← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

﴿بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ما تصبون في الأرحام من المني. ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ بشرا عالما قويا. ﴿أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ﴾ لذات الإنسان وصفاته. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ وقهرنا العباد به ﴿وَما نَحْنُ﴾ بمغلوبين ﴿عَلى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ في الأرض خلقا (٢٨٨ /ب) أطوع لله منكم ويخلقكم خلقا على غير الصفة التي أنتم عليها الآن. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ أن من قدر على عمل فعل فهو على إعادة مثله أقدر، وهم كانوا يعتقدون أن الله خالقهم؛ فلما لم يعملوا بهذا الاعتقاد كانوا كالمكذبين؛ فلهذا قال: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ﴾ أي: توجدونه وتصورونه. ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ المعايش، وقدرنا بينكم الموت على تفاوت في طول العمر وقصره. ﴿عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ﴾ قوما يخالفونكم في الخلقة والصفات والاعتقادات، وفي هذه الآية دليل على صحة القياس، حيث أنكر عليهم [أنهم] لم يقيسوا النشأة الثانية على الأولى (١)

стр. 1087

﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ لزراعة الحب؛ معنى ﴿تَحْرُثُونَ﴾ تبذرون حبه ﴿أَأَنْتُمْ﴾ تنبتونه وتجعلون له مادة من الشرب إلى أن ينتهي إلى غايته. ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾ وعن رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم زرعت؛ فإن الله هو الزارع، ولكن يقول: حرثت" قال أبو هريرة: انظر إن شئت: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ (١). ﴿حُطاماً﴾ كالفتات والجذاذ، أسماء لما انهشم وتفتت. ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون. ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: عدمنا وغرمنا النفقات على هذا الزرع وحرمنا بركته. وقيل: المحروم: من زرع زرعا فلم ينجب أو أنشأ بستانا فلم ينجب؛ قال الله تعالى في قصة البستان: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنّا لَضالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٢) أي: لسنا من أصحاب الحظ، ولو كنا منهم لأنجب زرعنا. وقيل: الغرام: الهلاك، ومنه قوله: ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ (٣) ﴿الْمُزْنِ﴾ السحاب، واحدته مزنة. وقيل: هو السحاب الأبيض، الأجاج: الشديد الملوحة؛ لا يقدر على شربه، وإنما دخلت اللام في قصة الزرع ولم تدخل في قصة المزن؛ لأن الجملة الثانية دخلت على جملتين إحداهما مرتبطة بالأخرى؛ فأشبهت الشرط فجعلت اللام في جواب "لو" علما على شبه الشرطية؛ فإذا استمر استعمالها صارت اللام المحذوفة كالثابتة؛ قال الشاعر [من الرجز]:

стр. 1088

حتى إذا الكلاب قال لها ... كاليوم مطلوبا ولا طالبا (١) أي: لم أر كاليوم، وأيضا فإن ثبات اللام في أحد الموضعين دليل على إثباته في الآخر (٢٨٩ /أ) ﴿تُورُونَ﴾ تقتدحون نارها، والعرب تأخذ عودين فتحك أحدهما بالآخر فتقدح نارا، وترى مع المسافرين منهم عودين برسم ذلك تقتدح بهما النار. ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ المسافر النازل في القواء، وهي الأرض الخالية. ﴿نَحْنُ جَعَلْناها﴾ يعني النار المقتدحة بعيدان الشجر. ﴿تَذْكِرَةً﴾ تذكر بنار جهنم، وفعلنا ذلك ليتذكر العصاة بهذه النار ما يعذبون به في الدار الآخرة. وفي الحديث:" ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: فإنها تفضل عليها بتسعة وستين جزءا " (٢).وقيل: المقوي: هو الذي خلت أوعية زاده فلم يبق له زاد. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي: فأحدث التسبيح باسم ربك، أو أراد: تذكر اسم ربك ربّك ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة للمضاف أو للمضاف إليه؛ أي: اذكر الإله الذي خلق من المني بشرا، ومن الحب زرعا، ومن السحاب مطرا، ومن الشجر الأخضر نارا. ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ معناه: فلأنا أقسم و" لا "زائدة؛ كقوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (٣) وكقوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (٤) والتقدير: فلأنا أقسم، ولا يجوز أن تكون اللام جواب القسم؛ لأن جواب القسم بالمضارع يلزمه النون؛ تقول: حلفت لأفعلن، وحذفها قبيح في الكلام، ولأن جواب القسم يراد به الاستقبال، وهاهنا المراد به الحال. ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ بمساقطها إذا رجم بها الشياطين، ويجوز أن تكون الملائكة، ولأولياء الله في هذه الأوقات عبادات مخصوصة؛ ولأنه وقت الاستغفار بالأسحار ونزول رحمة الرب سبحانه إلى سماء الدنيا قائلا:" هل من داع

стр. 1089

فأستجيب له، أو مستغفر فأغفر له، أو من تائب فأتوب عليه " (١).واستعظم القسم بها بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. واعلم أن في هذه الآية جملة معترضة متعلقة بجملة أخرى معترضة؛ فالجملة الأولى:" وإنه لقسم عظيم "والجملة الثانية: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ فإنه لو قال: وإنه لقسم لاستقام. وقيل: المراد بالنجوم: نزول القرآن على رسول الله ﷺ منجما ﴿كَرِيمٌ﴾ حسن مرضي في جنسه من الكتب، أو كثير النفع أو كريم على الله. المكنون: الكتابة في اللوح المحفوظ، مصون من غير المقربين من الملائكة. ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ من جميع الذنوب، ومن النقائص والمعايب، وهم المطهرون (٢٨٩ /ب) في قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ إن جعلت الجملة الثانية صفة للكتاب، وإن جعلتها صفة للقرآن فالمعنى أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس، ومن الناس من حمله على القراءة أيضا. وعن ابن عمر أنه قال: أحب إلي ألا يقرأ إلا وهو طاهر (٢). وعن ابن عباس أنه أباح قراءة القرآن للجنب (٣). ومنه قول رسول الله ﷺ :" المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يسلمه " (٤) أي: ينبغي أن يكون كذلك.

стр. 1090

﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفة رابعة للقرآن؛ أي: منزل من رب العالمين، أو وصف بالمصدر؛ لأنه منجم من بين سائر الكتب؛ فكأنه في نفسه تنزيل؛ ولهذا قالوا: نطق به التنزيل، وجاء به التنزيل. ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ أي: متهاونون بالقرآن لا تعظمونه وواجب تعظيمه. ﴿وَتَجْعَلُونَ﴾ حظكم منه التكذيب، التقدير: وتجعلون بدل شكركم النعمة التكذيب بها. ﴿فَلَوْلا﴾ فهلا، والمعنى: فهلا ترجعونها إن كنتم صادقين، وفصل بين ﴿فَلَوْلا﴾ وما تعلقت به بالشرط. ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: غير مجزيين، كما تدين تدان؛ أي: كما تفعل تجزى. ***

стр. 1091

تفسير سورة الحديد [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ جاء في بعض الفواتح بلفظ الماضي، وفي بعضها بلفظ المضارع، وكلا المعنيين صحيح؛ أي: عادتهم التسبيح، وشأنهم أن يسبحوا له ويعظموه، وقد جاء تارة باللام، وتارة بغير لام؛ كقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (١) ومعنى سبحت لله، أي: جعلت التسبيح خالصا لوجهه. ﴿ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من يتأتى منه التسبيح. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ قوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يجوز ألا يكون له محل، وأن يكون مستأنفا وأن يكون مرفوعا بخبر مبتدأ محذوف، أي: هو يحيي ويميت، وأن يكون منصوبا؛ حالا من المجرور في ﴿لَهُ﴾ والجار عاملا فيها؛ ومعناه: يحيي النطف والبيض والموتى. ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ قبل كل شيء ﴿وَالْآخِرُ﴾ بعد كل شيء ﴿وَالظّاهِرُ﴾ بالأدلة الدالة عليه ﴿وَالْباطِنُ﴾ لكونه غير مدرك بالحواس، ومعنى دخول الواو في قوله: ﴿وَالْآخِرُ﴾ أنه الجامع بين هاتين الصفتين، وأما الثالثة فدخلت الواو؛ لتدل على أنه جامع بين الصفتين الأخيرتين،

