← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

مثل ما ساق إليها من المهر. قيل: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ست؛ فأعطى رسول الله ﷺ لأزواجهن مهورهن من الغنائم. ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ يريد وأد البنات ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك فذلك هو البهتان؛ لأن بطنها الذي يحل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد به بين رجليها. ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ في الذي تأمر به من المحسنات وتنهي عنه من المقبحات، وقيل: كل ما وافق طاعة الله فهو معروف وإنما قال: ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ ومعلوم أنه ﷺ لا يأمر بالمنكر؛ ليدل على أنه لا طاعة للآمر بالعصيان، وروي أن رسول الله ﷺ لما فرغ (٢٩٩ /ب) من مبايعة الرجال جلس على الصفا يبايع النساء، وعمر أسفل منه يبلغهن ما يقول رسول الله ﷺ فقال:" أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئا، فقالت هند - وكانت واقفة متنكرة؛ لأنها مثلت بعم رسول الله ﷺ حمزة يوم أحد -: ما قمنا في هذا المقام وفي أنفسنا أن نشرك بالله شيئا. فقال: ولا تسرقن، فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما آخذ منه سرا، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فقال: ولا تزنين، فقالت: أو تزني الحرة؟! فقال: ولا تقتلن أولادكن، فقالت: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، وكان حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، وكانت هند قد آلت على نفسها لتمثلن بحمزة؛ فإنه قتل ولدها حنظلة فشقت عن قلبه، وأخرجت كبده فمضغتها، وأرادت أن تبتلعها فلم تقدر؛ فلفظتها، وإنما قالت: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا؛ لعلمها أن رسول الله ﷺ متألم لما جرى على عمه من المثلة؛ فذكرته ﷺ بالسبب الذي حملها على ذلك، فسري عنه بعض التسرية، وتبسم واستغرب عمر في الضحك " (١). وقالت عائشة:" بايع النساء بلفظه، والله ما مست يده يد امرأة غير أزواجه قط " (٢). وقيل: غسل يديه ووجهه في قعب (٣) مملوء ماء، وكل من بايعت غمست يدها في ذلك

стр. 1122

الماء (١). وقيل: كان عمر يصافحهن عنه (٢). روي أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من بعض ثمارهم فقيل لهم: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أن يكون لهم حظ في الآخرة ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ﴾ من أن يبعثوا أحياء. وقيل: ﴿مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ بيان للكفار، والتقدير: كما يئس الكفار الذين هم في القبور أن ينالهم خير. ***

стр. 1123

تفسير سورة الصف [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ تسقط ألف ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر؛ طلبا للخفة؛ نحو: فيم وبم ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (١) ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ (٢) ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ (٣) ويوقف عليها بالهاء ويجوز أن يوقف عليها ساكنة. وقيل: إن المؤمنين طلبوا أن يفترض عليهم القتال وقالوا: نبذل نفوسنا وأموالنا، فأوجب الله ذلك عليهم، ففروا يوم أحد، فعيرهم الله. واللفظ عام في كل من أخلف بفعله قوله: (٣٠٠ /أ). وقيل: أبلى رجل من المشركين في المسلمين فابتدره صهيب فقتله، وانتحل قتله رجل آخر، فقال عمر لصهيب: أنت الذي قتلته. فحدث به النبي ﷺ ، فقال له صهيب: إنما قتلته لله ولرسوله؛ فقال عمر: يا رسول الله ما قتله إلا صهيب؛ فقال النبي ﷺ : "أكذلك يا أبا يحيى؟ فنزلت في ذلك الرجل الذي ادّعى قتله (٤). وقيل: كان الرجل يقول: قتلت وطعنت ولم يفعل، فنزلت. وقيل: نزلت في المنافقين وأما نداؤهم بالإيمان فهو استهزاء بهم وتهكم. ﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾ هذا كلام فيه معنى التعجب، وليس من ألفاظ التعجب في شيء؛ كقوله [من الطويل]: وجارة جسّاس أبأنا بنابها ... كليبا غلت ناب كليب بواؤها (٥)

стр. 1124

ومعنى هذا التعجب تعظيم الأمر في نفوس السامعين؛ لأن التعجب إنما يكون في شيء خارج عن أشكاله ونظائره، ونصب المقت على التمييز إشعار تعظيم شأن ذلك؛ لأن المقت أشد البغض وأبلغه، وقد وصفه مع ذلك بالكبر، وإذا كبر عند الله تم استحقاق العقوبة عليه. وذكر المحبة بعد ذكر المقت لأولئك كأنه جعلهم في طرفي نقيض. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨)﴾ ﴿صَفًّا﴾ صفوا أنفسهم أو صفهم صاف حتى وقفوا بغير خلل ولا فرجة بينهم، ويجوز أن يراد أنهم تساووا في الصف حتى كأنهم بنيان قد رصف بعضه إلى بعض؛ مثل لاتفاق ثباتهم في القتال. قالوا: وفيه دليل على استحباب القتال راجلا؛ لأن ركبان الخيل لا يمكنهم أن يصطفوا كذلك. وقوله: ﴿صَفًّا﴾ كأنهم حالان متداخلتان.

стр. 1125

و ﴿وَإِذْ﴾ منصوب بإضمار اذكر، أو حينما قال لهم جرى كيت وكيت. كانوا يؤذون موسى ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ (١). ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي﴾ وقد علمتم، أي: تؤذونني عالمين علما يقينيا أني رسول الله إليكم، وذلك يقتضي تعظيمي وتوقيري؛ لا أن تؤذوني لأن من عظم رسول الله ﷺ فقد عظم الله، ومن آذاه كان الوعد لا حقا به. ﴿فَلَمّا زاغُوا﴾ عن الحق طبع الله على قلوبهم. روي أن الحواريين قالوا: يا روح الله، هل بعدنا أمة؟ قال: نعم أمة أحمد؛ حكماء علماء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله بالقليل من الرزق ويرضى منهم باليسير من العمل (٢). وانتصب ﴿مُصَدِّقاً﴾ و ﴿وَمُبَشِّراً﴾ على الحال أي: بعثت إليكم في حال تصديقي وتبشيري. ولا يجوز أن يعمل شيئا؛ لأن حروف الجر (٣٠٠ /ب) لا تعمل بأنفسها، إنما تعمل بما تضمنته من العامل الذي فيه رائحة الفعل. مثلت حالهم بحال من ينفخ في ضوء الشمس ليطفئه ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي: ينصر الحق ويبلغ بحرمته حدّها. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)﴾ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: بالحجة. وقيل: هو إذا نزل عيسى حكم حكما عادلا، ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام. قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ استئناف؛ كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ قال: تؤمنون، وهو خبر معناه الأمر، ولهذا أجيب بقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ مجزوما، وإنما جاء لفظة ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ على الخبر ولم يأت به على الأمر إعلاما أن هذا الإيمان والجهاد طريق موصل إلى الجنة قطعا وكذلك قول الداعي: غفر الله لك؛ كأن الدعاء استجيب؛ فهو يخبر

