وروي أن النبي ﷺ حرم صيده (١). وحذف جواب ﴿وَلَوْلا رِجالٌ﴾ لدلالة الكلام عليه ويجوز أن يكون قوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتكرير لقوله: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ ويكون ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ الجواب. فإن قيل: أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون؟ قلت:
تصيبهم الدية والكفارة وسوء قالة المشركين: أن هؤلاء أوقعوا بأهل دينهم؛ إذا جرى منهم بعض التقصير! و ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ تفرقوا.
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦) لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧)﴾
روي أن قريشا بعثت سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص إلى النبي ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك ويعود في العام الذي يليه، ولا يكون معه شيء من آلة الحرب، وكتبوا بينهم كتابا، فقال ﵇ لعلي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا: ما نعرف هذا؛ ولكن اكتب: باسمك اللهم، ثم قال: اكتب (٢٦٧ /ب) هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب محمد ابن عبد الله، فقال لعلي "اكتب ما يريدون؛ فإني أشهد أني رسول الله وأني محمد بن عبد الله. فهم المسلمون بأن يأبوا ذلك، فأنزل الله على رسوله السكينة وعلى قلوب المؤمنين" (٢). ﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ بسم الله الرحمن الرحيم، ومحمد رسول الله ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها﴾ لما جبلوا عليه من الخير، واشرأبت قلوبهم من تعظيم حرمات الله وطاعة رسوله. وعن الحسن: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ الوفاء بالعهد (٣). روي أن رسول الله ﷺ رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين محلقين ومقصرين؛ فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم يدخلونها في عامهم، وقالوا: إن رؤيا رسول الله ﷺ حق،
стр. 1017
فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي، ورفاعة بن الحارث: والله ما حلقنا وما قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام؛ فنزلت (١). وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: متلبسا به، وذلك ما فيه من التمييز بين المؤمنين والكافرين، ويجوز أن يتعلق بالرؤيا حالا منها، ومعناه أنها لم تكن أضغاث أحلام، ويجوز أن تكون باء القسم، ويكون قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قسما، إما بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسمائه. ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ جوابه، وعلى الأول:
هو جواب قسم محذوف. فإن قيل: ما وجه دخول المشيئة في أخباره سبحانه، وهو عالم بما كان وما يكون؟ قلنا: فيه وجوه: أن تعلقه بالمشيئة تعليما لعباده، أو هو حكاية ما قاله رسول الله ﷺ لأصحابه وقص عليهم، أو أن يريد لتدخلن جميعا. ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل. ﴿مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي: من دون فتح مكة. ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ فتح خيبر.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)﴾
﴿بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ بدين الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يريد: الأديان المختلفة. وقيل: عند نزول عيسى. وقيل: الإظهار بالحجج والآيات. ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ على ما وعد.
﴿مُحَمَّدٌ﴾ إما خبر مبتدأ محذوف، وإما مبتدأ و ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ عطف بيان، وقرئ: "رسول الله" بالنصب (٢) على المدح. ﴿سُجَّداً﴾ أي: من آثار ما يفعله السجود (٢٦٨ /أ) في الجبهة. ﴿ذلِكَ﴾ الوصف ﴿مَثَلُهُمْ﴾ أي: العجيب الشأن في الكتابين جميعا ﴿كَزَرْعٍ﴾ يريد مثلهم كزرع. وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾ ثم ابتدأ: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي﴾
стр. 1018
﴿الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ إشارة مبهمة أوضحها بقوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ كقوله: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ الآية (١).
﴿شَطْأَهُ﴾ فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ من المؤازرة وهي المعاونة ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ فصار من الدقة إلى الغلظ، وقرئ: "فأزره" (٢) ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ فاستقام على قضبه. وقيل: في الإنجيل:
سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
ومن التكلف قول من زعم أن قوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أبو بكر ﴿فَآزَرَهُ﴾ عمر ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ عثمان ﴿عَلى سُوقِهِ﴾ علي. ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ إلى آخرها: بقية الصحابة ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ لأنهم إذا سمعوا هذه الصفات والثناء على أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من المؤمنين شق ذلك عليهم وغاظهم (٣). ﴿مِنْهُمْ﴾ من الجنس لا التبعيض؛ لأن المؤمنين كلهم قد آمنوا وعملوا الصالحات فكلهم موعود بالمغفرة والأجر العظيم.
***
стр. 1019
تفسير سورة الحجرات [مدنية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾
يقال: قدّمه وأقدمه، وهما منقولان بتثقيل الحشو والهمزة من قدّمه إذا تقدّمه، ومنه قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ (١) ونظيره نقلا ومعنى: سلّفه وأسلفه.
ولم يذكر مفعولا لقوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ إما ليراد عمومه في كل تقدم، وإما أن لا يريد له مفعولا؛ كقوله: ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (٢) ويجوز أن يكون من قدم بمعنى تقدم؟ كوجّه وبيّن، ومنه مقدمة الجيش خلاف ساقته وهي الجماعة المتقدمة، ويعضده قراءة من قرأ: "تقدّموا" بحذف إحدى التاءين، والأول أحسن، وقرئ "تقدموا" (٣) من القدوم؛ أي: لا تقدموا على أمر قبل قدومهما، وحقيقة ذلك كقولك: جلست بين يديه: أن تجلس بين الجهتين المسامتين ليمينه وشماله فسميت الجهتان يدين؛ لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا؛ كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره، ويسمى في علم البيان: التمثيل، ولو قال: لا تكونوا كالذين تقدموا كان تشبيها، وفيها فائدة جليلة، وهي تصوير هجنة ما صنعوا، والمعنى: لا تقطعوا أمرا إلا بعد ما (٢٦٨ /ب) يحكم الله ورسوله به فتكونوا إما عاملين بالوحي المنزل عليه أو مقتدين بالرسول، ﵊، ويجوز أن يكون كقوله [من الرجز]:
عجبت من نفسي وإشفاقها (٤) ....
стр. 1020
وقولك: عجبت من زيد وكلامه في قضية كذا، وفائدة هذا الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص، وأن التقدم بين يدي رسول الله ﷺ تقدم بين يدي الله. وعن مسروق:
دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه؛ فقالت للجارية: اسقيه عسلا، فقلت: إني صائم، فقالت: قد نهى الله عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت (١).
وروي أن ناسا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فأمرهم رسول الله ﷺ أن يعيدوا ذبحا آخر (٢). وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀ وعند الشافعي ﵀: يجوز إذا مضى قدر الصلاة (٣). وعن الحسن أيضا: لما استقر رسول الله ﷺ بالمدينة أتته الوفود من الآفاق وأكثروا عليه المسائل فنهوا أن يبتدئوه بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ (٤). وعن قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا لكان حسنا؛ فنهوا عن ذلك؛ فنزلت الآية (٥).
وقيل: هي عامة في كل قول وفعل إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله ﷺ فلا يتكلم فيها أحد قبل رسول الله ﷺ .
﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ فإنكم إذا اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢)﴾
وإن حدثتموه وهو ساكت فاجعلوا صوتكم كصوت المشاور، وإن حدثكم وهو رافع صوته فلا تبلغوا برفع صوتكم رفع صوته، بل لا بد من مراعاة علو صوت النبي ﷺ وأعاد النداء عليهم استدعاء لتيقظهم، وتكرير تنبيه على الأغنياء بما كلفوه من ذلك.
وقيل: المعنى: لا تنادوه باسمه فتقولوا: يا محمد، وخاطبوه بالنبوة فقولوا: يا أيها
стр. 1021
الرسول، يا أيها النبي، فلما نزلت قال أبو بكر: والله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله (١) وعن عمر مثل ذلك لا يسمعه النبي ﷺ حتى يستفهمه (٢) وكان أبو بكر ﵁ إذا قدم على النبي ﷺ وفد بعث إليهم من يعلمهم كيف يسلمون عليه (٣). وليس المراد بالنهي عن رفع الصوت رفعه بالاستهانة والاستخفاف؛ فإن ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون، وإنما المراد صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به (٢٦٩ /أ) العظماء، ويوقر به الكبراء، فيتكلف الغض منه، وليس المراد أيضا النهي عن الجهر عند حضور مصلحة، وقد قال النبي ﷺ للعباس عمه: "أصرخ بالناس" (٤).وكان العباس صيتا يروى أنه صاح مرة فأسقطت الحوامل (٥). وفيه يقول الشاعر [من المنسرح]:
زجر أبي عروة السّباع إذا ... أشفق أن يختلطن بالغنم (٦)
والمراد نهيهم عما كانوا يعتادونه من رفع الأصوات. قيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان في سمعه ثقل، وكان جهوري الصوت فكان إذا كلم النبي ﷺ رفع صوته (٧). والحبوط: مأخوذ من قولهم: حبطت الإبل: إذا أكثرت من أكل الخضير فانتفخت أجوافها، وربما هلكت.
