← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سابقة في التلاوة فهي متأخرة في التنزيل. وقيل: لا نسخ، بل المتوفى عنها زوجها إن اختارت المقام في بيتها سنة لم يجز إخراجها للولي، ولا للورثة، إلا إذا شاءت. وإن شاءت مفارقة المنزل بعد أربعة أشهر وعشر جاز لها ذلك. ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ المطلقات ثلاثة أنواع: الأولى: مطلقة قبل الفرض والمسيس، فلا مهر لها، ولها المتعة. الثانية: مطلقة بعد الفرض وقبل المسيس، فلها نصف المهر دون المتعة. الثالثة: المطلقة بعد الفرض والمسيس، ففيها قولان للشافعي وظاهر القرآن وجوبها، لقوله هاهنا: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ (١). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٢٤٦)﴾

стр. 107

﴿أَلَمْ تَرَ﴾ معناه: أعجب ﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ جمع ألف من العدد أي: أكثر من عشرة آلاف. وقيل: الألوف: جمع إلف، أي: قلوبهم مجتمعة على تحسين ما فعلوه. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ فروا من الطاعون. وقيل: من القتال. والآية التي قبل هذه، والتي بعدها تدلان على أن الفرار من القتال، فأماتهم الله إماتة رجل واحد، فكأنه قيل لهم: موتوا. فماتوا، ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ بإحيائهم بعد موتهم. أو على الناس الذين رأوهم؛ ليعتبروا. شبه الله ما يعطى صدقة بالقرض وأنه يعطيه؛ ليأخذ بدله (١٧ /ب) في الآخرة، والقرض الحسن: أن يكون حلالا طيبا، ولا يقبل الله إلا الطيب، وأن يكون في زمن الجوع والقحط وأمام قضاء الحاجات، وأن يخص به اليتيم والقريب والأحوج وأن لا يتبعها منّا ولا أذى. و ﴿أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾ سبعمائة ضعف. ﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] زيادة على ذلك؛ لقول النبي ﷺ في الصدقة: «إنها تقع في يد الرب قبل أن تقع في يد العبد، فيربّيها كما يربي أحدكم فلوه - أو فصيله - حتى تكون مثل جبل أحد» (١). وجبل أحد أكبر من قدر صدقته بسبعين ألفا، أو بسبعمائة ألف ضعف. ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ﴾ الرزق ويبسطه، ويقبض القلوب ويبسطها، ويقبض كل ما شاء أن يقبضه، ويبسط كل ما شاء أن يبسطه، وإلى دار جزائه يرجعون الملإ الأشراف؛ سموا بذلك لأنهم يملؤون القلوب مهابة، والعيون جمالا. وقيل: لأنه يمالئ بعضهم بعضا، أي: يعاونه. وقيل: هو من الملاة، أي: هم مليّون بما يراد منهم من الجاه والمال. ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ هو أشمويل. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ كانت العمالقة قد غلبت على بني إسرائيل، وسبوا نساءهم وأولادهم، وأخذوا منهم التابوت، وكان فيه عصا موسى، وعمامة هارون، وشيء من رضاض الألواح، وقفيز من المن (٢). وكانوا يقدمون التابوت ويقاتلون من ورائه فينصرون، فلما أخذته العمالقة وضعوه في بلد فأصاب أهله

стр. 108

الناسور (١) ثم إلى أخرى فأصابهم ذلك، فاجتمع رأيهم على إعادة التابوت، فقيل: جاءت الملائكة يحملونه من السماء والأرض. وقيل: وضعوه على عجلة وشدوها بثورين، وضربوها متوجهين إلى بني إسرائيل. ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١)﴾ ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً﴾ فأنكروا ذلك؛ لأنه لم يكن من سبط المملكة، وكان فقيرا أضاع حماره، فخرج في طلبه، فمر بدار أشمويل، فدخل عليه يسأله الدعاء، وكان الله قد أوحى إليه: إذا جاءك من طوله طول هذه العصا، ونشّ الدهن الذي في القرن الذي عندك فذاك هو الملك، فلما دخل طالوت نشّ الدهن، فقام النبي أشمويل وقاسه بالعصا، فكانت طوله، فقال: أنت الملك (٢). وقوله: ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ أي:

стр. 109

بالحروب وتدابيرها. وقيل: بل (١٨ /أ) كان عالما بأمر الشريعة. ﴿التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: سكون وطمأنينة أن النصر يحصل بتقدم التابوت، بدليل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]. ابتلى الله - تعالى - أصحاب طالوت بتحريم شرب ماء نهر مع شدة عطشهم، ولم يسمح لأحد منهم إلا باغتراف غرفة بيده، فلم يطعه إلا قليل منهم، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدة أصحاب بدر. ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ﴾ أي: يعلمون. ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بالنصر والعون. ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ وآتى الله داود ﴿الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ لاستولى الكفار على بلاد المسلمين، ودثرت (١) كلمة الحق. ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٥٤) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما سبق ذكره، إما في هذه السورة، وهم موسى وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وداود، وإما في سائر ما سبق نزوله من القرآن.

стр. 110

﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ يريد به: النبي ﷺ فذكره بالكناية دون التصريح باسمه؛ لأنه العلم المشهور الذي لا يلتبس، وهو المفضل بالدرجات حتى عدت معجزاته وآياته ألفا. وفي تأييد عيسى بروح القدس وجهان: أحدهما: أنه روح عيسى الطاهرة. والثاني: أنه جبريل وكل بحفظه. ﴿الْحَيُّ﴾ الواجب الحياة ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم بمصالح كل شيء، والسنة: النعاس؛ قال الشاعر [من الكامل]: وسنان أرصده النّعاس فرنّقت ... في عينه سنة وليس بنائم (١) وقدم السنة على النوم، وهو عكس الترقي؛ كقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ أي: لا تسلبه صحة النظر السنة، ولا أقوى منها، وهو النوم. وهذا ترق صحيح وهذا مكمل لقيوميته، كما جاء في الحديث: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام» (٢). ولا يتجاسر أحد على الشفاعة عنده إلا بالإذن. يعلم ما سبق من أمور خلقه، وما يأتي، ولا يعلمون من معلوماته ﴿إِلاّ بِما شاءَ﴾ أن يعلمهم إياه. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ أي: ملكه، وقيل: علمه، مأخوذ من كرسي الملك، والعالم. وقيل: الكرسي مخلوق، ليس بعد العرش أعظم منه والسماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة في فلاة (٣). ﴿وَلا يَؤُدُهُ﴾ أي: ولا يثقله القيام بمصالح كل ذلك. وفي آية الكرسي ستة عشر اسما، ما بين ظاهر

