← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾ ولما نزلت ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ شقت على الصحابة، وقالوا: أينا يطيق أن يتقي الله حق تقاته، فنزلت ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فقيل: نسختها. وقيل: قيدت مطلقها. وقيل: تقوى الله حق تقاته المراد به: ما كان مستطاعا، أي: ودوموا على الإيمان، حتى إذا جاء الموت صادفكم مؤمنين، وإلا فالموت لا ينهى عنه. ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ قبل بعثة النبي ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ ببعثته. ﴿يَوْمَ﴾ ظرف لا يعمل فيه عذاب الذي هو المصدر؛ لأن المصدر إنما عمل؛ لشبهه بالفعل، والفعل لا يوصف، فإذا وصف المصدر، بعد عن شبه الفعل. بل العامل في الظرف هو العامل في المجرور المقدر في لهم والتقدير: استقر لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي: فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ خبر. ويجوز أن يكون معناه الأمر، أي: ارجعوا بأموركم كلها إليه؛ كقوله: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ﴿كُنْتُمْ﴾ أي: في الأزل عند الله، أي: كنتم للناس خير أمة تقاتلونهم بالسيوف، وتأتون بهم في السلاسل فيدخلون في

стр. 142

الإيمان (١). ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً﴾ ولا يستطيعون أن يقهروكم. وقوله: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ مستقبل ليس معطوفا على ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾؛ لأنه مرفوع بثبوت النون، ويقاتلوكم، ويولوكم مجزومان بالشرط والجزاء، ويوضح ما ذكرته: أن تولية الأدبار إنما هو في القتال، فلذلك جعل جزاء له. وأما كونهم لا ينصرون، فهو أمر مستقر ليس معلقا على شرط. ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي: أحاطت بهم إحاطة الخيمة بمن فيها، أينما قدر عليهم إلا بسبب وحبل من الناس بالأمان. ﴿وَباؤُ﴾ احتملوا، وكانوا كفوا له. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ﴾ أي: لن تدفع عنهم من عذاب الله شيئا. ﴿مَثَلُ﴾ مهلك ﴿ما يُنْفِقُونَ﴾ ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح فيها صر، أي: باردة. وقيل: لها صوت. ﴿بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ من غير أهل ملتكم يطلعونهم على عورات المسلمين، لا يقصرون في إفساد ما بينكم ﴿وَدُّوا ما﴾ يشق عليكم ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ يريد به الرخاء والأمن والسعة، وليس المراد: الطاعة؛ إذ لا يقال لمن صلى: أصابته حسنة. ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وخوف وفاقة؛ إذ لا يقال لمن عصى: أصابته سيئة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾ ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ﴾

стр. 143

﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ إلى أحد ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ مواضع يحلون فيها قائمين وقاعدين. ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ﴾ بنو سلمة وبنو الحارث. قال جابر بن عبد الله: فينا نزلت معشر الأنصار، وما أود أنها لم تنزل؛ لقوله في آخرها: ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ (١). ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ بقلة العدد والعدد، ولم يكن معهم في يوم بدر إلا فرسان. قيل: فلم يصبروا، وفارقوا المركز الذي وضعهم رسول الله ﷺ فيه، فانهزموا. وقيل: أمدهم بالملائكة، ولكنهم لم يقاتلوا إلا في وقعة بدر. ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ﴾ وما جعل الإمداد بالملائكة ﴿إِلاّ بُشْرى﴾ وإلا فملك واحد وهو جبريل ﵇ حمل مدائن قوم على جناحه وقلبها بهم، وصاح بقوم ثمود صيحة واحدة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. كبته: إذا غاظه أشد الغيظ. «وكان رسول الله ﷺ يقنت في الصلاة ويقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف» (٢) فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فكان كذلك؛ هدى الله منهم قوما للإسلام. قوله: ﴿أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾: مع أنه يحرم الربا وإن كان أقل من ذلك؛ لأنه أراد أن يحكي قبيح ما صنعوا؛ كقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] ويحرم أكل

стр. 144

مال اليتيم سواء أسرف وبذّر أو لم يكن ﴿وَسارِعُوا﴾ إلى أفعال أو أقوال تكون سببا للمغفرة والرضوان. ﴿عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: مثل عرضها لو انضمت كل واحدة إلى بواقيها ﴿أُعِدَّتْ﴾ هيئت وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة الآن، خلافا للمعتزلة (١). ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (١٤٠)﴾ ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ نعت مجرور، ويجوز فيه النصب بإضمار أعني، والرفع على الابتداء والخبر، أي هم الذين. يقال: كظم القربة: إذا ملأها وسد فاها، والكظام: الخيط الذي يشد به فم القربة، والغيظ يحمل الإنسان على أقوال وأفعال لا تليق، فشبه مانع نفسه منها بمن كظم القربة أي: منعها من التبدد ﴿إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ أي: كبيرة ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالصغائر. والإصرار: الربط والتصميم على ملازمة أمر، ومنه: الصرة لما تجمع من الدراهم وتربط شبه المصر على المعصية بالرابط على الشيء، المانع من تبدده. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: مضت من قبلكم عادة الله في إهلاك المكذبين وأنه إذا حل بهم العقاب لم تفد التوبة ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥]. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا﴾ آثار المهلكين وكانت قريش ومن معهم يجلبون الميرة (٢) في

стр. 145

رحلة الشتاء والصيف؛ فإن مكة واد غير ذي زرع، فيذهبون في الصيف إلى الشام؛ لأنها بلاد باردة، فيمرون على بلاد ثمود، وإلى مواضع بلاد قوم لوط التي قلبت بهم. ويسافرون في الشتاء إلى بلاد اليمن؛ لأنها بلاد حارة فيمرون على بلاد عاد بالأحقاف. والمراد بالهداية هاهنا: حصولها في القلب بخلاف قوله: ﴿فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ [فصلت: ١٧] فالمراد فيها البيان. وها هنا جعل البيان عامّا والهدى خاصّا. والوهن: الضعف. القرح بالفتح المصدر. والقرح: الموضع المجروح، أو نفس الجراحة، وكان قد قتل من المسلمين بأحد سبعون، وقتل المسلمون من الكفار ببدر سبعين، وأسروا سبعين، فلذلك قال: ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ [آل عمران: ١٦٥] وقال ها هنا: ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أراد المماثلة في ألم القلب، لا في العدد ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ﴾ ذنوب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ أي: مع أنه يعلم؛ كقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤ - ٣٥] ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ والشهادة. ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ (١٥١)﴾

