← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ومحل الجملة على النصب على الحال، أي: يصر مثل غير السامع، وإذا بلغه شيء من الآيات وعلم أنه منها ﴿اِتَّخَذَها﴾ أي: اتخذ الآيات ﴿هُزُواً﴾ ولم يقل: اتخذه؛ إشعارا بأنه متى سمع شيئا منها أخذ الآيات هزوا وطعن في كل آية مما يستطيعه، ويجوز أن يريد أنه متى سمع أدنى شيء يمكن الخصم (٢٥٦ /ب) أن يجعله شبهة بادر إلى الطعن بكل طريق، ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء علم، بمعنى أن ذلك الشيء آية أو آيات ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى ﴿لِكُلِّ أَفّاكٍ﴾ لعمومه؛ لأنه في معنى الجمع، ومنه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (١). ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ والوراء: الجهة التي يتوارى عنها الشخص سواء كان لخلف أو لقدام؛ قال سبحانه: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ (٢) ﴿وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (٣). وقوله [من الوافر]: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب (٤) ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا﴾ من الأموال ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا﴾ أي: المعبودات التي اتخذوها شركاء. ﴿هذا هُدىً﴾ إشارة إلى القرآن ويدل عليه قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: هذا القرآن كامل في الهداية. الرّجز: أشد العذاب.

стр. 982

﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة. وقيل: بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري وغير ذلك. وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ في موضع الحال، أي: كائنة منه وحاصلة، يعني أنه مكونها بقدرته ومستخرجها بحكمته، ويجوز أن يكون ﴿مِنْهُ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: كل ذلك منه، وأن يكون ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ تأكيدا لقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ ثم ابتدأ قوله: ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ وأن يكون ﴿وَما فِي الْأَرْضِ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنْهُ﴾ الخبر. وقرئ ﴿مِنْهُ﴾ بكسر الميم وتشديد النون "منّه" أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: ذلك، أو هو منّه (١). ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ حذف المقول في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ لأن الجواب دال عليه، والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا. ﴿لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ أي: وقائع الله بالمكذبين. وقيل: لا يرجون بمعنى يأملون، وكونه وعدهم بالفوز فيها. قيل: نسخت بآية القتال (٢). وقيل: نزلت في عمر ﵁ وقد شتمه رجل من غفار، فهم أن يبطش به. وعن ابن المسيب أن قارئا قرأها عند عمر؛ فقال: ليجزى عمر بما صنع (٣). ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تعليل للأمر بالمغفرة، ونكر "قوما" تفخيما لشأنهم؛ أي: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ وأي قوم، وذلك لصبرهم على أذى الكفار. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الثواب. وقيل: لما نزلت الآية قال عمر: وعزة ربي لا ترى الغضب في وجهي (٤). ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ﴾

стр. 983

﴿وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ و ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة، و ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة والفقه، أو فصل الحكومات بين الناس؛ لأنهم كانوا ملوكا وأنبياء. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ من الحلالات. ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم ﴿بَيِّناتٍ﴾ آيات معجزات ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من أمر الدين فما وقع بينهم الخلاف، ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بصحة نبوة النبي ﷺ وإنما أخلفوا لبغي حدث بينهم، أي: عداوة وحسدا. ﴿عَلى شَرِيعَةٍ﴾ على طريقة ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من أمر الدين ﴿فَاتَّبِعْها﴾ أي: اتبع شريعتك الثابتة والبراهين. ﴿وَلا تَتَّبِعْ﴾ ما لا حجة عليه من أهواء الجهال، وهم رؤساء قريش حتى قالوا لرسول الله ﷺ : أرجع إلى دين آبائك ولا توالهم؛ إنما يوالي الظالمين من هو ظالم مثلهم، وأما المتقون فالله وليهم (١). ﴿هذا﴾ القرآن. ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب؛ كما جعل روحا وحياة، وهو ﴿وَهُدىً﴾ من الضلال. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من العذاب وقرئ: "هذا بصائر" (٢) أي: هذه الآيات ﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. والاجتراح: الاكتساب؛ ومنه: جوارح الصيد، ويقال: جارحة أهله؛ أي: كاسبهم. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ أي: نصيرهم، وهو من "جعل" المتعدي إلى مفعولين: الأول الضمير والثاني الكاف، والجملة الثانية التي هي ﴿سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ بدل من الكاف، والجملة

стр. 984

تقع مفعولا ثانيا فهي في حكم المفرد فهو كقولك: حسبت زيدا أبوه منطلق، ومن قرأ ﴿سَواءً﴾ بالنصب (١) جعل "سواء" بمعنى مستويا، وارتفع ﴿مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ على الفاعلية، وكان مفردا غير جملة، ومن قرأ: "ومماتهم" (٢) بالنصب جعل "محياهم ومماتهم" ظرفين؛ كمقدم الحاج وخفوق النجم؛ أي: سواء في محياهم وفي مماتهم، والمعنى: إنكار أن يستوي المحسنون والمسيئون محيا وأن يستووا مماتا لافتراق أحوالهم في الدنيا؛ فالمؤمنون على حق والكافرون على باطل. وقيل: إن المؤمنين والكفار في الدنيا مستوون في سعة الرزق وقلته. وعن تميم الداري أنه قام في الليل يصلي فوصل في تلاوته حتى هذه الآية، فلم يزل يرددها ويبكي إلى الصباح (٣). وعن الفضيل أنه كان يرددها ويقول: ليت شعري؛ من أي الفريقين أنت؟ (٤). ﴿وَلِتُجْزى﴾ معطوف على "بالحق"؛ لأن فيه معنى التعليل، أو على معلل محذوف تقديره: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ ليدل بذلك على قدرته ﴿وَلِتُجْزى﴾. ﴿إِلهَهُ هَواهُ﴾ أي جهة مالت إليها نفسه (٢٥٧ /ب) تبعها، وقرئ ﴿إِلهَهُ﴾ (٥) على الجمع، وكانوا إذا عبدوا صنما ثم رأوا غيره أحسن منه رفضوا الأول وعبدوا الثاني فصارت العبادة تبعا لهوى النفس وصار هوى النفس آلهة شتى. ﴿هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾ بمعرفته بما ينبغي اجتنابه ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ﴾ إضلال الله.

стр. 985

﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١)﴾ ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ أي: نموت نحن وتحيا أولادنا، أو يموت بعض ويحيا بعض، أو نكون أمواتا في الأصلاب ثم نحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران: الحياة والموت، يريدون الحياة الدنيا والموت بعدها، وليس بعد ذلك حياة، وما يقولون ذلك عن علم؛ ولكن عن ظن؛ كانوا يزعمون أن هلاك الأنفس بمرور الأيام والليالي، وينكرون ملك الموت، وكانوا يضيفون كل الحوادث إلى الدهر، ونرى أشعارهم ناطقة بذلك وفي الحديث: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الدهر هو الله" (١) أي: فإن الله الآتي بالحوادث لا الدهر. وقرئ ﴿حُجَّتَهُمْ﴾ بالنصب والرفع (٢) وسمي قولهم حجة؛ لأنهم أجروه مجرى الحجة والمراد نفي أن يكون لهم حجة البتة. فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ﴾ جوابا لقولهم: ﴿اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟﴾ قلنا: لما أنكروا البعث ألزموا بأنهم مقرون به من جهة أن الله هو الذي يحييهم ويميتهم وضم إلى إلزام ذلك أمرا أعظم منه، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، فمن كان قادرا على ذلك فهو قادر على إحياء آبائهم، وهو أهون شيء عليه. عامل النصب في ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ﴾ "يخسر"، و "ويومئذ" بدل من ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ﴾. ﴿جاثِيَةً﴾ باركة على الركب من شدة الهول. وقيل: ﴿جاثِيَةً﴾ أي: مجتمعة ﴿إِلى كِتابِهَا﴾

