← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 52

المحدث الفاصل ت أبو زيد

الرامهرمزي

Полный текст (529 стр.). Показаны 123–162 · переход к 93.

стр. 123

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، وعلى محمدٍ نبيِّ اللهِ وآلِه صلواتُ الله. اعترضَتْ طائفةٌ ممَّن يَشْنَأُ الحديثَ ويُبغِضُ أهلَه، فقالوا بتَنَقُّصِ أصحابِ الحديثِ والإزْراءِ بهم، وأَسرفوا في ذَمِّهم والتَّقَوُّلِ عليهم، وقد شَرَّف اللهُ الحديثَ وفضَّلَ أهلَه، وأعلى منزلتَه، وحَكَّمه على كلِّ نِحْلةٍ (١)، وقدَّمه على كلِّ عِلمٍ، ورَفَعَ مِن ذِكْر مَن حَمَلَه وعُنِيَ به، فهم بَيْضَةُ الدِّينِ (٢) ومَنَارُ الحُجَّةِ. وكيف لا يَسْتَوْجِبون الفضيلةَ، ولا يستحِقُّون الرُّتبةَ الرَّفيعةَ، وهم الذين حَفِظوا على الأُمَّةِ هذا الدِّينَ، وأَخبروا عن أنباء التَّنزيل، وأثبتوا ناسخَه ومنسوخَه، ومُحْكَمَه ومُتَشابهَه، وما عظَّمه اللهُ به مِن شأنِ الرسولِ ﷺ ، فنَقَلوا شرائِعَه، ودَوَّنوا مَشاهِدَه، وصَنَّفوا أعلامَه ودلائلَه، وحَقَّقوا مَناقبَ عِتْرَتِه، ومآثِرَ آبائِه (٣) وعَشِيرتِه، وجاءوا بسِيَرِ الأنبياءِ، ومَقاماتِ الأولياءِ، وأخبارِ الشُّهداءِ والصِّدِّيقين. وعَبَّروا عن جميعِ فِعْل النبيِّ ﷺ ، في سَفَرِه وحَضَرِه، وظَعَنِه (٤) وإقامَتِه، وسائرِ أحوالِه، مِن مَنامٍ ويَقَظَةٍ، وإشارةٍ وتصريحٍ، وصَمْتٍ ونُطْقٍ، ونُهوضٍ وقعودٍ، ومَأكَل ومَشْرَبٍ، ومَلْبَسٍ ومَرْكَبٍ، وما كان سبيلُه في حال الرِّضا والسَّخَطِ،

стр. 124

والإنكار والقَبول، حتَّى القُلَامَةَ مِن ظُفْرِه ما كان يصنعُ بها، والنُّخَاعةَ (١) مِن فِيه أين كانت وِجْهَتُها، وما كان يقوله (٢) عند كلِّ فِعْلٍ يُحْدِثُه، ويَفعلُه عند كلِّ مَوْقِفٍ ومَشْهَدٍ يَشهدُه، تعظيمًا له ﷺ ، ومَعْرِفةً بأَقدار ما ذُكِرَ عنه وأُسْنِدَ إليه. فمَن عَرَفَ للإسلام حقَّه، وأَوجبَ للرَّسول (٣) حُرْمَتَه - أَكْبَرَ أنْ يَحتقِرَ مَن عَظَّم اللهُ شأنَه، وأعلى مكانَه، وأظهرَ حُجَّتَه، وأَبانَ فضيلتَه، ولم يَرْتَقِ بطَعْنِه إلى حِزْب الرَّسول، وأتْبَاعِ الوَحْي، وأوعِيةِ الدِّين، ونَقَلَةِ الأحكامِ، والقَرْنِ (٤) الذين ذَكَرهم اللهُ في التَّنزيل، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] فإنَّك إنْ أردتَ التوصُّلَ إلى معرفة هذا القَرْن، لم يَذْكُرْهم لك إلا راوٍ للحديث، مُتَحَقِّقٌ به، أو داخلٌ في حَيِّزِ أهلِه، ومَن سِوى ذلك فربُّك بهم أعلمُ. وقد كان بعضُ شيوخ العلم، ممَّن جَلس مَجْلسَ الرِّياسةِ، واستحقَّها لِعلمِه وفضلِه، لَحِقَه بمدينة السَّلام (٥) مِن أهل الحديث جَفاءٌ، قَلِقَ عنده، وغَمَّه ما شاهَدَ مِن عَقْدِ المجالس ونَصْبِ المَنابر لغيره، وتَكَاثُفِ الناسِ (٦) في (٧) مجلسِ مَن

стр. 125

لا يُدانيه في علمِه ومَحَلِّه، فعرَّضَ بأصحاب الحديثِ في كلامٍ له يفتتحُ به بعضَ ما صنَّفَ، فقال: يُتْرَكُ المُحَدِّثُ حتَّى إذا بلغَ الثمانين من عُمُره، وكان مصيرُه إلى قبرِه، قيل: عند الشيخِ حديثٌ غريبٌ فاكتُبوه. فلم يَنْقُصْ هذا القولُ مِن غيرِه ما نَقَصَ من نفسِه؛ لظهورِ العَصَبِيَّةِ فيه، ولِأنَّه عَوَّلَ في أكثر ما أَوْدَعه كُتُبَه وأَكْثَرَ الرِّوايةَ عنه على طبقةٍ لا يَعْرِفون إلَّا الحديثَ، ولا يَنْتَحِلون سواه، وهم عُيونُ رجالِه، ليس فيهم أحدٌ يُذْكَرُ بالدِّرَايةِ، ولا يُحْسِنُ غيرَ (١) الرِّوَايةِ. فأَلَّا تَأدَّب بأدَبِ العِلْم، وخَفَضَ جَنَاحَه لِمَن تَعَلَّق بشيءٍ منه، ولم يُبَهْرِجْ (٢) شيوخَه (٣) الذين عنهم أَخذَ، وبهم تَصَدَّر، ووفَّى الفُقَهاءَ حقوقَهم من الفضلِ، ولم (٤) يَبْخَسِ الرُّوَاةَ حُظوظَهم (٥) مِن النَّقْلِ، ورغَّبَ الرُّواةَ في التفَقُّهِ (٦)، والمُتَفَقِّهَةَ (٧) في الحديثِ، وقال بفَضل الفَريقين، وحَضَّ على سُلوك الطَّريقين؛ فإنَّهما يَكْمُلان إذا اجْتَمعا ويَنْقُصان إذا افْتَرقا (٨)!