стр. 1092

وأما الوسطى فدخلت لتدل على اجتماع الأول مع الثاني (٢٩٠ /أ) والثالث مع الرابع. وقيل: الغالب؛ لقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (١) ﴿مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يريد أن الأموال التي بأيديكم ملك لله وأنتم تتصرفون فيها بإذنه كالوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله وليهن عليكم الإنفاق منها؛ كما يهون على الرجل إذا أنفق من مال غيره، أو جعلكم مستخلفين عمن كان قبلكم في المال الذي بأيديهم وأيديكم، فاعتبروا بحالهم؛ كيف انتقل منهم إليكم؛ وسينقل منكم إلى غيركم! ولا تبخلوا، وارفعوا بالإنفاق منها أنفسكم. ﴿لا تُؤْمِنُونَ﴾ حال من معنى الفعل في الجار والمجرور، والواو في ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ واو الحال؛ فهما حالان متداخلتان، وقد مضى ذكر نظيره في أوائل ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ (٢) أي: قد ركب فيكم العقول التي تؤديكم إلى العلم بصفاته وأنه يثيب على الإنفاق أضعافا مضاعفة. ﴿أَلاّ تُنْفِقُوا﴾ أي: أي شيء لكم في ترك النفقة؟! ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ سينتقل من أيديكم انتقال المال الموروث بعد هلاك صاحبه. ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ﴾ أي: قبل فتح مكة، وكان الإسلام ضعيفا، فالنفقة في ذلك الوقت أصابت محلا قابلا، أي: ومن أنفق بعد ذلك؛ أي: بعد ما عزّ الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا، فحذف ذكر القسم الثاني؛ لوضوح دلالة الكلام عليه. ﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ أي: المثوبة الحسنى، وقرئ:" كلّ "بالرفع (٣) مع أن الفعل لم يشتغل بضميره، وهو جائز؛ ولكنه قليل الاستعمال (٤). وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله

стр. 1093

عنه - لأنه أول من أسلم وأول من أنفق في سبيل الله (١). ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ القرض الحسن: الإنفاق في سبيله؛ شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز؛ لأنه إذا أعطى ماله لوجهه فكأنه أقرضه إياه. ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا. ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي: ذلك الأجر المضاعف أجر عظيم قبل أن ينضاف إليه المضاعفة. ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ ظرف والعامل فيه الاستقرار في قوله: ﴿وَلَهُ أَجْرٌ﴾ أو منصوب بمضمر تقديره: يوم ترى يكون كيت وكيت. يؤتى السعداء صحائف أعمالهم من بين أيديهم وبأيمانهم (٢٩٠ /ب) ونور تلك الصحائف ينوّر لهم هاتين الجهتين، ويؤتى الأشقياء صحفهم بشمائلهم من وراء ظهورهم، وإذا تجاوز السعداء الصراط سعوا في أنوار أعمالهم وصحائفهم، ويكون ذلك شعارا بفوزهم، وتقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم ﴿بُشْراكُمُ الْيَوْمَ﴾. ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)﴾

стр. 1094

﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ ﴿اُنْظُرُونا﴾ انتظرونا؛ لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركائب تسرع بهم، والأشقياء مشاة. وقيل: ﴿اُنْظُرُونا﴾ انظروا إلينا؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، واستنارت الطريق للمنافقين، وجعل اتئادهم في المشي ليلحقهم المنافقون أنظارا. ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستضيئوا بهم. ﴿اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ﴾ طرد لهم وتهكم بهم، أي: ارجعوا إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا بتحصيل سببه وهو الإيمان، أو ارجعوا خائبين، وقد علموا أنه لا نور لهم؛ وإنما هو طرد وإقنات. ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ بين المؤمنين والمنافقين. ﴿بِسُورٍ﴾ أي: بحائط. قيل: ذلك السور: الأعراف، لذلك السور ﴿بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أي: ما يخص المؤمنين ﴿ظَهْرِهِ﴾ ما بدا للمنافقين ﴿مِنْ قِبَلِهِ﴾ أي: من جهته، وهو الظلمة ينادى المنافقون المؤمنين فيقولون: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الدنيا في الجهاد والصلوات؟ فيقول المؤمنون: كنتم معنا ﴿وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أوقعتموها في الفتنة ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالموت الدوائر ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ شككتم في الدين الحق ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ﴾ طول العمر والطمع ﴿حَتّى جاءَ أَمْرُ﴾ الموت و ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان. ﴿فِدْيَةٌ﴾ ما يفتدى به ﴿مَوْلاكُمْ﴾ أي: أولى بكم، وحقيقة الكلام: النار هي أولى بكم أن تكونوا فيها، وهو كقولهم: مئنة. وفي الحديث:" إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه " (١).أي: محل يقال فيه: إنه لفقيه، ومنه قوله: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ﴾ (٢) فسماه إغاثة. وقيل: تتولاكم جهنم؛ كما توليتم في الدنيا أعمال الفجور. ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ ألم يحن، يقال: أنى الشيء يأنى إناء؛ إذا جاء وقته. قيل: كانوا بمكة مجدبين مضيقا عليهم في ذات اليد، فلما هاجروا إلى المدينة اتسع لهم العيش ففتروا عما كانوا عليه؛

стр. 1095

فنزلت الآية (١). (٢٩١ /أ) وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين (٢). وعن ابن عباس: استبطأ الله قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن (٣). وعن الحسن: أما والله لقد استبطأهم وهم يحفظون من القرآن أقل مما تحفظون، ويعملون من أعمال الخير أضعاف ما تعملون، وحدث فيكم من الفسق ما لم يكن في الأولين (٤). وروي أن هذه الآية قرئت بين يدي أبي بكر الصديق، وعنده ناس من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا؛ فقال أبو بكر: هكذا كنا حتى قست القلوب (٥). وكانت بنو إسرائيل إذا سمعوا التوراة خشعوا لله ورقت قلوبهم فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوه من التغيير والتبديل وغيره. ﴿لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ يجوز أن يراد بهما شيء واحد وقيل: ذكر الله أعم، وما نزل من الحق أخص، ويجوز أن يراد خضوعها لذكر الله؛ كقوله: ﴿إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٦) أراد ب ﴿الْأَمَدُ﴾ الأجل؛ كقوله [من البسيط]: ولا يمهل حيّ إذا انتهى أمده (٧) ... ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾ ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ تمثيل لإثراء الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض. ﴿الْمُصَّدِّقِينَ﴾ هم المتصدقون، وقرئ:" إن المصدّقين "بالتخفيف (٨) وهم

стр. 1096

الذين صدقوا الله ورسوله، والقراءة الأولى بمعنى إخراج الصدقة. ﴿وَأَقْرَضُوا﴾ معطوف على معنى المتصدقين؛ كأنه قيل: إن الذين تصدقوا وأقرضوا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ ﴿أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ وهم الشهداء؛ أي: هم عند الله بمنزلة الشهداء، ويجوز أن تقف على قوله: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ وتبتدئ ﴿وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ نبه أن الدنيا إنما هي أمور محقرات من لعب ولهو وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد ثم مثل حالها في سرعة زوالها بقوله: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ﴾ أي: الزراع؛ لأن الزارع يستر الحب الذي يبذره، والكفر: الستر ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ ثم ييبس، فترى ذلك الزرع الأخضر صار أصفر، ثم عن قليل يصير حطاما. وقيل: ﴿الْكُفّارَ﴾ الجاحدون لنعم الله تعالى، وهم مثل أصحاب الجنة الذين ابتلاهم بإحاطة الله بزرعهم (١) وكما فعل بأصحاب الجنتين في سورة الكهف (٢). ﴿سابِقُوا﴾ سارعوا إلى أعمال الجنة سعي المسابق ﴿عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾

стр. 1097

(٢٩١ /ب) أي: كعرض السماوات السبع والأرضين السبع، وذكر العرض دون الطول؛ لأن عرض كل شيء أقصر من طوله، ويجوز أن يراد بالعرض الكثرة؛ كقوله: ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ (١). ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ نحو الجدب وآفات الزرع. ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ بالأعلال والأمراض ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ أي: قبل أن نخلقها؛ فإن الله هو البارئ المصور، والضمير في ﴿نَبْرَأَها﴾ يرجع إلى الأرض أو النفس أو المصيبة. إن إثبات ذلك يسير على الله، يعني: إذا علمتم بأن كل شيء مكتوب عند الله خفت الهموم، وعلم أن كل ما قدر كائن. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم عنده اختال وافتخر به وتكبر على الناس. فإن قلت: ما نرى أحدا يملك نفسه ويمنعها عن الفرح بما يتجدد من خير ولا يمنعها من التألم إذا ناله ما يسوءه؟ قلت: المراد ذم الفرح الذي يخرج إلى الفخر والخيلاء ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدل من ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا﴾ يعني الملائكة إلى الأنبياء. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالحجج والمعجزات. ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: الكتب؛ كقوله: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ (٢) أي: الكتب. وقيل: الكتاب. الخط بالقلم، تقول: كتبت كتابا وكتابة. وروي أن جبريل ﵇ نزل بالميزان فأعطاه نوحا، وقال له: مر قومك يزنوا به (٣). ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ قيل: نزل آدم ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والمطرقة، والإبرة (٤). وقيل: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ خلقناه؛ كقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ (٥). ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ فالبأس الشديد: القتال به، والمنافع ظاهرة. قيل: ما من عمل من الأعمال إلا وفيه آلة من الحديد. وجعلنا ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: بإعداد آلة

стр. 1098

الحرب من السيف والرمح وغيرها. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)﴾ ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: من الذرية. وقيل: من المرسل إليهم، دل عليه ذكر الإرسال والمرسلين، ونحو وصفهم بأن في قلوبهم الرأفة والرحمة قوله تعالى: ﴿أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١). والرهبانية: ترهّبهم في الجبال فرارا من الفتنة. وروي أن الجبابرة (٢٩٢ /أ) ظهروا على أصحاب عيسى بعد أن رفعه الله إليه فقاتلوهم مرارا، وقتل الكفار أكثر أصحاب عيسى، وبقي منهم قليل فخافوا أن يفتنهم الكفار فاختاروا الترهب والانقطاع (٢). وانتصابها بفعل مضمر يفسره "ابتدعوها" أي: أحدثوها من عند أنفسهم، ولم يأتهم أمر من الله بذلك. ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما فرضناها عليهم ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ﴾ استثناء منقطع؛ أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يريد أهل الرأفة الذين اتبعوا عيسى. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ لم يحافظوا على ما ابتدعوه من الرهبانية، ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على الرأفة والرحمة، و ﴿اِبْتَدَعُوها﴾ صفة لها في محل النصب، أي: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم، والمعنى: وفقناهم للرحمة بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم الذين حافظوا على ما ابتدعوه من الرهبانية. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ وهم الذين لم يحافظوا على ما التزموه من الرهبانية. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ﴾

стр. 1099

﴿فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بموسى وعيسى ﴿اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا﴾ بمحمد ﷺ . ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أي: نصيبين؛ لإيمانكم به وبمن قبله ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ يوم القيامة بخلاف المنافقين الذين حرموا النور. ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ﴾ "لا": زائدة؛ أي: لأن يعلم ﴿أَلاّ يَقْدِرُونَ﴾ "أن" مخففة من الثقيلة أصله: أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله. ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ﴾ الآية، وإن كان قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ خطابا لغيرهم فمعناه: اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم برسوله ﷺ ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ ما وعد المؤمنين وهما الكفلان من رحمته. روي أن رسول الله ﷺ بعث جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه فقدم جعفر عليه فدعا النجاشي فأجابه فقال جماعة من عظماء أهل اليمن للنجاشي: ائذن لنا أن نتوجه إلى محمد ﷺ ونواسيه بأموالنا فأذن لهم، وقدم جعفر إلى النبي ﷺ ومعه أربعون رجلا فواسوا المؤمنين بأموالهم ووسعوا عليهم، فنزلت الآية (١) والله أعلم (٢٩٢ /ب). ***

стр. 1100

تفسير سورة المجادلة [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ﴾ قالت عائشة ﵂: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول الله ﷺ في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع، وسمع قولها" (١). والمرأة خولة بنت ثعلبة، امرأة أوس بن الصامت، رآها وهي تصلي، وكانت حسنة الجسم، فلما سلّمت راودها عن نفسها فأبت فغضب، وكان به خفة فظاهر منها؛ وأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما أفنى شبابي ونثرت أفلاذ كبدي جعلني عليه كأمه. وروي أنها قالت: إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا؛ فقال ﷺ : "ما عندي في أمرك شيء" (٢). وروي أنه قال لها: حرمت عليه فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، كلما قال رسول الله ﷺ : حرمت عليه شكت. فنزلت: ﴿فِي زَوْجِها﴾ في شأنه (٣). يسمع كل مسمع ويبصر كل مبصر. ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ في ﴿مِنْكُمْ﴾ توبيخ للعرب، وتهجين لعادتهم في الظهار. ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ أي: ليسوا بأمهات لهم وقد جعلها المظاهر أمّا؛ فكأن هذا القول ﴿مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ منكرا تنكره الحقيقة، وتنكره الأحكام الشرعية، ﴿وَزُوراً﴾ كذبا باطلا، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ لما سلف إذا تيب عنه ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾

стр. 1101

﴿فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ كانوا يظاهرون في الجاهلية؛ فلما جاء الإسلام تركوا ذلك، ثم عادوا بعد ذلك فظاهروا. وإذا ظاهر من امرأته لم يحل له وطؤها حتى يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ والمعنى: أن تدارك هذا القول بالكفارة وإحسان الصحبة بعد ذلك، والمماسة: الجماع، وما يقرب منه من الاستمتاع، والظهار أن يشبه امرأته بأمه، أو بعضو من أعضائها، أو بأخته، أو غيرها من المحارم، أو يشبهها بعضو من أعضاء الأم غير الظهر، إلا أن أبا حنيفة يقول: إن شبهها بعضو يسمى به الجسد كله؛ كالرأس والرقبة، وعنده أيضا: إذا لم يكفر المظاهر فللمرأة مطالبته بالتكفير لتحل، وعند الشافعي: إذا امتنع لا ترافعه المرأة ولا تستحق عليه الوطء (١). ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ التي لا يجوز تعديها. ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ (٢٩٣ /أ) الذي لم يقوموا بما يوجبه الظهار ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿يُحَادُّونَ﴾ يعادون ﴿كُبِتُوا﴾ أخزوا. ﴿كَما كُبِتَ﴾ من عادى الرسل قبلهم. قيل: أراد كبتهم يوم الخندق. ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ تدل على صحة الرسول وصحة ما جاء به ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ بهذه الآيات ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ منصوب ب "الكافرين" أو ب "مهين" أو بإضمار اذكر؛ تعظيما لليوم ﴿جَمِيعاً﴾ مجتمعين؛ أي: كلهم، والمراد: اجتماعهم في مكان واحد في ذلك الوقت. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ تخجيلا لهم وتوبيخا، يتمنون عنده المسارعة إلى النار لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد ﴿أَحْصاهُ اللهُ﴾ أحاط به عددا. ﴿وَنَسُوهُ﴾ أنهم تهاونوا به. ﴿ما يَكُونُ﴾ أي: ما يوجد، وهي كان التامة، والنجوى تأنيثها غير حقيقي، وهي