стр. 986

إلى صحائف أعمالها، ويقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقد أضاف الكتاب إليهم بقوله: ﴿إِلى كِتابِهَا﴾ وإلى ذاته العلية بقوله: ﴿هذا كِتابُنا﴾ لأن الإضافة تكون بأدنى ملابسة، وقد لابس الجهتين. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ في جنته. ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى﴾ أي: يقال لهم ذلك. ﴿وَالسّاعَةُ﴾ بالنصب؛ عطف على ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ وبالرفع (١) عطف على إن واسمها. ﴿مَا السّاعَةُ﴾ أي شيء الساعة؟ ﴿إِلاّ ظَنًّا *﴾ أثبت الظن ونفى كل ما سواه، وزيد نفي ما سوى الظن بقوله: ﴿وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾. ﴿سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا *﴾ أو عقوباتها. ﴿نَنْساكُمْ﴾ نترككم (٢٥٨ /أ) في العذاب؛ كما تركتم عدة ﴿لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي: كما أهملتم كالشيء الذي يطرح وراء الظهر يجعل نسيا منسيا، ومعنى إضافة اللقاء إلى اليوم الإضافة إلى محذوف، أي: كما نسيتم العمل للقاء عذاب يومكم هذا. ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا يطلب منهم إزالة العتب؛ لأنه لا سبيل إليه لأن رضا الله عنهم مستحيل. ﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ فمن كان ربّا للسماوات والأرض كان حقيقا أن يحمد ويثنى عليه، وفي الحديث عن الله : "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار" (٢). ***

стр. 987

تفسير سورة الأحقاف [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)﴾ ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ إلا متلبسا بالحكمة وبتقدير ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ينتهى إليه، وهو يوم القيامة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا﴾ به من يوم القيامة وباستعداد العمل له ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يؤمنون. ويجو أن تكون "ما" في قوله ﴿عَمّا أُنْذِرُوا﴾ مصدرية. ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ في خلق السماوات ﴿مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي: من قبل هذا الكتاب؛ أي: فائتوا بكتاب واحد من كتب الله يشهد بصحة ما ادعيتموه. ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بقية؛ تقول: سمنت الناقة على أثارة من شحم، أي: بقية من شجر كانت بها من شحم ذاهب. وقرئ "أثرة" (١) أي: شيء، أو أثرتم به. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)﴾ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ معنى الهمزة فيه إنكار أن يكون في الضلال أحد أضل منه، وإذا قامت القيامة، وحشر الناس كانت الأصنام أعداء لمن عبدها؛ كما قال إبراهيم: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ﴾

стр. 988

﴿لِي﴾ (١) ويجحدون عبادتهم، وإنما قال: ﴿مِنَ﴾ و ﴿وَهُمْ﴾ لأنه أسند إليهم فعل العقلاء، وهو الدعاء والاستجابة. ويجوز أن يراد: كل معبود من دون الله من الجن والإنس والأوثان، فغلب من يعقل، وقرئ: "ما لا يستجيب له" (٢) ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة؛ تهكم بها؛ ونحوه قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ إلى آخر الآية (٣)، اللام في ﴿لِلْحَقِّ﴾ مثلها في قوله: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ (٤) أي: لأجل الذين آمنوا، ولأجل الحق، والمراد بالحق الآيات، وبالذين كفروا: المتلو عليهم، فوضع الظاهران موضع المضمرين، أي: بادروه بالرد ساعة أتاهم، ومن ضلالتهم تسميته سحرا مبينا. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ فيه إضراب عن دعوى (٢٥٨ /ب) إنما جاء بسحر إلى دعوى أنه افتراء، ومعنى الهمزة في "أم" التعجب والإنكار. ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ فالله قادر على الانتقام منه ولا أملك من أمره شيئا، ومثله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ (٥) وقال النبي ﷺ : "يا فاطمة بنت محمد، لا أملك لك من الله شيئا" الحديث (٦). ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ﴾ أي: تندفعون فيه بكثرة، ومعنى ذكر العلم والشهادة التهديد البليغ. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ موعدة بالمغفرة والرحمة لمن تاب. ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ البدع: بمعنى البديع، وقرئ: "بدعا" بفتح الدال (٧) أي: ذا بدع، ويجوز أن تكون

стр. 989

صفة على فعل؛ كقوله سبحانه: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ (١) كانوا يقترحون على رسول الله ﷺ الآيات، ويطلبون منه إعلامهم بما غاب عنهم، فقيل له: قل: سبق الرسل من قبل، وكانوا يسألون عن المغيبات، ولا يأتون بغير ما آتاهم الله من المعجزات. ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ في المستقبل ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ أي: ما أدري إلى ما يصل أمري وأمركم في الدنيا وأما في الآخرة فقد علم أنه ﷺ من المتقين وأن الذين كذبوه من الظالمين. قال الصحابة لما كثر أذى الكفار لهم، قالوا: يا رسول الله، إلى متى نبقى في هذا الهوان؟ فقيل له: قل لهم: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي﴾ تقديره: أأترك بمكة أم أومر بالهجرة أم بالمهاجرة إلى أرض قد رفعت لي في المنام؟ (٢) وقيل: ﴿وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ في الآخرة، وهو بعيد (٣). وقيل: أراد نفي الدراية

стр. 990

المفصلة، وإنما دخلت ﴿لا﴾ في قوله: ﴿وَلا بِكُمْ﴾ لزيادة توكيد النفي و ﴿ما﴾ في ﴿ما يُفْعَلُ﴾ يجوز أن تكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية مرفوعة. جواب الشرط محذوف؛ أي: أخبروني. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾ ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ ألستم ظالمين ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ والشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله ﷺ فتبصر ما فيه من علامة صحة النبوة فأسلم، وقصة عبد الله بن سلام معروفة، والضمير للقرآن. فإن قلت: أخبرني عن نظم هذا الكلام؟ قلت: (٢٥٩ /أ) الواو الأولى عاطفة ل ﴿وَكَفَرْتُمْ﴾ على فعل الشرط؛ كما عطف ب ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾. وأما الواو في ﴿وَشَهِدَ﴾ فقد عطفت جملة قوله: ﴿وَشَهِدَ﴾ على جملة قوله: ﴿إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ونحوه قولك: أرأيت إن أحسنت وأسأت وأقبلت عليك وأعرضت لم يتفق، والمعنى: أخبروني: إن اجتمع كون القرآن من عند الله وكفرتم به وشهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله؛ ألستم أضل الناس؟ وقد جعل إيمانه مسببا عن شهادة الشاهد؛ لأنها أوضحت الحق ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأجلهم، وهو كلام كفار مكة، قالوا: عامة من يتبع محمدا أسقاط الناس. يعنون عمارا وصهيبا وخبابا وابن مسعود ونظائرهم من فقراء أهل الصفة فلو كان خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الأعبد. وقيل: إنها كانت جارية لعمر كان يعاقبها على إسلامها قبل إسلامه؛ فتقول كفار قريش: لو كان الإسلام خيرا ما سبقتنا إليه هذه الجارية. فإن قلت: قوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا﴾ ظرف لا يجوز أن يعمل فيه ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ فعل مستقبل، و ﴿وَإِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان؛ فيتدافعان؟ قلت: العامل في ﴿وَإِذْ﴾ محذوف يفهم من السياق كما حذف من قوله: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ (١) في قصة يوسف،

стр. 991

والتقدير: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم. وقولهم: ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ كقولهم: ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١). ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ ﴿وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ لما بين يديه من كتاب موسى، أو لما سبقه من الكتب والصحف. ﴿لِساناً عَرَبِيًّا﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿مُصَدِّقٌ﴾ والعامل فيه "مصدق" ويجوز أن ينتصب عن ﴿كِتابُ﴾ لتخصيصه بالصفة. ﴿وَبُشْرى﴾ معطوف على محل ﴿لِيُنْذِرَ﴾. و ﴿كُرْهاً﴾ أي: ذات كره، أو كرها نصب على أنه صفة للمصدر؛ أي: حملا كرها وهذه الآية دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر (٢). ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ اقتطع منها سنتين بقوله: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ (٣) فبقي من الثلاثين ستة أشهر. فإن قلت: المراد بيان مدة الرضاع لا مدة الفصال فلم قال: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ؟﴾ قلت: لما كان الرضاع يلابس الفصال وينتهي به جعل كأنه الرضاع، فأخبر عنه بأن مدته سنتان؛ قال (٢٥٩ /ب) [من الخفيف]: كلّ حيّ مستكمل مدة العم ... ر ومود إذا انتهى أجله (٤) وبلوغ الأشد من الثلاثين إلى الأربعين. وقيل: أربعون. وقيل: ثلاث وثلاثون. وقيل: لم يبعث نبي قط إلا بعد أن صار عمره أربعين سنة والمراد بالنعمة التي استودع الله