стр. 126

فتَمَسَّكوا -جَبَرَكمُ اللهُ- بحديث نبيِّكم ﷺ ، وتَبيَّنوا معانيَه، وتَفقَّهوا به، وتَأدَّبوا بآدابِه، ودَعُوا ما به تُعَيَّرون مِن تَتَبُّعِ الطُّرُق وتكثير الأسانيدِ، وتَطَلُّبِ شَوَاذِّ الأحاديث، وما دلَّسَه المجانين، وتَبَلْبَل فيه المُغَفَّلون، واجتهِدوا في أنْ تُوَفُّوه حقَّه مِن التهذيب والضَّبط والتَّقويم؛ لِتَشَرَّفوا به في المَشَاهد، وتَنْطَلِقَ ألسنتُكم في المجالس، ولا تَحْفِلوا (١) بمَن يعترضُ عليكم حسدًا على ما آتاكم اللهُ مِن فضلِه؛ فإنَّ الحديثَ ذَكَرٌ لا يُحِبُّه إلَّا الذُّكْرانُ (٢)، ونَسَبٌ لا يُجْهَلُ بكلِّ مكانٍ. وكفى بالمُحَدِّث شَرَفًا أنْ يكونَ اسمُه مقرونًا باسم النبيِّ (٣) ﷺ ، وذِكْرُه مُتَّصِلًا بذِكْرِه وذِكْرِ أهل بيتِه وأصحابِه، ولذلك قِيل لبعض الأشراف: نَراك تَشْتهي أنْ تُحَدِّثَ؟ فقال: أَوَلَا أُحِبُّ أنْ يجتمعَ اسمي واسمُ النبيِّ ﷺ في سَطْرٍ واحدٍ! وحَسْبُك جَمَالًا عُصْبَةٌ منهم عَلِيُّ بنُ الحُسين بن عَلِيٍّ ﵈، ومَن يَليه مِن ذُرِّيتِه، وأهلِ بيت النبيِّ ﷺ ، وأبناءِ المُهاجِرين والأنصار، والتابعين بإحسان، وأهلِ الزَّهَادة والعِبادة، والفُقَهاء وأكثرِ (٤) الخُلَفاء، ومَن لا يُدْرِكه الإحصاءُ مِن العلماء والنُّبَلاء والفُضَلاء، والأشراف وذوي الأخْطَار (٥)، فكيف بمَن

стр. 127

يُسَمِّيهمُ (١) الحَشْوِيَّةَ (٢) والرَّعَاعَ (٣)، ويزعُم (٤) أنَّهم أَغْثَارٌ (٥) وحَمَلَةُ أسْفَار؟ ! واللهُ المستعانُ. * * *

стр. 128

باب فَضْل الناقلِ لسُنَّة رسول الله ﷺ - ١ - حدثنا أبو حَصِين (١) محمد بن الحُسين الوَادِعِيُّ قاضي الكوفة، حدثنا أحمد ابن عيسى بن عبد الله أبو طاهر، حدثنا ابن أبي فُدَيْك (٢)، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن ابن عبَّاس قال: سمعتُ عليَّ بن أبي طالب ﵁، يقول: خَرَجَ علينا رسولُ الله ﷺ فقال: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي». قلنا: يا رسولَ الله، مَن خُلَفاؤك؟ قال: «الَّذِينَ يَرْوونَ أَحَادِيثِي وَسُنَّتِي وَيُعَلِّمُونَهَا النَّاسَ» (٣). ٢ - حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد الشَّيْبَاني، حدثنا عمرو بن مرزوق، أخبرنا شعبة، عن عُمر (٤) بن سُليمان، عن عبد الرحمن بن أَبَانَ بن عثمانَ، عن أبيه، عن

стр. 129

زَيد بن ثابت، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «نَضَرَ (١) اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ (٢) عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ للهِ، وَمُنَاصَحَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَاءِهِمْ» (٣). يقال: يَغِلُّ ويُغِلُّ، غَلَّ عَلَيَّ (٤) قلبُه يَغِلُّ؛ إذا كان ذا غِشٍّ، وأَغَلَّ يُغِلُّ؛ إذا كان ذا غَدْرٍ، ويُقال: ليس على المُؤتَمَنِ (٥) غيرِ المُغِلِّ ضَمانٌ. يُعْنَى (٦): غيرُ الخائنِ، وأُنْشِدَ: حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بالوَفَاءِ ولم تَكُنْ ... بالغَدْرِ (٧) خَائنَةً (٨) مُغِلَّ الإِصْبَعِ (٩)