стр. 1102

التناجي. ﴿مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ بإضافة ﴿نَجْوى﴾ إلى ﴿ثُلُثَهُ﴾ أو جعلهم نفس النجوى مبالغة، وقرأ ابن أبي عبلة: "ثلاثة" و "خمسة" بالنصب (١) على الحال، أو بإضمار "يتناجون" روي أن اليهود والمنافقين كانوا إذا رأوا المؤمنين تغامزوا وتضاحكوا وتناجوا فنهاهم رسول الله ﷺ ففعلوا ثم عادوا، فنزلت ﴿وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ﴾ (٢) أي: يقولون: السام عليك، والسام: الموت. والتناجي بالبر والتقوى: أن تقولوا يا أيها النبي، يا أيها الرسول، ولا تقولوا: السام عليك. ﴿لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ كانوا يقولون: إن كان محمد نبيّا؛ فلم لا يعذبنا الله بما نقول؟ فقال الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذابا. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم، ويجوز أن يكون للمؤمنين وللمنافقين، يعني: إذا تناجيتم فلا تتشبهوا بأولئك ﴿وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ روي أن النبي ﷺ قال: "لا يتناج اثنان دون ثالث؛ فإن ذلك يحزنه" (٣). ﴿إِنَّمَا النَّجْوى﴾ اللام في "النجوى" إشارة إلى التناجي بالإثم والعدوان؛ بدليل قوله: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليس الحزن بضار الذين آمنوا ﴿شَيْئاً إِلاّ بِإِذْنِ،﴾ ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ﴾ (٤) أي: توسعوا فيه، والمراد: مجلس رسول الله ﷺ كانوا يتضامّون فيه؛ تنافسا على القرب منه وسماع كلامه ﷺ . وقيل: هي مجالس القتال؛ كما سميت مقاعد في قوله:

стр. 1103

مقعد للقتال (١) (٢٩٣ /ب) ﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ مطلق في كل ما يراد التوسع فيه، وهو المجلس والقلب والرزق وغير ذلك. ﴿اُنْشُزُوا﴾ ارتفعوا لتوسعوا على المقبلين، أو ارتفعوا عن مجلس رسول الله ﷺ إذا أمرتم بالنهوض عنه، أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير إذا استنهضتم ولا تفرطوا. ﴿يَرْفَعِ اللهُ﴾ المؤمنين بامتثال أوامر رسوله والعلماء منهم خاصة. ﴿دَرَجاتٍ﴾ بما تعلمون. عن ابن مسعود أنه كان إذا قرأها قال: يا أيها الناس: افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم (٢). وعن النبي ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" (٣).وعنه: "يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" (٤).فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله ﷺ وفي كلام بعض الحكماء: ليت شعري، أي شيء فات من أدرك العلم، ليت شعري؛ أي شيء أدرك من فاته العلم؟ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ ﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ استعارة ممن له يدان، والمعنى: قبل نجواكم. ﴿ذلِكُمْ﴾ التقديم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ لأن الصدقة طهرة. روي أن الناس أكثروا مناجاة رسول الله ﷺ حتى أملوه فأريد أن يكفوا عن ذلك فأمروا بأن من أراد أن يناجيه قدم قبل مناجاته صدقة، قال علي: فدعاني رسول الله ﷺ لما نزلت؛ فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد. فلما رأوا ذلك اشتد عليهم وكفوا؛ أما الفقير فلعسرته، وأما الغني فلشحّه (٥). قيل: كان ذلك عشر ليال فنسخ وقيل: ما كان إلا ساعة

стр. 1104

من نهار (١). وعن علي: "إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي، ولا عمل بها أحد بعدي كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم" (٢).وعن ابن عمر: "كانت لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزوجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى" (٣).وقال ابن عباس: "هي منسوخة بالآية التي بعدها. وقيل: هي منسوخة بالزكاة" (٤). ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨)﴾ ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الخوف من الفقر؟ وأن الشيطان يعدكم الفقر. ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أمرتم به ﴿وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٢٩٤ /أ) وعذركم ورخص لكم في ألا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات. كان المنافقون يقولون: اليهود هم الذين غضب الله عليهم في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٥) ونقل المنافقون إلى اليهود أخبار المؤمنين. ﴿ما هُمْ مِنْكُمْ﴾ يا مسلمين ﴿وَلا مِنْهُمْ﴾

стр. 1105

أي: من اليهود؛ كقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ الآية (١) ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾ أي: يقولون: والله إنا لمسلمون ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن المحلوف عليه كذب. وكان ابن نبتل يكثر مجالسة النبي ﷺ وينقل أخباره إلى اليهود، فقال رسول الله ﷺ : "يدخل عليكم إنسان وجهه وجه إنسان وقلبه قلب جبار، وينظر نظر شيطان، فدخل ابن نبتل؛ فقال له النبي ﷺ : علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله العظيم أنه لم يكن ذلك، فنزلت ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢). ﴿عَذاباً شَدِيداً﴾ نوعا من العذاب شديدا؛ نكره تعظيما له. ﴿ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بمعنى: أنهم كانوا في الزمن الماضي على هذه الحال، أو هي حكاية ما يقال في الآخرة. ﴿أَيْمانَهُمْ﴾ وقرئ بكسر الهمزة (٣). جنّة أي: وقاية. ﴿فَصَدُّوا﴾ فأعرضوا أي: صدوا الناس عن الدخول في الإيمان. ﴿مِنَ اللهِ﴾ من عذاب الله. ﴿شَيْئاً﴾ قليلا من الإغناء، روي أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا. ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أي: لله سبحانه على أنهم مسلمون. ﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدنيا. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ من النفع، وليس العجب من حلفهم في الدنيا؛ فإنها محل المغالبة والإنكار، والحلف الكاذب والانتفاع بالكذب، ولكن العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ هو حكاية عن استمرارهم على الضلالة، حتى اتصل ذلك بالآخرة. ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾

стр. 1106

﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ كما قال: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ استولى عليهم واحتوى؛ من حاذ الحمار العانة (١) إذا جمعها، أي: ملكهم الشيطان حتى جعلهم رعيته وحزبه. ﴿فَأَنْساهُمْ﴾ أن يذكروا الله لا بقلوبهم ولا بألسنتهم. قال أبو عبيدة: حزب الشيطان جنده (٢). ﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾ في جملة من هو أذل خلق الله لا ترى أحدا أذل منهم (٢٩٤ /ب) ﴿كَتَبَ اللهُ﴾ في اللوح المحفوظ ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ بالحجة والسيف، أو بأحدهما. ﴿لا تَجِدُ قَوْماً﴾ من باب التخييل؛ أي: نبه أن من الممتنع أن تجد قوما مؤمنين يوالون المشركين والغرض أن ذلك لا ينبغي أن يقع؛ ولأن العهد بذلك لا يستقيم، وزاد ذلك توكيدا بقوله: ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ﴾ وجعلهم حزب الشيطان، وقابله بقوله: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾ فلا شيء أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه. ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ﴾ أثبت فيها. ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ بنور قذفه في قلوبهم، ويجوز أن يكون الضمير للإيمان. ﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي: من الإيمان؛ على أن الإيمان نفسه روح؛ إذ به تحيا القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح. قيل: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان. وعن النبي ﷺ أنه كان يقول:" اللهم لا تجعل لفاسق ولا لفاجر عندي نعمة؛ فإني وجدت فيما أوحيت إلي: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً﴾ (٣). وروي أنها نزلت في أبي بكر وذلك أن أباه أبا قحافة سب رسول الله ﷺ فصكه صكة سقط منها؛ فقال له رسول الله ﷺ : "أو فعلته؟ فقال: نعم. قال: فلا تعد؛ فقال: والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته" (٤).