стр. 1126

عن ذلك. وقال الفراء (١): ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ مجزوم بجواب قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ وهو بعيد؛ لأن "هل" حرف ليس فيه معنى الفعل، فلا جواب له وتأويله أنه دال على دلالته على الأمر بذلك (٢). وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تقديره: إن علمتم ذلك خير فإنكم إذا علمتم ذلك أحببتم الإيمان والجهاد أكثر مما تحبونه قبل ذلك. وفي قوله: ﴿تُحِبُّونَها﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجل. قوله: ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ قيل: هو فتح مكة. وقيل: بلاد فارس والروم. ﴿كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ والمراد: كونوا أنصارا لله كما كان الحواريون أنصار عيسى، متوجها إلى نصرة الله أو ذاهبا إليها، ولا يجوز أن يكون: من أنصاري مع الله؛ لأنه لا يطابق كلام عيسى، والحواريون أصفياء عيسى وأول من آمن به (٣). ﴿فَأَيَّدْنَا﴾ مؤمنيهم على كفارهم ﴿فَأَصْبَحُوا﴾ غالبين. ***

стр. 1127

تفسير سورة الجمعة [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ قرئت صفات الله بالرفع (١) على المدح، أي: هو الملك القدوس، ولو قرئ بالنصب لجاز (٢) كقول العرب: الحمد لله أهل الحمد. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من الشرك، ومن قبائح أفعال الجاهلية. و ﴿الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ القرآن والسنة. و "إن" في قوله - تعالى -: ﴿وَإِنْ كانُوا﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام في قوله "لفي" هي الفارقة بين النافية والمخففة. ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ معطوف على ﴿الْأَمِينُ﴾. وسئل رسول الله ﷺ عن الذين يجيئون من بعدهم يلحقون بهم فوضع يده على رأس سلمان وقال: "لو كان الدين في الثريا لناله رجال من هؤلاء" (٣).ويجوز (٣٠١ /أ) أن ينتصب ﴿وَآخَرِينَ﴾ عطفا على المضمر المنصوب في "ويعلمهم" أي: ويعلم آخرين. شبهت اليهود في ابتداء أخذهم بالتوراة ثم لم يعملوا بما فيها بالحمار الحامل لكتب لا يدري ما فيها ولا يحس إلا بثقل الحمل، وكل من علم ولم يعمل بعلمه فالحمار مثله. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ﴾

стр. 1128

﴿أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ ﴿بِئْسَ﴾ مثلا ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بالآيات الدالة على نبوة محمد ﷺ . ومعنى ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ كلفوا العلم بها والعمل ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ ثم لم يعملوا بها؛ فكأنهم لم يحملوها. ومحل ﴿يَحْمِلُ﴾ نصب؛ أي: حملوها كالحمار حامل الأسفار، ويجوز أن يكون محله جرا؛ نعتا للحمار؛ لأنه لم يقصد حمار بعينه؛ إنما أراد هذا الجنس فهو نكرة؛ فكأنه قال: كمثل حمار حامل للأسفار. دخلت الفاء في قوله: ﴿فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ لأن الكلام فيه معنى الشرط، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ (١). حاصله: أن دخول "إن" لا يمنع من دخول الفاء في الخبر؛ بخلاف ليت ولعل (٢). [يوم الجمعة: يوم الفوج المجموع] (٣) فإن الفعلة: الذي يفعل به الفعل؛ فإذا قلت:

стр. 1129

رجل ضحكة؛ فهو يضحك منه، وإذا قلت: لعنة فهو يلعن، وأما إذا قلت: ضحكه فهو يضحك من غيره، وإذا قلت: لعنة فهو يلعن غيره، ومثله الهمزة واللمزة. قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ تفسير ل" إذا "والمراد الأذان عند قعود الإمام على المنبر، وكان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد وكان إذا جلس الرسول ﷺ على المنبر أذن المؤذن (١). وقيل: كذب الله اليهود في ثلاثة دعاوى: أحدها: قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه؛ فكذبهم بقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً﴾ وافتخروا بأن لهم كتابا؛ فنزلت ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ (٢) وافتخروا بيوم السبت؛ فقال النبي ﷺ :" خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة " (٣). ﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: فامضوا، ليس المراد السعي على الأقدام، والسعي: العمل ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ (٤) ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ (٥) أراد النهي عن كل ما يشغل عن ذكر الله، لم يأمرهم بتجارة ولا كسب، وإنما أمرهم بالتوفر على العبادة وعيادة المرضى وزيارة أخ في الله وشبهه. وقيل: طلب العلم. وقيل: صلاة التطوع. ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١)﴾ روي أن أهل المدينة (٣٠١ /ب) أصابهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية بن خليفة

стр. 1130

الكلبي بتجارة من زيت الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقاموا إليه خشوا أن يسبقوا إليه، فما بقي معه إلا يسير. قيل: ثمانية، وأحد عشر، واثنا عشر، وأربعون؛ فقال ﵇:" والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا " (١). وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق؛ فهو المراد باللهو. وعن قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير (٢). ***

стр. 1131

تفسير سورة المنافقون [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ أرادوا بقولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ شهادة واطأت قلوبهم فيها ألسنتهم؛ فقال الله : قالوا ذلك ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ أن الأمر كما يدلّ عليه قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ،﴾ ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ﴾ إنهم ﴿لَكاذِبُونَ﴾ في قولهم ﴿نَشْهَدُ﴾ وادعائهم فيه المواطأة، وأنهم كاذبون فيه، لأنه إذا خلا عن المواطأة لم تكن شهادة في الحقيقة، فهم كاذبون في تسميته شهادة، أو أراد: والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم: إنك لرسول الله كذب. فإن قلت: أي فائدة في قوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾؟ قلت: لو قال:" نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم لكاذبون "لكان يوهم أن قولهم هذا كذب، فوسط بينهما قوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ليميط هذا الإيهام. يجوز أن يكون قوله: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ﴾ قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ فجعل هذا اللفظ يمينا، وقد اختلف فيه العلماء؛ فبعضهم يقول: هو يمين إذا نواها. وقيل: اتخذوا أيمانهم في معاملاتهم وأحوالهم أن يحلفوا بالله كاذبين. وقوله: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ والمنافقون لم تكن لهم حالة إيمان قط - معناه: أنهم آمنوا، أي: نطقوا بالإيمان كما ينطق به المؤمنون المخلصون، أو نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، وبالكفر عند الكافرين؛ استهزاء بالإسلام؛ كقوله: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا *﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١) ويجوز أن يراد أهل الردة منهم. ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ﴾ كان عبد الله بن أبي بن سلول جميل الصورة ممتلئ الجسم، فصيح اللسان، وكانوا يجلسون مع رسول الله ﷺ في المسجد مستندين. قيل: إن (٣٠٢ /أ) الخشب إنما ينتفع به إذا كان مستندا إلى شيء؛ بأن يكون سعفا لجدران تحمله أو أبواب مغلقة، فما دام خاليا كان مسندا إلى الحائط؛