стр. 130

فمَن قال: يَغِلُّ؛ جعلَه مِن الغِلِّ وهو الضِّغْنُ (١) والعَدَاوةُ، ومَن قال: يُغِلُّ؛ جعلَه مِن الإِغْلالِ مِن الخِيانةِ. ٣ - حدثناه (٢) عبد الله بن أحمد بن مَعْدَان الغَزَّاء، حدثنا محمد بن غالب الأَنْطَاكي، حدثنا حجَّاج بن محمد، حدثني شعبة، عن عُمَر بن سُليمان، عن عبد الرحمن بن أَبَانَ، عن أبيه قال: خرجَ زيدُ بنُ ثابت مِن عندِ مَروان بن الحَكَم نِصْفَ النَّهار، فقلنا: ما خَرَجَ هذه الساعةَ إلَّا لشيءٍ سألَه عنه. قال: أَجَلْ، سأَلَني عن أشياءَ سمعتُها مِن رسول الله ﷺ ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «نَضَرَ (٣) اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ». ثمَّ ذَكَرَ نحوَه (٤). ٤ - حدثنا محمد بن عبد الله الحَضْرَمي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم البَغَوِي، حدثنا داود بن عبد الحميد، حدثنا عَمرو بن قَيْس، عن عطيَّة، عن أبي سعيد

стр. 131

قال: خَطَبَ رسولُ الله ﷺ فقال: «نَضَرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ» (١). ٥ - حدثنا محمد بن الحُسين الخَثْعَمِي، حدثنا عَبَّاد بن يعقوب، حدثنا عَمرو، عن سِمَاك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ : «نَضَرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ» (٢). ٦ - حدثنا الحَضْرَمي، حدثنا يحيى الحِمَّاني، حدثنا أبو الأَحْوَص، عن سِمَاك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «نَضَرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ».

стр. 132

٧ - حدثنا عُمر بن أيُّوب، حدثنا عبد الأعلى النَّرْسِيُّ، حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن سِمَاك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن (١) عبد الله بن مسعود قال: قال رسولُ الله ﷺ : «نَضَرَ اللهُ رَجُلًا سَمِعَ مِنَّا كَلِمَةً فَبَلَّغَهَا كَمَا سَمِعَ؛ فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (٢). ٨ - حدثنا موسى بن زكريَّا، حدثنا شَبَاب (٣)، حدثنا عبد المَجيد أبو خِدَاش، حدثنا منصور بن وَرْدَانَ، حدثنا أبو حمزة الثُّمَالي (٤)، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس قال: خَطَبَنا رسولُ الله ﷺ في مسجد الخَيْفِ (٥)، فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثمَّ قال: «نَضَرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ بَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ (٦) عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ للهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ

стр. 133

الْمُسْلِمِينَ، وَالدَّعْوَةُ لِأَئِمَّتِهِمْ؛ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَاءِهِمْ، مَنْ تَكُنِ الدُّنْيَا نِيَّتَهُ وَأَكْبَرَ هَمِّهِ، جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ تَكُنِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ وَأَكْبَرَ هَمِّهِ، جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَتَأْتِيهِ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» (١). قال القاضي: قولُه ﷺ : «نَضَرَ اللهُ امْرَأً» مُخَفَّفٌ، وأكثرُ المُحَدِّثين يقولُه (٢) بالتَّثقيل إلَّا مَن ضَبَطَ منهم، والصوابُ التخفيفُ، ويَحتمل معناه وجهين: أحدهما: يكون (٣) في معنى: أَلْبَسَه اللهُ النَّضْرةَ (٤)، وهي الحُسْن وخُلُوص اللَّون، فيكون تقديرُه: جَمَّلَه اللهُ وزَيَّنه. والوجه الثاني: أنْ يكون في معنى: أَوْصَلَه اللهُ إلى نَضْرةِ الجَنَّة، وهي نَعْمَتُها (٥)

стр. 134

وغَضَارتُها (١)؛ قال الله : ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وقال: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]. وفيه لُغَتان: تقول: نَضِرَ وَجْهُ فُلانٍ. بكسر الضاد، يَنْضَرُ نَضْرَةً ونَضَارَةً ونُضُورًا. ونَضَرَ اللهُ وَجْهَه وأَنْضَرَه لُغَتان، تقول: نَضَرَ اللهُ وَجْهَ فُلانٍ، فنَضِرَ، فالوَجْهُ نَضِيرٌ وناضِرٌ، قال اللهُ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، وهو (٢) مِن قولِهم: نَضِرَ وَجْهُه فهو ناضِرٌ مِن فِعْلِه، قال جَرِيرٌ: طَرِبَ الحَمَامُ بِذِي الأَرَاكِ فَشَاقَنِي ... لا زِلْتَ في فَنَنٍ وأَيْكٍ نَاضِرِ (٣) يعني بالنَّاضِر: المُورِقَ الغَضَّ. ورواه النُّعْمَانُ بن بَشِير عن النبي ﷺ ، فقال: «نَضَرَ اللهُ وَجْهَ عَبْدٍ». ٩ - حدثناه موسى بن زكريا، حدثنا شَيْبَان بن فَرُّوخَ (٤)، حدثنا أبو أُمَيَّة بن

стр. 135

يَعْلى، حدثنا عيسى بن أبي عيسى الحَنَّاط، عن الشَّعْبي قال: خَطَبَنا النُّعْمَانُ بن بَشِير، فقال في خُطْبتِه: خَطَبَنا رسولُ الله ﷺ في مسجد الخَيْفِ فقال: «نَضَرَ اللهُ وَجْهَ عَبْدٍ سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَمَلَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ (١) عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ للهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَاءِهِمْ» (٢). فَفَرَّقَ (٣) النبيُّ ﷺ بين ناقِل السُّنَّة ووَاعِيها، ودَلَّ على (٤) فَضْل الواعي بقوله: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ»، وبوجوب الفَضْل لأحدهما يَثبُتُ (٥) الفَضْلُ للآخَرِ، مثالُ ذلك: أنْ تُمَثِّل بين مالك بن أنس وعُبيد الله العُمَري، وبين الشافعي وعبد الرحمن بن مَهْدي، وبين أبي ثَوْر

