← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

هم وسط ترضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم (١) وقوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطاً﴾ (٢) أي: خيارا. ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم. ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ عند ذلك: اذكروا الله وتوجهوا إليه توجها كليا؛ فلو كنتم عظمتم الله حق تعظيمه، ولم تنووا حرمان المساكين لم يصبكم ما أصابكم. وزعم كثير من الناس أن الله أبدلهم جنة تسمى الحيوان يحمل البعير منها عنقودا. وقيل: ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ لولا تصلون ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٣) أي: المصلين. ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦)﴾ كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين من ثوابها قال فريق منهم بإنكار الآخرة والتكذيب وقال آخرون: إن كانت فسيكون لنا منها الحظ الأوفر كما هو لنا في الدنيا؛ فقال الله تعالى: أفنحيف في الحكم فنجعل ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ المتصدقين الصابرين على أذى الكفار ﴿كَالْمُجْرِمِينَ﴾ ثم التفت فقال: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج؛ كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم، أو جاءكم من الله كتاب بأنكم تخيرون في الآخرة في المنازل في قصور الجنة وثوابها.

стр. 1157

قوله: ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ متعلق بقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ أي: يستمر ذلك إلى يوم القيامة، ﴿أَيُّهُمْ بِذلِكَ﴾ الحكم ﴿زَعِيمٌ﴾ قائم به، كفيل بحصوله، قائم بالاحتجاج لنصرته. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ يقولون بقولهم ويذهبون إلى ما ذهبوا إليه. الكشف عن الساق: مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الرّوع والهزيمة، وكشف المخدرات عن أسوقتهن تجردا للهرب؛ بمعنى: يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثمّ ولا ساق، وأما من شبه فهو جاهل بعلم البيان (١) (٣٠٩ /ب). وعن ابن مسعود: "يكشف الرحمن عن ساقه فأما المؤمنون فيخرون سجدا وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقا طبقا؛ كلما أراد أحدهم أن يسجد انقلب على ظهره" (٢).ونكر الساق تعظيما لذلك الأمر وتهويلا؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (٣). وعن قتادة: خرج من خراسان رجلان أحدهما شبّه حتى مثّل وهو مقاتل بن سليمان (٤)، والآخر نفى حتى عطّل وهو جهم بن صفوان (٥).

стр. 1158

وتكليفهم السجود في الآخرة ليس لطلب ثواب ولا خوف عقاب، وإنما هو إظهار لما كانوا يفعلونه في الدنيا من السجود لغير الله تعالى، فمنعوا في الآخرة السجود لله؛ وليوبخوا على ذلك. يقال: ذرني وفلانا؛ أي: سلّم أمره إليّ فأنا أكفيكه. استدرجه: إذا كلفه الإتيان إليه درجة بعد درجة، والمراد هاهنا بالاستدراج: الصحة والغنى، ويحسبون الإنعام عليهم إيثارا لهم على المؤمنين. ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٥٠)﴾ قوله: أن ﴿الْغَيْبُ﴾ أي: اللوح المحفوظ؛ فهم يكتبون منه ما يريدون، والمعنى: لا تكن مثل يونس بن متى حيث ذهب مغاضبا ولم يستأذن ربه فيما صنع. قيل: نزلت حين أراد النبي ﷺ أن يدعو على قومه في نوبة أحد. وقيل: في هزيمة المسلمين في نوبة هوازن. ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)﴾ ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ من شدة تحديقهم إليك، ونظرهم شررا نظر المتغيظ إذا رأى من عدوه استقامة أمره وحنكته، وهو كقول الشاعر [من الكامل]: يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزلّ مواطئ الأقدام (١) قيل: كانت العين في بني أسد. وقيل: كان الرجل منهم إذا رأى شيئا يعجبه فقال: ما رأيت كاليوم قط. هلك ذلك المشار إليه؛ فأحضروا رجلا من بني أسد، فجاء إلى النبي ﷺ ، فقال: ما رأيت كاليوم قوة وفصاحة. وأراد أن يصيب رسول الله ﷺ بالعين فردّ الله كيده ونزلت الآية ﴿وَإِنْ يَكادُ﴾ (٢). ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ختم السورة بما بدأ به أولها: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ﴾ أي: شرف. وقيل: موعظة. ***

стр. 1159

تفسير سورة الحاقة [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)﴾ ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الساعة القليلة الوقوع الثابتة (٣١٠ /أ) المجيء، أو التي تحق فيها الأمور أي: تعرف على الحقيقة؛ تقول: لا أحق هذا الأمر؛ أي: لا أعرف حقيقته جعل الفعل لها وهو لأهلها، وارتفاعها على الابتداء وخبرها ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ تفخيما لشأنها وتعظيما لهولها والأصل: وما أدراك ما هي؛ فأوقع الظاهر موقع المضمر؛ لأنه أهول لها؛ أي: وأي شيء أعلمك؛ يعني: إنك لا علم لك بهولها، فكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ذلك، و" ما " رفع بالابتداء، و ﴿أَدْراكَ﴾ معلق عنه؛ لأن الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله. والقارعة: التي تقرع الناس بالإفزاع، وتقرع السماء بالانشقاق والانفطار، والأرض والجبال بالدك والنسف، والنجوم بالطمس والانتثار، ولما فخم أمر الساعة وعظمه أتبع ذكر ذلك ذكر من كذب بها تخويفا لأهل مكة من عقوبة تكذيبهم. ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ (٥) وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧)﴾ ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ بالواقعة المجاوزة الحد في الشدة. وقيل: المراد بالطاغية: الصيحة. وقيل: الرجفة. وقيل: الصاعقة. قيل: هلكوا بصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وقيل: الطاغية: مصدر؛ كالعاقبة والعافية؛ أي بطغيانهم، وليس بالقوي؛ لعدم المطابقة بينها وبين قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ الصرصرة: الصوت الشديد. وقيل: الباردة؛ من الصّرّ وهو البرد؛ كأنها التي ضوعف فيها البرد؛ فهي تحرق بشدة بردها. ﴿عاتِيَةٍ﴾ شديدة العتو أي: عتت على عاد، فلم يقدروا على ردها بحيلة من استتار بناء أو لياذ بجبل، واختفاء في حفيرة، فإنها كانت تنزعهم من مكانهم. وقيل: عتت على خزانها؛ فخرجت بلا كيل ولا وزن. وعن النبي ﷺ :" ما أرسل الله سفينة من ريح إلا بمكيال إلا قوم عاد، وقوم نوح؛ لأن الماء يوم إهلاك قوم نوح طغى على الخزان، ثم قرأ: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ أي: في

стр. 1160

السفينة " (١) ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ (٢) ويجوز أن يكون جمع حاسم؛ كشاهد وشهود، ويجوز أن يكون مصدرا ك" الشكور " ﴿أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ (٣) فإن كان جمع حاسم فمعناه أنها حسمت عنهم كل خير، أو متتابعة ما سكنت ساعة، وإن كان مصدرا فالتقدير: حسمتهم حسوما، أو تقديره: ذات حسوم، أو مفعولا له؛ أي: سخرها عليهم للاستئصال. وقرئ:" حسوما "بفتح الحاء (٤) بمعنى اسم الفاعل وقيل: هي أيام العجوز، وذلك أن عجوزا استترت في سرب فأخرجتها الريح (٣١٠ /ب) في اليوم الثامن فأهلكتها. وقيل: هي أيام العجوز وهي عجز الشتاء؛ أي: آخره وأسماؤها: الصن، والصنبر. وقيل: مكفئ الظعن (٥). ومعنى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ سلطها عليهم، أي: في الليالي والأيام. ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ﴾ أي: صدورها. ﴿فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)﴾ ﴿مِنْ باقِيَةٍ﴾ أي: من بقية، أو من نفس باقية، أو من بقاء، و ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ بمعنى الطغيان. ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ أي: ومن تقدمه، وقرئ:" ومن قبله " (٦) ويؤيدها قراءة من قرأ ومن معه (٧). ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتُ﴾ قرى قوم لوط. ﴿بِالْخاطِئَةِ﴾ أي: بالخطأ، أو الأفعال الخاطئة. ﴿رابِيَةً﴾