стр. 146

لما انهزم المسلمون في نوبة أحد صرخ صارخ: إن محمدا قد قتل فضعفت قلوب أقوام وانهزموا فعاتبهم الله بقوله: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ فيحتمل أن يراد به الحقيقة، أي: وليتم مدبرين، ويجوز أن يراد: رجعتم عما أنتم عليه من التصميم على الحق. وقد روي أن ناسا من ضعفاء المؤمنين قالوا: وددنا لو وجدنا من يأخذ لنا أمانا من عبد الله بن أبيّ بن سلول (١) ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾. أي: بقضائه وقدره. (وكائن) على وزن فاعل، وكأيّن (٢)، وهما لغتان معناهما: وكم. قرئ «قاتل معه»، وقرئ «قتل معه» (٣). ﴿رِبِّيُّونَ﴾ أي: علماء. فقيل: معناه: وكأين من نبي قتل، وكان معه جماعة فثبتوا على دينهم بعد قتل نبيهم، فهلا فعلتم مثل ما فعلوا، فالمفعول الذي لم يسم فاعله مضمر في قتل. وقيل: المفعول الذي لم يسم فاعله «ربيون». قالوا: وما سمعنا بنبي قتل في حرب. وقوله: ﴿فَما وَهَنُوا﴾ فما ضعفوا. ظاهره يدل على إخلاف الوهن والضعف أي: لم يشغلهم ذلك عن طلب المغفرة فبدؤوا بطلبها، ثم سألوا تثبيت الأقدام في اللقاء، والنصرة على الكفار، مع أن مثل الشدة (٢٧ /ب) تنسي الإنسان ما سواها ووصف ثواب الآخرة بالحسن، دون ثواب الدنيا؛ لأن ثواب الآخرة أكمل وأحسن وأجمل. ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ﴾

стр. 147

﴿الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ تقتلونهم وكان في جبل أحد فرضة (١)، فجعل النبي ﷺ فيها خمسين من الرماة، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير (٢)، وقال لهم: «كونوا من ورائنا»، وقال لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تزايلوا مركزكم واثبتوا، وكذلك «إن رأيتمونا قد هزمناهم وتقدمنا فلا تزايلوا المركز». وشرع المسلمون في القتال، فانهزم الكفار أولا وكان خالد بن الوليد إذ ذاك كافرا، فأخذ جماعة من خيل المشركين، وجاء من وراء جبل أحد، فدخل من الفرضة وكان بعض الرماة قد زايل المركز؛ طالبا للغنيمة، فنهاهم مقدمهم عبد الله بن جبير، وقال: أنسيتم وصية رسول الله ﷺ ، فلم تطيعوه، ولم يبق معه إلا القليل، فلما جاء خالد لم يجد من الرماة إلا قليلا، فقتل عبد الله بن جبير وناسا من أصحابه، وخرج فجاء إلى المسلمين من ورائهم، فعادت الهزيمة على المسلمين (٣). وقوله: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أي: في مزايلة المركز. ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ﴾ من هزيمة الكفار ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾

стр. 148

وجعل الهزيمة عليكم. ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ ذاهبين هاربين من الكفار ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ﴾ يا عباد الله إليّ، فجازاكم ﴿غَمًّا﴾ في صدوركم بما حصل من الهزيمة، وبسماع الصريخ بموت النبي ﷺ ﴿بِغَمٍّ﴾ حصل من جهتكم لرسول الله ﷺ بهزيمتكم. ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ من الغنيمة ﴿وَلا ما أَصابَكُمْ﴾ من الجراحات. الوقف على قوله: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ﴾ (١) وقوله: ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ مستأنف مرفوع، ولو كان معطوفا لانتصب. قال بعض الصحابة: «لقد سقط سيفي من يدي ثلاث مرات من النعاس (٢)». «وكان النبي ﷺ قد استشار الصحابة لما سمع بمجيء المشركين، فأشار قوم ممن فاتته وقعة بدر: اخرج بنا يا رسول الله إلى هؤلاء الأكلب. وقالت طائفة كبيرة: اثبت بنا يا رسول الله في منازلنا، فو الله ما خرجنا منها لعدو إلا انهزمنا، ولا دخل علينا عدو المدينة إلا هزمناه. فلم يزالوا بالنبي ﷺ حتى دخل، فلبس لأمة (٣) حربه، فلما خرج قالوا: يا رسول الله افعل ما بدا لك، فإن شئت فاثبت في المدينة، فقال: ما كان لنبي أن ينزع لأمته إذا لبسها حتى يلقى العدو (٤)». فلما انهزم المسلمون قال الفريق الذين أشاروا بالقعود: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾.

стр. 149

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ بنو سلمة، وبنو الحارث، وقد مر ذكرهم (١). ﴿وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ﴾ أي: قالوا عنهم بعد موتهم؛ كقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] ولم يقل: ما سبقتمونا. أي: قالوا لأجلهم وبسببهم. ولو كان القول مع إخوانهم لقال: لو أطعتمونا لما قتلتم ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ﴾ تحصل من الشهادة خير مما تجمعون من الأموال. «ما» في ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ زائدة، وقد تخطاها العامل ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال الحسن: «كان رسول الله عن مشاورتهم غنيّا، وإنما أراد به أن يستن به الحكام بعده» (٢)، ولأن من استشرته فقد استملت قلبه، واجتلبت حبه. ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾

стр. 150

﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾ قيل: فقدت قطيفة حمراء من المغنم، فقال قائلون: لعلّ رسول الله يكون قد أخذها من صفي المغنم فنزلت ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (١) والغلول: الأخذ من الغنيمة قبل القسمة. وقرئ «أن يغلّ» (٢) مبني لما لم يسم فاعله، أي: ينسب إلى الغلول. ﴿يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ حاملا له على رقبته. ﴿هُمْ﴾ ذوو ﴿دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾. ﴿رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعلمون صدقه وأمانته وطهارة نشأته. ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بمزايلة المركز ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بقضائه. ﴿قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ عن أنفسكم ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ﴾ مكان قتال ﴿لاتَّبَعْناكُمْ﴾ وهذا قول عبد الله بن أبي وأصحابه، ومن كان رأيهم المقام في المدينة ﴿فَادْرَؤُا﴾ فادفعوا. ﴿بَلْ﴾ هم ﴿أَحْياءٌ﴾ ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من ذريتهم وجميع مخلفيهم، فإن الله يخلفهم أحسن الخلافة. ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ﴾ أي: وبأن الله. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بذلك أيضا. لما انهزم المسلمون في وقعة أحد وذهب الكفار راجعين، فتشاوروا فقالوا: ماذا صنعتم؟ قتلنا أصحاب محمد، حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا بنا حتى نستأصلهم (٢٨ /ب) فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يخرجوا لطلب الكفار فخرجوا وبهم الجراحات،