стр. 111

ومضمر (١٨ /ب) والسابع عشر خفي، فزعم بعضهم أنها أحد وعشرون اسما، وهو غلط (١). وفضلت آية الكرسي على غيرها؛ لأنها مقصورة على أوصاف الإله سبحانه. ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)﴾ وفي الحديث الصحيح: «إذا ذهبت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسيّ؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح» (٢). وسأل النبي ﷺ أبي بن كعب عن أعظم آية في القرآن فقال: آية الكرسي، فضرب بيده إلى صدره، وقال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر» (٣). ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ قيل: نسخت بآية السيف (٤). وقيل: لا يتصور الإكراه على العقائد، فإنها باطنة لا يطلع عليها. والطاغوت: كل معبود سوى الله - تعالى - وجاء تذكيره وتأنيثه وجمعه وإفراده. فتأنيثه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧]

стр. 112

وتذكيره: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] وجمعه كقوله: ﴿أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ وإفراده في الآيتين السابقتين، وهو مأخوذ من الطغيان، وهو مجاوزة الحدّ ومنه: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] وهي الصيحة التي تجاوزت الحدّ. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ ولم يكن لهم نور حتى يخرجوا منه، لكنهم لما تمكنوا منه صار كالخارج من أيديهم. وهو كقوله: ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ [البقرة: ١٦] ولم يكن معهم هدى، لكن كانوا متمكنين منه، وجمع الظلمات، وأفرد النور؛ لأن طرق الضلال متعددة، وطريق الحق واحدة. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ ﴿أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ فجعل نعمة الله عليه سببا في المجادلة في آياته. ولما احتج عليه إبراهيم بعجزه عن الإحياء والإماتة، أحضر من وجب عليه القتل فعفا عنه، وبريئا فقتله وهو جواب فاسد؛ لأن قتل المستحق ليس بإحياء. انتقل إبراهيم في تعجيزه إلى ما لا يستطيع المكابرة فيه، وهو الآيات السماوية، وليس ذلك بانقطاع من إبراهيم، ولكنه انتقال من مثال الإحياء، إلى مثال التصرف في الشمس، والحجة بالتعجيز باقية. أو هل رأيت ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ وهي قرية بجبل بيت المقدس، تسمى قرية العنب، وهي خاوية على عروشها. أي: سقطت عروشها أولا، ثم سقطت الجدران فوق العروش قيل: كان المار كافرا لقوله: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ دل على أنه قبل ذلك لم يكن عالما بقدرة الله. وقيل: لم يكن كافرا، وهو المشهور (١).

стр. 113

قيل: أحياه الله (١٩ /أ) في آخر النهار، وكان قد قبض روحه في أول النهار، فلما قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْماً﴾ التفت فرأى الشمس لم تغرب فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قيل: قاله وعنده تردد هل هو يوم أو بعض يوم، كما قال أهل الكهف: ﴿لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وأصل السنة: سنوة، أو نسهة، فيه قولان. فإذا قلت: عاملته مساناة، جاء فيه مسانهة، ومساناة جاء على الوجهين. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ﴾ معطوف على علة محذوفة، أي: جعلنا ذلك لهدايتك ولنجعلك. وقيل: التقدير: وفعلنا ذلك لنجعلك. وقيل: ولنجعلك فعلنا ذلك. وأمثلة هذه الآية في القرآن كثيرة. من قرأ «اعلم» على الأمر (١) فقد خاطب المار بذلك رفيقا معه، جادله في القدرة على إحياء الموتى. ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ﴾

стр. 114

﴿الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾ سأل إبراهيم أن يريه الله إحياء الموتى لتنضم إلى الدلائل العقلية المشاهدة. وقيل: وعده الله بأن يتخذه خليلا، فقال: متى يا رب؟ فقال: إذا أحييت الموتى بدعائك، فسأله أن يريه إحياء الموتى؛ ليتحقق حصول الخلة ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أي: اجمعهن، وأراد بذلك أن يتحقق نظره في الطيور، حتى إذا فرق لحمها على الجبال أحياها الله وجاءت تسعى، ولا يرتاب أنها هي، ولا يظن أنها طيور غيرها التبست؛ لأنه قد شاهدها من قبل، ولذلك قال: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ ولم يصفها بالطيران؛ لئلا يظن أنها طيور أخر جاءت من الجو. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ كمثل زارع حبة أو مثل نفقة الذين ينفقون ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ «وجاء رجل إلى النبي ﷺ بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله، فقال النبي ﷺ : «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة» (١). اعلم أن العبادات بعد الفراغ منها لا تقبل البطلان عند كثير من الفقهاء إلا فيما يستدام حكمه كالوضوء، وهذه الآيات تدل على قبولها للبطلان بالمنّ والأذى بعد صحتها وقبولها. وقاس الإبطال الطارئ على المقارن، فإن المقارن يبطل قولا واحدا، وهو الرياء، فقال: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى﴾ الطارئين على الرياء المقارن، ثم ضرب لهما مثلين. ضرب للمقارن مثل صخرة صماء لا يثبت فوقها تراب ينبت فأصابها مطر كثير وهو الوابل، ففرق التراب عن ظاهرها فلم يثبت مع أن المطر والتراب كانا صالحين (١٩ /ب) للإنبات. ومثل للطارئ برجل له ﴿جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ﴾ فوصفها بالكمال ووصف صاحبها بأنه أدركه الكبر، وعجز عن إنشاء مثلها ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ عاجزون عن إنشاء مثلها ﴿فَأَصابَها إِعْصارٌ﴾ وهي الريح المستديرة على نفسها وتسميها العامة «زوبعة» (٢) ﴿فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: في مطابقة المثلين إلى ما مثل بهما، وقل من يدرك هذه المطابقة.