стр. 1161

شديدة زائدة في الشدة؛ كما زادتا قبائحهم؛ ربا الشيء يربو: إذا زاد ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ (١) ﴿حَمَلْناكُمْ﴾ حملنا آباءكم في السفينة ﴿الْجارِيَةِ﴾ لأنهم إذا كان أجدادهم محمولين في الجارية فقد حملوا فيها؛ لأن في ذلك إشارة إلى نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين ﴿تَذْكِرَةً﴾ عظة وعبرة. ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ من شأنها أن تعي ما تسمع، وكل ما حفظته في نفسك فقد وعيته، وما جعلته في وعاء فقد أوعيته. فإن قيل: لم أفرد الأذن ونكرها؟ قلنا: للإشعار بقلة الواعين لما سمعوه، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي، وللإشعار بأن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت فهي في مقام السواد الأعظم، وأن ما سواها لا يعبأ به، وإن ملأ ما بين الخافقين والنفخات متعددة. ومعنى قوله: ﴿واحِدَةً﴾ أي: لا تثنى في وقتها، والمراد - هاهنا - النفخة الأولى؛ لأن عندها فساد العالم، وفي رواية: هي النفخة الثانية. وأما قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ مع أن العرض بعد النفخة الثانية؛ فلأن جعل اليوم اسما للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان، والصعقة والنشور والوقوف والحساب؛ فلذلك قيل: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ كما تقول: جئتك في عام كذا، وإنما جئت في وقت من أوقاته. ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ أي: بريح لها من القوة أن تحمل الأرض والجبال. وقيل: بل تفعل ذلك بقدرة الله تعالى. ﴿فَدُكَّتا﴾ يعني حملة الأرض وحملة الجبال فضرب بعضها ببعض؛ حتى تندقّ وتتفتت، وترجع كثيبا مهيلا وهباء منبثا. وقيل: بسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ (٢٤)﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ﴾ جاءت القيامة ﴿واهِيَةٌ﴾ مسترخية ساقطة القوة بعد ما كانت (٣١١ /أ) محكمة. قوله: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ أي: الخلق الذي يقال له الملك، وأفرده ولم يجمعه. ﴿عَلى أَرْجائِها﴾ على نواحيها؛ الواحد: رجا مقصور. ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قيل: هم حملة العرش؛ اليوم أربعة ويوم القيامة يصيرون ثمانية. وقيل: الثمانية أرجلهم في تخوم الأرض السابعة السفلى، ورؤوسهم تحت العرش وهم مطرقون مسبحون.

стр. 1162

وقال الحسن: لا أدري أهم ثمانية أملاك أم صفوف؟ وقيل: بعضهم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وآخرون يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. ويجوز أن يكون الثمانية صفوفا لا يعلم عددها إلا الله (١). ويجوز أن يكون ذلك العدد من الروح وباقيهم من الملائكة. ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ (٢) العرض: عبارة عن المحاسبة؛ شبه ذلك تشبيها بعرض السلطان الجند، ليتعرف أحوالهم ﴿خافِيَةٌ﴾ كانت قد خفيت في الدنيا؛ لأن الله أراد سترها، أو كانت مما يجوز أن يخفى؛ لشدة حقارتها، أو حال كانت تستر في الدنيا بستر الله عليكم. هاء: لفظ يصوت به فيفهم منه خذ، أو حدث؛ فعمل فيه ﴿اِقْرَؤُا﴾ لأنه أقرب العاملين، وأصله: هاؤم كتابي اقرءوا كتابي؛ كقوله: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ (٣) ولو أعمل الأول لكان التقدير: آتوني قطرا أفرغه عليه. والهاء في ﴿مالِيَهْ﴾ و ﴿سُلْطانِيَهْ﴾ هاء السكت، وحقها أن تسقط في الوصل، وتثبت في الوقف. والظن: ما يحصل من العلم. ﴿راضِيَةٍ﴾ منسوبة إلى الرضا؛ كالدارع والنابل، والنسبة تارة تكون بالحرف، وتارة تكون بالصيغة، أو جعل الفعل لها مجازا ولصاحبها حقيقة. ﴿عالِيَةٍ﴾ في المكان أو في المعنى. ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ ينالها القاعد والقائم، يقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً﴾ أي: هنئتم هنيئا على المصدر بما قدمتم من الأعمال الصالحة. ﴿فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ الماضية من أيام الدنيا. وقيل: في أيام الصيام؛ لخلو الجوف فيه. ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ﴾

стр. 1163

﴿إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧) فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ الضمير في: "يا ليتها" للموتة؛ كأنه قال: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا لا حياة بعدها ﴿كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ لقاطعة للعمر. ﴿صَلُّوهُ﴾ أي: أدخلوه في النار؛ يقال: شاة مصلية: إذا حفرت حفيرة وأوقد فيها النار الكثيرة، ثم أدخلت الشاة السميط فيها وأطبق عليها. سلكه في السلسلة؛ أي: أدخله فيها. وقوله (٣١١ /ب) ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً﴾ لا يريد السبعين؛ بل يريد الكثرة؛ كقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (١) ولما قدم المعمول من قوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ دل على أنه أراد: لا تسلكوه إلا في هذه؛ وعلة ذلك ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ يدفع عنه. والغسلين: ما يسيل من أبدان أهل النار وجراحاتهم وصديدهم، غسلين من غسل. ﴿الْخاطِؤُنَ﴾ الآثمون، وخطئ الرجل: إذا تعمد الذنب، وأخطأ فعله غير متعمد. قوله: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ قسم بالأشياء كلها؛ لأنها لا تخرج عن قسمين؛ مبصرة وغير مبصرة. وقيل: الدنيا والآخرة. وقيل: الأجسام والأرواح. وقيل: الخلق والخالق. وقيل: النعم الظاهرة والباطنة. إن هذا القرآن ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله تعالى. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ كما تدعون والقلة في معنى العدم؛ أي: لا تذكرون قليلا ولا كثيرا. ﴿تَنْزِيلٌ﴾ هو تنزيل عليه ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. وقيل: ﴿حاجِزِينَ﴾ في وصف ﴿أَحَدٍ﴾ لأنه في معنى العموم، ومنه قوله تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٢) ينطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ﴿وَإِنَّهُ﴾ الضمير للقرآن. ومعنى ﴿لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ محض الحق. ﴿فَسَبِّحْ﴾ الله بذكر اسمه ﴿الْعَظِيمِ﴾ من إيحائه إليك.

стр. 1164

تفسير سورة المعارج [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥)﴾ ضمن ﴿سَأَلَ﴾ معنى دعا؛ فعدي تعديته؛ كأنه قال: دعا داع ﴿بِعَذابٍ﴾ تقول: دعا بكذا؛ أي: استدعاه؛ ومنه قوله: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ﴾ (١) وقيل: هو النضر بن الحارث؛ حيث قال: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية (٢). وقيل: هو رسول الله ﷺ استعجل بعذاب الكافرين، وقرئ: "سال سائل" بغير همزة (٣) على وجهين أحدهما: أن يكون مخففا من "سأل" والثاني: أنه إخبار بأن واديا من أودية جهنم - أعاذنا الله منها بكرمه - فتح، فسال منه صديد أهل النار؛ فسال بالعذاب، والسيل في معنى السائل؛ كالغور في معنى الغائر، وسأل سائل عن عذاب الله بمن ينزل، ومتى (٣١٢ /أ) يقع؟ فنزلت. عنى واهتم. فإن قلت: بم يتصل قوله: ﴿مِنَ اللهِ؟﴾ قلت: متصل ب "واقع" أي: واقع من عنده، أو ب "دافع" أي: ليس له دافع من جهته إذا جاء. و ﴿الْمَعارِجِ﴾ المصاعد، ثم وصف المصاعد وبعد مداها بقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ إلى عرشه، وحيث تهبط منه أوامره ﴿فِي يَوْمٍ﴾ مضى ذكره في سورة السجدة (٤)، و ﴿وَالرُّوحُ﴾ جبريل. وقيل: خلق من خلق الله ليسوا بإنس ولا جن ولا ملائكة، وهم أكثر من الجميع ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ (٥) و "الروح" حفظة على الملائكة كما أن الملائكة حفظة على بني آدم. وتعلق قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾

стр. 1165

لأن سؤالهم تعجيل العذاب إنما كان استهزاء؛ فأمر بالصبر، وقد جعل قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾ من صلة ﴿واقِعٍ﴾ أي: يقع ﴿فِي يَوْمٍ﴾ طويل ﴿مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ إما أن يكون استطالة له لشدة هوله على الكفار، أو هو حقيقة؛ لذلك قيل فيه: خمسون موطنا، كل موطن ألف سنة، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر، وتتمة الكلام في سورة السجدة. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلاّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)﴾ الضمير في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ عائد إلى العذاب، أو ليوم القيامة؛ أي: يستبعدونه على جهة الحالة. ﴿وَنَراهُ قَرِيباً﴾ أي: هو عندنا قريب، أي: من الإنسان، وكذا ﴿بَعِيداً﴾. نصب ﴿يَوْمَ﴾ ب ﴿قَرِيباً﴾ أي: يمكن ولا يتعذر، ويجوز أن ينتصب ب ﴿دافِعٌ﴾ أو ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ﴾ يجري كيت وكيت، أو هو بدل عن ﴿فِي يَوْمٍ﴾ عند من علقه ب "دافع". ﴿كَالْمُهْلِ﴾ كدردي الزيت. وقيل: كالفضة المذابة في تلونها. العهن: الصوف المصبوغ ألوانآ؛ لأن الجبال مختلفة الألوان؛ ﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ (١) فإذا بست وطويت في الجو أشبهت العهن إذا طيرته الريح. ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ أي: لا يلتمس منه أن يخفف عنه من حمله. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٢). ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يبصر يومئذ الأعمى والأكمه، ولا يمنعه من الرؤية عدم الإبصار؛ بل هو يبصره ويتحققه، وهو كلام مستأنف، وإنما جمع بضمير الفعل والمفعول؛ لأن المراد أن هذا الجنس يبصر كل واحد منهم بالآخر. ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم، و ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإنجاء، يعني: يود لو كان هؤلاء جميعا تحت يده وحكمه، وبذلهم في فداء نفسه ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ ذلك، وهيهات أن ينجيه. ﴿كَلاّ﴾ ردع وزجر كلا لا ينجيه ذلك (٣١٢ /ب) من العذاب، ثم قال: ﴿إِنَّها لَظى﴾

стр. 1166

أي: النار؛ سميت به لتلظيها واتقادها، وهي مؤنثة. و ﴿نَزّاعَةً﴾ خبر ثان، وقرئ: "نزاعة" (١) نصب على الحال. والشوى: الأطراف، أو جمع شواء؛ وهي جلدة الرأس فتنتزعها نزعا فتبتكها (٢) ثم تعاد. وقيل: تناديهم تقول: إلي يا كافر يا منافق. وقيل: تدعو المنافقين والكافرين بلسان فصيح ثم تلتقطهم التقاط الطير الحب، فجوز أن يخلق الله فيها كلاما كما يخلقه في جلودهم وأرجلهم وأيديهم. ويجوز أن يكون دعاء الزبانية. وقيل: تدعو: تهلك؛ من قول العرب: دعاك الله؛ أي: أهلكك؛ قال [من الوافر]: دعاك الله من رجل بأفعى (٣) ... ﴿مَنْ أَدْبَرَ﴾ عن الحق ﴿وَتَوَلّى﴾ عنه ﴿وَجَمَعَ﴾ المال فجعله في وعاء؛ فكثره ولم يؤد الزكاة والحقوق الواجبة فيه، ويتشاغل به عن الدين، وزهى باقتنائه وتكبر. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ أريد ب ﴿الْإِنْسانَ﴾ الناس، فلذلك استثنى منه ﴿الْمُصَلِّينَ﴾. والهلع: سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير؛ من قولهم: ناقة هلوع: سريعة السير. وعن أحمد بن يحيى (٤) قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر (٥): ما الهلع؟ فقلت: قد فسره الله ولا يكون

стр. 1167

تفسيرا أبلغ من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس (١). و ﴿الْخَيْرُ﴾ الغنى والمال. و ﴿الشَّرُّ﴾ الفقر، أو الصحة والمرض إذا صح الغني منع المعروف وشح بماله، وإذا مرض جزع وأخذ يوصي، ومعنى ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ﴾ أي: لإيثاره الجزع والمنع وتمكنهما منه ورسوخهما فيه؛ كأنه مجبول عليهما مطبوع وكأنه أمر خلقي وضروري غير اختياري كقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٢) لأنه حين كان في البطن والمهد لم يكن به هلع؛ ولأنه ذم، والله تعالى لا يذم فعله بدليل استثنائه المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم، وحملوها على المضارّة، وطلقوها من الشهوات حتى لا يكونوا جازعين ولا مانعين. وعن النبي ﷺ : "شر ما أعطي ابن آدم شره مانع، وجبن خالع" (٣). وفي لفظ "الكشاف": شحّ هالع (٤). ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾ فإن قلت: كيف قال: ﴿عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثم ﴿عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ؟﴾ قلت: معنى دوامهم عليها: لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل؛ كما روي عن النبي ﷺ : "أفضل العمل أدومه وإن قل" (٥).وقوله: ﴿يُحافِظُونَ﴾ أي: على أدائها في أوقاتها ومنه قول

стр. 1168

عائشة ﵂: "كان عمل رسول الله ﷺ ديمة" (١).ومحافظتهم عليها: أن يراعوا (٣١٣ /أ) إسباغ الوضوء لها، والإتيان بسننها وآدابها؛ فالدوام راجع إلى نفس الصلاة والمحافظة على سننها وأركانها. ﴿حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ زكاة؛ لأنها معلومة النصب، ومعلوم المقدار الواجب منها، والسائل: الذي يسأل، والمحروم: الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنيا فيحرم. ﴿يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ يصدقونه بأعمالهم. وقوله: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ جملة معترضة. كان المشركون يجتمعون حول النبي ﷺ حلقا يستهزئون بقراءته، ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لنكونن أحسن حالا منهم فنزلت (٢). ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين نحوك ﴿عِزِينَ﴾ جماعات متفرقات. و "عزين": جمع عزة، وأصلها: عزوة؛ كل واحد يعتزي إلى جهة وقيل: كان المستهزئون خمسة. ﴿كَلاّ﴾ ردع وزجر لهم عن طمعهم؛ كأنه قال: هؤلاء لا يصدقون بالجزاء، فكيف يطمعون في نعيم الآخرة؟ ﴿كَلاّ إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾ قلت: ويدل على إنكارهم البعث قوله: ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله: ﴿خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من النطف. ﴿الْأَجْداثِ﴾ القبور. والنصب: كل ما نصب ليعبد من دون الله. ﴿يُوفِضُونَ﴾ يسرعون. ***

стр. 1169

تفسير سورة نوح ﵇ [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧)﴾ قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرْ﴾ أي: بأن أنذر؛ فحذف الجار ووصل. فإن قيل: كيف قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ مع قوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ؟﴾ قلت: قدر الله - مثلا - أن قوم نوح إن آمنوا أمهلهم ألف سنة، وإن استمروا على الكفر أخذهم على رأس التسعمائة فإذا جاءت الألف فلا تأخير لها، وإذا جاءت رأس التسعمائة وآمنوا أمهلوا لتأجيل الأجل الآخر. ﴿لَيْلاً وَنَهاراً﴾ دائبا من غير فتور مستغرقا به الأوقات كلها. ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي﴾ جعل دعاءه إياهم سببا في زيادة طغيانهم؛ كقوله: ﴿فَزادَتْهُمْ إِيماناً﴾ (١) و ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (٢) ذكر كيفية إعراضهم لسد مسامعهم ليكون أقبح لإعراضهم عنه. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ واستفعل في قوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا﴾ يدل على أنهم استدعوا ذلك وطلبوه؛ كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم. وقيل: لئلا يعرفهم، ونظيره قوله تعالى: (٣١٣ /ب) ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ (٣). الإصرار: مأخوذ من قولهم: صر الحمار على حمر الوحش: إذا قرن أذنيه وأقبل عليها يطلب أن يغشاها؛ لأنه في ذلك الوقت لا يرجع إذا صيح به. وذكر المصدر توكيدا ودلالة على فرط استكبارهم. ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١)﴾