стр. 1132

فشبه المنافقين في قلة نفعهم بالخشب المسند إلى الحائط؛ فإنه في الغالب لا ينتفع به كذلك. ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ﴾ يا محمد وأصحابك. وقيل: كان من رآهم وأبصر حسن هيئتهم أعجبهم صورهم وهيئتهم. قوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لجبنهم واستشعارهم الخوف ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ (١) وقد أخذ الأخطل (٢) هذا المعنى فقال [من الكامل]: ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليهم ورجالا (٣) فيوقف على ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ويبتدئ: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ أي: الكاملون في العداوة؛ لأن أعدى الأعداء قد يحبّك ويظهر لك المحبة. ويجوز أن يكون: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ المفعول الثاني؛ كما لو طرح الضمير فقال: يحسبون كل صيحة عليهم العدوّ. وروي أن رسول الله ﷺ حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهزمهم وقتل منهم ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد؛ أجير لعمر يقود فرسه، وسنان الجهني؛ حليف لعبد الله بن أبي، فاقتتلا فصرخ جهجاه: يا للمهاجرين وسنان: يا للأنصار؛ فأعان جهجاها جعال (٤)؛ من فقراء المهاجرين ولطم سنانا؛ فقال عبد الله: أجعال وأنت

стр. 1133

هناك، وقال: ما صحبنا محمد إلا لنلطم، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال: سمّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ؛ يعني بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله ﷺ ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركب رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا عنكم، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد؛ فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل المنقّص في قومك، ومحمد في عز من الرحمن، وقوة من المسلمين؛ فقال لزيد بن أرقم: اسكت؛ فإنما كنت ألعب. فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال عمر: دعني أضرب عنق المنافق يا رسول الله؛ فقال: إذن ترعد أنوف كثيرة بيثرب، قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري فمر أنصاريا؛ فقال: فكيف! إذن تحدّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وقال ﵇ لعبد الله: أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟ قال: والله الذي أنزل عليك الكتاب (٣٠٢ /ب) ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، فهو قوله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾ فقال الحاضرون: يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا نصدق عليه كلام غلام لعله قد وهم (١). وروي أن رسول الله ﷺ قال له: "لعلك غضبت عليه. قال: لا. قال: لعله أخطأ سمعك. قال: لا. قال: فلعله شبه عليك. قال: لا. فلما نزلت لحق رسول الله ﷺ زيدا من خلفه فعرك أذنه، وقال: وفت أذناك يا غلام، إن الله قد صدقك، وكذب المنافق. فلما أراد عبد الله أن يدخل المدينة اعترضه ابنه حباب - وهو عبد الله بن عبد الله، غيّر رسول الله ﷺ اسمه، وقال: إن حبابا اسم شيطان، وكان مخلصا - وقال: والله لا تدخلها حتى تقول: رسول الله الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيسا في يده حتى أمره رسول الله ﷺ بتخليصه (٢). وروي أنه قال: لئن لم تقر لرسول الله بالعزة لأضربن عنقك؛ فقال: ويحك أفاعل أنت؟ قال: نعم، فلما رأى منه الجد قال: أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال رسول الله ﷺ لابنه:" جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا " (٣). ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾

стр. 1134

﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)﴾ فلما بان كذب عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك؛ فلوّى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت، وما بقي إلا أن أسجد لمحمد. فنزلت ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا﴾ الآيات، ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات (١). ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لأنهم كفار فلا تقبل عبادتهم؛ لأن الله تعالى لا يتقبلها منهم. ﴿وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو يرزق من يشاء ما يشاء. ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ قيل: الصلوات الخمس (٢). وقيل: عن ذكر الله بالتسبيح والتقديس. وقيل: القرآن. وقيل: الجهاد في سبيل الله (٣). ﴿ما رَزَقْناكُمْ﴾ للتبعيض. ***

стр. 1135

تفسير سورة التغابن [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾ ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ قدم المجرور ليدل على اختصاص الملك والحمد بالله، والاختصاص حاصل؛ لأن جميع النعم منه، وهو الذي يعطي الملك من يشاء. قوله: ﴿فَمِنْكُمْ﴾ وقدم الكفر؛ لأنه الأغلب والأكثر ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) (٣٠٣ /أ) ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (٢) قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ مصحوبة بالحق. أخبر بعلمه بجميع ما في السماوات والأرض ليزيد القلوب مهابة وتعظيما لجلاله فلا تقدم على معصيته. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ الخطاب لكفار مكة؛ لم يقنع بالجزاء في الدنيا وبما ذاقواه من الوبال حتى أضاف له العذاب في الآخرة. ﴿بِأَنَّهُ﴾ الهاء ضمير الشأن والقصة ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ أنكروا أن يكون الرسول بشرا وأجازوا أن يكون الإله حجرا.

стр. 1136

﴿وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ أطلق ليتناول كل شيء. ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الزعم: نسبة القول إلى الشخص مع البراءة من عهدته، ويتعدى إلى مفعولين، و ﴿أَنْ﴾ مع ما في حيزها سدت مسد مفعول" زعم "و ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أهل مكة. ﴿بَلى﴾ إثبات لما بعد" أن "وهو البعث. ﴿وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، وعني بالرسول محمدا ﷺ وبالنور القرآن، وانتصب اليوم إما بقوله:" لتنبؤن "أو ب" خبير "لما فيه من معنى الوعيد، أو بإضمار" اذكر ". ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون. ﴿التَّغابُنِ﴾ مأخوذ من مغابنة المتعاملين؛ كل واحد منهما يغبن صاحبه، ويوم القيامة يصير الغابن مغبونا والمغبون غابنا، وفي الحديث:" ما من عبد يدخل الجنة إلا رأى مقعده من النار لو كان أساء ليزداد إيمانا، وما من عبد يدخل النار إلا يرى مقعده من الجنة لو كان أحسن ليزداد حسرة " (١). ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يشرح صدره للأعمال الصالحات. وقيل: هو قول الرجل عند المصيبة لا حول ولا قوة إلا بالله. وقيل: يهدي قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ وتقديم المجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللهِ﴾ يدل على الاختصاص عند الزمخشري (٢) وعلى الاهتمام عند غيره. إن بعض الأزواج يعادين أزواجهن إما لقلة الإنفاق، أو لاختلاف التدبير والرأي وكذلك الأولاد والضمير في قوله: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ للأزواج والأولاد ﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾ عنهم إذا اطلعتم على عداوة ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾ يغفر لكم.

стр. 1137

وقيل: إن ناسا أرادوا الهجرة فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا: تهاجرون وتضيعوننا؟ فرقوا لهم ووقفوا؛ فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم (٣٠٣ /ب) قد تفقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوهم؛ فزين الله لهم العفو. وقيل: كان عوف بن مالك الأشجعي ذا أهل وولد فإذا أراد أن يغزو تعلقوا به وبكوا فهم بأذاهم؛ فنزلت (١). ﴿فِتْنَةٌ﴾ بلاء ومحنة؛ لأنهم يوقعون في الإثم ألا ترى أن قوله: ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وفي الحديث:" يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: أكل عياله حسناته " (٢). وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وقيل: إذا جاء وقت الجهاد والهجرة فلا يثبطكم الأولاد والأزواج عنه. ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ حقيقته أن ﴿مَا﴾ مصدرية، وإن سبكت وصارت مصدرا أضمرنا قبل المصدر ظرفا أو حالا. ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ﴾ تلطف في استدعاء الصدقة بجعلها قرضا ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ بالزيادة إلى ما يشاء. ﴿شَكُورٌ﴾ يفعل ما يفعله المبالغ في الشكر من إجزال العطاء. ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل بالعقوبة. ***