стр. 992

الشكر عليها - نعمة الإسلام والهداية وجمع بين شكر النعمة عليه وعلى والديه؛ لأن النعمة عليه نعمة على والديه، وكذلك النعمة على الوالدين نعمة على الولد. وقيل في الأعمال المرضية الصلوات الخمس، ومعنى ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ اجعلهم محلا للصلاح، ومنه [من الطويل]: وإن تعتذر فالمحل من ذي ضروعها ... إلى الضّيف يجرح في عراقيبها نصلي (١) ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من المخلصين. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨)﴾ وقوله: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾ أي: مع أصحاب الجنة وقيل: نزلت في أبي بكر وفي أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم وقيل: لم يكن أحد من المهاجرين والأنصار اجتمع له إسلام أبويه وأولاده إلا هو (٢). ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ يريد: من كان من هذا الجنس، ولذلك وقع الخير مجموعا. وقيل: المراد عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه؛ دعاه أبوه أبو بكر وأمه أم رومان فأبى وقال: أف لكما، وأنكرت عائشة ذلك، وقالت: عبد الرحمن رجل صالح فكيف نزلت في حقه؟ (٣). ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليهم كلمة العذاب، وحكي أن معاوية

стр. 993

بايع ليزيد ولده، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هر قلية، فقال مروان: يا أيها الناس: هذا الذي قال الله في حقه: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: إن عبد الرحمن رجل صالح، والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن هو قصص من لعنه الله (١). واللام للبيان؛ أي: هذا التأفف لكما خاصة؛ كقوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (٢). ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ أن أبعث وأخرج من الأرض ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ أي: ولم يأت منهم من يخبرنا عن حقيقة الحال. ﴿يَسْتَغِيثانِ﴾ يقولان: الغياث بالله منك. ﴿وَيْلَكَ﴾ دعاء عليه بالثبور. (٢٦٠ /أ) المراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك. ﴿فِي أُمَمٍ؛﴾ كقوله: ﴿فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ﴾. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٢)﴾ ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من الجنسين المذكورين ﴿دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أي: منازل ومراتب لما عملوا من الخير والشر، والجنة درجات، والنار دركات؛ فغلب جانب الخير. و ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ تعليل معلله محذوف تقديره: فعل ذلك ليوفيهم ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ﴾ أي: يقال لهم: أذهبتم، ويقال المحذوفة هي العاملة في الظرف، والعرض على النار؛ كقولك: عرضت الحوض عليها. وفي تفسير ابن عباس: يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها (٣). ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ أي: لم يكن لكم حظ من الطيبات إلا ما أصبتموه في الدنيا، وقد أخذتموه فلم يبق لكم نصيب في الآخرة. وروي عن عمر أنه قال: لو شئت لكنت أحسنكم لباسا وأطيبكم طعاما، ولكني سمعت الله ينعي لقوم أنهم أخذوا نصيبهم من الطيبات في

стр. 994

الدنيا (١). ومر النبي ﷺ بأهل الصفة، وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لهم رقاعا، فقال: "أنتم اليوم خير أم يوم يغدى على أحدكم بجفنة ويراح بأخرى، ويغدو بحلة ويروح بأخرى؟ فقالوا: ذلك اليوم خير؛ فقال النبي ﷺ :" بل هذا خير " (٢). ﴿الْهُونِ﴾ الهوان. الأحقاف: جمع حقف، وهي رمال مستطيلة مرتفعة، مأخوذة من احقوقف الشيء: إذا اعوج. وكانت عاد أصحاب عمد يسكنون على رمال مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر (٣) من بلاد اليمن. وقيل: بين عمان ومهرة. والنذر: جمع نذير، بمعنى المنذر، أو الإنذار. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ من قبله ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ من بعده، والمعنى: أن الله بعثني إليكم لآمركم بالتوحيد، وأخوفكم العذاب، وأعلمهم أن الرسل الذين كانوا قبله بعثوا بمثل ذلك، ولك أن تجعل قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ اعتراضا بين ﴿أَنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ وبين ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا﴾ ويكون المعنى: واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك، وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك. ﴿لِتَأْفِكَنا﴾ لتصرفنا؛ يقال: أفكه عن الأمر: إذا صرفه. ﴿عَنْ آلِهَتِنا﴾ عن عبادتها. ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ من معاجلة العذاب. ﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ وإنما طابق قوله: (٢٦٠ /ب) ﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ﴾ لقوله: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ لأن هودا هددهم بالعذاب فأنكروه واستهزءوا به؛ فقال لهم: إنني لا أعلم إلا ما علمني الله؛ ولكنه تعالى لم يعلمني بوقت العذاب، وليس علي إلا البلاغ، وأنتم قوم تجهلون فتضيفون إلي العلم بالمغيبات، والهاء في ﴿رَأَوْهُ﴾ ترجع إلى ﴿بِما تَعِدُنا﴾ ويجوز أن يكون مبهما فسره ما بعده إما تمييزا وإما حالا.

стр. 995

والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء، ومنه: الحبي والعنان من حبا وعنّ إذا ظهر. وإضافة ﴿مُسْتَقْبِلَ﴾ و ﴿مُمْطِرُنا﴾ مجازية لا تقتضي تعريفا بدليل أنه وصف بهما النكرة. ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ هذا من قول هود. ﴿تُدَمِّرُ﴾ تهلك ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مرت به من عاد ودوابهم، ولم تفن جبالهم ولا أرضهم، ف ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ هو عام مخصوص. ﴿لا يُرى﴾ الخطاب للرائي كائنا من كان. وروي: أن الريح كانت تحمل الظعينة في الجو حتى ترى كالجرادة، وكذلك تفعل بالفسطاط (١). وروي: أنه أول ما عرفوا أنه عذاب أنهم رأوا ما على الجبل من أنفسهم ودوابهم تحمله الريح بين السماء والأرض. وروي: أن هودا لما رأى فعل الريح خط على نفسه خطا إلى جانب عين تنبع عليه وعلى المؤمنين. وقيل: اعتزلوا في حظيرة ما ينالهم من الريح إلا ما تلين عليه الجلود، وإنها لتمر على عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدفعهم بالحجارة (٢). وقيل: إن النبي ﷺ ﷺ كان إذا رأى الريح تغير وجهه، ودخل وخرج؛ فقيل له في ذلك؟ فقال:" إني أخاف أن يكون كما قال قوم عاد؛ ظنوه رياحا تأتي بالمطر والخصب؛ فإذا هي مهلكة لهم ولدوابهم " (٣). ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾

стр. 996

﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ ﴿إِنْ﴾ نافية أي: فيما ما مكناكم فيه، وأنكر الزمخشري (١) التمثيل بما الثانية؛ لأنه يستقبح إعادة اللفظ الواحد إلا لضرورة، وكان الأحسن أن يقول: فيما لم نمكن، ويدل عليه أنهم جعلوا" مهما ": " مه "دخلت عليها" ما "فكرهوا أن يقولوا" ماما " فقالوا: مهما وقد جعلت ﴿إِنْ﴾ صلة زائدة مثلها فيما أنشده الأخفش [من الوافر]: يرجّي المرء ما إن لا يراه ... وتعرض دون أدناه الخطوب (٢) وتأويله: إنا مكناكم فيما إن مكناكم فيه، ومعنى الأول أظهر، ومثله قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾ (٣) (٢٦١ /أ) ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من الغنى، وانتصب قوله: ﴿إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ﴾ بقوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ ودخلت ﴿إِذْ﴾ وفيها التعليل؛ كما تقول: ضربت زيدا لإساءته، وضربته إذ أساء؛ فإن التعليل يفهم من اللفظين. ﴿ما حَوْلَكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿مِنَ الْقُرى﴾ والمراد أهل القرى؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾. القربان: ما تقرب به إلى الله، أي: اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى الله وأحد مفعولي ﴿اِتَّخَذُوا﴾ الهاء المضمرة تقديره: اتخذوه. والثاني: ﴿آلِهَةً *﴾ و ﴿قُرْباناً﴾ حال، والمعنى: فهلا منعتهم آلهتهم التي اتخذوها شفعاء من الهلاك ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ غابوا عن نصرتهم في الموقف. و ﴿وَذلِكَ﴾ إشارة إلى منع نصرة آلهتهم لهم، والإفك والأفك؛ كالحذر والحذر، وقد قرئ بهما (٤). ﴿صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً﴾ أملناهم إليك. والنفر: دون العشرة. ﴿فَلَمّا حَضَرُوهُ﴾

стр. 997

الضمير للقرآن، أي: فلما كان بمسمع منهم، أو لرسول الله. ﴿قالُوا﴾ قال بعضهم لبعض: ﴿أَنْصِتُوا﴾ اسكتوا. وروي أنه لما بعث النبي ﷺ ازداد الرمي بالشهب وحرس السماء بها، فقالت الجن: إنما هذا لأمر حدث في الأرض فبعثوا تسعة. وقيل: سبعة من أشرافهم فوافوا النبي ﷺ وهو في بطن نخلة في صلاة الفجر، أو في صلاة الليل، فاستمعوا لقراءته، وذلك حين توجه إلى جهة ثقيف يستنصرهم، فلم يجيبوه وأغروا به السفهاء والصبيان (١). وعن سعيد بن جبير أنه قال:" لم يقرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم؛ ولكن مروا به وهو يصلي ولا يشعر، فأنبأه الله باستماعهم " (٢). وروي أن النبي ﷺ ليلة الجن قال لأصحابه:" إني أمرت أن أتلو على الجن القرآن فمن يجيء معي؟ فلم يقل أحد أنا، فقال ابن مسعود: أنا يا رسول الله. فخرجنا حتى أتينا وادي الحجون، فخط لي خطا، فقال: اجلس هاهنا ولا تخرج، ثم ذهب عني حتى غاب عن عيني، وجاء الجن كقطع السحاب فقرأ عليهم سورة ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فلما قضى جاءني رسول الله ﷺ وتفرق الجن ذاهبين كقطع السحاب " (٣). ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ قيل: كان جملتهم اثني عشر ألفا، وإنما قالوا: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ ولم يذكروا عيسى؛ لأن أولئك الجن كان يهودا لا يصدقون بعيسى، واختلف في الجن؛ هل لهم ثواب على الطاعة أم لا؟ فقيل: لا ثواب (٢٦١ /ب) لهم، وإنما يجارون من العذاب؛ لقوله ههنا. ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ والصحيح أنهم يثابون. ﴿بِقَدَرٍ *﴾ في محل الرفع خبر أن،

стр. 998

ودخلت الباء؛ لأن الكلام مصدر بالنفي؛ قال الزجاج (١): ما علمت أن زيدا بحاضر جائز. يقال: عييت بالأمر: إذا لم يعرف وجهه، ومشيت حتى أعييت؛ من الإعياء وهو التعب. ﴿أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ *﴾ أي: فيقال لهم ذلك، وهذا المضمر هو ناصب الظرف. ﴿أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أولو الجد والثبات، و ﴿مَنْ﴾ يجوز أن تكون للتبعيض، ويراد ب ﴿أُولُوا الْعَزْمِ﴾ بعض الأنبياء. وقيل: إن" من "لبيان الجنس، أي: فاصبر كما صبر أولو العزم الذين هم رسل. ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ﴾ لكفار قريش بالعذاب وأنهم يستقصرون مدة مقامهم في الدنيا حتى يجعلوها ﴿ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾. ﴿بالِغَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا بلاغ، فلن يهلك إلا الخارجون عن العمل بالواجب. ***

стр. 999

تفسير سورة محمد ﷺ [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤)﴾ ﴿وَصَدُّوا﴾ وأعرضوا، وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو: صدوا غيرهم عنه؛ قال ابن عباس: هم المطعمون يوم بدر (١). وقيل: هي عامة في كل من كفر وصد. ﴿أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أبطلها، تقول: ضل الماء في اللبن؛ إذا لم يبق له طعم. وقيل: أبطل ما مكرو به للنبي ﷺ . ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل: هم ناس من الأنصار. وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب. ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ خص الإيمان بما نزل مع أن ما يجب الإيمان به كثير؛ لينبه بذلك على فضيلة هذا الوصف، وأن الإيمان لا يتم إلا به وأكد ذلك بالجملة المعترضة وهي قوله ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. وقيل: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الثابت فإنها شريعة لا تنسخ، وغيرها من الشرائع نسخ بها. ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أي: حالهم وشأنهم بالتوفيق. ﴿ذلِكَ﴾ أي: إبطال أعمال الكفار وإثابة المؤمنين بسبب ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ﴾ و ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ، وما بعده خبره ويجوز أن ﴿ذلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر كما ذكر؛ فيكون محل الجار والمجرور منصوبا على هذا، ومرفوعا على الأول، والضمير في

стр. 1000

﴿أَمْثَلُهُمْ﴾ راجع إلى الناس أو إلى المذكورين من الفريقين، ومعنى ضرب الأمثال: أن جعل الكفار بكفرهم (٢٦٢ /أ) كالذين تبعوا الباطل، والمؤمنين كالذين تبعوا الحق، وأن جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين. ﴿لَقِيتُمُ﴾ من اللقاء وهو الحرب. ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ مصدر محذوف الفعل بمعنى الأمر، وضرب الرقاب كناية عن القتل ولو وقع بغير ضرب العنق كما قلنا: بما كسبت يداك، ولو كسب بكونه حارس بستان قيل: بما كسبت يداه. ﴿أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم القتل فيهم، مأخوذ من الشيء الثخين، ومنه: ﴿حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) أي: يكثر القتلى فيها، و ﴿الْوَثاقَ﴾ بالفتح والكسر: اسم ما يوثق به. ﴿فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ فأسروهم ﴿مَنًّا﴾ و ﴿فِداءً﴾ المصدران فعلاهما مضمران، ويعني الخيار بعد أسرهم من القتل والمن، وعند أبي حنيفة يتخير الإمام بين القتل والاسترقاق، ولا من عنده ولا فداء، ويقول: كان المن والفداء في ابتداء الإسلام، وضعف المسلمين؛ وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام. وعند الشافعي: يتخير الإمام بين أمور أربعة: القتل والاسترقاق والمن والفداء، وهو ظاهر القرآن، وقد منّ رسول الله ﷺ على أبي عروة، فادى رجلا برجلين من المشركين وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأي (٢). وأوزار الحرب: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها. فإن قلت: بم تعلق" حتى"؟ قلت: المعنى عند الشافعي: أن لا يزال التخيير بين أمور أربعة ﴿حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾. وقيل: حتى ينزل عيسى ﵇. وعند أبي حنيفة: المعنى: إذا علق بالضرب والشد: أنهم يقتلون ويؤسرون حتى يضع جنس الحرب الأوزار، وإذا علق بالمن والفداء، فالمعنى: أنه يمن عليهم ويفادي حتى تضع الحرب أوزارها (٣). ﴿ذلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك. ﴿لانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: لا نتقم منهم ببعض أسباب الهلاك ﴿وَلكِنْ﴾ أمركم بالقتال ﴿لِيَبْلُوَا﴾ المؤمنين بالكافرين. وعن قتادة: نزلت في يوم أحد.