стр. 1107

تفسير سورة الحشر [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)﴾ صالح رسول الله بني النضير على ألا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر رسول الله ﷺ يوم بدر قالوا: هو النبي المذكور في التوراة فلا ترد له راية، فلما انهزم المسلمون يوم أحد شكوا وارتابوا فخرج كعب بن الأشرف وهو كبير اليهود فحالف على رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة الأنصاري أن يقتل كعبا فقتله، وكان محمد بن مسلمة أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، ثم جاء النبي ﷺ على حمار خطامه من ليف، فأمرهم أن يخرجوا من البلاد، فقالوا: الموت أهون من ذلك، فاستمهلوا رسول الله ﷺ عشرة أيام فأمهلهم، ثم تنادوا بالحرب فدس المنافقون من يقول لليهود: إن أمركم محمد بالخروج من البلاد فلا تفعلوا، فإنا معكم ننصركم ونعينكم عليه، ولئن خرجتم لنخرجن معكم، فدربوا على الأزقة وحصنوها فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصر (٢٩٥ /أ) المنافقين لهم طلبوا الصلح فأبى عليهم رسول الله ﷺ إلا أن يخرجوا من البلاد، وهو الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات ما يحمل جمل، فجلوا من البلاد إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام إلا بيتين وهما لأبي الحقيق وحيي بن أخطب؛ فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة من اليهود بالحيرة (١). واللام التي في قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ لام التأريخ (٢) كما في قوله: ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ﴾

стр. 1108

﴿لِحَياتِي﴾ (١) أي: في زمن حياتي، ومنه قولك: جئتك لوقت كذا؛ أي: أخرج الذين كفروا عند أول الحشر وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وهذا أول حشرهم، والحشر الثاني إجلاء عمر أهل خيبر. وقيل: آخر حشرهم يوم القيامة؛ لأن المحشر يكون بالشام. وعن عكرمة: من شك أن المحشر يكون بالشام فليقرأ هذه الآية (٢). وقيل: لأول حشر وقع معهم؛ فإنهم لم يقاتلوا قبل ذلك. ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ لقوة حصونهم وكثرة لعدد والآلات عندهم. ﴿وَظَنُّوا﴾ أن حصونهم تنجيهم من عذاب الله. ﴿فَأَتاهُمُ﴾ أمر ﴿اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ حتى خربوا ديارهم بأيديهم؛ فإنهم صالحوا على أن يحمل كل ثلاثة أبيات حمل جمل؛ فكانوا يجدون الخشبة الحسنة مدهونة فلا يسهل عليهم تخليتها للمسلمين، ولا يجدون ما يحملونها عليه، فيكسرها اليهودي صاحبها؛ حسدا للمسلمين أن ينالوها، ويكسرها المسلم إرغاما للكافر وهي معنى قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ هو قذف قلوبهم، وتمكين المسلمين من هدم بنيانهم، وأوقف المنافقين الذين حلفوا لليهود على نصرتهم؛ ألقى فى قلوبهم الجبن؛ فكفوا عن قتال المسلمين ونصرة اليهود، وهذا كله لم يكن في حسابهم. وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ﴾ أبلغ من قول القائل: وظنوا أن حصونهم تمنعهم؛ فإن ذلك الظن يضعف الحصون عن المنع، والذي في هذه الآية يدل على أنهم ظنوا في نفوسهم القدرة والقوة على دفع المسلمين. و ﴿الرُّعْبَ﴾ الخوف الذي ترعد منه الفرائص. والقذف: الإلقاء بقوة، ومنه قيل للأسد إنه مقذف؛ أي: قذف باللحم قذفا، لتداخل أعضائه. والتخريب والإخراب: الإفساد بالنقض، والخربة: الفساد كانوا يخربون بواطنها، والمسلمون ظواهرها؛ لما أراد الله (٢٩٥ /ب) من استئصال شأفتهم، وألا تبقى في المدينة لهم دار، ولا يوجد فيها منهم ديار. وقيل: تخريب بيوتهم بأيدي المؤمنين أن المؤمنين كانوا هم السبب، والفعل ينسب إلى المتسبب فيه والمعين عليه؛ كقولك: ضرب الأمير اللص. ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ من نصر الله المؤمنين وتمكينهم من تخريب ديارهم. وقيل: وعد رسول الله ﷺ أن يملكهم الله بلاد

стр. 1109

الكفار وأموالهم وحصونهم وإراحة المسلمين من مجاورتهم. ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)﴾ ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ وعوقبوا بالبعد عن ديارهم لما قنع لهم بالجلاء وكفى بالجلاء عن الأوطان عقوبة. ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ بالقتل؛ كما فعل بإخوانهم بني قريظة؛ يعني: إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة. ﴿مِنْ لِينَةٍ﴾ بيان ل ﴿ما قَطَعْتُمْ﴾ ومحل ﴿ما﴾ نصب ب ﴿قَطَعْتُمْ﴾ والتقدير: أي شيء قطعتم، وأنث الضمير العائد على ﴿ما﴾ في قوله: ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوها﴾ لأنه في معنى اللينة، واللينة: النخلة، من الألوان التي هي ضروب النخل، ما خلا العجوة والبرنية، وهما من أجود النخيل، وياؤها منقلبة عن واو لانكسار ما قبلها؛ كثياب ومياه. وقيل: اللينة: الكريمة؛ كأنهم اشتقوها من اللين وجمعها لين. وقرئ ﴿أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ (١) أي: قطعها بإذن الله ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ ليذلهم ويغيظهم؛ فإنهم قالوا: إن محمدا كان ينهانا عن الفساد في الأرض، فما بال النخيل تقطع وهي لم تذنب، فنزلت هذه الآية (٢). وفيها دليل على جواز الاجتهاد من رسول الله ﷺ فإنه نهاهم عن قطع النخيل، ثم أمر به وأذن فيه، واحتج به من يقول إن كل مجتهد مصيب (٣).

стр. 1110

﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ قوله تعالى: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ أي: جعله خاصة له فيئا. وأوجفت الدواب إذا أسرعت في السير؛ لأن هذا الفيء ما عاد إليهم بقتال، بل حصل للمسلمين بغير تعب؛ فهو لرسول الله ﷺ يصرفه كيف يشاء، وأتى بالواو في الأولى؛ لأنها عاطفة لها على جملة سابقة تماثلها، وأتى في الثانية بغير واو؛ لأنها كالتفسير والشرح. الدّولة والدّولة بمعنى واحد. وقيل: بضم الدال للشيء الذي يتداول؛ كاللقمة والغرفة. والدّولة بالفتح: المصدر، والمعنى أن الله (٢٩٦ /أ) تعالى أمر أن يكون الفيء للمصالح، ولا يفعل فيه كما يفعل الظلمة في اختصاصهم بمال الفيء. قوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾ أي: وما أعطاكم ﴿فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقيل: إن قوله: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾ عام في كل ما أمر به من القسمة وغيرها، وكذلك