стр. 1138

تفسير سورة الطلاق [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢)﴾ أفرد النبي بالنداء ثم جمع الضمير في قوله: ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ﴾ و ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ لأن الخطاب مع النبي خطاب مع أمته إظهارا لتقدمه. ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ﴾ إذا أردتم طلاقهن؛ كقوله ﵇:" من قتل قتيلا فله سلبه " (١). والقتيل لا يقتل؛ ومن ثم كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي (٢). قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: مستقبلات الاعتداد. وقرئ:" في قبل عدتهن " (٣) وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للحيض الأول فقد طلقت مستقبلة للعدة؛ فإن الأقراء عند أبي حنيفة الحيض؛ لقوله ﷺ :" دعي الصلاة أيام أقرائك " (٤).أي: أيام حيضك، وطلاق السنة: أن يطلق الرجل المرأة في زمن طهر لم يجامعها فيه. ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ واضبطوها. ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ من مساكنهن التي وقعت فيها العدة، سواء كان المنزل مملوكا للزوج أو مستأجرا أو مستعارا، لا تخرجوهن من بيوتهن مكرهات ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ طالعات. ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قيل: هي الزنى، يعني: إذا زنت

стр. 1139

المعتدة جاز إخراجها من المنزل؛ لإقامة الحد عليها. وقيل: هو البذاءة على أحمائها، وروي: أن النبي ﷺ أخرج فاطمة بنت قيس من منزلها لبذاءة كانت فيها على أحمائها (١). وقوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ﴾ " أن "مع الفعل (٣٠٤ /أ) كالمصدر فيسكبه مصدرا ثم يقدر قبله زمانا أو حالا فيصير التقدير إلا زمان إتيان فاحشة مبينة. قوله: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ أي: رجعة وطيب قلوب من البغض إلى الحب. ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن، والأجل يطلق على آخر المدة، ويطلق على المدة بجملتها فتقول: آخر الأجل وضع الحمل، وتقول: مدة الأجل مدة الحمل، وهو أن لا يكون لهم غرض في الشهادة إلا إقامة الحد لا مراعاة أحد في الشهادة له أو الكتمان. قوله: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ أي: من مضايق الفرقة فإنه يصحبها قالة واختلاف قول فيفرّج عنه ذلك كله. ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)﴾ ﴿بالِغُ أَمْرِهِ﴾ أي: يبلغ ما يريد ولا يفوته مراد، ولا يعجزه مطلوب. وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في الدم الذي يجيء بعد الإياس فقدر الإياس بستين سنة أو بخمس وخمسين؛ فهذا حكمهن. ﴿وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ عدتهن ثلاثة أشهر، فحذف لدلالة الكلام عليه. وعن ابن عباس:" من شاء لاعنته أن سورة النساء القصرى وهي سورة الطلاق نزلت بعد التي في البقرة " (٢). وروي: أن سبيعة الأسلمية وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليال فقال ﷺ :" قد حللت

стр. 1140

فانكحي " (١).وقال بعض العلماء: عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أقصى الأجلين: مدة الحمل أو أربعة أشهر وعشرا؛ أيهما كان أقصى اعتدت به (٢)." من "في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ هي للتبعيض ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ تقدير لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ والوجد: الوسع والطاقة، والنفقة عند أبي حنيفة واجبة للمطلقات كلهن، وعند الشافعي ومالك: ليس لهن إلا السكنى بلا نفقة (٣). ﴿وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ بأن يزاحمها في المسكن، أو يمنعها من الحقوق الواجبة عليه أو يضاجرها لتفتدي من صداقها. فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ والنفقة واجبة عند أبي حنيفة سواء كانت حاملا أو حائلا. قلت: فائدته أن مدة الحمل إذا طالت قد يظن أنها تسقط فنفى ذلك الوهم بقوله: ﴿حَتّى يَضَعْنَ﴾. فإن قلت: فالحامل المرضع إذا توفي عنها زوجها هل لها نفقة؟ قلت: قد اختلف فيه الصحابة ﵃؛ فإن أرضع هؤلاء المطلقات ولد المطلق أعطين (٣٠٤ /ب) أجرهن، وكان حكمهن حكم الأجانب، أما ما دامت الزوجية باقية فلا يجوز إجارتها للزوج عند أبي حنيفة ويجوز عند الشافعي (٤). ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: ليشر بعضكم على بعض بالمصلحة. ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ اختلفتم. ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ فسييسر الله - تعالى - لهذا الولد من يرضعه. ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ﴾

стр. 1141

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً (١١)﴾ وقرئ: "لينفق" (١) أي: شرعنا ذلك لكي ينفق. قوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ وعد بسعة الرزق على فقراء ذلك الزمان أو على الفقراء من المتزوجين إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقصروا. قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ أي: عتا أهلها. وكذلك ﴿فَحاسَبْناها﴾ و ﴿عَذَّبْناها﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ فتبين المضمر المتقدم. ﴿حِساباً شَدِيداً﴾ بالمناقشة والاستقصاء، والمراد: حساب الآخرة وعذابها؛ لأن المنتظر من وعد الله ووعيده كائن لا محالة، وقوله: ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ﴾ تفسير للوعيد السابق، ويجوز أن يراد: أحصينا أعمالهم وكتبناها في كتب الحفظة. ﴿وَرُسُلِهِ﴾ جبريل، وإعرابه أنه بدل من قوله: ﴿ذِكْراً﴾ وجاز بدل جبريل من الذكر؛ لأنه النازل بالوحي مقترنا به، أو جعل جبريل ذكرا لكثرة ذكره الله وعبادته؛ فكأنه هو الذكر. ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢)﴾ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ مبتدأ وخبره. وقيل: ليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية (٢). وقيل: بين كل سماءين خمسمائة عام (٣). ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يجري حكم الله وقضاؤه بينهن. وعن قتادة: في كل سماء من سماواته وأرض من أرضه بينهن كذلك (٤). ***

стр. 1142

تفسير سورة التحريم [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ روي أن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي وقد حرمت مارية على نفسي، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي. فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين. وقيل: خلا بها في يوم حفصة فأرضاها بذلك، واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه، ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية (١). وروي أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل وقال: راجعها؛ فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة (٢). وروي أنه شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش فواطأت عائشة وحفصة فقالتا: إنا نشم منك (٣٠٥ /أ) ريح المغافير، وكان رسول الله ﷺ يكره النتن فحرم العسل (٣). فمعناه: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ من ملك اليمين أو من العسل. و ﴿تَبْغِي﴾ إما تفسيرا ل "تحرم" أو حال، أو استئناف، وكان هذا سهوا منه ﷺ فإنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله؛ لأن الله جل وعلا إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله؛ فإذا حرم ما أحل كان ذلك قلب المصلحة مفسدة. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قد غفر لك ما سهوت فيه ﴿رَحِيمٌ﴾ قد رحمك فلم يؤاخذك به.

