← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١)﴾ ﴿وَالرُّجْزَ﴾ العذاب ﴿عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (١). والمعنى الثبات على هجره؛ لأنه كان بريئا منه. والرجس - بالسين -: الشيء المبعد ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ (٢) ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ مرفوع، منصوب المحل على الحال؛ ولا تعط شيئا؛ لتأخذ أجود منه، فيكون نهيا لرسول الله ﷺ (٣١٩ /ب) خاصة أن يفعل ذلك؛ لأن الله اختار له أشرف الأخلاق والآداب، أو يكون نهي تنزيه لا تحريم. وقرئ "تستكثر" بالجزم (٣) وفيه وجوه: أحدها: أن يكون بدلا من "تمنن"، وأن يشبه ثرو بعضد (٤) فيسكن تخفيفا، وأن يعتبر حال الوقف. ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أي: اجعل الصبر لوجه الله، ولا تكن كالذي قال [من الكامل]: وتجلّدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع (٥) قيل: فاصبر على أذى الكفار. وقيل: في مواقف القتال. فبين يديهم يوم عظيم يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى فيه عاقبة صبرك والفاء في "فذلك" للجزاء، فوقت النقر في الناقور يجيء يوم عسير شديد على الكافرين. والنقر في الناقور: النفخة الأولى. وقيل: الثانية. ويجوز أن يكون "يومئذ" مبنيا مرفوع المحل بدل من "ذلك". و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبر، كأنه قيل: فيوم النقر عسير. فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وعسير مغن عنه؟ قلت: لما قال: ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ فقصر العسر عليهم قال: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ؛﴾ ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا ليجمع بين وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم. ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى يسره كما يرجى يسر كثير من العسر في الدنيا. ﴿وَحِيداً﴾ حال من الله - تعالى - وفيه معنيان: أحدهما: ذرني وحدي معه فأنا

стр. 1192

أجزيه. والثاني: خلقته وحدي لم يشاركني في خلقي أحد. أو حال من المخلوق، أي: خلقه وحيدا لا مال له ولا جاه ولا قدرة؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١). وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي وكان قومه يلقبونه بالوحيد، ولعله لقب بذلك بعد نزول الآية فإن كان ملقبا به قبل، فهو تهكم به وبلقبه الذي كانوا يقصدون به تعظيمه ورياسته وتقدمه في الدنيا، فنقل إلى وجه الذم والعيب فإنه خلق وحيدا لا مال له ولا ولد. ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧)﴾ ﴿مَمْدُوداً﴾ مبسوطا كثيرا أو ممدا بالنعماء، من قولهم: مد النهر وأمده نهر آخر وكان له الزرع والضرع والتجارة. وقيل: كان له ما بين مكة والطائف مختلف الأنواع. وقيل: كان بستانا بالطائف لا تنقطع ثماره صيفا ولا شتاء. وقيل: كان له عشرة آلاف مثقال. وقيل: ألف ألف. ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ حضورا معه بمكة لا يفارقونه لسفر ولا تجارة (٣٢٠ /أ) لأنهم كان لهم كفاة يقومون بمصالحهم. ويجوز أن يكون معناه: أن له بنين يشهدون معه المحافل ويحضرون في معاظم الأمور. وقيل: كان له عشرة أولاد ذكور. وقيل: ثلاثة عشر ذكورا خاصة، فمنهم خالد بن الوليد وعمارة وهشام. ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ﴾ وبسطت له الجاه العريض والرياسة وأتممت عليه نعمتي بالجاه والمال والأولاد. كان الوليد من أكابر قريش وكان يقال له الوحيد وريحانة قريش. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ﴾ استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه. يعني: أنه لا مزيد له على ما أعطي. ونقلوا أنه لم يتجدّد مال ولا ولد بعد هذه الآية، وهي قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ ﴿كَلاّ﴾ (وكان يقول: إن محمدا صادقا فما خلقت الجنة إلا لي. ﴿كَلاّ﴾ ردع لرجائه وطمعه. ﴿إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً﴾ تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن قائلا قال: لم لم يزد؟ فقيل له: إنه معاند لآيات الله وغير شاكر لنعمه، ومن فعل ذلك لم يستحق المزيد. ﴿سَأُرْهِقُهُ﴾ سأغشيه عقبة شاقة المصعد وهو مثل لما يلقى من أنواع العذاب. وعن النبي ﷺ : "يكلف أن يصعد عقبة في

стр. 1193

النار كلما وضع يده عليها ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت" (١).وعنه: "الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي كذلك فيه أبدا" (٢). ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)﴾ ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ تعليل للوعيد كأن الله عاجله بالفقر بعد الغنى في الدنيا، وأعد له في الآخرة عذابا عظيما لطغيانه وتكذيبه وقوله في القرآن: ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ويجوز أن يكون كلمة الردع متبوعة لقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ ردا لزعمه أن الجنة لم تخلق إلا له، وإخبارا بأنه من أشد أهل النار عذابا ويكون قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ بدلا من قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً﴾ ومعناه: إنه فكر ماذا يقول في القرآن وقدر في نفسه ما يقول. ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تعجيب من تقديره وإصابته فيه المخزومية الغرض الذي كان تنتحيه قريش، أو ثناء عليه على سبيل الاستهزاء وهو حكاية لما كرره من قولهم: ﴿قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تهكما بهم وبإعجابهم بتقديره. ومعنى قول القائل: قاتل الله فلانا ما أشجعه. أنه وصل إلى حد يحق فيه أن يقال: قاتله الله. روي أن الوليد قال لبني مخزوم: والله لقد (٣٢٠ /ب) سمعت من محمد كلاما ما هو بشعر ولا كهانة ولا من كلام الجن ولا الإنس، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه. فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبون قريش كلها، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. فقعد إليه حزينا فقام فأتاهم فقال: أتزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا؟ وتزعمون أنه كذاب فهل رأيتم عليه كذبا؟ فأجابوه بقولهم: اللهم لا. في كل فعل ذكره، ثم قالوا: فما تقول؟ ففكر ثم قال: ما هو إلا سحر يؤثر؛ أما رأيتموه يفرق بين المرء وزوجه وولده وأهله؟! وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل، فارتج النادي فرحا، وتفرقوا متعجبين من قوله " (٣).

стр. 1194

﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ وجوه الناس، ثم قطب وجهه، ثم زحف مدبرا وتشاوس مستكبرا لما خطرت بباله الكلمة الشنعاء. وقيل: قدر ما يقوله، ثم نظر فيه، ثم عبس لما ضاقت عليه الحيل وقيل: قطب في وجه رسول الله ﷺ ثم أدبر عن الحق واستكبر عنه ﴿ثُمَّ نَظَرَ:﴾ عطف على ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ والدعاء: اعتراض بينهما وهو ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾. فإن قلت: ما معنى دخول" ثم "في هذه الآيات؟ قلت: لاستبعاد ما أتى به الوليد فجعل بعده عن الحق بمنزلة بعد المسافة. ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ بدل من قوله" سأرهقه " ﴿لا تُبْقِي﴾ شيئا إلا أهلكته ﴿وَلا تَذَرُ﴾ هالكا حتى يعاد. ﴿لَوّاحَةٌ﴾ من لاحته الشمس تلوحه: إذا غيرته أي: مغيرة للخلق. ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أي: يلي أمرها تسعة عشر ملكا. وقيل: تسعة عشر صفا. جعلهم ملائكة ولم يجعلهم من جنس غير الملائكة من الجن والإنس؛ لأن النفس إلى الجنس أميل وإذا كان المعذّبون ملائكة والمعذّبون من غير جنسهم لم تأخذهم الرقة عليهم كما لو كانوا من جنس واحد؛ لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، فدل على أنهم ليس عندهم محاباة ولا خروج عن عقوبة تكذيبهم، والملائكة تؤمن غائلتهم (١) في ذلك. وروي أنه لما نزلت ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل: ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم (٢) أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم. فقال الأشد بن أسيد - وكان شديد البأس -: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين (٣٢١ /أ) فأنزل الله - تعالى -:

