← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

تفسير سورة عبس [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى (٧) وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى (١٠)﴾ أتى رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم. وأم مكتوم: أم أبيه، واسمه: عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة (٣٣٠ /أ) الفهري من بني عامر بن لؤي، وعنده صناديد قريش؛ عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام؛ رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم بتشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه (١). وكان رسول الله ﷺ يكرمه ويقول إذا رآه:" مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول: هل لك حاجة " (٢).واستخلفه على المدينة مرتين (٣). وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء (٤). ﴿أَنْ جاءَهُ﴾ لأن جاءه وهو متعلق ب" تولى "أو ب" عبس "على اختلاف المذهبين (٥).

стр. 1227

وروي: أنه ما عبس بعدها في وجه فقير قط (١). ﴿تَصَدّى﴾ في الأخبار والانتقال من الغيبة إلى الخطاب دليل على إنكار ما وقع. وفي ذكر الأعمى نحو من ذلك. وكان يحب أن يزيده لعماه تعطفا؛ لأنه مصاب بناظريه، وتأدب الناس بهذا الأدب، فروي أن الفقراء كانوا في مجلس سفيان الثوري أمراء (٢). ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ ما يؤول إليه حال هذا الأعمى عند التزكية والطهرة. ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ أو يتعظ. قرئ: "فتنفعه" بفتح العين (٣) بالنصب في جواب الترجي. وقيل: هو الكافر أي: أنك طمعت في أن يتطهر بالإسلام أو يذّكّر فتقربه الذكرى. ﴿تَلَهّى﴾ تتشاغل. قوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ فيه إشارة إلى الاختصاص، أي: أنت مع جلالة قدرك وشرفك بالنبوة حقيق بألا تفعل ذلك وإن فعله غيرك. ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ ﴿كَلاّ﴾ ردع للمزجور. ﴿إِنَّها﴾ إن آيات القرآن وهذه السورة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: كان حافظا له غير ناس، وذكر الضمير؛ لأن التذكرة في معنى التذكير. ﴿فِي صُحُفٍ﴾ صفة ل

стр. 1228

"تذكرة" أي: هي في أيدي الملائكة منتسخة من اللوح المحفوظ. ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عند الله. ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ في السماء، أو مرفوعة المقدار. ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ منزهة عن أيدي الشياطين، ولا يمسها إلا أيدي الملائكة مطهرين ﴿كِرامٍ﴾ على الله أبرار. وقيل: هي صحف الأنبياء؛ كقوله: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١). وقيل: السفرة: القراء. وقيل: أصحاب رسول الله ﷺ . ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ﴾ دعاء عليه. والقتل: أشد أنواع العذاب. ﴿ما أَكْفَرَهُ﴾ تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله، ولا ترى أسلوبا (٣٣٠ /ب) أغلظ منه؛ لأن الله لا يعجب وإذا عجب من أمر فهو غاية العجب (٢). ثم أخذ في وصف حاله، وفي وصف نشأته إلى أن انتهى. ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ قوله: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ حقيرة؛ مهّن خلقه، ثم بين ذلك الشيء بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ سبيل الثواب، يسر دخوله فيه وخروجه منه عند تكميل الخلق ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ فجعل له قبرا يصون جيفته من السباع وهوامّ الطير. فلما فرغ من وصف الآدمي ونشأته شرع فيما خلقه مادة لبقائه، وهو إنبات الحب والعنب والقضب (٣) والزيتون والنخل والحدائق الغلب؛ كما قال: ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ﴾ أضاف الصب إلى نفسه؛ لأنه بأمره، ويجوز أن يكون من شقها بالحرث. والأب: المرعى؛ لأنه يؤب، أي: يؤم وينتج. والأب والأم أخوان، قال الشاعر: جدّنا قيس ونجد دارنا ... ولنا الأبّ به والمكرع (٤)

стр. 1229

وعن أبي بكر ﵁ أنه سئل عن الأب، فقال: "أي سماء تظلني أو أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به" (١).وعن عمر ﵁ أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا قد عرفنا، فما الأبّ؟ ثم رفض عصا كانت في يده، وقال: هذا لعمر الله التكلف وما عليك يابن أم عمر ألا تدري ما الأب؟ ثم قال: "اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه" (٢). فإن قلت: قول عمر يشبه النهي عن تتبع المشكلات والسؤال عنها؟ قلت: كان أهم أمر الصحابة تعلم العلم الذي يقتضي العمل، فأما ما سوى ذلك فكان من النادر أن يتعرضوا له. وقد فهم من سياق هذه الآية أن الأب نبت أطلقه الله لمصالح هذه الآية، ولعلف دوابهم. يقال: صخ لحديثه مثل أصاخ، فوصف النفخة بالصاخة مجازا؛ لأن الناس يصيخون لها. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ ﴿يَفِرُّ﴾ منه لاشتغاله بما هو أهم، وما هو مدفوع إليه من الحساب والعرض، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئا. وقيل: يفر منهم؛ حذرا من أن يطالبوه بالتبعات، فيطلب القريب ما توجبه صلة الرحم، وكذلك الأب والأم والصاحبة بحقوقها وكذلك البنون. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣٣١ /أ) من خطايا محمولة على ظهره، وسائق يسوقه إلى الموقف بالغلظة وحيائهم من الله في إقدامهم على معصيته. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ مضيئة نيرة، يقال: أسفر الصبح: إذا أضاء. وأسفرت المرأة: كشفت نقابها، وسمي السفر؛ لأنه يكشف عن أخلاق المرء. ﴿غَبَرَةٌ﴾ غبار يعلوها. ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ أي: سواد. ولا ترى أقبح من اجتماع الغبرة والدخان كما ترى في وجوه الزنوج إذا اغبرت.

стр. 1230

تفسير سورة التكوير [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾ في التكوير وجهان: أحدهما: هو من كوّر العمامة: إذا لفها، أي: يلف ضوؤها لفا، فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق، أو يكون لفها عبارة عن رفعها، أو يكون من طعنه فكوره فألقاه على الأرض، فيكون المعنى أنها تلقى. وقوله: ﴿كُوِّرَتْ﴾ مرفوع بكونه مفعولا لم يسم فاعله؛ لأن التقدير: إذا كورت الشمس؛ لأن الشرط يطلب الفعل (١). ﴿اِنْكَدَرَتْ﴾ انقضت. قال [من الكامل]: أبصر خربان فضاء فانكدر ... ... (٢) ويروى: أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم؛ ليراها من عبدها كما قال: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٣).