стр. 1143

﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ فيه معنيان؛ أحدهما: قد فرض الله لكم الاستثناء في أيمانكم؛ من قولك: تحلل في يمينه: إذا استثنى فيها، ومنه: حلا أبيت اللعن، بمعنى: استثن في يمينك إذا طلقتها، وذلك أن تقول: إن شاء الله عقيبه؛ حتى لا تحنث. والثاني: قد فرض اله لكم تحلتها بالكفارة، ومنه قوله ﵇:" لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم " (١). فإن قلت: ما حكم تحريم الحلال؟ قلت: قد اختلف فيه؛ فأبو حنيفة يراه يمينا في كل شيء ويعتبر الانتفاع المقصود من تلك العين؛ فإذا حرم طعاما فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية؛ في تفاصيل تذكر في كتب الفقهاء (٢) وقد أساء الزمخشري الأدب على رسول الله ﷺ المبعوث رحمة للعالمين حيث قال: وكانت زلة من النبي ﷺ وإنما الزلة القبيحة من الزمخشري (٣).

стр. 1144

وقوله: ﴿فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي: حفصة وعائشة ﴿وَأَظْهَرَهُ اللهُ﴾ أي: أطلعه عليه. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ عتبها على أمر مارية وتحريمها، ولم يذكر حديث خلافة الشيخين (١). وعن الحسن: ما استقصى كريم قط في العتاب؛ بل يترك بعض ما يعتب عليه؛ حتى يقول السامع: ما علم بذلك، وهو من أكمل محاسن الأخلاق (٢). وقيل: إنما ترك حديث ولاية الشيخين؛ لأنه خشي أن يكثر فيه القال والقيل؛ فقطع الحديث كيلا يكثر. ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ لا تعطف الكاف في" أهليكم "على الواو في" قوا "؛ لأن الواو في" قوا " ضمير فاعل مرفوع، والكاف في" أهليكم "مجرور بإضافة الأهل إليها فهي في موضع جر، ولا يعطف المجرور على المرفوع. وتقدير هذا الكلام: قوا أنفسكم، وليق أهلوكم أنفسهم من النار (٣). قوله: (٣٠٥ /ب) ﴿وَالْحِجارَةُ﴾ قيل: إنها حجارة الكبريت؛ لشدة حرها واشتعالها، والمشهور أنها هذه الحجارة المعروفة. وقيل: الأصنام؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٤) قوله: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ﴾ مثل قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فما فائدة التكرار؟ قلت: الجملة الأولى تدل على أنهم يفعلون ما يأمرهم الله به، ويبادرون إلى قبوله، ومعنى الثانية: حصول فعل ما أمروا به، فهما جملتان مختلفتان. قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افتتح الخطاب مع المؤمنين، ثم نقله إلى الكفار، وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (٥) فجعلها مخصوصة بهم، وفيه وجوه: أحدها: المراد من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه. والثاني: يحذر من الردة والعود إلى مساكنة الكفار. والثالث: أن دركات النار متفاوتة ويشمل الجميع اسم جهنم؛ فهم مساكنون للكفار وإن اختلفت طبقاتهم. قوله: ﴿لا﴾

стр. 1145

﴿تَعْتَذِرُوا﴾ إما لأجل أنهم لا عذر لهم، أو لأنهم لا يقبل منهم الاعتذار. ﴿تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ هو من الإسناد المجازي، وإنما النصوح التائب ينصح نفسه بتوبة لا غش فيها، وعبر المتقدمون عن ذلك: ألا يعودوا إلى الذنب؛ كما لا يعود اللبن إلى الضرع، وهذا مبالغة ومن تاب توبة مخلصة فقبلت منه، ثم وقع في الذنب مرة أخرى لم تبطل تلك التوبة، ويستأنف العمل في المستقبل. ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ﴾ ومن دخل النار فقد أخزي بنص القرآن ﴿نُورُهُمْ يَسْعى﴾ على الصراط. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا﴾ يقولونه وهم على الصراط، وقد شرح في سورة الحديد (١). ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ﴾ بالسيف ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ بالحجة، واستعمل الغلظة والخشونة في الجهاد السيف والحجة. ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)﴾ شبه الكفار في انقطاع التواصل بينهم وبين المؤمنين بامرأة نوح وامرأة لوط؛ لم ينفعهما مواصلة رسول الله ﷺ وشبه انتفاع المؤمنين بوصلة الإيمان وإن كانوا متقاطعين في الدنيا بامرأة فرعون لم يضرها طغيانه وكفره. وذكر امرأة لم يكن لها وصلة إلى مؤمن ولا كافر فعملت صالحا؛ فجوزيت عليه أحسن الجزاء ب ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ فأمر الله جبريل فنفخ فيها من روحه (٣٠٦ /أ). ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ ولم يقل من القانتات؛ كقوله: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ (٢) أي: من القوم القانتين انقسموا إلى ذكور وإناث، وهذا التمثيل بامرأة نوح وامرأة لوط تعريض بما جرى من عائشة وحفصة في أمر العسل، أو في أمر مارية. ***

стр. 1146

تفسير سورة الملك [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ ﴿تَبارَكَ﴾ تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين. ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الممكنات ﴿قَدِيرٌ﴾ وذكر اليد مجاز في الاستيلاء على الشيء والتصرف فيه. والمراد ب ﴿الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ وجود ذلك منه، والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ عاملكم معاملة المبتلى والمختبر ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أخلصه وأصوبه؛ لأنه إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل، وإذا كان صوابا غير مخلص لم يقبل؛ يعني: أعطاكم الحياة التي تسلطون بها على العمل، وسلط عليكم الموت الذي بعده البعث والجزاء، وذلك هو الذي يوجب اختيار الأعمال الحسنة، واجتناب السيئة، وقدم الموت على الحياة؛ لأن أعبد العباد من نصب الموت بين عينيه. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْغَفُورُ﴾ لمن تاب ولمن لم يتب. ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ ﴿طِباقاً﴾ بعضها فوق بعض التفاوت: عدم التناسب. وقوله: ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر، والمضمر: ما ترى في خلقه من تفاوت. والخطاب في ﴿ما تَرى﴾ للرسول ﷺ أو لكل مخاطب ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ الفاء للسببية، والتقدير: لا تفاوت فيها وإذا ثبت ذلك فردد النظر مرارا لتستيقن عدم التفاوت. ﴿مِنْ فُطُورٍ﴾ من صدوع وشقوق، مأخوذة من فطر ناب البعير: إذا شق. ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ﴾ أي: إذا رجع بعد التأمل والاجتهاد رجع خائبا لم يظفر بما طلب من الشق والعيب، ويقال خسأت الكلب: إذا طردته، ومنه: ﴿قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (١) وحسر يحسر: إذا أعيا، ومنه:

стр. 1147

﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (١) لا يعيون، وليس المراد بالتثنية في قوله ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ حقيقتها، بل المراد مرارا مرارا كثيرة؛ كقوله:" لبيك وسعديك " (٢).يريد تلبية كثيرة وإسعادا كثيرا. ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ ﴿الدُّنْيا﴾ (٣٠٦ /ب) ليس المراد منها التي في مقابلة الآخرة؛ بل المراد المكان القريب منكم؛ أي: السماء القريبة منكم؛ من دنا الشيء يدنو فهو دان، والمصابيح: السرج سميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح. ﴿وَجَعَلْناها﴾ مع كونها زينة ﴿رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ مانعة من استراقهم السمع. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاثة أمور: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها؛ فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما

стр. 1148

لا علم له به (١) والرجوم: جمع رجم، وهو ما يرجم به، وجعل الكواكب رجوما؛ أي: ذات رجوم؛ فإن الناس اختلفوا؛ فقال أكثرهم: إن الكواكب لا يرجم بها، بل يخرج منها نار، وهي المسماة ﴿شِهاباً﴾ يرجم بها الجني ويبقى الكوكب في مكانه لا يتغير. وقال آخرون: يرجم بالكواكب، وهو ظاهر قوله: ﴿وَجَعَلْناها رُجُوماً﴾ ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ﴾ للجن المسترقة في الآخرة ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من الشياطين وغيرهم. ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقاً﴾ ظاهر الآية أن الشهيق الذي يسمع هو من نفس جهنم. وقال آخرون: الشهيق لمن دخلها. قيل: وقت إلقائهم؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ﴾ (٢) ووجه الجمع بين الآيتين حصول الأمرين معا. ﴿تَفُورُ﴾ تغلي كما يغلي الحب في القدر، وقوله: ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ شهادة تغيظها عليهم وإرادتها الانتقام منهم لله. ويجوز أن يراد الزبانية وغيظهم على أهل النار؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ (٣) ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ إما من كلام الله، أو من كلام الزبانية. وقيل: من كلام الكفار، وهو بعيد. ﴿فَسُحْقاً﴾ أي: بعدا لهم. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بضمائرها. ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾

стр. 1149

قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ إنكار على من يزعم أنه لا يعلم الجزئيات، ويرد عليهم: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ (١). فإن قيل: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ مفعول له؛ فلا يصح للاحتجاج كما ذكرتم؟ قلنا: الخلق تفتقر إلى العلم؛ فإذا قال: ألا يعلم؟ صار التقدير: ألا يعلم من علم؟ والشيء لا يعلل بنفسه؛ فلا بد أن تقدر مفعولا: ألا يعلم الخالق ما خلقه؟ المشي في مناكبها مثل لفرط التذلل لا إذن في الاكتساب بالتجارة. ﴿مَنْ فِي السَّماءِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: من في السماء سلطانه؛ لأنها منازل الملائكة المقربين. والثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأن الله في السماء - تعالى عن ذلك - (٣٠٧ /أ) فخاطبهم بما يعتقدون (٢). ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي: كيف باقية إنذاري. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عاد وثمود وغيرهم. ﴿صافّاتٍ﴾ باسطات أجنحتهن في الجو ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ أي: يضممنها؛ فإن قيل: لم قال: ﴿صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ ولم يقل: قابضات؟ قلت: لأن البسط هو الأصل في الطيران والقبض طارئ عليه، وهو شبيه بالسابح؛ فإن الأصل فيه بسط أطرافه والقبض يظهر بعد. ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ يتولى مصالحكم ورزقكم فيكون عونا لكم وجندا. ﴿مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ﴾ اسم فاعل من أكب، وهذا الفعل من عجائب الأفعال؛ فإنه إذا دخلته الهمزة صار غير متعد، وإذا حذفت تعدى (٣). ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ﴾ أي العذاب الذي وعدوا به ﴿زُلْفَةً﴾ أي: قريبا ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أدركتها المساءة. كان كفار مكة يدعون على النبي ﷺ وعلى أصحابه بالهلاك؛ فأمر أن يقول لهم: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ﴾ فإذا نتقلب في الجنة، وإن منّ الله علينا بالنصر عليكم شفي

стр. 1150

الغليل (١). وقيل: إن أهلكنا الله في الدار الآخرة بذنوبنا ونحن مسلمون ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ﴾ وهم أولى بالهلاك. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ ﴿غَوْراً﴾ غائرا ذاهبا في الأرض، و ﴿غَوْراً﴾ وصفا بالمصدر مبالغة؛ كقولهم: رجل عدل وصوم وفطر. ***

стр. 1151

تفسير سورة ن [القلم] [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥)﴾ ﴿ن﴾ حرف من حروف المعجم. وقيل: هو الدواة، قال في الكشاف: (١) وأما قولهم: إنه هو الدواة. فلا أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي؟! وإذا كان اسما للدواة؛ فإما أن يكون جنسا، أو علما؛ فإن كان جنسا فأين الإعراب والتنوين، وإن كان علما فأين الإعراب؟ وأيّا ما كان. فإن قلت: هو مقسم به وجب أن تجره وتنونه إن كان جنسا، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة؛ كأنه قيل: ودواة والقلم، وإن كان علما أن تصرفه وتجره أو لا تصرفه وتفتحه؛ للعلمية والتأنيث. وكذلك تفسيره بالحوت؛ إما أن يراد نون من عرض الحيتان أو علما للبهموت الذي زعموا أن الأرض فوقه. والتفسير باللوح من نور أو ذهب، ونهر في الجنة ونحو ذلك، وبالقلم لما فيه من المنافع وضبط العلوم وإتقانها للمنتفعين. ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ أي: وما يكتب من كتب. وقيل: ما يسطره الحفظة، و "ما" موصولة أو مصدرية، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه؛ فيكون الضمير لهم، والمراد: أصحاب القلم ومسطورهم (٣٠٧ /ب) أو سطرهم، ويراد به: كل من يسطر أو يريد به الحفظة. والباء في قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ باء الحال، والتقدير: تبين بنقيضه لو قلت: أنت بحمد الله موفق؛ فإذا قلت: ما أنت بحمد الله بمجنون كانت الباء كما هي في نقيضها فكأنه قال: ما أنت مجنونا بنعمة الله؛ أعملها في النفي إعمالها في الإثبات؛ كما تقول: ما ضرب زيد عمرا؛ فتنصبه كما تنصب: ضرب زيد عمرا. ﴿وَإِنَّ لَكَ﴾ على احتمال ذلك والصبر عليه ﴿لَأَجْراً﴾ لثوابا ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع؛ كقوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢) أو غير ممنون به عليك. استعظم الله

стр. 1152

خلقه لفرط احتماله ما يؤذى به وحسن مداراته لقومه، وعن عائشة أنها سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن، اقرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١). ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ ﴿الْمَفْتُونُ﴾ المجنون؛ لأنه فتن، أي: امتحن بالجنون، والعرب تزعم أن الصرع من تخييل الجن، والباء زائدة، و ﴿الْمَفْتُونُ﴾ مصدر، كالمعقول والمجلود؛ أي: بأيكم الجنون، أي: بأي الفريقين يوصف بالفتنة: المؤمنون أو الكافرون، وهو تعريض بأبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة وأضرابهما، وهو كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ (٢). ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ بالمجانين على الحقيقة وأعلم ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أو يكون وعدا ووعيدا؛ وكانت الكفار قد دعوه إلى دين آبائه؛ فنهي عن ذلك بقوله: ﴿فَلا تُطِعِ﴾ وقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ لو تلين وتصانع ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾. فإن قلت: لم رفع ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ ولم ينصب بإضمار " أن "وهو جواب التمني الذي دل عليه" لو "؟ قلت: تقديره: فهم يدهنون؛ كقوله: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ (٣) أي: ودوا إدهانك فهم الآن مدهنون أي: طامعون في حصول الإدهان منك. قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف" فيدهنوا " (٤). ﴿حَلاّفٍ﴾ كثير الحلف في الحقّ والباطل، وكفى به زجرا لمن يكثر الحلف. ومثله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ﴾ (٥) وقوله: ﴿مَهِينٍ﴾ من المهانة، وهي القلة في الرأي والتمييز، أو أراد الكذاب؛ لأنه حقير بين الناس. ﴿هَمّازٍ﴾ عيّاب طعّان. وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس إذا ولوا (٦). والنميم والنميمة: السعاية.