стр. 1001

﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨)﴾ ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ بينها وأعلمها. وقيل: إن الملك كاتب الأعمال يمشي بين يدي المؤمن، ويريه جميع ما وعده الله وأنجزه له. وقيل: ﴿عَرَّفَها﴾ طيبها، والعرف: الطيب. ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ﴾ إن تنصروا دين الله ورسوله: ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ على أعدائكم ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ في مواطن الحرب على محجة الإسلام. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يحمل الرفع على الابتداء، والنصب بما يفسره. ﴿فَتَعْساً لَهُمْ﴾ (٢٦٢ /ب) كأنه قال: تعس الذين كفروا وعطف قوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ على الفعل الذي نصب ﴿فَتَعْساً﴾ لأن المعنى: فقال تعسا لهم، أو: فقضى تعسا لهم، وتعسا لهم نقيض لعا لهم؛ قال [من البسيط]: فالتعس أولى بها من أن أقول لعا (١) ... يريد: فالعثور أقرب لها من الانتعاش والثبوت. وقيل: في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردي في النار. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ﴾

стр. 1002

﴿مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)﴾ ﴿كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من التكليف والامتناع من الشهوات والملاذ. دمره: أهلكه، ودمر عليه: أفسد عليه ما يختص به من نفسه وولده وماله. ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أمثال تلك العاقبة أو الهلكة أو السنة؛ كقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ (١) ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليهم وناصرهم. روي أن الكفار نادوا يوم أحد: علا هبل؛ فأجابهم المسلمون: الله أعلى وأجل؛ فقال المشركون: لنا العزى، ولا عزى لكم، فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم (٢) وقوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ (٣) هل فيه مناقضة لهذا؟ قلت: لا تناقض بينهما؛ لأن الله تعالى مولى جميع العالم، وأنه خالقه ومدبره، وأما على معنى الناصر فهو مولى المؤمنين خاصة. ﴿يَتَمَتَّعُونَ﴾ ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا زمنا قليلا. ﴿وَيَأْكُلُونَ﴾ غافلين كما تأكل الأنعام في مسارحها ومعالفها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح. ﴿مَثْوىً لَهُمْ﴾ منزل ومقام. وأراد بالقرية أهلها ولهذا قال: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾. ومعنى ﴿أَخْرَجَتْكَ﴾ كانوا سبب إخراجك. فإن قلت: كيف قال: فلا ناصر لهم وإنما هو أمر قد مضى؟ قلت: أجري مجرى الحال المحكية؛ كأنه قال: أهلكناهم فهم لا ينصرون ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ﴾ هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله ومن ﴿كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على حجة وبرهان، وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات، وهو رسول الله ﷺ والمعنى: لا يستوي من اتبع الحجة الصحيحة ومن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ صفة الجنة العظيمة الشأن، وهو مبتدأ وخبره ﴿كَمَنْ هُوَ خالِدٌ﴾ وقوله: ﴿فِيها أَنْهارٌ﴾ داخل في حكم الصلة؛ كالتكرير لها؛ لأنك لو قلت: مثل الجنة التي فيها أنهار لكان صحيحا. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي فيها أنهار؛ كأن (٢٦٣ /أ) قائلا قال: وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار، وأن يكون في موضع الحال؛ أي: مستقرة فيها

стр. 1003

أنهار ﴿مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة ﴿لَذَّةٍ﴾ تأنيث لذ، وهو اللذيذ أو وصف بالمصدر. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨)﴾ كان المشركون والمنافقون يحضرون مجلس رسول الله ﷺ ولا يجعلون إصغاءهم إلى ما يقول فكانوا يسألون أهل العلم عما قال النبي ﷺ ﴿آنِفاً﴾ يعني: ماذا قال الآن. قال الزجاج: هو من قولك: استأنفت الشيء: إذا ابتدأته؛ كأنهم قالوا لأولي العلم: أخبرونا عما قال محمد ابتداء (١). قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ﴾ الله ﴿هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ أعانهم عليها، أو آتاهم جزاء تقواهم. وعن السدي: بين لهم ما يتقون (٢). وفاعل ﴿زادَهُمْ﴾ هو قول الرسول ﷺ أو الاستهزاء من المنافقين. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ بدل اشتمال من الساعة. قوله ﴿فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ ﴿ذِكْراهُمْ﴾ متعلق ب ﴿فَأَنّى﴾ أي: من أين لهم التذكر، وبعد نزول الآيات لا ينفع التذكر. الأشراط: العلامات، ومن أشراطها: بعثة محمد ﷺ وانشقاق القمر، والدخان. وعن الكلبي: كثرة المال، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام (٣). ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)﴾

стр. 1004

لما بين حال المؤمنين والكافرين قال للنبي ﷺ : فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ولذنوب أمتك. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في الدنيا، ﴿وَمَثْواكُمْ﴾ في القبور. وقيل: والله يعلم أحوالكم وتقلبكم في معايشكم ومتاجركم ﴿وَمَثْواكُمْ﴾ في الجنة والنار، ومن كان موصوفا بالعلم بجميع المعلومات حقيق بأن يتقى ويخاف عقابه، وأن يستغفر ويسترحم. وقد قدم الله العلم في قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ على الأعمال المذكورة بعد العلم؛ قال: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الآية (١) وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢) قدم العلم وجعل العمل بعده. كان المؤمنون يتمنون الإذن لهم في القتال فلما أذن لهم جبن بعضهم عن الكفار، وقال بعضهم: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ﴾ (٣) وقال ها هنا: ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ﴾ الآية، فصارت أعينهم تدور دورانا مثل دوران أعين الذي يغشى عليه من الموت. ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من لم يكن ثابت (٢٦٣ /ب) القدم في الإسلام. ﴿فَأَوْلى لَهُمْ﴾ بمعنى: ولي لهم، وهي أفعل من الولي، وهو القرب، وهو دعاء عليهم بأن يليهم المكروه. ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ كلام مستأنف، أي: خير لهم. وقيل: هي حكاية قولهم، أي: قالوا طاعة وقول معروف، بمعنى: أمرنا طاعة وقول معروف. ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جد. والعزم والجد لأصحاب الأمر، وإنما يسندان إلى الأمر إسنادا مجازيا، وهو كقوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤) ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو: فلو صدقوا في إيمانهم، وواطأت قلوبهم فيه ألسنتهم. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ وقد نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب التفاتا ومعنى هل عسيتم أن تفسدوا أي: هل يتوقع منكم الإفساد، والله عالم بما كان وما يكون فمعناه: فهل يرتجى منكم إذا علم باطن أحوالكم ورخاوة عقيدتكم أن يكون هؤلاء حقيقيون بذلك. ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ حرصا على الدنيا وعلى الملك. وقيل: إن أعرضتم وتوليتم عن دين رسول الله ﷺ وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور وقطع الأرحام بمقاتلة بعضكم بعضا ووأد البنات.

стр. 1005

﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى المذكورين ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ لإفسادهم وقطعهم الأرحام، ويجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين المخلصين، وأنهم يتشوقون إلى الوحي إذا أبطأ عليهم؛ ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ في معنى الجهاد، رأيت المنافقين فيما بينهم يتضجرون منها. ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦)﴾ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي: لا يتصفحون معانيه، ووعيده للعصاة حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ أم بمعنى بل، وهمزة التقرير للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر. وعن قتادة في قوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ لو تدبروه لوجدوا فيه شفاء لما في صدورهم (١). فإن قلت: لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟ قلت: أما تنكير القلوب فلأحد وجهين: أحدهما: تعظيم أمر الغشاوة التي استولت على قلوبهم. أو: على قلوب وأي قلوب!! وأما إضافة الأقفال إليها فإنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر. ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ خبر إنّ، أي: سهل لهم ركوب العظائم، وهو من السول الذي هو استرخاء الإراقة؛ قاله بعض الناس، وأنكره الزمخشري (٢٦٤ /أ) وقال: وهو لا يوافق قواعد التصريف (٢). ﴿وَأَمْلى لَهُمْ﴾ وأمد لهم؛ من الإمداد، وهم اليهود؛ كفروا بمحمد ﵇ بعد تبيّن صحة نبوته ونعته في التوراة، وقيل: هم المنافقون. وقوله: ﴿قالُوا﴾ يريد اليهود، والذين ﴿كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ﴾ المنافقون. وقيل: هو قول المنافقين لقريظة والنضير: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ الآيات (٣). وقيل: ﴿بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ التكذيب برسول الله ﷺ أو ب "لا إله إلا الله" أو بترك القتال معه. وقيل: هو قول أحد الفريقين للمشركين: سنطيعكم في التظافر على عداوة رسول الله ﷺ أو على