стр. 1231

﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ ﴿سُيِّرَتْ﴾ عن وجه الأرض وأبعدت. أو سيرت في الفضاء والجو. و ﴿الْعِشارُ﴾ جمع عشراء، وهي الناقة الحامل التي لها عشرة أشهر وهو من أنفس أموالهم وكانوا يطرحون عليها العود. ﴿عُطِّلَتْ﴾ يوم القيامة، ولم يفكر فيها صاحبها ﴿حُشِرَتْ﴾ جمعت من كل ناحية، قيل: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص. وقيل: إذا قضي بينها ردت ترابا، فيقول الكافر وهو إبليس: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ (١). ﴿سُجِّرَتْ﴾ أوقدت أو ملئت. ﴿زُوِّجَتْ﴾ قرنت كل نفس لشكلها. وقيل: قرنت الأزواج بالآحاد. وقيل: قرنت نفوس المسلمين بالحور، والكافرين بالشياطين. ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ﴾ وأديئد مقلوب من آد يؤود إذا أثقله الحمل. قال الله - تعالى -: ﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما﴾ (٢). وكانت العرب إذا ولدت لهم بنت فإن أرادوا بقاءها ألبسوها ثوبا من شعر وجعلوها ترعى الإبل في البادية، وإن أرادوا قتلها صبر أبوها حتى تصير خماسية ثم يقول لأمها: طيبيها لأذهب بها (٣٣١ /ب) إلى أحمائها، وقد حفر لها حفيرة في تربة، فيأتي بها إليها، ويلقيها في الحفرة، ويلقي عليها التراب حتى تموت. وقيل: كانت المرأة تتمخض (٣) على طرف الحفرة، فإن وضعت بنتا ألقتها في الحفرة، وإن وضعت ذكرا أبقته، وحملهم على ذلك إما خوف لحوق العار، وإما خشية الإملاق؛ لقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ (٤). فإن قلت: لم سئلت الموءودة عن سبب قتلها، ولا علم لها بذلك، والقياس: ذم الوائد الذي وأدها؟! قلت: سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها، كالتبكيت في قوله لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ﴾ (٥). وقرئ:

стр. 1232

"سألت" (١) أي: خاصمت عن نفسها. أو سألت الله أو قاتلها. ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ﴾ صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته ثم تنشر يوم القيامة. ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ كشفت. والكشط والقشط لغتان، فأزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة. يقال: ليقت الثريد وليكته، والكفور والقفور. ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ وتسعر النار على حسب عصيان العصاة في كثرته وقلته. ﴿أُزْلِفَتْ﴾ أدنيت من المتقين. قيل: هذه ثنتا عشرة خصلة، ستة في الدنيا وستة في الآخرة. و ﴿عَلِمَتْ﴾ هو العامل في ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وفيما عطف عليه. فإن قلت: قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ كل أحد يوم القيامة يعلم ما أحضره؛ كقوله - تعالى -: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ (٢) فما وجه قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ؟﴾ قلت: هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به عكس ظاهره؛ كقوله: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٣) كلهم يتمنى ذلك ويوده. وكقول الشاعر: قد أترك القرن مصفرّا أنامله (٤) .... أراد كثرة ذلك. وقرئت هذه الآية في مجلس فيه ابن مسعود فقال: "وانقطاع ظهرياه" (٥). ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ الرواجع، فإن هذه الكواكب الخمسة وهي زحل والمشترى والمريخ والزهرة وعطارد ترجع في سيرها؛ لأن لها فلكا يدور غير الفلك الحامل، فهي تدور في الفلك

стр. 1233

الحامل. وهذه البروج مخصوصة بالرجوع لا يرجع من الكواكب سواها. ﴿الْجَوارِ﴾ السيارة. ﴿الْكُنَّسِ﴾ الداخلات في كناسهن، والكناس: بيت الظبي. وقيل: هي الكواكب كلها؛ لأنها تخنس بالنهار، وتظهر بالليل. ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ ﴿عَسْعَسَ﴾ أقبل. وقيل: أدبر وقيل: هو الصبح (٣٣٢ /أ) ﴿إِذا تَنَفَّسَ﴾ جعل له تنفسا؛ فإنه إذا طلع الفجر استيقظ أكثر الحيوانات، وطلب الخروج من وكره، فجعل ذلك كالتنفس. ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ جبريل - صلوات الله عليه. ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ﴾ (١). قوله: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ تبيين لمكانة جبريل، وأنه لو كان ثم مكان لكان جبريل عند الله. ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ تعظيم لأمر الأمانة وأنه أجل أوصاف جبريل. قوله: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يعني: رسول الله ﷺ . كما اتهمه الكفرة ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي: لقد رأى رسول الله جبريل ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ﴿وَما هُوَ﴾ يعني: وما محمد فيما يخبر به من الغيب ﴿بِضَنِينٍ﴾ بمتهم من الظنة وهي التهمة وقرئ ﴿بِضَنِينٍ﴾ (٢) بالضاد الساقطة من الضن، وهو البخيل. فإن قلت: فلو وضع القارئ الظاء موضع الضاد فما حكمها؟ قلت: هو كوضع الدال موضع الجيم والتاء مكان السين وهو غير جائز. ﴿وَما هُوَ﴾ وما القرآن. ﴿بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ أي: تلقيه بعض المسترقية للسمع على قلب محمد. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ يعني: سلكتم في الظن بالنبي ﷺ طرقا مختلفة بعيدة عن الصواب كما

стр. 1234

تقول لمن أبعد في البرية (١) وهو تائه فإنك تقول له: أين تذهب، مع أنه ليس له مقصد صحيح حتى تسأله عنه. لكن يصير تقدير كلامك: لا مذهب لك فتقصده. هذا معنى قوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إِنْ هُوَ﴾ القرآن ﴿إِلاّ ذِكْرٌ﴾ شرف أو موعظة. ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)﴾ قوله: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ قال فخر الدين بن خطيب الري (٢) "حضرت في مجلس فيه جماعة من المعتزلة، فقال قائل منهم: كيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٣) فقد فوض المشيئة في الإيمان والكفر إلى العبد؟ قلت: هذه الآية حجة لي على مذهبي فإنني أعتقد أن الله - تعالى - يشاء أن يشاء العبد فيشاء العبد فيفعل، ويدل على ذلك قوله في هذه السورة: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)﴾ فيكون الفعل موقوفا على مشيئة العبد، ومشيئة العبد موقوفة على مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وقال في آخر" هل أتى ": ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠)﴾ (٤) (٣٣٢ /ب). ***