стр. 1195

﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً﴾ (١). وذكر أصحاب الأخبار أن أبا الأشد هذا كان يقف على الأديم العكاظي (٢) ويأمر الناس وإن كثروا أن يجذبوا ذلك الأديم من تحت قدميه فلا يستطيعون، وينقطع الأديم ورجله ثابتة عليه. فإن قلت: قوله: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهم المنافقون ولا منافق عند نزول هذه السورة؛ لأنها كلها مكية، وإنما نجم النفاق وظهر بالمدينة؟! قلت: معناه: وليقول الذين في قلوبهم مرض في المستقبل من الزمان؛ لأنه ذكره بلفظة المضارع وهو" يقول "ولو كان بفعل الماضي لعاد مستقبلا بلام" كي "؛ لأن النواصب تقلب الماضي مستقبلا. قوله: ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً﴾ مثلا: تمييز ل" هذا "أو حال منه؛ كقوله: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ (٣) تشبيها بالأمثال المضروبة؛ لأنهما يشتركان في الأمور المستغربة. ﴿كَذلِكَ﴾ موضع الكاف فيها نصب، و" ذلك "إشارة إلى قوله ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً﴾ ﴿يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ واختصاص كل فرقة منهم بما اختصت به، كمساواة عقود الأعداد أو النقص عنها أو الزيادة عليها. ﴿وَما هِيَ﴾ يعني القيامة ﴿إِلاّ ذِكْرى﴾ وأعداد النصب والكفارات والصلوات. أو ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ لعدم الإحاطة بها لكثرتها ﴿إِلاّ هُوَ﴾ وقوله: ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ معترض وهو متصل بوصف سقر، و" هي "ضمير سقر أي: ما سقر وصفتها إلا تذكرة للبشر أو ضمير للآيات التي ذكرت فيها. ﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ ﴿كَلاّ﴾ منع لأن تكون ذكرى للكفار. ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ أو ﴿أَدْبَرَ﴾ (٤) صار كأمس

стр. 1196

[الدابر] (١). وقيل: هو من دبر الليل والنهار إذا خلفه. كما جمعت فعلة على" فعل " جمعت" فعلى "عليها. أي: لإحدى البلايا الكبر. و ﴿نَذِيراً﴾ تمييز من" إحدى "على معنى: إنها لإحدى الأمور العظائم؛ كما تقول: هي إحدى النساء عفافا. وقيل:" نذيرا "متصل بأول السورة في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ﴾ نذيرا، وهو من بدع التفاسير. وقرئ" نذير "بالرفع (٢) خبر بعد خبر. ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ مرفوع بالابتداء. و ﴿لِمَنْ شاءَ﴾ خبر مقدم عليه؛ كقولك لمن توضأ أن يصلي. والمراد السبق إلى الخير والتأخر (٣٢١ /ب) عنه. ويجوز أن يكون ﴿لِمَنْ شاءَ﴾ بدلا من ﴿لِلْبَشَرِ﴾. وليست الرهينة تأنيثا ل" رهين "؛ لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث وإنما هي اسم للرهن؛ كالشتيمة بمعنى الشتم؛ كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن معناه ﴿إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ فكوا رقابهم بعمل الطاعات واجتناب المعاصي. وقيل: المراد الأطفال؛ لأنهم لا أعمال لهم يرتهنون بها. وقيل: الملائكة، وتنكير" جنات "لتهويل أمرها. والقياس: يتساءلون المجرمين: ما سلككم، إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار، ونظيره: ﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ﴾ (٣). والواهب هو الله - تعالى - وإنما هو

стр. 1197

حكاية قول الله - تعالى. الخوض: الشروع في الباطل وما لا ينبغي. فإن قلت: أتريدون أن كل واحد فعل الأمور الأربعة، أو هذا فعل بعضا وذاك بعضا؟ قلت: تحتمل الأمرين جميعا. واليقين: الموت ومقدماته لم نقبل؛ لأن الشفاعة إنما تكون لمن ارتضى، وهؤلاء مغضوب عليهم غير مرضيين. ﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ عن الموعظة، يريد: القرآن وغيره من المواعظ. ﴿مُعْرِضِينَ﴾ نصب على الحال. ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ شديدة النفار؛ كأنها تستدعي النفار من نفسها في جمعها له وحملها عليه. وقرئ بالفتح (١) وهي المنفرة المحمولة على النفار. والقسورة: جماعة الرماة الذين يتصيدونها. وقيل: الأسد، يقال: ليوث قساور وهي فعولة من القسر والإلجاء. وعن ابن عباس ﵄: القسورة ركز الناس وأصواتهم (٢). وعن عكرمة: ظلمة الليل (٣). وتشبيههم بالحمر تهجين لحالهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ (٤) وشهادة عليهم بالبله. ولا ترى مثل نفار حمار الوحش وأكثر ما يشبه العرب إبلهم في سرعة سيرها بحمار الوحش. ﴿صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ أي: نزلت من السماء ببلوغ الكفار ما يتمنون من النجاة، وذلك أنهم قالوا: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ﴾ (٥) فيه اسم كل واحد منا. ﴿كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾ ﴿كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ﴾ فلذلك أعرضوا عن التذكرة. قيل: إن القرآن تذكرة بليغة لا

стр. 1198

تقدر قدرها. ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ وإنه يرجع إلى قوله: ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ (١). وإنما أنثه؛ لأن المراد بالتذكرة: الذكر. ﴿وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ أن يتذكروا (٣٢٢ /أ) ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى﴾ أهل أن يتقى ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أن يغفر لمن اتقى. ***

стр. 1199

تفسير سورة القيامة [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١)﴾ إدخال "لا" النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم؛ قال امرؤ القيس [من المتقارب]: لا وأبيك ابنة العامريّ ... لا يدّعي القوم أنّي أفر (١) وقال غوية بن سلمى [من الوافر]: ألا نادت أمامة باحتمالي ... لتحزنني فلا بك ما أبالي (٢) وفائدتها: توكيد القسم. وقيل: هي زائدة؛ كما في قوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (٣). وفي قوله [من الرجز]: في بئر لا حور سرى وما شعر ... ... (٤) واعترضوا عليه بأنها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوله. وأجابوا: بأن القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض، والاعتراض صحيح؛ لأنها لم تقع زائدة، والجواب غير سديد، ألا ترى إلى امرئ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته. والمعنى: أن الشيء لا يقسم عليه إلا إعظاما له، يدل عليه قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٥) كأنه يقول: إعظامي لهذا القسم كلا إعظام، يعني: أنه يستحق فوق ذلك.

стр. 1200

وقيل: إن "لا" رد لأمر سبق لأنهم أنكروا البعث فقيل لهم: لا وجه لإنكاركم إياه ثم قيل: أقسم بيوم القيامة. ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣)﴾ فإن قلت: فقوله - تعالى -: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١). والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أن "لا" التي قبل القسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له، وقدرت المقسم عليه المحذوف عليه هاهنا منفيا كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركون سدى؟ قلت: لو قصروا الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول وجه، ولكنه لم يقصر ألا ترى كيف لقى ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٢). وكذلك قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أجيب بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (٣). وقرئ: "لأقسم" (٤).على أنه جعل اللام لام الابتداء، و "أقسم" خبر مبتدأ محذوف معناه: لأنا أقسم. قالوا: ويعضده أنه في الإمام بغير ألف. ﴿بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ هي النفس المتقية التي تلوم نفسها على التقصير أي: في القيامة. وعن الحسن: إن المؤمن لا تراه إلا لائما نفسه (٣٢٢ /ب) وإن الكافر يمضي فيما هو عليه لا يعاتب نفسه (٥). وقيل: هي نفس آدم لم تزل تتلوم على فعلها. وجواب القسم: ما دل عليه وهو قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ وهو لتبعثن. وروي أن الأخنس بن شريق قال للنبي ﷺ : "أخبرني عن القيامة كيف هي؟ فأخبره النبي ﷺ بذلك فقال: لو شاهدت ذلك بعيني لما صدقتك أو يجمع الله العظم الرميم؟

