وفي جواب الشرط وجهان:
أحدهما: من كان عدوّا لجبريل فقد أخطأ الطريق؛ لأنه نزل الكتاب على قلب محمد مصدقا لما معكم من التوراة.
والثاني: من كان عدوّا لجبريل فهو حقيق بمعاداته له؛ لأنه بين زيف اليهود، وبما أنزله الله معه من الكتاب وقوله بعد ذلك: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ جزاؤه محذوف، التقدير: لم يعبأ الله بعداوته.
﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ﴾ يعني التوراة. وقيل: القرآن. ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: لم يعملوا بما فيه ولقد وضعوه على الكراسي وذهّبوه بالذّهب، وحلوا غلافه وخريطته (١) بالذهب والفضة، وطيبوه بالمسك والعنبر، ولم يعملوا به فقيل فيهم:
﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ثم استبدلوا به ما أخذوه من الرّشا على كتمان صفة النبي ﷺ وتغيير آية الرجم وغيرهما.
﴿وَاتَّبَعُوا﴾ معطوف على ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ﴿ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾ أي: تتبع، وقيل: ما تقرأ، أي: على عهد ملك سليمان. (٩ /ب) ﴿هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ اسمان أعجميان، ولذلك منعا من الصرف مع العلمية، ولا وجه لاشتقاقهما من الهرت والمرت (٢). ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: سبب فتنة. وقيل: شيء مستحسن؛ كقولهم في الشابة الجميلة: إنها فتنة.
وقد علق على فعل العلم باللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ والخلاق:
النصيب ﴿وَلَبِئْسَ ما﴾ باعوا ﴿بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ كقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعوه.
العصاة (١) منسأة؛ لأنها تؤخر عنك ما تكرهه. ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ أي: نجعلها منسية من القلوب بعد حفظها ويجوز نسخ الحكم والتلاوة معا، ونسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ الحكم دون التلاوة، ويجوز نسخ الفعل قبل مجيء وقته؛ لقصة الذبيح، خلافا للمعتزلة (٢)، ويجوز نسخ الحكم إلى أخف منه؛ لأنه خير للمكلف في تخفيف المشقة عنه، وإلى أثقل منه؛ لأنه خير للمكلف في كثرة الثواب. ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسطه؛ كقوله ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥].
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ «لو» بمعنى: أن؛ كقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦] ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ منسوخ بنزول القتال ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ تجدوا ثوابه عند الله. الهود: جمع هائد، كالعود: جمع عائد ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ جملة حالية. ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ من كفار المشركين وعبدة الأوثان، فشبه هؤلاء مع كونهم أهل كتاب مع عبدة الأوثان من غير شبهة ظاهرة.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾
стр. 74
أي: لا أحد في المانعين أظلم ممن منع مساجد الله ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بدل اشتمال من قوله: ﴿مَساجِدَ اللهِ﴾ قيل: المراد بالمساجد الكعبة، وجمعها؛ لأن المساجد كلها تتوجه نحوها، وأراد: أنهم منعوا رسول الله ﷺ والمؤمنين عام الحديبية (١٠ /أ) وصدوهم عن المسجد الحرام (١). وقيل: المراد بيت المقدس (٢). وقيل: جميع المساجد وهو ظاهر اللفظ (٣).
﴿وَلِلّهِ﴾ بلاد المشرق والمغرب ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا﴾ من الجهات ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ قيل: المراد فأينما تولوا وجوهكم للدعاء. وقيل: أراد صلاة النافلة في السفر.
وقيل: أراد أنه إذا التبست القبلة في السفر وأدى الاجتهاد إلى جهة فهي القبلة ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ﴾ العطاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح. الهاء في ﴿سُبْحانَهُ﴾ مجرورة بالإضافة إلا أنه مضمر مبني، ولو ظهر في اسم ظاهر؛ كقولك: سبحان الله لكان في موضع اسم الله قولان: النصب بتقدير: سبّحت الله. والرفع بتقدير: ينزه الله، واستدل بعضهم بهذه الآية على أن من ملك ولده عتق عليه (٤)، فإنك لا تقول: فلان ليس بعالم، بل هو من أهل البصرة، ما لم يكن كونه من أهل البصرة مانعا من العلم.
والقنوت: السكوت. وقيل: الخشوع. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بديعة سماواته كقولك: حسن الوجه ﴿فَإِنَّما يَقُولُ﴾ لأجل تكوينه ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ نقترحها.
стр. 75
﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ (١) فإنهم في شدة لو وصفتها لك لم تتمالك، أو لو وصفتها لك [لم أستطع أن أستوعب أوصافها؛ لما يحصل بخاطري من التكدر بذلك] (٢).
وقيل: سأل رسول الله ﷺ الله بأن يأذن له في الاستغفار لأبيه، فلم يأذن له، وقيل:
قال: «ليت شعري، ما فعل أبواي»؟! فنزلت ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ (٣) أي: أنت غير مسؤول عنهم ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾.
стр. 76
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ وما تعتقدونه أنه هدى فهو هوى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ ولم يقل: هداهم.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ أي: يتبعونه حق اتباعه (١)؛ كقوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] وقيل: يقرؤونه حق القراءة بالترتيل، وإعطاء كل حرف حقه.
﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ ثلاث نكرات في حيز النفي يفيد العموم، أي: لا تجزي نفس قط عن نفس قط شيئا من الأشياء ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ﴾ و «هم» في قوله: ﴿وَلا هُمْ﴾ راجع إلى مرجع الضميرين من قبله. (١٠ /ب) ﴿يُنْصَرُونَ﴾ أي: يخلّصون، ومنه: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾، [هود: ٦٣] ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأنبياء:
٧٧] فمتى عدي الجزاء بلفظة «من» كان بمعنى التخلص، وإن عدي ب «على» كان بمعنى الظهور والغلبة.