стр. 115

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠)﴾ ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ إن أريد به الفرض وحده دخلت فيه زكاة التجارة ﴿وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يدخل فيه زكاة الحبوب والمعادن والركاز (١). ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾ أي: ولا تقصدوا ﴿الْخَبِيثَ﴾ ولو كان لك دين على رجل، فقال لك: هذا مال حلال، وهذا مال حرام، فخذ حقك من أيهما شئت ما كنت تأخذ الحرام وتختاره على الحلال إلا بإغماض (٢) ومسامحة، فكيف تتقرب إلى الله بالصدقة بالحرام ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ ويخوفكم أن تبذلوا أموالكم في الصدقة ﴿وَيَأْمُرُكُمْ﴾ بالخصلة الفحشاء، وهي البخل ويسمى البخيل فاحشا ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] قال طرفة [من الطويل] أرى الموت يعتام الكريم ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد (٣)

стр. 116

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ أي: السنة؛ لقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقيل: الحكمة: العلم والعمل به. الألباب: العقول ﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي: يجازي عليه. وذكر الوفاء بالنذر كما قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] ولم يقل: ينذرون، فلا يوصف النذر بأنه مستحب، ففيه إساءة أدب يقول: إن شفى الله مريضي فلله عليّ دينار، فكأنه يقول: وإن لم يشف مريضي فلا أعطي شيئا. وإذا جاء جواب الشرط بالفاء، وبعده جملة اسمية وعطف عليها بفعل مضارع جاز في الفعل المضارع الجزم عطفا على موضع الفاء، والرفع عطفا على ما بعد الفاء؛ لأنه مستحق الرفع (١)؛ كقوله: ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ وجاء في هذه الآية الوجهان: ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ «ويكفر» قرأ بهما في السبعة (٢) (٢٠ /أ). وكذلك قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ «ويذرهم» قرئ بهما (٣). ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾

стр. 117

﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: جزاؤه ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ حبسهم العذر والفاقة عن الضرب في الأرض والسعي في المكاسب. ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ أي: لا سؤال فلا إلحاف كقوله [من الطويل]: على لا حب لا يهتدى بمناره ... (١) ... وكقوله [من السريع]: ولا ترى الضبّ بها ينجحر (٢) ... أي: لا منار فلا هداية، ولا ضب فلا انجحار. وقوله: ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ [يوسف: ٤٠] أي: لا وجود لها، فلا نزول، والأكثر خلاف هذا. ألحف في المسألة إذا أطالها وكررها. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾

стр. 118

﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ ذكروا أنها أربعة أنواع. والحق أنها اثنان؛ لأن المنفق سرّا إما في ليل أو نهار، والمنفق جهرا كذلك والمنفق ليلا إما سرّا أو جهرا، والمنفق نهارا كذلك ﴿لا يَقُومُونَ﴾ من قبورهم إلا كقيام ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ ﴿ذلِكَ﴾ سبب قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾. فإن قيل: قياسه: إنما الربا مثل البيع. قيل: ما أشبه شيئا فقد أشبهه ذلك الشيء. ومنه قول مريم: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] وقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وقولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ قياس في معرض النص، فكان باطلا. لما حرم الله الربا قال قوم: لا ننشئ ربا، لكنا نستخرج بقية ما استحققناه بمعاملة الربا فنزلت ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ (١) وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بعد قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعث لهممهم، وقد تقدم نظيره. ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: مخالفة. ويقال: إنه يقوم يوم القيامة كالمتهيئ للحرب. ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي: وجد فالواجب نظره. وقيل: فنظرة إلى ميسرة أولى.

стр. 119

قيل: آخر ما نزل من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ الآية. فقال ﵇: «ضعوها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة» (١) قال ابن عباس: أشهد أن السلم أحله الله في كتابه، وأنزل فيه أطول آية (٢) قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر إرشاد، قوله: ﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾ يريد: ضعف العقل ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ ويقبل إقرار الولي على الصبي فيما عامل الولي عليه ولا يشترط (٢٠ /ب) في قبول شهادة رجل وامرأتين أن لا يوجد شاهدان. ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ لأن النساء أقل ضبطا وأقرب إلى النسيان. وقيل: فتذكر إحداهما الأخرى، أي: تجعلها كالذكر. ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ للتحمل أو للأداء أو لهما. «أقسط، وأقوم»: جاءا في أفعل التفضيل من فعل رباعي من أقسط الرجل: إذا عدل، وذلك جائز: إذا كان الرباعي مزيدا فيه؛ كقولهم: ما أعطاه للمائة وفعل التعجب وأفعل التفضيل سواء في ذلك ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ﴾ محتمل: ولا يضارر، ولا يضارر، بكسر الراء الأولى وفتحها. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ كلام مستأنف، لا تعلق له بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ ولو تعلق به لكان منصوبا. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ ﴿آمَنَ﴾

стр. 120

﴿الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)﴾ ولا يشترط في الرهن كونه في السفر، ولا عدم الكاتب، بل جرى ذلك مجرى الغالب. ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قيل: من كتمان الشهادة؛ لأنها من أعمال القلوب. وقيل: شقت على الصحابة حين نزلت وقالوا: أنؤاخذ بما نحدث به أنفسنا [فنسخ ذلك] بقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ (١) والوقف عند قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. وقيل: الوقف على ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ والمؤمنون مبتدأ (٢). ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ بتكذيب بعض، وتصديق بعض. ويقال في الخير: كسبت، وفي الشر: اكتسبت؛ لأن المعاصي موافقة لشهوات النفس، فعملها فيه أتم وأكثر اجتهادا. والافتعال أتم من الفعل. والإصر: الثقل مثله ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] أي: عهدي؛ لأن العهود يثقل الوفاء بها. ***

стр. 121

سورة آل عمران [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)﴾ ﴿الم﴾ فيها الأقوال التي في الحروف التي في أوائل السور إلا كونها أسماء لله؛ فإنه يصير التقدير "الم الله" كذا قيل. وذكر في القرآن ﴿نَزَّلَ﴾؛ لنزوله منجما، وفي التوراة والإنجيل أنزل؛ لأن كل واحد منهما نزل جملة، والفرقان: مصدر فرق؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل وهو من المصادر، كالغفران والرجحان. العزيز: الغالب ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] قال الشاعر [من الوافر]: كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح قطاة عزّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح فلا في الليل نالت ما ترجّي ... ولا في الصبح كان لها براح (١) وفي البيت الثاني تنبيهان: أحدهما: أن قوله «عزها» قد تصحف «غرها». الثاني: أن ابن عبد البر قال في «الاستذكار» (٢) إن الرواية: «وقد غلق الجناح»، بالغين