стр. 1235

تفسير سورة انفطرت [الانفطار] [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ ﴿اِنْفَطَرَتْ﴾ انشقت. ﴿فُجِّرَتْ﴾ فتح بعضها إلى بعض، فصارت بحرا واحدا. وروي أن الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار (١). ﴿بُعْثِرَتْ﴾ بعثر وبحثر بمعنى، وهما مركبان من البعث والبحث، مع راء مضمومة إليها، والمعنى: بحثت وأخرج موتاها. وقيل ل" براءة ": المبعثرة؛ لأنها بعثرت أسرار المنافقين (٢). وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. فإن قلت: كيف طابق قوله: ﴿ما غَرَّكَ﴾ قوله: ﴿الْكَرِيمِ؟﴾ قلت: معناه: أنه لا ينبغي لأحد أن يغتر بكرم الله عليه، والتوسعة عليه، بل ينبغي أن يكون على حذر من الكريم، فالمنتقم الجبار أولى أن يحذر منه. وقال الحسن: غره شيطانه الخبيث، أي: زين له المعاصي، قال له: افعل ما شئت فربك الكريم الذي عودك من إنعامه ما لا يحصى ولا يحد فهو يغفر لك (٣). وقيل للفضيل بن عياض: إن أقامك الله يوم القيامة فقال: ما غرك بربك الكريم، ماذا تقول؟ قال: أقول: غرني ستورك المرخاة (٤). وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ وليس باعتذار كما يظنه الطماع، ويظن به قصاص الحشوية (٥) ويقولون: إنما قال الكريم ليلقنه

стр. 1236

الحجة، فيقول: غرني كرم الكريم، وأغره غيره: جعله غارا. ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦)﴾ ﴿فَسَوّاكَ﴾ فخلقك سويا سالم الأعضاء." فعدّلك "فصيرك معتدلا متناسب الخلق غير متفاوت فيه، فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، ولا بعض الشعر فاحما وبعضه أشقر، وجعلك قائما منتصبا تمشي على رجلين لا كالبهائم. وقرئ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بالتخفيف (١) وفيه وجهان: أحدهما: أن يراد بالتخفيف معنى التشديد. والثاني: فعدلك: فصرفك عن خلقة غيرك، وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق، أو: فعدلك إلى بعض الأشكال والهيئات. و" ما "في ﴿ما شاءَ﴾ مزيدة في الحسن والقبح، والطول والقصر، والذكورة والأنوثة، والشبه ببعض الأقارب، وخلاف الشبه. فإن قلت: هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها؟ قلت: لأنها بيان ل" عدلك ". فإن قلت: بم يتعلق الجار؟ قلت: يجوز أن يتعلق ب " ركبك "والمعنى: أنه صورك في أي الصور شاء، ويجوز أن يتعلق بمحذوف حاصلا في بعض الصور، ومحله النصب على الحال (٣٣٣ /أ) إذا علق بمحذوف. ويجوز أن يتعلق ب" عدلك "ويكون في" أي "معنى التعجب أي: فعدلك في صورة عجيبة. ثم قال: ﴿ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ والمعنى: ما شاء من التركيب أي: تركيبا حسنا. ﴿كَلاّ﴾ ردع عن التعلق بكرم الله، والطمع في الغفران من غير توبة. ﴿بِالدِّينِ﴾ بالجزاء، أو بدين الإسلام. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ﴾

стр. 1237

أي: عليكم ملائكة يكتبون أعمالكم، ومنها: إنكار البعث، وتعظيم الحفظة والثناء عليهم تهويل لأمر المجازاة، وأنها كانت لا محالة. وعن الفضيل: كان إذا قرأها قال: ما أشدك من آية على المنافقين (١). ﴿وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ كقوله: ﴿وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ﴾ (٢). وقيل: يصلونها يوم الدين وما غابوا عنها قبل ذلك؛ لأنهم كانوا يعذبون في القبور. وقيل: بين الله في هذه السورة أن لابن آدم ثلاثة أحوال: أحدها: حال الحياة التي يحفظ فيها عمله. وحالته الآخرة وهي دار المجازاة. وحال البرزخ من الموت إلى البعث، يعرض عليه كل يوم مقعده من الجنة أو النار. ويقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله. ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ (١٩)﴾ ولهذا كرر الله: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾. ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ لا تدفع عنها ضررا ولا تجلب لها نفعا. ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ وحده ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (٣). من رفع" يوم لا تملك "فهو بدل من ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ والفتح بإضمار: اذكروا (٤). ويجوز أن يفتح لإضافته إلى غير متمكن، وهو في محل الرفع (٥). ***

стр. 1238

تفسير سورة المطففين [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ التطفيف: البخس في الكيل والوزن؛ لأن ما يبخس شيء طفيف حقير. روي أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وكانوا من أخسر الناس كيلا، فنزلت فأحسنوا الكيل (١). وقيل: قدم وفيها رجل يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر (٢). وقيل: كان أهل المدينة تجارا يطففون وكان من بياعاتهم المنابذة (٣) والملامسة (٤) والمخاضرة (٥) فنزلت، فخرج رسول الله ﷺ وقرأ عليهم وقال:" خمس بخمس، قيل: يا رسول الله وما خمس بخمس. قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا ظففوا المكيال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة (٣٣٣ /ب) إلا حبس عنهم القطر " (٦). وروي: أن عليّا مر برجل يزن زعفرانا فأرجح فقال له:" أقم الوزن بالقسط، ثم زد بعد ذلك ما شئت " (٧).أمره أولا بالمساواة؛ ليعتاد ذلك أو ليفصل الواجب من النفل.

стр. 1239

﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ والضمير في ﴿كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ منصوب راجع إلى الناس. وفيه وجهان: أن يراد كالوا لهم، أو وزنوا لهم، فحذف الجار وأوصل الفعل كما قال [من الكامل]: ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (١) بمعنى: جنيت لك. أو يكون على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل والموزون. ولا يصح أن يكون ضميرا مرفوعا راجعا للمطففين؛ لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، والمعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر؛ لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر، والتعلق في إبطاله بخط المصحف؛ لأن الواو التي تكتب بعد واو الجماعة غير ثابتة فيه ركيك؛ لأن خط المصحف لم تراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط. قال الزمخشري (٢): على أني رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة لكونها غير ثابتة في اللفظ والخط جميعا؛ لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف؛ تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك:" هم لم يدعوا ولم يدعو "فمن لم يثبتها قال: المعنى كاف في التفرقة بينهما ووقف عيسى بن عمر (٣) على الواوين وقفة يسيرة؛ ليفرق بينهما وبين ما لا يستحق الألف فإن قلت: هلا قيل: أو اتزنوا، كما قيل: أو وزنوهم؟ قلت: كان المطففون لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين؛ لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة؛ لأنهم يحتالون، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعا (٤). ﴿يُخْسِرُونَ﴾ ينقصون. يقال: خسر الميزان وأخسره. ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاّ إِنَّ كِتابَ﴾