стр. 136

وابن أبي شَيْبة، فإنَّ الحقَّ يقودُك إلى أنْ تقضيَ لكلِّ واحدٍ منهم بالفضل، وهذا (١) طريقُ الإنصاف لِمَن سَلَكَه، وعَلَمُ (٢) الحقِّ لِمَن أَمَّه، ولم يَتعدَّه. ١٠ - حدثنا عبد الله بن مَعْدَان الغَزَّاء، حدثنا يوسف بن مُسَلَّمٍ (٣) المِصِّيصِي (٤)، حدثنا رَوْح بن عبد الله (٥) الحَرَّاني، عن خُلَيد بن دَعْلَج، عن قَتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا حَبَّذَا كُلُّ عَالِمٍ نَاطِقٍ ومُسْتَمِعٍ وَاعٍ» (٦). ١١ - حدثنا الحُسَين بن محمد بن عُفَيْر الأنصاري، حدثنا الحَجَّاج بن يوسف

стр. 137

ابن قُتَيْبة، حدثنا بِشْر بن الحُسَين، حدثنا الزُّبَيْر بن عَدِيٍّ، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ: مُسْتَمِعٍ وَاعٍ، أَوْ عَالِمٍ نَاطِقٍ» (١). ١٢ - حدثنا جعفر بن محمد الفِرْيَابي، حدثنا الوليد بن عُتْبة الدِّمَشْقي، حدثنا الوليد بن مُسْلم، حدثني أبو محمد (٢) عيسى بن موسى، عن إسماعيل بن الحارث المَذْحِجِي (٣)، أنَّه سَمِعَ عُبَادةَ بن الصَّامِت (٤) يقول: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقول: «إِنِّي أُحَدِّثُكُمْ بِالحَدِيثِ، فَلْيُحَدِّثِ الْحَاضِرُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ» (٥).

стр. 138

١٣ - حدثني عَلي بن محمد بن الحُسَيْن بمدينة كَازَرُونَ (١) مِن فارِسَ، حدثنا جعفر بن محمد بن فُضَيْل الرَّسْعَنِي، حدثنا عبد الغَفَّار، حدثنا عبد الله بن لَهِيعة، حدثنا محمد (٢) بن الحارث، عن يحيى بن مَيْمون، عن وَدَاعة الغَافِقِيِّ قال: كنتُ بجَنْب (٣) مالك بن عَتَاهِيَةَ (٤) الغَافِقِيِّ، وعُقْبة بن عامر إلى جَنْبه يُحَدِّث عن

стр. 139

النبيِّ ﷺ ، قال مالكٌ: إنَّ صاحبَكم هذا لغافلٌ أو هالِكٌ؛ إنَّ رسولَ الله ﷺ عَهِدَ إلينا في حَجَّة الوَدَاع فقال: «عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، وَسَتَرْجِعُونَ إِلَى أَقْوَامٍ (١) سَيُبَلِّغُونَ (٢) الْحَدِيثَ عَنِّي، فَمَنْ عَقَلَ شَيْئًا فَلْيُحَدِّثْ بِهِ، وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا -أَوْ: مَقْعَدَهُ- فِي جَهَنَّمَ» (٣). ١٤ - حدثنا محمد بن يعقوب الأَهْوَازِي، حدثنا إسحاق بن الضَّيْف، حدثنا أيُّوب بن عَليٍّ، حدثنا زِيَاد بن سَيَّار، حدثتني عَزَّةُ بنتُ عِيَاض، أنَّها سمِعَت

стр. 140

جَدَّها أبا قِرْصَافة، واسمُه جَنْدَرة (١) بن خَيْشَنَة يقول: قال رسول الله ﷺ : «حَدِّثُوا عَنِّي مَا تَسْمَعُونَ مِنِّي، وَلَا تَقُولُوا إِلَّا حَقًّا، وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ بُنِيَ لَهُ فِي جَهَنَّمَ بَيْتٌ يُوقَعُ (٢) فِيهِ» (٣). ١٥ - حدثنا الحَضْرَمي، حدثنا عَبَّاد بن يعقوب، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن شُعيب بن سُلَيْمان السُّلَمِي (٤)، عن إسماعيل بن زِيَاد (٥)، عن مُعَاذ بن جَبَل قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْ أَمْرِ دِينِهَا، بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيهًا عَالِمًا» (٦).

стр. 141

١٦ - حدثنا عبد الله بن أحمد الغَزَّاء، حدثنا محمد بن سَعيد، حدثنا عبد المَجِيد ابن عبد العزيز بن أبي رَوَّادٍ، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، عن مُعَاذ بن جَبَل قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْ أَمْرِ دِينِهَا، بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي زُمْرَةِ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ» (١). ١٧ - حدثنا موسى بن زكريا، حدثنا عمرو بن الحُصَين العُقَيْلِي، حدثنا ابن عُلَاثَةَ (٢)، حدثنا خُصَيْف، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا، فِيمَا يَنْفَعُهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفَضْلُ (٣) الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ بِأَرْبَعِينَ دَرَجَةً، اللهُ أَعْلَمُ بِمَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ» (٤). * * *

стр. 142

باب فَضْلِ الطالبِ لسُنَّة رسولِ الله ﷺ والرَّاغبِ فيها والمُسْتَنِّ بها ١٨ - حدثنا موسى بن زكريا، حدثنا بِشْر بن معاذ العَقَدِي، حدثنا أبو عبد الله شيخٌ ينزل وراء مَنزل حمَّاد بن زيد، حدثنا الجُرَيْرِي، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد الخُدْري أنَّه كان إذا رأى الشَّبَاب قال: مَرْحبًا بوصيَّة رسولِ الله ﷺ ، أَمَرَنا (١) أنْ نُحَفِّظَكمُ الحديثَ، ونُوَسِّعَ لكم في المَجَالسِ (٢). ١٩ - وحدثناه الحَضْرَمي، حدثنا ابن إشْكَاب، حدثنا سعيد بن سُليمان، حدثنا عَبَّاد بن العَوَّام، عن الجُرَيْرِي، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد قال: مَرْحبًا بوصِيَّة رسولِ الله ﷺ ، كان رسولُ الله ﷺ يُوصِينا (٣) بكم (٤).