стр. 1201

فنزلت (١). التقدير: بلى نجمعها. ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ ﴿قادِرِينَ﴾ حال من الضمير في" نجمع "أي: نجمعها قادرين. ﴿عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ أي: أصابعه أو على أن نسوي بنانه ونضم سلامياته على صغرها ولطافتها بعضها إلى بعض كما كانت أولا من غير نقصان. وقيل: بل نحن قادرون على أن نجمع عظام يديه ورجليه، ونجعلها عظما واحدا فلا يتأتى به القبض والبسط. وقرئ" قادرون " (٢).أي: نحن قادرون. ﴿بَلْ يُرِيدُ﴾ عطف على" أيحسب " ﴿لِيَفْجُرَ أَمامَهُ﴾ ليدوم على ما هو عليه من الفجور فيما يستقبله من الزمان. وعن سعيد بن جبير: يقدم الذنب ويؤخر التوبة يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على شر أحواله (٣). ﴿يَسْئَلُ﴾ سؤال متعنت ﴿أَيّانَ﴾ بمعنى: متى، أي: يسأل متى يوم القيامة استهزاء وتعنتا. ﴿بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ تحير وأصله: من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ ذهب ضوءه أو ذهب بنفسه. ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ يجمعهما الله - تعالى - يوم القيامة ويطلعهما من المغرب. وقيل: وجمعا في ذهاب الضوء. وقيل: يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران في النار. وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر فتكون نار الله الكبرى.

стр. 1202

﴿الْمَفَرُّ﴾ موضع الفرار. ﴿لا وَزَرَ﴾ لا ملجأ. وكل ما التجأت إليه من جبل أو حصن فهو وزرك. ﴿إِلى رَبِّكَ﴾ خاصة لتقديم المجرور. ﴿يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ أي: يرجع كل أحد إلى ما استقر عليه حكم الله. ﴿بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ من عمل عمله وبما أخر فلم يعمله. وقيل: بما قدم من ماله فتصدق به أو أخره منه فورث عينه. وقيل: ما قدم من عمل الخير والشر. ﴿بَصِيرَةٌ﴾ حجة بينة وصفت بالبصارة مجازا؛ كقوله: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (١) أو عين بصيرة. والمعنى: أنه ينبأ بأعماله وإن لم ينبأ ففيه ما يجزئ عن الإنباء؛ لأن نفسه شاهدة عليه بما عملت؛ لأن جوارحه تشهد عليه. ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ الآية (٢) (٣٢٣ /أ). ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)﴾ ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ ولو أكثر من الجدال والمحاجة لم ينفعه ذلك. وقيل: المعاذير: الستور، واحدها: معذار؛ لأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المعتذر. فإن قلت: القياس أن يجمع معذار على معاذر؟ قلت: ليست المعاذير جمع معذار ولكنها اسم جمع، ونحوه: المناكير في المنكر. والضمير في" به "للقرآن. وكان رسول الله ﷺ إذا لقن الوحي نازع جبريل القراءة ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ وخوفا أن يتفلت منه فأمر بأن يصغي إليه منصتا مقبلا بقلبه ووعده أن يثبته في صدره فلا ينساه (٣). ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ﴾ جعل قراءة جبريل قراءته. والقرآن: القراءة. ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فكن متبعا له منه ولا تراسله وطامن نفسك ألا يبقى غير محفوظ؛ فإن الله - تعالى - قد تكفل بحفظه

стр. 1203

وحفظه. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ إذا أشكل عليك فهم معناه كأنه كان يستعجل في القراءة يراسل جبريل، ويسأل جبريل عن معانيه كما ترى بعض الحراص على العلم ونحوه ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ (١) كله نهي لرسول الله ﷺ عن العجلة وحثه على التأني فإذا فرغ جبريل من قراءته فاقرأه حينئذ. الوجه عبارة عن الجملة. والناضرة: من نضرة النعيم. ﴿إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ تنظر إلى ربها خاصة لتقدم المجرور. والباسر: السيئ الخلق الشديد العبوس. والباسل أشد منه لكنه غلب استعماله في الشجاع إذا اشتد كلوحه. ﴿فاقِرَةٌ﴾ داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل معها كل خير. ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)﴾ ﴿كَلاّ﴾ ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم وتنتقلون إلى الآجلة وإن لم يجر لها ذكر؛ لدلالة الكلام عليها ما قال حاتم [من الطويل]: أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر (٢) تقول العرب: أرسلت. تريد المطر، ولا تكاد تسمعهم يقولون: أرسلت السماء مطرها ﴿التَّراقِيَ﴾ العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال. ﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ من يرقى بروحه أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ ذكرهم صعوبة الموت الذي هو أول منازل الآخرة حين تبلغ الروح التراقي وقد دنا زهوقها. وقال أصحاب المحتضر: ﴿مَنْ راقٍ﴾ أيكم يرقيه مما به. وقيل: هو قول (٣٢٣ /ب) الملائكة بعضهم لبعض: أيكم يرقى بروحه، أملائكة

стр. 1204

الرحمة أم ملائكة العذاب. ﴿وَالْتَفَّتِ﴾ ساقه بساقه، والتوت عليها عند قلق الموت. وعن قتادة: ماتت رجلاه فلا تحملانه، وقد كان عليهما جوالا (١). وقيل: لشدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة على أن الساق مثل في الشدة. وقيل: هما ساقاه إذا لفا في أكفانه ﴿الْمَساقُ﴾ أي: يساق إلى الله وإلى حكمه. ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى﴾ يريد الإنسان الذي قال فيه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ مهملا بغير راع يراعيه. ﴿يَتَمَطّى﴾ يتبختر. وأصله يتمطط، فقلبت لاجتماع المثلين أي: يتمدد؛ لأن المتبختر يمد خطاه. وقيل: هو من المطا وهو الظهر. وفي الحديث:" إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمهم فارس والروم فقد جعل بأسهم بينهم " (٢).يعني: كذّب رسول الله ﷺ وتولى عنه متبخترا يفتخر بذلك. ﴿أَوْلى لَكَ﴾ بمعنى: ويل لك، دعاء عليه بأن يليه ما يكره. ﴿فَخَلَقَ﴾ فقدر ﴿فَسَوّى﴾ فعدل. ﴿مِنْهُ﴾ من الإنسان. ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ الصنفين. ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ﴾ الذي أنشأ هذا الإنشاء ﴿بِقادِرٍ﴾ على الإعادة. ***

стр. 1205

تفسير سورة الإنسان [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً (٣) إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤)﴾ ﴿هَلْ﴾ بمعنى: قد في الاستفهام خاصة. والأصل: أهل؛ بدليل قوله [من البسيط]: ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم (١) فالمعنى: قد أتى، على التقدير والتقريب جميعا. ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ أي: بل كان شيئا منسيا. والمراد بالإنسان: الجنس؛ لقوله: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ،﴾ وقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ موضعه نصب على الحال، كأنه قيل: أتى عليه حين من الدهر غير مذكور، أو الرفع على الوصف ل "حين"؛ كقوله: ﴿وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ (٢). وقرئت عند إنسان فقال: ليتها تمت، أي: ليتها بقيت على تلك الحال منسية. قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ﴾ كقوله: برمة أعشار، وبرد أخلاق، ومشجة ومزجة بمعنى، معناه: أنه قد خلق من نطفة امتزج فيها الماءان ماء الرجل وماء المرأة. وعن ابن مسعود: هي عروق النطفة (٣). وقيل: ألوان وأطوار: نطفة ثم علقة ثم مضغة ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ في موضع الحال أي: خلقناه مبتلين له أي: مقدرين له الابتلاء كقولك: مررت برجل معه صقر (٣٢٤ /أ) صائدا به غدا. أو يريد: ناقلين له من حال إلى حال. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه وهو من التعسف (٤). وشاكرا وكفورا: حالان من الهاء في "هديناه". ويجوز أن يكونا حالين من السبيل أي:

стр. 1206

عرفناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا؛ كقوله: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (١). ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز. ولما ذكر الفريقين أتبعهما الوعد والوعيد. ﴿سَلاسِلَ﴾ قرئ بالتنوين (٢) وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون التنوين بدل حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف. والثاني: أن يكون صاحب الرواية ممن ضرى برواية الشعر وفيه صرف ما لا ينصرف (٣). ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨)﴾ ﴿الْأَبْرارَ﴾ جمع بر أو بار وهم الذين لا يؤذون الذرّ (٤). الكأس: الزجاجة إذا كان فيها خمر، وتسمى الخمر نفسها كأسا. ﴿كافُوراً﴾ اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده. وقيل: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك. وقيل: يخلق فيها رائحة الكافور وبرده فكأنها مزجت به. و ﴿عَيْناً﴾ على هذا القول بدل من محل ﴿مِنْ كَأْسٍ﴾ على تقدير حذف مضاف، كأنه قيل: يشربون خمر عين أو نصب على الاختصاص. وأتى في الأول ب "من"؛ لأن الكأس أول شربهم، فلذلك قيل: ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ وعداها بالباء في الثاني ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾ فمعناه: يشربون الخمر بالماء كقولك: "شربت الماء بالعسل".