стр. 122

المعجمة، من قوله ﵇: «لا يغلق الرهن من راهنه الذي رهنه (١)» وهو غريب، والمشهور هو الأول. تقول العرب: من عز بزّ (٢) أي: «من غلب سلب» والعزيز أيضا: الممتنع. ويقال: تعزز في قلعته، أي: امتنع بها. والعزيز: الذي لا يوجد مثله. تقول: هذا صنف عزيز فيفسر كل مكان بما يليق به واللائق هنا الغلبة. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)﴾ جاء وفد نجران يجادلون رسول الله ﷺ في أمر عيسى فقال لهم: «ألستم تعلمون أن عيسى صور في الرحم، وكان لا يعلم من العلم إلا ما علمه الله» فنزلت: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ (٣). ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ وهي النصوص التي لا تحتمل إلا معنى واحدا، والظواهر التي تحتمل معنيين فصاعدا، إلا أن أحدهما سبق إلى الذهن، فالنص والظاهر يشتركان في الرجحان، إلا أن النص مانع من النقيض، والظاهر غير مانع.

стр. 123

والمتشابه: الذي يحتمل معنيين فصاعدا، فإن تساويا، فهو مجمل، وإن ترجح أحدهما فالمرجوح مؤول، فالمجمل والمؤول يشتركان في عدم الرجحان، إلا أن المجمل ليس بمرجوح، والمؤول مرجوح. والقدر المشترك بينهما هو المتشابه. واعلم أن لفظ المتشابه متشابه، فيطلق المتشابه على الملتبس، وهو اللائق بهذه الآية ويطلق فيراد به الذي يشبه بعضه بعضا ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١) فلذلك جاء هاهنا انقسام الآيات إلى محكم ومتشابه، وجاء في آيتين جعل الكتاب كله متشابها، وجعله كله محكما، ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ [الزمر: ٢٣]. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ﴾ يعني: الآيات المحكمات يرجع إليها في كل المتشابه. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الزيغ واللحد والحنف في اللغة هو الميل، لكن جاءت الشريعة باستعمال الزيغ واللحد في الشر، واستعمال الحنف في الخير. ﴿شَيْئاً﴾ يجوز أن يكون مفعولا (٢١ /ب) به، ويجوز أن يكون مصدرا. ﴿كَدَأْبِ﴾ كعادة وكثر استعمال الأخذ في القرآن في العقوبة. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ (١٦) الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] ﴿فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر] ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ﴾

стр. 124

﴿رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢] [النازعات] ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ﴾ [القصص: ٤٠]. تقول: حلف زيد بالله لأفعلن، فتحكي لفظه، وليفعلن فتحكي معناه كذلك (سيغلبون) حكى معناه بقوله لهم، أي: قل لهم لفظا يؤدي معنى ما قلته لك. ومن قرأ ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ (١) حكى لفظه. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ يريد يوم بدر، وكان المسلمون يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر، والكفار ما بين التسعمائة إلى الألف، يرى المؤمنون الكفار مثلي أنفسهم، قللهم في أعينهم؛ ليهجموا عليهم. وقيل: يرى الكفار المؤمنين مثلي الكفار، ليزداد عظمهم. قوله: ﴿وَالْقَناطِيرِ﴾ ليس معطوفا علي البنين؛ لأن المراد حب الشهوات من النساء والبنين وحب القناطير. ﴿مَتاعُ﴾ أي: شيء استمتع به، ويراد به: القلة، والمآب: المرجع. الإشارة بذلكم إلى ما زين للناس حبه من الشهوات المذكورة. ﴿وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ من الحيض والنفاس والبول ومساوئ الأخلاق، وقبائح الأفعال ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ مبتدأ، وليس بصفة للعباد. وجعلوا الإيمان سببا للغفران والخلاص من النيران. وكذلك في آخر السورة، وزاد فيه: الوفاة مع الأبرار، بعد قوله: ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ (١٩٣) [آل عمران: ١٩٣]. ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ أقام الأدلة الشاهدة على وحدانيته من عجائب أفعاله، وتنوع مخلوقاته، فقام ذلك مقام الشهادة بالوحدانية، فعبر عن الشهادة بالإعلام، أو بإقامة الشهادة. ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ عائد إلى الله وحده ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ كما تقول: عندي في هذه المسألة كذا. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩)﴾ ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ﴾

стр. 125

﴿وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)﴾ ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ في نبوة محمد ﷺ ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بإخبار أنبيائهم بصفاته في كتبهم، ولم يحملهم على ذلك إلا البغي، وهو المفعول لأجله ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ﴾ يحاسبه الله ويعذبه، وجاز العطف على ضمير أسلمت بقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ لحصول الفصل بينهما. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ همزة إنكار. وقيل: استفهام ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: مع علمهم بأن قتلهم واقع بغير حق، لم تقع شبهة تورطهم في ذلك. وروي أن أنبياء بني إسرائيل قاموا في الناس فوعظوهم في قتل الأنبياء، فقام جماعة من المؤمنين فأنكروا قتل الأنبياء، فقتلوا الآخرين، وأقاموا سوق بقلهم في آخر النهار. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: فاجعل عوض البشارة بالخير إنذارهم بعذاب أليم؛ كقوله [من الوافر]: ... تحية بينهم ضرب وجيع (١). والتغيّر يكون بخير وبشر، فهو حقيقة بالنسبة إلى أصل الوضع، لكنه صار منقولا في العرف إلى أحد الأنواع وهو الخير، فالإخبار بالشر حقيقة بالنسبة إلى أصل الوضع، مجاز بالإضافة لنسبته إلى العرف، وهو كالدابة كانت عامة في كل ما دب ودرج في أصل الوضع، ثم خصصها العرف بذوات الأربع، فصارت مجازا عرفيّا فيما عداها.