﴿اِبْتَلى﴾ امتحن ﴿بِكَلِماتٍ﴾ قيل: هي قوله: ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً﴾ إلى آخر الكلام
стр. 77
وقيل: هي الفطرة، وهي عشر: خمس في الرأس، وخمس في الجسد (١) ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن. سأل إبراهيم الإمامة لذريته، فقال: ليس يصلح كل ذريتك للإمامة.
﴿مَثابَةً﴾ مرجعا يثوب الناس إليه. وقيل: يرجع كل حاج؛ لأنه يأتيه لطواف القدوم، ثم يرجع إليه لطواف الركن بعد الوقوف بعرفة، ثم يرجع إليه لطواف الوداع. ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قيل: فيه دليل على وجوب ركعتين بعد الطواف (٢). وقيل: مصلى:
مدعى، أي: موضع دعاء؛ حملا على الصلاة اللغوية. بدأ بالطائفين؛ لاختصاص الطواف بما حول البيت من حرمة، ثم بالعكوف؛ لأنه مختص بالمساجد ولا يختص بالكعبة، ثم بالركع السجود به الذي لا يختص بالكعبة ولا بالمساجد؛ كما قال ﵇: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (٣).
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١)﴾
стр. 78
نزل إبراهيم بهاجر وإسماعيل بين جبال مكة، وليس هناك بنيان، فسأل الله أن يجعل ذلك المكان بلدا، ثم جاء لزيارة ابنه فرآها قد صارت بلدا فسأل الله - تعالى - أن يجعل ذلك البلد آمنا، وسأل إبراهيم الرزق لمن آمن منهم بالله، فقال - تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني: إني لا أقطع الرزق عن الكافر بسبب كفره، بل أرزق المؤمن، والكافر أمتعه قليلا.
قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ رفع البنيان سافا فوق ساف (١) وإذا رفع البنيان بالأساس فارتفع فقد رفعت القواعد. وقيل: يقال: قعد البناء ثبت بالقواعد وهي الأساس والأصل لما فوقه. وقيل: يرفع إبراهيم ما سقط من جدران البيت.
أي: قائلين: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ وهذا الفعل في محل النصب على الحال.
وقوله: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ إلى آخره، جمل ثلاث بعد القول [حال أي: يرفعانها قائلين] هذا القول. وقوله ﵇: «أنا دعوة إبراهيم» (٢) حين قال: ﴿رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. أهانها وبخسها؛ كما تقول: سفهت نفس زيد، فحول وصار «سفه زيد نفسا» (١١ /أ) كقولك: تصبب عرق زيد، وتصبب زيد عرقا، ثم اتصل الضمير بالنفس، فصار: سفه نفسه.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ تقديره: وإنه صالح في الآخرة من الصالحين، ولا يجوز أن تعمل الصالحين في قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؛ لأن اللام في الصالحين موصولة، ومعمول الصلة لا يجوز أن يتقدم على الموصول. كذلك قوله: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠].
وأجاز ابن السراج (٣) أن يعمل فيما تقدم من المجرور وغيره، وجعل الألف واللام غير
стр. 79
موصولة، وإنما هي لمجرد التعريف، ومثل هذه الآيات: ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨].
أي: إني قال لعملكم من القالين. وقوله: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] أي: ناصح من الناصحين ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] أي:
شاهدين عليها من الشاهدين، وأمثالها كثير (١).
стр. 80
﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾
﴿اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أعطاكم صفوته، فالزموا الإسلام حتى إذا أدرككم الموت، أدرككم وأنتم عليه كأن الميتة التي ليست على الإسلام منهي عنها، ولذلك قال: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. وقد جعل إسماعيل من بني إسرائيل، وإنما هو عم لهم، فجعل العم بمنزلة الأب، كما جعلت الخالة أما في قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وإنما كان المرفوع أبوه وخالته (١).
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١) سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾
﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ بل نكون أهل ملة إبراهيم حتى نطابق هودا أو نصارى.
стр. 81
لو آمنوا بمثل ما آمنا به لكفروا، فنحن آمنا بالله، وليس لله مثل نؤمن به، بل لفظة مثل زائدة، أي: فإن آمنوا بما آمنتم به. وقيل: ليست زائدة. والتقدير: فإن دخلوا في الإيمان بمثل ما دخلتم فيه من الثبات على الحق، وعدم الريب والشك.
﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ مصدر، والتقدير: صبغ الله صبغته. ﴿شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ أي:
شهادة حصلت من جهته وبتوفيقه.
ومثل هذا التفضيل جعلناكم أمة وسطا، أي: خيارا ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي:
أفضلهم. وقدم «شهداء» على «الناس»؛ لأن شرفهم في كونهم شهداء، وأخر «شهيدا» في قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ لأن الشرف في تزكية الرسول لهم، وثنائه عليهم.
﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾. وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: لنرى (١). وقيل: لنميز. وقيل: لنعلم العلم (١٢ /أ) واقعا، وفيه نظر (٢). ﴿وَإِنْ كانَتْ﴾ التحويلة ﴿لَكَبِيرَةً﴾ لما حصل بسببها من استهزاء أصحاب الأديان؛ لأنهم جعلوا النسخ يقتضي البداء وهو لا يليق بالله ﷻ (٣).
стр. 82
ولما حولت القبلة قال بعض المسلمين: ما يفعل الله بصلوات من مات مستقبلا بصلاته بيت المقدس، فنزلت ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ (١) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنهم محسنون باستقباله بالأمر الأول، والله لا يضيع أجر المحسنين.
﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾
﴿قَدْ نَرى﴾؛ كقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
قد أترك القرن مصفرّا أنامله (٢) ...
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته (٣) ...
قد نخضب العسر من مكنون قائله ... وقد يشطّ على أرماحنا البطل (٤)
стр. 83
وقد أغتدي والطير في وكناتها (١) ...
في أن التوقع، وقلة ما يأتي بعد قد ليس مرادا في هذه الأمثلة، بل المراد الكثرة.
﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ في جهات ﴿السَّماءِ﴾ تنتظر نزول الوحي باستقبال الكعبة.
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ أي: جهته. واحتج بعضهم بهذه الآية على أن من بعد عن القبلة ففرضه جهتها، لا استقبال عين الكعبة؛ لأنه أمر هاهنا باستقبال المسجد، وهو أوسع من الكعبة (٢). ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ لكونه مذكورا في كتبهم.
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (١٥٣)﴾
قال عمر لعبد الله بن سلام ﵄: يقول الله في كتابه: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾ نشدتك الله، هل كنت تعرف رسول الله ﷺ كما تعرف ابنك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ لأنني عرفته بصفاته المذكورة في التوراة، وأما ابني فما أدري ما صنع النساء، فقبل
стр. 84
عمر رأسه وقال: وفقك الله يا ابن سلام (١).
﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه حق، وأن الكتمان محرم.
﴿هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا﴾ إلى الخيرات الفاضلات من الجهات. ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ ليجازيكم على امتثال الأمر باستقبال الكعبة. أو بامتثال جميع الأوامر.
﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: شبهة؛ لأن كتابهم يدل على أنهم سيحولون إلى الكعبة، فيقولون: هؤلاء لا أمجاد لهم باقية، يقولون: فإن كان استقبال بيت المقدس (١٢ /أ) هو الحق فلم صرفوا عنه الآن؟ وإن كان استقبال الكعبة هو الحق فلم لا تعبدوا به من قبل؟ وجهلوا أن الله يفعل ما يشاء، فيحرم الشيء في وقت، ويحلله في آخر، كما ينهى الطبيب المريض في أول المرض عن الزفر (٢)، ثم يأمره بعد الأسبوع.
قوله: ﴿كَما أَرْسَلْنا﴾ معناه: لأتم نعمتي عليكم كما أتممتها ببعثة الرسول. وقيل: هو متعلق بما بعده، أي: كما أرسلنا فيكم رسولا ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ في الرخاء ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ في الشدة. أو:
اذكروني بالتبجيل والتعظيم أذكركم بمثله، وفي الحديث فيما يرويه النبي ﷺ عن ربه : «من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٣).
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ﴾
стр. 85
﴿اللاّعِنُونَ (١٥٩)﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾
﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ أي: عمن يقتل؛ كقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] ولم يقل: ما سبقتمونا وكقوله: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] ولو كانوا مخاطبين لإخوانهم لقال: لو أطعتمونا ما قتلتم.
﴿بَلْ أَحْياءٌ﴾ أي: بل هم أحياء. وعن بعضهم: «عجبت لمن ابتلي بأربع، كيف لا يفزع إلى أربع، من ابتلي بمصيبة كيف لا يقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ والله تعالى يقول: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] وعجبت لمن خاف من ظالم كيف لا يقول:
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤] والله - تعالى - يقول: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥]، وعجبت لمن تمالأ عليه الناس كيف لا يقول:
﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ والله - تعالى - يقول: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] وعجبت لمن ابتلي بالغم كيف لا يقول: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ والله يقول: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]».
﴿الصَّفا﴾ أصله: الصلب، ثم خص به الحجر المعروف بمكة. ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾ الحجر ثم فعل به ما فعل بالصفا، وهو كتخصيص الكتاب بسيبويه، والبيت بالكعبة، وابن عمر (١٢ /ب) وابن عباس وابن الزبير بالعبادلة دون إخوانهم. والشعائر: أعلام الدين.
وقال عروة لعائشة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ فلا أرى بأسا على من حج البيت أن لا يطوف بهما.
فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، لو كان كما قلت لكان: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، وإنما تحرجوا من الطواف بهما؛ لأنه كان على الصفا صنم، وعلى المروة آخر، فإذا سعوا بينهما تمسحوا بهما، فتحرج المسلمون من ذلك، فرفع الحرج عنهم (١).
стр. 86
والسعي ركن من أركان الحج لا يتم إلا به، ولا يجبر بدم. وسعى رسول الله ﷺ وقال:
«أيها الناس اسعوا فإنّ الله كتب عليكم السّعي».
﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ (١٦٧) يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي: في اللعنة. ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ تعاقبهما، يذهب هذا ويخلفه الآخر.
وقيل: اختلافهما في الطول والقصر. ﴿وَبَثَّ فِيها﴾ معطوف على ﴿وَما أَنْزَلَ﴾ أي:
وفيما بث فيها. وقيل: معطوف على ﴿فَأَحْيا﴾ والتقدير: وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض، وبث به الدواب؛ لأن الماء سبب عيش الحيوان.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ بين جنوب وشمال، وصبا (١) ودبور (٢). وقيل: تصريفها: يجعلها
стр. 87
عاصفة، أو رخاء لينة (١). ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾ كحبهم لله؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾.