стр. 1207

﴿يُفَجِّرُونَها﴾ يخرجونها من منازلهم حيث شاءوا. وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ جواب لمن سألهم: فبم حصل لهم ذلك؟ فقال: يوفون بالنذر، مدحهم على الوفاء به، ولم يمدحهم على أصل النذر؛ لأن أصل النذر ليس بمستحب؛ لأن به يستخرج مال البخيل (١) ﴿مُسْتَطِيراً﴾ فاشيا منتشرا بالغا أقصى الانتشار. ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ على حب الطعام أو حب الإطعام أو حب الله - تعالى - وكان رسول الله ﷺ يؤتى بالأسير فيقول لآخذه: أحسن إليه، فيؤثره على نفسه (٢). وعند عامة العلماء: يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا يصرف إليهم الواجبات. وقيل: كان الأسير في ذلك الوقت المشرك فأخوك المسلم أحق منه فأحسن إليه. وقيل: هو المملوك والمسجون وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال:" غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك " (٣). ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣)﴾ ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ﴾ على إرادة القول، ويجوز أن يكون قولا باللسان أو بلسان الحال وكانت عائشة ﵂ إذا بعثت إلى أهل بيت شيئا (٣٢٤ /ب) قالت للرسول: " احفظ ما يقولون؛ فإن ذكر دعاء أو ثناء أثنت عليهم بمثله، ودعت لهم بمثله حتى يسلم لها ما أعطته من غير مكافأة " (٤).ويجوز أن يكون ذلك بيانا لصحة اعتقادهم. وقيل: أما إنهم لم يتكلموا به ولكن علمه الله منهم فأثنى عليهم. والشكور والكفور: مصدران كالشكر والكفر. ﴿إِنّا نَخافُ﴾ يحتمل أن يراد ليس إحساننا إليكم لطلب مجازاة، بل لطلب رضا الله

стр. 1208

وخوفا من عقابه. ووصف اليوم بالعبوس مجازا ما وصف بصفة أهله؛ كقولك: نهارك صائم وليلك قائم. أو أن يشبه في عبوسه بالأسد العبوس. والقمطرير: الشديد العبوس، فيقال: اقمطرّت الناقة: إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفسها فاشتقه من القطر وجعل الميم مزيدة. وأعطاهم بدل عبوس اليوم ﴿نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ نضرة في الوجوه وسرورا في القلب. ﴿وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا﴾ وروي: أن الحسن والحسين مرضا، فقال النبي ﷺ لعلى: لو نذرت نذرا لولدك. فنذر علي وفاطمة وفضة خادمتهم نذرا لذلك، فلما شفاهما الله - تعالى - لم يكن عند علي شيء، فاقترض من يهودي ثلاثة آصع من شعير فصنعتها فاطمة خمسة أقراص، فلما قدموها للإفطار وقف مسكين على باب دارهم وقال: يا أمة محمد مسكين من مساكين أمة محمد جائع أطعمونا أطعمكم الله من ثمار الجنة، فآثروه بالكل فلما أصبحوا في اليوم الثاني فعلوا كالأمس فجاء وقت الإفطار يتيم وذكر حاجته وفقره فآثروه بالجميع. وفي اليوم الثالث فعل علي كما فعل بالأمس فجاء أسير جائع فآثروه بالكل فجاء النبي ﷺ فرأى ما بهم من الجهد، فشق عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ (١). والزمهرير القمر قال الشاعر [من الكامل]: وليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزمهرير ما زهر (٢) وقيل: الزمهرير: شدة البرد. ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧)﴾

стр. 1209

ودخلت الواو في قوله: ﴿وَدانِيَةً﴾ ليعلم باجتماع الأمرين وقرئ: "ودانية" بالرفع (١) على أن "ظلالها" مبتدأ و "دانية" خبر. والجملة في موضع الحال. ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ﴿وَدانِيَةً﴾ و ﴿لا يَرَوْنَ﴾ كلها صفات للجنة. ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَدانِيَةً﴾ عطفا على "جنة" الأولى، أي: وجنة أخرى غير تلك الأولى دانية ظلالها ومعنى تذليل القطوف: أنها بحيث لا تمنع ممن يريد (٣٢٥ /أ) قطافها. ﴿قَوارِيرَا قَوارِيرَا﴾ قرئا بغير تنوين وبتنوين الأولى منهما وتنوينهما (٢) ﴿كانَتْ قَوارِيرَا﴾ أي: تكونت قوارير بإذن الله. وقوله: ﴿كانَ مِزاجُها﴾ أي: وجد. ﴿قَدَّرُوها﴾ أي: في أنفسهم فكانت على حسب اختيارهم للطائفين بها. ودل قوله: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ على أنهم قدروا شرابها على قدر الري. وهو ألذ للشارب لكونه على قدر حاجته، سميت الكأس زنجبيلا؛ لأن فيها طعم الزنجبيل وكانت العرب تحب الزنجبيل (٣). ﴿عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢) إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤)﴾ و ﴿سَلْسَبِيلاً﴾ أي: سهلة النفوذ في الحلق يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، قيل: معناه: اسأل سبيلا، وأنشدوا [من الخفيف]:

стр. 1210

سل سبيلا فيها إلى جنة الخلد لتسقى شرابها سلسبيلا (١) و ﴿عَيْناً﴾ بدل من "زنجبيلا" وقيل: يمزج كأسهم بالزنجبيل بعينه. وقيل: يخلق الله فيه طعم الزنجبيل. و "عينا" على هذا القول مبدلة من "كأسا" كأنه قيل: ويسقون فيها كأسا كأس عين. شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم بلؤلؤ حالة إخراجه من صدفه وهو أحسن حالاته وأجودها. وقوله: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر، ومعناه: أن بصر الرائي كيفما توجه لا يدرك إلا نعيما ﴿وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ واسعا. يروى أن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألف عام فيرى أقصاه كما يرى أدناه. وقيل: إذا رأى شيئا كان. وقيل: تسلم عليهم الملائكة وتستأذن عليهم. وقرئ "عاليهم" بسكون الياء، على أنه مبتدأ، خبره: ثياب سندس، أي: مما يعلوهم، وعاليهم بالنصب (٢) على أنه حال من الضمير في ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أو في ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ أي: يطوف عليهم ولدان مخلدون عاليا للمطوف عليهم ثياب سندس ﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ بالرفع؛ حملا على الثياب وبالجر؛ حملا على السندس، وقرئ "وإستبرق" نصبا (٣) في موضع الجر على منع الصرف؛ لأنه أعجمي وهو غلط؛ لأنه يدخله حرف التعريف (٤) ﴿شَراباً طَهُوراً﴾ ﴿إِنَّ هذا﴾ الذي تقدم ذكره ﴿كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ﴾ عملكم ﴿مَشْكُوراً﴾ عند الله يجازي عليه أحسن الجزاء وقد أكد خبر "إن" بقوله: ﴿نَحْنُ﴾. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: قضائه بتأخير القتال إلى أن يقوى الإسلام ويكثر أهله، وحينئذ يأمرك بالقتال. فإن قلت: لم قال ﴿أَوْ كَفُوراً﴾ ولم يقل: "وكفورا"؟ قلت: لو قال "وكفورا" جاز طاعة أحدهما فإذا نهاه عن كل واحد امتنع