стр. 143

٢٠ - حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبد الله (١) بن جعفر، حدثنا علي بن عاصم، حدثنا أبو هارون العَبْدي قال: كنَّا إذا أتينا أبا سعيد، قال: مَرْحبًا بوصيَّة رسولِ الله ﷺ . قلنا: وما وصيَّةُ رسولِ الله ﷺ ؟ قال: قال لنا رسولُ الله ﷺ : «سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِي قَوْمٌ يَسْأَلُونَكُمُ الْحَدِيثَ عَنِّي، فَإِذَا جَاءُوكُمْ فَأَلْطِفُوهُمْ وَحَدِّثُوهُمْ» (٢).

стр. 144

٢١ - حدثنا الحَضْرَمي، حدثنا يحيى الحِمَّانِي، حدثنا ابن الغَسِيل (١)، عن أبي خالد مولى ابن الصَّبَّاح الأَسَدِي، عن أبي سعيد الخُدْري أنَّه كان يقول: مَرْحبًا بوصيَّة رسول الله ﷺ . إذا جاءوه في العِلْمِ (٢). ٢٢ - حدثنا أبي، حدثنا نَهْشَلٌ الدَّارِمي، حدثنا زُنْبُور (٣) الكوفي، حدثنا رَوَّاد (٤) بن الجَرَّاح، عن المِنْهال بن (٥) عمرو، عن رجل، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إنَّهُ سَيُضْرَبُ إِلَيْكُمْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَرَحِّبُوا وَيَسِّرُوا وَقَارِبُوا» (٦). ٢٣ - حدثنا عبد الله بن غَنَّام الكوفي، حدثنا عَلي بن حَكِيم الأَوْدِي قال: سمعتُ وَكِيعًا يقول: سمعت سفيان الثَّوْري يقول: ما شيءٌ أَخْوَفَ عندي مِن الحديثِ، ولا شيءٌ أفضلَ منه لِمَن أرادَ به ما عند الله (٧).

стр. 145

٢٤ - حدثنا عَبْدان بن أحمد بن أبي صالح صاحبُ التفسير، حدثنا أبو حاتم الرَّازِي، حدثنا عُبَيْد بن هشام، حدثنا عطاء بن مُسْلم قال: كان الأعمش يقول: لا أعلمُ لله قومًا أفضلَ مِن قومٍ يَطلبون هذا الحديثَ، ويُحِبُّون (١) هذه السُّنَّة، وكم أنتم في الناسِ، واللهِ لَأنتم أقلُّ مِن الذَّهَب (٢). ٢٥ - حدثنا الحسن (٣) بن عثمان التُسْتَرِي، حدثنا أحمد بن أبي سُرَيْج (٤) الرازي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن قتادة، عن مُطَرِّف، عن عِمران بن حُصَيْن قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ (٥) حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». قال يزيد بن هارون: إنْ لم يكونوا أصحابَ الحديثِ، فلا أدري مَن هم؟ (٦)

стр. 146

٢٦ - حدثنا إبراهيم بن قَيْس الصَّفَّار، حدثنا ابن أبي الحُنَيْن، حدثنا عُمر بن حفص بن غِيَاث، قال: قلت لأبي: يا أبةِ (١)، أَمَا تَرَى أصحابَ الحديثِ كيف تَغَيَّروا؟ فقال: يا بُنَيَّ هم على ما هم فيه خِيارُ القَبَائلِ (٢). ٢٧ - حدثنا سَهْلُ بن موسى شِيرَانُ (٣)، حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصَّنْعاني، حدثنا المُعْتَمِر بن سُليمان، عن أبيه قال: كنَّا أنا وأبو عثمان النَّهْدِي وأبو نَضْرَة وأبو مِجْلَز وخالد الأَبَحُّ نتذاكرُ الحديثَ والسُّنَّةَ، فقال بعضُهم: لو قَرَأْنا سُورةً! فقالوا: ما نُرى (٤) أنَّ قِراءةَ سُورةٍ أفضلُ ممَّا نحن فيه (٥). ٢٨ - حدثنا الحَضْرَمي، حدثنا جعفر بن أَصْبَغ الصَّفَّار، حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، قال: اجتمعَ شُتَيْر بن شَكَل ومَسْروقٌ، فأتاهما قومٌ من أصحاب الحديث، فقال شُتَيْرٌ لمَسْروق: إنَّ هؤلاء قد جاءوا ليَسْمعوا خيرًا، فإمَّا أنْ تُحَدِّثَ وأُصَدِّقَك، وإمَّا أنْ أُحَدِّثَ وتُصَدِّقَني (٦).