﴿وَمَثَلُ﴾ داعي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ وقيل: ومثل الذين كفروا، كمثل مدعو الذي يعنق. وقيل: الوجهان ضعيفان؛ لأن البهائم التي تنعق بها تسمع الصوت، وتسمع منه طلب الانتهاء عما نهيت عنه، وأما الأصنام فلا يقرع سمعها صوت ولا غيره، فلا يقع التشبيه مطابقا، بل التقدير: مثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام عند ضروراتهم، كمثل الذي ينعق بسائر الجمادات. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ بعد قوله:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
والمؤمنون لا يعبدون إلا الله؛ قيل: هو بعث لهممهم، وتهييج لعزائمهم، وهو كما تقول لابنك: إن كنت ابني فأطعني، وأنت غير شاك في بنوته، لكن مرادك: أن قضية البنوة تقتضي طاعة الأب، ويمكن أن يقال: إن تقديم خبر كان يدل على الحصر، والتقدير: إن كنتم ممن يخصه بالعبادة، لا ممن يعتقد الشركة.
ويروى عن داود الظاهري أنه أباح شحم الخنزير ومخه، وكل ما لا [يؤكل منه، فإنما] يخص ذلك بالتحريم (٢). والإهلال: رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا (١٣ /أ) لأصنامهم رفعوا أصواتهم بذكر اللات والعزى. ويقال: المستهل: المولود صارخا، وسمي الهلال هلالا؛ لأنهم كانوا إذا رأوه رفعوا أصواتهم بالتكبير (٣).
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾ على إمامه ﴿وَلا عادٍ﴾ متجاوزا حدّ الشبع.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى﴾
стр. 88
﴿النّارِ (١٧٥)﴾ ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾
﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ استبدلوها. ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ﴾ أي: فما أطول حبسهم في النار، والصبر: الحبس، ومنه يقال: قتله صبرا إذا أمسكه ليقتل بين يديه. وقيل: ما استفهامية، وليست تعجبية.
قوله: ﴿وَآتَى الْمالَ﴾ يريد: الزكاة. وقيل: يريدها هي والتطوع. قوله:
﴿وَالْمُوفُونَ﴾، ﴿وَالصّابِرِينَ﴾ منصوب، وهو من باب عطف الصفات بالواو، واقتطاعها بالرفع والنصب جائز.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ عما يجب له من الدم على مال، فالواجب من الطالب اتباع المعروف، ومن المطلوب أداء بإحسان.
وكان في القتل العمد على عهد موسى القصاص لا غير، وعلى عهد عيسى الدية لا غير، وخيرت هذه الأمة بينهما، والتخيير تخفيف. ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ وقتل بعد العفو على مال، قتل قصاصا.
﴿الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ أفصح من قول العرب: القتل أنفى للقتل؛ لأنهم جعلوا القتل كله نافيا للقتل، وليس النافي على التحقيق إلا قتل القصاص؛ ولأنه جعله أنفى، وأفعل التفضيل تقتضي الاشتراك غالبا، فيكون ترك القتل نفيا للقتل، وليس كذلك؛ ولأن القصاص حياة يحصل المعنى، وهو عشرة أحرف، وقولهم: القتل أنفى للقتل أربعة عشر حرفا؛ لأنه أخصر؛ لأنه بين كل حركتين من كلام العرب ساكن فلا ينبسط اللسان بالنطق؛
стр. 89
لأن السكون قطع للحركة، واحتباس عنها (١). والمراد: ولكم في القصاص حياة أي: حياة مضمومة إلى الحياة الأصلية، فلو عرف الحياة فقال: «ولكم في القصاص الحياة» لاختل المعنى، وكان يظن أن الحياة الأصلية مستفادة من القصاص، ونظيره قوله - تعالى - في العسل: ﴿فِيهِ شِفاءٌ﴾ [النحل: ٦٩] ولم يقل: فيه الشفاء؛ لئلا يظن أن الشفاء منحصر في العسل (٢).
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾
كانت الوصية بما يخلف الإنسان فرضا عليه قبل نزول آيات المواريث. ﴿حَضَرَ﴾ كناية عن حضور أسبابه. والخير: المال والاكتساب ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] فلما نزلت آية المواريث نسخت وجوب الوصية (٣). ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ من
стр. 90
الشاهدين (١٣ /ب) للوصية والمتولين لأمرها، فالإثم عليهم لا على الموصي.
كان الواجب في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر وعاشوراء، وأيام البيض، وهو المراد بقوله: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ ثم نسخ ذلك بصيام شهر رمضان (١).
﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: أصل الصوم، لا وقته وعدده، فإن العرب كرهوا عبادة الصوم، فقيل لهم: هو عبادة قديمة لم تخصوا بها دون سائر الأمم.
و ﴿أَيّاماً﴾ ظرف، والعامل فيها الصيام الذي أنزل فيه أي: في شرفه وفضله.
﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾
﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ أي: كان مقيما غير مسافر فالواجب عدة، أو فعليه عدة. ومنع داود المسافر
стр. 91
والمريض أن يصوموا رمضان، وقال: الواجب في حقه وحق المسافر عدة من أيام أخر (١).
كان في ابتداء الإسلام إن شاء القادر أن يصوم فعل، وإن شاء أن يفطر ويكفر جاز.
ومنه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، ثم قال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ ثم نسخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فتحتم الصيام.
قوله: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ يريد الاطلاع وقربه - سبحانه - ليس معلقا على شرط، بل الجواب محذوف، والمراد: وإذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب.
وكان في ابتداء وجوب الصوم يجوز الأكل إلى العشاء ما لم ينم، فإن نام قبل العشاء حرم عليه الأكل إلى المغرب من الليلة القابلة، وكذلك الجماع، وإن بعض الصحابة جامع امرأته بعد العشاء وشكا ذلك إلى النبي ﷺ فنزل تحليل الأكل والجماع إلى طلوع الفجر (٢). وعنى بالخيط الأبيض: الفجر، وبالخيط الأسود: الليل. ﴿وَتُدْلُوا﴾ يجوز أن يكون مجزوما، عطفا على قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا﴾ أو منصوبا بالواو.