стр. 151

منهم من يتوكأ على صاحبه، وقال ﵇: «لا يخرجن معنا إلا من كان شهد الوقعة»، وخرج المسلمون سالمين، وجاء نعيم بن مسعود (١) وكان إذ ذاك كافرا، لكنه كان محبّا للنبي ﷺ ، فقال: يا محمد، عز علينا ما جرى على أصحابك، إني ذاهب إلى أبي سفيان بن حرب أخذله عنكم (٢)، فقال له: افعل. فلحق بأبي سفيان وهو يريد الرجوع إلى المدينة، فقال له: ليس هذا برأي، قد قاتلتموهم وانتصرتم عليهم، ألا ترجعوا؛ لئلا تكون الكرة عليكم، فيذهب ما انتشر لكم في البلاد من السمعة، ولقد رأيت محمدا وأصحابه قد جمعوا خيلا ورجلا كثيرا وهم يتحرقون عليكم تحرقا، حتى قلت أبياتا منها: كادت تهدّ من الأصوات راحلتي ... إذا سالت الأرض بالجرد الأبابيل ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾

стр. 152

فانثنى رأي أبي سفيان عن العود للقتال، فرجع النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة سالمين، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ (١) من ها هنا لبيان الجنس، فإن كل من استجاب لله وللرسول فقد أحسن ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ يعني أبا سفيان. ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ كافينا الله ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ﴾ طاعة الرسول بالخروج. ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ يخوفكم أولياءه؛ لأنه إنما يخوف المؤمنين. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تهييج للعزيمة، وبعث للهمة. ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إملاءنا لهم خيرا لهم. والإملاء: الإمهال. ﴿حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فتبين طاعة المطيع وعصيان العاصي. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ فيطلعه على ما يشاء من غيوبه. ﴿هُوَ خَيْراً﴾ «هو» فصل أو عماد، وفي الحديث الصحيح: «ما من صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يأخذ بلهزمتيه، يعني: شدقيه، ويقول: أنا مالك، أنا كنزك، حتى يقضى بين الناس ثم تلا: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٢٩ /أ) الآية» (٢). لما نزل ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ قالت اليهود: أفقير ربك يا محمد حتى يطلب منا القرض، فنزلت هذه الآية. وهذا جهل من اليهود، أو تجاهل؛ لأن الله - تعالى - إنما شبه ما يعطى في سبيل الله بالقرض؛ لأنه يعطيه ليأخذ بدله وما يلزم من تشبه الشيء بالشيء من وجه أن يشبهه من كل الوجوه. لما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي قيل: ﴿فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ولو كان الفعل مكتسبا بغير اليد. ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣)﴾ ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ﴾

стр. 153

﴿كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ (١٩١)﴾ وقال: ﴿لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وهو كقولك: أغلقت الأبواب، وغلقت الأبواب، كان القربان في عهد موسى يجعل في مكان منفرد، فتنزل نار من السماء تأكله إذا كان حلالا. ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ شيء يستمتع به مدة ثم يزول فيغيّر صاحبه به. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: من الأمور التي تحتاج إلى عزم قوي، ومجاهدة للنفس. وجواب الشرط محذوف؛ لأن كونه من عزم الأمور ليس معلقا على شرط. ﴿مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ نسبه إليهم؛ لأنه مأخوذ عليهم؛ كقوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ كسوه بالذهب، وغشوه بالحرير، وطيبوه بالمسك، ولم يعملوا به فنبذوه وراء ظهورهم، ولو عملوا به لم يكونوا نابذين له وراء ظهورهم. وقيل لابن عباس: لئن كان كل من فرح بما أوتي معذبا فقد هلكنا! فقال: هذه الآية نزلت في اليهود؛ لأن قبلها: ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾، وبعدها ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ وذلك أن النبي ﷺ سأل اليهود عن شيء فأخبروه بخلاف الحق، وأروه أنهم قد نصحوه واستحمدوا له فيما نقلوا، فنزلت هذه الآية

стр. 154

﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (١). ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ موضع الخبر الثاني لقوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ وقوله: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تكرير للعامل لبعد العهد به؛ كقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ (٣٥) [المؤمنون]. ﴿يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ قيل: في الصلاة. وقال النبي ﷺ لعمران بن حصين (٢): «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (٣). أي: قائلين: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً﴾ أي: لا يكون لأعمال العباد ثواب ولا عقاب. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥) لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩)﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ﴾

стр. 155

﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ﴾ مخلدا ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. وقوله: ﴿يُنادِي﴾ أي: يرفع صوته يدعو الناس إلى الإيمان. ﴿مَعَ الْأَبْرارِ﴾ أي: في زمرتهم. ﴿ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ قيل: على تصديق رسلك. وقيل: على ألسنتهم. روي أن أم سلمة (١) قالت: «يا رسول الله لو كان في النساء خيرا لأنزل فيهم قرآنا، فنزلت ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ ونزلت ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] (٢)». ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ (١٩٦) كالتجارة، وكثرة أموالهم، فذلك ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ جهنم. النزل: دار الضيافة التي تهيأ للوافد قبل وصوله. ﴿اِصْبِرُوا﴾ عند الشدائد ﴿وَصابِرُوا﴾ عند اللقاء ﴿وَرابِطُوا﴾ قيل: المراد: ورابطوا الثغور. وقيل: هو من رباط الخيل، أي: سابقوا إلى مرابطتها كل سابق. ***

стр. 156

سورة النساء [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١)﴾ قوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ معطوف على فعل محذوف، التقدير: خلقكم من نفس واحدة أنشأها ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾، فحذف المعطوف عليه أولا؛ لدلالة الكلام عليه، ثم فسر كيفية خلق الكل من نفس واحدة، بأنه خلق منها زوجها ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ وقيل: قوله: ﴿وَخَلَقَ﴾ معطوف على قوله ﴿خَلَقَكُمْ﴾ والتقدير: الذي خلقكم من نفس واحدة، والذي خلق منها زوجها، والذي بثّ منهما رجالا كثيرا ونساء فيكون الخطاب على الأول لبني آدم كلهم، وعلى الثاني لقريش. قرئ «والأرحام» (١) بالخفض عطفا على الهاء في «به» وهو عطف المجرور الظاهر على المجرور المضمر، والأكثر أن يكون بإعادة الجار، وخلافه جائز؛ كقوله [من البسيط]: ... ... فما بك والأيام من عجب (٢) وقول الآخر [من الوافر]: أكرّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفى كان فيها أم سواها (٣)