وفي الحديث: "إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم" (٨).
وقد دلت الآية على أمرين عظيمين: أحدهما: أن في أعمال المؤمنين ما يقتضي حبوط العمل الحسن، وأنه ربما ظن أن الشيء حسن وهو عند الله يحبط؛ فعليه أن يتوقي كمن يمر في طريق كثير الشوك؛ فهو يتوقى إصابته.
стр. 1022
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤)﴾
﴿اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ من قولك: امتحن فلان لأمر كذا؛ فهو مضطلع به وغير وان عنه، والمعنى أنهم صبروا على التقوى وتحمل مشاقها، أو وضع الامتحان موضع المعرفة؛ لأن الامتحان سبب المعرفة واللام كالتي في قولك: أنت لهذا الأمر، أي: كائن، وقول الشاعر [من الرجز]:
أنت لها أحمد من بين البشر (١) ...
وهي مع معمولها منصوبة على الحال، أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى. وقيل: خلصها للتقوى؛ من قولهم: امتحن الذهب إذا ألقاه ليذهب خبثه. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر وغضهما أصواتهما حتى صارا كأخي السرار، وفي تنكير المغفرة والأجر ما يدل على أنه لا يقدر قدره، وتنبيه على شرف الشيخين ﵄، وارتضاء لما صنعاه من غض الصوت.
والوراء: الجهة التي يواريها شخصك، سواء كانت من خلف، أو من قدام؛ فالنهي وقع عن مناداته وهو في الدار؛ كما ينادي الأجلاف بعضهم بعضا. والحجرة: القطعة من الأرض المحجورة بحاجز، وحظيرة الإبل تسمى الحجرة، وهي فعلة بمعنى مفعولة، وجمع الحجرات يدل على أنهم تفرقوا حول حجر النبي ﷺ (٢٦٩ /ب) فهذا يناديه من حجرة، وذاك يناديه من أخرى، ويحتمل أنهم اجتمعوا فنادوه من حجرة ثم اجتمعوا فنادوه من أخرى، ويجوز أن يكون جمع الحجرات إجلالا للنبي ﷺ والفعل يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، فلذلك أضيف إلى جميعهم؛ كقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ (٢) ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾
стр. 1023
﴿يا مُوسى﴾ (١) ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ (٢) وقد ذكر أن الذي ناداه عيينة بن حصن بن بدر الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي.
قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ يجوز أن يكون المراد متظاهرة وهو خروج بعضهم عن أن ينسب إلى عدم العقل، ويحتمل أن يكون الحكم بقلة العقلاء فيهم قصدا إلى نفي أن يكون فيهم من يعقل؛ فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)﴾
﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ في موضع رفع بالفاعلية، أي: لو ثبت صبرهم. والصبر: حبس النفس عن أن تسارع إلى هواها. وقولهم: صبر عن كذا محذوف المفعول، أي: صبر نفسه؛ أي:
حبسها، وقال بعضهم: الصبر مر، ولا يتجرعه إلا حر.
وقوله: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ يقتضي أنه لو خرج ولم يعلموا أنه خرج إليهم ألزمهم الصبر حتى يعلموا أنه خرج إليهم، وفي ﴿لَكانَ﴾ ضمير يعود إليه اسم كان، أو يرجع الضمير إلى مصدر ﴿صَبَرُوا﴾ لقولهم: من كذب كان شرا له.
روي أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة مصدّقا إلى بني المصطلق، وكان بينه وبينهم شحناء فخرجوا يتلقونه وظن أنهم خرجوا لقتاله فرجع إلى النبي ﷺ وقال: منعوني الزكاة فجاءوا وقالوا: نعوذ بالله من غضبه ومن غضب رسوله، فقال لهم: لئن لم تنتهوا لأبعثن عليكم رسولا يقتل مقاتليكم ويسبي ذراريكم، فبعث خالد بن الوليد فوجدهم مطيعين لم يخطر ببالهم غدر بأحد؛ فنزلت ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٣)، وفي تنكير الفاسق والنبأ دليل على أنه أي فاسق جاء بأي نبأ كان، فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشافه
стр. 1024
والفسوق: الخروج من الشيء؛ يقال: فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه: فقست البيضة، إذا كسرتها وأخرجت ما فيها، ثم استعير لسلوك غير طريق الحق، قال رؤبة [من الرجز]:
فواسقا عن قصدها جوائرا (١) ...
﴿بِجَهالَةٍ﴾ حال؛ كقوله: ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ (٢) أي: جاهلين بحقيقة الأمر ولا يريد صبح النهار؛ بل الصيرورة. والندم: ضرب (٢٧٠ /أ) من الغم يتجدد كلما تجدد له ذكر ندم عليه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾
﴿لَوْ﴾ متعلقة بما قبلها؛ حال من أحد الضميرين في ﴿فِيكُمْ﴾ وهو المستتر المرفوع، أو البارز المجرور، والمعنى: أن فيكم رسول الله لو أطاع كل قائل وعمل بقول كل مشير لوقعتم في العنت والمشقة، وفيه دليل على أنه كانت تبدو منهم فرطات، وكذلك في قصة الوليد صدر من بعض الصحابة أن يشير على النبي ﷺ بتصديق الوليد وتكذيب بني المصطلق. والعنت: المشقة؛ يقال: عنت الرجل: إذا جبر عظمه المكسور فجاء العظم معوجا، وأنه يكسر العظم ليجبر مستقيما، وذلك هو العنت، وإنما قدم خبر ﴿أَنَّ﴾ لأن سياق هذا الكلام يقتضي إنكار فعله من داخل رسول الله ﷺ في الرأي، فكان ذكرهم أهم. فإن قيل: لم قال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ ولم يقل: لو أطاعكم؟ قلت: لأن الفعل المضارع يدل على التكرر؛ كقولك: فلان يحمل الكلّ ويصل الرحم. ودخلت "لكن" مع أن شرطها مخالفة ما بعدها لما قبلها؛ لأن هؤلاء صفتهم غير صفة الذين قبلهم (٣). والكفر:
تغطية نعم الله وسترها بالجحود، والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلّب فيه من
стр. 1025
الرشادة. و ﴿فَضْلاً﴾ مفعول له، أو مصدر من غير فعله وقوله: ﴿فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً﴾ الله تعالى فاعل النعم، وإفضاله: إنعامه، فصح إذن شرط المفعول من أجله، وهو أن يكون فعل فاعل المعلل.
﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (١١)﴾
وروي أن رسول الله ﷺ ركب حمارا، ومر على ملأ من الأنصار فيهم عبد الله بن أبي المنافق، فبال حمار النبي ﷺ فغطى عبد الله بن أبي أنفه وقال: أخر حمارك عنا فقد آذانا نتنه؛ فقال عبد الله بن رواحة: حمار رسول الله ﷺ أفضل منك، وبوله أطيب من مسكك؛ فتقاولا وجاء كل واحد منهما قومه من الأوس والخزرج، فجاء النبي ﷺ فأصلح بينهم فنزلت ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ﴾ (١).
والبغي: الاستطالة وإباء الصلح و ﴿تَفِيءَ﴾ ترجع، وإنما قال: ﴿اِقْتَتَلُوا﴾ ولم يقل:
اقتتلتا؛ حملا على المعنى؛ فإن الطائفتين في معنى الجماعتين، وفي قتال أهل البغي تفاصيل مذكورة في كتب الفقه. أمر بالقسط على سبيل العموم، وحكم بأن المسلم أخو المسلم، فإذن أوجبت أخوة النسب النصرة والمصافاة، فأخوة الدين أولى. وقيل: المراد بالأخوين الأوس والخزرج (٢٧٠ /ب) وهو بعيد. روي أن نساء النبي ﷺ [عيروا أم سلمة] (٢) بالقصر؛ فأنزل الله تعالى ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ﴾ الآية (٣).