стр. 1211

الجمع من باب الأولى (٣٢٥ /ب). ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١)﴾ ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ودم على صلاة الفجر والعصر. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ وبعض الليل فصل له، يعني: صلاة المغرب والعشاء وأدخل "من" على الظرف للتبعيض؛ كما دخل على المفعول في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (١)، ﴿وَراءَهُمْ﴾ أمامهم أو خلفهم وهو هوله. ﴿يَوْماً ثَقِيلاً﴾ استعير الثقل لشدته وهوله من الشيء الثقيل الباهظ لحامله ونحوه: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢). الأسر: الربط والتوثيق ومنه: أسر الرجل: إذا أوثق في القيد. ﴿وَإِذا شِئْنا﴾ أهلكناهم وأتينا بقوم آخرين. أو يستبدل بهم قوما أطوع لله منهم. ﴿هذِهِ﴾ إشارة إلى السورة أو إلى الآيات القريبة منها. ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ﴾ هم المؤمنون ونصب ﴿وَالظّالِمِينَ﴾ بفعل مضمر يفسره ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾. ***

стр. 1212

تفسير سورة المرسلات [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧)﴾ أقسم الله - سبحانه - بطوائف الملائكة، أرسلهن بأوامره، فعصفن في مضيّهن، كما تعصف الرياح، وطوائف منهم نشرت أجنحتها في الجو عند انحطاطهن بالوحي، أو نشرت الشرائع، أو نشرت النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرا؛ عذرا للمحقين أو إنذارا للمبطلين. أو أقسم برياح عذاب أرسلهن فعصفن، فنشرت السحاب في الجو، ففرقن بينه؛ لقوله: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ (١). أو بسحاب نشرن الموات، ففرقن بين من يشكر أو يكفر، فألقين ذكرا إما عذرا للمحقين وإما إنذارا للذين أغفلوا الشكر، وينسبون ذلك إلى الأنواء، وجعلن ملقيات للذكر لكونهن سببا في حصوله. وقوله: ﴿عُرْفاً﴾ أي: متتابعة كشعر العرف، يقال: جاءوا عرفا واحدا، أو يكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكر. وانتصابه على أنه مفعول له أي: أرسلن للإحسان، والأول على الحال، وإنما جعل إرسال الملائكة إحسانا ومعروفا لكونه إحسانا للأنبياء وللمؤمنين الذين بين ظهرانيهم والعذر والنذر: مصدران ويجوز أن يكون عذرا جمع عذير كالنذر في جمع نذير، أو بمعنى العاذر والمنذر وانتصابهما على البدل من "ذكرا" أو على المفعول له، أو على الحال. إن الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة لكائن واقع لا ريب فيه. وعن بعضهم: أنه مجرور بإضمار رب. ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ﴾

стр. 1213

﴿يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥)﴾ ﴿طُمِسَتْ﴾ محقت. وقيل: ذهب بنورها موافقا (٣٢٦ /أ) لقوله: ﴿اِنْتَثَرَتْ﴾ (١). و ﴿اِنْكَدَرَتْ﴾ (٢). ويجوز أن يمحق نورها ثم تتناثر مسلوبة النور ﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ كقوله: ﴿فَكانَتْ أَبْواباً﴾ (٣). وقول الشاعر: ... الفارجي باب الأمير المبهم (٤) ﴿نُسِفَتْ﴾ كالحب إذا نسف بالمنسف ونحوه: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا﴾ (٥). وقيل: أخذت بسرعة من أماكنها. قوله: ﴿أُقِّتَتْ﴾ (٦) الأصل الواو والهمزة بدل منها. ومعنى توقيت الرسل: تبيين الوقت الذي يحضر فيه الأنبياء للشهادة على الأمم. ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ تعظيم لليوم وتعجيب من هوله. ﴿يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ الذي يفصل فيه بين الخلائق والوجه أن يراد بقوله: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ الوقت الذي عين لحضورهم. ﴿نُتْبِعُهُمُ﴾ بالرفع (٧) على الاستئناف وهو وعيد لأهل مكة، يريد: ثم نفعل بالآخرين كما فعلنا بالأولين. ﴿كَذلِكَ نَفْعَلُ﴾ مثل ذلك الفعل بكل من أجرم وهو تحذير من عاقبة الظلم وسوء أثره. ﴿إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ إلى مقدار من الوقت قد علمه الله وحكم به. ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ له نحن. أو فقدرنا على ذلك فنعم القادرون عليه والأول أولى؛ كقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ (٨). ﴿أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾

стр. 1214

﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ الكفات: من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه وهو اسم لما يجمع ويضم؛ كقوله الضمام والجماع وبه انتصب ﴿أَحْياءً وَأَمْواتاً﴾ كأنه قال: كفاتا لهم أحياء وأمواتا. والمعنى: تكفتهم أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها. وإنما نكر أحياء وأمواتا؛ تفخيما لأمرهم وتعظيما لشأنهم. ويجوز أن يكون المعنى: يكفتكم أحياء وأمواتا فينصبا على الحال من الضمير؛ لأنه قد علم أنها كفاته للأنس، والتنكير في ﴿رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ و ﴿ماءً فُراتاً﴾ للتبعيض لأن في السماء مياها قال الله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ﴾ (١). ﴿اِنْطَلِقُوا﴾ على إرادة القول أي: يقال لهم: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ من العذاب. وانطلقوا الثانية تكرير. ﴿إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ أي: دخان حميم وهكذا الدخان العظيم يتفرق ذوائب. وقيل: يخرج لسان من النار أي: يحيط بالكفار كالسرادق فيتشعب ثلاث شعب إلى حيث يفرغ من حسابهم والمؤمنون في ظل العرش. ﴿لا ظَلِيلٍ﴾ تهكم بهم ﴿وَلا يُغْنِي﴾ في محل الجر. ﴿بِشَرَرٍ﴾ أي: على شرره كالقصر. وقيل: هو الغليظة من الشجر. وقرئ: "كالقصر" بفتحتين، وهي أعناق الإبل وأعناق النخل. وقرئ "كالقصر" بضمتين (٢) جمع "قصر"؛ كرهن ورهن. و ﴿جِمالَتٌ﴾ جمع "جمال" أو (٣٢٦ /ب) جمع جمالة. وقيل: صفر سود. قال عمران بن حطان الخارجي (٣): دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم ... بمثل الجبال الصفر نزاعة الشّوى (٤)

стр. 1215

قرئ بنصب "يوم" ونصبه الأعمش (١). أي: هذا الذي قص عليكم واقع. ﴿يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ لا يستطيعون النطق، أو يقدرون عليه ويصدهم كثرة الهول. ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عطف على ﴿وَلا يُؤْذَنُ﴾ ولو جعل الاعتذار مسببا عن الإذن لنصب. ﴿جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ موضح لقوله: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ تقريع لهم على كيدهم لدين الله، وتسجيل عليهم بالعجز. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ في موضع الحال من ضمير "المتقين" أي: هم مستقرون في ظلال مقولا لهم: كلوا واشربوا. و ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ حال من المكذبين أي: الويل ثابت لهم في حال يقال لهم: كلوا وتمتعوا، وعلل ذلك بأنهم مجرمون دلالة على أن كل مجرم يستحق هذا العقاب، ثم البقاء في الهلاك أبدا، ويجوز أن يكون ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ خطابا للمكذبين في الدنيا. ﴿اِرْكَعُوا﴾ تواضعوا لله واطرحوا الاستكبار، وقيل: ما كان على العرب أضر من الركوع والسجود. وقيل: نزلت في ثقيف، لما أمروا بالصلاة، ورأوا فيها الركوع والسجود قالوا: نحب ألا ننحني، فإنها سبة علينا فقال ﷺ : "لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود" (٢). ﴿بَعْدَهُ﴾ بعد القرآن. ***