стр. 1170

أنذرهم سرا فلم يطيعوا، وأنذرهم جهارا فلم يرجعوا، فجمع بين الأمرين بقوله: ﴿أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً﴾ ومعنى "ثم" تنبيه على تباعد الأحوال؛ كقوله: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) وفيه ترق؛ لأن الإنذار خفية أخف، والإنذار جهرا أقوى، والجمع بين الأمرين أتم. و ﴿جِهاراً﴾ منصوب ب ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ نصب المصدر؛ لأن الجهر أحد أنواع الدعاء؛ كقولهم قعد القرفصاء. وقيل: أراد ب ﴿دَعَوْتُهُمْ جِهاراً﴾ جاهرتهم جهارا، ويجوز أن يكون صفة لمصدر دعا، أي: دعوتهم دعاء مجاهرا به، أو مصدرا في موضع الحال؛ أي: مجاهرا. أمرهم بالاستغفار يريد: التوبة عن الكفر والمعاصي، ورغبهم في الاستغفار والتوبة؛ فوعدهم بخير الدنيا وهو المطر والخصب وكثرة الأولاد كما قال: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (٢)، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الآية (٣)، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية (٤) ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ﴾ (٥). وقيل: لما كذبوه بعد طول المدة أمسك الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة وروي سبعين، فوعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب، ورفع عنهم ما كانوا فيه. وروي: أن عمر خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار؛ فقيل له: إنك لم تستسق؛ فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها الغيث، ثم قرأ ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً﴾ الآيات (٦). شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة.

стр. 1171

وروي: أن رجلا شكا إلى الحسن قلة الرزق فأمره بالاستغفار، وشكا إليه آخر قلة النسل فأمره بالاستغفار، وشكا إليه آخر الفقر فأمره بالاستغفار؛ فقيل له: التمس قوم منك أمورا مختلفة فأجبتهم جوابا واحدا وهو الاستغفار، فتلا الحسن هذه الآية (١). والسماء: المظلّة؛ لأن المطر ينزل منها إلى السحاب، ويجوز أن يريد بالسماء السحاب أو المطر؛ كقول الشاعر (٣١٤ /أ) [من الوافر]: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا (٢) والمدرار: الكثير الدرور، شبه بما يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ تقول: امرأة معطار ومذكار ومبيات. ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦)﴾ ﴿جَنّاتٍ﴾ بساتين. ﴿لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً﴾ أي: لا تأملون له توقيرا أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حالة ترجون فيها الثواب، و ﴿لِلّهِ﴾ بيان للموقر. قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً﴾ في موضع الحال؛ أي: خلق أصلكم من تراب، ثم جعل نسله من النطف؛ نطفة ثم علقة ثم مضغة، فمن آمن بهذا ألزمه الإيمان بقدرة الله على إحياء الموتى؛ أي: لا تخافون لله حلما وترك معاجلة العقاب. وقيل: لا تخافون لله عظمة؛ نبههم على النظر في أنفسهم أولا؛ لأنها أقرب منظور فيه ثم على النظر في العالم وما خلق فيه من العجائب في السماوات والأرض والشمس والقمر. ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: في السماوات، وهو في سماء الدنيا؛ لكن بين السماوات ملابسة فإنها طباق بعضها فوق بعض، والقمر وحده في السماء الأولى فجاز أن يقال: ﴿فِيهِنَّ﴾ وإن لم يكن في جميعهن؛ كما تقول: كنت في الدار، وإنما كنت في جزء منها.

стр. 1172

وعن ابن عباس وابن عمر: إن الشمس والقمر ظهورهما إلينا ووجوههما إلى السماء (١). ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾ يبصر أهل الدنيا في ضوئها؛ كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج، والقمر نور لم يبلغ قوة ضياء الشمس، والضياء أقوى من النور؛ لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ (٢). ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً (٢٢)﴾ الإنبات: الإنشاء في قوله: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ والمعنى: فنبتم نباتا، أو نصب ب "أنبتكم" لتضمنه معنى نبتم. ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً﴾ تتقلبون عليها كتقلبكم على البساط ﴿فِجاجاً﴾ واسعة منفجة. واتبعوا المتقدمين في الدنيا من أصحاب الأموال. ﴿وَمَكَرُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ﴾ وجمع الضمير وهو راجع إلى "من" لأنه في معنى الجمع. والماكرون: الرؤساء، ومكرهم: احتيالهم في الدس لنوح. وقوله: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ إلى عبادة قوم نوح. ﴿مَكْراً كُبّاراً﴾ الكبار: أكبر من الكبير، وأكبر من الكبار أيضا، ونحوه: طوال وطوال (٣١٤ /ب). ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً (٢٤) مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً (٢٥)﴾ كانت هذه الأصنام أكبر الآلهة عندهم، وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب فكان ود ل "كلب" وسمت العرب بعبد ود وعبد يغوث. وقيل: هي أسماء رجال صالحين. وقيل: من أولاد آدم لصلبه ماتوا فقال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم

стр. 1173

فكنتم تنظرون إليهم ففعلوا فلما مات أولئك قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم. وقيل: كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر. وقرئ "ودا" بضم الواو (١). يجوز أن يريد بقوله: ﴿أَضَلُّوا﴾ الأصنام؛ كقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ (٢). قوله: ﴿وَلا تَزِدِ﴾ معطوف على قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ يحكي قوليه؛ كقولك: نودي بالصلاة فصلى في الجماعة، عطف أحد القولين على الآخر، وتقديمه المجرور في قوله: "مما خطاياهم" (٣) يدل على الاختصاص، أي: لم يكن الباعث على إغراقهم إلا خطاياهم. وعن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب (٤). وتنكير قوله: ﴿فَأُدْخِلُوا ناراً﴾ إما لتعظيمها، أو لأنها نار معينة أعدت لقوم نوح. ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ بين أنهم يئسوا من نصرة آلهتهم ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٥). ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً (٢٨)﴾ ديار: من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال: ما بالدار ديار وديور، كقيام وقيوم، ولو كان "فعالا" لكان دوارا، لكنه "فيعال" فعل به ما فعل بسيد وميت. سبق إعلام الله - تعالى - لنوح أنه ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (٦) فلذلك قال: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً﴾

стр. 1174

﴿كَفّاراً﴾ والتقدير: ألا يلدوا إلا من سيفجر ويكفر، فوصفهم بما يؤول أمرهم إليه؛ كقوله: "من قتل قتيلا فله سلبه" (١). ﴿وَلِوالِدَيَّ﴾ قيل: هما آدم وحواء. وقيل: لملك بن متوشلح، وأمه: شمخا بنت أنوش وكانا مؤمنين. ﴿بَيْتِيَ﴾ منزلي. وقيل: مسجدي. وقيل: سفينتي. خص أولا من ينتسب إليه؛ لأنهم أولى وأحق بدعائه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢). ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ﴾ (٣). ﴿تَباراً﴾ هلاكا. وإنما غرّق الله أطفال قوم نوح؛ لتتألم قلوب آبائهم، ويتحسروا على ذلك ويكون ذلك زيادة في عقابهم. وقيل: يهلكون هلكا واحدا، ويحشرون على نياتهم. وقيل: أعقم الله أرحام نسائهم أربعين سنة، فلم يكن معهم صبي وقت الغرق. ***

стр. 1175

تفسير سورة الجن [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢)﴾ قرئ "أحي" (١) وأصله "وحي". يقال: أوحي إليه ووحي إليه، فقلبت الواو همزة؛ كما يقال: أعد، وأزن "، " وإذا الرسل وقتت " (٢). وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضا، ك" إشاح وإسادة وإعاء أخيه (٣). وقرأ ابن أبي عبلة: وحي على الأصل (٤). ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ بالفتح؛ لأنه فاعل "أوحي". ﴿إِنّا سَمِعْنا﴾ بالكسر مبتدأ محكي بعد القول ثم تحمل عليه البواقي، فما كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجن كسر،

стр. 1176

وكلهن من قولهم إلا الثنتين الآخرتين. ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ﴾ ومن فتح كلهن (١) فعطفا على محل الجار والمجرور في قوله: ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ فكأنه قيل: صدقناه وصدقنا أنه ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا﴾ وكذلك البواقي. ﴿نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقيل: كانوا من قبيلة من الجن من الشيصبان (٢) وهم أكثر الجن عددا، وعامة جنود إبليس منهم. ﴿فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا﴾ أي: قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم؛ كقوله: ﴿فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٣). ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾ بديعا مباينا لسائر الكتب في حسن نظمه وصحة معانيه قائمة فيه دلائل الإعجاز. و ﴿عَجَباً﴾ مصدر يوضع موضع العجب وفيه مبالغة وهو ما خرج من حد أشكاله ونظائره. ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ يدعو إلى الصواب. وقيل: إلى التوحيد والإيمان. الضمير في" به "للقرآن، ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ أي: ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به في طاعة الشيطان ويجوز أن يكون الضمير لله تعالى؛ لأن قوله" بربنا "يفسره ﴿جَدُّ رَبِّنا﴾ عظمته، من قولك: جد فلان في عيني، أي: عظم. ﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣)﴾ وفي حديث عمر ﵁:" كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا "وروي: " في أعيننا " (٤).