القوم: الرجال خاصة؛ لأنهم القوام بأمر قبيلتهم وعشائرهم، وقول زهير [من الوافر]:
[وما أدري وسوف إخال أدري] ... أقوم آل حصن أم نساء (٤)
стр. 1026
ودخول النساء في لفظ القوم في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (١) وقوله: ﴿أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (٢) فبطريق التبعية.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾
و (الغيبة) من الاغتياب؛ كالغيلة من الاغتيال، وهي ذكر السوء في الغيبة، وسئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: "أن تذكر أخاك بما يكره؛ فإن كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته" (٣).ولما ذكر الله تعالى أن الغيبة بمنزلة أكل لحم أخيك. عقب ذلك بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي: فقد تحققت الكراهة وقد ركز في الطباع كراهية أكل لحم الميت، أي: فاتركوا الغيبة كما تتركوا أكل لحم الميت.
وقوله: ﴿مَيْتاً﴾ إما حال من ﴿لَحْمَ أَخِيهِ﴾ أو من الأخ، وعدي (كره) ب (إلى) في قوله: (كره) وبنفسه هاهنا لأن القياس تعديته بنفسه قبل التثقيل؛ تقول: كرهت الشيء وكرهته غيري، وأما تعديته ب "إلى" فإجراء "كره" مجرى "بغض" والمبالغة في التواب؛ لكثرة من يتوب الله عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب إلا وهو مغفور بالتوبة.
﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ بالندم على ما فرط وامتثال أوامره. روي أن سلمان كان يخدم رجلين ويسوي لهما طعامهما، فغفل سلمان عن شأنه؛ فبعثاه إلى رسول الله ﷺ يطلبان منه إداما، فأتى أسامة - وكان على طعام رسول الله ﷺ فلم يجد عنده شيئا، فأتاهما
стр. 1027
فأخبرهما بذلك، فقالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة (١) لغار ماؤها! ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فقال لهما: مالي أرى خضرة اللحم على أفواهكما؟! فقالا: ما أكلنا لحما! فقال لهما:
إنكما اغتبتماه. فنزلت " (٢).قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ أي: من آدم وحواء، أي: كل إنسان من ذكر وأنثى. والشعب: أعلى البطون؛ فإنه للقبيلة العظيمة، ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم الفصيلة؛ فأعلاها الشعب، وخزيمة شعب وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، ورتبهم هذا الترتيب ليتعارفوا لا ليتفاخروا بالأجداد، ثم بين الخصلة التي يحصل بها الشرف والكرم عند الله فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ (٢٧١ /أ).
﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)﴾
الإيمان: هو التصديق مع الثقة، والإسلام: الدخول في السلم والخروج من أن يكون حربا للمسلمين. ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ لا ينقصكم.
وعن ابن عباس: أن نفرا من بني أسد قدموا المدينة فأغلوا أسعارها وأفسدوا الطريق بالعذرات، وهم يقولون لرسول الله ﷺ : قدمنا بالأثقال والعيال. يريدون الصدقة، فنزلت ﴿أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ﴾ (٣). أي: على زعمكم.
стр. 1028
تفسير سورة ق [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾
جواب القسم كما في" ص ". و ﴿الْمَجِيدِ﴾ ذو الشرف على غيره من الكتب، ومن اتبع أوامر القرآن فقد مجد عند الله وهو بسبب من الله المجيد؛ فجاز اتصافه بصفته.
أنكر تعجبهم مما ليس بعجب وهو أن يبعث الله رسولا إلى خلقه ويؤيده بالمعجزات، وإذا علم ذلك الرسول أن خطبا شديدا يدهمهم بإدراك إنذارهم وتحذيرهم فكيف بما هو أشد المحذورات وهو بعث الكفار معهم الكفر. والعجب تعجبهم من ذلك وهو خلقهم أول مرة وأنه خلق السماوات والأرض وهو أكبر من خلق الناس، ووضع الكافرون موضع المضمر للدلالة على أن إقدامهم على هذا التعجب كفر، ولفظة ﴿هذا﴾ إشارة إلى الرجعة و ﴿أَإِذا﴾ منصوب بمضمر تقديره: أنبعث إذا كنا ترابا؟ وقوله ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ إما من كلام الله، أو حكاية عنهم أنهم قالوه، وقرئ" إذا " (١) على الخبر، وهو أيضا منكر من كلامهم، والدليل على إنكاره: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ وقيل: إن الرجع بمعنى الرجوع؛ فيكون العامل في الظرف محذوفا وهو الذي دل عليه المنذر. ﴿قَدْ عَلِمْنا﴾ رد على استبعادهم الرجعة؛ لأن من اتسع علمه حتى علم ما تأكله الأرض من لحومهم وأجزائهم ولم يخف عليه أين تلك الأجزاء وكان قادرا لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض قدر على أن يحيي الموتى.
قوله: ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ أي: محفوظ من الاختلاف والتغيير، أو من الشياطين، أو حافظ لما وضع فيه. ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ إضراب عن الإنكار الأول؛ لأن الثاني أشد من الأول وهو تكذيبهم الرسل المؤيدين بالمعجزات في أول وهلة، ولم يتدبروا ولم يتفكروا؛ بل كذبوا في أول
стр. 1029
وهلة ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مختلف مضطرب يقولون تارة: شاعر. وأخرى: كاذب. وأخرى:
كاهن. لا يصرون (٢٧١ /ب) على شيء، وقرئ:" لما جاءهم " (١) بكسر اللام، و ﴿ما﴾ على هذا مصدرية. وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ القرآن.
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾
وقيل: الإخبار بالبعث ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ آثار قدرة الله في خلق العالم؛ من السماء برفعها بغير عمد، وترتيب كواكبها وما فيها من الملائكة والآيات. ﴿مِنْ فُرُوجٍ﴾ من فتوق، يعني: أنّها ملساء سليمة من العيوب، ومن الأرض وبسطها وما ألقي فيها من الجبال والأنهار.
﴿مَدَدْناها﴾ دحوناها. ﴿رَواسِيَ﴾ جبالا ثوابت لولاها لانكفأت.
﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ من كل صنف يبتهج من يراه ﴿مُبارَكاً﴾ كثير المنافع ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد. ﴿رِزْقاً﴾ مصدر لأن الإنبات في معنى الرزق. وقيل: مفعول ل" نزلنا " ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً﴾ ﴿باسِقاتٍ﴾ طوالا.
وقرئ:" باصقات " (٢) بالصاد لأجل القاف. ﴿طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ متراكم بعضه فوق بعض، أو متراكم ما فيه من الثمر. ﴿كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ من القبور بعد الموت، والكاف في موضع رفع على الابتداء أراد ب ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ قومه؛ كقوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ﴾ (٣) و ﴿كُلٌّ﴾ يجوز أن
стр. 1030
يرجع إلى كل واحد؛ لأن كل واحد منهم كذب الرسل كلهم، وأن يراد تكذيب كل أمة رسولها، ووحد الضمير المصحح ل "كل" على اللفظ دون المعنى.
﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ فوجب وحل. عيي بالأمر: إذا لم يهتد لوجه الصواب فيه، والمعنى أنهم علموا أن الله قدر على إيجادنا أول مرة فهو يقدر على إيجادنا ثانيا. ﴿فِي لَبْسٍ﴾ أي: في اختلاط وشبهة، وقد لبس عليهم الشيطان أمرهم؛ فإنه أثبت في أذهانهم أن إحياء الموتى لا يتصور، وإنما نكر في ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لأنه أراد خلقا جديدا له شأن بخلاف تعريفه في أول السورة.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾
الوسوسة: الصوت الخفي، ومنه: وسواس الحلي، ووسوسة النفس: هو ما يخطر ببال الإنسان، والباء في قوله: ﴿تُوَسْوِسُ بِهِ﴾ مثلها في: همس به وصوّت به، ويجوز أن تكون الباء للتعدية، والضمير للإنسان؛ أي ما يجعله موسوسا، و "ما" مصدرية. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ يعني، قرب مجاز، وقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ أي: من حبل العاتق، وهو مثل في القرب؛ كما يقال: هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار، قال ذو الرمة [من السريع]: والموت أدنى لي من الوريد (١) (٢٧٢ /أ).