стр. 1240

﴿الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ ﴿أَلا يَظُنُّ﴾ إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف كأنهم لا يخطر ببالهم، ولا يخمنون تخمينا. ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ ومحاسبون (٣٣٤ /أ) على مقدار الذرة. وعن قتادة:" أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك " (١).وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن ووصف اليوم بالعظيم وقيام الناس فيه خاضعين لله - تعالى - ووصف ذاته برب العالمين بيان لتعظيم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف، وفيما كان في مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط، وحث على العمل على السوية والعدل في كل أخذ وإعطاء بل في كل قول وعمل. وقيل: الظن بمعنى اليقين. والوجه ما سبق. ونصب" يوم "ب" مبعوثون "وقرئ بالجر (٢) بدلا من" يوم عظيم ". وعن ابن عمر ﵄ أنه قرأ هذه الآية فبكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعدها (٣). ﴿كَلاّ﴾ ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة. ﴿إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ ما يكتب من أعمالهم، وجعل كتاب الفجار في سجين ومعناه: أنه كتاب جامع للمعاصي التي فعلوها، وهو كتاب مرقوم بيّن الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، وسمي ذلك الديوان سجينا، مأخوذ من السجن والضيق؛ لأنه سبب الحبس والتضييق أو لأنه مطروح، - كما روي - تحت الأرض السابعة في مكان موحش مظلم وهو بيت لإبليس وشهده الشياطين كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقربون والسجين: اسم علم منقول عن الصفة ك" حاتم " وهو مصروف؛ لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف (٤).

стр. 1241

﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ ﴿كَلاّ﴾ ردع عن التكذيب. و ﴿كِتابَ الْأَبْرارِ﴾ ما كتب من أعمالهم. و ﴿عِلِّيُّونَ﴾ علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين منقول من جمع "عليّ " على فعيل، سمي بذلك إما لأنه سبب الارتفاع إلى الدرجات العلى، وإما (٣٣٤ /ب) لأنه مرفوع إلى السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون (١) تكريما له وتعظيما. روي "أن الملائكة تصعد بعمل العبد فيستقلونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى الله إليهم: إنكم استقللتم عمل عبدي، وأنا أعلم بنيته فاكتبوه في عليين؛ فقد غفرت له، وإنها لتصعد بعمل عبد فيزكونه، فإذا انتهوا إلى ما شاء الله أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين" (٢). ﴿الْأَرائِكِ﴾ الأسرّة في الحجال (٣). ﴿يَنْظُرُونَ﴾ إلى ما شاءوا مد أعينهم إليه من مناظر الجنة، وإلى ما أولاهم من النعمة والكرامة، وإلى أعدائهم يعذبون في النار، وما يحجب حجاب أبصارهم عن الإدراك. ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ بهجة النعيم، كما ترى في وجوه الأغنياء. الرحيق: الشراب الخالص الذي لا غش فيه. ﴿مَخْتُومٍ﴾ تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة. وقيل: ختامه: مقطعه رائحة مسك إذا شرب. وقيل: يمزج بالكافور، ويختم بالمسك. ﴿فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ فليرغب الراغبون. ﴿تَسْنِيمٍ﴾ علم لعين بعينها مأخوذ من سنمه إذا رفعه؛ إما لأنها أرفع شراب الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فوقهم. وروي أنها تجري في الهواء، فتصب حيث شاءوا، و ﴿عَيْناً﴾ نصب

стр. 1242

على المدح. وقيل: على الحال. وقيل: هي للمقربين يشربونها صرفا، وتمزج لسائر أهل الجنة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ ﴿الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ مشركو أهل مكة؛ أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وخباب وغيرهم من فقراء المؤمنين. وقيل: مر بهم عليّ ومعه جماعة من فقراء المهاجرين فتضاحكوا منه وقالوا: ملكهم الأجلح فنزلت (١). ﴿فَكِهِينَ﴾ (٢) ملتذين بالسخرية منهم. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حال من "يضحكون" منهم ناظرين إليهم، وإلى ما هم عليه من الهوان بعد العزة والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم. وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها. فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، فيضحك منهم المؤمنون (٣). ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ هل جوزي (٣٣٥ /أ) الكفار بما كانوا يفعلون. ثوّبه وأثابه بمعنى إذا جازاه. ***

стр. 1243

تفسير سورة "انشقت" [الانشقاق] [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨)﴾ حذف جواب "إذا" ليذهب المقدر كل مذهب، أو اكتفى بما علم في مثلها من سورة التكوير والانفطار. وقيل: جوابها ما دل عليه ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ أي: إذا انشقت السماء لاقى الإنسان كدحه. ومعناه: تنشق بالغمام؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ (١). وعن علي ﵁: تنشق من المجرّة (٢). ﴿وَأَذِنَتْ﴾ استمعت له، ومنه قول النبي ﷺ : "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن" (٣).والمعنى: أنها فعلت حين امتثال أمر الله ما يفعله المجتهد في الطاعة من بذل الجهد. ﴿وَحُقَّتْ﴾ من قولك: هو محقوق بكذا وحقيق به، وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع. والقصد: أن كل من عمت قدرته دخل فيها كل مقدور. ﴿مُدَّتْ﴾ من مد الشيء فامتد، وهو أن تدك جبالها وآكامها. وقيل: مدت مد الأديم العكاظي؛ لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه واستوى. أو من مده بمعنى أمده، أي: زيدت سعة وبسطه. ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها﴾ مما دفن في بطنها من الموتى والكنوز. ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ وخلت غاية الخلو فكأنها تكلفت أقصى الجهد في الخلو كما يقال: تكرم الكريم وترحم الرحيم، إذا بلغا جهدهما في الكرم والرحمة، وتكلفا فوق ما في طبعهما ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها﴾ في إلقاء ما في بطنها. الكدح: جهد النفس في العمل، والكد فيه حتى يؤثر فيها من كدح جلده: إذا خدشه، ومعنى ﴿كادِحٌ إِلى رَبِّكَ﴾ جاهد إلى اللقاء وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء. ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ فملاق له لا محالة، لا مفر لك منه.