стр. 147

٢٩ - حدثنا محمد بن أحمد بن سَهْل الرازي نَزيل تُسْتَرَ، حدثنا بِشْر بن آدم، حدثنا محمد بن عُبيد الله (١) العُتْبِي، حدثنا سعيد بن محمد الخَصَّاف، عن الزُّهري قال: لا يَطْلُبُ الحديثَ مِن الرِّجال إلَّا ذُكْرانُها، ولا يَزهدُ فيه إلَّا إناثُها (٢). ٣٠ - حدثني أحمد بن فَذَرْبُخْتَ (٣) السِّيرَافي نَزيل البصرة، حدثنا عبد القُدُّوس

стр. 148

الحَبْحَابي، حدثني عمرو بن عاصم، حدثني بكر بن سَلَّام (١)، حدثني أبو بكر الهُذَلِي قال: قال لي الزُّهري: يا هُذَليُّ، أَيُعْجِبُك الحديثُ؟ قلتُ: نعم. قال: أمَا إنَّه يُعْجِبُ ذُكورَ الرِّجالِ، ويَكرهُه مَؤَنَّثُوهم (٢). ٣١ - حدثنا الحُسين (٣) بن بِهَانَ (٤) العَسْكري، حدثنا سهل بن عثمان

стр. 149

العَسْكري (١)، حدثنا يحيى بن أبي غَنِيَّة، عن أبيه، عن الحَكَم (٢)، عن بعض أصحاب عبد الله (٣)، أنَّه دخلَ المسجدَ، ثم نظر في نواحيه ثم قال: عَهْدِي بهذا المسجدِ وإنَّه لَمِثْلُ الرَّوْضة، اخْتَرْ منها حيث شئتَ. فقال الحَكَمُ: فكيف لو أَدركَ زماننا هذا؟ ٣٢ - حدثني عُمر بن الحَسن بن جُبَيْر الواسطي، حدثنا محمد بن غالب، حدثنا الحَجَبي (٤) قال: سمعت يوسف الماجِشُون قال: سمعتُ محمدَ بن المُنْكَدِر يقول: ما كنَّا نَدْعو الرَّاوِيةَ إلَّا راوِيَةَ (٥) الشِّعر، كنَّا نقول للذي يروي الحديثَ: عالمٌ (٦). ٣٣ - حدثني أحمد بن محمود بن خُرَّزَاذ، حدثنا إبراهيم بن يونس البصري، حدثنا أبو غَسَّان نصر بن منصور الطُّفَاوِي، حدثنا أبو عاصم الضَّحَّاك بن

стр. 150

مَخْلَد قال: دخلَ المأمونُ مِصْرَ فقام إليه فَرَجٌ النُّوبِي أبو حَرْملة، فقال: يا أميرَ المؤمنين الحمدُ لله الذي كفاك أمرَ عَدُوِّك، وأَدَان (١) لك العِراقَيْن والحَرَمَيْن، والشاماتِ (٢) والجَزِيرةَ، والثُّغورَ والعَوَاجِمَ (٣)، وأنت العالِمُ بالله وابنُ عمِّ رسول الله ﷺ . قال: وَيْلك يا فَرَجُ -أو قال: وَيْحَك- قد بَقِيت لي خَلَّةٌ (٤) قال: وما هي يا أميرَ المؤمنين؟ قال: جُلُوسٌ في عَسْكَرٍ ومُسْتَمْلٍ تحتي (٥) -قال إبراهيم: العَسْكَر جَنَاحٌ- يقول: مَن ذَكَرتَ رضي الله عنك؟ فأقول: حدثنا الحمَّادان: حمَّادُ بن سلمة بن دِينار، وحمَّادُ بن زيد بن دِرْهَم قالا: حدثنا ثابت البُنَاني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا

стр. 151

حَتَّى يَمُتْنَ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ»، وأَوْمَأَ حمَّادٌ بإِصْبُعِه (١) الوُسْطى (٢). * * *

стр. 152

باب النِّيَّةِ فيه (١) ٣٤ - حدثني أبي، حدثنا أحمد بن حازم الغِفَاري، حدثنا حَسَن بن قُتَيْبة، حدثني محمد بن إسحاق قال: جاءَ قومٌ إلى سِمَاك بن حَرْب يَطلبون الحديث، فقال جُلَسَاؤه: وما ينبغي لك أنْ تُحَدِّثَ هؤلاء (٢)؛ فما لهؤلاء رغبةٌ ولا نيَّةٌ. فقال سِمَاك: قولوا خيرًا، قد طلبنا هذا الأمرَ لا نريدُ اللهَ به، فلمَّا بَلَغْتُ منه حاجتي دَلَّني على ما ينفعُني، وحَجَزني عمَّا يَضُرُّني (٣). ٣٥ - حدثنا (٤) الحسن بن علي السَّرَّاج، حدثنا جعفر الصائغ، حدثنا أبو معاوية الغَلَابِي (٥)، حدثنا وكيع، قال: سمعتُ سفيانَ (٦) يقول: لا أعلمُ شيئًا من الأعمالِ أفضلَ مِن طَلَبِ العلم والحديث، لِمَن حَسُنَت فيه نِيَّتُه (٧).

стр. 153

٣٦ - قال أبو معاوية الغَلَابي (١): وحدثني أبو بَحْرٍ البَكْرَاوي، عن فتًى كان يلزمُنا فمات، قال: فرأيتُه في المنامِ فسألتُه عن حالِه؟ فقال (٢): غُفِرَ لي. قلتُ: بأيِّ شيء؟ قال: بطَلَب الحديث (٣). ٣٧ - حدثنا الحُسين (٤) بن بِهَانَ، حدثنا أحمد بن غِيَاث، حدثني حفص بن ماهان قال: كنَّا في مجلس سفيان بن عُيَيْنة، فقام إليه رجلٌ فقال: يا أبا محمد، نَشَدتُك بالله، أَطَلَبْتَ هذا العلمَ يومَ طَلَبْتَه لله؟ فأَعْرض عنه سفيانُ، ثم قام الثانيةَ، فقال مثلَ مقالتِه، فأَعْرض عنه، ثم قام الثالثةَ، فقال مثلَ مقالتِه، فقال سفيان: اللَّهُمَّ لا، إنَّما طَلَبْناه تأدُّبًا وتَظَرُّفًا، فأبى اللهُ إلَّا أنْ يكونَ له. ٣٨ - حدثنا الحَضْرَمي (٥)، حدثنا إسماعيل بن موسى، حدثنا عبد الله بن