стр. 1111

﴿وَما نَهاكُمْ عَنْهُ﴾ وهذا القول أجود؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ بدل من قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبى﴾ والمعطوف عليه، والذي منع الإبدال من ﴿فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ والمعطوف عليهما - وإن كان المعنى لرسول الله - أن الله أخرج رسوله من الفقراء في قوله: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وأنه يرتفع رسول الله ﷺ عن التسمية بالفقر، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ خلاف الواجب في تعظيم الله . قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ﴾ يعني: الأنصار، والمعنى: تبوءوا الدار، وأخلصوا لله الإيمان؛ لأن الإيمان لا يتبوأ؛ وكقوله [من الرجز]: علفتها تبنا وماء باردا (١) ... وقوله [من الوافر]: وزجّجن الحواجب والعيونا (٢) ... أي: وكحلن العيون. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل المهاجرين. وقيل: من قبل هجرتهم. قوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ أي: طلب محتاج إليه مما استأثر به المهاجرون من الفيء وغيره. والخصاصة: الفقر والحاجة مأخوذ من خصاص الباب، وهي شقوقه، وكان رسول الله ﷺ قد قسم أموال بني النضير على المهاجرين. ولم يعط الأنصار شيئا إلا ثلاثة نفر؛ صحابيين: أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل، والحارث بن الصمة، وقال للأنصار:" إن شئتم جمعنا أموالكم وهذه الغنيمة وقسمناها بينكم وبين المهاجرين، وإن شئتم أبقينا أموالكم لكم، وخصصنا هذه الغنيمة بالمهاجرين. فقالت الأنصار: بل نقسم لهم أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بهذه الغنيمة فلا نشاركهم فيها؛ فنزلت (٣). والشح: اللوم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع، كما قال [من الطويل]: يمارس نفسا بين جنبيه كزّة ... إذا هم بالمعروف قالت له مهلا (٤)

стр. 1112

وأضيف إلى النفس؛ لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (١) (٢٩٦ /ب) ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ ومن غلب نفسه على هواها فلم يطعها في المنع فذلك هو المفلح. ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١)﴾ ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف على المهاجرين، وهم الذين هاجروا من بعد المهاجرين الأولين قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا﴾ الآية. وقيل: هم التابعون بإحسان. ﴿غِلاًّ﴾ الغل والغمر والحقد [بمعنى] (٢). ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ﴾ حالفوهم على قتال المشركين معهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ الآيات، وقد استنبط من هذه الآية معنى حسن وهو أن من فعل فعلا أو قال قولا وهو يعتقد بطلانه فكان صحيحا وانتفع به المسلمون يكون عاصيا بذلك. وإن هؤلاء المنافقين وعدوا اليهود النصرة، وغشوهم في ذلك، فلما رأوا أنهم مغلوبون خذلوهم، وقصدوا بذلك الخذلان تخليصهم من عهدة اليمين، ولم يقصدوا نفع المسلمين فانتفع المسلمون بذلك الخذلان، وذم الله تعالى الكفار عليه. قوله: ﴿وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أي: في ترك نصرتكم، أو ترك خذلانهم. ﴿أَحَداً أَبَداً﴾ الآيات. ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (١٧)﴾

стр. 1113

قوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أي: على طريق الفرض والتقدير بعد قوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ الآية - فيه دليل على أن الله تعالى يعلم ما لا يكون؛ أن لو كان كيف يكون. قوله: ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ﴾ أي: المنافقون يولون مدبرين واليهود المحاربون أيضا منهزمون. قوله: ﴿رَهْبَةً﴾ مصدر للفعل المبني على ما لم يسم فاعله؛ كأنه قيل: لأنتم أشد مرهوبية. قوله: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ تلويح بنفاقهم؛ لأنهم يظهرون أنهم يخافون الله، وأنتم في صدورهم أهيب من خوف الله. فإن قيل: فيه دليل على أنهم كانوا يخافون الله، ولكن خوفهم منكم أشد، فجوابه: أن الخوف الذي يظهرونه من الله أضعف من الخوف الذي يخافونه منكم. ﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعلمون قدرة الله وعظمته حتى يخشوه حق خشيته. ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾ لا يقدرون على مقاتلتكم. ﴿جَمِيعاً﴾ مجتمعين يعني: اليهود والمنافقين، إلا كائنين ﴿فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ﴾ بالخنادق والدروب ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ يعني: إذا اقتتل بعضهم مع بعض ظهرت الجلادة والقوة، فإذا قاتلوكم حصل الرعب في قلوبهم. ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ متفرقة، يعني: أن بينهم إحنا وعداوة فلا يتعاضدون حق (٢٩٧ /أ) التعاضد، وهذا تشجيع لقلوب المؤمنين وحث على قتالهم. ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أن تشتيت القلوب يوقع الوهن وقلة الثبات. ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً﴾ أي: مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب. فإن قلت: بم انتصب ﴿قَرِيباً؟﴾ قلت: ب ﴿كَمَثَلِ﴾ على كوجود مثل أهل بدر. ﴿وَبالَ أَمْرِهِمْ﴾ سوء عاقبته، بمعنى: ذاقوا عذاب القتل في الدنيا ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة عذاب النار. مثّل المنافقين في إغرائهم اليهود وخذلانهم إياهم وقت الحاجة بحال الشيطان ﴿إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ﴾ ثم تبرأ منه عند الحاجة، والمراد به قوله لقريش يوم بدر: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ الآية (١) وقرئ: "خالدان فيها" (٢) على أنه خبر إنّ. كرر الأمر بالتقوى إما توكيدا، وإما لأن الأول في أداء الطاعات، والثاني في اجتناب المعاصي، والسياق يدل عليه.

стр. 1114

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ ﴿لِغَدٍ﴾ لأقرب الأيام إليك، ما زال يقرب أمر الساعة حتى جعلها غدا كأن الدنيا والآخرة يومان يوم وغد، وأمّا قوله: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾ نكرة، فلقلة الناظرين فيما عملوه وقدموه للآخرة، وأما تنكير الغد فلتعظيم أمره، وأنه يوم لا يقدر قدره. وقيل: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا؛ ربحنا ما قدمنا، خسرنا ما خلفنا. ﴿فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ فأهملوها إهمال الناسي؛ فلا ينظرون فيما قدموه ليوم القيامة، أو رأوا من أهوال الساعة ما نسوا به أمر الدنيا، جعلهم كالناسين فلا يدرون الفرق بين أهل الجنة وأهل النار. وقد استدل أصحاب الشافعي على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار إذا غلبوا على أموال المسلمين لم يملكوها، والغرض تقريع الإنسان على قلة تحفظه، وقلة نظره لنفسه (١). الغيب: المعدوم، والشهادة: الموجود المدرك؛ كأنه يشاهده. وقيل: ما غاب عن العباد وما شاهدوه. وقيل: السر والعلانية، القدوس: بالضم والفتح، وقد قرئ بهما (٢) البليغ في النزاهة عما يستقبح. ونظيره: السبوح والسلام بمعنى السلامة، وبه سميت الجنة دار السلام؛ بليغ في السلامة من الظلم، أو: في كونه سليما من النقائص، أو: في إعطائه السلامة، وقرئ: "المؤمن" بفتح الميم (٣). بمعنى: المؤمن به على حذف الجار. والمهيمن: الرقيب على كل شيء الحافظ له،

стр. 1115

مفيعل من الأمن؛ إلا أن همزته قلبت هاء. والجبار: أجبر خلقه على ما أراد. والمتكبر: البليغ الكبرياء والعظمة. وقيل: المتكبر عن ظلم العباد، والخالق: المقدر لما يريده، والبارئ: المميز بعضه من بعض بالأشكال المختلفة (٢٩٧ /ب) والمصور: الممثل الذي يخلق المصورات. وعن أبي هريرة ﵁: سألت رسول الله ﷺ عن اسم الله الأعظم فقال: "عليك بآخر سورة الحشر؛ فأعدت عليه فأعاد عليّ، فأعدت عليه فأعاد" (١). ***