стр. 1244

وقيل: الضمير في "ملاقيه" للكدح. ﴿يَسِيراً﴾ سهلا هينا، لا يناقش فيه، ولا يعترض بما يسوءه ويشق عليه، كما يناقش أصحاب الشمال. وعن عائشة ﵂: "هو أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه" (١).وعن النبي ﷺ أنه قال: "من يحاسب يعذب" فقيل: يا رسول الله ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ فقال: "ذلكم العرض، من نوقش العذاب عذّب" (٢). ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ ﴿إِلى أَهْلِهِ﴾ إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين. أو إلى أهله من الجنة من الحور العين. ﴿وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ قيل: تغل يمناه إلى عنقه، ويعطى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقيل: تخلع (٣٣٥ /ب) يده اليسرى من وراء ظهره. ﴿يَدْعُوا ثُبُوراً﴾ يقول: واثبوراه. والثبور: الهلاك. ﴿فِي أَهْلِهِ﴾ فيما كان فيه من الدنيا ﴿مَسْرُوراً﴾ مترفا متنعما كعادة الفجار الذين لا يهمهم أمر آخرتهم. ﴿أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أن لن يرجع تكذيبا بالمعاد، لا يحور ولا يحول أي: لا يرجع ولا يتغير. ﴿بَلى﴾ إذا بلي بعد الموت أي: بلى ليحورن. ﴿بِالشَّفَقِ﴾ الحمرة التي ترى في المغرب بين المغرب والعشاء، وبسقوطه خرج وقت المغرب. وروي عن أبي حنيفة قول: إن الشفق البياض. وروي أنه رجع عن هذه المقالة. وأكثر العلماء على أن الشفق: الحمرة (٣). ﴿وَما وَسَقَ﴾ وما جمع. ﴿اِتَّسَقَ﴾ واستوسق: إذا اجتمع واستوى ليلة أربع عشرة. ﴿طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ والطبق: ما طابق غيره، أي: حالا بعد حال، كل واحدة مطابقة لصاحبتها في الشدة والهول. وموضع "عن طبق" الصفة، أي: طبقا مجاوزا عن طبق. وعن مسروق: "في كل عشرين

стр. 1245

عاما يجدون أمرا لم يكونوا عليه" (١). ﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ لا يخضعون. وقيل: قرأ رسول الله ﷺ يوما ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٢) فسجد هو ومن معه، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر فنزلت (٣). وبه احتج أبو حنيفة على وجوب السجدة (٤). وعن ابن عباس: "ليس في المفصل سجدة (٥). وعن أبي هريرة:" أنه سجد فيها وقال: والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله ﷺ سجد فيها " (٦). ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إشارة إلى المذكورين. ﴿بِما يُوعُونَ﴾ بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر والحسد. أو ما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ استثناء منقطع. ***

стр. 1246

تفسير سورة البروج [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾ ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ هي البروج الاثنا عشر. وقيل: قصور السماء على التشبيه. وقيل: البروج: النجوم التي هي منازل القمر. وقيل: عظام الكواكب، سميت بروجا لعظمها. ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ يوم القيامة. ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ فيه، والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق عليهم، والمشهود: ما في ذلك اليوم من عجائب. وتنكيرها على ما قدمته في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ (١) وقد اضطربت أقوال المفسرين فيها؛ فقيل: الشاهد: محمد، والمشهود: يوم القيامة. وقيل: (٣٣٦ /أ) عيسى وأمته. فإن قلت: أين جواب القسم؟ قلت: محذوف يدل عليه قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾. وكأنه قيل: أقسم بهذه الأقسام ليعذبن الله من كذبك، وذلك أن السورة نزلت في ثبات المؤمنين وصبرهم على أذى الكفار، وتذكيرهم بما جرى على غيرهم من المعذبين. قتلت قريش كما ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ والأخدود: الشق في الأرض. روي أنه كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلاما ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهب يسمع منه، فرأى في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس، فأخذ حجرا وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها. فقتلها، فكان الغلام بعد ذلك يبرئ الأكمه والأبرص، وعمي جليس الملك فأبرأه، فسأله الملك: من ردّ عليك بصرك؟ فقال: ربي. فغضب فعذبه، فدل على الغلام فعذبه، فدل على الراهب فلم يرجع الراهب عن دينه فقد بالمنشار، وأتى بالغلام فذهب به إلى جبل ليلقى من ذروته فدعا فرجف بالقوم فهلكوا ونجا الغلام، فذهب به إلى قرقور (٢) فلججوا به (٣) ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم

стр. 1247

السفينة ونجا الغلام، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام. ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدره فوضع يده عليه ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر. فأمر بأخاديد في أفواه السكك فأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرح فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق. فاقتحمت. وقيل: قال لها: قعي ولا تنافقي. وقيل: ما هي إلا غميصة فصبرت " (١). وعن علي: أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال: هم أهل الكتاب، وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناولها بعض ملوكهم فسكر فوقع على أخته، فلما صحا ندم، وطلب المخرج، فقالت له: المخرج أنك تخطب الناس وتقول: أيها الناس إن الله أحل نكاح الأخوات. ثم تخطبهم بعد ذلك: إن الله حرمه. فخطبهم فلم يقبلوا منه، فأمر بالأخاديد، وإيقاد النار، وطرح من أتى فيها، فهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ (٢). وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على (٣٣٦ /ب) دين عيسى فدعاهم فأجابوه، فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا، فأحرق منهم اثني عشر ألفا في الأخاديد (٣). وقيل: سبعين ألفا. وقيل: إن طول الأخدود أربعون ذراعا، وعرضه: اثنا عشر ذراعا. وعن النبي ﷺ " أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ من جهد البلاء " (٤). ﴿النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾

стр. 1248

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ ﴿النّارِ﴾ بدل اشتمال من الأخدود. ﴿ذاتِ الْوَقُودِ﴾ وصف لها بالعظم لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وهو الوقود وأبدان الناس. ﴿إِذْ﴾ ظرف ل "قتل"؛ أي: لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها. ﴿عَلَيْها﴾ أي: متولين أمرها؛ كقولك: هو على البصرة؛ أي متوليها يؤدون بالشهادة يوم القيامة بما فعله الكفار. ﴿وَما نَقَمُوا﴾ وما عابوا إلا إيمانهم بالله كقول الشاعر [من الطويل]: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (١) ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ البطش: الأخذ بالعنف، فإذا وصف بالشدة، فقد تضاعف وتفاقم. ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ يعني: يبطش بهم في الدنيا وفي الآخرة. ﴿فَعّالٌ﴾ الفاعل بأهل طاعته ما يفعله المحب في غاية الكثرة. ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ بدل من ﴿الْجُنُودِ،﴾ وأراد ب ﴿فِرْعَوْنَ﴾ إياه وآله؛ كما في قوله: ﴿وَمَلائِهِمْ﴾ (٢) والمعنى: قد عرفت تكذيب الجنود الرسل، وما نزل بهم. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك. ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ واستيجاب للعذاب. ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ عالم بأحوالهم، مقتدر على الانتقام منهم. بل ﴿هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ شريف عظيم. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ بالجر نعتا للّوح، وبالرفع: نعت للقرآن (٣).