стр. 1153

﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ يريد به البخل ومنع الواجب من أهله. قيل: هو الوليد بن المغيرة؛ كان موسرا (٣٠٨ /أ) وله عشرة من البنين، وكان يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وقيل: هو أبو جهل. وقيل: الأسود بن عبد يغوث، وقيل: هو الأخنس بن شريق، أصله من ثقيف وعداده في زهرة؛ ولذلك قيل: ﴿زَنِيمٍ﴾ قال الشاعر [من الطويل] زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع (١) ﴿مُعْتَدٍ﴾ مجاوز حده في الظلم. ﴿أَثِيمٍ﴾ كثير الآثام. ﴿عُتُلٍّ﴾ غليظ جاف؛ من عتله: إذا قاده بغلظة وعنف. ﴿بَعْدَ ذلِكَ﴾ أي: بعد ما عدّ له من المثالب والنقائص. ﴿زَنِيمٍ﴾ دعيّ؛ وكان الوليد دعيّا في قريش ليس من أصلهم، ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده. وقيل: بغت أمّه ولم يعرف ذلك حتى نزلت هذه الآية؛ جعل كونه دعيّا أشدّ معاتبة؛ لأنه إذا جفا وغلظ ساءت أخلاقه، والغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها، ومن ثم جاء في بعض الروايات:" لا يدخل الجنة ولد الزنى ولا ولده ولا ولد ولده " (٢).وقوله: ﴿بَعْدَ ذلِكَ﴾ نظير ﴿ثُمَّ *﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) والزنمة: تؤخذ من جلد الماعز وتخلّى مدلاة على وجهها لا تقطع. قوله: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلا تُطِعْ *﴾ أي: لا تطعه؛ لأنه ذو مال مع هذه المثالب، ويجوز أن تتعلق بما بعد؛ أي: لا تطعه لكونه ذا مال مستظهر بالبنين. ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ كذّب بها، وقال: هذا ما سطره الأولون، ولا يعمل فيه" قال "الذي هو جواب ﴿إِذا﴾ لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله؛ ولكنه يعمل فيه ما دلت عليه الجملة من التكذيب. والوجه أكرم شيء في البدن، والأنف أكرم شيء في الوجه؛ ولذلك شقوا منه الأنفة، وقالوا: الأنف في الأنف، وحمي أنفه، وفلان شامخ العرنين، وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه؛ فعبّر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال

стр. 1154

والإهانة؛ لأن السمة على الوجه شين وإهانة؛ فكيف بها على أكرم موضع فيه، ولقد وسم العباس أبا عرة في وجوهها، فقال رسول الله ﷺ :" أكرموا الوجوه " (١).فوسمها في جواعرها (٢) وفي لفظ الخرطوم استخفاف به واستهانة. وقيل معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يعلم بها من سائر الكفرة (٣٠٨ /ب) كما عادى رسول الله ﷺ عداوة بان بها عنهم. وقيل: سنشهره بهذه النسبة في الدارين جميعا فلا يخفى كما لا تخفى السمة على الخرطوم. وعن النضر بن شميل (٣): أن الخرطوم: الخمر، وأن معناه: سنحده على شربها، وهو تعسف، وقيل للخمر الخرطوم؛ كما قيل لها: السلافة، وهي ما سلف من عصير العنب، أي: لأنها تطير في الخياشيم (٤). ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ ﴿إِنّا﴾ بلونا أهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله ﷺ عليهم. ﴿كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ وهم قوم من أهل الصلاة كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين؛ فكان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأ المنجل، وما في أسفل

стр. 1155

الأكداس (١)، وما أخطأه القطاف من العنب، وما بقي على البساط الذي ينبسط تحت النخلة إذا صرمت؛ فكان يجتمع لهم شيء كثير، فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر، ونحن أولو عيال، فحلفوا ﴿لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ في السدق، والسدق: الظلمة المختلطة بالضياء؛ خفية عن المساكين، ولم يستثنوا في يمينهم، فأحرق الله جنتهم. وقيل: كانوا من بني إسرائيل. ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخلين في الصباح مبكرين. ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ ولا يقولون: إن شاء الله. فإن قلت: لم سمي استثناء وإنما هو شرط؟ قلت: لأنه يؤدي معنى الاستثناء من حيث إن معنى قولك: لأخرجن إن شاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد. ﴿فَطافَ عَلَيْها﴾ بلاء وهلاك ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ كالمصروم. وقيل: الصريم: الليل؛ أي: احترقت واسودت. وقيل: صريم النهار؛ أي: يبست وذهبت خضرتها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ حاصدين. فإن قلت: هلا قيل: اغدوا إلى حرثكم؟ وما معنى" على "؟ قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدوّا عليه؛ كما يقال: يغدى عليه بجفنة ويراح بأخرى. ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ يتساررون وخفي وخفت وخفد بمعنى الكتم، ومنه: الصوت الخفات. ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا﴾ أن: مفسرة، أي: أنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين وهم قادرون على نفعهم؛ طلبوا حرمان المساكين فحرمهم الله الجميع. وقيل: وذهبوا، أي: حصلوا على الحرمان مكان الانتفاع، وقال الشاعر [من الرجز]: أقبل سيل جاء من عند الله ... يحرد حرد الجنّة المغلّة (٢) (٣٠٩ /أ) وقيل: الحرد: الإسراع، أي: ذهبوا إليها مسرعين ﴿قادِرِينَ﴾ عند أنفسهم على صرامها والاستقلال بغلتها. وقيل: كان اسم الجنة" حرد". قالوا في أول الأمر: ﴿إِنّا لَضالُّونَ﴾ عن جنتنا؛ وذلك لما رأوا فيها من الفعل الشديد والهلاك، ثم استبصروا وتأملوا فعرفوا أنها جنتهم؛ فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلهم وخيرهم؛ قال الشاعر [من الطويل]:

стр. 1156

هم وسط ترضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم (١) وقوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطاً﴾ (٢) أي: خيارا. ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم. ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ عند ذلك: اذكروا الله وتوجهوا إليه توجها كليا؛ فلو كنتم عظمتم الله حق تعظيمه، ولم تنووا حرمان المساكين لم يصبكم ما أصابكم. وزعم كثير من الناس أن الله أبدلهم جنة تسمى الحيوان يحمل البعير منها عنقودا. وقيل: ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ لولا تصلون ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٣) أي: المصلين. ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦)﴾ كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين من ثوابها قال فريق منهم بإنكار الآخرة والتكذيب وقال آخرون: إن كانت فسيكون لنا منها الحظ الأوفر كما هو لنا في الدنيا؛ فقال الله تعالى: أفنحيف في الحكم فنجعل ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ المتصدقين الصابرين على أذى الكفار ﴿كَالْمُجْرِمِينَ﴾ ثم التفت فقال: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج؛ كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم، أو جاءكم من الله كتاب بأنكم تخيرون في الآخرة في المنازل في قصور الجنة وثوابها.