стр. 1116

تفسير سورة الممتحنة [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)﴾ روي: أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة أتت رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يتجهز للفتح فقال لها: أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: أفمهاجرة جئت؟ قالت: لا قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ذهب الموالي؛ تعني: قتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجة شديدة؛ فحث عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة فأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا واستحملها كتابا إلى أهل مكة نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: اعلموا أن رسول الله ﷺ يريدكم؛ فخذوا حذركم، فخرجت سارة، ونزل جبريل بالخبر؛ فبعث رسول الله ﷺ عليا وعمارا وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد، وكانوا فرسانا، وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها، فجحدت وحلفت وهموا بالرجوع؛ فقال علي: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله ﷺ وسل سيفه، وقال: أخرجي الكتاب، أو فضعي رأسك؛ فأخرجته من عقاص شعرها (١). وروي أن رسول الله ﷺ أمن يوم الفتح جميع الناس إلا أربعة هي أحدهم، فاحتضر رسول الله ﷺ حاطبا، وقال: "ما حملك على ذلك؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت، وما غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم مذ فارقتهم، ولكني كنت امرءا ملحقا في قريش، ورأوني غريبا، وعرفت أن كتابي لا يغني عنهم من الله شيئا؛ فصدقه وقبل عذره؛ فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: ما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ففاضت عينا عمر، وقال:

стр. 1117

الله ورسوله أعلم، فنزلت (١). والعدوّ: من عدا؛ كالعفو من عفا، ولكونه على زنة المصدر؛ عومل معاملته وأوقع على الجمع إيقاعه على الواحد. ويتعلق ﴿تُلْقُونَ﴾ بالضمير في ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ وكان القياس (٢٩٨ /أ) حيث رجع الضمير إلى غير من هو له أن يقال: [تلقون إليهم أنتم] (٢)، وذلك إنما اشترط في الأسماء دون الأفعال، ولو قلت: ملقين إليهم بالمودة. لما كان بد من الضمير البارز، وقوله: ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ أصله: تلقون إليهم المودة، والباء زائدة؛ كما في قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٣) على أن مفعول ﴿تُلْقُونَ﴾ محذوف، والتقدير: تلقون إليهم أخبار النبي ﷺ بسبب المودة التي كانت بينكم؛ وكذلك قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾. وقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ متعلق إما ب ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ أو بقوله: ﴿تُلْقُونَ﴾. وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ كالتفسير لكفرهم وعتوهم، أو حال من" كفروا "و ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ تعليل ل ﴿يُخْرِجُونَ﴾ أي: يخرجونكم لإيمانكم، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً﴾ تعليل لقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ وهو شرط وجوابه محذوف دل عليه ما سبق. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ﴾ ومن يفعل هذا الإسرار فقد أخطأ طريق الحق والصواب. وقرأ الجحدري ﴿بِما جاءَكُمْ﴾ مخففا (٤) أي: كفروا لأجل ما جاءكم؛ بمعنى: أن ما كان ينبغي أن يكون سبب إيمانهم جعلوه سببا لكفرهم. ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)﴾ ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ إن يظفروا بكم، لا تحصل الصداقة ولا تفيد المودة القديمة، وجاء ﴿يَثْقَفُوكُمْ﴾ بالفعل المضارع، وجاء بعده ﴿وَوَدُّوا﴾ ماضيا؛ لأن الماضي إذا وقع في الشرط صار مستقبلا؛ كأنه قال: وودوا قبل كل شيء كفركم. ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾

стр. 1118

﴿وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾ خطأ رأيهم في موالاة الكفار بما يرجع إلى حال من والوه أولا، ثم ما يرجع إلى حال من اقتضى تلك الموالاة ثانيا؛ ليريهم أن ما أقدموا عليه من أي جهة نظرت إليه وجدته باطلا أي: كان فيهم مذهب حسن مرضي يتأسى به، ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا؛ حيث كاشفوهم العداوة، وأظهروا البغضاء والمقت؛ حيث صرحوا بأنه ما كان من العداوة والبغضاء ليس إلا لكفرهم، ومتى دام هذا السبب دامت العداوة، حتى إذا آمنوا بالله وحده انقلبت العداوة مودة والبغضاء محبة، ولما نزلت هذه الآية تشدد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقاربهم من الكفار، وعلم الله منهم الجد والصبر على تلك المشقة؛ فوعدهم بتيسر أمر المحبة وزوال العداوة بقوله: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ الآية. فلما فتح الله مكة أسلم خلق كثير من أهلها، وزالت الحقود وتحابوا. وقيل: هو تزويج رسول الله ﷺ (٢٩٨ /ب) أم حبيبة بنت أبي سفيان فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان، وكانت أم حبيبة قد أسلمت، وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصر وأرادها على النصرانية فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي فخطبها وساق عنه إليها أربعمائة دينار، وبلغ ذلك أباها أبا سفيان، فقال: ذلك الفحل لا يقدع أنفه (١). ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾

стр. 1119

﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ و ﴿عَسَى﴾ وعد من الله على عادات الملوك؛ حيث يقولون في بعض الحوائج: عسى، ولعل، فلا يبقى عند المحتاج شبهة في ذلك، أو قصد به إطماع المؤمنين. ﴿وَاللهُ قَدِيرٌ﴾ على تقليب القلوب وتغيير الأحوال. ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ و ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بدل مما قبلهما. ﴿إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ﴾ سماهن مؤمنات لتصديقهن في الظاهر. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وكان النبي ﷺ يقول للممتحنة:" بالله الذي لا إله إلا هو، ما خرجت من بغض زوج؟ بالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض؟ بالله ما خرجت التماس دنيا؟ بالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله " (١). ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ فإن خبرتم أحوالهن فلا تردوهن إلى الكفار؛ فإنه لا يحل للمرأة أن تبقى على نكاح كافر، ولا لكافر مشرك أن يبقي مسلمة في عصمته، وأراد ب " علمتموهن "الخبرة بقدر الطاقة. ﴿وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا﴾ وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور، وذلك أن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم، ومن أتاهم منكم لم يرد إليكم، وكتبوا بذلك كتابا وختموه؛ فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة، والنبي ﷺ بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر المخزومي. وقيل: صيفي بن الراهب؛ فقال: يا محمد، اردد إليّ امرأتي؛ فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف؛ فنزلت بيانا؛ لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء. وقيل: كان الشرط بين النبي ﷺ وبين المشركين عهد ألا يأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا؛ فإن دخلت في دينك ولها زوج أن تردّ على زوجها الذي أنفق عليها، والنبي ﷺ ينزل عليه من السماء مثل ذلك. وقيل: نسخ هذا الحكم، واستحلفها رسول الله ﷺ (٢٩٩ /أ)

стр. 1120

بإعطاء زوجها ما أنفق، وتزوجها عمر (١). وأراد بالعلم في ﴿عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ غلبة الظن بالقرائن والاختبار التام، ثم نفى الحرج في تزويج المهاجرات إذا آتوهن أجورهن بقوله: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ هذا مذهب الشافعي، وأنه لا بد أن تعتد المرأة المهاجرة، وعند أبي حنيفة: أنه لا يجوز إخلاء النكاح عن الصداق، ولا عدة على مهاجرة (٢). ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ العصمة: ما يعتصم به من عقد وسبب. وعن مجاهد: أمرهن بطلاق من بقي في دار الحرب منهن (٣) ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ﴾ من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار. ﴿وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا﴾ من مهور نسائهم المهاجرات. ﴿ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ يعني ما ذكره في الآية. ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ بكلام مستأنف، أو حال من ﴿حُكْمُ اللهِ﴾ على حكم الضمير، أي: يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكما على المبالغة. ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ وروي: أنه لما نزلت أدى المؤمنون ما أمروا به من أداء مهور المهاجرات المؤمنات إلى أزواجهن المشركين، وأبي المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين؛ فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ﴾ أي: وإن سبقكم شيء وانفلت منكم زوج من أزواجكم، عبر عنه بالشيء، وعدل عن ﴿أَحَدٍ *﴾ لأن مراده أن يترك شيء من هذا الجنس، وهي الزوجة المرتدة. ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ من العقبة، وهي النوبة. ﴿فَآتُوا﴾ فأعطوا من ذهبت امرأته