стр. 154

الأَجْلَح (١)، عن لَيْث، عن مجاهد قال: طَلَبْنا هذا الأمرَ، وما لنا في كثيرٍ منه نِيَّةٌ، ثم حَسَّنَ اللهُ النِّيَّةَ بعدُ (٢). ٣٩ - حدثنا أحمد بن علي بن زيد الدِّينَوَرِي، حدثنا أبو صالح الأَشَجُّ، قال: سمعتُ عبد الصَّمَد بن حَسَّانَ يقول: قيل لسفيان الثوري: إنَّ هؤلاء يَكتُبون وليس لهم نيَّةٌ؟ فقال سفيان: طَلِبَتُهم (٣) له نِيَّةٌ (٤). ٤٠ - حدثني عبد الرحمن بن محمد المازِني، حدثنا هارون بن إسحاق الهَمْداني، حدثنا محمد بن عبد الوَهَّاب القَنَّاد قال: سمعتُ سفيانَ الثوري يقول: لو عَلِمتُ أنَّ أحدًا يطلبُ الحديثَ لله، لَصِرتُ إليه في بيتِه فحَدَّثتُه (٥).

стр. 155

٤١ - حدثنا أحمد بن محمد بن سُهَيل الفقيه، حدثنا محمد بن إسحاق بن عبد الله الكوفي قال: سمعتُ أبي يقول: جاء رجلٌ إلى سفيان الثوريِّ وهو في مجلسِه بعد العصر، وحوله أصحابُ الحديث، فقال له: يا شيخُ، ما يمنعُك أنْ تَنْشُرَ ما عندك، وتُحَدِّثَ به هؤلاء؟ فقال سفيان: لو عَلِمْتُ أنَّ الذي يَطْلُبُ هذا لله، لَكنتُ آتيهِ في منزلِه حتى أُحَدِّثَه. ٤٢ - حدثنا عبد الله بن أحمد بن (١) الغَزَّاء، حدثنا محمد بن قُدَامة الحِمْصِي قال: كنَّا نُوَاظِب على ابن عُيَيْنة، فقال: تَتْرُكون الصَّلاةَ والطَّوَافَ وتأتوني؟ ! فقال بعضُنا: لعلَّنا نسمعُ منك بعضَ ما ينفعُنا اللهُ به. فقال: لَوَدِدْتُ أنِّي أَرَى مَن يَطْلُبُه لله (٢) فآتيَه وأُحَدِّثَه. ٤٣ - حدثنا الحَضْرَمي، حدثنا محمد بن موسى، حدثنا سعد بن الرَّبِيع (٣) قال: سمعتُ هشامًا الدَّسْتَوَائِي (٤) يقول: وَدِدْتُ أنَّ الحديثَ ماءٌ فأَسْقِيكُموه (٥). * * *

стр. 156

باب القولِ في أوصافِ الطَّالب والحَدِّ الذي إذا بَلَغَه صَلَحَ (١) يَطْلُبُ فيه ٤٤ - حدثنا عبد الله بن أحمد بن مَعْدَان الغَزَّاء، أخبرنا (٢) إبراهيم بن سعيد الجَوْهَري، حدثنا سفيان بن عُيَيْنة قال: قال الزُّهري: ما رأيتُ طالبًا للعلم أصغرَ منه. يَعْنِيني، وسمعتُ منه وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ سنةً (٣). ٤٥ - حدثنا الحَضْرَمي، حدثنا أبو موسى الأنصاري، حدثنا ابن عُيَيْنة قال: قال لي الزُّهريُّ: ما رأيتُ طالبًا للعلم أصغرَ منك. قال ابنُ عُيَيْنة: وكنتُ أَحفظُ الحديثَ قبل أنْ أَسألَ الزُّهريَّ عنه. ٤٦ - قال القاضي أبو محمد: وُلِدَ ابنُ عُيَيْنة سنة سبع ومائة، على ما حدثني به عبد الله بن أحمد، حدثنا جعفر بن محمد الأَذَني، قال: سمعتُ محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع. ٤٧ - ومات الزُّهريُّ سنة أربع وعشرين ومائة، على ما حدثنا به أبو عِمْران، عن شَبَاب وابن البَرِّيِّ (٤)، عن أبي حفص. وقد أَخبر (٥) ابنُ عُيَيْنة من رواية الجَوْهَري، أنَّه كَتَبَ عن الزُّهريِّ وهو ابنُ

стр. 157

خمسَ عشرةَ سنة (١)، فصار بين ابتداء كَتْبِه عنه إلى يومِ تُوُفِّي الزُّهريُّ سنتان أو نحوهما، واستصغره الزُّهريُّ لخمسَ (٢) عشرةَ، وهي (٣) حدُّ البُلوغ عند مالك، والشافعي، وأبي يوسُف، ومحمد (٤). ٤٨ - وحكى لي حاكٍ أنَّ الأوزاعيَّ سُئل عن الغُلام يكتبُ الحديثَ قبل أنْ يَبْلُغَ الحَدَّ الذي تجري عليه فيه الأحكامُ (٥). فقال: إذا ضَبَطَ الإملاءَ جاز سماعُه، وإنْ كان دون العشر، واحتجَّ بحديث سَبْرة بن مَعْبَد أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُم عَلَيْهَا (٦) لِعَشْرٍ» (٧). وهذه حكايةٌ عن الأوزاعيِّ، ولا أَعْرِفُ صِحَّتَها، إلَّا أنَّها صحيحةُ (٨)