стр. 1177

أو ملكه أو سلطانه أو غناه أو من الجد الذي (١) هو الدولة والبخت؛ لأن الملوك والأغنياء هم المجدودون، والمعنى: وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد وذلك لعظمته أو لسلطانه أو ملكوته أو لغناه (٢). وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ بيان لذلك. وقرئ" جد ربنا "بالكسر (٣) أي: صدق ربوبيته، وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد وذلك أنهم لما سمعوا القرآن ووفقوا للتوحيد (٣١٥ /ب) والإيمان نبهوا على الخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيه الله بخلقه، واتخاذه صاحبة وولدا فاستعظموه ونزهوه عنه. ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً (٤) وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً (٧) وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَداً (١١)﴾ سفيههم: إبليس - لعنه الله - أو غيره من مردة الجن. والشطط: مجاوزة الحد في الظلم وغيره. ومنه: أشط في السوم إذا بعد فيه أي: يقول قولا هو في نفسه شطط؛ لفرط ما أشط فيه وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله. وكان في ظننا أن أحدا من الثقلين لن يكذب على الله ولن يفتري عليه بما ليس بحق، وكنا نصدقهم فيما أضافوا إليه من ذلك حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم وافتراؤهم. و" كذبا ": قولا كذبا أي: مكذوبا فيه، أو نصب نصب المصدر؛ لأن الكذب نوع من القول. ومن قرأ:" أن لن تقوّل " (٤) وضع" كذبا " موضع" تقولا "، ولم يجعله صفة؛ لأن التقول لا يكون إلا كذبا.

стр. 1178

الرهق: غشيان المحارم، والمعنى: أن الإنس باستعاذتهم بهم زادوهم كفرا وكبرا، وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر في بعض مسايره، وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن وكبيرهم، فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس، فذلك رهقهم. أو: فزاد الجن الإنس رهقا بإغوائهم وإضلالهم؛ لاستعاذتهم بهم. ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ وأنّ الإنس ﴿ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ﴾ هو من كلام الجن يقوله بعضهم لبعض. وقيل: الاثنان من جملة الوحي، والضمير في ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ للجن، والخطاب في "ظننتم" لكفار قريش. اللمس: المس، فاستعير للطلب؛ لأن الماس طالب متعرف، يقال: لمسه والتمسه وتلمسه، كطلبه واطّلبه وتطلبه. ﴿مِنَّا الصّالِحُونَ﴾ الأبرار المتقون. ﴿وَمِنّا﴾ قوم ﴿دُونَ ذلِكَ﴾ محذوف الموصوف؛ كقوله: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ (١). ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَداً﴾ أي: ذوي مذاهب مختلفة. أو كنا في اختلاف أقوالنا مثل الطرائق المختلفة. والقدة: فعلة من قطع. ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً (١٨)﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿هَرَباً﴾ حالان، أي: لن نعجزه كائنين في الأرض وهاربين. ﴿لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى﴾ القرآن فهو غير خائف، ولولا ذلك لقيل: فلا يخف، وفائدة العدول عن: لا يخف أنه يصير بتقدير ما ذكرناه أخيرا أن من يؤمن بربه فهو لا يخاف وهو حقيق بالأمن لا محالة. ﴿بَخْساً﴾ أي: جزاء بخس أو رهق، ولا يخاف رهقا وفيه دليل على أن حق من آمن بالله (٣١٦ /أ) أن يجتنب المظالم، قال النبي ﷺ : "المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم" (٢).

стр. 1179

ويجوز أن يراد: فلا يخاف أن يبخس ولا أن يرهق. ﴿الْقاسِطُونَ﴾ الكافرون الجائرون عن طريق الحق. (وألو استقموا) "أن" مخففة من الثقيلة وهي داخلة في صلة ما أوحي إلى الجن. وأوحي إلي أن الشأن والطريق لو استقام أبو الجن على ما كان عليه من العبادة في السماء ولم يستنكف عن السجود لآدم لمطروا وأخصبوا. قال عمر بن الخطاب ﵁: "حيث كان الماء كان المال، وحيث كان المال كانت الفتنة" (١).فذلك معنى قوله: ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ فسقيهم الماء الغدق فتنة ولذلك قال - سبحانه -: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ فجعل بسط الرزق وكثرة الماء سببا للفتنة. ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ عن عبادته أو موعظته أو وحيه. ﴿يَسْلُكْهُ﴾ ندخله ﴿عَذاباً﴾ والأصل: نسلكه في عذاب، تعدى إلى مفعولين إما بحذف حرف الجر وإما على تعديه كما يعدى بالهمزة. الصعد: مصدر من صعد صعودا وصعودا. والصعود: بفتح الصاد: ما يصعد به، وبضمها: المصدر. ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ من جملة ما أوحي، أو بحذف حرف الجر، أي: ولأن المساجد لله فلا تجعل فيها إلا الذكر والعبادة؛ لأنه بيت الله فينبغي أن يجرد للذكر والتوحيد ولذلك قال: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ وقيل: المراد: المسجد الحرام؛ لأنه قبلة المساجد. قيل: كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله، فأمرنا إذا دخلنا أن نخلص الدعوة لله. وقيل: المساجد: الأعضاء السبعة المذكورة في قوله ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة آراب" (٢). وهي الجبهة والركبتان والقدمان واليدان. وقيل: هو جمع مسجد وهو السجود. ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١)﴾

стр. 1180

﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ يعني النبي ﷺ وإنما عدل عن قوله: رسول الله أو النبي إلى قوله: "عبد الله"؛ لأن هذا المكان مكان تواضع ومذلة فكان الاسم الذي هو عبد الله الدال على العبودية أحق بهذا المقام، أو لأن المعنى أن الجن لما سمعوا قراءة رسول الله ﷺ في صلاة الصبح وركوعه وسجوده وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده عجبوا وابتهجوا بحسن ما سمعوا وتزاحموا وتراكموا عليه معظمين ومتعجبين بحسن الوحي. وقيل: المراد الكفار لما رأوا استقامة أمر رسول الله ﷺ (٣١٦ /ب) وخالفوا كثيرا من العرب أن يكونوا معهم ليقاتلوا رسول الله كاد الكفار يزدحمون عليه ويقتلونه. اللبد: جمع لبدة. وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا هذا الأمر فأبى الله إلا أن ينصره (١). ومن قرأ "وإنه" بالكسر (٢). جعله من كلام الجن، قالوه لقومهم حين رجعوا إليهم. قال للمتظاهرين عليه: ﴿إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي﴾ يريد: ما أتيتكم بشيء بدع إنما أعبد ربي ﴿وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ أو قال الجن ذلك لقومهم حكاية عن النبي ﷺ . ﴿وَلا رَشَداً﴾ ولا نفعا أو أراد بالضر: الغي، والمعنى: لا أستطيع لكم ضرا ولا نفعا فإن الله هو الفاعل لذلك. (إلا بالغا) استثناء منه أي: لا أملك إلا البلاغ. ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ الآيات بيان لكونه لا يملك جلب نفع ولا دفع ضر إلا أن يريد الله ذلك. ﴿مُلْتَحَداً﴾ ملاذا يأوي إليه. والملتحد: الملجأ. وقيل: بلاغا: بدل من ملتحدا ورسلته: عطف على "بلاغا" والمعنى: لا أملك إلا التبليغ والرسالات. ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)﴾