стр. 92
سأل معاذ بن جبل فقال: ما بال الهلال يكون صغيرا، ثم يكبر، ثم يصغر، فهلا بقي على حالة واحدة، كالشمس والكواكب؟! فأجيب بأنه: جعل ذلك ميقاتا لديون الناس وآجالهم، وعددهم (١).
والعرب ما كانت تحسن الكتابة، فكانوا إذا رأوا الهلال عرفوا انقضاء الشهر. وكانت العرب إذا أحرموا بالحج لا يدخل الإنسان منهم داره من بابها لكن يفتح من ظهر البيت بابا يدخل منه ويخرج، وإن كان في بيت شعر دخل من خلف الخباء إلا قريشا وكنانة، فكانوا لا يوجبون عليهم ذلك، ويسمونهم الحمس (٢) ثم دخل (١٤ /أ) النبي ﷺ وهو محرم بيتا من بابه، فتبعه رجل أنصاري، فأنكر ﵇ ذلك فقال النبي: أنا أحمس. فقال: وأنا على دينك ومذهبك، فنزلت (٣). وقيل: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها﴾ أي: من الوجوه التي توصل إليها.
﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)﴾
стр. 93
﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ كان قتال المشركين محرما، ثم نزل الإذن بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] وأوجب في هذه الآية قتال من قاتل، دون من كف. وقيل:
﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ الذين هم أهل للقتل بخلاف النساء والصبيان، وتكون الآية محكمة.
﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ بقتل من لم يقاتل على القول الأول، وبقتل النساء والصبيان على الثاني. وقرئ: ﴿وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١) أي: فإن قتلوا بعضكم. ﴿إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ الذين قاتلوا بعد النهي والانتهاء. ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قيل: بترك القتال؛ فإنه متى ترك تسلط الكفار على المسلمين فقتلوا وسبوا.
قال بعض الصحابة (٢): أراد أن من قاتل وكسب فاستقل بالحرث والزرع، فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة. ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: ائتوا بهما تامين ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الإحصار في المرض، والحصر في العدو وقد جاءت هذه الآية في إحصار العدو وهي لغة.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ فالواجب ما استيسر، أو فعليكم ما استيسر، وهذا الدم الواجب في التمتع عند أبي حنيفة: دم قربان فيأكل منه كما في الهدايا والضحايا، وعند الشافعي: دم جبران فإن المتمتع ذبح أحد الميقاتين، فلا يأكل منه كسائر دماء الجبرانات (٣).
стр. 94
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ يعني: الهدي ولا ثمنه فاضلا عن قوته وقوت من تلزمه نفقته، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. قيل: إذا استقر في منزله بعد الحج، وقيل: إذا شرع في العود متوجها إلى وطنه. وقيل: إذا فرغ من أعمال الحج.
قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ بين أن مجموع الصومين كفارة واحدة؛ لئلا يتوهم أن الواجب أحد الأمرين، إما ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع، وقوله: ﴿كامِلَةٌ﴾ يريد أن العشرة مع تفرقها كاملة في التكفير، بخلاف تتابع الصوم في كفارة القتل الخطأ فإن التتابع شرط فيها (١).
﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي﴾ أشار (١٤ /ب) إلى وجوب الكفارة وهو عند الشافعي مختص بمن لم يكن من أهل مكة، أو كان من مكة على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فإن كان من أهلها لم يذبح ميقاتا فلا فدية عليه، وعند أبي حنفية: أشار بقوله ذلك إلى جواز التمتع، فعنده أن التمتع لا يصح من المكي (٢).
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾
﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ﴾
стр. 95
﴿كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)﴾
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ أي: من الإحرام بالحج أشهر، وجعل بعض شهر ذي الحجة بمنزلة شهر كامل. الرفث: الجماع، وكل لفظ يستحيى من ذكره. وقوله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ خبر معناه النهي. قوله: ﴿وَلا جِدالَ﴾ خبر عن نهي. ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: التجارة في مواسم الحج. وقوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أي: لأجل أنه هداكم، كقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء: ٢٤] ثم لتكن إفاضتكم من عرفات. كانت الحمس تقف بالمزدلفة، فيفيضون منها ويقولون: نحن خدام الحرم فلا نخرج منه، عرفة من الحل والعلمان في أول عرفة علامة على أنها الحرم وابتداء الحل. ﴿فَمِنَ النّاسِ﴾ من يكون سؤاله مقصورا على أمر دنياه، ومنهم من يطلب الحسنة في الدنيا والآخرة وقوله: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ يرجع إلى الفريقين. وقيل: إلى أحدهما.
﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ يريد التكبير في أيام التشريق ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وهما الحادي عشر والثاني عشر فنفر قبل الغروب ليلة الثالث عشر سقط عنه الرمي في اليوم الثالث، ويكون قد رمى تسعا وأربعين حصاة سبعا يوم النحر وإحدى وعشرين يوم الحادي عشر وإحدى وعشرين يوم الثاني عشر ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ حتى غربت عليه شمس ليلة الثالث عشر لزمه أن يرمي يوم الثالث عشر. ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ أي: في الحياة الدنيا ﴿قَوْلُهُ﴾ لفصاحته. وقيل: إذا تحدث في أمور الدنيا كان فصيحا، وأما
﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾
السلم: الصلح. وقيل: استأذن ابن سلام أن يقرأ في التوراة في الصلاة فنزلت نهيا له ولأمثاله (١). ﴿يَأْتِيَهُمُ اللهُ﴾ أي: أمره (٢).
﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ على الضلال ﴿فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ﴾ وقيل: كانوا على الحق فاختلفوا، فبعث الله؛ كقوله: ﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: الكتب. وقوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ أي: الله أو الكتاب.
