← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

مثل عملهما لتقر بذلك أعينهم، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية" (١).ومعنى تنكير الإيمان إيمان عظيم مستقر في القلوب، ويجوز أن يراد بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لهذه الدرجة التي نالوها. ﴿وَما أَلَتْناهُمْ﴾ أي: وما نقصناهم، يعني: وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب (٢٧٨ /أ) وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء. وقيل: معناه: وما نقصناهم من ثوابهم شيئا نعطيه الأبناء؛ ليلحقوا بهم، وهو من ألت يألت، ومن ألات يليت؛ كأمات يميت، وآلتناهم من: آلت يولت؛ كآمن يؤمن، وولتناهم من: ولت يلت، وهي لغات ومعناهن واحد. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ كأن نفس المؤمن مرتهنة عند الله بالعمل الصالح؛ فإن عمل صالحا فكّها وإلا أوبقها. ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ﴾ في وقت بعد وقت. ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ يتعاطون هم وجلساؤهم ﴿كَأْساً﴾ لا يحصل في شربها ﴿لَغْوٌ﴾ كما في خمر الدنيا، ولا إثم عليهم في شربها؛ بخلاف خمور الدنيا. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ ﴿غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أي: في الصدف، وبقاؤه في الصدف أبقى لطراوته، قيل: هذا شأن الخادم، فما شأن المخدوم؟! فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" (٢).يجلسون ويتحدثون بما كان منهم

стр. 1052

في الدنيا، ومنه: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (١). ﴿السَّمُومِ﴾ الريح الحادة الحارة التي تدخل المسام؛ فسميت بها نار جهنم. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل القيامة ﴿نَدْعُوهُ﴾ أن يكشف عنا عذابها. ﴿الْبَرُّ﴾ المحسن، ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي: فدم على التذكير والموعظة. ﴿فَما أَنْتَ﴾ بحمد الله كاهنا ولا مجنونا. ﴿الْمَنُونِ﴾ في الأصل فعول من منّه إذا قطعه؛ لأن الموت قطوع، قالوا: ننتظر بمحمد نوائب الزمان وتقلبات الدهر كما مات الشعراء قبله. ﴿مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي. ﴿أَحْلامُهُمْ﴾ عقولهم. ﴿طاغُونَ﴾ مجاوزون الحد في العناد، وقوله: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ لأن عقولهم أدتهم إلى طاعة الشيطان وعصيان الرحمن. ﴿تَقَوَّلَهُ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه، وقرئ: "بحديث مثله" (٢) بالإضافة، والضمير عائد على النبي ﷺ ﴿أَمْ خُلِقُوا﴾ أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم ﴿مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ من غير مقدر. ﴿أَمْ﴾ هم ﴿خَلَقُوا﴾ أنفسهم؛ حيث لا يعبدون الخالق. ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ التي هي أكبر من خلق الناس، وهم معترفون أن الله خالقها، وهم شاكون فيما يقولون. ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟ ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ﴾ حتى يعطوا النبوة (٢٧٨ /ب) من شاءوا، أو عندهم خزائن الأرزاق فيوسعوا على من شاءوا. ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ الأرباب الغالبون حتى يكرهوا الناس على ما يريدون. ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾

стр. 1053

﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ منصوب فيصعدون فيه حتى يأتوا بأخبار السماوات. ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ بحجة تدل على صدقه. ﴿مَغْرَمٍ﴾ يطلب منهم ما يثقل عليهم. ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أي: اللوح المحفوظ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ما فيه؛ حتى يقولوا: لا نبعث، ويطلعون على الغيب فيخبرون الناس به. ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ كما قال: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١). الكسف: القطعة، وهو جواب قولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً﴾ (٢) يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطت السماء عليهم كسفا لقالوا: سحاب متراكم بعضه فوق بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. ﴿يُصْعَقُونَ﴾ يموتون، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ﴾ أي: قبل ذلك، وهو قتال من قتل منهم يوم بدر والجوع والقحط سبع سنين وعذاب القبر. ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بمرأى منا، وإنما قال: ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ بصيغة الجمع؛ لأن الضمير بلفظ الجمع، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ (٣) ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من أي مقام قمت. وقيل: من منامك. ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ إذا أدبرت من آخر الليل، وقرئ: "وأدبار النجوم" (٤) أي: في أعقاب النجوم إذا غربت. ﴿وَسَبِّحْ﴾ المراد به: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقيل: المراد بالتسبيح: الصلاة. ***

стр. 1054

تفسير سورة والنجم [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١)﴾ النجم: الثريا، وهو اسم غالب لها؛ قال [من السريع]: إذا طلع النجم عشاء اشترى الراعي كساء (١) ... أو الجنس. ﴿إِذا هَوى﴾ غرب أو استتر يوم القيامة، أو النجم الذي يرجم به ﴿إِذا هَوى﴾ إذا انقض، أو النجم من نجوم القرآن؛ فإنه نزل منجما في عشرين سنة ﴿إِذا هَوى﴾ إذا نزل، أو النبات ﴿إِذا هَوى﴾ إذا سقط إلى الأرض، وعن عروة بن الزبير أن عتبة بن أبي لهب، وكان متزوجا بنت رسول الله ﷺ أراد السفر إلى الشام فقال: لآتين محمدا ولأوذينه فأتاه فقال: يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى ثم تفل في وجه رسول الله ﷺ (٢٧٩ /أ) ورد عليه ابنته وطلقها فقال رسول الله ﷺ : "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، وكان أبو طالب حاضرا فوجم لها، وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتبة إلى أبيه، وأخبره ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال: إن هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة؛ فإني أخاف على ابني دعوة محمد؛ فجمعوا جمالهم وأناخوها وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله" (٢). وقال حسان بن ثابت [من السريع]:

стр. 1055

من يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع (١) ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨)﴾ ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ يعني محمدا ﷺ والخطاب لقريش وهو جواب القسم، والضلال: نقيض الهدى، والغي: نقيض الرشد؛ أي: إن صاحبكم مهتد، وليس بضال كما زعمتم وليس ما يأتيكم به من القرآن شيئا يأتيكم به من جهة نفسه، إنما هو ﴿وَحْيٌ يُوحى﴾ ويحتج بهذه الآية من لا يجوز الاجتهاد، ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يترتب عليه كله وحيا. ﴿شَدِيدُ الْقُوى﴾ ملك شديدة قواه، فمن قوته أنه قلع مدائن قوم لوط ثم قلبها عليهم، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وكان صعوده إلى السماء ونزوله على الأنبياء في أسرع وقت، ورأى إبليس يكلم عيسى على عقبة من عقبات الأرض المقدسة فنفخه نفخة فألقاه في أقصى جبل بالهند. ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ ذو قوة شديدة ﴿فَاسْتَوى﴾ على كمال قوته، وكان ينزل في صورة دحية، وذلك أن النبي ﷺ التمس منه أن يراه على صورته التي خلق عليها فتمثل له في أفق السماء من جانب المشرق فسد الأفق. وقيل: ما رآه أحد على صورته التي خلق عليها إلا محمد ﷺ رآه على هيئته مرتين؛ مرة في السماء ومرة في الأرض (٢). ﴿ثُمَّ دَنا﴾ من رسول الله ﷺ ﴿فَتَدَلّى﴾ أي: فتعلق به في الهواء، ومنه: تدلت الثمرة، ودلى رجليه في السرير، والدواني: الثّمر المعلقة، وفي المثل: هو كالقرلى؛ إن رأى خيرا تدلى، وإن لم ير شيئا تعلى (٣). ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ﴾

