمَة فوق النَّضْح.
١٥٩ - وأخبرنا أبو خَلِيفة، أنَّ التَّوَّزِيَّ (٣) قال: النَّضْخُ مُجْتَمِعٌ، والنَّضْحُ مُتَفَرِّقٌ.
وكذلك النَّهْش والنَّهْس بالشين والسين (٤)،
والرَّضْخ والرَّضْح (٥)، والقَبْض والقَبْص (٦).
جَزَّةً (١) , وعن المُخَاصَرة بالصاد غير مُعْجَمَة، ورُوي أيضًا الاخْتِصَار (٢)، وهو أنْ يُمْسِكَ الرجلُ يدَه على خاصِرَتِه (٣) في الصَّلاة.
ونهى عن القَزَع (٤) بالقاف والزاي مُعْجَمةً، وهو أنْ يُحْلَقَ رأسُ الصَّبيِّ، ويُتْرَكَ وسَطُه، وعن الفَرَع (٥) بالفاء والراء (٦) غيرِ مُعْجَمةٍ، وهو ذَبَائِحُهم (٧) لآلِهَتِهم، وعن القَرْع (٨) بالقاف والراء غيرِ مُعْجَمةٍ، وهو الانْتِباذُ في القَرْع، يعني: ظَرْفَ (٩) الدُّبَّاءِ.
стр. 260
• وضبطوا اختلافَ حَرَكةِ (١) الأسماءِ المُتَّفِقةِ صُوَرُها:
فمُيِّز عَبِيدةُ مِن عُبَيدة، وعُمَارة مِن عِمَارة، وعُبَادة مِن عَبَادة، وحَبَّان مِن حِبَّان، وسُلَيْم مِن سَلِيم، ومَعْقِل مِن مُغَفَّل (٢)، ومَعْمَر مِن مُعَمَّر، وحَبِيب (٣) مِن حُبَيِّب (٤)، وبَشِير مِن بُشَير.
• وتَوَصَّلوا إلى معرفة الأسماء والألقاب والأنساب، فقالوا:
فُلانٌ البَدْريُّ، شَهِدَ بَدْرًا، وأبو مَسْعُود البَدْري، كان ينزلُ ماءَ بَدْر، وليس ممَّن شَهِدَ بَدْرًا.
وفُلانٌ القارئُ، مِن قَرَأَةِ (٥) القرآن، وعبد الرحمن بن عَبْدٍ القارِيُّ، مِن القَارَة، وهم بَنُو الهُون بنِ خُزَيْمة.
وعُمَيرُ مَوْلى آبِي اللَّحْمِ، على وزن فاعِل، مِن الإبَاءَةِ؛ لأنَّه كان يأبى أنْ يأكلَ اللَّحْمَ، فلُقِّبَ به، وليس بكُنْية.
ويَزِيدُ الفَقِيرُ؛ لأنَّه (٦) كان يألَمُ فَقَارُ ظَهْرِه حتى يَنحنيَ لها، وليس مِن الفَقْر.
стр. 261
وعَمَّار الدُّهَني، مفتوح الهاء (١)، مِن بني دُهَن حَيٌّ من بَجِيلة، وهم أَحْمَسُ (٢) بنُ الغَوْث بن أَنْمار بن إراش (٣) بن الغَوْث بن نَبْت بن مالك بن زَيْد (٤) بن كَهْلان بن سَبَإ.
وبَجِيلة أُمٌّ، فنُسِبَ وَلَدُها إليها.
والضَّحَّاك المِشْرَقي، مكسور (٥) الميم مفتوح الراء، منسوبٌ إلى مِشْرَق بَطْنٌ من هَمْدان، الذي روى سفيانُ الثَّوْريُّ، عن حَبِيب بن أبي ثابِت، عن الضَّحَّاك المِشْرَقي، عن أبي سَعيد الخُدْرِي، أنَّ النبيَّ ﷺ ذَكَرَ فِئَةً مُخْتَلِفَةً تَخرُجُ، يقتلُها أقربُ الطائفتين إلى الحقِّ (٦)، والضَّحَّاكُ هذا فارسٌ شريفٌ، قاتَلَ مع الحُسين ﵁ .