стр. 157

﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٦)﴾ لا يجوز إعطاء اليتيم ماله قبل البلوغ، وبعد البلوغ لا يسمون أيتاما حقيقة. وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتامى﴾ سماهم يتامى، مجازا باسم ما كانوا عليه، وفيه تلويح بسرعة (٣٠ /أ) الإعطاء عقب البلوغ والرشد؛ لأنه أقرب إلى إطلاق هذا المجاز، فلا يقال لابن خمسين عاما: إنه يتيم. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ فإن علمتم. ويحرم أكل مال اليتيم ﴿إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ وبغير إسراف ولا بدار، وإنما خصص الأول بالنهي؛ لأنه أقبح؛ كقوله ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ كان ولي اليتيم يأخذ شاة سمينة من غنم مولاه ويعطي مكانها مهزولة؛ ليبقى العدد بحاله، فنهوا عن ذلك، أي: ولا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم. والحوب: الإثم. كانوا يتحرجون من أكل مال اليتيم، ويتزوجون نسوة ولا يعدلون فيهن فقيل لهم: وإن خفتم التحرز في أموال اليتامى فاعدلوا أيضا في أمر الزوجات. ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ بالواو، ولو قال: أو ثلاث أو رباع لفسد المعنى؛ كما إذا أعطى رجل رجلا ألفا، وقال: فرقها ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة، أو خمسة خمسة، لم يجز أن يخالف بينهم في العطاء، فيعطي هذا أربعة وهذا خمسة. ولو قال: فرقها ثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وخمسة خمسة، جاز أن يعطي هذا ثلاثة وهذا أربعة وهذا خمسة. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ أي: فانكحوا واحدة، أو ما شئتم من السراري؛ فإن السراري لا حجر على مالكهن فيهن في قسم ولا مبيت. ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ أي: أن لا تجوروا. وهذا قول الأكثرين.

стр. 158

﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧)﴾ قال الشافعي ﵀: أي: لا يكثر من تعولون (١)، واحتج به الشافعي على وجوب نفقة الزوجات، وأنكر جماعة من أهل اللغة ذلك، فقالوا: يقال في الجور: عال يعول، وهو المراد ها هنا؛ كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا﴾ وانتصر الزمخشري للشافعي، مع أنه حنفي، وقال: روي ذلك عن أهل اللغة أنه يقال: من كثر عياله عال يعول، وأعال يعيل (٢). ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً﴾ أي: طابت أنفسهن. وقال بعض العلماء: لا يجوز

стр. 159

للمرأة أن تفتدي بجميع صداقها، بل ببعضه؛ لقوله: ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ (١). ﴿هَنِيئاً﴾ غير منغص، ﴿مَرِيئاً﴾ يحسن استمراؤه. ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ﴾ يعني: النساء والصبيان. وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيها﴾ أي: اتجروا لهم فيها؛ لئلا تأكلها النفقة. ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١)﴾ وقال في المحتضر: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ لأن القصد (٣٠ /ب) بهذا الأمر أن يواسى القريب المحجوب بشيء من المال الحاضر الذي امتدت عينه إليه، وليس المراد أن يتجر في المال حتى يعطى من الفائدة. وإذا حضر أحد عند من حضرته الوفاة، ورآه يوصي ويجحف بالورثة، فعلى الوارث أن ينهاه، ويقدر في نفسه أنه هو المحتضر وإن رأى شخصا يغري الموصي بالإجحاف بالورثة، فعليه أن ينهاه وليدله علي الصواب بلطف. ﴿إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً﴾ أي: سبب عذاب نار. والصلي: الدخول في النار، ثم الإطباق عليها كما يفعل في تنور الشواء، ومنه: شاة مصلية. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ يريد بالأنثيين: ما إذا كن في مسألتين، وكانوا إخوة لأب وأم أو لأب، فأما الإخوة لأم، فذكرهم وأنثاهم سواء، وأما إذا اجتمعت أختان من أب، فلهما الثلثان وليس للأخ الواحد إذا انفرد الثلثان، بل له المال كله، وكذلك الأولاد. ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ قيل: «فوق» زائدة؛ كقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وقيل: هذه الآية دلت على فرض البنت الواحدة، وفرض ما زاد عن

стр. 160

البنتين، وأما البنتان فاستحقاقهما الثلثين مأخوذ من الخبر والمعنى؛ أما الخبر فروي: «أن زوجة سعد جاءت ومعها ابنتان، وقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد، وقد توفي وأخذ عمهما مالهما، والله لا ينكحان إلا بمال، فأعطى الرسول ﷺ البنتين الثلثين وللزوجة الثمن، وللعم الباقي (١)». وأما المعنى: فإن الله - تعالى - فرض للأختين الثلثين بقوله: ﴿فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فإذا فصل ذلك في الأختين، فالبنتان أولى بذلك؛ لأن الأخوات مع البنات عصبة، لا تأخذ الأخوات إلا ما فضل عن فرض البنات. قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ولو قال: لأبويه السدس. لظن أنهما يشتركان في السدس. ولو قال: ولأبويه الثلث لما عرف كيف يقسم؛ بالسوية بينهما، أم للذكر مثل حظ الأنثيين؟ ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ والأخوان والأختان (٣١ /أ) والأخ والأخت، كل فريق منهم يحجب الأم من الثلث إلى السدس. وقال ابن عباس: لا يحجبها إلا ثلاثة فصاعدا ثلاثة إخوة، أو ثلاث أخوات، أو أخوان وأخت، أو أخ وأختان؛ لقوله - تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والإخوة جمع وأقل الجمع ثلاثة (٢). وقال الحسن البصري: لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس إلا ذكور الإخوة أو ذكورهم مجتمعين مع الإناث، وأما الأخوات الخلص فلا يحجبونها إلى السدس؛ لقوله - تعالى: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ لأن الإخوة تشمل الذكور المنفردين، وتشمل الذكور المجتمعين مع الإناث، ولا يدخل فيه الإناث الخلص (٣). ﴿لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ فلا توصي لأحد من الورثة زيادة على ما أعطاه الله؛ رجاء منك أنه ينفع أولادك، وينفع من يخلفه بعدك من إلزامك، فإنك لا تدري أيهم أقرب لك نفعا وأبعد ضررا. ﴿فَرِيضَةً﴾ مصدر التقدير: فرض الله ذلك فريضة.