стр. 1181

وقوله: ﴿مِنَ اللهِ؛﴾ كقوله: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ﴾ (١). أي: براءة كائنة من الله، ولا يمكن أن يكون متعلقة ب "براءة من الله ورسوله" كذلك "إلا بلاغا" كائنا من الله، وتعلق "حتى" بقوله: ﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾. ﴿رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾ من يوم بدر أو من يوم القيامة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ يوم القيامة أو يوم بدر ﴿مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾. ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ من أمر يوم القيامة أو النصرة عليكم. أي: لا أعلم إلا ما علمني الله، وهو غيب لا أطلع عليه. وإني لا أدري أقريب أمد الساعة أو بعده. ﴿أَمَداً﴾ غاية أي: هو عالم الغيب. ﴿فَلا يُظْهِرُ﴾ فلا يطلع، و ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ تبيين لمن ارتضى. قال الزمخشري: "وفيه دليل على إبطال الكرامات والكهانة والنجوم، وادعى أن الله خص الأنبياء بالمعجزات؛ ليدل على صدقهم ولم يجعل للأولياء شيئا، وفساد هذا لا يخفى دليلا ومشاهدة (٢). ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ﴾ يدي من ارتضى للرسالة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ أي: حفظة. وعن الضحاك: ما بعث الله نبيا إلا معه جماعة من الملائكة يحفظونه من الشياطين (٣). ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ وحّد أولا على اللفظ، ثم جمع على المعنى.

стр. 1182

﴿وَأَحاطَ﴾ بما عند الرسل من الحكم والشرائع. ﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ من القطر والرمل (٣١٧ /أ) وورق الأشجار وزبد البحر. و ﴿عَدَداً﴾ حال، أي: وضبط كل شيء، أو مصدر في معنى" أحصى". ***

стр. 1183

تفسير سورة المزمل [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤)﴾ كان رسول الله ﷺ قد تلفف في قطيفة له، وهو المتزمل. وهو سبب لاستثقال النوم، فقيل له: إنك مأمور بدعوة الخلق وهذا النوم الذي نمته ليس بنوم من يهمه أمر، فقم الليل وابذل الدعاء وأنشدوا [من الكامل]: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل (١) وقال ذو الرمة: [من الطويل]: وداء تخطّت ناقتي من مفازة ... ومن نائم عن ليلها متزمّل (٢) وأمر أن يختار على الهجود التهجد، وعلى التزمل التجرد، ولا جرم أن الصحابة

стр. 1184

اجتهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم وظهرت السيما في وجوههم حتى ﵏ وخفف عنهم قيام الليل كله. وقيل: كان متلففا في مرط لخديجة تصلي فيه، فهو على هذا ليس للتهجين بل هو ثناء عليه بالاجتهاد، وأمر بأن يدوم على ذلك، ويواظب عليه. وقد سئلت عائشة ﵂ ما كان متزملا به؟ فقالت: "مرط طوله أربعة عشر ذراعا، والله ما كان من خزّ ولا مرعزّي (١) ولا صوف، كان سداه شعرا ولحمته وبرا" (٢).وقيل: دخل على خديجة أول ما نزل عليه جبريل فدخل يرجف وبوادره ترعد فقال: زملوني. فزملوه فنزلت، فبينا هو على تلك الحال ناداه جبريل (٣). وقيل: زمل أمرا عظيما، أي: حمّله. والزمل: الحمل، وازدمله: احتمله. قوله: ﴿نِصْفَهُ﴾ بدل من الليل و ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ استثناء من النصف، خير بين أمرين: أحدهما: أن يقوم نصف الليل وأن يقوم أقل منه، وإن شئت جعلته بدلا من "قليلا" وكان مخيرا بين ثلاثة أمور: أن يقوم نصف الليل بكماله، أو ينتقص منه قليلا، أو يزيد عليه قليلا، ثم إن شئت جعلت الهاء في "نصفه" عائدة إلى النصف، فيكون مخيرا بين النصف والربع والزيادة على الربع، ويجوز أن تجعل الزيادة تتمة الثلث؛ لكونها مطلقة ويجوز أن تجعل الزيادة تتمة الثلث، فيكون تخييرا بين النصف والثلث والربع. فإن قلت: أكان القيام فرضا أم لا؟ قلت: عن عائشة ﵂: "إن الله جعله (٣١٧ /ب) تطوعا بعد أن كان فريضة" (٤).وقيل: كان فرضا قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ثم نسخ بهن إلا ما تطوعوا به. وعن الحسن: كان قيام ثلث الليل فريضة وكانوا على ذلك سنة (٥). وقيل: كان واجبا وإنما وقع التخيير في المقدار ثم نسخ

стр. 1185

بعد عشر سنين. وقيل: كان الرجل منهم يقوم الليل كله يقول: ما أدري متى النصف أو الثلث. ومنهم من قال: كان نفلا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ (١). ولأنه غير مقدر فهو دليل التطوع، ولو كان فرضا لكان مقدارا كسائر الفروض. ترتيل القرآن: قراءته على غير استعجال بتبيين الحروف، وإشباع الحركات حتى يصير المتلو منه يشبه الثغر الرتل، وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان، وألا يهذّه هذّا (٢) ولا يسرده سردا كسرد الشّعر. قال عمر ﵁: "شر السير الحقحقة، وشر القراءة الهذرمة" (٣). وسئلت عائشة ﵂ عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: "لا كسردكم هذّا كهذّ الشّعر، لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدّها" (٤). ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥)﴾ ﴿قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ القرآن لما فيه من الأوامر والنواهي والتكاليف كثيرة المشقة على المكلفين وهو بهذا الاعتراض ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الصعبة التي ورد فيها القرآن؛ ولأن الليل وقت الراحة، فلا بد لمن أحياه من السهر المضاد لطبيعته، ومجاهدة نفسه. وقيل: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه، وتربد له وجهه (٥). وينزل عليه الوحي

стр. 1186

في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه الوحي، وإن جبينه ليتفصد عرقا " (١). ﴿ثَقِيلاً﴾ أي: في التنزّل. وقيل: على المنافقين. وقيل: كلام له وزن ليس بالسفساف (٢). ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩) وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠)﴾ ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ النفس التي تنشئ القيام، أو قيام الليل مشتق من نشأ: إذا قام؛ مصدر على فاعلة؛ كالعاقبة والعافية. وفسرت عائشة الناشئة بالقيام من المضجع فلا تكون ناشئة الليل إلا لمن قام من فراشه إلى الصلاة. وقيل: هي ساعات الليل كلها. ومنهم من كان يقوم بين المغرب والعشاء ويقول: هي ناشئة الليل. ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً﴾ هي خاصة دون ناشئة النهار. ﴿أَشَدُّ وَطْئاً﴾ أشد موافقة لما يراد من قراءة أو ذكر. وقيل: أشد وطئا: أشد موافقة بين السر والعلانية؛ لانقطاع رؤية الخلائق، والمعنى: أنها أشد ثباتا للقدم، وأبعد من الزلل وأثقل على المكلفين من صلاة النهار، قال النبي ﷺ :" اللهم اشدد وطأتك على مضر " (٣). ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (٣١٨ /أ) وأشد مقاما، وأثبت قراءة لهدوء الأصوات. وقرأ أنس:" وأصوب قيلا "، فقيل له: إنما هي:" وأقوم "! فقال: إن" أقوم " وأصوب شيء واحد" (٤). ﴿سَبْحاً﴾ تصرفا وتقلبا في مهماتك وشواغلك ولا تفرغ إلا بالليل