стр. 1216

تفسير سورة النبأ [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ ﴿عَمَّ﴾ أصله: عما. وجاء ثبوت الألف كقول حسان بن ثابت: على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرّغ في رماد (١) والاستعمال الكثير حذف الألف وكأنه أشكل عليه حال هذا المتكلم لما رأى من اختلاف حاله، فشرع عن جنسه ما هو، والله لا يخفى عليه شيء من ذلك. ثم كثر استعماله فاستعمل في التعظيم والتفخيم، والضمير لأهل مكة، كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث ويسألون غيرهم عنه على وجه الاستهزاء وإذا وقفت على "عم" قلت: " عمّه" فتثبت هاء السكت. ومنهم من أثبتها في الوصل وأجراه مجرى الوقف (٢). وقيل: الضمير للكفار وحدهم. وقيل: للمسلمين والكافرين؛ أما المسلم فليزداد (٣٢٧ /أ) خشية وأما الكافر فليزداد استهزاء. والمتساءل عنه القرآن والبعث والنبوة. ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥)﴾ ﴿كَلاّ﴾ ردع للسائلين هزءا و ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ وعيد لهم وتكرير الردع مع الوعيد تشديد في ذلك. ومعنى "ثم" الإشعار بأن الوعيد الثاني أبلغ من الأول، واتصل قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً﴾ بما قبله؛ لإنكارهم البعث وأنهم لما أنكروا البعث قيل لهم: أنتم معترفون بأن الله خالق السماوات والأرض كما قال: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ (٣) فإذا اعترفتم بقدرته على الأقوى كانت قدرته على الأضعف من باب الأولى.

стр. 1217

﴿مِهاداً﴾ فراشا. ﴿وَالْجِبالَ أَوْتاداً﴾ أي: أرسينا بها الأرض كما يرسى البيت بالأوتاد. ﴿سُباتاً﴾ موتا. والمسبوت: الميت. ولما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا أي: وقت معاش. وقيل: السبات: الراحة. ﴿لِباساً﴾ يستركم عن العيون ممن أرادكم بسوء أو تريده أنت، أو يستر من أحواله مما لا يريد أن يطلع عليه غيره. ﴿سَبْعاً﴾ سبع سماوات ﴿شِداداً﴾ جمع شديد أي: محكمة قوية، لا يؤثر فيها مرور الزمان ﴿سِراجاً وَهّاجاً﴾ متلألئا وهو الشمس. ﴿الْمُعْصِراتِ﴾ السحب، وامرأة معصر: دنا حيضها. وقيل: المعصرات: الرياح ذوات الأعاصير. فإن قلت: ما وجه من فسر المعصرات بالرياح، والرياح ذوات الأعاصير، والمطر لا ينزل من الرياح؟ قلت: الرياح هي التي تنشئ السحاب، وتدرّ المطر، فيصح جعله مبدأ للإنزال، وقد جاء في بعض الروايات: إن الله يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب، ثم من السحاب ينزل إلى الأرض (١). فإن صح هذا فالإنزال منه ظاهر. ﴿ثَجّاجاً:﴾ منصبا بكثرة. والثج: الصب؛ "أفضل الحج العجّ والثجّ " (٢) فالعجّ: رفع الصوت بالتلبية، والثجّ: كثرة صب دماء الهدى. ﴿حَبًّا﴾ أقوات بني آدم وبعض الحيوانات. ﴿وَنَباتاً﴾ ما تعتلفه الدواب من الزرع والتبن، كما قال: ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (٣). ﴿وَجَنّاتٍ أَلْفافاً (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً (٣٠)﴾ ﴿وَجَنّاتٍ﴾ بساتين. ﴿أَلْفافاً﴾ ملتفة الأغصان، لا واحد له، وقيل: واحده: لف. قال الشاعر: جنة لف وعيش مغدق ... وندامى كلّهم بيض زهر (٤) (٣٢٧ /ب).

стр. 1218

﴿كانَ مِيقاتاً﴾ كان في علم الله وحكمه أن يجعله وقتا للحساب أو حدا للخلائق ينتهون إليه ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ بدل من قوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ أو عطف بيان. ﴿فَتَأْتُونَ﴾ من القبور إلى الموقف ﴿أَفْواجاً﴾ أمما. ﴿فَكانَتْ أَبْواباً﴾ أي: طرقا. ﴿فَكانَتْ سَراباً﴾ كقوله: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ (١). يعني: أنها تصير شيئا كلا شيء؛ لتفرق أجزائها. المرصاد: الحد الذي يكون فيه الرصد، والمعنى: أن جهنم حد الطاغين الذين يرصدون فيه العذاب. وقيل: كانت مرصادا: طريقا لأهل الجنة. ﴿أَحْقاباً﴾ كلما مضى حقب تبعهم حقب. ولا يكاد يستعمل الحقب إلا حيث تتابع الأزمنة. ويجوز أن يكون قوله: ﴿لا يَذُوقُونَ﴾ متعلقا ب "لابثين". التقدير: اللابثين ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً﴾ ﴿إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً﴾ يعذبون بهما، ثم بعد ذلك يعذبون بأنواع أخرى من التعذيب. قوله: ﴿إِلاّ حَمِيماً﴾ استثناء من غير الجنس؛ لأن المراد بالبرد: ما ينفس عنهم حر النار، وليس في النار ما يخفف ولا يسكن ولا يخفف عنهم ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (٢). ﴿جَزاءً وِفاقاً﴾ أي: ذا وفاق. ﴿كِذّاباً﴾ تكذيبا. وقرئ: "وكل شيء" بالرفع على الابتداء (٣). ﴿كِتاباً﴾ مصدر في موضع "إحصاء" أو "أحصيناه" في موضع "كتابا" أو يكون حالا في معنى مكتوبا في اللوح. قوله: ﴿فَذُوقُوا﴾ مسبب عن كفرهم بالحساب ويدل عليه قوله: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ على أن الزيادة كالمستحيل؛ لأن "لن" عند الزمخشري إنما يؤتى بها في نفي المستحيل أو ما يقرب من المستحيل (٤). واحتج بقوله: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ (٥) وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار" (٦).

стр. 1219

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩)﴾ ﴿مَفازاً﴾ فوزا أو موضع فوز. وقيل: نجاة مما فيه الكفار. أو موضع نجاة وفسر المفاز بما بعده. والحدائق: البساتين الكثيرة الثمار. والكواعب: اللاتي كعب ثديهن. وأتراب: الذين ولدوا في زمن ولادتك، سموا أترابا؛ لأن الأرض مسّتهم في زمن واحد والدهاق: الملآن المترع. ﴿جَزاءً﴾ منصوب بقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً﴾ و ﴿عَطاءً﴾ منصوب ب "جزاء" نصب المفعول به. و ﴿حِساباً﴾ صفة، أي: كافيا. قرئ: "ربّ السماوات والأرض" بالرفع على: هو رب السماوات، أو رب السماوات: مبتدأ، و "الرحمن" صفته، و ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ الخبر، أو هما خبران (٣٢٨ /أ). وبالجر على البدل من "ربك"، وبجر الأول، ورفع الثاني (١) على أنه مبتدأ، خبره: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ أو هو الرحمن لا يملكون. والضمير في ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ لأهل السماوات والأرض، أي: ليس في أيديهم مما يخاطب به الله، ويأمر به خطاب واحد يتصرفون فيه تصرف الملاك أو لا يملكون أن يخاطبوا بشيء من نقص العذاب وزيادة الثواب. ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ متعلق ب ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ أو ب ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾. و ﴿الرُّوحُ﴾ مخلوق أشرف من بني آدم ومن الملائكة. وقيل: هو ملك عظيم ما خلق الله بعد العرش خلقا أعظم منه. وقيل: ليسوا بملائكة وهم يأكلون. وقيل: جبريل. الشفاعة في يوم القيامة بشرطين: أحدهما: أن يكون المشفوع فيه مرتضى ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ (٢). والثاني: أن يكون بإذن الله في الكلام للشافع؛ لقوله: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾

стр. 1220

﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)﴾ ﴿الْمَرْءُ﴾ هو الكافر؛ لقوله: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ﴾ و ﴿الْكافِرُ﴾ ظاهر وضع موضع المضمر؛ لزيادة الذم يعني: ما قدمت يداه من الشر. و ﴿ما قَدَّمَتْ﴾ يجوز أن تكون "ما" مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، والراجع من الصلة محذوف. وقيل: المرء عام وخصص منه الكافر. ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ في الدنيا، فلم أخلق ولم أكلف، أو ليتني ترابا فلم أحشر في هذا اليوم. وقيل: يحشر الله الحيوان غير المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يرده ترابا فيود الكافر أن حاله كذلك (١). وقيل: الكافر: إبليس يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٢). ***

стр. 1221

تفسير سورة النازعات [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥)﴾ أقسم - سبحانه - بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد وبالطوائف التي تنشطها أي: تخرجها من نشط الدلو: إذا أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أو تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر أمرا من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم. ﴿غَرْقاً﴾ إغراقا في النزع أي: تنزعها من أقصى الجسد من أناملها وأظفارها. أو أقسم بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، من قولك: ثورنا نشط: إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها؛ لأنها من أسبابه. أو أقسم (٣٢٨ /ب) بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب وإغراقها في النزع: أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى المغرب، والتي تخرج من برج إلى برج، والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمرا من علم الحساب. وقيل: النازعات أيدي الغزاة أو أنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام والتي تنشط الأوهاق (١). والمقسم عليه محذوف وهو" لتبعثن "؛ لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة. ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً (١١)﴾ و ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ منصوب بهذا المضمر. و ﴿الرّاجِفَةُ﴾ الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى، وصفت بما يحدث بحدوثها. و ﴿الرّادِفَةُ﴾ النفخة الثانية. ويجوز أن تكون الرادفة من قوله - تعالى -: ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٢). أي: القيامة التي يستعجلها الكفرة استهزاء، وهي رادفة لهم لقربها.

стр. 1222

وقيل: ﴿الرّاجِفَةُ﴾ الأرض والجبال لقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ (١). و ﴿الرّادِفَةُ﴾ السماء والكواكب؛ لأنها تنشق وتنتشر كواكبها على أثر ذلك. فإن قلت: ما محل " تتبعها "؟ قلت الحال: أي: ترجف تابعتها الرادفة. فإن قلت: كيف جعل ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ ظرفا للمضمر الذي هو" لتبعثن "ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟ قلت: معناه: لتبعثن في الوقت الواسع وهو وقت النفخة الأولى؛ لأن قوله: ﴿تَتْبَعُهَا﴾ جعل حالا عن الراجفة. ويجوز أن ينتصب ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ بما دل عليه ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أي: يوم ترجف وجفت القلوب. ﴿واجِفَةٌ﴾ شديدة الاضطراب. والوجيب والوجيف أخوان. ﴿خاشِعَةٌ﴾ ذليلة. فإن قلت: كيف أضيفت الأبصار إلى القلوب؟ قلت: معناه: أبصار أصحابها بدليل قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿فِي الْحافِرَةِ﴾ في الحالة الأولى يعنون: الحياة بعد الموت، وحقيقة هذه الكلمة أنه يقال: رجع فلان في حافرته أي: في طريقته التي جاء فيها فحفر فيها: أثر فيها بمشيه، جعل أثر قدميه حفرا، كما قيل: حفرت أسنانه حفرا: إذا أثر الأكال في أسنانها، والخط المحفور في الصخر. وقيل: حافرة؛ كقوله: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ (٢). أي: مرضية. ومحفورة؛ كقوله:" نهارك صائم وليلك قائم "يريد أرجوعا إلى حافرة؟ وقيل: النقد عند الحافرة، يريدون: على الحالة الأولى التي هي وقت العقد. يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر؛ كقولك: طمع فهو طمع وطامع، وفعل أبلغ من فاعل. وهو البالي الأجوف الذي تمزقه الريح، فيسمع له نخير (٣٢٩ /أ). ﴿قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١)﴾ و ﴿إِذاً﴾ منصوب بمحذوف تقديره: إذا كنا عظاما نرد ونبعث ﴿كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ منسوبة إلى

стр. 1223

الخسران، أو خاسر أصحابها. ﴿زَجْرَةٌ﴾ من قولهم: زجر البعير: إذا صاح عليه. والساهرة: الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك؛ لأن السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة، أي: جارية، وفي ضدها: عين نائمة، قال الأشعث بن قيس: وساهرة يضحي السراب مجللا ... لأقطارها قد جبتها متلثّما (١) وقيل: ساهرة: جهنم. ﴿اِذْهَبْ﴾ على إرادة القول. ﴿هَلْ لَكَ﴾ في كذا، وهل لك إلى كذا، أي: هل ترغب فيه. ﴿إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ إلى أن تطّهر من الشرك. ﴿وَأَهْدِيَكَ﴾ إلى معرفة ربك فتخشاه، والخشية إنما تكون بالمعرفة ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ (٢) وقال ﵇:" من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل " (٣). بدأ في كلامه بالاستفهام كحال من يعرض على زيد النزول عنده، فيقول له: هل لك أن تنزل عندنا، ثم عقبه بالكلام اللين؛ ليستنزله بالمداراة كما أمر بقوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ (٤). ﴿الْكُبْرى﴾ قلب العصا حية؛ لأنها كانت أول ما أراه الله من المعجزات، وكان يتّقيها بيده، فقيل له: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ (٥) أو أرادهما جميعا، إلا أنه جعلهما آية واحدة؛ لأن الثانية تابعة، سماها سحرا بعد علمه بصحة النبوة. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤)﴾ ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ فزعا من الثعبان، وهو معنى قوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى﴾ يفر منه.

стр. 1224

كان فرعون رجلا خفيفا فاستفزه الثعبان على السرعة وحمله على الهرب، أو أراد ب " أدبر "أقبل؛ كقولك: قلت له كذا فاقبل يحدثني. ﴿فَحَشَرَ﴾ فجمع؛ كقوله: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (١). ﴿فَنادى﴾ بنفسه أو أمر مناديا فنادى بذلك. وقيل: قام فيهم خطيبا فقال تلك العظيمة. وعن ابن عباس ﵄: كلمته الأولى ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ (٢). والآخرة: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (٣). ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ﴾ مثّل الله به. ﴿نَكالَ﴾ مصدر مؤكد؛ كقوله: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ (٤). و ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ (٥). كأنه قيل: نكل الله به نكال الآخرة والأولى. والنكال بمعنى التنكيل؛ كالسلام بمعنى التسليم، يعني: الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة. وقيل: نكال كلمته الأولى وكلمته الآخرة. الخطاب لمنكري البعث يعني: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً﴾ وإنشاء ﴿أَمِ السَّماءُ،﴾ ثم بين البناء فقال: (٣٢٩ /ب) ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ أي: جعل مقدار ذهابها في العلو مديدا مسيرة خمسمائة عام. ﴿فَسَوّاها﴾ فعدل خلقها مستويا لا عوج فيه ولا فطور ملساء. وأصله: سوى فلان أمر فلان، أي: دبره. غطش الليل وأغطشه الله. ويقال: أغطش الليل بمعنى أظلم ﴿وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ وأبرز ضوء شمسها، وأضيف الليل والشمس إلى السماء؛ لأن الليل ظلها، والشمس هي السراج الوهاج. ﴿ماءَها﴾ عيونها المتفجرة بالماء. ﴿وَمَرْعاها﴾ موضع رعيها والمراد هاهنا: العشب الذي أنبتته العيون. ونصب" الأرض والجبال "بإضمار" دحا "و" أرسى " ﴿مَتاعاً﴾ مفعول من أجله أي: تمتيعا. ﴿الطَّامَّةُ﴾ الداهية التي تطم على الدواهي، أي: تعلو وتغلب. قيل: النفخة الثانية. وقيل: الساعة التي يساق فيها أهل الجنة والنار إلى منازلهم. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ﴾