стр. 1006

القعود عن الجهاد معه، ومعنى ﴿فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ أي: بعض ما تأمرون به، أو: الأمر الذي يهمكم. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ قالوا ذلك سرا فيما بينهم، فأفشاه الله عليهم؛ فكيف يعملون؟! ﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢)﴾ وعن ابن عباس: "لا يتوفى أحد على معصية الله إلا تضربه الملائكة في وجهه ودبره" (١). ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف. ﴿ما أَسْخَطَ اللهَ﴾ من كتمان بعث رسول الله ﷺ و ﴿رِضْوانَهُ﴾ الإيمان برسوله. ﴿أَضْغانَهُمْ﴾ أحقادهم، وإخراجها: إبرازها لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، وإظهارهم على العداوة، وكانت صدورهم تغلي حنقا عليهم. ﴿لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ لعرفناك بهم، ودللناك عليهم لا يخفون عليك. ﴿بِسِيماهُمْ﴾ بعلامتهم، وهو أن يسمهم الله بعلامة يعلمون بها. وعن أنس: "ما خفي على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية شيء من المنافقين؛ كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكون الناس، فباتوا ذات ليلة فأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق" (٢).فإن قيل: أيّ فرق بين اللامين في "فلعرفتهم" و "لتعرفنهم"؟ قلت: الأولى هي الداخلة في جواب ﴿وَلَوْ﴾ التي في ﴿لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ كررت في المعطوف، وأما اللام في ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف. ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ في نحوه، وعن ابن عباس: هو قولهم: ما لنا إن أطعنا من الثواب؟ ولا يقولون: ما علينا إن

стр. 1007

عصينا من العقاب؟ (١). وقيل: اللحن: أن تلحن بكلامك: أن تميله إلى نحو من الأنحاء؛ كالتورية. ﴿أَخْبارَكُمْ﴾ ما يحكى عنكم؛ إن حسنا (٢٦٤ /ب) فحسن وإن قبيحا فقبيح. ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ التي عملوها في دينهم فرجعت بلا ثواب؛ لأنها مع الكفر باطلة، وهم قريظة والنضير، أو: وسيحبط أعمالهم؛ أي: مكائدهم التي كادوها برسول الله ﷺ أي: سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم، ولا تثمر إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. وقيل: هم رؤساء قريش المطعمون يوم بدر. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)﴾ ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ أي: بالرياء والسمعة. وقيل: بالشك والنفاق. ﴿ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾ قيل: هم أصحاب القليب، والظاهر العموم. ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا ولا تدعوا إلى السلم ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ الأغلبون ﴿وَاللهُ مَعَكُمْ﴾ أي: ناصركم. و ﴿وَتَدْعُوا﴾ مجزوم؛ لأنه في حكم النهي، أو منصوب بإضمار "أن". تقول: وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم أو غيره وحقيقته: أفردته من قريبه أو ماله وفي الحديث: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" (٢) أي: أفرد عنها. ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ ثواب إيمانكم وتقواكم ﴿وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ﴾ أي: لا يطلبها جميعها إنما يجب فيها مقدار ربع العشر. ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ أي: يجهدكم، والإحفاء: المبالغة في كل شيء؛ يقال: أحفاه في المسألة: إذا بالغ في الطلب وكرره. ﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ وكرهتم دينا يخرج أموالكم عنكم،

стр. 1008

والضمير في "يخرج" لله، أو للبخل لأنه سبب الأضغان. ﴿هؤُلاءِ﴾ موصول بمعنى الذين، صلته ﴿تُدْعَوْنَ﴾ فكأنه قيل: هذا وصفكم؛ فقيل: وما وصفنا؟ فقال: تدعون. قيل: هي النفقة في الغزو. وقيل: الزكاة. ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ﴾ الذي لا يفتقر والحاجات كلها ترجع إليه. ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ المحتاجون. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ معطوف على ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ يخلق قوما على خلاف صفتكم. قيل: هم الملائكة. وقيل: الأنصار. وقيل: العجم. وقيل: فارس والروم. وسئل رسول الله ﷺ عن القوم، وكان سلمان إلى جانبه، فقال: "هذا وقومه، وضرب على فخذ سلمان" (١). ***

стр. 1009

تفسير سورة الفتح [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١)﴾ هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع النبي ﷺ من مكة عام الحديبية (٢٦٥ /أ) عدة له بالفتح وجيء بها بالفعل الماضي على عادته سبحانه في أخبار الآخرة؛ كقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ (١) ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾ (٢) ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ (٣) وجعل فتح مكة علة للمغفرة ولما انضم إليه، وهو إتمام النعمة عليه وهدايته والنصر على الأعداء، ويجوز أن يكون فتح مكة - من جهة كونه جهادا - سببا للثواب والغفران، والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحا بحرب وغير حرب. وقيل: فتح الحديبية؛ ولم يكن فيها قتال شديد، ولكن تراموا بسهام وحجارة. وعن ابن عباس: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم (٤). وقيل: ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح. فإن قلت: كيف يكون صلحا وقد أحصروا حتى نحروا الهدي بالحديبية وهي من الحل؟ قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما تم الصلح وثبت كان فتحا مبينا. وقيل: قال رجل عند مرجع النبي ﷺ من الحديبية: ما هذا بفتح؛ لقد أحصرنا وصدّ هدينا فقال النبي ﷺ : "ليس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح؛ قنع المشركون أن يدفعوكم بالراحات، وسألوكم القضية، ورغبوا إليكم في الأمان، ورأوا منكم ما يكرهون" (٥). قال الشعبي: بويع له بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهدي محله، وأطعموا نخل خيبر، ونزحت بئر الحديبية فمضمض النبي ﷺ ومج فيها فجاشت بالماء حتى أروت كل من نزل بالحديبية (٦).

стр. 1010

وقيل: إنها لم تنزح من ذلك الوقت إلى اليوم. وقيل: فتح الروم. وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوة والدعوة والسيف، ولا فتح أبين منه. وقيل: قضينا لك قضاء بينا، على أن تدخل مكة أنت وأصحابك من قابل؛ لتطوفوا بالبيت، من الفتاحة، وهي الحكومة. ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧) إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩)﴾ ﴿ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ يريد: جميع ما فرط. وقيل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها. وقيل: ما تقدم من حديث مارية. ﴿وَما تَأَخَّرَ﴾ من امرأة زيد (١). ﴿نَصْراً عَزِيزاً﴾ فيه عز. وقيل: وصفه بصفة المنصور، أو عزيزا صاحبه. ﴿السَّكِينَةَ﴾ السكون، أي: ما جاء به النبي ﷺ من الشرائع. ﴿لِيَزْدادُوا إِيماناً﴾ بالشرائع مقرونا بإيمانهم وهو التوحيد. وعن ابن عباس: أول ما أوجب الله التوحيد، ثم بعد ذلك أنزل الصلاة والزكاة والحج ثم الجهاد؛ فازدادوا (٢٦٥ /ب) إيمانا إلى إيمانهم (٢). أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله. وقيل: أنزل فيها الرحمة ليتراحموا فيزداد إيمانهم. ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يسلط بعضها على بعض، وكان من قضايا حكمته إنزال السكينة في قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح عليهم بلادا كثيرة، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله، ويعذب الكافرين والمنافقين بما غاظهم من ذلك وكرهوا. يقال في الأفعال الصالحة: فعل صدق. وفي الأفعال الفاسدة: فعل سوء.