سألوه عما ينفقونه فبين لهم المصرف؛ لأنهم إلى بيانه أحوج.
بعث رسول الله ﷺ سرية مع عبد الله بن جحش فلقوا المشركين فقتلوا رجلا من المشركين، وكانوا يظنون أن الشهر الحرام قد فرغ ودخل شهر الحل فشنع اليهود على المسلمين وقالوا: استحل محمد الشهر الحرام، وسألوا عن ذلك تعنتا، فقال تعالى:
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (٣) أي: إثم كبير. وقوله:
﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ مبتدأ لا معطوف، وكأنه يقول: الذي فعلتموه من صدّ النبي وأصحابه عن المسجد الحرام أكبر مما فعله المسلمون.
قوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ﴾ شرط في إحباط العمل بالردة: الموت على الكفر، ولم يشترطه أبو حنيفة (٤) لقوله - تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥].
стр. 98
وروي أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله، هل تعتد لنا بهذه السرية غزوة؟
فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾
الميسر: القمار. ﴿الْعَفْوَ﴾ هو ما صفا من أخلاق الناس. قال الشاعر [من الطويل]:
خذي العفو منى تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب (٢)
﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ﴾ يفسر الآيات. وقيل: يفسر آيتين.
ولما نزل قوله - تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] الآية تحرج المسلمون من مخالطة اليتامى ومؤاكلتهم وأن يخلطوا نفقتهم بنفقتهم فنزلت ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾
стр. 99
﴿عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ﴾ الآية (١) ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لكلفكم المشقة، وأصل العنت أن يكسر العظم ثم يجبر معوجا، فيكسر ثانيا ليعاد جبره مستقيما فيقيمه بكل مشقة (٢) (١٥ /ب) ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ عام مخصوص بقوله: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ﴾ أي: فأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة حتى يطابق قوله ﴿أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾.
«كانت اليهود إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها وأفردوا لها أوعية تستعملها تلك المدة فسأل المسلمون رسول الله ﷺ عن ذلك فنزلت ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ (٣) أي: شيء مستقذر ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي: في زمن الحيض، أو في محل الحيض، وهو الفرج. ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: ينقطع ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن بالماء.
فلحل الوطء شرطان: فلو اغتسلت قبل انقطاع الدم لم يحل، ولو انقطع الدم ولم تغتسل، لم يحل هذا مذهب الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة: إذا انقطع دمها في وقت عادته، وغسلت الفرج من آثار الأذى حل وطؤها؛ لأنها قبل الغسل كالجنب (٤).
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ أي: في الغسل في محل البذر، وهو الفرج.
﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾
стр. 100
﴿وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً﴾ أي: مانعا من البر؛ فيحلف أنه لا يكلم فلانا ولا يصلي التطوع، أو لا يبر أمه، فإذا عيب اعتذر باليمين وجعلها عرضة مانعة من البر، أي: لا تجعلوا اسم الله معرضا للحلف، كقول الشاعر [من الطويل]:
فلا تجعلنّي عرضة للّوائم (١) ...
﴿بِاللَّغْوِ﴾ عند الشافعي: قول الرجل: لا والله، بلى والله من غير قصد إلى عقد اليمين (٢) وهو مأخوذ من اللغو، وهو إذا جاء في الدية بناقة معها فصيل يقال: هذا الفصيل لغو لا يعتد به. إذا حلف أنه لا يطأ زوجته مدة لا تزيد على أربعة أشهر لم تتوجه عليه من الزوجة مطالبة حتى تمضي أربعة أشهر، فإذا مضت فإنه يطالب بالوطء أو الطلاق، فللزوج أن يتربص أربعة أشهر.
والمطلقات الخاليات من الحمل، للصغر والإياس يتربصن مدة العدة، وهي ثلاثة أطهار عند الشافعي، وثلاث حيض عند أبي حنيفة (٣).
стр. 101
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ يريد أن للزوج أن يراجعها ما دامت في العدة، ولم تستوف الطلاق، ولم يكن الفراق خلعا، ﴿وَلَهُنَّ﴾ من استحقاق المعاشرة بالمعروف ﴿مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾.
﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ بقيامه بمصالحها، ومنعها من الخروج من منزله (١٦ /أ) وإدخال من لا يريد دخوله، وتأديبها إذا نشزت.
﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾
الطلاق الذي يستحق فيه الرجعة مرتان إذا كان المطلق حرّا، له الرجعة. ولا يحل لكم أن تضاروها، تفتدي بصداقها أو بغيره ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا﴾ خصص جواز الخلع بحالة الشقاق، وهو مذهب جماعة من العلماء، والشافعي يجيزه من غير شقاق كالطلاق (١).
стр. 102
﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي: ثالثة أو ثانية، إذا كان عبدا ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ ثم يطؤها ذلك الزوج، ثم تنقضي عدتها، ثم يعقد عليها الزوج الأول، فتحل حينئذ.
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ أي: إذا قاربن بلوغ أجلهن، أما إذا بلغن الأجل فليس له عليها إمساك بغير رضاها. وكان الرجل يطلق المرأة فيصبر حتى إذا أشرفت على انقضاء العدة راجعها، ثم يطلقها، فتشرع في عدة ثانية، حتى إذا قاربت فراغها راجعها، ثم يفعل في الثالثة كذلك ضرارا، فنهى الله عن ذلك وقال: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا﴾.
أصل العضل: احتباس البيضة في الدجاجة، فلا تخرج، فشبه به كل أمر فظيع، وكل مرض تعسر معالجته.
وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ﴾ يريد: نهي الولي عن أن يمنع المرأة من الرجوع إلى زوجها، وطلب عودها إلى العصمة. ويحكى: «أن معقل بن يسار زوج أخته من زوج فتركها الزوج حتى انقضت عدتها فجاء يخطبها من أخيها، فقال له أخوها معقل: أفرشتك أنكحتك ففارقتها، ولم تراجعها حتى انقضت العدة ثم جئت تخطبها، لا أعيدها إليك فنزلت الآية (١)».
وقيل: أزواجهن تسمية للشيء بما يؤول إليه أي: لا تمنعوهن من التزويج بأي رجل كان كفؤا ويكون «أزواجهن» مجازا.
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
стр. 103
﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ خبر معناه الأمر، قال بعضهم: إن كان الحمل تسعة أشهر فترضع واحدا وعشرين شهرا عملا بقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] وإن كان الحمل ستة أشهر فترضع أربعة وعشرين شهرا. وقيل: الآية على عمومها سواء طالت مدة الحمل أو قصرت. والمولود له: هو الأب ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أي: الوالدات المستمرات على الزوجية. وقيل: المطلقات. وقيل: الأمهات. (١٦ /ب).
﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ قيل: معناه لا تضارر ﴿والِدَةٌ﴾ فاعل ﴿وَلا﴾ يضار أب ﴿مَوْلُودٌ لَهُ﴾ بأن يريد قلعه منها وقد ألف ثديها. وقيل: معناه لا تضارر «ووالدة» مفعول لم يسم فاعله. أي: لا ينتزع الولد منها كرها وهي راغبة في رضاعته بأجرة مثله ولا يضارر الأب أيضا. وقوله: ﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ﴾ قيل: المراد: وعلى الباقي من الأبوين.
وقيل: وعلى العصبة الوارثين إرضاعه، كما لهم ميراثه لو مات وله مال. وقيل: وعلى الوارث مطلقا عصبة كان أو غير عصبة. ﴿فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ﴾ من غير ضرر يلحق الولد ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾ الولد أي: لأولادكم ﴿إِذا سَلَّمْتُمْ ما﴾ قررتم من الأجرة، وليس التسليم شرطا فلو قرر لها في ذمته شيئا ورضيت به جاز.
أي: وأزواج ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ فإذا انقضت العدة فلها أن تتصرف بالخروج من المنزل وترك الإحداد. والتصريح بخطبة المعتدة حرام.
وأما التعريض كقوله: رب راغب فيك، مثلك ما تبقى بغير زوج، ولعل الله أن ييسر لي تزويجا - فهو جائز في عدة الوفاة؛ إذ لا زوج يتأذى بالخطبة، وهو حرام في الرجعية وفي البائن قولان للشافعي (١). ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: نكاحا؛ كقول الشاعر [من الطويل]:
стр. 104
ألا زعمت بسباسة القوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السّر أمثالي (١)
وقيل: لا تساروها. ﴿حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ أي: حتى تنقضي العدة. ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا تبعة ولا مطالبة بمهر ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ﴾ قبل المسيس والفرض، بل الواجب المتعة ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ وظاهر هذه الآية اعتبار حال الزوج في قدر المتعة.
وقيل: تعتبر المتعة بحال المرأة قياسا على المهر، والأول أشبه بنص القرآن.
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾
﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الزوج. وقيل: الولي (٢). ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ يقال: إن الذي بيده العقد هو الولي؛ لأنه لم يقل أحد أنه يستحب للولي العفو، وإنما الكلام في الجواز. و ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ يعني: الفضلى من قوله تعالى: (١٧ /أ) ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أي: أعدلهم ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]
стр. 105
أي: خيارا؛ ولأن الأطراف تعتريها الجوائح والخلل، والوسط محمى، قال الشاعر يصف عمورية (١) [من البسيط]:
كانت هي الوسط المحمىّ فاكتنفت ... بها الحوادث حتّى أصبحت طرفا (٢)
وهي صلاة العصر. وقيل: الصبح. وقيل: المغرب. وقيل العشاء. وقيل: صلاة الجمعة.
وقيل: أبهمها الله؛ ليواظب الناس على الكل فتحصل لهم الوسطى قطعا كما أبهم ساعة الجمعة، وأبهم الولي من أوليائه في جملة خلقه.
القنوت: طول القيام. وقيل: السكوت في الصلاة. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فصلوا رجالا ﴿أَوْ رُكْباناً﴾ وهذه صلاة المسابقة (٣) وهي أشد أحوال صلاة الخوف ويصلون مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.
﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ﴾ لأجل أنه علمكم؛ كقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء: ٢٤].
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾
﴿مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ﴾ هذه منسوخة بالآية السابقة. والآية السابقة وإن كانت
стр. 106
سابقة في التلاوة فهي متأخرة في التنزيل. وقيل: لا نسخ، بل المتوفى عنها زوجها إن اختارت المقام في بيتها سنة لم يجز إخراجها للولي، ولا للورثة، إلا إذا شاءت. وإن شاءت مفارقة المنزل بعد أربعة أشهر وعشر جاز لها ذلك.
﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ المطلقات ثلاثة أنواع:
الأولى: مطلقة قبل الفرض والمسيس، فلا مهر لها، ولها المتعة.
الثانية: مطلقة بعد الفرض وقبل المسيس، فلها نصف المهر دون المتعة.