стр. 1056

﴿يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦)﴾ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ القاب والقيب والقاد والقيد والقيس: المقدار (٢٧٩ /ب). وفي الحديث: "لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١) والمعنى: فكأن مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات. ﴿أَوْ أَدْنى﴾ على تقديركم. ﴿إِلى عَبْدِهِ﴾ إلى عبد الله، وإن لم يجر لاسم الله ذكر؛ كقوله: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٢). ﴿ما أَوْحى﴾ تعظيم لما أوحى به إليه؛ كقوله: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ قيل: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. ﴿ما كَذَبَ﴾ فؤاد محمد ما رآه ببصره من صورة جبريل، أي: ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ولو قالها لكان كاذبا؛ لأنه ﵇ رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك ﴿أَفَتُمارُونَهُ﴾ مأخوذ من المراء، وهو المجادلة. وقرئ: "أفتمرونه" (٣) من: ماريته فمريته، أو لما فيه من معنى الغلبة عدي ب "على" كما تقول: غلبته على كذا. ﴿نَزْلَةً أُخْرى﴾ نصب نصب الظرف، أي: نزل عليه جبريل نزلة أخرى في صورة خلقته، فرآه عليها، وذلك في ليلة المعراج. ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش، ثمرها كقلال هجر، وورقها كآذان الفيول، تنبع من أصلها الأنهار، يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها، والمنتهى: بمعنى موضع الانتهاء، أو نفس الانتهاء؛ كأنها منتهى الجنة وآخرها. وقيل: لم يتجاوزها أحد، ولم تعلم الملائكة ما وراءها. وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء. ﴿جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ الجنة التي يصير إليها المتقون. وقيل: تأوي إليها أرواح الشهداء. ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ أي: ستره بظلاله ودخل فيه، وعن عائشة أنها أنكرته وقالت: من قرأ بها فأجنّه الله (٤). ﴿ما يَغْشى﴾ تعظيم وتكثير لما يغشاها، وقد تضمن ذكر هذه السدرة وجنة المأوى ذكر

стр. 1057

أمور لا يكتنهها الوصف. وقيل: تغشاها الخلائق من الملائكة يعبدون الله عندها. وعن النبي ﷺ : "يغشاها رفرف من طير خضر" (١) وعن ابن عباس: "يغشاها فراش من ذهب" (٢). ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى (١٩) وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠)﴾ ﴿ما زاغَ﴾ بصر رسول الله ﷺ ﴿وَما طَغى﴾ ما تجاوز الحد ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ الآيات التي هي كبراها وعظماها؛ يعني حين رقي به إلى السماء فرأى عجاب الملكوت. ﴿اللاّتَ وَالْعُزّى﴾ (٢٨٠ /أ) أصنام كانت لهم مؤنثات فاللات لثقيف بالطائف. وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة من لوى؛ لأنهم كانوا يعكفون عليها للعبادة، أو يلتوون عليها؛ أي: يطوفون، وقرئ: "اللاتّ " (٣) بالتشديد، وزعموا أنه كان رجلا يلت السويق بالطائف، وكانوا يعكفون على قبره، فجعلوه وثنا. و ﴿وَالْعُزّى﴾ كانت بغطفان، وهي سمرة، وأصلها تأنيث الأعز، وبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها فخرجت شيطانة ناشزة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها؛ فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول [من الرجز]: يا عزّى كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك (٤) ورجع فأخبر الرسول ﷺ فقال: "تلك العزى ولا تعبد أبدا" (٥). ﴿وَمَناةَ﴾ صخرة كانت لهذيل وخزاعة، وقرئ: "ومناءة" (٦) لأن دماء النسائك كانت

стр. 1058

تذبح عندها، و "مناءة" مأخوذة من النوء، وكانوا يستمطرون بها الأنواء و ﴿الْأُخْرى﴾ ذم، وهي المتأخرة؛ كقوله: ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ (١) أي: وضعاؤهم لأشرافهم، ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى. ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى (٢٤) فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨)﴾ وكانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونها ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله مع وأدهم البنات؛ فقيل لهم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾ ويجوز أن يراد أن اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهن لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم؛ فكيف تجعلون هؤلاء الإناث لله أندادا، وتسمونهن آلهة؟! ﴿قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ جائرة من ضازه يضيزه، إذا ضامه، والأصل: ضوزي؛ ففعل بها ما فعل ب "بئس" لتسلم الياء وقرئ: "ضئزى" من ضأزه بالهمزة، "ضيزى" (٢) بفتح الضاد. ﴿هِيَ﴾ ضمير الأصنام؛ أي: ما هي إلا أسماء ليس تحتها على الحقيقة مسميات؛ لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشد منافاة، ونحوه قوله تعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ (٣) أو ضمير الأسماء، وهي قولهم: اللات والعزى ومناة. ﴿مِنْ سُلْطانٍ﴾ من حجة وبرهان. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ في دعوى إلهيتها ﴿إِلاَّ الظَّنَّ﴾ إلا التوهم أن ما هم عليه حق (٢٨٠ /ب) وكانوا إذا هووا صنما عبدوه؛ فإذا أحبوا غيره تركوا

стр. 1059

الأول وعبدوا الثاني، هذا وقد جاءت الأوامر من الله تعالى والأدلة القاطعة على أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه. ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ﴾ أو هل جعل الله لكل أحد أن يعبد ما تمناه؟ ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾ فهو يحكم فيهما بما يشاء. وكثير من الملائكة في السماوات لا يحصى عددهم لا تنفع شفاعتهم لأحد إلا بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة له ﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ يقولون: أنثى بني فلان، وإذا قالوا: الملائكة بنات الله؛ فقد سموا كل واحدة منهن أنثى. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في دعوى إلهيتها ﴿إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي﴾ في أصول الدين والعقائد ﴿شَيْئاً﴾ لكنه يغني في مسائل الفروع؛ لأن الصحابة عملوا بالقياس وهو ظن. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى (٣٧)﴾ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وهو حذقهم في التجارات وتقليب المكاسب. ﴿بِما عَمِلُوا﴾ بعملهم أو بالذي عملوا. ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ هو ما قبح منها، ثم أعاد ذكر الفواحش تخصيصا بعد التعميم للمبالغة والتعظيم. وقيل: كبير الإثم: الشرك بالله. ﴿اللَّمَمَ﴾ ما قل وصغر، ومنه: المس من الجنون؛ تقول: ألم بالمكان: إذا قل لبثه فيه، وألم بالطعام: إذا قل منه أكله. وقيل: ﴿اللَّمَمَ﴾ ما لم يذكر الله له عقابا. وقيل: عادة التصيد الحين بعد الحين. ﴿إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (١) ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فلا تنسبوها إلى زكاء العمل، أو: فلا تثنوا عليها واهضموها؛ فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولا وآخرا قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن يخرجكم من بطون أمهاتكم. وقيل: كان قوم يعملون بالطاعات ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا، فنزلت (٢). وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب والرياء، فأما من اعتقد أن هذه

стр. 1060

الأعمال بتوفيق الله وتيسيره ولم يقصد بها الرياء والمفاخرة - فليس من الذين نهوا عن تزكية أنفسهم؛ لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر. ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى (٣٣)﴾ ﴿وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤)﴾ [النجم] روي أن عثمان ﵁ كان ينفق ماله في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح - وهو أخوه من الرضاعة -: يوشك ألا يبقى لك شيء، فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله وأرجو عفوه، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه عثمان وأشهد عليه وأمسك عن العطاء؛ فنزلت (١) ومعنى ﴿تَوَلّى﴾ فارق المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل. ﴿فَهُوَ يَرى﴾ فهو يعلم ويعتقد أن ما قال له أخوه من احتمال أوزاره حق. ﴿وَفّى﴾ قرئ مخففا ومشددة (٢) (٢٨١ /أ) والتشديد مبالغة في الوفاء؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (٣) وأطلق وفاء ولم يذكر له مفعولا ليعمّ كل وفاء، هذا معتقد الزمخشري (٤) والصواب أن المطلق لا عموم له، وهو كثيرا ما يكرر هذا المعنى؛ ومن ذلك: تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح ولده، وعلى نار نمرود، وقيامه بأضيافه، وخدمته إياهم بنفسه، وأنه كان يخرج كل يوم من بيته فيمشي فرسخا لعله يجد ضيفا فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به (٥). وقيل: كان بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة أخيه، أو بجريرة قريبه، ويقتل بابنه وأبيه وعمه وخاله، والزوج بامرأته والعبد بسيده، فأول من خالفهم في ذلك إبراهيم.