стр. 1121

مثل ما ساق إليها من المهر. قيل: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ست؛ فأعطى رسول الله ﷺ لأزواجهن مهورهن من الغنائم. ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ يريد وأد البنات ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك فذلك هو البهتان؛ لأن بطنها الذي يحل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد به بين رجليها. ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ في الذي تأمر به من المحسنات وتنهي عنه من المقبحات، وقيل: كل ما وافق طاعة الله فهو معروف وإنما قال: ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ ومعلوم أنه ﷺ لا يأمر بالمنكر؛ ليدل على أنه لا طاعة للآمر بالعصيان، وروي أن رسول الله ﷺ لما فرغ (٢٩٩ /ب) من مبايعة الرجال جلس على الصفا يبايع النساء، وعمر أسفل منه يبلغهن ما يقول رسول الله ﷺ فقال:" أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئا، فقالت هند - وكانت واقفة متنكرة؛ لأنها مثلت بعم رسول الله ﷺ حمزة يوم أحد -: ما قمنا في هذا المقام وفي أنفسنا أن نشرك بالله شيئا. فقال: ولا تسرقن، فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما آخذ منه سرا، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فقال: ولا تزنين، فقالت: أو تزني الحرة؟! فقال: ولا تقتلن أولادكن، فقالت: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، وكان حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، وكانت هند قد آلت على نفسها لتمثلن بحمزة؛ فإنه قتل ولدها حنظلة فشقت عن قلبه، وأخرجت كبده فمضغتها، وأرادت أن تبتلعها فلم تقدر؛ فلفظتها، وإنما قالت: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا؛ لعلمها أن رسول الله ﷺ متألم لما جرى على عمه من المثلة؛ فذكرته ﷺ بالسبب الذي حملها على ذلك، فسري عنه بعض التسرية، وتبسم واستغرب عمر في الضحك " (١). وقالت عائشة:" بايع النساء بلفظه، والله ما مست يده يد امرأة غير أزواجه قط " (٢). وقيل: غسل يديه ووجهه في قعب (٣) مملوء ماء، وكل من بايعت غمست يدها في ذلك

стр. 1122

الماء (١). وقيل: كان عمر يصافحهن عنه (٢). روي أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من بعض ثمارهم فقيل لهم: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أن يكون لهم حظ في الآخرة ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ﴾ من أن يبعثوا أحياء. وقيل: ﴿مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ بيان للكفار، والتقدير: كما يئس الكفار الذين هم في القبور أن ينالهم خير. ***

стр. 1123

تفسير سورة الصف [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ تسقط ألف ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر؛ طلبا للخفة؛ نحو: فيم وبم ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (١) ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ (٢) ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ (٣) ويوقف عليها بالهاء ويجوز أن يوقف عليها ساكنة. وقيل: إن المؤمنين طلبوا أن يفترض عليهم القتال وقالوا: نبذل نفوسنا وأموالنا، فأوجب الله ذلك عليهم، ففروا يوم أحد، فعيرهم الله. واللفظ عام في كل من أخلف بفعله قوله: (٣٠٠ /أ). وقيل: أبلى رجل من المشركين في المسلمين فابتدره صهيب فقتله، وانتحل قتله رجل آخر، فقال عمر لصهيب: أنت الذي قتلته. فحدث به النبي ﷺ ، فقال له صهيب: إنما قتلته لله ولرسوله؛ فقال عمر: يا رسول الله ما قتله إلا صهيب؛ فقال النبي ﷺ : "أكذلك يا أبا يحيى؟ فنزلت في ذلك الرجل الذي ادّعى قتله (٤). وقيل: كان الرجل يقول: قتلت وطعنت ولم يفعل، فنزلت. وقيل: نزلت في المنافقين وأما نداؤهم بالإيمان فهو استهزاء بهم وتهكم. ﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾ هذا كلام فيه معنى التعجب، وليس من ألفاظ التعجب في شيء؛ كقوله [من الطويل]: وجارة جسّاس أبأنا بنابها ... كليبا غلت ناب كليب بواؤها (٥)

стр. 1124

ومعنى هذا التعجب تعظيم الأمر في نفوس السامعين؛ لأن التعجب إنما يكون في شيء خارج عن أشكاله ونظائره، ونصب المقت على التمييز إشعار تعظيم شأن ذلك؛ لأن المقت أشد البغض وأبلغه، وقد وصفه مع ذلك بالكبر، وإذا كبر عند الله تم استحقاق العقوبة عليه. وذكر المحبة بعد ذكر المقت لأولئك كأنه جعلهم في طرفي نقيض. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)﴾ ﴿صَفًّا﴾ صفوا أنفسهم أو صفهم صاف حتى وقفوا بغير خلل ولا فرجة بينهم، ويجوز أن يراد أنهم تساووا في الصف حتى كأنهم بنيان قد رصف بعضه إلى بعض؛ مثل لاتفاق ثباتهم في القتال. قالوا: وفيه دليل على استحباب القتال راجلا؛ لأن ركبان الخيل لا يمكنهم أن يصطفوا كذلك. وقوله: ﴿صَفًّا﴾ كأنهم حالان متداخلتان.

стр. 1125

و ﴿وَإِذْ﴾ منصوب بإضمار اذكر، أو حينما قال لهم جرى كيت وكيت. كانوا يؤذون موسى ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ (١). ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي﴾ وقد علمتم، أي: تؤذونني عالمين علما يقينيا أني رسول الله إليكم، وذلك يقتضي تعظيمي وتوقيري؛ لا أن تؤذوني لأن من عظم رسول الله ﷺ فقد عظم الله، ومن آذاه كان الوعد لا حقا به. ﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ عن الحق طبع الله على قلوبهم. روي أن الحواريين قالوا: يا روح الله، هل بعدنا أمة؟ قال: نعم أمة أحمد؛ حكماء علماء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله بالقليل من الرزق ويرضى منهم باليسير من العمل (٢). وانتصب ﴿مُصَدِّقاً﴾ و ﴿وَمُبَشِّراً﴾ على الحال أي: بعثت إليكم في حال تصديقي وتبشيري. ولا يجوز أن يعمل شيئا؛ لأن حروف الجر (٣٠٠ /ب) لا تعمل بأنفسها، إنما تعمل بما تضمنته من العامل الذي فيه رائحة الفعل. مثلت حالهم بحال من ينفخ في ضوء الشمس ليطفئه ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: ينصر الحق ويبلغ بحرمته حدّها. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)﴾ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: بالحجة. وقيل: هو إذا نزل عيسى حكم حكما عادلا، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام. قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ استئناف؛ كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ قال: تؤمنون، وهو خبر معناه الأمر، ولهذا أجيب بقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ مجزوما، وإنما جاء لفظة ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ على الخبر ولم يأت به على الأمر إعلاما أن هذا الإيمان والجهاد طريق موصل إلى الجنة قطعا وكذلك قول الداعي: غفر الله لك؛ كأن الدعاء استجيب؛ فهو يخبر
следующие страницы →