قال القاضي: قال لي أبو عبد الله بن (٧) البَرِّيِّ يومًا: أبو عبدِ الله، عن أبي عُرْوة، عن أبي الخَطَّاب، عن أبي حَمْزة، مَن هُم؟ قلتُ: لا أدري. قال: الثَّوْريُّ، عن مَعْمَر، عن قَتَادة، وأبو حمزةُ لو قال قائل: كان أنسُ بنُ مالك.
стр. 262
فهذا سألَني عنه أبو عبدِ الله (١) بنُ البَرِّيِّ مُفِيدًا على وجهِ الاخْتِبارِ (٢).
ولو سألَ سائِلٌ عن الحسن ابن دِينار، فقال: دِينارٌ أبوه، أو جَدُّه، أو أبو جَدِّه؟ فأيَّها أجابَ المسئولُ فقد أخطأَ؛ لأنَّ دِينارًا زوجُ أُمِّه عُرِف به، فنُسِبَ إليه، وهو الحسن بن واصِل.
وكذلك عَبَّاد بن عَبَّاد بن عَلْقمة، وأخضرُ زوجُ أُمِّه.
وكذلك أبو رَجَاء العُطَارِدي، يظنُّ أكثرُ النَّاسِ أنَّه مِن وَلَد عُطَارِد بن حاجِب ابن زُرَارَة، وهو أبو رَجَاء عِمْران بن مِلْحان من اليَمَن، سَبَاه بنو عُطَارِد في الجاهِليَّة، فبقِيَ فيهم ونُسِبَ إليهم، وهو عُطَارِد بن كَعْب بن سَعْد بن زَيْد مَنَاة ابن تَمِيم.
• فأمُّا المَعْروفون بأجدادِهم المُنْتَسِبون (٣) إليهم دون آبائِهم:
كابن أَبْجَر، وابن جُرَيْج، وبني أبي شَيْبَة.
فأمَّا ابن أَبْجَر فإنَّما هو عبد المَلِك بن حَيَّان بن أَبْجَر.
стр. 263
وابن جُرَيْج إنما هو عبد المَلِك بن عبد العزيز بن جُرَيْج.
وبنو أبي شَيْبَة إنَّما هم بَنُو محمد بن أبي شَيْبَة وهم: عثمان، وعبد الله، والقاسم. واسمُ أبي شَيْبَة إبراهيم.
وكذلك بَنُو المَاجِشُون، كلُّ واحد منهم في عَقِبِه الآخرِ، فسُمِّي (١) ابنَ المَاجِشُون، وماجِشُون لَقَبٌ كان جدُّهم به يُعْرَف.
١٦٠ - سمعتُ أبي يقول: سمعتُ يعقوب بن سُفيان الفَسَوِيَّ (٢) يقول: هم من أهلِ أَصْبَهان انتقلوا إلى المَدِينةِ، فكان (٣) أحدُهم يلقى الآخرَ، فيقول: شُوُني شُوُني. يريدُ بذلك: كيف أنتَ؟ فلُقِّبُوا بالمَاجِشُون.
• ومِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ممَّن يُعْرَفُ بجَدِّه ويُنْسَبُ إليه:
أَحْمَر بن جَزْء (٤)، وهو ابن سَوَاء (٥) بن جَزْء (٦).
стр. 264
وحَمَل بن النَّابِغة، وهو حَمَل بن مالك بن النَّابِغة، هُذَلِيٌّ.
ومُجَمِّع (١) بن جارية، وهو مُجَمِّع بن يزيد (٢) بن جارية.
• ثم مَن يُعْرَف بكُنْية (٣) جَدِّه ويُنْسَب إليه:
ابن أبي الحُسين المَكِّي، هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحُسين.
وابن أبي عَمَّار، وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عَمَّار.