الثالثة: المطلقة بعد الفرض والمسيس، ففيها قولان للشافعي وظاهر القرآن وجوبها، لقوله هاهنا: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ (١).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٢٤٦)﴾
стр. 107
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ معناه: أعجب ﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ جمع ألف من العدد أي: أكثر من عشرة آلاف. وقيل: الألوف: جمع إلف، أي: قلوبهم مجتمعة على تحسين ما فعلوه. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ فروا من الطاعون. وقيل: من القتال. والآية التي قبل هذه، والتي بعدها تدلان على أن الفرار من القتال، فأماتهم الله إماتة رجل واحد، فكأنه قيل لهم: موتوا. فماتوا، ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ بإحيائهم بعد موتهم. أو على الناس الذين رأوهم؛ ليعتبروا. شبه الله ما يعطى صدقة بالقرض وأنه يعطيه؛ ليأخذ بدله (١٧ /ب) في الآخرة، والقرض الحسن: أن يكون حلالا طيبا، ولا يقبل الله إلا الطيب، وأن يكون في زمن الجوع والقحط وأمام قضاء الحاجات، وأن يخص به اليتيم والقريب والأحوج وأن لا يتبعها منّا ولا أذى. و ﴿أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾ سبعمائة ضعف.
﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] زيادة على ذلك؛ لقول النبي ﷺ في الصدقة: «إنها تقع في يد الرب قبل أن تقع في يد العبد، فيربّيها كما يربي أحدكم فلوه - أو فصيله - حتى تكون مثل جبل أحد» (١). وجبل أحد أكبر من قدر صدقته بسبعين ألفا، أو بسبعمائة ألف ضعف. ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ﴾ الرزق ويبسطه، ويقبض القلوب ويبسطها، ويقبض كل ما شاء أن يقبضه، ويبسط كل ما شاء أن يبسطه، وإلى دار جزائه يرجعون الملإ الأشراف؛ سموا بذلك لأنهم يملؤون القلوب مهابة، والعيون جمالا.
وقيل: لأنه يمالئ بعضهم بعضا، أي: يعاونه. وقيل: هو من الملاة، أي: هم مليّون بما يراد منهم من الجاه والمال.
﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ هو أشمويل. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا﴾ كانت العمالقة قد غلبت على بني إسرائيل، وسبوا نساءهم وأولادهم، وأخذوا منهم التابوت، وكان فيه عصا موسى، وعمامة هارون، وشيء من رضاض الألواح، وقفيز من المن (٢). وكانوا يقدمون التابوت ويقاتلون من ورائه فينصرون، فلما أخذته العمالقة وضعوه في بلد فأصاب أهله
стр. 108
الناسور (١) ثم إلى أخرى فأصابهم ذلك، فاجتمع رأيهم على إعادة التابوت، فقيل: جاءت الملائكة يحملونه من السماء والأرض. وقيل: وضعوه على عجلة وشدوها بثورين، وضربوها متوجهين إلى بني إسرائيل.
﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١)﴾
﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً﴾ فأنكروا ذلك؛ لأنه لم يكن من سبط المملكة، وكان فقيرا أضاع حماره، فخرج في طلبه، فمر بدار أشمويل، فدخل عليه يسأله الدعاء، وكان الله قد أوحى إليه: إذا جاءك من طوله طول هذه العصا، ونشّ الدهن الذي في القرن الذي عندك فذاك هو الملك، فلما دخل طالوت نشّ الدهن، فقام النبي أشمويل وقاسه بالعصا، فكانت طوله، فقال: أنت الملك (٢). وقوله: ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ أي:
стр. 109
بالحروب وتدابيرها. وقيل: بل (١٨ /أ) كان عالما بأمر الشريعة. ﴿التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: سكون وطمأنينة أن النصر يحصل بتقدم التابوت، بدليل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤].
ابتلى الله - تعالى - أصحاب طالوت بتحريم شرب ماء نهر مع شدة عطشهم، ولم يسمح لأحد منهم إلا باغتراف غرفة بيده، فلم يطعه إلا قليل منهم، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدة أصحاب بدر.
﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ﴾ أي: يعلمون. ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بالنصر والعون.
﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ وآتى الله داود ﴿الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ لاستولى الكفار على بلاد المسلمين، ودثرت (١) كلمة الحق.
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٥٤) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما سبق ذكره، إما في هذه السورة، وهم موسى وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وداود، وإما في سائر ما سبق نزوله من القرآن.
стр. 110
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ يريد به: النبي ﷺ فذكره بالكناية دون التصريح باسمه؛ لأنه العلم المشهور الذي لا يلتبس، وهو المفضل بالدرجات حتى عدت معجزاته وآياته ألفا.
وفي تأييد عيسى بروح القدس وجهان: أحدهما: أنه روح عيسى الطاهرة. والثاني: أنه جبريل وكل بحفظه.
﴿الْحَيُّ﴾ الواجب الحياة ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم بمصالح كل شيء، والسنة: النعاس؛ قال الشاعر [من الكامل]:
وسنان أرصده النّعاس فرنّقت ... في عينه سنة وليس بنائم (١)
وقدم السنة على النوم، وهو عكس الترقي؛ كقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ أي: لا تسلبه صحة النظر السنة، ولا أقوى منها، وهو النوم. وهذا ترق صحيح وهذا مكمل لقيوميته، كما جاء في الحديث: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام» (٢).
ولا يتجاسر أحد على الشفاعة عنده إلا بالإذن. يعلم ما سبق من أمور خلقه، وما يأتي، ولا يعلمون من معلوماته ﴿إِلاّ بِما شاءَ﴾ أن يعلمهم إياه. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ أي: ملكه، وقيل: علمه، مأخوذ من كرسي الملك، والعالم. وقيل: الكرسي مخلوق، ليس بعد العرش أعظم منه والسماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة في فلاة (٣). ﴿وَلا يَؤُدُهُ﴾ أي: ولا يثقله القيام بمصالح كل ذلك. وفي آية الكرسي ستة عشر اسما، ما بين ظاهر