стр. 1187

فعليك بمناجاة الله التي تقتضي فراغ البال وانتفاء الشواغل. لما ذكر أن الليل أعون على قيامه أمره بما يفعل فيه بقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: بالتلاوة والتسبيح والتقديس والحمد والتهليل والاستغفار ودراسة العلم وكانت أوقات رسول الله ﷺ مستغرقة في ذلك. ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ﴾ انقطع إليه انقطاعا. والقياس: تبتلا، فنقل إلى تبتيلا؛ لمراعآة الفواصل. الهجر الجميل: أن تفارقهم بالقلب والهوى وتخالفهم مع حسن المخالقة والمداراة. وعن أبي الدرداء: "إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتقليهم" (١).وقيل: هو منسوخ بآية السيف (٢). ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧)﴾ ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ إذا رأيت شخصا قد جنى عليك فقال من يريد نصرتك: ذرني وإياه، فأنا أكفيكه معناه: لا تتعب أنت في دفعه، فإني أفعل كلما يدفعه عنك فلا يكون في التهديد أبلغ من ذلك. والنّعمة بالفتح: التنعيم. ﴿إِنَّ لَدَيْنا﴾ إن عندنا ﴿أَنْكالاً﴾ قيودا ثقالا إذا رفعتهم النار بلهيبها جذبتهم بثقلها إلى أسفل ﴿وَجَحِيماً﴾ ونارا مشتعلة. ﴿وَعَذاباً أَلِيماً﴾ من غير هذا الجنس لا يعلمه إلا الله. ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ منصوب بما في "لدينا" والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة. والكثيب من الرمل: المجتمع، تقول: كثب الشيء: إذا جمعه، وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: مكثوب، أي: كانت الجبال مثل الكثيب من الرمل أهيل هيلا، أي: نثر وأسيل.

стр. 1188

﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ الخطاب لأهل مكة. ﴿شاهِداً عَلَيْكُمْ﴾ يشهد عليكم يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم. فإن قلت: لم نكر الرسول ثم عرف؟ قلت: لأنه أراد أرسلنا إلى فرعون بعض الرسل فلما أعاده وهو معهود بالذكر أدخل لام التعريف إشارة إلى المذكور بعينه. ﴿وَبِيلاً﴾ ثقيلا غليظا من قولهم: كلأ وبيل: وخم لا يستمر لثقله. والوبيل: العصا الضخمة ومنه الوابل للمطر العظيم ﴿يَوْماً﴾ مفعول به، أي: فكيف تقون أنفسكم يوم القيامة وهوله إن بقيتم على الكفر ولم تؤمنوا ولم تعملوا صالحا. ويجوز أن يكون ظرفا، أي: فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا. ويجوز أن ينتصب ب "كفرتم" (٣١٨ /ب) على تأويل جحدتم، أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء؛ لأن تقوى الله خوف عقابه و ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً﴾ مثل في الشدة يقال في اليوم الشديد: يوم تشيب نواصي الأطفال والأصل فيه أن الهموم والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان أسرع فيه الشيب. قال أبو الطيب: والهمّ يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبيّ ويهرم (١) وقد روي في بعض الكتب: أن رجلا أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة فقال: رأيت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون (٢). ويجوز أن يوصف اليوم بالطول وأن الأطفال يبلغون فيه أيام الشيخوخة والشيب. ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾

стр. 1189

﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ وصف اليوم بالشدة أيضا، وأن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق. قرئ "منفطر" و "متفطر" (١) والمعنى: ذات انفطار، أو على تأويل السماء بالسقف، والسماء شيء منفطر به مثلها في قولك: فطرت العود بالقدوم فانفطر به يعني: أنها تنفطر بشدة هول ذلك اليوم كما ينفطر الشيء بما ينفطر به، ويجوز أن يراد السماء مثقلة به إثقالا يؤدي إلى انفطارها لعظمه عليها وخشيتها من وقوعه كقوله: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢). و ﴿وَعْدُهُ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، والضمير لليوم ويجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل وهو الله - تعالى ولم يجر له ذكر؛ لكونه معلوما ﴿إِنَّ هذِهِ﴾ الآيات الناطقة بالوعيد الشديد ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ وموعظة ﴿فَمَنْ شاءَ﴾ اتعظ بها، واتخذ سبيلا إلى الله بالتقوى والخشية ومعنى اتخاذ السبيل إليه: التقرب والتوسل بالطاعة. ﴿أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ﴾ أقل منهما، وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل؛ لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز، وإذا بعد كثر ذلك. وقرئ: "ونصفه وثلثه" بالنصب (٣) على أنك تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف والثلث وهو مطابق لما في أول السورة من التخيير بين قيام النصف بتمامه (٣١٩ /أ) وبين قيام الناقص منه وهو الثلث، وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين. ﴿وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ وذلك شاق عليكم. ﴿عَلِمَ﴾ استئناف على وجه النسخ. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ يعني: المفروضات. وقيل: زكاة الفطر؛ لأنه لم يكن بمكة زكاة. ومن جعلها زكاة مفروضة جعل آخر السورة مدنيا (٤). ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ يريد أداء الصدقات المفروضة والنفل على أحسن الوجوه، من أطيب المال وأحله، ومراعاة النية وابتغاء وجه الله، واختيار الفقير الصالح المحتاج، وزمان الحاجات؛ الفاقة والقحط.

стр. 1190

تفسير سورة المدثر [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ لابس الدثار، وهو ما فوق الشّعار، والشّعار: الثوب الذي يلي الجسد، وفي الحديث، قال النبي ﷺ : "الأنصار شعار، والناس دثار" (١).وأدغمت التاء في الدال في "المدثر"؛ كما أدغمت التاء في الزاي في "المزمل". وقيل: هي أول سورة نزلت. وعن الزهري: أول ما نزل ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٢) ثم انقطع الوحي، فحزن رسول الله ﷺ وكان يصعد على رؤوس الجبال، فيهمّ أن يلقي نفسه، فيعترضه جبريل فيقول: لا تفعل؛ فأنت رسول الله " (٣).وقيل: سمع من قريش ما يكرهه، فاغتم فتدثر، فنزلت، فأمر ألا يدع إنذارهم. ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: من النجاسات واجبا في الصلوات، ومستحبا في غيرها. وقيل: وطهر؛ أي: فقصر، وكانت العرب يجرون ذيلهم وراءهم، فنهوا عن ذلك. وقيل: أمر بتطهير النفس من سوء الأخلاق، وجميع المكروهات؛ لأن الثوب يلابس الإنسان، ويشتمل عليه، فيعبر عنه به، ويبدل منه بدل الاشتمال، فيقول: أعجبني زيد حسنه، وأعجبني زيد عقله، وأعجبني ثوبه. ويقولون: المجد في ثوبه، والكرم تحت حلّته؛ ولأن الغالب أن من طهر باطنه ونقاه عني بتطهير الظاهر وتنقيته. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ﴾

стр. 1191

﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١)﴾ ﴿وَالرُّجْزَ﴾ العذاب ﴿عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (١). والمعنى الثبات على هجره؛ لأنه كان بريئا منه. والرجس - بالسين -: الشيء المبعد ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ (٢) ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ مرفوع، منصوب المحل على الحال؛ ولا تعط شيئا؛ لتأخذ أجود منه، فيكون نهيا لرسول الله ﷺ (٣١٩ /ب) خاصة أن يفعل ذلك؛ لأن الله اختار له أشرف الأخلاق والآداب، أو يكون نهي تنزيه لا تحريم. وقرئ "تستكثر" بالجزم (٣) وفيه وجوه: أحدها: أن يكون بدلا من "تمنن"، وأن يشبه ثرو بعضد (٤) فيسكن تخفيفا، وأن يعتبر حال الوقف. ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أي: اجعل الصبر لوجه الله، ولا تكن كالذي قال [من الكامل]: وتجلّدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع (٥) قيل: فاصبر على أذى الكفار. وقيل: في مواقف القتال. فبين يديهم يوم عظيم يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى فيه عاقبة صبرك والفاء في "فذلك" للجزاء، فوقت النقر في الناقور يجيء يوم عسير شديد على الكافرين. والنقر في الناقور: النفخة الأولى. وقيل: الثانية. ويجوز أن يكون "يومئذ" مبنيا مرفوع المحل بدل من "ذلك". و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبر، كأنه قيل: فيوم النقر عسير. فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وعسير مغن عنه؟ قلت: لما قال: ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ فقصر العسر عليهم قال: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ؛﴾ ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا ليجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم. ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى يسره كما يرجى يسر كثير من العسر في الدنيا. ﴿وَحِيداً﴾ حال من الله - تعالى - وفيه معنيان: أحدهما: ذرني وحدي معه فأنا