стр. 1061

وقيل: عهد إبراهيم ألا يسأل أحدا شيئا، فلما ألقي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليكما فلا " (١). وعن رسول الله ﷺ :" وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار، وهي صلاة الضحى " (٢).وروي أن النبي ﷺ قال:" ألا أخبركم لم سمى الله خليله بالذي وفى؟ كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى قوله : ﴿تُظْهِرُونَ﴾ (٣). ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩)﴾ ﴿أَلاّ تَزِرُ﴾ أنه لا تزر، والضمير للشأن، ومحل ﴿أَلاّ تَزِرُ،﴾ وما بعدها الجر؛ بدلا من بما ﴿فِي صُحُفِ مُوسى﴾ ويحتمل الرفع بتقدير: هو ألا تزر وازرة؛ كأن قائلا قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ قيل: ألا تزر. ﴿إِلاّ ما سَعى﴾ إلا سعيه، وقد صح في الحديث: الصدقة عن الميت والحج عنه (٤). وفيه

стр. 1062

جوابان: أحدهما: أن سعي غيره لم ينفعه إلا مبنيا على سعي نفسه، وهو أن يكون صالحا، ولكن إذا نواه به حصل له، والوكيل قائم مقام الموتى. ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ﴾ ثم يجزى سعيه؛ يقال: جزاه الله عمله، وجزاه على عمله، ويجوز أن يكون الضمير للجزاء لوصفه بالجزاء الأوفى، أو لبدله عنه. ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ قرئ بالفتح على معنى أن هذا كله في الصحف، وبالكسر على الابتداء (١) وكذلك ما بعده. و ﴿الْمُنْتَهى﴾ بمعنى النهاية، أي: ينتهي إليه الخلق. ويرجعون إليه؛ كقوله: ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢) ﴿أَضْحَكَ﴾ أهل الجنّة في الجنة ﴿وَأَبْكى﴾ أهل النار في النار. وقيل: خلق الضحك والبكاء. ﴿إِذا تُمْنى﴾ أي: تراق في الرحم؛ يقال: مني وأمنى. وقيل: يخلق من مني الماني، أي: قدر المقدر. ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ﴾ التزمها بوعده. ﴿وَأَقْنى﴾ (٢٨١ /ب) أعطى القنية وهو المال الذي تأثلته وعزمت ألا تخرجه من يدك ﴿الشِّعْرى﴾ اثنتان: الغميصاء والعبور، وأراد العبور، وكانت العرب تعبدها، زين لهم ذلك أبو كبشة؛ رجل من أشرافهم، وكانت قريش يقولون لرسول الله ﷺ : ابن أبي كبشة. تشبيها له به؛ لمخالفته إياهم في دينهم؛ يريد: أنه رب معبودهم. ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشّاها ما غَشّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ ﴿عاداً الْأُولى﴾ قوم هود، وعاد الأخرى: إرم. وقيل: ﴿الْأُولى﴾ بمعنى القدماء؛ لأنهم أول الأمم هلاكا بعد قوم نوح، أو لأنهم المتقدمون في الدنيا الأشراف. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ لأنهم كانوا يضربون نبيهم ويؤذونه حتى لا يبقى فيه حراك، وينفرون الناس عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم منه، وما أثر دعاؤه فيهم قريبا من ألف سنة. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾

стр. 1063

قرى قوم لوط. ﴿أَهْوى﴾ أسقطها من العلو ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ أمر عظيم لا يدرك قدره ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ﴾ فبأي نعم ﴿رَبِّكَ تَتَمارى﴾ أي: تشك؛ عدد الله سبحانه نعما ونقما، وسماها آلاء؛ لأن كل واحدة منها حث على الطاعة وتنفير من المعصية. و ﴿هذا﴾ القرآن ﴿نَذِيرٌ مِنَ﴾ جملة ﴿النُّذُرِ الْأُولى﴾ فلا وجه لإنكاره، أو ﴿هذَا﴾ الرسول ﴿نَذِيرٌ مِنَ﴾ جملة المنذرين الأولين، وقال: ﴿النُّذُرِ الْأُولى﴾ على تأويل الجماعة. ﴿أَزِفَتِ﴾ قربت ﴿الْآزِفَةُ﴾ القيامة، لقوله ﷻ : ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ (١) ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ أي: مبينة متى تقوم؛ لقوله: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ (٢). وعن رسول الله ﷺ : أنه لم ير ضاحكا بعد نزولها (٣). ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ شامخون متبرطمون متكبرون. وقيل: لاهون لاعبون، وقال بعضهم لجاريته: أسمدي لنا؛ أي: غني، وقال الشاعر [من الوافر]: فإنك لو شهدت بكاء هند ... و [رملة] (٤) إذ يصكان الخدودا إذ لشهدت معولة ثكولا ... أباح الدهر واحدها الفقيدا رمي الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا (٥)

стр. 1064

تفسير سورة القمر [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)﴾ ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ روي أن أنس بن مالك قال: "إن أهل مكة (٢٨٢ /أ) سألوا رسول الله ﷺ آية، فأراهم القمر قد انشق نصفين، وحراء بينهما" (١). وقيل: إن الماضي يعني المضارع؛ أي: ينشق يوم القيامة، وفي قراءة حذيفة: (وقد انشق القمر) (٢) كما تقول: أقبل الأمير؛ إذا جاء المبشر بقدومه، وعن حذيفة: أنه خطب بالمدائن، فقال: "ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم ﷺ " (٣). ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ يرده، وكفى به رادا، ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: دائم، وكل من دامت طريقته مستمر. لما رأوا تواتر المعجزات قالوا: هذا سحر مستمر وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ قوي؛ من قولهم: استمر مريره؛ أي: تضاعفت قوته. وقيل: هو من قولهم استمر الشيء: إذا اشتدت مرارته، أي: هو مر في حلوقنا لا نستطيع أن نسيغه؛ كما لا يساغ المر الشديد المرارة، أي: مستبشع عندنا، مر لهواتنا. ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ بدفع الحق بعد ظهوره. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: كل الأمر لا بد أن يصير إلى غاية أو ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ﴾ من أمرهم فله قرار مستقر عندهم. ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ﴾

стр. 1065

﴿هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ (١) أو: كل أمر ذو مستقر، أو: موضع استقرار، أو زمان استقرار. ﴿مِنَ الْأَنْباءِ﴾ من القرآن، وأنباء الآخرة. ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ ازدجار، أو: موضع ازدجار. ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ نفي أو إنكار، أي: فأي غنى تغني النذر. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ لعلمك أن الإنذار لا ينفع فيهم؛ لأنهم مطبوع على قلوبهم. نصب ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ ب "يخرجون" أو بإضمار اذكر، والداعي: إسرافيل أو جبريل. ﴿نُكُرٍ﴾ أي: منكر تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله. ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ﴾ حال من "يخرجون" وخشوع الأبصار عبارة عن الذلة؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهران في عيونهما. ﴿مِنَ الْأَجْداثِ﴾ من القبور ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ مثل في الكثرة والتموج، يقال: جاء الجيش كالجراد منتشر في كل مكان. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين مادي أعناقهم. وقيل: ناظرين إليه لا يميلون بأبصارهم عنه، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: تعبّدني نمر بن سعد وقد أرى ... ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع (٢) ﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبل أهل مكة ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ أي: نوحا. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ بعد قوله: ﴿كَذَّبَتْ؟﴾ قلت: معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا، أي: كذبوه تكذيبا عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو: كذبت قوم نوح المرسلين فكذبوا عبدنا، ولما كانوا مكذبين للرسل جاحدين (٢٨٢ /ب) للنبوة رأسا كذبوا نوحا؛ لأنه من جملة الرسل. ﴿وَازْدُجِرَ﴾ وانتهر بالشتم والضرب. وقيل: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ زجرته الجن واختطفت فهمه وعقله، أي: فانتصر لي، وإنما دعا بذلك