стр. 1249

تفسير سورة والطارق [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ المضيء، كأنه يثقب الظلام بضوئه، فينفذ فيه كما قيل: درّيّ؛ لأنه يدرأ الظلمة، أي: يدفعها وهو صفة للطارق؛ لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا: طارق. أو لأنه يطرق الجني أي: يصكه، والمراد: جنس النجوم، أو الشهب التي يرجم بها. وأقسم الله - تعالى - بالنجم الثاقب؛ تعظيما له، فأراد أن ينبه على ذلك، فجاء بصفه مشتركة وهو كونه طارقا. وجواب القسم قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ من قرأ: "لما" مخففه من الثقيلة (٣٣٧ /أ) واللام هي الفارقة (١) و "ما": زائدة، ومن قرأ ﴿لَمّا﴾ بالتشديد (٢) فالمعنى: وما كل نفس إلا عليها حافظ رقيب، ووجه الربط بين قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ﴾ وبين قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ أنه لما ذكر الحافظ وأنه يحصي عملك أتبعه ما يجب اهتمام المرء به لما خلق له من العبادة والطاعة وليعلم قدرة الله في خلقه الآدمي وإنشائه من نطفة، ونقله في الأطوار حتى تكامل إنسانا كثير الجدال؛ كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (٣). ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ دخل حرف الجر على الاستفهامية، فحذفت ألفها. ﴿دافِقٍ﴾ ذي دفق، أو الدفق لصاحبه، ولم يقل: من مائين؛ لامتزاجهما واختلاطهما في الرحم. ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ من

стр. 1250

الرجل ﴿وَالتَّرائِبِ﴾ من المرأة. وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة. ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير للخالق؛ لدلالة ﴿خُلِقَ﴾ عليه. إن ذلك الذي قدر على خلقه ابتداء ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ وبعثه. ﴿لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ ظرف منصوب ب ﴿رَجْعِهِ﴾. ومن جعل الضمير ﴿رَجْعِهِ﴾ للماء، وفسره برجعه إلى الصلب والترائب أو إلى الإحليل (١)، أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف بمضمر. ﴿السَّرائِرُ﴾ ما أسر في القلوب من العقائد، وما أخفي من الأعمال. وسمع الحسن رجلا ينشد: [من الطويل] سيبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودّ يوم تبلى السّرائر (٢) فقال: ما أغفله عما في ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ (٣). ﴿فَما﴾ للإنسان: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾. ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ سمي المطر رجعا، كما سمي أوبا، وذلك أن العرب كانوا يعتقدون أن السحاب يصعد بالمطر من الأرض، ثم يرجع فيصبه فيه. وقيل: تفاؤلا برجوع المطر و ﴿الصَّدْعِ﴾ ما تتصدع منه الأرض من النبات. ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير للقرآن. ﴿فَصْلٌ﴾ فاصل بين الحق والباطل، ومن حقه لما وصف بذلك أن يكون معظما في الصدور من سامعه وقارئه ولا يلمان بهزل، وأن يصور في نفسه أن الجبار خالق السماء والأرض يخاطبه ويأمره وينهاه. ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: أهل مكة يعملون المكايد في إبطال أمر الله. ﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ أستدرجهم بتعميرهم وسعة الأرزاق. ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ﴾ لا تدع بهلاكهم. ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ أي: إمهالا (٣٣٧ /ب) وكرر الإمهال وغير اللفظ دلالة على الاهتمام بهذا الأمر وتفخيمه. ***

стр. 1251

تفسير سورة "سبح" [الأعلى] [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥)﴾ تسبيح اسمه : تنزيهه عما لا يليق به وصونه عن أن يذكر بغير تعظيم ولا توقير، ويجوز أن يكون "الأعلى" صفة للحديث، وفي الحديث: "أنه لما نزل قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١) قال ﷺ :" اجعلوها في ركوعكم "فلما نزل ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال:" اجعلوها في سجودكم " (٢). ﴿خَلَقَ فَسَوّى﴾ أي: خلق كل شيء فسوى خلقه، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم؛ دلالة على أنه صدر عن عالم حكيم. ﴿قَدَّرَ﴾ أي: قدر لكل حيوان ما يصلحه، وهداه إليه. يحكى: أن الأفعى إذا مرّ عليها ألف سنة عميت، فربما كانت في برية وفي مكان بعيد عن نبات الشمر فتسافر المسافة البعيدة حتى تقع على زراعة الرازيانج، فتحك به عينها، فيعود إليها بصرها، وهذا نوع عظيم من المصالح (٣). وكذلك هداية الله للإنسان وسائر الحيوان إلى مصالحها. ﴿أَحْوى﴾ صفة لا ﴿غُثاءً﴾ أي: أخرج المرعى أنبته فجعله بعد خضرته ورفيفه (٤). ﴿غُثاءً أَحْوى﴾ درينا (٥) أسود. ويجوز أن يكون أحوى حالا من المرعى، أي: أخرجه أحوى أسود من شدة الخضرة. ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى (١٢)﴾

стр. 1252

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ بشره الله بإعطائه آية بينة وهي أن جبريل يقرأ عليه الوحي فلا ينسى مما يقرأ عليه شيئا. ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ فذهب به عن حفظه برفع حكمه أو تلاوته؛ كقوله: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها﴾ (١). وقيل: كان يعجل بالقراءة فقيل له: لا تعجل؛ فإن جبريل إذا قرأ فهو مأمور بأن يكرره عليك إلى أن تحفظه فلا تنساه إلا ما شاء الله للقلة والندرة. وقيل: ﴿فَلا تَنْسى﴾ نهي، والألف مزيدة؛ كقوله: ﴿السَّبِيلا﴾ (٢). ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ قراءتك مع جبريل خيفة السّلب. ﴿وَما يَخْفى﴾ من ذلك أو يعلم جميع الظاهر والخفي من الأقوال والأفعال. ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ معطوف على" سنقرؤك "وقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ اعتراض أي: معناه: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر. وقيل: الشريعة السمحة. فإن قلت: كان رسول الله ﷺ مأمورا بالتذكرة نفعت أو لم تنفع، فما وجه اشتراط النفع؟ قلت: وجهان: أحدهما: أن يكون الرسول قد استفرغ جهده في تذكيرهم وما كانوا يزيدون على التذكرة إلا عتوا. وكان النبي ﷺ حريصا على أن يطيعوا، فقيل له: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ (٣) (٣٣٨ /أ) ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ (٤). ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. والثاني: أن يكون ظاهره شرطا وباطنه ذما للمذكرين، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم؛ كما تقول للواعظ: عظ المكّاسين (٥) إن نفعت الموعظة، استبعادا لأن يكون ذلك. ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ سينتفع بالتذكرة ﴿مَنْ يَخْشى﴾ الله وسوء العاقبة. ويتجنب التذكرة ﴿الْأَشْقَى﴾ الكافر؛ لأنه أشقى من الفاسق. ﴿الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى﴾ السفلى من أطباق النار. وقيل: الكبرى: نار جهنم، والصغرى: نار الدنيا. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ﴾