وابن أبي لَبِيبة، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي لَبِيبة.
وابن أبي ذُبَاب، وهو الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُبَاب.
وابن أبي ذِئْب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن المُغِيرة بن أبي ذِئْب.
وابن أبي لَيْلى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي لَيْلى.
وابن أبي سَبْرة، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي سَبْرة بن أبي رُهْم من بني عامر بن لُؤَي.
وابن أبي مُلَيْكة، وهو عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مُلَيْكة، واسم أبي مُلَيْكة زُهَيْر ابن عبد الله.
стр. 265
• ثم المُنْتَسِبون إلى أُمَّهَاتِهم:
فابنُ عُلَيَّة، وهو إسماعيل بن إبراهيم، وعُلَيَّة أُمُّه، وكان يَكره أنْ يُدْعى ابنَ عُلَيَّة.
وابنُ عائشة، وهو محمد بن حَفْص بن عُمَر بن موسى بن عبد الله (١) بن مَعْمَر، وعائشة أُمُّه، وهي بنت عُبيد الله بن عبد الله (٢) بن مَعْمَر (٣).
• وفي أصحابِ النبيِّ ﷺ عِدَّةٌ يُنْسَبون (٤) إلى أُمَّهَاتِهم منهم:
شُرَحْبِيل بن حَسَنَة، وهو شُرَحْبِيل (٥) بن عبد الله بن المُطَاع بن عَمْرو مِن (٦) كِنْدَة، وأُمُّه حَسَنَةُ مَوْلاةُ مَعْمَر بن حَبِيب الجُمَحي.
١٦١ - وأخبرنا أبو خَلِيفة، عن الجَهْم، عن الجُمَحي قال: هو شُرَحْبِيل بن عبد الله (٧) بن المُطَاع، وحَسَنَةُ أُمُّه مِن بَطْن حِمْيَر، وكان سُفيان بن مَعْمَر بن
стр. 266
حَبِيب بن وَهْب (١) بن حُذافة بن جُمَح تزوَّجها بعد عبد الله (٢) بن المُطَاع، وتَبنَّى ابنَها في الجاهلية.
ومنهم بَشِير بن الخَصَاصِيَة (٣)، هو بَشِير بن مَعْبَد بن شَرَاحِيل بن سَبُع (٤) بن ضَبَارِي (٥) بن سَدُوس، والخَصَاصِيَةُ أُمُّ ضَبَاري، واسمُها كَبْشة، ويقال: مارِيَة (٦) بنت عَمرو (٧) بن الحارث بن الغَطَارِيف (٨) مِن الأَزْد (٩).
стр. 267
وابنُ أُمِّ مَكْتوم، واسمه عَمْرو بن قَيْس، ويقال: اسمه عبد الله بن زائدة، وأُمُّ مَكْتوم أُمُّه، وهي عاتِكَة بنتُ عبد الله بن عُنْكُثَة (١) مِن بني عامر بن لُؤَي.
وابن بُحَيْنَة، وهو عبد الله بن مالك، وبُحَيْنَة أُمُّه، وهي بُحَيْنَة بنت الحارث ابن المُطَّلب بن عبد مَنَاف بن قُصَي.
ومعاذ بن عَفْراء، وهو معاذ بن الحارث بن رِفاعة، أُمُّه عَفْراء بنت عُبَيد مِن بني النَّجَّار.
والحارث بن البَرْصاء هو الحارث بن مالك، وبَرْصاء أُمُّه، وهي بَرْصاء ابنةُ رَبِيعة (٢).
ويَعْلى بن مُنْيَة، وهو يَعْلى بن أُمَيَّة بن أبي (٣) عُبَيْدة مِن وَلَدِ زيد بن مالك بن حَنْظلة (٤)، ومُنْيَة أُمُّه، وهي مُنْيَة بنتُ غَزْوان أختُ عُتْبة بن غَزْوان من بني مازِن ابن منصور أخي سُلَيم بن منصور. (٤)