стр. 1225

﴿الْمَأْوى (٤١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)﴾ ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ بدل من ﴿فَإِذا جاءَتِ﴾ يعني: إذا رأى أعماله مدونة في كتابه ساءه ذلك، وتذكر ما كان قد نسيه من أعماله ﴿أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ (١). و" ما "في ﴿ما سَعى﴾ موصولة أو مصدرية. ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ وأظهرت ﴿لِمَنْ يَرى﴾ للرائين جميعا فإذا جاءت الطامة كان كيت وكيت. ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ أي: مأواه. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ﴾ الأمارة بالسوء عن اتباع الهوى ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ متى إرساؤها. ﴿فِيمَ أَنْتَ﴾ في أي شيء أنت من أمر الساعة وإخبارهم بوقتها. وقيل: الوقف على قوله: ﴿فِيمَ﴾ ثم يبتدئ ﴿أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ (٢) أي: من أشراطها. وكان بعث رسول الله ﷺ من أشراط الساعة (٣). ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ بوقت مجيئها ﴿مَنْ يَخْشاها﴾. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في القبور أو في الدنيا ﴿إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ فإن قلت: كيف صحت إضافة الضحى إلى العشية؟ قلت: لما بينهما من الملابسة؛ لاجتماعهما في يوم واحد. فإن قلت: فهلا قيل:" عشية أو ضحى "وما فائدة الإضافة؟ قلت: الدلالة على أن مدة لبثهم كأنها لم تبلغ يوما كاملا، ولكن ساعة من عشيته أو ضحاه، فلما ترك اليوم أضافه إلى عشية، فهو كقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ (٤). ***

стр. 1226

تفسير سورة عبس [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى (٧) وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى (١٠)﴾ أتى رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم. وأم مكتوم: أم أبيه، واسمه: عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة (٣٣٠ /أ) الفهري من بني عامر بن لؤي، وعنده صناديد قريش؛ عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام؛ رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم بتشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه (١). وكان رسول الله ﷺ يكرمه ويقول إذا رآه:" مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول: هل لك حاجة " (٢).واستخلفه على المدينة مرتين (٣). وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء (٤). ﴿أَنْ جاءَهُ﴾ لأن جاءه وهو متعلق ب" تولى "أو ب" عبس "على اختلاف المذهبين (٥).

стр. 1227

وروي: أنه ما عبس بعدها في وجه فقير قط (١). ﴿تَصَدّى﴾ في الأخبار والانتقال من الغيبة إلى الخطاب دليل على إنكار ما وقع. وفي ذكر الأعمى نحو من ذلك. وكان يحب أن يزيده لعماه تعطفا؛ لأنه مصاب بناظريه، وتأدب الناس بهذا الأدب، فروي أن الفقراء كانوا في مجلس سفيان الثوري أمراء (٢). ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ ما يؤول إليه حال هذا الأعمى عند التزكية والطهرة. ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ أو يتعظ. قرئ: "فتنفعه" بفتح العين (٣) بالنصب في جواب الترجي. وقيل: هو الكافر أي: أنك طمعت في أن يتطهر بالإسلام أو يذّكّر فتقربه الذكرى. ﴿تَلَهّى﴾ تتشاغل. قوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ فيه إشارة إلى الاختصاص، أي: أنت مع جلالة قدرك وشرفك بالنبوة حقيق بألا تفعل ذلك وإن فعله غيرك. ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ ﴿كَلاّ﴾ ردع للمزجور. ﴿إِنَّها﴾ إن آيات القرآن وهذه السورة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: كان حافظا له غير ناس، وذكر الضمير؛ لأن التذكرة في معنى التذكير. ﴿فِي صُحُفٍ﴾ صفة ل

стр. 1228

"تذكرة" أي: هي في أيدي الملائكة منتسخة من اللوح المحفوظ. ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عند الله. ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السماء، أو مرفوعة المقدار. ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ منزهة عن أيدي الشياطين، ولا يمسها إلا أيدي الملائكة مطهرين ﴿كِرامٍ﴾ على الله أبرار. وقيل: هي صحف الأنبياء؛ كقوله: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١). وقيل: السفرة: القراء. وقيل: أصحاب رسول الله ﷺ . ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ﴾ دعاء عليه. والقتل: أشد أنواع العذاب. ﴿ما أَكْفَرَهُ﴾ تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله، ولا ترى أسلوبا (٣٣٠ /ب) أغلظ منه؛ لأن الله لا يعجب وإذا عجب من أمر فهو غاية العجب (٢). ثم أخذ في وصف حاله، وفي وصف نشأته إلى أن انتهى. ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ قوله: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ حقيرة؛ مهّن خلقه، ثم بين ذلك الشيء بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ سبيل الثواب، يسر دخوله فيه وخروجه منه عند تكميل الخلق ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ فجعل له قبرا يصون جيفته من السباع وهوامّ الطير. فلما فرغ من وصف الآدمي ونشأته شرع فيما خلقه مادة لبقائه، وهو إنبات الحب والعنب والقضب (٣) والزيتون والنخل والحدائق الغلب؛ كما قال: ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ﴾ أضاف الصب إلى نفسه؛ لأنه بأمره، ويجوز أن يكون من شقها بالحرث. والأب: المرعى؛ لأنه يؤب، أي: يؤم وينتج. والأب والأم أخوان، قال الشاعر: جدّنا قيس ونجد دارنا ... ولنا الأبّ به والمكرع (٤)

стр. 1229

وعن أبي بكر ﵁ أنه سئل عن الأب، فقال: "أي سماء تظلني أو أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به" (١).وعن عمر ﵁ أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا قد عرفنا، فما الأبّ؟ ثم رفض عصا كانت في يده، وقال: هذا لعمر الله التكلف وما عليك يابن أم عمر ألا تدري ما الأب؟ ثم قال: "اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه" (٢). فإن قلت: قول عمر يشبه النهي عن تتبع المشكلات والسؤال عنها؟ قلت: كان أهم أمر الصحابة تعلم العلم الذي يقتضي العمل، فأما ما سوى ذلك فكان من النادر أن يتعرضوا له. وقد فهم من سياق هذه الآية أن الأب نبت أطلقه الله لمصالح هذه الآية، ولعلف دوابهم. يقال: صخ لحديثه مثل أصاخ، فوصف النفخة بالصاخة مجازا؛ لأن الناس يصيخون لها. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ ﴿يَفِرُّ﴾ منه لاشتغاله بما هو أهم، وما هو مدفوع إليه من الحساب والعرض، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئا. وقيل: يفر منهم؛ حذرا من أن يطالبوه بالتبعات، فيطلب القريب ما توجبه صلة الرحم، وكذلك الأب والأم والصاحبة بحقوقها وكذلك البنون. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣٣١ /أ) من خطايا محمولة على ظهره، وسائق يسوقه إلى الموقف بالغلظة وحيائهم من الله في إقدامهم على معصيته. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ مضيئة نيرة، يقال: أسفر الصبح: إذا أضاء. وأسفرت المرأة: كشفت نقابها، وسمي السفر؛ لأنه يكشف عن أخلاق المرء. ﴿غَبَرَةٌ﴾ غبار يعلوها. ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ أي: سواد. ولا ترى أقبح من اجتماع الغبرة والدخان كما ترى في وجوه الزنوج إذا اغبرت.

стр. 1230

تفسير سورة التكوير [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ في التكوير وجهان: أحدهما: هو من كوّر العمامة: إذا لفها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق، أو يكون لفها عبارة عن رفعها، أو يكون من طعنه فكوره فألقاه على الأرض، فيكون المعنى أنها تلقى. وقوله: ﴿كُوِّرَتْ﴾ مرفوع بكونه مفعولا لم يسم فاعله؛ لأن التقدير: إذا كورت الشمس؛ لأن الشرط يطلب الفعل (١). ﴿اِنْكَدَرَتْ﴾ انقضت. قال [من الكامل]: أبصر خربان فضاء فانكدر ... ... (٢) ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم؛ ليراها من عبدها كما قال: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٣).
следующие страницы →