стр. 1066

حين استمر عنادهم، فلا يلدوا إلا فاجرا كفارا؛ لأنه كان يلقاه الرجل منهم فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. ﴿مُنْهَمِرٍ﴾ منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما. ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ أي: وجعلناها كلها كأنها عيون ﴿فَالْتَقَى الْماءُ﴾ يعني: مياه السماء والأرض ﴿عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ على حال قدرها الله كيف شاء. وقيل: ﴿عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض ﴿عَلى ذاتِ أَلْواحٍ﴾ على سفينة، وهي من الصفة القائمة مقام الموصوف، لا يفصل بينها وبينها. والدسر: الدفع، والدسار: ما يدفع به من مسمار ونحوه. ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣)﴾ ﴿جَزاءً﴾ مفعوله. والذي كفر هو نوح؛ لأن النبي ﷺ نعمة من الله؛ قال الله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١). وقرئ: "جزآء لّمن كان كفر" بفتح الكاف والفاء (٢). ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ الضمير للسفينة أو للفعلة، وبقيت على جبل الجودي. وقيل: بأرض الجزيرة حتى أدرك السفينة أوائل هذه الأمة. والمدكر: المعتبر، أي: فهل من معتبر، والنذر: جمع نذير، وهو الإنذار. ﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ﴾ سهلناه للادكار والاتعاظ، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد. وقيل: سهلناه للحفظ فهل من راغب في حفظه، ويجوز أن يكون يسره بمعنى هيأه؛ قال الشاعر [من الطويل]: فقمت إليه باللجام ميسّرا ... كذلك يجزيني الذي كنت أصنع (٣) لأن التوراة والإنجيل وسائر الصحف لا تحفظ عن ظاهر القلب وإنما ينظر فيها وتقرأ.

стр. 1067

﴿وَنُذُرِ﴾ وإنذاري بإنذار الرسل. وقيل: بإنذاراتي في تعذيبهم لمن بعدهم. ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ أي: يوم شؤم ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ دائم إلى أن فرغ من هلاكهم، كانوا يفرون من الريح فيدخلون في الشعاب والحفر العميقة في الأرض فتخرجهم الريح وتدق رقابهم. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ كأنهم أصول نخل ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ منتزع من أصله، وكانوا أقواما طوالا؛ فإذا سقطوا على الأرض كانوا كالنخلة السحوق إذا سقطت. وقيل: شبهوا بالنخل المنقعر؛ لأن الريح كانت تقتلع رؤوسهم فيبقون كأنهم نخل بغير رأس، وذكر صفة النخل بقوله: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ وأنثها في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ (١)؛ حملا على اللفظ (٢٨٣ /أ) والمعنى. ﴿فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ ﴿أَبَشَراً مِنّا﴾ نصب بفعل مضمر يفسره ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ وقرئ: "أبشر" بالرفع (٢) على الابتداء، و ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ الخبر. كان صالح يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال. وسعر: جمع سعير، وهي النار المتقدة، فعكسوا عليه، وقالوا: إن اتبعناك كان الأمر كما تقول. وقيل: السعر: الجنون؛ يقال: ناقة مسعورة. وقال [من الطويل]: كأنّ بها سعرا إذا الريح هزّها ... ذميل وإرخاء من السير متعب (٣)

стр. 1068

وأنكروا أن يكون الرسول بشرا، وكونه منهم أيضا؛ لأن البشرية جنس جامع له ولهم، وكونه واحدا فقالوا: كيف تتبع هذه الأمة كلها رجلا واحدا؟ ﴿أَشِرٌ﴾ بطر طالب للرياسة علينا. ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً﴾ عند نزول العذاب، أو يوم القيامة. ﴿مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ أصالح أم من كذبه؟ وقرئ:" ستعلمون "بالتاء (١) على حكاية ما سألوا. ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ وامتحانا. ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ فانتظرهم، وما هم عليه. ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على أذاهم، ولا تعجل حتى يأتيك أمري. ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ مقسوم ﴿لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢) وذكر ﴿بَيْنَهُمْ﴾ تغليبا للعقلاء. ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ أي: محضور لهم وللناقة. ﴿صاحِبَهُمْ﴾ قدار بن سالف، وقيل: الناقة أو السيف. ﴿صَيْحَةً واحِدَةً﴾ صيحة جبريل. والهشيم: الشجر اليابس المتهشم، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة. ﴿حاصِباً﴾ ريحا تحصبهم بالحجارة. ﴿بِسَحَرٍ﴾ بقطع من الليل، وهو السدس الأخير منه. وقيل: هما سحران، والسحر الأعلى قبل انصداع الفجر، والآخر عند انصداعه، وصرف لأنه نكرة، ويقال: لقيته سحر؛ أي: بسحر يومك. ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ ﴿نِعْمَةً﴾ أنعمناها؛ مفعول له: ﴿مَنْ شَكَرَ﴾ نعمة الله بالإيمان والطاعة ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ﴾ لوط ﵇ ﴿بَطْشَتَنا﴾ أخذتنا بالعذاب ﴿فَتَمارَوْا﴾ وكذبوا ﴿بِالنُّذُرِ﴾. ﴿فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ﴾ فمسحناها وجعلناها كسائر الوجوه لا يظهر فيها شق. روي أنهم عالجوا باب لوط ليدخلوا؛ فقال لهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ (٣) فقالوا له: إن ركنك لشديد ﴿إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا﴾

стр. 1069

﴿إِلَيْكَ﴾ (١) فمسح جبريل بجناحه وجوههم فصار موضع العين لحما مساويا لجميع الوجه، فلم يهتدوا للباب حتى أخرجهم لوط. ﴿بُكْرَةً﴾ إن نكرته فالمراد (٢٨٣ /ب) بكرة من جملة البكر، وإن عرفته ولم تصرفه أردت بكرة يومك. فإن قلت: ما فائدة تكرير قوله: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟﴾ قلت: فائدته أن تبقى هذه المواعظ نصب أعينهم ويستحضروها بقلوبهم ولا يغفلوا عنها، ونظيره تكرير: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ في سورة الرحمن (٢). وفي المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣). النذر: موسى وهارون وغيرهما؛ لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون، أو: جمع نذير، وهو الإنذار. ﴿بِآياتِنا كُلِّها﴾ بالآيات التسع. ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ لا يغالب ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض. ﴿أَكُفّارُكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ﴾ الكفار المعدودين وهم قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وآل فرعون، يعني: أكفاركم خير من أولئكم في القوة والعدة والمال والبسطة، أو أقل عنادا؟ بل قومك أكثر عنادا وأبعد عن الانقياد. ﴿أَمْ﴾ أنزلت عليكم ﴿بَراءَةٌ فِي﴾ الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمنا من عذاب الله فأمنتم بها؟! ﴿نَحْنُ﴾ جماعة أمرنا مجتمع ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ ينصر بعضنا بعضا. وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اليوم ننتصر من محمد وأصحابه فنزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤). روي: أن رسول الله ﷺ خرج يوم بدر وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٥) أي: الأدبار؛ كما قال [من الوافر]: كلوا في بعض بطنكم تعفّوا (٦) ...