والوريدان: عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمها، متصلان بالوريد، يردان من الرأس إليه، وإضافة الحبل إلى الوريد يشبه إضافة الحبل إلى نفسه وجاز ذلك كما قالوا: بعير سائبة، والسائبة هو البعير، أو يراد حبل العاتق؛ فيضاف إلى الوريد كما يضاف إلى العاتق؛ لاجتماعهما في عضو واحد.
و ﴿إِذْ﴾ منصوب ب ﴿أَقْرَبُ﴾ لأن الظروف تعمل فيها المعاني متقدمة ومتأخرة.
وروي في الحديث: "إن مقعد ملكيك على ثنيتك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت غافل عن ذلك" (٢).والتلقي: التلقن بالحفظة والكتبة، والقعيد: المقاعد كالجليس
стр. 1031
والعشير، والتقدير: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد؛ كقول الشاعر [من الطويل]:
كنت منه ووالدي ... بريّا ... (١)
﴿رَقِيبٌ﴾ ملك يرقب عمله. ﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر، واختلف فيما يكتبان الملكان، فقيل: يكتبان كل شيء حتى الأنين في المرض. وقيل: لا يكتبان إلا ما تعلق به ثواب أو عقاب وروي أن كاتب الحسنات على اليمين وكاتب السيئات على الشمال، وكاتب اليمين أمين على كاتب اليسار؛ فإذا عمل العبد حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا كسب سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يستغفر أو يتوب، فإذا مضت سبع ساعات، فإن تاب وإلا كتبها واحدة.
﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾
لما ذكر إنكارهم للبعث أعقبه بذكر كيفية ما يخشى وقوعه من عذاب يوم القيامة، ودل على قربه للعبارة عنه بالماضي بقوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ،﴾ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وسكرة الموت: شدته الذاهبة بالعقل، والباء في ﴿بِالْحَقِّ﴾ للتعدية. وقيل: للمصاحبة، وقرأ ابن مسعود: "وجاءت سكرة الحق بالموت" (٢) والباء على هذه القراءة للتعدية؛ لأنها سبب
стр. 1032
حصول الموت، ولأن الموت يعقبها فكأنها أتت به. ويجوز أن يكون المعنى: جاءت ومعها الموت. وقيل ﴿الْحَقُّ *﴾ هو الله، وأضيفت إلى الله؛ تعظيما لشأنها وتهويلا.
وقوله: ﴿ذلِكَ﴾ الخطاب للإنسان ملتفتا عن قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ وما بينهما اعتراض. وقيل: هو خطاب للكافر، والإشارة إلى الحق. وسئل زيد بن أسلم عن قوله:
﴿ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ؟﴾ فقال: هو خطاب لرسول الله ﷺ فبلغ ذلك صالح بن كيسان فأنكره، فبلغ ذلك الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس فقال: أخالفهما؛ هو لكل بر وفاجر (١).
﴿ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ أي: ذلك يوم إنجاز الوعيد (٢٧٢ /ب) والإشارة إلى مصدر" ونفخ " ﴿سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ملكان أحدهما يسوقها إلى المحشر والآخر يشهد عليه بعمله. وقيل: هو ملك واحد يسوق ويشهد، ومحل ﴿مَعَها سائِقٌ﴾ النصب على الحال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾.
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ﴾ وقرئ:" لقد كنت "بكسر التاء، و" عنك عطاءك فبصرك " بكسر الكاف (٢) شبه حاله بشيء قد غطى عليه تغطية موثقة؛ فصار لا يبصر شيئا، ثم كشف عنه ذلك الغطاء؛ فصار بصره حديدا.
﴿وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾
﴿قَرِينُهُ﴾ شيطانه؛ كقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣) ويشهد له قوله: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ ﴿وَقالَ قَرِينُهُ﴾ قال الشيطان وهو مقرون معه في السلسلة: هذا الشخص الذي لدي قد أعتدته (٤) وهيأته لدخول جهنم بإغوائي. ﴿هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ يجوز أن تكون ﴿ما﴾
стр. 1033
نكرة موصوفة أي: هذا شيء لدي، و ﴿عَتِيدٌ﴾ صفته، ويجوز أن تكون موصولة و ﴿لَدَيَّ﴾ صلتها و ﴿عَتِيدٌ﴾ خبر بعد خبر أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف.
﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ﴾ إن كان السائق والشهيد واحدا ففيه وجهان:
أحدهما عن المبرد: أن تثنية الفاعل بمنزلة تثنية الفعل؛ كأنه قال: ألق ألق (١).
والثاني: أن العرب أكثر ما يرافق الرجل منهم اثنان؛ فكثر على ألسنتهم أن يقولوا:
خليلي وصاحبي، وقفا واسعدا. وقال الحجاج لبعض حرسه: يا حرسي اضربا عنقه؛ فجرى ذلك على عادة كلامهم. وقرأ الحسن:" وألقينا " (٢) أبدل النون الساكنة ألفا، ويجوز أن يكون ﴿أَلْقِيا﴾ إجراء للوصل مجرى الوقف؛ فأثبت الألف عوضا عن النون في حال الوصل.
﴿عَتِيدٌ﴾ بمعنى معاند؛ كعشير وجليس. ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ كثير المنع. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة؛ كان يقول: من دخل في دين محمد لم أنفعه بشيء أبدا (٣).
﴿مُرِيبٍ﴾ شاك في الله وفي دينه. ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ مبتدأ خبره: ﴿فَأَلْقِياهُ﴾ وأدخلت الفاء على الخبر لتضمنه معنى الشرطية، ويجوز أن يكون ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ بدلا منصوبا من ﴿كُلَّ كَفّارٍ﴾ ويكون ﴿فَأَلْقِياهُ﴾ تكريرا للتوكيد، ودخلت الواو في قوله تعالى: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ﴾ لأنه لم يكن مقاولة سؤالا وجوابا بخلاف قوله: ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ فإنها حكاية جواب وكذلك جاء في مقاولة موسى وفرعون: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٤) كررها تسع مرات بغير واو (٢٧٣ /أ) وقوله هاهنا: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ أجراه مجرى المقاولة؛ لأنه لما قال: ﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ دل على أنه كان قد جرى بينهم مقاولة.
﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾
стр. 1034
﴿وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فأعذب من لا يستحق. الباء في قوله: ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ مثلها في قوله ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) إذا قرئت بضم التاء الأولى (٢) ويجوز أن تكون للتعدية إذا جعلت تقدم مطاوعا لمعنى قدم، ويجوز أن يكون الفعل واقعا على الجملة؛ وهي قوله: (ما يبدل القول وما أنا بظلم) ويكون قوله: ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ حالا، أي: قدمت متلبسا بالوعيد قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ جملة وقعت حالا من ﴿تَخْتَصِمُوا﴾ مضارع و ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ ماض، وهذه الحال لا يمكن اجتماعها مع صاحب الحال، ومعناه: لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد. ﴿وَما أَنَا بِظَلاّمٍ﴾ نفي للمبالغة، ولا يلزم من نفي المبالغة نفي أصل الفعل؟ وجوابه من وجوه:
أحدها: أن يكون" ظالما وظلاما "بمعنى واحد على لغة قوم. والثاني: أن معناه: لو عاقبت من لا يستحق العقاب لكنت بليغ الظلم. والثالث: أنه جمع لجميع العبيد؛ تقول: أغلقت الباب وغلقت الأبواب، ولا تقول: غلقت الباب؛ كذلك هاهنا لو قال: وما أنا بظلام لعبد لورد السؤال. وانتصاب اليوم بظلام، أو بإضمار فعل نحو اذكر وغيره، أو ب ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾.
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ وعلى هذا يشار بذلك إلى ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾ ولا يقدر حذف مضاف.
وسؤال جهنم وجوابها من باب المجاز الذي يراد به تقوية المعنى في النفس، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها تمتلئ حتى لا يبقى فيها سعة لمكان واحد مع اتساعها وتباعد أطرافها.
والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها موضع المزيد، ويجوز أن يكون ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ استكثار لمن دخلها أو غضبا على الكفار والعصاة، والمزيد إما مصدر كالمحيد، وإما اسم مفعول كالمبيع. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ نصب على الظرف، أي: مكانا قريبا، أو على الحال، أو على حذف الموصوف، أي: شيئا غير بعيد، ومعناه التوكيد، أي: قريب غير بعيد.
﴿هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) اُدْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ﴾
стр. 1035
﴿مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾
قوله: ﴿لِكُلِّ أَوّابٍ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بتكرير الجار، و ﴿هذا﴾ إشارة إلى الثواب أو إلى مصدر ﴿أُزْلِفَتِ﴾ ﴿مَنْ خَشِيَ﴾ بدل بعد بدل تابع ل ﴿لِكُلِّ﴾ ويجوز (٢٧٣ /ب) أن يكون بدلا غير موصوف ﴿أَوّابٍ﴾ و ﴿حَفِيظٍ﴾ ولا يجوز أن يكون في حكم ﴿أَوّابٍ﴾ و ﴿حَفِيظٍ﴾ لأن" من "لا يوصف به ولا يوصف من بين الموصولات إلا بالذي وحده، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره ﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ لأن" من "في معنى الجمع، ويجوز أن يكون منادى كقولهم: من لا يزال محسنا أحسن، وحذف حرف النداء للتقريب. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ مضى في أول البقرة (١).
﴿اُدْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ أي: سالمين من العذاب، أو مسلما عليكم من الله وملائكته. ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ يوم تقدير الخلود؛ كقوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أي: مقدرين الخلود. ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ وهو ما لم تبلغه آمالهم ولم يخطر ببالهم حتى يشاءوه. وروي أن السحابة تمر بأهل الجنة فتمطرهم الحور العين فيقولون: نحن المزيد الذين قال الله فيه: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ (٢).
التنقيب: التنقير عن الأمر والبحث والطلب؛ قال الشاعر [من الخفيف]:
نقّبوا في البلاد من حذر المو ... ت وجالوا في الأرض كلّ مجال (٣)
ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله: ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ أي: شدة بطشهم أقدرتهم على التنقيب، وقرئ:" فنقبوا "بالتخفيف وكسر القاف (٤) أي: نقبت أخفاف إبلهم من كثرة أسفارهم، ورأوا في آثار المهلكين ما يكفي للاعتبار. ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ هل من مخلص من
стр. 1036
الله أو من الموت. ﴿لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: واع؛ لأن من لا يحضر ذهنه كالغائب، وإلقاء السمع:
الإصغاء. ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: حاضر. وقيل: أي: شاهد على صحته وأنه من الله، أو هو بعض الشهداء في قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ (١).
وقيل: شاهد من أهل الكتاب على صدقه وصحة ما جاء به في كتب الأولين فصدق به وآمن. اللغوب: الإعياء، وقرئ بالفتح (٢) كالقبول والولوع؛ كذب الله اليهود في هذه الآية حيث زعموا أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد، وآخرها الجمعة، ثم استراح يوم السبت، واليهود مشبهة، والمشبهة من هذه الأمة أخذوا تلك العقائد من اليهود.
﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾
﴿فَاصْبِرْ عَلى ما﴾ يقول اليهود ويكيدونك به. وقيل: على أذى جميع المشركين. وقيل:
نسخت بآية السيف، والصحيح أنها ليست منسوخة؛ فإن الصبر مطلوب مثاب عليه لم ينسخ (٣).
﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حامدا له، وقيل: المراد: الصلاة. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (٢٧٤ /أ) صلاة الصبح. ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ صلاة الظهر والعصر. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ صلاة المغرب والعشاء. وقيل: قوله ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ المراد به التهجد ﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ التسبيح في آثار الصلوات، والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة. وقيل: النوافل بعد المكتوبات. وعن علي ﵁: الركعتان بعد المغرب (٤). وروي عن النبي ﷺ أنه قال:" من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم ركعتين كتبت صلاته في عليين " (٥).
стр. 1037
وقيل: هو الوتر بعد العشاء الآخرة. و ﴿وَأَدْبارَ﴾ جميع دبر، وقرئ "إدبار" (١) من أدبرت الصلاة: إذا قضيت وتمت؛ كقولهم: آتيك خفوق النجم وغروب الشمس.
﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾
﴿وَاسْتَمِعْ﴾ يعني: ما أخبرك به من حال ﴿يَوْمَ﴾ وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به وانتصب ﴿يَوْمَ يُنادِ﴾ بما دل عليه ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ أي: يوم ينادي المنادي يخرجون و ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يُنادِ﴾ و ﴿يُنادِ﴾ إسرافيل، يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة: إن الله يأمر كن أن تجتمعن لفصل القضاء.
وقيل: إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر. ﴿مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ من صخرة بيت المقدس، وهي أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر ميلا، وهي وسط الأرض. وقيل: من تحت أقدامهم. وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة: يا أيتها العظام البالية.
و ﴿الصَّيْحَةَ﴾ النفخة الثانية ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بالصيحة، والمراد به: البعث والحشر. ﴿عَنْهُمْ سِراعاً﴾ حال من المجرور. ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ تقديم الظرف يدل على الاختصاص؛ يعني: لا يتيسر ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن، كما قال: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ (٢) ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ تهديد لهم وتسلية لرسول الله ﷺ . ﴿بِجَبّارٍ﴾ كقوله: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٣) حتى تقسرهم على الإيمان، إنما أنت داع وباعث.
стр. 1038
وقيل: أريد الحلم عنهم، وترك الغلظة عليهم، ويجوز أن يكون من: جبره على الأمر، بمعنى أجبره، أي: ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان، و ﴿عَلى *﴾ مثلها في قولك: زيد عليهم، أي: واليهم. ﴿مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ كقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ (١) لأن التذكير لا يؤثر إلا فيه دون المصر على الكفر، والله تعالى أعلم (٢٧٤ /ب).
***
стр. 1039
تفسير سورة الذاريات [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالذّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾
﴿وَالذّارِياتِ﴾ الرياح؛ لأنها تذرو التراب والهشيم، ومنه: ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ (١).
﴿فَالْحامِلاتِ وِقْراً﴾ السحاب تحمل المطر. ﴿فَالْجارِياتِ يُسْراً﴾ المراكب تجري جريا ذا يسر.
﴿فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً﴾ الملائكة؛ لأنها تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها، أو تفعل التقسيم مأمورة به. وقيل: متولي الانتقام من الكفار جبريل، وميكائيل للرحمة، وملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ. وقد قيل: المقسمات: الكواكب السبعة السيارة. ويجوز أن يراد الرياح لا غير؛ لأنها تقسم السحاب وتقله وتحمله وتجري في الجو جريا سهلا وتقسم الأمطار بتصريف السحاب. وأما دخول الفاء فعلى القول الأول جاء للتعقيب أقسم بالرياح فبالسحاب فبالفلك التي تجريها بهبوبها، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر ومنافعه. وعلى القول الأول: الرياح تذرو التراب في أول أمرها فتجري في الجو باسطة له فتقسم المطر. ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ﴾ " ما "مصدرية أو موصولة. ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ الجزاء ﴿لَواقِعٌ﴾. ﴿الْحُبُكِ﴾ الطرائق، مثل حبك الرمل، ولا ندركها لبعد المسافة، والدرع محبوكة لأن خلقها مطرق طرائق، ويقال: إن خلقة السماء كذلك. ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ في أمر الرسول ﷺ فقائل: هو كاهن، وقائل: شاعر، وقائل: كذاب.
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)﴾
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ الضمير في ﴿عَنْهُ﴾ للقرآن أو الرسول، أي: يصرف عنه الصرف الذي لا شيء أعظم منه، أو: يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك، ويجوز أن يرجع الضمير
стр. 1040
إلى قوله: ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ و ﴿عَنْهُ﴾ مثلها في قوله: ينهون عن أكل وعن شرب؛ أي: يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب؛ أي: يؤفك عنه من هو مصروف عن الحق، وكانت القبائل من العرب تبعث إلى مكة؛ يقولون: اكشف لنا أخبار محمد، فيأتي مكة فتقول له قريش:
احذره فإنه مجنون.
﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ﴾ الكذابون، دعاء عليهم؛ كقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ (١) وأصله الدعاء بالقتل والهلاك ثم جرى مجرى لعن وقبح، و ﴿الْخَرّاصُونَ﴾ الكذابون المقدرون ما لا يصح، واللام إشارة إليهم؛ كأنه قيل: هؤلاء الخراصون.
﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ في جهل يغمرهم ﴿ساهُونَ﴾ غافلون عما أمروا به. ﴿يَسْئَلُونَ﴾ متى ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ وأضاف ﴿أَيّانَ﴾ إلى يوم مع أن (٢٧٥ /أ) الظروف أدعية للحوادث لا للأزمنة لأن التقدير: يسألون أيان وقوع يوم الدين، وينتصب قوله: ﴿يَوْمَ﴾ بفعل مضمر تقديره: يقع ذلك ﴿يَوْمَ هُمْ﴾ ويجوز أن يكون مفتوحا؛ لإضافته لغير متمكن.
﴿يُفْتَنُونَ﴾ يحرقون ويعذبون، فتنت الذهب في النار: إذا أحرقته لتعلم جودته أو رداءته، ومنه الفتين وهي الأرض ذات الحجارة السود؛ فإنها شبيهة بالمحرقة. ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ في محل الحال؛ أي: مقولا لهم هذا القول. ﴿هذَا﴾ مبتدأ و ﴿الَّذِي﴾ وصلته خبر أي: هذا العذاب ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ويجوز أن يكون" هذا "بدلا من" فتنتكم "أي: ذوقوا هذا العذاب. ﴿آخِذِينَ ما آتاهُمْ﴾ قابلين لكل ما أعطاهم راضين به، ويجوز ارتفاعه على الفاعلية، وفيه مبالغات.
﴿كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾
لفظ الهجوع، وهو السّنة اللطيفة؛ قال الشاعر [من السريع]:
قد حصّت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع (٢)
стр. 1041
وقوله: ﴿قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ لأن الليل وقت السبات والراحة وكانوا يحيون الليل بالأعمال الصالحة؛ فإذا جاء السحر استغفروا كأنهم مذنبين، وقوله: ﴿هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: هم أحقاء بالاستغفار الصادر عن صحة النية، وكأنهم المختصون به لاستدامتهم له، وقال قائل في: ﴿ما يَهْجَعُونَ﴾ ما: نافية، ومعناه: لا ينامون قليلا ولا كثيرا، وهو غلط؛ لأن ما بعد" ما "لا يعمل فيما قبلها؛ تقول: زيدا لم أضرب، ولا تقول: زيدا ما ضربت. السائل: هو المصرح بالسؤال، والمحروم: الذي يحسب لتعففه غنيا، فيحرم الصدقة لتعففه، وعن النبي ﷺ :" ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فمن هو؟ قال: الذي لا يجد ولا يفطن له فيتصدق عليه " (١).
وقيل: المحارف الذي لا يهتدي للتجارة.
﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ﴾ دالة على قدرة الله تعالى ورحمته حيث هي مدحوّة كالبساط لما فوقها؛ كما قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾ (٢) وفيها المسالك والفجاج لمن يتقلب فيها وهي مجزأة من سهل وجبل وبر وبحر وقطع متجاورات من صلبة ورخوة، وهي الطروقة تلقح بألوان النبات والثمر المختلفة الألوان والطعوم والروائح ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ الآية (٣) وما فيها من العيون المفجرة، والمعادن المختلفة والدواب (٢٧٥ /ب) المنبثة في برها وبحرها.
﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ الموحدين، فهم ناظرون بعين الاعتبار؛ كلما أرادوا آية عرفوا وجه تأملها فازدادوا إيمانا مع إيمانهم، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركب فيها من العقول وحفت به وبالألسن، وبالنطق، ومخارج الحروف، والأسماع، والأبصار، والأطراف، وسائر الجوارح وتأتيها لما خلقت له، وما سوّي في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني؛ فإنه لو يبس واحد منها لعجزوا، وإذا استرخى أناخ الذل فبان أنه أحسن الخالقين.
﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾
стр. 1042
﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ يعني المطر؛ لأنه سبب الأقوات. وعن سعيد بن جبير: هو الثلج (١).
وعن الحسن: أنه كان إذا رأى السحاب قال فيه: والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه بخطاياكم (٢). ﴿وَما تُوعَدُونَ﴾ هي الجنة؛ لأنها فوق السماء السابعة وتحت العرش، أو أراد أن الأرزاق في السماء والأرض إنما هي بأمر الله وتقديره.
﴿مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ من فتحه فبالإضافة إلى غير متمكن، ومن ضمه فهو نعت ل " حق " (٣) وهو كقول الناس: إنه حق مثل ما أنك ترى وتسمع، والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ يرجع إلى الآيات المذكورة والرزق. وعن بعض العرب أنه سمع قارئا يقرأ: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ﴾ فنحر ناقته وفرقها على الفقراء، ثم لقيه ذلك القارئ فقال: هل معك من ذلك الذي تلوته شيء؟ فقال: نعم، وتلا عليه الآية: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ فصاح وقال: من أغضب الكريم حتى فعل؟! ثم صرخ صرخة فخرجت فيها روحه، رحمة الله عليه (٤).
﴿هَلْ أَتاكَ﴾ تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من جهة ما يأتي به رسول الله ﷺ وإنما هو بلاغ من الله ورسالاته. والضيف: يقع للواحد والجمع. وقيل: كانوا اثني عشر ملكا وقيل: تسعة عاشرهم جبريل. وقيل: ثلاثة جبريل وميكائيل وملك معهما، وجعلهم ضيفا لأنهم كانوا في صورة الضيف، وإكرامهم أن إبراهيم خدمهم بنفسه وأخدمهم زوجته وعجل لهم القرى، أو سماهم مكرمين لأنهم كرام على الله ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٥).
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾
стр. 1043
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾
﴿إِذْ دَخَلُوا﴾ متعلق بما في الضيف من معنى الفعل.
﴿سَلامٌ﴾ تقديره: سلمنا سلاما، وأما ﴿سَلامٌ﴾ فتقديره: عليكم سلام، والرفع أمدح؛ لأنه يدل على دوام السلامة لهم (٢٧٦ /أ) بخلاف الفعل الماضي في قوله: سلمنا؛ فإن الفعل الماضي لا يدل على التكرر بخلاف المضارع.
قوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي: ليسوا على هيئة القوم الذين نعرفهم، أو لأنه توهم فيهم ما دله على ذلك، أو رأى لهم حالا وشكلا غير الحالة التي عهدها. ﴿فَراغَ إِلى أَهْلِهِ﴾ فذهب إليهم في خفية، ومن أدب المضيف أن يخفي ما يريد أن يضيفه للضيف، وأن يبادر بالقرى من غير أن يشعر الضيف به؛ وحذرا من أن يكفه ويعذره. قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم البقر (١) والهمزة في ﴿إِلاّ﴾ إنكار عليهم؛ حيث لم يأكلوا طعامه ولما لم يتحرموا بطعامه ظن أنهم يريدون به سوءا؛ ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي: يبلغ، وعن الحسن: نبي (٢) والمبشر به إسحاق ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ:﴾ في جماعة. وقيل: في صرخة.
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ المرأة التي لا تحبل، وأصله: الرملة العقيم أو العاقر؛ فإنها لا تنبت، وصر القلم أي: صوت، ومحله النصب، أي: صارخة؛ قال الحسن: أقبلت إلى بيتها، وكانت في زاوية تنظر إليهم؛ لأنها وجدت حرارة الدم فلطمت وجهها من الحياء (٣). وقيل:
فأخذت في صرة؛ كقولك: عذلته فأقبل يلومني. وقيل: صرتها: قولها: ﴿يا وَيْلَتى﴾ (٤) وعن عكرمة: رنتها (٥).