стр. 126

أصل «الحبط» انتفاخ البطن، وهو مجوف، ومنه: الحبنطي، للكبير البطن، بزيادة النون والألف، بدليل قولك في تصغيره: حبيط أو: حبينط، شبه حبوط أعمالهم بهلاك من حصل له الحبط. ونفي الناصر الواحد أبلغ من نفي الجمع. وإنما قيل: ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ردّا لما كانوا يعتقدونه من شفاعة الأصنام ﴿وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ [يونس: ١٨]، ونصرتها لهم ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس] ذلك بسبب استهانتهم بعذاب الآخرة. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)﴾ وظنهم قصر مدته في حقهم، وزعمهم أنهم لا يعذبون ﴿إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ وهو افتراء اختلقوه واغتروا به. ﴿فَكَيْفَ﴾ يكون حالهم إذا جمعوا في القيامة ووفي كل أحد جزاء كسبه. ﴿مالِكَ الْمُلْكِ﴾ أعظم من الملك؛ لأنه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، ولا يلزم أن يكون الملك كذلك. وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أدب مع الله ؛ لأن قسيمه وهو الشر مخلوق لله، لكن

стр. 127

الأدب: الانكفاف عن إطلاق نسبته إلى الله - تعالى - كما لا يقال: يا خالق الكلاب والذباب اغفر لي، وإن كان حقّا في نفسه. ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ﴾ أي: ما نقص من أحدهما زاد في الآخر. وقيل: يغشي الليل النهار، ويغشي النهار الليل. ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي: وتخرج المؤمن من الكافر. وقيل: الآدمي من النطفة ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الكافر من المؤمن. وقيل: النطفة من الحيوان. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي كثير. ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ﴾ يخصونهم بالمودة، أي: يطلعونهم على عورات المسلمين، ويودون لو ظهر الكفار على المؤمنين ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ﴾ ولاية ﴿اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا﴾ ذلك في صحبتهم ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ﴾ عقوبته؛ فإن ذاته لا تخشى كما قال: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ﴾ مستأنف، لا يجوز عطفه على جواب الشرط؛ لأن علمه بذلك ليس معلقا بإبدائنا وإخفائنا، ولو كان متعلقا به لكان مجزوما. قيل: الوقف على قوله: ﴿مُحْضَراً﴾. وقيل: بل الوقف على قوله: ﴿وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ لأن كليهما يحضر يوم القيامة (١). وأما قوله: ﴿تَوَدُّ﴾ فهو خبر على القول الأول؛ لقوله: ﴿وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾. وعلى الثاني: حال، أي: وادّة. لكن يقوي الأول قوله: ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾؛ لأنها لا تود ذلك في الخير، فيختص وادّه بقسم ما عملت من سوء. والرأفة: أشد الرحمة. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ﴾ تريدون محبة الله فأطيعوا رسوله يحببكم، ويغفر لكم. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يجوز أن يكون مضارعا مجزوما خطابا، وأن يكون ماضيا. قيل: يقال: آل زيد، ويعنون زيدا، ومنه: آل إبراهيم، وآل عمران. وقيل: آل إبراهيم: ذريته. وإن أريد بعمران: أبو موسي وهارون فهما آله، وإن أريد بعمران: أبو مريم، فآله يحيى وعيسى ومريم، وإن أريد بالعالمين: عالمي زمانهم. ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ ﴿إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾

стр. 128

﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ﴾ في اتباعهم للحق، فصار كل واحد منهم كالجزء من الجملة، ومنه قوله ﵇: «من غشنا فليس منا» (١) وقال الشاعر [من الوافر]: ... فإني لست منك ولست منّي. كانت حنة أم مريم نذرت وهي حبلى أن ولدها يكون خادما للكنيسة، وكان ذلك جائزا في شرعهم، فولدت أنثى وهي مريم، فشكت إلى ربها إخلاف ظنها أن يكون حملها ولدا ذكرا يخدم الكنيسة. فمن قرأ ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ بضم التاء، كان من كلامها، يعني: وأنت يا رب العالم بذلك. ومن قرأ ﴿بِما وَضَعَتْ﴾ (٢) وهو شاذ، كان من الله، أو من كلام الملائكة. قيل لها: لا تحتقري هذه المولودة، فالله أعلم بجلالة قدرها وأنه يخرج من ذريتها نبي كريم على الله، يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ومن قرأ ﴿بِما وَضَعَتْ﴾ كان من كلام الله، وليس خطابا لها (٢٣ /أ) ومعناه: أعلم بشرف هذه المولودة. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ ومريم هي الخادمة. وقيل: مريم الكثيرة الزيارة للرجال والأول أشبه بهذه المولودة. ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مولود يولد إلا ويمسه الشيطان غير مريم وابنها؛ لأنه جعل بينه وبينهما حجاب، فأراد الشيطان الطعن عند ولادة كل واحد منها فطعن في الحجاب، ولم يصل»، ثم تلا ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ﴾

стр. 129

﴿الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (٣٩)﴾ قرئ شاذا ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ ﴿وَأَنْبَتَها﴾ ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ بالنصب (٢)، وعلى صيغة الدعاء في الأفعال الثلاثة. فحملتها حنة عند وضعها، وكان أبوها عمران صاحب قربانهم، فتنافس فيها أحبارهم أيهم يكفلها فتقارعوا، وكانوا يكتبون التوراة، وهم على شاطئ نهر، فألقوا أقلامهم، وقلم زكريا معهم، فثبت قلم زكريا، وسارت أقلامهم مع الماء وهو معنى قوله: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. وقولها: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ إشارة إلى أنه مما لا يكتسب بفعل الآدميين، وإلا فالأرزاق كلها من عند الله، ونظيره: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ أي: ليس ذلك العلم مما يكتسب بالمباحث ولا بالدراسة. ﴿هُنالِكَ﴾ أصلها أن تكون للمكان، وتستعار للزمان، وهما في هذا الوضع محتملان، وكذا قوله: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾. ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ﴾ مذهب البصريين: أن النداء لا يغني فيه القول، بل لابد من صريح القول، فالتقدير: فنادته الملائكة قائلين. وقال الكوفيون: لا يحتاج إلى إضمار القول؛ لقيام النداء بمعناه، ومثله قول الشاعر [من الرجز]: رجلان من ضبّة أخبرانا ... إنا لقينا رجلا عريانا (٣)

стр. 130

فالبصري يقول: أخبرانا فقالا: إنا لقينا. والكوفي لا يحتاج إلى ذلك (١). فمن فتح أن فالتقدير: فنادته بأن الله (٢). والمحراب: صدر المجلس. وقيل: المجلس الحسن ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ﴾ [سبأ: ١٣]. ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ قيل: بعيسى. وقيل: بالتوراة والإنجيل ﴿وَحَصُوراً﴾ منع نفسه من إتيان النساء. وقيل: كانت به عنّة (٣). والأول أصح؛ لأن العنّة مرض لا يثاب من بلي بها على ترك الزنى، ولا يمدح بها، وإنما يمدح على مجاهدته نفسه فيما يستطيعه. ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾

стр. 131

العاقر: الرملة التي لا تنبت، شبهت بها المرأة التي لا تلد، ولم يقل: عاقرة؛ لاختصاص الوصف بالمؤنث؛ كالطامث والحائض. ﴿رَمْزاً﴾ أي: إشارة، وكان يستعصي عليه الكلام ولسانه كما قال: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم] وكان إذا أراد ذكر الله انطلق لسانه. ﴿اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ يريد الألفاظ التي يدل عليه هذا المجموع، وإلا فالاسم عيسى وحده. سمي مسيحا؛ لأنه ولد ممسوحا بالدهن. وقيل: مسيح القدم أي: ليس لرجله أخمص، وهذا ضعيف؛ لأن الأخمص به تستمسك الرجل عند زللها، ولا يمدح به من ابتلي به. وقيل: هو مأخوذ من السياحة في الأرض وهذا يقتضي تأخر التسمية بذلك حتى يصير سائحا. وقيل: سمي مسيحا؛ لأنه يمسح أرباب العاهات والأمراض فيعافون وعليه الإشكال الذي قبله. ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ فإن قلت: الكلام في الكهولة ليس بعجب! فجوابه من وجوه: ويكلم الناس في المهد وكهلا كلاما متساويا لا يختلف في الصغر والكهولة. وقيل: يكلم الناس في المهد وكهلا إذا نزل من السماء في آخر الزمان. وقيل: كل من تكلم في المهد مات قبل أن يصير رجلا؛ لئلا يفتتن به إلا عيسى، فيكون هذا بشارة بحياته إلى الكهولة. وقيل: يكلم الناس في المهد بالحكمة، وكهلا بالنبوة. الهاء في فيه تعود على الكاف في «كهيئة»، أي: ينفخ في الذي هو مثل الطير. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ من لحمان الإبل، والتصرف في السبت، وغيرهما من الأحكام التي خالفت شريعة عيسى ﵇ فيها دين اليهود، وسمي ما أوتيه عيسى آية؛ لأن كل واحد منها آية، تقول: كسانا الأمير حلة، أي: كل واحد؛ لأن عيسى ﵇ أوتي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وشفاء كل واحد من أولئك المرضى وأرباب العاهات آية. ﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ﴾

стр. 132

﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ ﴿فَلَمّا أَحَسَّ﴾ أي: علم علما جليّا يشبه المعلومات بالحس ﴿مَنْ أَنْصارِي﴾ ذاهبا أو متوجها ﴿إِلَى اللهِ﴾ ﴿الْحَوارِيُّونَ﴾ أصحاب عيسى، وكانوا قصّارين يحورون الثياب أي: يبيضونها، قيل: ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ بذلك. وقيل: مع أمة محمد؛ لأنهم شهدوا على الناس ﴿وَمَكَرُوا﴾ وأخفى الله ما يريده منهم من الشر، وسمي جزاء المكر مكرا ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: منيمك. فرفع إلى السماء نائما؛ كي لا يجزع عند بعده عن الأرض صاعدا. وقيل: متوفيك: ملاقيك بأنبيائي وملائكتي. وقيل: متوفيك بعد نزولك إلى الأرض، والواو لا تقتضي الترتيب (١). والتقدير: إني رافعك إليّ ومميتك. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾ ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ﴾

стр. 133

﴿تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أمة محمد ﷺ ؛ لأنهم صدقوا بجميع ما في الإنجيل من صفات النبي ﷺ ﴿ذلِكَ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع أو نصب؛ لاشتغال الفعل بضميره؛ كقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ [يس: ٣٩] بالرفع والنصب (١). ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ أي: المحكم، كقول الشاعر [من الكامل]: وقصيدة تأتي الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها (٢) ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ﴾ في حصوله بغير الأم ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ وزاد آدم بفقد الأم. ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ أي: قدّر خلقه. ولذلك قال: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ بخلاف قوله في سورة الفرقان: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ (٢) [الفرقان] فإنه عطف التقدير علي الخلق،

стр. 134

فكانا متغايرين. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي: من وفد نجران وغيرهم. أصل «تعالوا» أن يقال لمن كان في مكان منخفض، فتناديه من مكان عال: تعال أي: ارتفع حتى أجتمع بك، ثم كثر استعماله فصار يدعو به المساوي من ساواه في المكان، ويدعو به الذي هو أسفل للذي فوقه. الكلمة: الجملة المقيدة وهو من قوله: ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ﴾ فتزعمون أنه كان يهوديّا أو نصرانيّا ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ﴾ اللذان شرح فيهما شريعة موسى وعيسى ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد موت إبراهيم ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد ﷺ ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتولى مصالحهم ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ «لو» بمعنى «أن». أجمع رأي جماعة من اليهود على أن يجتمعوا ويؤمنوا بالنبي ﷺ ، ويقولوا: وجدنا نعته في التوراة، يفعلون ذلك أول النهار، ثم يرتدون آخر النهار ويقولون: تبين لنا فساد ما اعتقدناه أول النهار، فيحصل بذلك ريبة في قلوب أهل الكتاب والمشركين (١). ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾

стр. 135

﴿أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ متعلق ب ﴿وَلا تُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو متعلق بما بعده مضمر، أي: إلا أن يؤتى أحد مثلكم ما أوتيتم شككتم وتركتم دين آبائكم ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ العطايا. ﴿قائِماً﴾ بالمطالبة والإلحاح، وكان اليهود يقولون لأوليائهم: ليس علينا في أخذ أموال الأميين جناح. ﴿فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: يحبهم، فعوض الضمير بالاسم الظاهر ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾ نزلت في الأشعث بن قيس (١) اختلف هو ورجل آخر في حدود أرض، فقال النبي ﷺ لخصم الأشعث: تحلف، فقال الأشعث: يا رسول الله إنه فاجر لا يبالي على ماذا حلف (٢). ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ نظر رحمة. وقيل: هو كناية عن الغضب، تقول: فلان لا ينظر إلى فلان أي: يبغضه ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يثني عليهم، أي: ولا يطهرهم. ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ قولك: «ما كان له أن يفعل تارة» يكون في المستقبل؛ كقوله: ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وتارة يكون للممنوع شرعا والممنوع شرعا كالممنوع حسّا؛ كقوله: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ [التوبة: ١٧] ﴿ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨]. والرباني: الذي يعلم الناس الخير، وكان يقال لابن عباس: هو رباني هذه الأمة. وقيل: هو الذي يربى في التعليم بصغار العلم قبل كباره، ويقويه قراءة ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد (٣).