стр. 1157

قوله: ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ متعلق بقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ أي: يستمر ذلك إلى يوم القيامة، ﴿أَيُّهُمْ بِذلِكَ﴾ الحكم ﴿زَعِيمٌ﴾ قائم به، كفيل بحصوله، قائم بالاحتجاج لنصرته. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ يقولون بقولهم ويذهبون إلى ما ذهبوا إليه. الكشف عن الساق: مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الرّوع والهزيمة، وكشف المخدرات عن أسوقتهن تجردا للهرب؛ بمعنى: يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثمّ ولا ساق، وأما من شبه فهو جاهل بعلم البيان (١) (٣٠٩ /ب). وعن ابن مسعود: "يكشف الرحمن عن ساقه فأما المؤمنون فيخرون سجدا وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقا طبقا؛ كلما أراد أحدهم أن يسجد انقلب على ظهره" (٢).ونكر الساق تعظيما لذلك الأمر وتهويلا؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (٣). وعن قتادة: خرج من خراسان رجلان أحدهما شبّه حتى مثّل وهو مقاتل بن سليمان (٤)، والآخر نفى حتى عطّل وهو جهم بن صفوان (٥).

стр. 1158

وتكليفهم السجود في الآخرة ليس لطلب ثواب ولا خوف عقاب، وإنما هو إظهار لما كانوا يفعلونه في الدنيا من السجود لغير الله تعالى، فمنعوا في الآخرة السجود لله؛ وليوبخوا على ذلك. يقال: ذرني وفلانا؛ أي: سلّم أمره إليّ فأنا أكفيكه. استدرجه: إذا كلفه الإتيان إليه درجة بعد درجة، والمراد هاهنا بالاستدراج: الصحة والغنى، ويحسبون الإنعام عليهم إيثارا لهم على المؤمنين. ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٥٠)﴾ قوله: أن ﴿الْغَيْبُ﴾ أي: اللوح المحفوظ؛ فهم يكتبون منه ما يريدون، والمعنى: لا تكن مثل يونس بن متى حيث ذهب مغاضبا ولم يستأذن ربه فيما صنع. قيل: نزلت حين أراد النبي ﷺ أن يدعو على قومه في نوبة أحد. وقيل: في هزيمة المسلمين في نوبة هوازن. ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)﴾ ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ من شدة تحديقهم إليك، ونظرهم شررا نظر المتغيظ إذا رأى من عدوه استقامة أمره وحنكته، وهو كقول الشاعر [من الكامل]: يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزلّ مواطئ الأقدام (١) قيل: كانت العين في بني أسد. وقيل: كان الرجل منهم إذا رأى شيئا يعجبه فقال: ما رأيت كاليوم قط. هلك ذلك المشار إليه؛ فأحضروا رجلا من بني أسد، فجاء إلى النبي ﷺ ، فقال: ما رأيت كاليوم قوة وفصاحة. وأراد أن يصيب رسول الله ﷺ بالعين فردّ الله كيده ونزلت الآية ﴿وَإِنْ يَكادُ﴾ (٢). ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ختم السورة بما بدأ به أولها: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ﴾ أي: شرف. وقيل: موعظة. ***

стр. 1159

تفسير سورة الحاقة [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)﴾ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الساعة القليلة الوقوع الثابتة (٣١٠ /أ) المجيء، أو التي تحق فيها الأمور أي: تعرف على الحقيقة؛ تقول: لا أحق هذا الأمر؛ أي: لا أعرف حقيقته جعل الفعل لها وهو لأهلها، وارتفاعها على الابتداء وخبرها ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ تفخيما لشأنها وتعظيما لهولها والأصل: وما أدراك ما هي؛ فأوقع الظاهر موقع المضمر؛ لأنه أهول لها؛ أي: وأي شيء أعلمك؛ يعني: إنك لا علم لك بهولها، فكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك، و" ما " رفع بالابتداء، و ﴿أَدْراكَ﴾ معلق عنه؛ لأن الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله. والقارعة: التي تقرع الناس بالإفزاع، وتقرع السماء بالانشقاق والانفطار، والأرض والجبال بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والانتثار، ولما فخم أمر الساعة وعظمه أتبع ذكر ذلك ذكر من كذب بها تخويفا لأهل مكة من عقوبة تكذيبهم. ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ (٥) وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧)﴾ ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ بالواقعة المجاوزة الحد في الشدة. وقيل: المراد بالطاغية: الصيحة. وقيل: الرجفة. وقيل: الصاعقة. قيل: هلكوا بصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وقيل: الطاغية: مصدر؛ كالعاقبة والعافية؛ أي بطغيانهم، وليس بالقوي؛ لعدم المطابقة بينها وبين قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ الصرصرة: الصوت الشديد. وقيل: الباردة؛ من الصّرّ وهو البرد؛ كأنها التي ضوعف فيها البرد؛ فهي تحرق بشدة بردها. ﴿عاتِيَةٍ﴾ شديدة العتو أي: عتت على عاد، فلم يقدروا على ردها بحيلة من استتار بناء أو لياذ بجبل، واختفاء في حفيرة، فإنها كانت تنزعهم من مكانهم. وقيل: عتت على خزانها؛ فخرجت بلا كيل ولا وزن. وعن النبي ﷺ :" ما أرسل الله سفينة من ريح إلا بمكيال إلا قوم عاد، وقوم نوح؛ لأن الماء يوم إهلاك قوم نوح طغى على الخزان، ثم قرأ: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ أي: في

стр. 1160

السفينة " (١) ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ (٢) ويجوز أن يكون جمع حاسم؛ كشاهد وشهود، ويجوز أن يكون مصدرا ك" الشكور " ﴿أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ (٣) فإن كان جمع حاسم فمعناه أنها حسمت عنهم كل خير، أو متتابعة ما سكنت ساعة، وإن كان مصدرا فالتقدير: حسمتهم حسوما، أو تقديره: ذات حسوم، أو مفعولا له؛ أي: سخرها عليهم للاستئصال. وقرئ:" حسوما "بفتح الحاء (٤) بمعنى اسم الفاعل وقيل: هي أيام العجوز، وذلك أن عجوزا استترت في سرب فأخرجتها الريح (٣١٠ /ب) في اليوم الثامن فأهلكتها. وقيل: هي أيام العجوز وهي عجز الشتاء؛ أي: آخره وأسماؤها: الصن، والصنبر. وقيل: مكفئ الظعن (٥). ومعنى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ سلطها عليهم، أي: في الليالي والأيام. ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ﴾ أي: صدورها. ﴿فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)﴾ ﴿مِنْ باقِيَةٍ﴾ أي: من بقية، أو من نفس باقية، أو من بقاء، و ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ بمعنى الطغيان. ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي: ومن تقدمه، وقرئ:" ومن قبله " (٦) ويؤيدها قراءة من قرأ ومن معه (٧). ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتُ﴾ قرى قوم لوط. ﴿بِالْخاطِئَةِ﴾ أي: بالخطأ، أو الأفعال الخاطئة. ﴿رابِيَةً﴾
следующие страницы →