стр. 1070

﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ ﴿أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ والداهية: الأمر المنكر الذي لا يهتدى لدواهيه. ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ سقر اسم علم لجهنم. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر، والقدر: التقدير. ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ﴾ إلا كلمة واحدة سريعة التكوين ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ يريد قوله: (كنّ). ﴿أَشْياعَكُمْ﴾ أشباهكم من الأمم. ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ في دواوين الحفظة. ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أي: في اللوح ﴿وَنَهَرٍ﴾ أي: وأنهار؛ اكتفى باسم الجنس. وقيل: هي السعة والضياء من النهار؛ وأنهر الدم: أخرجه بكثرة. ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مكان مرضي. ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ أي: مقربون عند ملك عظيم القدرة والمملكة؛ فلا منزلة أتم من تلك المنزلة، ولا مقعد أكمل منه، ولا مقتدر أعظم منه. ***

стр. 1071

تفسير سورة الرحمن [مدنية] (٢٨٤ /أ) ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧)﴾ بدأ سبحانه بتحديد نعمائه على العالمين، فبدأ بنعمة الدين، وبدأ من نعم الدين بما هو في أعلى مراتبها وأشرف مناصبها وهو تعليم القرآن، وهو من أعظم حرمات الله، وهو الحبل المتين، والصراط المستقيم، ثم ثنى بنعمة إيجاد الإنسان، وما خلق فيه من عجائب التربيب وحسن النظم والترتيب، وما وهبه له من المنن والمصالح فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ وفي ﴿الْبَيانَ﴾ قولان: قيل: هو النطق. وقيل: هو الكتابة؛ كقوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) وقوله: ﴿الرَّحْمنُ﴾ مبتدأ، وهذه الأفعال المعطوفة أخبار، ولم يأت بينها بعاطف؛ لأنه جعلها كالجملة الواحدة؛ تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، جبرك بعد كسر، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد؛ فأي شيء تشكر من إنعامه؟! ﴿بِحُسْبانٍ﴾ يجريان بحسبان معلوم؛ يجريان في بروجهما ومنازلهما، وفي ذلك منافع للناس عظيمة منها: علم السنين؛ لقوله عن القمر: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ (٢) ومنها إنضاج الفواكه ويبس الحبوب المزروعة. و ﴿وَالنَّجْمُ﴾ النبات الذي ليس له ساق يبقى سنة ثانية، و ﴿وَالشَّجَرُ﴾ كل ما له ساق ويبقى إلى سنة ثالثة وأصله قائم. وسجودهما: انقيادهما لما خلق الإنسان من أجله تشبيها بالمكلفين في انقيادهم بالسجود لله تعالى، والضمائر العائدة في الأخبار إلى ﴿الرَّحْمنُ﴾ استغني عنها بقوة الكلام، والتقدير: يجريان بحسبانه ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ له. وقيل: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ جعله آية وعلامة على صدق الرسول. وقيل: ﴿الْإِنْسانَ﴾ آدم. وقيل: محمد ﷺ . وعن مجاهد: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ نجوم السماء (٣). ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها﴾ خلقها

стр. 1072

مرفوعة. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ خفضه؛ لأن به يحصل العدل والتناصف، ويدخل فيه المكيال؛ لأنه يعرف به وفاء الحق، وكذلك القرسطون وهو القبان. ﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠)﴾ ﴿أَلاّ تَطْغَوْا﴾ أي: لئلا تطغوا، أو هي" أن "المفسرة، أي: فقلنا: لا تطغوا. ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: وقوّموا وزنكم ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ أي: لا تنقصوه، وكرر لفظ " الميزان "تأكيدا لوجوب الاحتياط في الوزن. ﴿وَضَعَها﴾ خفضها مدحوّة على الماء. ﴿لِلْأَنامِ﴾ للخلق، وهو كل ما ظهر على وجه الأرض من دابة. وقيل: الأنام: الإنس والجن. (٢٨٤ /ب) ﴿فاكِهَةٌ﴾ أنواع ما يتفكه به، والأكمام: كل ما يتغطى به من ليفه وسعفه وقشر طلعه، وكله ينتفع به؛ كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه. وقيل: الأكمام: أوعية الثمر، الواحد: كم، بكسر الكاف. ﴿الْعَصْفِ﴾ ورق الزرع. وقيل: التين، ﴿وَالرَّيْحانُ﴾ الرزق، وهو اللب؛ أراد أن فيها ما يتفكه به، وفيها ما يتغذى به وهو الرزق. وقرئ:" والريحان "بالجر (١)؛ عطفا على ﴿الْعَصْفِ﴾ أي: فيها ما تأكلون أنتم وأنعامكم؛ كما قال: ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ (٣). وقيل: وفيها الريحان الذي يشم، والخطاب في ﴿رَبِّكُما﴾ للجن والإنس بدلالة الأنام عليها، وقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ الصلصال: الطين اليابس له صلصة. والفخار: الطين المطبوخ بالنار، ومعنى الآية: أنه

стр. 1073

خلق الإنسان من تراب، ثم جعل نسله من ماء مهين، ثم جعله طينا ثم صلصالا ثم حمأ مسنونا، أي: منتنا. ﴿الْجَانَّ﴾ أبو الجن. وقيل: إبليس، والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان له. وقيل: المختلط بسواد النار؛ من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط، ومعنى قوله: ﴿مِنْ نارٍ﴾ بيان المارج؛ كأنه قيل: من صاف من نار أو مختلط من نار؛ أراد: من نار مخصوصة. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متساويين في مرأى العين. ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ لا يتجاوزان حديهما، ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)﴾ و ﴿وَالْمَرْجانُ﴾ هذا الخرز الأحمر وهو البسذ (١). وقيل: اللؤلؤ كباره، والمرجان صغار اللؤلؤ (٢). وقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ مع أنه لا يخرج إلا من الملح خاصة؛ لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يعبر عنهما بالتثنية والإفراد؛ كما تقول: أخرجت الشيء من البحر، وأنت لا تخرجه من جميع البحر؛ بل من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلة منه؛ بل من دار واحدة من دوره. وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب. الجوار السافن، و ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ المرفوعات الشّرع و ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ الجبال. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها﴾ أي: على الأرض. ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي: ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات (٣). ومساكين مكة تقول: أين وجه عربي كريم ينقذني من الهوان؛ أي: من الجوع. ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ الذي يجله

стр. 1074

الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم (٢٨٥ /أ) أو الذي يقال له: ما أجلك وأكرمك، أو: من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده، وهذه الصفة من أعظم صفات الله تعالى، ولقد قال ﷺ :" ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام " (١).ومر رسول الله ﷺ برجل يصلي، وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال:" قد استجيب لك " (٢). فإن قلت: لم قال عقيب هذه الآية ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وأي نعمة في هذا؟ قلت: فيه أعظم النعم، وهو مجيء وقت الجزاء وانتصاف كل مظلوم ممن ظلمه. ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤)﴾ كل ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مفتقرون إليه ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ أي: كل وقت يجدد أحكاما لتجدد أمور، وروي أن النبي ﷺ سئل عن هذه الشؤون؛ فقال:" يغفر ذنبا ويفرج كربا ويضع قوما ويرفع آخرين " (٣). وعن ابن عباس:" الدهر كله عند الله يومان، فما مضى من الزمان فشأنه فيه الأمر والنهي والأخذ والإعطاء والمنع، والآخر: يوم القيامة فشأنه فيه الجزاء والحساب " (٤). وقيل: نزلت في اليهود حين قالوا: لا يقضي في يوم السبت شيء. وقيل: إن ملكا سأل وزيره عنها فلم يجبه، فأمهله ثلاثا فلم يجب، فقال غلام الوزير: أنا أفسره وأعلمه فأعلمه؛ فقال: من شأنه أن يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج

стр. 1075

الميت من الحي، ويشفي سقيما ويسقم سليما، ويبتلي معافي ويعافي مبتلي، ويعز ذليلا ويذل عزيزا، ويفقر غنيا ويغني فقيرا، فقال الملك: أحسنت؛ فأمر الوليد أن يخلع له بباب الوزارة؛ فقال: يا مولاي: هذا من شأن الله. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ مستعار من قول الرجل لمن يتهدده: سأتفرغ لك؛ أي: لا أجعل لي شغلا غير عقوبتك، ومراده: التوفر على ذلك والاهتمام به. ﴿الثَّقَلانِ﴾ الإنس والجن؛ سميا بذلك لأنهم مثقلان بالذنوب. ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ أي: إن قدرتم أن تخرجوا من ملكوتي فافعلوا، لا تطيقون ذلك إلا بسلطان يقهر من يمنعكم. وروي: أن الملائكة تنزل يوم القيامة فيحيطون بأقطار الأرض فيهرب أهل الموقف من شواظ النار ولهبها فلا يأتون جهة من الجهات إلاّ وجدوا الملائكة يردونهم بالمقامع. ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥) وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩)﴾ والشواظ: اللهب الخالص، والنحاس: الدخان. وقيل: الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ (٢٨٥ /ب) إلى المحشر (١). ﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ أي: فلا تمتنعان ﴿وَرْدَةً﴾ حمراء ﴿كَالدِّهانِ﴾ كدهن الزيت كما قال: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ (٢) وهو دردي الزيت، وهو جمع دهن، أو اسم ما يدهن به كالحزام والإدام وقيل: الدهان: الأديم الأحمر. المراد: لا يسألون عن ذنوبهم. ﴿بِسِيماهُمْ﴾ أي: بعلامات يعرفون بها من سواد الوجوه وزرقة العيون، وأما قوله: ﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣) ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ (٤) فلأن يوم القيامة فيه مواطن، ففي بعضها يسألون وفي بعضها لا يسألون، وفي

стр. 1076

بعضها يختم على أفواههم فتتكلم جوارحهم بما صنعوا. ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي﴾ أي: يشد بسلسلة من خلف ظهره إلى قدميه. وقيل: تسحبهم الملائكة تارة تأخذ بنواصيهم، وتارة تأخذ بالأقدام. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ ماء حار قد انتهى حره ونضجه يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم. وقيل: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم. وقيل: إن واديا من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم ثم يخرجون منها، وقد أحدث الله سبحانه لهم جلدا جديدا. وعد ذلك نعما؛ لأن الإنسان بالإنذار ينجذب قلبه إلى الطاعة خوفا. ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب، ونحوه: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي﴾ (١) ويجوز أن يراد ب ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ أن ربه قائم عليه مطلع لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وقيل: هو مقحم؛ كما تقول: أخاف جانب فلان، وقول الشاعر [من الوافر]: ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب للرجل اللعين (٢) وقوله: ﴿جَنَّتانِ﴾ خطاب للجن والإنس، للخائف من مقام ربه من الإنس جنة، وللخائف من الجنّ جنة. وقيل: إحدى الجنتين للإيمان والأخرى لترك المعاصي. والأفنان: الغصون خصت بالذكر؛ لأنها التي تثمر، ومنها تتفرع العروق وتغدق الأغصان. وقيل: الأفنان: جمع فن؛ أي: أنواع من الفواكه؛ قال الشاعر [من الطويل]: ومن كلّ أفنان اللذاذة والصبا ... لهوت به والعيش أخضر ناضر (٣) ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ﴾

стр. 1077

﴿الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩)﴾ ﴿عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ في الأعالي والأسافل؛ كما يختارون. وقيل: تجريان من عينين (٢٨٦ /أ) إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل. ﴿زَوْجانِ﴾ صنفان: صنف معروف وصنف مجهول. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على المدح للخائفين أو حال منهم؛ لأن ﴿مَنْ خافَ﴾ في معنى الجمع. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غلظ من الديباج، وإذا كانت هذه البطائن، فما ظنك بالظهائر. وقيل: ظهائرها من سندس. وقيل: من نور. ﴿دانٍ﴾ قريب يناله القائم والقاعد. ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في هذه الآلآت المعدودة ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ نساء قصرت أطرافهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم، في هذه الآية دليل على أن الجن تطمث كما يطمث الإنس. وقيل: هن في صفاء الياقوت والمرجان، وصغار الدر أنصع بياضا وقيل: إن الحوراء تلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من وراء ذلك كله؛ كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ﴾ في العمل ﴿إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾ في الثواب، وعن محمد بن الحنفية (١): إنهما للبر والفاجر؛ من أحسن أحسن إليه، ومن أساء أسيء إليه (٢). ﴿وَمِنْ دُونِهِما﴾ أي: ومن دون الجنتين اللتين ﴿لِمَنْ خافَ مَقامِي﴾ جنتان، وجنتان أخريان دون تلك الجنتين المتقدمتين لمن دونهما من أصحاب اليمين. ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ قد اشتدت خضرتهما، والأخضر يرى من البعد أسود، ومنه سمي سواد البصرة. و ﴿نَضّاخَتانِ﴾ فوّارتان بالماء، والنضخ - بالخاء المعجمة - أقوى من النضح؛ لأن النضح بالحاء المهملة شبيه بالرش، وإنما ذكر النخل والرمان بعد ذكر الفاكهة اعتناء بذكرهما؛ كقوله: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ (٣) وهما من الملائكة؛ ولأن

стр. 1078

النخل ثمره فاكهة وقوت، وهو التمر، وأما الرمان فإنه فاكهة ودواء؛ فلم يخلص للتفكه، ومنه قال أبو حنيفة: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث، وخالفه صاحباه (١). ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)﴾ ﴿خَيْراتٌ﴾ خيرات مخفف؛ كقوله ﵇:" المؤمنون هينون لينون " (٢) وأما خير الذي هو بمعنى أخير فلا يقال فيه خيرون ولا خيرات، وقرئ:" خيّرات " (٣) على الأصل، والمعنى: فاضلات الأخلاق، حسان الخلق. ﴿مَقْصُوراتٌ﴾ قصرن في خدورهن، يقال: امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة: مخدرة وقيل: إن الخيمة من خيامهن درة مجوفة. ﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبل أصحاب الجنتين، ودل عليهم ذكره الجنتين. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ (٢٨٦ /ب) نصب على الاختصاص. والرفرف: ضرب من البسط. وقيل: الوسائد. وقيل: كل ثوب عريض رفرف. وقيل: لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف، ورفرف السحاب: هيدبه (٤). والعبقري: المنسوب إلى عبقر، يزعم العرب أنه بلد الجن فينسب إليه كل شيء عجيب، وقرئ:" رفرف "بضمتين (٥). ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ بفتح القاف

стр. 1079

ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته (١). فإن قلت: كيف تقاصرت صفة هاتين الجنتين عن الأوليين؛ حتى قيل: ﴿وَمِنْ دُونِهِما؟﴾ قلت: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ دون ﴿ذَواتا أَفْنانٍ،﴾ و ﴿نَضّاخَتانِ﴾ دون ﴿تَجْرِيانِ﴾ و ﴿فاكِهَةٌ﴾ دون ﴿مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ﴾ وكذلك صفة الحور والمتكأ. وقرئ:" ذو الجلال " (٢) صفة للاسم. ***