стр. 1011

﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ يعود وبال مكرهم عليهم والسّوء والسّوء؛ كالضّعف والضّعف، والكّره والكره؛ إلا أن المفتوح استعمل فيما يراد ذمه من كل شيء، وأما المضموم فجار مجرى الشر نقيض الخير. ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً﴾ تشهد على أمتك ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ الضمير للناس. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ بالنصرة، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ من التسبيح، والضمائر لله تعالى والمراد بتعزير الله: تعزير دينه ورسوله، ومن فرق الضمائر فقد أبعد. وقرئ: (لتؤمنوا، وتعزروا، وتوقروا) (١) بالتاء لله. وقيل: لرسول الله ولأمته. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ قيل: صلاة الفجر والعصر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢)﴾ ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ لما قال: إنما يبايعون زاد ذلك المجاز توكيدا بقوله: يد الله فوق أيديهم، والمعنى: إن تقرير العهد مع رسول الله ﷺ كتقريره مع الله؛ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ (٢). ﴿فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ لا يعود وبال نكثه إلا عليه، قال جابر: بايعنا رسول الله ﷺ على الموت، وألا نفرّ، فما نكث إلا الجدّ بين قيس، وكان منافقا؛ اختبأ تحت إبط بعيره (٣).

стр. 1012

يقال وفيت وأوفيت ثلاثيا ورباعيا. ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ نزلت في الأعراب الذين تخلفوا عن السفر عام الحديبية وهم: أشجع، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم؛ لأن النبي ﷺ لما توجه إلى مكة عام الحديبية استفزّ الأعراب من أهل المدينة وأهل البوادي؛ حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه، وأحرم رسول الله ﷺ وساق معه الهدي ليعلم أنه لم يأت لقتال، وإنما جاء (٢٦٦ /أ) معتمرا؛ فتأخر كثير من الأعراب، وقالوا: نذهب إلى قوم غزونا في بلادنا وظهروا علينا، وظنوا أنه لا ينقلب إلى المدينة، وأن العدو يستأصلهم، واعتلوا بالشغل بأهليهم، وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم؛ فكذبهم الله في الاعتذار بالأشغال، وإنما كان سبب التخلف النفاق، وكذلك طلبهم الاستغفار ليس بصادر عن حقيقة. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ﴾ أي: فمن يمنعكم من قضاء الله إن أراد بكم ما يضركم أو ما ينفعكم من قتل أو هزيمة أو نصر أو غنيمة، والأهلون: جمع أهل، وجاء في جمعه: أهلات؛ كأرض وأرضات، وأما أهال فاسم جمع ك "ليال". والبور: من بار؛ كالهلك من هلك، وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجوز أن يكون جمع بائر؛ كعائذ وعوذ، والمعنى: وكنتم قوما فاسدين الأحوال والعقائد. وقيل: وكنتم هلكى في حكم الله. ونكر ﴿سَعِيراً﴾ تعظيما لشأنها؛ كما نكر ﴿ناراً تَلَظّى﴾ (١). ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧)﴾

стр. 1013

﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ عن التوجه إلى الحديبية. ﴿إِلى مَغانِمَ﴾ أي: غنائم خيبر. ﴿أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ موعد الله لأهل الحديبية؛ لأنه قدر أن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية خاصة. ﴿بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾ أن نصيب معكم من الغنائم، وكرر ﴿بَلْ﴾ لأن الأول إضراب عن أن حكم الله ألا يتبعوهم، وإثبات للحسد، والثانية إشعار بأن المؤمنين هم الذين ادعوا حرمانهم، والباعث عليه الجهل. ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ﴾ عن الحديبية: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ هم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، وهم مرتدون؛ لأن الكفار الموصوفين بالوصف الآتي هم المرتدون، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهذا دليل على صحة إمامة أبي بكر؛ لأن الله أخبر أنهم سيدعون إلى قتال هؤلاء القوم وأخبر أنهم يدعون إلى القتال، وأخبر أن الداعي تجب إجابته، ولم يكن مثل ذلك إلا وقعة بني حنيفة. وقيل: المراد فارس والروم، وعند أبي حنيفة: تقبل الجزية من مشركي العجم (١). ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ معطوف على ﴿تُقاتِلُونَهُمْ﴾ وليست بمعنى: إلى أن. ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عن التوجه إلى الحديبية. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١)﴾ ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ﴾ الآية نفى الحرج عن هؤلاء المتخلفين من أرباب الأعذار. ﴿يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢٦٦ /ب) بهذه الآية سميت بيعة الرضوان، وذلك أن النبي ﷺ لما نزل بالحديبية بعث جواس بن أمية الخزاعي رسولا إلى أهل مكة فهموا به، فمنعه الأحابيش فلما رجع دعا بعمر ليبعثه فقال: إنّي أخافهم على نفسي، ولكن أدلك على شخص هو أكرم بها مني؛ عثمان بن عفان؛ فبعثه إليهم فأخبرهم أن رسول الله ﷺ لم يأت بحرب، وإنما جاء زائرا ومعظما لهذا البيت، فوقروه وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأطوف به قبل رسول الله ﷺ واحتبس عندهم، فأرجف

стр. 1014

بأنهم قتلوه، فقال رسول الله ﷺ : لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة، وكانت سمرة، فقال رسول الله ﷺ : "أنتم اليوم خير أهل الأرض. وكان عدد المبايعين ألفا وأربعمائة" (١).وقيل: ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفا وثلاثمائة. ﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الإخلاص فيما بايعوا. ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: الطمأنينة بسبب الصلح على قلوبهم. ﴿وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ هو مال خيبر. وعن الحسن: هو فتح هجر، وهو أجل فتح اتسعوا بثمره (٢). ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ هي خيبر، وكانت أرضا ذات عقار وأموال فقسمها بينهم، ثم أتاه عثمان بالصلح فلما تمّ الصلح نحر بالحديبية وحلق. ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ وهو ما بقي على المؤمنين إلى يوم القيامة ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ أي: خيبر ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: أهل مكة وخيبر وحلفاءهم من غطفان وأسد حين جاءوا لنصرتهم، فكف الله أيديهم عن المؤمنين. ﴿وَلِتَكُونَ﴾ هذه الكفة ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقيل: رأى رسول الله ﷺ فتح مكة في منامه، ورؤيا الأنبياء وحي، فتأخر ذلك إلى السنة القابلة، فجعل فتح خيبر علامة لفتح مكة (٣). ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً﴾ يزيدكم بصيرة. ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ هي مغانم هوازن في غزوة حنين وقال: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ لأن هوازن كانوا قوما رماة فرموا المسلمين بالسهام فانهزموا، ثم ناداهم النبي ﷺ فتراجعوا ونصرهم الله. ﴿أَحاطَ اللهُ بِها﴾ قدر عليها (٢٦٧ /أ) ويجوز أن يكون في ﴿وَأُخْرى﴾ ضمير يفسره ﴿قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ وأما ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ فصفة ل ﴿وَأُخْرى﴾ ويجوز فيها الرفع على الابتداء؛ لكونها موصوفة، و ﴿قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها﴾ خبر للمبتدأ، أو الجر بإضمار "رب" و ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ جملة معترضة، أي: وفعل ذلك لتكون آية، ويجوز أن يكون وعدكم المغانم فعجل هذه الغنيمة، وكف الأعداء، أي: لينفعكم بها، ولتكون آية للمؤمنين إذا وجدوا الإخبار بها صادقا.

стр. 1015

﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥)﴾ ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ولم يصالحوا لهزمهم الله. ﴿لِسُنَّةِ اللهِ﴾ في موضع المصدر المؤكد، أي: سن غلبة أنبيائه. ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾ أيدي أهل مكة، وروي أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة، فبعث رسول الله ﷺ من هزمه (١). وعن ابن عباس: أظهر الله المسلمين عليهم فرموهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت (٢). وقرئ ﴿وَالْهَدْيَ﴾ بالنصب عطفا على المفعول؛ أي: صدوكم وصدوا الهدي وبالجر (٣) عطفا على ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ﴾ أي: محبوسا عن أن يبلغ محله. ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ يعود على الرجال والنساء؛ فغلب المذكر، و ﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ بدل اشتمال منهم، أو من المضمر المنصوب في "تعلموهم" والوطء: الأخذ بقوة. والمعرة: مفعلة بمعنى عرّاه، إذا وهّاه. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متعلق ب ﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ وقال رسول الله ﷺ : "آخر وطئة وطئها الله بوج" (٤) يعني: آخر وقعة أوقعها الله بالكفار ب "وج". و"وج": واد بناحية الطائف (٥).