стр. 161

للزوجتين والثلاث والأربع ما للواحدة من الربع أو الثمن، ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ﴾ أو امرأة ﴿يُورَثُ كَلالَةً﴾ يعني يرثه من عدم عمود النسب من أعلاه وأسفله فلا كلالة له مع وجود الأب والجد والأم والجدة وإن علوا، ولا إن وجد الابن أو البنت أو بنت الابن، أو ابن الابن. والكلالة التي في آخر السورة (١) وهم الإخوة من الأب والأم، أو من الأم. والكلالة ها هنا من الأم خاصة، فيأخذون ما لأمهم، فإن زاد أولاد الأم على واحد حصلت لهم القوة بالكثرة، فأعطيناهم نصيب الأم في أكمل أحوالها، وهو الثلث وإن كان واحدا أو واحدة من الإخوة للأم، أعطي أقل فروض الأم وهو السدس. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥)﴾ ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ يجوز أن يكون مصدرا: يوصيكم الله في أولادكم. أو مفعولا به. ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: لا يضار بوصية من الله، ولا يزد عليها، ولا ينقص فيها. قوله: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ بزيادة أو نقص، ويعتقد جوازه ﴿يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها﴾.

стр. 162

﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩)﴾ كانت عقوبة الزنى في أول الإسلام على النساء: الحبس حتى يتوفاهن الموت، أو يجعل الله لهن سبيلا. وعلى الرجال: الإيذاء بما يراه الإمام (٣١ /ب) حتى يتوبوا، أو يصلحوا، فقال النبي ﷺ : خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (١). وظاهر هذا الخبر أن يجمع المحصن بين الجلد والرجم، وليس كذلك لأن النبي ﷺ رجم ماعزا والغامدية، ولم يجلدهما (٢)، فنسخ فعله ذلك الخبر. قوله: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ أي: بإقدام، وليس يريد بالجهل: ضد العلم، فإن الجاهل بالتحريم، لا حد عليه، ولا إثم، وإنما هو كقول الشاعر [من الوافر]: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٣)

стр. 163

﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: بالغرغرة. وفي الحديث: «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر (١)». فإذا حضر أسباب الموت لم يقبل من الكافر إيمانه ولا من المؤمن توبته. كان الرجل إذا توفي وله زوجة طرح ابنه أو وارثه على خبائها ثوبه أو مئزرا، ويعتقد أنه ورثها كذلك كما يرث أموال مورثه ومنافعه، فإذا أراد دخل عليها وأبقاها في عصمته بغير مهر، وإن شاء زوّجها لمن شاء وأخذ المهر، فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً﴾ (٢). وقوله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يجوز أن يكون مجزوما بالنهي، ومنصوبا بالعطف على أن ترثوا. ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فله حينئذ أن يضيق عليها ويمنعها من الخروج، لتفتدي إن شاءت. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ فلا تعجلوا بالطلاق. ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢)﴾ روي أن عمر قال على المنبر: يا أيها الناس لا تغالوا في مهور النساء، فلو كان خيرا لسبقكم به رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لا أعلم أحدا زاد على مهورهن إلا علوته بالدرة، فكانت مهورهن خمسمائة درهم، فقامت امرأة وقالت: يعطينا الله ويمنعنا عمر، فقال لها عمر: وأين أعطاك الله؟ فقالت: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، كل الناس أفقه من عمر (٣)!

стр. 164

قيل في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ هو قول الولي للزوج: أزوجك على ما (٣٢ /أ) أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومن دأب الإنسان إذا تزوج ثيبا أن يبغض زوجها الأول، ويود أن ينتقصه كلما ذكر، فلو جوز له أن يتزوج امرأة أبيه، لأفضي إلى بغضه لأبيه، وانتقاصه ومقته، وكانوا يسمون الوالد من زوجة الأب: المقتي، ولذلك قال - تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً﴾ وقوله: ﴿ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ يعني بالنكاح: العقد. وقال أبو حنيفة: المراد به الوطء، فإذا زنى رجل بامرأة، حرمت على ابنه عنده، وعند الشافعي: الزنى لا يحرم الحلال (١). ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ﴾

стр. 165

﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣)﴾ ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)﴾ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ هذا عام لم يدخله تخصيص، ويدخل فيه أمهات النسب وأمهات الرضاعة، وإن علون. كذلك الكلام في بناتكم وكذلك الأخوات الأشقاء، ومن الأب أو الأم من النسب والرضاع ذكر من المحرمات سبعا. ومن المصاهرة: أمهات نسائكم، وربائبكم، وحلائل أبنائكم، وزوجة الأب ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ فذكر من المصاهرة خمسا وبقي من المحرمات اثنان بالرضاع، وهما ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ فالجملة: أربعة عشر. ويشترط في تحريم بنت الزوجة الدخول بأمها، ولا يشترط في تحريم أم الزوجة الدخول ببنتها وهو ظاهر في الكتاب العزيز. ومن جهة المعنى: أن المرأة إذا عقد عليها، فالعادة جارية بذهاب الأم إلى بيت الأصهار والاجتماع بهم في تقرير أمر الدخول، والسكن وغير ذلك مما جرت العادة بالحديث فيه فاحتيج إلى كون الأم محرما عقب العقد على ابنتها. ولم تجر العادة أنه إذا عقد على امرأة تذهب ابنتها إلى بيت الأصهار؛ لتقرير مصالح الدخول، فلم يحتج إلى مقدم المحرمية. وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ يحترز به عن زوجة الابن المتبنى، وهو حلال بمفهوم هذه الآية وبصريح قوله - تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ (٣٧) [الأحزاب]. ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ أي: في عهد الجاهلية، فلا يؤاخذون به بعد الإسلام. أو: إلا ما قد سلف بعد الإسلام وقبل نزول هذه الآية. قوله: ﴿وَالْمُحْصَناتُ﴾ ويحرم تزويج المتزوجات. وقوله: (٣٢ /ب) ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ يريد به السبايا المزوّجات، فإنا إذا سبينا امرأة مزوجة، ولم يكن زوجها معها