стр. 158

الاعْتِبار؛ لأنَّ الأمرَ بالصَّلاةِ والضَّربَ عليها إنَّما هو على وجهِ الرِّيَاضة، لا على (١) وجه الوجوبِ، وكذلك كَتْبُ الحديثِ إنَّما هو للِّقاء وتحصيل السماعِ، وإذا كان هذا هكذا، فليس المُعْتَبَرَ في كَتْبِ الحديث البُلوغُ ولا غيرُه، بل تُعْتَبَرُ فيه الحَرَكةُ والنَّضَاجةُ (٢) والتيقُّظُ والضَّبطُ (٣). وقد دلَّ قولُ الزُّهري: «ما رأيتُ طالبًا للعلم أصغرَ مِن ابن عُيَيْنة» على أنَّ طُلَّابَ الحديث عصرَ التابعين كانوا في حُدود العشرين. ٤٩ - وكذلك يُذْكَر عن أهل الكُوفة، فأخبَرني عِدَّةٌ من شُيوخِنا أنَّه قيل لموسى بن إسحاق: كيف (٤) لم تَكْتُبْ (٥) عن أبي نُعَيْمٍ؟ قال: كان أهلُ الكُوفة لا يُخْرِجون أولادَهم في طلبِ العلم (٦) صغارًا، حتى يَستكمِلوا عشرين سنةً (٧). ٥٠ - وحدثني مَن ذَكَرَ أنَّه سَمِعَ محمد بنَ عبد الله الحَضْرَمي يقول ذلك أيضًا.

стр. 159

ووُلِدَ الحَضْرَميُّ سنةَ مائتين، ومات أبو نُعَيْمٍ سنةَ سَبْعَ عَشْرةَ (١). ٥١ - وحدثني محمد بن عبد (٢) الله (٣) قال: سمعتُ أبا طالب بن نَصْر يقول: سمعتُ موسى بن هارون يقول: أهلُ البصرة يكتبون لعشر سنين، وأهلُ الكُوفة لعشرين، وأهلُ الشام لثلاثين (٤). ٥٢ - وقال حَنْبَل بن إسحاق: سمعتُ أحمدَ بن حَنْبَل يقول: مات الأعمشُ ولأبي نُعَيْمٍ ثماني عشرة سنةً. ٥٣ - حدثنا الحَضْرَمي، حدثنا نُعَيْم بن يعقوب قال: سمعتُ أبا الأَحْوَص يقول: كان الرَّجل يَتعبَّدُ عشرين سنةً، ثم يَكتبُ الحديثَ (٥). ٥٤ - حدثنا زكريا بن يحيى السَّاجي، حدثنا العبَّاس العَنْبَري، حدثنا أبو

стр. 160

عاصم قال: سمعتُ سفيان الثَّوريَّ يقول: كان الرَّجُلُ يَتَعَبَّدُ عشرين سنةً، ثم يَكتبُ الحديثَ (١). وقال أبو عبد الله الزُّبَيْري (٢): يُسْتَحَبُّ كَتْبُ الحديثِ من العشرين؛ لأنَّها مُجْتَمَعُ العقل. قال: وأَحَبُّ إليَّ أنْ يَشْتغِلَ دونها (٣) بحِفظ القُرآنِ والفرائض (٤). وسمعتُ بعضَ شيوخِ (٥) العِلْم يقول: الرِّوَايةُ مِن العشرين، والدِّرَايةُ مِن الأربعين (٦). ٥٥ - حدثنا عبد الله بن أحمد الغَزَّاء، حدثنا محمد بن يحيى الأَزْدِي، عن قَبِيصة قال: سمعتُ سُفيان الثَّوريَّ يقول: يُثْغِرُ (٧) الغُلامُ لسبع، ويَحْتَلِمُ لأربع عَشْرة، ويَكْمُل عقلُه لعشرين، ثم هو التَّجارِبُ. وقد رُوِي نحوٌ مِن هذا عن عليٍّ. (٧)

стр. 161

وقال هشامُ بن صالحٍ في رَجُلٍ مِن الأشراف: عَدَدْنا له بِضْعًا وعِشرين حِجَّةً (١) ... فلمَّا تَوَافَاها اسْتَوى سَيِّدًا ضَخْمَا وسمعتُ مَن يُنشِدُه: «إحدى وعشرين (٢)»، ويُرْوَى: «خمسًا وعشرين (٣)» (٤). وقال الكُمَيْتُ (٥) لِمَخْلَد بن يزيد بن المُهَلَّب (٦) لمَّا ولَّاه أبوه خِلافَتَه:

стр. 162

قادَ المُلُوكَ (١) لِخَمسَ عَشْرَةَ حِجَّةٍ ... وَلِدَاتُهُ (٢) عن ذاكَ في أَشْغَالِ (٣) وقال آخرُ في معناه: غُلَامٌ مِن سَرَاةِ (٤) بَني لُؤَيٍّ ... مَنَافِيُّ (٥) الأُبُوَّةِ والجُدُود جَدِيرٌ عن تَكَامُلِ خَمْسَ عَشْرٍ ... بإِنْجَازِ المَوَاعِدِ والوَعِيد ٥٦ - حدثنا الحَضْرَمي، حدثنا علي بن محمد بن أبي المَضَاء المِصِّيصِي، حدثنا أبو اليَمَان، حدثنا شُعيب بن أبي حمزة، عن الزُّهري قال: قال سَهْل بن سعد، وكان من أصحاب النبي ﷺ وسمع منه: كنتُ ابنَ خمسَ عشْرةَ سنةً (٦) يومَ تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ (٧). ٥٧ - حدثنا علي بن محمد بن الحُسين الفارسي، حدثنا (٨) أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي، حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال:
следующие страницы →