стр. 1016

وروي أن النبي ﷺ حرم صيده (١). وحذف جواب ﴿وَلَوْلا رِجالٌ﴾ لدلالة الكلام عليه ويجوز أن يكون قوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتكرير لقوله: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ ويكون ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ الجواب. فإن قيل: أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون؟ قلت: تصيبهم الدية والكفارة وسوء قالة المشركين: أن هؤلاء أوقعوا بأهل دينهم؛ إذا جرى منهم بعض التقصير! و ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ تفرقوا. ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦) لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧)﴾ روي أن قريشا بعثت سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص إلى النبي ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك ويعود في العام الذي يليه، ولا يكون معه شيء من آلة الحرب، وكتبوا بينهم كتابا، فقال ﵇ لعلي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا: ما نعرف هذا؛ ولكن اكتب: باسمك اللهم، ثم قال: اكتب (٢٦٧ /ب) هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب محمد ابن عبد الله، فقال لعلي "اكتب ما يريدون؛ فإني أشهد أني رسول الله وأني محمد بن عبد الله. فهم المسلمون بأن يأبوا ذلك، فأنزل الله على رسوله السكينة وعلى قلوب المؤمنين" (٢). ﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ بسم الله الرحمن الرحيم، ومحمد رسول الله ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها﴾ لما جبلوا عليه من الخير، واشرأبت قلوبهم من تعظيم حرمات الله وطاعة رسوله. وعن الحسن: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ الوفاء بالعهد (٣). روي أن رسول الله ﷺ رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين محلقين ومقصرين؛ فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم يدخلونها في عامهم، وقالوا: إن رؤيا رسول الله ﷺ حق،

стр. 1017

فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي، ورفاعة بن الحارث: والله ما حلقنا وما قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام؛ فنزلت (١). وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: متلبسا به، وذلك ما فيه من التمييز بين المؤمنين والكافرين، ويجوز أن يتعلق بالرؤيا حالا منها، ومعناه أنها لم تكن أضغاث أحلام، ويجوز أن تكون باء القسم، ويكون قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قسما، إما بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسمائه. ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ جوابه، وعلى الأول: هو جواب قسم محذوف. فإن قيل: ما وجه دخول المشيئة في أخباره سبحانه، وهو عالم بما كان وما يكون؟ قلنا: فيه وجوه: أن تعلقه بالمشيئة تعليما لعباده، أو هو حكاية ما قاله رسول الله ﷺ لأصحابه وقص عليهم، أو أن يريد لتدخلن جميعا. ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل. ﴿مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي: من دون فتح مكة. ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ فتح خيبر. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)﴾ ﴿بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ بدين الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يريد: الأديان المختلفة. وقيل: عند نزول عيسى. وقيل: الإظهار بالحجج والآيات. ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ على ما وعد. ﴿مُحَمَّدٌ﴾ إما خبر مبتدأ محذوف، وإما مبتدأ و ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ عطف بيان، وقرئ: "رسول الله" بالنصب (٢) على المدح. ﴿سُجَّداً﴾ أي: من آثار ما يفعله السجود (٢٦٨ /أ) في الجبهة. ﴿ذلِكَ﴾ الوصف ﴿مَثَلُهُمْ﴾ أي: العجيب الشأن في الكتابين جميعا ﴿كَزَرْعٍ﴾ يريد مثلهم كزرع. وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾ ثم ابتدأ: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي﴾

стр. 1018

﴿الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ إشارة مبهمة أوضحها بقوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ كقوله: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ الآية (١). ﴿شَطْأَهُ﴾ فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ من المؤازرة وهي المعاونة ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ فصار من الدقة إلى الغلظ، وقرئ: "فأزره" (٢) ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ فاستقام على قضبه. وقيل: في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ومن التكلف قول من زعم أن قوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أبو بكر ﴿فَآزَرَهُ﴾ عمر ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ عثمان ﴿عَلى سُوقِهِ﴾ علي. ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ إلى آخرها: بقية الصحابة ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ لأنهم إذا سمعوا هذه الصفات والثناء على أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من المؤمنين شق ذلك عليهم وغاظهم (٣). ﴿مِنْهُمْ﴾ من الجنس لا التبعيض؛ لأن المؤمنين كلهم قد آمنوا وعملوا الصالحات فكلهم موعود بالمغفرة والأجر العظيم. ***

стр. 1019

تفسير سورة الحجرات [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ يقال: قدّمه وأقدمه، وهما منقولان بتثقيل الحشو والهمزة من قدّمه إذا تقدّمه، ومنه قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ (١) ونظيره نقلا ومعنى: سلّفه وأسلفه. ولم يذكر مفعولا لقوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ إما ليراد عمومه في كل تقدم، وإما أن لا يريد له مفعولا؛ كقوله: ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (٢) ويجوز أن يكون من قدم بمعنى تقدم؟ كوجّه وبيّن، ومنه مقدمة الجيش خلاف ساقته وهي الجماعة المتقدمة، ويعضده قراءة من قرأ: "تقدّموا" بحذف إحدى التاءين، والأول أحسن، وقرئ "تقدموا" (٣) من القدوم؛ أي: لا تقدموا على أمر قبل قدومهما، وحقيقة ذلك كقولك: جلست بين يديه: أن تجلس بين الجهتين المسامتين ليمينه وشماله فسميت الجهتان يدين؛ لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا؛ كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره، ويسمى في علم البيان: التمثيل، ولو قال: لا تكونوا كالذين تقدموا كان تشبيها، وفيها فائدة جليلة، وهي تصوير هجنة ما صنعوا، والمعنى: لا تقطعوا أمرا إلا بعد ما (٢٦٨ /ب) يحكم الله ورسوله به فتكونوا إما عاملين بالوحي المنزل عليه أو مقتدين بالرسول، ﵊، ويجوز أن يكون كقوله [من الرجز]: عجبت من نفسي وإشفاقها (٤) ....

стр. 1020

وقولك: عجبت من زيد وكلامه في قضية كذا، وفائدة هذا الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص، وأن التقدم بين يدي رسول الله ﷺ تقدم بين يدي الله. وعن مسروق: دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه؛ فقالت للجارية: اسقيه عسلا، فقلت: إني صائم، فقالت: قد نهى الله عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت (١). وروي أن ناسا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فأمرهم رسول الله ﷺ أن يعيدوا ذبحا آخر (٢). وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀ وعند الشافعي ﵀: يجوز إذا مضى قدر الصلاة (٣). وعن الحسن أيضا: لما استقر رسول الله ﷺ بالمدينة أتته الوفود من الآفاق وأكثروا عليه المسائل فنهوا أن يبتدئوه بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ (٤). وعن قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا لكان حسنا؛ فنهوا عن ذلك؛ فنزلت الآية (٥). وقيل: هي عامة في كل قول وفعل إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله ﷺ فلا يتكلم فيها أحد قبل رسول الله ﷺ . ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ فإنكم إذا اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ وإن حدثتموه وهو ساكت فاجعلوا صوتكم كصوت المشاور، وإن حدثكم وهو رافع صوته فلا تبلغوا برفع صوتكم رفع صوته، بل لا بد من مراعاة علو صوت النبي ﷺ وأعاد النداء عليهم استدعاء لتيقظهم، وتكرير تنبيه على الأغنياء بما كلفوه من ذلك. وقيل: المعنى: لا تنادوه باسمه فتقولوا: يا محمد، وخاطبوه بالنبوة فقولوا: يا أيها
следующие страницы →