стр. 1080

تفسير سورة الواقعة [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩)﴾ ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ أي: كانت الكائنة، وسميت الواقعة؛ لوقوعها فإنها كائنة بلا شك، يقال: وقع ما كنت أتوقعه؛ أي: نزل ما كنت أرتقب نزوله، وانتصبت ﴿إِذا﴾ بقوله: ﴿لَيْسَ﴾ أي: إذا وقعت كان كيت وكيت، أو بإضمار اذكر؛ أي: إذا وقعت ليس نفس تكذب، واللام مثلها في ﴿قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ (١) أو: ليس لها نفس تكذبها أو هي من قولهم: كذبت فلانا نفسه في الخطب العظيم. وقيل: كاذبة مصدر كالعافية والعاقبة؛ بمعنى التكذيب؛ من قولك: حمل على قرنه فما كذب، أي: فما جبن، وتحقيقه أنه ما كذّب نفسه، فيما كانت تمنّيه أنه يقدر على الخلاص منه. ﴿خافِضَةٌ﴾ أي: هي خافضة ﴿رافِعَةٌ﴾ ترفع أقواما وتضع آخرين، وإما لأن الأشقياء يخفضون إلى الدركات، والسعداء يرفعون إلى الدرجات، وإما لأنها تزلزل الأشياء من مقرها فتخفض بعضا وترفع بعضا حيث تسقط السماء كسفا، وتنتثر الكواكب، وتسير الجبال، وتمر في الجو مر السحاب. ﴿رُجَّتِ﴾ حركت تحركا شديدا، حتى لا يبقى شيء على وجهها. ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ﴾ أي: فتّت. وقيل: هو من بس الغنم إذا ساقها. ﴿مُنْبَثًّا﴾ متفرقا، وقوله: ﴿إِذا رُجَّتِ﴾ بدل من ﴿إِذا وَقَعَتِ﴾ ويجوز أن يكون المراد أن ينتصب ب ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ أي: ترفع وتخفض وقت رج الأرض وسير الجبال. ﴿أَزْواجاً﴾ أصنافا؛ يقال للأصناف التي اجتمع بعضها مع بعض أزواج. ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم ﴿أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ الذين يؤتونها بشمائلهم، أو: أصحاب المنزلة السنية (٢٨٧ /أ) وأصحاب المنزلة الدنية، وذلك لتيمنهم

стр. 1081

بالميامن، وتشاؤمهم بالشمائل، ولذلك اليمنى من اليمن، وسميت الشمال الشؤمي وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال. ﴿وَالسّابِقُونَ﴾ المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه. وقيل: الناس ثلاثة: رجل ابتكر الخير من حداثة سنه فلم يزل عليه حتى مات فهذا السابق، ورجل ابتكر الذنب في حداثة سنه ثم تراجع في آخر عمره بالتوبة فهذا صاحب اليمين، ورجل ابتكر الذنب في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى مات فهذا صاحب الشمال. ﴿ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ و ﴿ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ يريد: والسابقون من عرفت حالهم، وقد جعل ﴿السّابِقُونَ﴾ الثانية توكيدا، و ﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ خبرا، وليس بذاك، ووقف بعضهم على ﴿السّابِقُونَ﴾ وابتدأ ﴿السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (١). ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ والثلة: الجماعة؛ قال الشاعر [من الطويل]: وجاءت إليهم ثلة خندفية ... تجيش كتيار من السيل مزبد (٢) ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ كفى به دليلا على الكثرة، وهي من الثل وهو الكسر، والأمة من الأم وهو الشج، والمعنى: إن السابقين كسر من الأولين، وهم الأمم من لدن آدم إلى النبي ﷺ .

стр. 1082

﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ وهم أمة محمد ﷺ . وقيل: ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ من متقدمي هذه الأمة، ﴿مِنَ الْآخِرِينَ﴾ من متأخريها. وروي مرفوعا:" الثلتان جميعا من أمتي " (١).وروي أنها لما نزلت شق على الصحابة فلم يزل النبي ﷺ يسأل حتى نزلت ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (٢) وأنكر صاحب الكشاف ذلك؛ لأن المذكور في الآية خبر، والأخبار لا تنسخ؛ ولأن هذه الآية واردة في السابقين الأولين وهذه في أصحاب اليمين (٣). وقيل: سابقو الأمم أكثر من سابقي أمتنا، وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمة (٤). و ﴿ثُلَّةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم ثلة. ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ موصولة بالذهب، مشبكة بالدر والياقوت؛ قد دخل بعضها في بعض، كحلق الدرع. وقيل: متواصلة، أدني بعضها من بعض. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من المجرور، أي: استقروا عليها ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ لا يرى بعضهم قفا بعض. ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ باقون على صفة الولدانية. (٢٨٧ /ب) لا يشيبون ولا يهرمون. وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها. وفي الحديث:" أولاد الكفار خدام أهل الجنة " (٥)

стр. 1083

﴿بِأَكْوابٍ﴾ أواني بلا عرى. والإبريق: ما له عروة. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أي: بسببها، وحقيقته: لا يفرّقون عنها، ولا يصدر صداع عنها. ﴿يَتَخَيَّرُونَ﴾ يأخذون خيره وأفضله. و ﴿يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَشْتَهُونَ﴾ يتمنون، وقرئ ﴿وَحُورٌ﴾ بالرفع (١) على: فيها حور، أو للعطف على ﴿وِلْدانٌ﴾. ﴿جَزاءً﴾ أي: يفعل بهم ذلك جزاء. ﴿سَلاماً سَلاماً﴾ إما بدل من ﴿قِيلاً﴾ بدليل قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً﴾ (٢). السدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك فيه. وقيل: المراد: الموقر الذي تنثني أغصانه من كثرة حمله، ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧)﴾ والطلح: شجر الموز، وقيل: هو شجرة أم غيلان (٣) وهي في الآخرة طيبة الريح. وقيل: هو شجر يشبه أم غيلان، ولكن له ثمر أحلى من العسل، وقرأ علي ﴿وَطَلْحٍ﴾ وقال: "ما لي وللطلح" (٤).

стр. 1084

وقرأ قوله: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ (١) فقيل له: آي القرآن تحول؟ فقال: آي القرآن لا تهاج ولا تحول. والمنضود: نضد من أسفله إلى أعلاه بالثمر؛ فليس يبين من ساق شجر الجنة شيء. ﴿مَسْكُوبٍ﴾ يسكب لهم أين شاءوا كيف شاءوا. وقيل: دائم الجري لا ينقطع. وقيل: دائم يجري على الأرض من غير أخدود. ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ بل هي دائمة. وقيل: لا مقطوعة بالزمان. ﴿وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ بالأثمان، وقرئ: "وفاكهة" (٢) على: وهناك فاكهة ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ نضد بعضها فوق بعض أو مرفوعة على الأسرة. وقيل: النساء؛ لأن المرأة يكنى عنها بالفراش ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ على الأرائك؛ قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ (٣). ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً﴾ ابتدأنا خلقهن ابتداء جديدا من غير ولادة؛ فإما أن يراد اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، أو: كنّ من الحور العين أو اللاتي أعيد إنشاؤهن إن كن من الإنسيات كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، وروي أن عجوزا قالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: "إن الجنة لا يدخلها العجائز؛ فولت وهي تبكي؛ فقال النبي ﷺ : (٢٨٨ /أ) أخبروها أنها ليست يومئذ بعجوز وقرأ الآية" (٤). ﴿عُرُباً﴾ متحببات لأزواجهن ﴿أَتْراباً﴾ مستويات في السن بنات ثلاث وثلاثين وأزواجهن كذلك؛ قال النبي ﷺ : "يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين" (٥). ﴿لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى﴾

стр. 1085

﴿مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾ واللام في ﴿لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ من صلة" إنشاء "و" جعلنا ". ﴿فِي سَمُومٍ﴾ في حر نار تتقد في المسام. ﴿وَحَمِيمٍ﴾ ماء حار متناهي الحرارة. ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ من دخان أسود بهيم. ﴿لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ نفي لصفتي الظل عنه؛ سماه ظلا ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه. وفيه تسميع أن الكفار ظلهم ﴿لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ وإنما يستحق هذا الوصف المؤمنون والسابقون وأصحاب اليمين. و ﴿الْحِنْثِ﴾ الذنب العظيم، ومنه قولهم: بلغ الغلام الحنث؛ أي: بلغ أن يؤخذ بالمآثم. ﴿أَوَآباؤُنَا﴾ دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف. [فإن قلت:] كيف حسن العطف على الضمير في ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ من غير توكيد ب ﴿نَحْنُ؟﴾ قلت: حسن للفاصل الذي هو الهمزة. ﴿إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم، والإضافة بمعنى من، ومنه مواقيت الإحرام. ﴿أَيُّهَا الضّالُّونَ﴾ عن الهدى ﴿الْمُكَذِّبُونَ﴾ بالبعث، وهم أهل مكة من ﴿شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الجنس ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ الهيام: داء يأخذ الإبل فتشرب ولا تروى. وقيل: الهيم: الرمال. فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة وصفتان متفقتان، وهو عطف الشيء على نفسه؟ قلت: لأن الشرب الأول مما يتعجب منه؛ لأن الماء الذي انتهى حره و ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (١) كيف يقدرون على شربه مع تلك الحالة، وأعجب منها أنهم يشربونه شرب الهيم!! فلما عظمت كل صفة منها صار ذلك كالتعجب فعطف على ما قبله؛ لاختلاف المعنيين. النزل: الرزق الذي يعد للنازل تكرمة، وفيه تهكم بهم؛ كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ فهلا تصدقون. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ﴾