﴿فَصَكَّتْ﴾ فلطمت تبسط يديها. وقيل: ضربت بأطراف أصابعها جبهتها؛ فعلا للتعجب ﴿عَجُوزٌ﴾ أنا ﴿عَقِيمٌ﴾ فكيف ألد؟! ﴿كَذلِكَ﴾ مثل قولنا ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ أي: هذا
стр. 1044
الذي قلنا ليس من جهتنا، وإنما نحن مبلغون عن الله تعالى فالله تعالى قادر على ما تستبعدين.
لما علم إبراهيم أن أضيافه ملائكة قال: فما شأنكم؟ وما الذي أحوجكم إلى أن نزلتم؟
﴿قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ إلى قوم لوط.
﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾
﴿حِجارَةً مِنْ طِينٍ﴾ السجين: طين يطبخ كالآجر، ويصير في صلابة الحجر. ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة بعلامة تعرف بها من السومة وهي العلامة؛ على كل واحدة اسم من يهلك بها.
وقيل: أعلمت بأنها من حجارة العذاب. وقيل: بعلامة تدل على أنها ليست من حجارة الدنيا.
سماهم مسرفين لتجاوزهم ما قدر لهم في الأحكام. ﴿فَما وَجَدْنا فِيها﴾ أي: في القرية، ولم يجر لها ذكر، وفي ذلك دليل على أن الإيمان والإسلام (٢٧٦ /ب) واحد، وأنهما صفتا مدح.
قيل: البيت الذي من المسلمين هم لوط وابنتاه. وقيل: كان الذين نجوا ثلاثة عشر. قال قتادة: لو كان فيها أكثر لنجوا؛ ليعلم أن وصف الإيمان غير مضيع عند الله (١). ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً﴾ أي: علامة يتعظ بها الخائفون من الله ومن عذابه.
قيل: هي صخر منضود فيها. وقيل: ماء أسود منتن. ﴿وَفِي مُوسى﴾ عطف على قوله:
﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ﴾ أو على قوله: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً﴾ والمعنى: في موسى آية كقوله [من الرجز]:
علفتها تبنا وماء باردا ... ... (٢)
стр. 1045
﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ أدبر وأعرض؛ كقوله: ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ (١). وقيل: تولى بما كان يتوقى به من جنوده وعدده. ﴿مُلِيمٌ﴾ قد أتى بما يلام عليه، والجملة مع الواو حال من الضمير في ﴿فَأَخَذْناهُ﴾ فإن قلت: سمي هاهنا فرعون مليما وفي موضع آخر سمي يونس بذلك، فقال:
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (٢) قلت: مراتب المعاصي متفاوتة، ويصدق على الكل اسم واحد.
﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ لا يلقح شجرا ولا ينزل مطرا، وهي ريح الهلاك وهي الدبور. وقيل:
النكباء. وقيل: الجنوب.
﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾
و ﴿كَالرَّمِيمِ﴾ البالي من عظم أو نبات وغير ذلك. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ يفسره قوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾ (٣).
﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ استكبروا عن امتثاله، و ﴿الصّاعِقَةُ﴾ النازلة. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ كانت نهارا يعاينونها، وروي أن العمالقة كانوا معهم في الوادي فأهلكت ثمود ولم تضر العمالقة.
﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ﴾ لم يقدروا على النهوض. وقيل: هو من قولك: ما يقوم فلان بهذا الأمر؛ أي: ما يستطيع دفعه ﴿مُنْتَصِرِينَ﴾ ممتنعين من العذاب.
﴿بَنَيْناها بِأَيْدٍ﴾ بقوة، والأيد: القوى. ﴿وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ لقادرون؛ يقال: ما هذا في وسع فلان؛ أي: في قدرته. وقيل: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ الرزق بالمطر. وقيل: جعلنا بين السماء والأرض سعة. ﴿فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ نحن. ﴿خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ أي: صنفين، وذكر للحسن ذلك فقال: السماء
стр. 1046
والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت والحياة، وقال: كل واحد منها زوج، والله تعالى فرد لا مثل له (١). ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تعرفون بذلك الخالق فتعبدونه وحده. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ إلى طاعة الله. ﴿كَذلِكَ﴾ أي: الأمر مثل ذلك، وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول وقولهم فيه (٢٧٧ /أ) الأقاويل المختلفة، ولا يصح أن تكون الكاف منصوبة ب "أتى" لأن "ما" النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
﴿أَتَواصَوْا بِهِ﴾ يعني الكفار الأولين والكفار المتأخرين بهذا القول وهو نسبته إلى السحر والجنون. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ تجاوزوا الحدّ ولم يتواصوا. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا، ولا تدع التذكير بالمواضع زمنا بعد زمن بعد ما بلغت وأديت ما عليك. ﴿فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تحثهم وتبعثهم على زيادة التذكر وروي أنه لما نزل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ حزن رسول الله ﷺ وظن أن الوحي قد انقطع من السماء فنزل ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾
﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليعرفون، ولو خلقهم ليعبدوه لعبدوه الكل؛ فإنه سبحانه فعال لما يريد.
﴿الْمَتِينُ﴾ الشديد القوة، قرئ بالرفع نعتا لقوله: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ وبالجر (٣) على معنى الاقتدار. الذنوب: الدلو الكبير، وأصله في السقاة يتزاحمون على الموارد فيجعل لهذا ذنوب ولهذا ذنوب، ثم نقل ذلك فصار بمعنى النصيب؛ قال الشاعر [من الرجز]:
стр. 1047
لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب (١)
والمعنى: فإن للذين ظلموا نصيبا من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم.
وعن قتادة: سجلا من عذاب الله مثل سجل أصحابهم (٢) والسجل: الدلو العظيم.
﴿مِنْ يَوْمِهِمُ﴾ من يوم القيامة أو يوم بدر.
***
стр. 1048
تفسير سورة الطور [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾
﴿وَالطُّورِ﴾ الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وهو بمدين. أقسم الله تعالى بما كتبه لموسى والرق: الصحيفة أو الكتاب الذي تكتب فيه الأعمال، وهو ما كتبه الله لموسى. وقيل:
القرآن، ونكر الكتاب تعظيما لشأنه. ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ الصراح، وهو في السماء على حيال الكعبة في الأرض، وعمرانه: كثرة غشيان الملائكة.
وفي الحديث: "يدخل كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه" (١) وقيل: ﴿وَالْبَيْتِ﴾ الكعبة و ﴿الْمَعْمُورِ﴾ بالملائكة والإنس، ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ السماء؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ (٢). ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ المملوء. وقيل: الموقد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ (٣). وروي: أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها نارا توقد بها نار جهنم (٤).
وروي: أن عليا سأل يهوديا: أين تجد موضع (٢٧٧ /ب) النار في كتابكم؟ قال: في البحر ثم ولّى؛ فقال علي: ما أراه إلا صادقا (٥).
عن جبير بن مطعم: "أتيت النبي ﷺ أكلمه في الأسارى فسمعته يقرأ: ﴿وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ فأسلمت خوفا أن ينزل بي العذاب" (٦).
стр. 1049
﴿تَمُورُ﴾ تضطرب وتذهب وتجيء، وقال ابن فارس (١) في المجمل: غلب الخوض في الاشتغال بالباطل والكذب، ومنه: ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ﴾ (٢) ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ (٣). الدع: الدفع العنيف.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨)﴾
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ وذك أن خزنة جهنم يغلون أعناق المعذبين ويجمعونها إلى أيديهم، ويدفعون إلى النار دفعا، أو يقال لهم هلموا إلى النار مدعوعين؛ يقال لهم:
﴿هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أَفَسِحْرٌ هذا﴾ أي: ما رأيتموه من التهويل لجهنم هو أيضا سحر؟ ودخلت الفاء لهذا المعنى. ﴿أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ كما كنتم في الدنيا مبعدين عن فهم هذه الأمثال، و ﴿هذِهِ﴾ تهكم وتقريع.
﴿سَواءٌ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: سواء عليكم الصبر وعدمه، وتعليله بقوله:
﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن الصبر إنما يطلب لما يترتب عليه من الجزاء، ولا يكون كقول الشاعر [من الكامل]:
стр. 1050
وتجلّدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع (١)
فأما الصبر الذي لا يراد به وجه الله فلا جزاء فيه، ومنه قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٢)
وقرئ: (فاكهين وفكهين وفاكهون) (٣) فمن نصبه جعله حالا، ومن رفعه جعله خبرا وجعل الظرف لغوا، وعطف قوله: ﴿وَوَقاهُمْ﴾ على قوله: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أي: استقروا ووقاهم، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، أي: فرحين بالإيتاء والوقاية.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أكلا وشربا هنيئا، وهو الذي لا تنغيص فيه، وقرئ: بعيس عين (٤).