стр. 166

انفسخ نكاحها، وحل للمسلمين أن يتزوجوها. ﴿كِتابَ اللهِ﴾ نصب على المصدر، ولا ينتصب على الإغراء؛ لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما﴾ عدا ﴿ذلِكُمْ﴾ ثم فسره بقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ﴾ ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غير واطئين بالزنى. وكانت المتعة في إبتداء الإسلام بقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. ثم نهى رسول الله ﷺ عنها يوم خيبر (١). ومن لم يكن تحته حرة ولا قدر على مهر حرة مسلمة جاز له أن يتزوج الأمة إذا خاف من الوقوع في الزنى، فإن قدر على نكاح حرة كتابية، فقد اختلف فيه مذهب الشافعي ووجه اشتراط إيمانها قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ وكذلك الأمة التي ينكحها في جواز كونها كتابية وجهان (٢) لقوله - تعالى: ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾. قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أعطوا ساداتهن مهورهن. ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ﴾

стр. 167

﴿خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠)﴾ والمسافحات: التي تزني بمن وجدت، ومتخذات الأخدان: التي يكون لها شخص معين. وقوله: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ أي: إذا أسلمن فإن المحصنة والبكر في أمر حد الأمة سواء. والعنت: المشقة الشديدة. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ يعني: عن نكاح الأمة؛ فلما فيه من استرقاق الولد ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللام بمعنى أن أي: يريد الله أن يبين لكم؛ كقوله: ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: ٧١] ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾ [غافر: ٦٦]. وهذا يقع بعد الأمر والإرادة كثيرا. السنن جمع سنة، وهي الطريقة. وقوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾ استثناء من غير الجنس ومن قرأ تجارة بالنصب تقديره: إلا أن تكون التجارة تجارة. ومن قرأ تجارة بالرفع، جاز أن تكون كان ناقصة وتامة (١). وقوله: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ يعني: من خالف أوامر الله هان عليه تعذيبه؛ فإن الله - تعالى - لا يمتدح بقدرته على فاسق؛ كقوله في نساء النبي: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ (٣٠) [الأحزاب] يعني: إن المعصية تضع قدرهن إذا فعلن ذلك حتى صار تعذيبهن هينا عليه. ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١)﴾ ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ﴾

стр. 168

﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢)﴾ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ تمسكت المعتزلة بهذه الآية في أن من مات مصرّا على كبيرة (٣٣ /أ) يخلد في النار ولا يدخل الجنة؛ لأنه يشترط في دخوله مدخلا كريما أن يجتنب الكبائر، وأهل السنة تمسكوا بقوله - تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ويدخل فيه مرتكب الكبيرة، والمصر على الصغيرة، وأمر الكل موكول إلى المشيئة (١). والكبائر: ما ثبت فيه حد. وقيل: ما هدد فيه بدخول النار. وقيل: الكبائر أمهات المعاصي، والصغائر توابعها فالزنى كبيرة، وملامسة المرأة والخلو بها ومضاجعتها وتقبيلها صغائر، وشرب الخمر كبيرة، وقد: «لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة؛ حاملها، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها، والمحمولة إليه، وحاضرها، وعاصرها، ومعتصرها (٢)». قوله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ هذا هو الحسد، وهو أن يتمنى الحاسد نعمة المحسود، فأما إذا طلب مثلها، فهو غبطة غير محرمة. غير أن في هذه الآية زيادة، وهو النهي عن تمني ذلك. ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)﴾ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾

стр. 169

﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤)﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ (١). استدل به أبو حنيفة على أن الحليف يرث السدس من مال محالفه، وعند الشافعي وغيره: أن آية المواريث نسخت ذلك (٢). وقوله: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ أي: مما ترك المتوفّى، أو المولى عليه. وقوله: ﴿الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ تفسير للمضمر بعد كل الذي جعل التنوين في كلّ بدلا عن الإضافة إليه (٣). وقوله: ﴿قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ جاء في سببها أن رجلا كره من امرأته أمرا فلطمها لطمة طلب أهلها القصاص، فنزلت هذه الآية (٤). وإن خاف نشوز المرأة اقتصر على ضربها، فإن نشزت مرة واحدة وعظها وهجرها في الفراش. وهل له أن يضربها؟ فيه قولان، ولا يحل هجران كلامها أكثر من ثلاث، لا هي ولا غيرها، فإن تكرر منها النشوز جاز له ضربها، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً﴾ تعريض بالعفو عن المرأة، وعمن

стр. 170

يذنب، بمعنى: أنه مع علوه وكبريائه يعفو عن المذنبين، فأنتم أولى بالعفو. وقوله: ﴿تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ بمعنى: بأمارة دلت على ذلك، فأما إذا لم يكن عليه دليل فلا يجوز مؤاخذتها به. والواو في قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ للتنويع. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦)﴾ ﴿حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها﴾ والأولى أن يكونا من أهلهما؛ لأنهما أخبر بمصالحهما من الأجنبي. وفي قول: هما وكيلان للزوج، فيوكل الرجل (٣٣ /ب) حكما في الطلاق وقبول العوض، وتوكل المرأة حكما في بذل العوض. وفي قول: هما حكمان يحكمان بما يريانه صوابا من الإصلاح والتفريق. وفي التنبيه: صحح هذا القول، وغيره صحح الأول (١). ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ يجوز أن يعود الضميران الأول إلى الحكمين والثاني إلى الزوجين، إن يريد الحكمان مجرد الإصلاح يوفق الله بين الزوجين ببركة بعث [الصالحين] وقيل عكس هذا، إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله بين الحكمين.