стр. 136

﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)﴾ ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ اللام: لام الابتداء، ودخلت على «ما» الشرطية. و «جاءكم»: معطوف على «أتيتكم» ﴿إِصْرِي﴾ أي: عهدي. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ احتج به من زعم أن الإيمان هو الإسلام؛ لأنه لو ابتغى الكافر الإيمان لقبل، فلو كان غير الإسلام لما قبل (١).

стр. 137

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي: في اللعنة. ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ يريد به ما قال مشايخ الصوفية: إن من دام على فسق أو كفر إلى أن هرم، فبعد أن تصح منه توبة، أو يدوم عليها فأخبر هاهنا أن من كفر بعد الإيمان، ثم ازداد كفرا لا تصح له توبة نصوح، فلا تقبل توبته؛ لعدم نصوحها. قوله: ﴿وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ يعني: ولو بذله لما قبل، وليس المعنى أنه يحصل له الفداء به؛ فقد قال في آية أخرى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ [الزمر: ٤٧] أي: لبذلوه، ويدل على عدم قبول الفدية قوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] والعدل: الفدية، وفي الأنعام: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ [الأنعام: ٧٠]. «كان لأبي طلحة (١) حائط بالمدينة ملتف الأشجار، فنظر يوما إلى طائر قد دخل بين الأشجار، وطلب مخلصا، فلم يجده، فأعجبه ذلك، فلما نزل قوله: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قال يا رسول الله: إني سمعت الله يقول: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله ولرسوله، يعني بها ذلك الحائط فقال رسول الله ﷺ : «بخ بخ»، ذلك مال رابح فقال: ضعها يا رسول الله حيث شئت، قال النبي ﷺ : إني أرى أن تجعلها في الأقربين. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه» (٢). واسم هذا الحائط: بيرحاء - بفتح الباء، وسكون الياء، وضم الراء، ممدود لا ينصرف. وبير مضافة إلى حا. وقيل: كالوجه الثاني مقصورة الألف، بوزن فيعلى. كذا ضبطه

стр. 138

الزمخشري (١) وقيل: بيرحاء بكسر الباء، وسكون الياء، وضم الراء، إلا أنه مصروف. ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)﴾ روي: أن يعقوب ﵇ أصابه عرق النّسا (٢)، وتألم منه، فنذر لئن شفاه الله، ليحرّمنّ على نفسه أحب الطعام إليه، وكان يحب ألبان الإبل ولحومها، فلما شفي حرمها (٣)، وأما بقية المحرمات فسببها ظلمهم وصدهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا بعد تحريمه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، فلما سمع اليهود ذلك قالوا: إن هذه المحرمات ما كانت عقوبة، وإنما هي شريعة شرعها الله، فقال ﵇: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٩٣) ونزلت ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] الآيتين، ونزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى قوله: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (١٤٦) [الأنعام] وفيه تعريض بأنهم الكاذبون.

стр. 139

وقال في هذه الآيات: ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ﴾ أي: وكذبتم أنتم في دعواكم أن تحريمها لم يكن عقوبة، والفرية إن كانت في معنى التكذيب فنصب الكذب بأنه مصدر، على معنى الفعل كقولهم: قعدت جلوسا. وإن كانت الفرية أخص من الكذب؛ لأنها الكذب المختلق الذي لم يسبق قائله إليه فنصب الكذب بالمفعولية. ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ في التوحيد؛ لقوله: ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا عن الأديان إلا عن الإسلام. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ متعبدا ومتوجها إليه للصلاة ومحجوجا. قيل: بكة مكة. وقيل: مكة البلد، وبكة موضع المسجد سميت بكة؛ لأنها تدق أعناق الجبابرة، من قصدها من جبار قصمه الله. ﴿مُبارَكاً﴾ يجوز أن يكون مباركا فيه؛ كقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾ (٣٤) [الإسراء] عنه، ويجوز ألا يحتاج إلى إضمار جار ومجرور ويقال: باركك الله. ومنه ﴿شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥]. وقوله: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ﴾ [النمل: ٨] ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ ولم يذكر إلا مقام إبراهيم، وأمن من دخله، فقيل: في مقام إبراهيم آيات: إحداها: بقاؤه من العهد القديم ما يقارب ألفي سنة، ومنها: بقاء أثر رجل إبراهيم في الحجر، ومنها: تأثير رجل الآدمي في الحجر الصلب. وقيل: إذا دلت القرينة على الثالث، جاز حذفه لفظا؛ كقول الشاعر [من البسيط]: كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها (١) فيعرف أن الثالث من كان حرّ الأصل. قوله: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ﴾ بدل البعض من الكل، والضمير المصحح محذوف، والتقدير: من استطاع منهم؛ كقولك: السمن منوان بدرهم، أي: منه. ﴿تَبْغُونَها﴾ أي: تبغون لها عوجا ﴿وَأَنْتُمْ شُهَداءُ﴾ على استقامتها.

стр. 140

﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ «مر شاس بن قيس اليهودي على ملإ فيه المهاجرون والأنصار، فساءه تآلف قلوبهم واجتماعهم بعد قتالهم بالسيوف في يوم بعاث (١)، فجلس إليهم، وأنشد ما تقاولت به الأنصار في حروبهم، وما افتخرت به الأوس على الخزرج، والخزرج على الأوس، فغضب الفريقان، وأخذتهم الحمية، وقام بعضهم إلى بعض، وقال: السلاح السلاح، فسمع النبي ﷺ ، فجاء إليهم، فوعظهم، وذكرهم وقال: «أتدعون بدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم» فأصلح بينهم، فقاموا فتعانقوا وتباكوا، وعلموا أن تلك نزعة من الشيطان، ونزلت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً﴾ الآيتين» (٢). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧)﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾

стр. 141

﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾ ولما نزلت ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ شقت على الصحابة، وقالوا: أينا يطيق أن يتقي الله حق تقاته، فنزلت ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فقيل: نسختها. وقيل: قيدت مطلقها. وقيل: تقوى الله حق تقاته المراد به: ما كان مستطاعا، أي: ودوموا على الإيمان، حتى إذا جاء الموت صادفكم مؤمنين، وإلا فالموت لا ينهى عنه. ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ قبل بعثة النبي ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ ببعثته. ﴿يَوْمَ﴾ ظرف لا يعمل فيه عذاب الذي هو المصدر؛ لأن المصدر إنما عمل؛ لشبهه بالفعل، والفعل لا يوصف، فإذا وصف المصدر، بعد عن شبه الفعل. بل العامل في الظرف هو العامل في المجرور المقدر في لهم والتقدير: استقر لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي: فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ خبر. ويجوز أن يكون معناه الأمر، أي: ارجعوا بأموركم كلها إليه؛ كقوله: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ﴿كُنْتُمْ﴾ أي: في الأزل عند الله، أي: كنتم للناس خير أمة تقاتلونهم بالسيوف، وتأتون بهم في السلاسل فيدخلون في

стр. 142

الإيمان (١). ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً﴾ ولا يستطيعون أن يقهروكم. وقوله: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ مستقبل ليس معطوفا على ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾؛ لأنه مرفوع بثبوت النون، ويقاتلوكم، ويولوكم مجزومان بالشرط والجزاء، ويوضح ما ذكرته: أن تولية الأدبار إنما هو في القتال، فلذلك جعل جزاء له. وأما كونهم لا ينصرون، فهو أمر مستقر ليس معلقا على شرط. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي: أحاطت بهم إحاطة الخيمة بمن فيها، أينما قدر عليهم إلا بسبب وحبل من الناس بالأمان. ﴿وَباؤُ﴾ احتملوا، وكانوا كفوا له. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ﴾ أي: لن تدفع عنهم من عذاب الله شيئا. ﴿مَثَلُ﴾ مهلك ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح فيها صر، أي: باردة. وقيل: لها صوت. ﴿بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ من غير أهل ملتكم يطلعونهم على عورات المسلمين، لا يقصرون في إفساد ما بينكم ﴿وَدُّوا ما﴾ يشق عليكم ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ يريد به الرخاء والأمن والسعة، وليس المراد: الطاعة؛ إذ لا يقال لمن صلى: أصابته حسنة. ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وخوف وفاقة؛ إذ لا يقال لمن عصى: أصابته سيئة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾ ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ﴾

стр. 143

﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ إلى أحد ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ مواضع يحلون فيها قائمين وقاعدين. ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ﴾ بنو سلمة وبنو الحارث. قال جابر بن عبد الله: فينا نزلت معشر الأنصار، وما أود أنها لم تنزل؛ لقوله في آخرها: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ (١). ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ بقلة العدد والعدد، ولم يكن معهم في يوم بدر إلا فرسان. قيل: فلم يصبروا، وفارقوا المركز الذي وضعهم رسول الله ﷺ فيه، فانهزموا. وقيل: أمدهم بالملائكة، ولكنهم لم يقاتلوا إلا في وقعة بدر. ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ﴾ وما جعل الإمداد بالملائكة ﴿إِلاّ بُشْرى﴾ وإلا فملك واحد وهو جبريل ﵇ حمل مدائن قوم على جناحه وقلبها بهم، وصاح بقوم ثمود صيحة واحدة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. كبته: إذا غاظه أشد الغيظ. «وكان رسول الله ﷺ يقنت في الصلاة ويقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف» (٢) فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فكان كذلك؛ هدى الله منهم قوما للإسلام. قوله: ﴿أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾: مع أنه يحرم الربا وإن كان أقل من ذلك؛ لأنه أراد أن يحكي قبيح ما صنعوا؛ كقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] ويحرم أكل

стр. 144

مال اليتيم سواء أسرف وبذّر أو لم يكن ﴿وَسارِعُوا﴾ إلى أفعال أو أقوال تكون سببا للمغفرة والرضوان. ﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: مثل عرضها لو انضمت كل واحدة إلى بواقيها ﴿أُعِدَّتْ﴾ هيئت وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة الآن، خلافا للمعتزلة (١). ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (١٤٠)﴾ ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ نعت مجرور، ويجوز فيه النصب بإضمار أعني، والرفع على الابتداء والخبر، أي هم الذين. يقال: كظم القربة: إذا ملأها وسد فاها، والكظام: الخيط الذي يشد به فم القربة، والغيظ يحمل الإنسان على أقوال وأفعال لا تليق، فشبه مانع نفسه منها بمن كظم القربة أي: منعها من التبدد ﴿إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أي: كبيرة ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالصغائر. والإصرار: الربط والتصميم على ملازمة أمر، ومنه: الصرة لما تجمع من الدراهم وتربط شبه المصر على المعصية بالرابط على الشيء، المانع من تبدده. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: مضت من قبلكم عادة الله في إهلاك المكذبين وأنه إذا حل بهم العقاب لم تفد التوبة ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥]. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا﴾ آثار المهلكين وكانت قريش ومن معهم يجلبون الميرة (٢) في

стр. 145

رحلة الشتاء والصيف؛ فإن مكة واد غير ذي زرع، فيذهبون في الصيف إلى الشام؛ لأنها بلاد باردة، فيمرون على بلاد ثمود، وإلى مواضع بلاد قوم لوط التي قلبت بهم. ويسافرون في الشتاء إلى بلاد اليمن؛ لأنها بلاد حارة فيمرون على بلاد عاد بالأحقاف. والمراد بالهداية هاهنا: حصولها في القلب بخلاف قوله: ﴿فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت: ١٧] فالمراد فيها البيان. وها هنا جعل البيان عامّا والهدى خاصّا. والوهن: الضعف. القرح بالفتح المصدر. والقرح: الموضع المجروح، أو نفس الجراحة، وكان قد قتل من المسلمين بأحد سبعون، وقتل المسلمون من الكفار ببدر سبعين، وأسروا سبعين، فلذلك قال: ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ [آل عمران: ١٦٥] وقال ها هنا: ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أراد المماثلة في ألم القلب، لا في العدد ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ﴾ ذنوب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ أي: مع أنه يعلم؛ كقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤ - ٣٥] ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ والشهادة. ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ (١٥١)﴾
следующие страницы →