стр. 1253

﴿الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧)﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ﴾ لأن التردد بين الموت والحياة أشد وأفظع من التعذيب بغير ذلك ﴿تَزَكّى﴾ تطهر من الشرك والمعاصي. أو تطهر للصلاة أو تزكى تفعّل من الزكاة. ﴿فَصَلّى﴾ الصلوات الخمس، نحو قوله: ﴿وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ﴾ (١). وقيل: هي صدقة الفطر. وقال [عليّ] (٢): لا أبالي ألا أجد في كتابي غيرها؛ لقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ فأعطى زكاة الفطر، وصلى صلاة العيد (٣). وقيل: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ فكبر تكبيرة الافتتاح، وبه احتج على وجوب تكبيرة الإحرام وعلى أنها ليست من الصلاة وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه - تعالى (٤). وعن ابن عباس:" ذكره معاده وموقفه بين يديه، فصلى له " (٥).وعن الضحاك:" فذكر اسم ربه في طريق المصلّى " (٦). ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ فلا تفعلون ما تفلحون به. وقرئ" يؤثرون " (٧) على الغيبة، ويعضد الأول قراءة ابن مسعود:" بل أنتم تؤثرون " (٨). ﴿خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أفضل في نفسها وأنعم وأدوم. وعن عمر ﵁:" ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب " (٩).

стр. 1254

﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)﴾ ﴿هذا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إلى ﴿وَأَبْقى﴾ يعني: أن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وقيل: إن ما في السورة كلها. روي عن أبي ذر ﵁: أنه سأل رسول الله ﷺ : كم أنزل الله من كتاب؟ فقال:" مائة وأربعة كتب؛ منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ - هو إدريس - ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان " (١). وقيل: إن في صحف إبراهيم:" ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شانه " (٢). ***

стр. 1255

تفسير سورة الغاشية [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٣٨ /ب) ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤)﴾ ﴿الْغاشِيَةِ﴾ الداهية التي تغشى الناس بشدائدها، وتلبسهم أهوالها، يعني: القيامة، من قوله: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ﴾ (١) وقيل: النار، من قوله: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ (٢) ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ (٣). ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم إذ غشيت. ﴿خاشِعَةٌ:﴾ ذليلة. ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ تعمل في النار عملا تتعب فيه، وهو جرها السلاسل والأغلال، وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقاؤها دائبة في صعود من نار وهبوطها في حدور منها. وقيل: عملت ونصبت في أعمال لا تجدي عليها في الآخرة من قوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ (٤) ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ (٥) وقيل: هم أصحاب الصوامع. ومعناه: أنها خشعت لله، وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب، والتهجد الواصب. وقرئ: عاملة ناصبة (٦) على الشتم. وقرئ: ﴿تَصْلى﴾ - بفتح التاء، و "تصلى" بضمها - وتصلّى بالتشديد (٧). وقيل:

стр. 1256

المصلى عند العرب: أن يحفروا حفيرا، فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثم يعمدوا إلى شاة، فيدسوها في وسطه، فأما ما شوي فوق الجمر، أو على المقلى، أو في التنور فلا يسمى مصليا. ﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥)﴾ ﴿آنِيَةٍ﴾ متناهية في الحر؛ كقوله: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (١) الضريع: يبس الشرق، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا، فإذا يبس تحامته، وهو سم قاتل. فإن قلت: كيف قيل: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾. وفي الحاقة: ﴿إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ (٢)؟ قلت: العذاب ألوان، والمعذبون طبقات، فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٣) ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام أو ضريع يعني: أن طعامهم من شيء وليس من مطاعم الإنس، وإنما هو شوك، والشوك مما ترعاه الإبل، وتتولع به. قلت: كونه وصفا للطعام لا يصح؛ إذ يصير المعنى: ليس لهم طعام لا يسمن ولا يغني من جوع إلا الضريع، ومفهومه: أن لهم طعاما غيره والغذاء فيه منفعتان: إذهاب الجوع، وإمداد القوى. أو يراد: لا طعام لهم أصلا؛ لأن الضريع ليس بطعام للبهائم، فضلا عن الإنس، كما تقول: ليس لفلان ظل إلا الشمس يريد: نفي الظل. وقيل: قالت كفار قريش: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا، فنزلت (٤). ﴿ناعِمَةٌ﴾ ذات بهجة وحسن؛ كقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٥) (٢٣٩ /أ)

стр. 1257

﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ رضيت بعملها لما رأت ما أداها إليه من الكرامة والثواب. ﴿عالِيَةٍ﴾ من علو المكان أو المقدار. ﴿لا تَسْمَعُ﴾ يا مخاطب، أو الوجوه. ﴿لاغِيَةً﴾ لغوا مصدر على فاعلة كالعاقبة. ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ يريد: عيونا في غاية الكثرة؛ كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ (١) ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾ من رفعة المقدار أو المكان أو السمك ليرى المؤمن عند جلوسه عليها جميع ما خوّله الله من النعم. وقيل: مرفوعة مخبوءة لهم من رفع الشيء: إذا خبأه ﴿مَوْضُوعَةٌ:﴾ كلما أرادوها وجدوها عتيدة حاضرة لا يحتاجون إلى أن يستدعوها، أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب. ويريد: أنها موضوعة عن حد الكبر إلى حد التوسط. ومساند ومطارح أينما أراد أن يجلس جلس على مسورة (٢)، واستند إلى أخرى. ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)﴾ ﴿وَزَرابِيُّ﴾ بسط عراض فاخرة. وقيل: هي الطنافس (٣) التي لها خمل رقيق جمع زربية. ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ﴾ نظر اعتبار. ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ على أكمل الأحوال التي ينتفع بها فيها، حيث تنهض بالحمل الثقيل من البروك إلى القيام. ﴿وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ وما فيها من البروج والمنازل ودورانها في الفلك. ﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ وأرسيت الأرض بها ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ فصارت مهادا للخلق. ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى﴾ استثناء منقطع. وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار، ولا حسابهم إلا عليه. ***