стр. 171

﴿وَاعْبُدُوا اللهَ﴾ العبادة: غاية الذلة ولا تقال إلا في حق الله - تعالى - تقول: ذللت لزيد وخضعت له، ولا تقول: عبدته، يقال: ذو قرابة، ولا تقول: قرابتي قال الشاعر [من البسيط]: يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيّ مسرور (١) أما القرابة فهي نسبة بين الاثنين، ولا يخبر عن الرجل بها. ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى﴾ تضمنت وصفين يستحق بهما الجوار والقرابة ﴿وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾ له حق واحد. ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قيل: هو المجالس لك في الحضر والسفر، وأكثر الأحوال طمعا في برّك. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر أو المريد للسفر في غير معصية. ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ يعاملون بالرفق والإحسان. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً (٤٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)﴾ ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ قيل: المراد به: النهي عن كتمان صفة الرسول ﷺ ، وهم اليهود، وأمروا سفلتهم بكتمانها. وقيل: المراد بالبخل: صدقة الأموال. وقيل: أراد جميع ذلك. المثقال: هو المقدار، والذرة: النملة الصغيرة الحمراء لا يكاد يتأثر من يجعلها في إحدى

стр. 172

كفيه ﴿حَسَنَةً﴾ قرئ بالرفع والنصب (١) بناء على أن كان تامة. ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ أي: كيف يكون حالهم ﴿إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: يصيروا ترابا؛ كقوله ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ [النبأ: ٤٠]. وقيل: يودون لو انشقت الأرض فتبلعهم، أولو سويت الأرض المنخفضة بجثثهم. ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ قيل: المراد مواضع الصلاة؛ لقوله: ﴿وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٣٤ /أ) وعند أبي حنيفة: لا تقربوا الصلاة نفسها وأنتم سكارى، ولا تقربوا الصلاة وأنتم مجنبون، إلا أن تكونوا مسافرين قد عدمتم الماء، فتصلون مع الجنابة (٢). قيل: «كانت الخمرة مباحة في أول الإسلام، ثم صلى رجل بقوم وهو سكران، فحذف «لا» من سورة «قل يا أيها الكافرون»، وقال: أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد إلى آخرها، فنزلت تحريم السكر في أوقات الصلوات، ثم نزل بعد ذلك تحريم الشرب مطلقا» (٣). وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] مجنبين أو محدثين حدثا أصغر، وهو معنى قوله: ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ وقرئ «أو لمستم» ومن قرأ «لامستم» (٤) فهي للمفاعلة التي لا تكون إلا من اثنين، فينتقض وضوء اللامس والملموس. ومن قرأ «أو لمستم» فلا حجة فيه على وضوء الملموس ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ ولا يقال: لم نجد، إلا بعد الطلب، والمعنى: فلم تجدوا ماء فاضلا عما يحتاج إليه لعطشه، أو لعطش رفيقه، أو عطش حيوان محترم، كان وجود الماء كعدمه

стр. 173

فيتيمم، وكذلك إذا وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل، لم يلزمه شراؤه ويتيمم. ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أي: اقصدوا؛ كقوله: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: تقصدوا ويجب في التيمم القصد إلى الصعيد فلو نوى ووقف في مهب الرياح، وسفت عليه الرياح لم يجزه، ولو نوى ووقف عند ميزاب (١)، وانصب عليه الماء جاز الوضوء. والمراد بالصعيد عند الشافعي: ما صعد على وجه الأرض من تراب له غبار يعلق بالوجه واليدين؛ لقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وعند غيره: بكل ما صعد على وجه الأرض (٢). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً (٤٦)﴾ ﴿أَلَمْ﴾ معناه: اعجب ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ فيستبدلونها بالهدى الذي تمكنوا منه، وصار كالحاصل لهم ﴿وَلِيًّا﴾ فعيل يجوز أن يكون بمعنى الفاعل، أو وكفى بالله متوليا لأموركم. أو متولى، أي: كفى بالله يتولونه؛ كقوله - تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٥٦] ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ أي: قوم يحرفون؛ كقوله: (٣٤ /ب) [من الرجز]: جادت بكفّي كان من أرمى البشر (٣) ...

стр. 174

وكقوله [من الوافر]: أنا ابن جلا وطلاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني (١) المعنى: بكفي رجل كان، وأنا ابن رجل جلا، فحذف الموصوف، مع أن الصفة جملة وحكى ابن السراج عن العرب: ما منهما مات حتى جرى له كذا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] أي: قوم، أو فريق. ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ يزيلون ﴿الْكَلِمَ﴾ المنزلة في التوراة والإنجيل ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ التي يجب تقريره فيها. وأما قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] فالتقدير: يحرفون الكلم بعد استقرارها في مواضعها المرادة بها. ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ أصله من لوى يلوي لويا، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الأولى في الثانية، ومثله: كوى كيّا، وشوى شيّا، وحوى حويّا. وعكسه: سيد وميت، أصله: سيود، وميوت. سبقت الياء بالسكون، فقلبت الواو وأدغمت. وقوله: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يوهمون أن المراد: غير مسمع ما تكره، وهم يريدون: اسمع لا سمعت. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ إلا إيمانا ببعض وكفرا ببعض وأولئك هم الكافرون حقا. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٤٧) إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠)﴾ روي: «أن كعب الأحبار لما سمع قوله - تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا﴾ الآية أسرع بالاجتماع بالمسلمين وأسلم، وقال: خشيت أن يحول وجهي إلى قفاي قبل أن أصل إلى المسلمين». ﴿كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ﴾ حين مسخوا قردة. وقوله: ﴿أَصْحابَ السَّبْتِ﴾ أي: الذين اعتدوا في السبت، فنسب السبت إليهم.

стр. 175

﴿اِفْتَرى﴾ اقتطع واختلق موجب إثم عظيم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ تمدح التزكية إذا أريد بها التطهير من المعائب كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ (٩) [الشمس] وأطلق وأراد بها نسبة المحاسن إلى الرجل حقّا كان أو باطلا، كما في هذه الآية. الفتيل: ما في شق النواة. والقطمير: هي القشرة البيضاء التي على النواة. والنقير: نقرة في ظهر النواة، يقال: منها تطلع النخلة، ومعنى ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ أي: لا تظلمون شيئا وكذلك القطمير والنقير. ﴿مُبِيناً﴾ إما أن يكون بمعنى ظاهرا، وإما مظهرا، إن كان (٣٥ /أ) من بان فهو بمعنى ظاهر، وإن كان من أبان فهو بمعنى: مظهر. الجبت: كل معبود سوى الله. وقيل: الجبت والطاغوت اسما صنمين كانا في الجاهلية. وقيل: الجبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن. الطاغوت: فعلوت لكل ما تجاوز الحد، والمراد ها هنا: كل معبود سوى الله. وقيل: هو كعب بن الأشرف (١) وسبب الآية: أن مشركي قريش سألوا اليهود وقالوا: أهل كتاب وشريعة، فأنتم أعلم منا فننشدكم الله أينا أقرب إلى الصواب، نحن أم محمد؛ فإنا نصل الرحم، ونكرم الضيف، ونفك العاني (٢)، ونسقي الماء، ومحمد فرق جماعتنا وسفه أحلامنا (٣) وأحلام أسلافنا، فقالت اليهود لهم: أمركم أصوب من أمر محمد فعجّب (٤) الله نبيه من ذلك، وأنزل هذه الآية (٥). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً (٥٣)﴾ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما﴾