والعيساء: التي يعلو بياضها حمرة. ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾ قرناهم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي:
وقرناهم بحور عين، والمؤمنين المجالسين لهم والمرافقين؛ فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمحادثة المجالسين.
﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ (٥) جاء في الحديث: "إن الرجل ليرفع في درجة أبويه وإن لم يعمل
стр. 1051
مثل عملهما لتقر بذلك أعينهم، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية" (١).ومعنى تنكير الإيمان إيمان عظيم مستقر في القلوب، ويجوز أن يراد بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لهذه الدرجة التي نالوها. ﴿وَما أَلَتْناهُمْ﴾ أي: وما نقصناهم، يعني: وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب (٢٧٨ /أ) وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء. وقيل: معناه: وما نقصناهم من ثوابهم شيئا نعطيه الأبناء؛ ليلحقوا بهم، وهو من ألت يألت، ومن ألات يليت؛ كأمات يميت، وآلتناهم من: آلت يولت؛ كآمن يؤمن، وولتناهم من: ولت يلت، وهي لغات ومعناهن واحد. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ كأن نفس المؤمن مرتهنة عند الله بالعمل الصالح؛ فإن عمل صالحا فكّها وإلا أوبقها. ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ﴾ في وقت بعد وقت. ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ يتعاطون هم وجلساؤهم ﴿كَأْساً﴾ لا يحصل في شربها ﴿لَغْوٌ﴾ كما في خمر الدنيا، ولا إثم عليهم في شربها؛ بخلاف خمور الدنيا.
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾
﴿غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أي: في الصدف، وبقاؤه في الصدف أبقى لطراوته، قيل:
هذا شأن الخادم، فما شأن المخدوم؟! فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" (٢).يجلسون ويتحدثون بما كان منهم
стр. 1052
في الدنيا، ومنه: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (١).
﴿السَّمُومِ﴾ الريح الحادة الحارة التي تدخل المسام؛ فسميت بها نار جهنم. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل القيامة ﴿نَدْعُوهُ﴾ أن يكشف عنا عذابها. ﴿الْبَرُّ﴾ المحسن، ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي:
فدم على التذكير والموعظة. ﴿فَما أَنْتَ﴾ بحمد الله كاهنا ولا مجنونا. ﴿الْمَنُونِ﴾ في الأصل فعول من منّه إذا قطعه؛ لأن الموت قطوع، قالوا: ننتظر بمحمد نوائب الزمان وتقلبات الدهر كما مات الشعراء قبله. ﴿مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي. ﴿أَحْلامُهُمْ﴾ عقولهم. ﴿طاغُونَ﴾ مجاوزون الحد في العناد، وقوله: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ لأن عقولهم أدتهم إلى طاعة الشيطان وعصيان الرحمن. ﴿تَقَوَّلَهُ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه، وقرئ:
"بحديث مثله" (٢) بالإضافة، والضمير عائد على النبي ﷺ ﴿أَمْ خُلِقُوا﴾ أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم ﴿مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ من غير مقدر.
﴿أَمْ﴾ هم ﴿خَلَقُوا﴾ أنفسهم؛ حيث لا يعبدون الخالق. ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ التي هي أكبر من خلق الناس، وهم معترفون أن الله خالقها، وهم شاكون فيما يقولون. ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟ ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ حتى يعطوا النبوة (٢٧٨ /ب) من شاءوا، أو عندهم خزائن الأرزاق فيوسعوا على من شاءوا. ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ الأرباب الغالبون حتى يكرهوا الناس على ما يريدون.
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾
стр. 1053
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ منصوب فيصعدون فيه حتى يأتوا بأخبار السماوات.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ بحجة تدل على صدقه. ﴿مَغْرَمٍ﴾ يطلب منهم ما يثقل عليهم. ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أي: اللوح المحفوظ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ما فيه؛ حتى يقولوا: لا نبعث، ويطلعون على الغيب فيخبرون الناس به. ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ كما قال: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١).
الكسف: القطعة، وهو جواب قولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾ (٢) يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطت السماء عليهم كسفا لقالوا: سحاب متراكم بعضه فوق بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. ﴿يُصْعَقُونَ﴾ يموتون، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ﴾ أي: قبل ذلك، وهو قتال من قتل منهم يوم بدر والجوع والقحط سبع سنين وعذاب القبر. ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بمرأى منا، وإنما قال: ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بصيغة الجمع؛ لأن الضمير بلفظ الجمع، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ (٣) ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من أي مقام قمت. وقيل: من منامك.
﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ إذا أدبرت من آخر الليل، وقرئ: "وأدبار النجوم" (٤) أي: في أعقاب النجوم إذا غربت. ﴿وَسَبِّحْ﴾ المراد به: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وقيل: المراد بالتسبيح: الصلاة.
***
стр. 1054
تفسير سورة والنجم [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١)﴾
النجم: الثريا، وهو اسم غالب لها؛ قال [من السريع]:
إذا طلع النجم عشاء اشترى الراعي كساء (١) ...
أو الجنس. ﴿إِذا هَوى﴾ غرب أو استتر يوم القيامة، أو النجم الذي يرجم به ﴿إِذا هَوى﴾ إذا انقض، أو النجم من نجوم القرآن؛ فإنه نزل منجما في عشرين سنة ﴿إِذا هَوى﴾ إذا نزل، أو النبات ﴿إِذا هَوى﴾ إذا سقط إلى الأرض، وعن عروة بن الزبير أن عتبة بن أبي لهب، وكان متزوجا بنت رسول الله ﷺ أراد السفر إلى الشام فقال: لآتين محمدا ولأوذينه فأتاه فقال: يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى ثم تفل في وجه رسول الله ﷺ (٢٧٩ /أ) ورد عليه ابنته وطلقها فقال رسول الله ﷺ : "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، وكان أبو طالب حاضرا فوجم لها، وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتبة إلى أبيه، وأخبره ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال: إن هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة؛ فإني أخاف على ابني دعوة محمد؛ فجمعوا جمالهم وأناخوها وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله" (٢).
وقال حسان بن ثابت [من السريع]:
стр. 1055
من يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع (١)
﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨)﴾
﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ يعني محمدا ﷺ والخطاب لقريش وهو جواب القسم، والضلال:
نقيض الهدى، والغي: نقيض الرشد؛ أي: إن صاحبكم مهتد، وليس بضال كما زعمتم وليس ما يأتيكم به من القرآن شيئا يأتيكم به من جهة نفسه، إنما هو ﴿وَحْيٌ يُوحى﴾ ويحتج بهذه الآية من لا يجوز الاجتهاد، ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يترتب عليه كله وحيا. ﴿شَدِيدُ الْقُوى﴾ ملك شديدة قواه، فمن قوته أنه قلع مدائن قوم لوط ثم قلبها عليهم، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وكان صعوده إلى السماء ونزوله على الأنبياء في أسرع وقت، ورأى إبليس يكلم عيسى على عقبة من عقبات الأرض المقدسة فنفخه نفخة فألقاه في أقصى جبل بالهند.
﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ ذو قوة شديدة ﴿فَاسْتَوى﴾ على كمال قوته، وكان ينزل في صورة دحية، وذلك أن النبي ﷺ التمس منه أن يراه على صورته التي خلق عليها فتمثل له في أفق السماء من جانب المشرق فسد الأفق. وقيل: ما رآه أحد على صورته التي خلق عليها إلا محمد ﷺ رآه على هيئته مرتين؛ مرة في السماء ومرة في الأرض (٢). ﴿ثُمَّ دَنا﴾ من رسول الله ﷺ ﴿فَتَدَلّى﴾ أي: فتعلق به في الهواء، ومنه: تدلت الثمرة، ودلى رجليه في السرير، والدواني: الثّمر المعلقة، وفي المثل: هو كالقرلى؛ إن رأى خيرا تدلى، وإن لم ير شيئا تعلى (٣).
﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ﴾