стр. 1192

أجزيه. والثاني: خلقته وحدي لم يشاركني في خلقي أحد. أو حال من المخلوق، أي: خلقه وحيدا لا مال له ولا جاه ولا قدرة؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١). وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي وكان قومه يلقبونه بالوحيد، ولعله لقب بذلك بعد نزول الآية فإن كان ملقبا به قبل، فهو تهكم به وبلقبه الذي كانوا يقصدون به تعظيمه ورياسته وتقدمه في الدنيا، فنقل إلى وجه الذم والعيب فإنه خلق وحيدا لا مال له ولا ولد. ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧)﴾ ﴿مَمْدُوداً﴾ مبسوطا كثيرا أو ممدا بالنعماء، من قولهم: مد النهر وأمده نهر آخر وكان له الزرع والضرع والتجارة. وقيل: كان له ما بين مكة والطائف مختلف الأنواع. وقيل: كان بستانا بالطائف لا تنقطع ثماره صيفا ولا شتاء. وقيل: كان له عشرة آلاف مثقال. وقيل: ألف ألف. ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ حضورا معه بمكة لا يفارقونه لسفر ولا تجارة (٣٢٠ /أ) لأنهم كان لهم كفاة يقومون بمصالحهم. ويجوز أن يكون معناه: أن له بنين يشهدون معه المحافل ويحضرون في معاظم الأمور. وقيل: كان له عشرة أولاد ذكور. وقيل: ثلاثة عشر ذكورا خاصة، فمنهم خالد بن الوليد وعمارة وهشام. ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ﴾ وبسطت له الجاه العريض والرياسة وأتممت عليه نعمتي بالجاه والمال والأولاد. كان الوليد من أكابر قريش وكان يقال له الوحيد وريحانة قريش. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ﴾ استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه. يعني: أنه لا مزيد له على ما أعطي. ونقلوا أنه لم يتجدّد مال ولا ولد بعد هذه الآية، وهي قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ ﴿كَلاّ﴾ (وكان يقول: إن محمدا صادقا فما خلقت الجنة إلا لي. ﴿كَلاّ﴾ ردع لرجائه وطمعه. ﴿إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً﴾ تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلا قال: لم لم يزد؟ فقيل له: إنه معاند لآيات الله وغير شاكر لنعمه، ومن فعل ذلك لم يستحق المزيد. ﴿سَأُرْهِقُهُ﴾ سأغشيه عقبة شاقة المصعد وهو مثل لما يلقى من أنواع العذاب. وعن النبي ﷺ : "يكلف أن يصعد عقبة في

стр. 1193

النار كلما وضع يده عليها ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت" (١).وعنه: "الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي كذلك فيه أبدا" (٢). ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ تعليل للوعيد كأن الله عاجله بالفقر بعد الغنى في الدنيا، وأعد له في الآخرة عذابا عظيما لطغيانه وتكذيبه وقوله في القرآن: ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ويجوز أن يكون كلمة الردع متبوعة لقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ ردا لزعمه أن الجنة لم تخلق إلا له، وإخبارا بأنه من أشد أهل النار عذابا ويكون قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ بدلا من قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً﴾ ومعناه: إنه فكر ماذا يقول في القرآن وقدر في نفسه ما يقول. ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تعجيب من تقديره وإصابته فيه المخزومية الغرض الذي كان تنتحيه قريش، أو ثناء عليه على سبيل الاستهزاء وهو حكاية لما كرره من قولهم: ﴿قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تهكما بهم وبإعجابهم بتقديره. ومعنى قول القائل: قاتل الله فلانا ما أشجعه. أنه وصل إلى حد يحق فيه أن يقال: قاتله الله. روي أن الوليد قال لبني مخزوم: والله لقد (٣٢٠ /ب) سمعت من محمد كلاما ما هو بشعر ولا كهانة ولا من كلام الجن ولا الإنس، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه. فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبون قريش كلها، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. فقعد إليه حزينا فقام فأتاهم فقال: أتزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا؟ وتزعمون أنه كذاب فهل رأيتم عليه كذبا؟ فأجابوه بقولهم: اللهم لا. في كل فعل ذكره، ثم قالوا: فما تقول؟ ففكر ثم قال: ما هو إلا سحر يؤثر؛ أما رأيتموه يفرق بين المرء وزوجه وولده وأهله؟! وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل، فارتج النادي فرحا، وتفرقوا متعجبين من قوله " (٣).

стр. 1194

﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ وجوه الناس، ثم قطب وجهه، ثم زحف مدبرا وتشاوس مستكبرا لما خطرت بباله الكلمة الشنعاء. وقيل: قدر ما يقوله، ثم نظر فيه، ثم عبس لما ضاقت عليه الحيل وقيل: قطب في وجه رسول الله ﷺ ثم أدبر عن الحق واستكبر عنه ﴿ثُمَّ نَظَرَ:﴾ عطف على ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ والدعاء: اعتراض بينهما وهو ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾. فإن قلت: ما معنى دخول" ثم "في هذه الآيات؟ قلت: لاستبعاد ما أتى به الوليد فجعل بعده عن الحق بمنزلة بعد المسافة. ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ بدل من قوله" سأرهقه " ﴿لا تُبْقِي﴾ شيئا إلا أهلكته ﴿وَلا تَذَرُ﴾ هالكا حتى يعاد. ﴿لَوّاحَةٌ﴾ من لاحته الشمس تلوحه: إذا غيرته أي: مغيرة للخلق. ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أي: يلي أمرها تسعة عشر ملكا. وقيل: تسعة عشر صفا. جعلهم ملائكة ولم يجعلهم من جنس غير الملائكة من الجن والإنس؛ لأن النفس إلى الجنس أميل وإذا كان المعذّبون ملائكة والمعذّبون من غير جنسهم لم تأخذهم الرقة عليهم كما لو كانوا من جنس واحد؛ لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، فدل على أنهم ليس عندهم محاباة ولا خروج عن عقوبة تكذيبهم، والملائكة تؤمن غائلتهم (١) في ذلك. وروي أنه لما نزلت ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل: ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم (٢) أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم. فقال الأشد بن أسيد - وكان شديد البأس -: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين (٣٢١ /أ) فأنزل الله - تعالى -:

стр. 1195

﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً﴾ (١). وذكر أصحاب الأخبار أن أبا الأشد هذا كان يقف على الأديم العكاظي (٢) ويأمر الناس وإن كثروا أن يجذبوا ذلك الأديم من تحت قدميه فلا يستطيعون، وينقطع الأديم ورجله ثابتة عليه. فإن قلت: قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهم المنافقون ولا منافق عند نزول هذه السورة؛ لأنها كلها مكية، وإنما نجم النفاق وظهر بالمدينة؟! قلت: معناه: وليقول الذين في قلوبهم مرض في المستقبل من الزمان؛ لأنه ذكره بلفظة المضارع وهو" يقول "ولو كان بفعل الماضي لعاد مستقبلا بلام" كي "؛ لأن النواصب تقلب الماضي مستقبلا. قوله: ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً﴾ مثلا: تمييز ل" هذا "أو حال منه؛ كقوله: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ (٣) تشبيها بالأمثال المضروبة؛ لأنهما يشتركان في الأمور المستغربة. ﴿كَذلِكَ﴾ موضع الكاف فيها نصب، و" ذلك "إشارة إلى قوله ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً﴾ ﴿يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ واختصاص كل فرقة منهم بما اختصت به، كمساواة عقود الأعداد أو النقص عنها أو الزيادة عليها. ﴿وَما هِيَ﴾ يعني القيامة ﴿إِلاّ ذِكْرى﴾ وأعداد النصب والكفارات والصلوات. أو ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ لعدم الإحاطة بها لكثرتها ﴿إِلاّ هُوَ﴾ وقوله: ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ معترض وهو متصل بوصف سقر، و" هي "ضمير سقر أي: ما سقر وصفتها إلا تذكرة للبشر أو ضمير للآيات التي ذكرت فيها. ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ ﴿كَلاّ﴾ منع لأن تكون ذكرى للكفار. ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أو ﴿أَدْبَرَ﴾ (٤) صار كأمس
следующие страницы →