стр. 176

﴿آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)﴾ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ يعني: محمدا ﷺ على ما أوتي من النبوة. وفي قوله: ﴿جُلُوداً غَيْرَها﴾ قولان: أحدهما: يخلق الله لهم جلودا جديدة ليذوقوا العذاب. والقول الثاني: غيّر الله صفات تلك الجلود المحترقة فرجعت كأن النار لم تمسها؛ إذ لا يعذب إلا الجلود التي عصي الله بها. وقوله: ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾ جعل تغير الصفات بمنزلة تغير الذات. تقول: جاء فلان بوجه غير الوجه الذي ذهب به، ومثل هذين القولين في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وفي كون الظل ظليلا وجهان: أحدهما: ظل مضاعف. والثاني: ظل لا تنسخه شمس، بل هو دائم الثبوت لا يتغير. لما فتح رسول الله ﷺ مكة طلب مفتاح الكعبة من عثمان بن أبي شيبة (١) فأبى أن يعطيه فلوى عليّ يده، وأخذه منه قهرا، فلما قضى رسول الله ﷺ حاجته من الدخول في الكعبة سأل العباس رسول الله ﷺ أن يوليه السدانة (٢) ويعطيه المفتاح، وقال: اجمع لي بين السدانة والسقاية، فأنزل الله ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ فأمر النبي ﷺ عليّا، فرد المفتاح إلى عثمان بن أبي شيبة، فقال: أخذت بقوة وآذيت ثم جئت ترده فقال: قد أنزل الله - تعالى - في شأنك هذه الآية، فقال: إن هذا لدين شريف فأسلم، وتقرر مفتاح الكعبة

стр. 177

بيد بني شيبة إلى الآن (١). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)﴾ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ هم الحكام القائمون بأحكام الشريعة وقيل: هم أمراء الأجناد وقيل: هم العلماء. قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أحسن عاقبة؛ كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]. كان بين يهودي ومسلم منازعة، واليهودي محق، فطلب اليهودي المحاكمة إلى محمد ﷺ ، وطلب المسلم المحاكمة إلى كعب بن الأشرف اليهودي؛ لعلمه أن كعب بن الأشرف يقبل الرشا، فنزلت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية (٢). وروي: «أن المسلم واليهودي وأصحابهما مروا على عمر بن الخطاب فسأل عن خبرهم، فسألوه أن يصلح بينهم، فقال: رويدكم، ثم دخل فأخذ سيفه وضرب المسلم حتى برد (٣)، وقال: هكذا أحكم فيمن امتنع من طاعة الله، وطاعة رسوله فسمي عمر الفاروق لذلك؛ لأنه فرق بين الحق والباطل (٤).

стр. 178

واعتذر أصحاب المسلم المنافق، وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى كعب إلا أن يصلح بينهم، وهو معنى ﴿ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ الآية، فأكذبهم الله - تعالى. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ أي: قولا مؤثرا في أنفسهم؛ لغلاظته وقوته. ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)﴾ وحكى العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فسلم، وقال: يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ قد جئتك مستغفرا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشد [من البسيط]: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهنّ القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال العتبي: فنمت، فرأيت النبيّ ﷺ ، فقال: يا عتبي، أدرك الأعرابي وبشره بالجنة (١). ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ لا زائدة، أي: فو ربك لا يؤمنون. كان بين الزبير وبين رجل من الأنصار تشاجر في مسقى ماء، وكانت أرض الزبير عالية، وأرض الأنصاري مستفلة، فتحاكما إلى رسول الله ﷺ ، فقال: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؛ فإن الزبير هو ابن صفية عمة النبي ﷺ ، فتغيّر وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: اسق يا زبير واحبس الماء حتى (٣٦ /أ)

стр. 179

يصل إلى الجدر» (١) فكان في الحكم الأول قصد الإصلاح بينهما، فلما أغضب الأنصاري رسول الله ﷺ استوعب له جميع حقه. كذا قالوا. وفيه دليل على أن القاضي يجوز أن يقضي وهو غضبان فنزلت هذه الآية في حديث الزبير والأنصاري. والتشاجر: الاختلاط بين المتخاصمين؛ لأن كلام هذا يختلط مع كلام هذا. ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً (٧٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)﴾ جعل الله الخروج من الأوطان قرين القتل؛ كما جعله في سورة الحشر قرين التعذيب. ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ [الحشر: ٣] وعن عمر: لو كلفت أن أقتل نفسي لفعلت، ولكن الله رحيم، ولم يكلفنا ذلك، فعمر من القليل (٢).

стр. 180

﴿ثُباتٍ﴾ أي: جماعات في تفرقة كأشتات وأبابيل، وواحده: ثبة. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملة معترضة بين القول والمقول. ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي: يبيعون الحياة الدنيا، ويستبدلون بها الآخرة فالذين يشرون فاعل، ويشرون بمعنى يبيعون. وقيل: الذين مفعول، ويشرون بمعنى يبتاعون. أي: فليقاتل رسول الله الذين يشرون. والأول أصح؛ لقوله بعده: ﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ وقوله: ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وفي سبيل تخليص المستضعفين. ﴿الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ مكة قبل أن يفتحها رسول الله ﷺ . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨)﴾ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ وضعفه من جهة أنه لا يقدر على إلزامك بما وسوس به إليك، فقبول وسوسته من سوء نظر الناظر، لا من قوة فعل الشيطان. كان الإسلام في ابتدائه قليل الناصرين فنهي المؤمنون عن القتال؛ لقلتهم، ولما كثر المؤمنون وأمروا بالقتال كرهه بعضهم، فنزلت هذه ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ (١) أي: كخشيتهم الله. وقوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ لابد من تأويله؛ لأن أفعل التفضيل إن أضيفت، وخفضت ما بعدها، كان الموصوف بأفعل جزءا مما أضيفت إليه، وإن نصب ما بعدها، لم يكن الأول جزءا من الثاني، فإذا قلت: هذه النخلة أطيب من هذه رطبا جاز؛ لأن لها رطبا. ولو قلت: هذه النخلة أطيب رطب، لم يجز؛ لأنه يقتضي أن تكون النخلة رطبا وإذا قلت: زيد
следующие страницы →