стр. 1086

﴿بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ما تصبون في الأرحام من المني. ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ بشرا عالما قويا. ﴿أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ﴾ لذات الإنسان وصفاته. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ وقهرنا العباد به ﴿وَما نَحْنُ﴾ بمغلوبين ﴿عَلى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ في الأرض خلقا (٢٨٨ /ب) أطوع لله منكم ويخلقكم خلقا على غير الصفة التي أنتم عليها الآن. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أن من قدر على عمل فعل فهو على إعادة مثله أقدر، وهم كانوا يعتقدون أن الله خالقهم؛ فلما لم يعملوا بهذا الاعتقاد كانوا كالمكذبين؛ فلهذا قال: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ﴾ أي: توجدونه وتصورونه. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ المعايش، وقدرنا بينكم الموت على تفاوت في طول العمر وقصره. ﴿عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ﴾ قوما يخالفونكم في الخلقة والصفات والاعتقادات، وفي هذه الآية دليل على صحة القياس، حيث أنكر عليهم [أنهم] لم يقيسوا النشأة الثانية على الأولى (١)

стр. 1087

﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ لزراعة الحب؛ معنى ﴿تَحْرُثُونَ﴾ تبذرون حبه ﴿أَأَنْتُمْ﴾ تنبتونه وتجعلون له مادة من الشرب إلى أن ينتهي إلى غايته. ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾ وعن رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم زرعت؛ فإن الله هو الزارع، ولكن يقول: حرثت" قال أبو هريرة: انظر إن شئت: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ (١). ﴿حُطاماً﴾ كالفتات والجذاذ، أسماء لما انهشم وتفتت. ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون. ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: عدمنا وغرمنا النفقات على هذا الزرع وحرمنا بركته. وقيل: المحروم: من زرع زرعا فلم ينجب أو أنشأ بستانا فلم ينجب؛ قال الله تعالى في قصة البستان: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنّا لَضالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٢) أي: لسنا من أصحاب الحظ، ولو كنا منهم لأنجب زرعنا. وقيل: الغرام: الهلاك، ومنه قوله: ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ (٣) ﴿الْمُزْنِ﴾ السحاب، واحدته مزنة. وقيل: هو السحاب الأبيض، الأجاج: الشديد الملوحة؛ لا يقدر على شربه، وإنما دخلت اللام في قصة الزرع ولم تدخل في قصة المزن؛ لأن الجملة الثانية دخلت على جملتين إحداهما مرتبطة بالأخرى؛ فأشبهت الشرط فجعلت اللام في جواب "لو" علما على شبه الشرطية؛ فإذا استمر استعمالها صارت اللام المحذوفة كالثابتة؛ قال الشاعر [من الرجز]:

стр. 1088

حتى إذا الكلاب قال لها ... كاليوم مطلوبا ولا طالبا (١) أي: لم أر كاليوم، وأيضا فإن ثبات اللام في أحد الموضعين دليل على إثباته في الآخر (٢٨٩ /أ) ﴿تُورُونَ﴾ تقتدحون نارها، والعرب تأخذ عودين فتحك أحدهما بالآخر فتقدح نارا، وترى مع المسافرين منهم عودين برسم ذلك تقتدح بهما النار. ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ المسافر النازل في القواء، وهي الأرض الخالية. ﴿نَحْنُ جَعَلْناها﴾ يعني النار المقتدحة بعيدان الشجر. ﴿تَذْكِرَةً﴾ تذكر بنار جهنم، وفعلنا ذلك ليتذكر العصاة بهذه النار ما يعذبون به في الدار الآخرة. وفي الحديث:" ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: فإنها تفضل عليها بتسعة وستين جزءا " (٢).وقيل: المقوي: هو الذي خلت أوعية زاده فلم يبق له زاد. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي: فأحدث التسبيح باسم ربك، أو أراد: تذكر اسم ربك ربّك ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة للمضاف أو للمضاف إليه؛ أي: اذكر الإله الذي خلق من المني بشرا، ومن الحب زرعا، ومن السحاب مطرا، ومن الشجر الأخضر نارا. ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ معناه: فلأنا أقسم و" لا "زائدة؛ كقوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (٣) وكقوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (٤) والتقدير: فلأنا أقسم، ولا يجوز أن تكون اللام جواب القسم؛ لأن جواب القسم بالمضارع يلزمه النون؛ تقول: حلفت لأفعلن، وحذفها قبيح في الكلام، ولأن جواب القسم يراد به الاستقبال، وهاهنا المراد به الحال. ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ بمساقطها إذا رجم بها الشياطين، ويجوز أن تكون الملائكة، ولأولياء الله في هذه الأوقات عبادات مخصوصة؛ ولأنه وقت الاستغفار بالأسحار ونزول رحمة الرب سبحانه إلى سماء الدنيا قائلا:" هل من داع

стр. 1089

فأستجيب له، أو مستغفر فأغفر له، أو من تائب فأتوب عليه " (١).واستعظم القسم بها بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. واعلم أن في هذه الآية جملة معترضة متعلقة بجملة أخرى معترضة؛ فالجملة الأولى:" وإنه لقسم عظيم "والجملة الثانية: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ فإنه لو قال: وإنه لقسم لاستقام. وقيل: المراد بالنجوم: نزول القرآن على رسول الله ﷺ منجما ﴿كَرِيمٌ﴾ حسن مرضي في جنسه من الكتب، أو كثير النفع أو كريم على الله. المكنون: الكتابة في اللوح المحفوظ، مصون من غير المقربين من الملائكة. ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ من جميع الذنوب، ومن النقائص والمعايب، وهم المطهرون (٢٨٩ /ب) في قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ إن جعلت الجملة الثانية صفة للكتاب، وإن جعلتها صفة للقرآن فالمعنى أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، ومن الناس من حمله على القراءة أيضا. وعن ابن عمر أنه قال: أحب إلي ألا يقرأ إلا وهو طاهر (٢). وعن ابن عباس أنه أباح قراءة القرآن للجنب (٣). ومنه قول رسول الله ﷺ :" المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يسلمه " (٤) أي: ينبغي أن يكون كذلك.

стр. 1090

﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفة رابعة للقرآن؛ أي: منزل من رب العالمين، أو وصف بالمصدر؛ لأنه منجم من بين سائر الكتب؛ فكأنه في نفسه تنزيل؛ ولهذا قالوا: نطق به التنزيل، وجاء به التنزيل. ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ أي: متهاونون بالقرآن لا تعظمونه وواجب تعظيمه. ﴿وَتَجْعَلُونَ﴾ حظكم منه التكذيب، التقدير: وتجعلون بدل شكركم النعمة التكذيب بها. ﴿فَلَوْلا﴾ فهلا، والمعنى: فهلا ترجعونها إن كنتم صادقين، وفصل بين ﴿فَلَوْلا﴾ وما تعلقت به بالشرط. ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: غير مجزيين، كما تدين تدان؛ أي: كما تفعل تجزى. ***
следующие страницы →