стр. 1258

تفسير سورة الفجر [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ أقسم بالفجر كإقسامه بالصبح إذا أسفر، وقيل: بصلاة الفجر، وأراد بالعشر: عشر ذي الحجة. فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت: لأنها ليالي مخصوصة من بين جنس الليالي، أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها. فإن قلت: هلا عرفت بلام العهد؛ لأنها ليالي معلومة معهودة؟ قلت: لو فعل ذلك لم يستقل بمعنى الفضيلة التي في التنكير؛ لأن الأحسن في الآيات أن تكون متجانسة لئلا يبقى الكلام كاللغز، وبالشفع والوتر: إما الأشياء كلها شفعها ووترها وإما شفع هذه الليالي ووترها، وقد أكثروا في الشفع والوتر. حتى كادوا يستوعبون جميع ما يقع عليه شفع ووتر (٣٣٩ /ب). وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم. ﴿إِذا يَسْرِ﴾ إذا يمضي وياء ﴿يَسْرِ﴾ تسقط في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة. وقيل: معنى يسري: يسرى فيه. ﴿هَلْ فِي ذلِكَ﴾ الذي ذكرته من الآيات محل قسم لذي عقل. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧)﴾ والمقسم عليه محذوف وهو: ليعذبن، يدل عليه قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾. قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد. كما يقال لبني هاشم: هاشم. ثم قيل للأولين منهم عاد الأولى. وإرم تسمية لهم باسم جدهم، ولمن بعدهم عاد الأخير، فإرم في قوله: ﴿بِعادٍ (٦)﴾ ﴿إِرَمَ﴾ عطف بيان لعاد. وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل: إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها، ويدل عليه قراءة ابن الزبير: "بعاد إرم" على الإضافة، وتقديره: بعاد أهل إرم، كقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) ولم ينصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث. وقرأ الحسن: "بعاد إرم" مفتوحتين، وقرئ: "بعاد إرم"

стр. 1259

بسكون الراء على التحقيق، كما قرئ ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ (١). وقرئ: "بعاد إرم ذات العماد" (٢) على الإضافة إلى ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ أي: جعل الله ذات العماد رميما، بدلا من "فعل ربك" وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى أنهم كانوا بدويين أهل عمد أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى أنها ذات أساطير. وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد، وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا، ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنّة، فقال: أبني مثلها. فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها (٣) من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء، فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: "أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها فحمل منها ما قدر عليه، فبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه وبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير، على حاجبيه خال (٤)، وعلى عقبه خال يخرج في (٣٤٠ /أ) طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذلك الرجل" (٥). ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ﴾

стр. 1260

﴿لَبِالْمِرْصادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤)﴾ ﴿مِثْلُها﴾ مثل عاد ﴿فِي الْبِلادِ﴾ عظم إجرام وقوة، وكان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتي الصخرة العظيمة، فيقلبها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شداد في بلاد الدنيا. ﴿جابُوا:﴾ قطعوا، نحتوا الجبال، واتخذوا فيها بيوتا. وقيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. وقيل لفرعون: ﴿ذِي الْأَوْتادِ؛﴾ لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية. ﴿الَّذِينَ طَغَوْا﴾ في محل نصب على الذم، أو مرفوعا على هم الذين طغوا، أو مجرورا ردّا على قوله بعاد وثمود وفرعون، وذكر السوط ليدل على أن ما يعذب به في الدنيا نسبته إلى عذاب الآخرة كنسبة السوط إلى آلات العقوبة. وكان الحسن إذا قرأها يقول: إن عند الله أسواطا كثيرة فأخذهم بسوط منها (١). المرصاد: المكان الذي يترقب فيه من يمر أو يأتي، وقيل لبعض العرب: أين ربك؟ قال: بالمرصاد. وقرأ عمر بن هبيرة هذه السورة على أبي جعفر المنصور، فلما وصل إلى هاهنا قال: إن ربك لبالمرصاد يا أبا جعفر. يعني: إنك من قوم ينذرون بذلك. قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ﴾ متصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ فأما الإنسان فلا يهمه إلا العاجلة، وجعل كثرة الرزق ابتلاء وكذلك جعل ضيقه وتقتيره ابتلاء؛ لأن الله تعالى يبتلي العبد بالنعمة ليظهر كيف يشكره عليها، ويبتليه بالشدة؛ ليظهر صبره عليها. ﴿جَمًّا﴾ كثيرا شديدا. ﴿دَكًّا﴾ بعد دكّ. قوله: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أي: جاء سلطانه، ونفوذ أحكامه وأوامره (٢) ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ تنزل ملائكة كل سماء، فيصطفون صفا بعد صف.

стр. 1261

﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ تقاد بسبعين ألف زمام. أي: يتذكر ما فرط فيه الإنسان. قيل: المراد به أبي بن خلف. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ ﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يعذب كعذاب الله أحد. ﴿وَلا يُوثِقُ﴾ مثل وثاقه أحد. وقيل: لا يحمل أحد عن أحد عذابا، ولا تزر وازرة وزر أخرى. ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ إما أن يكلمها الله؛ إكراما لها (٣٤٠ /ب) أو على لسان ملك. و ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ التي لا يستقر لها خوف، والمطمئنة إلى الحق المعتقدة له. قيل: يقال لها ذلك عند الموت. وقيل: وقت البعث. وقيل: عند دخول الجنة. ﴿راضِيَةً﴾ بما أوتيت. ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله. ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ أي: انتظمي في سلك عبادي الصالحين. ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ معهم. وقيل: النفس: الروح. ومعناه ادخلي في أجساد عبادي. قيل: الخطاب ب ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ لحمزة بن عبد المطلب (١). وقيل: لخبيب الذي صلبه المشركون (٢). ***

стр. 1262

تفسير سورة البلد [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ أقسم سبحانه - بالبلد الحرام، وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ يعني: ومن المكابدة: أن مثلك على عظيم حرمتك تستحل بهذا البلد الحرام، كما يستحل الصيد في غير الحرم والإحرام، ويستحلون إخراجك وقتلك. وفيه تثبيت لرسول الله ﷺ وبعث على احتمال ما كان يكابد من الكفار، أو: سلاّه بالقسم ببلده أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد. واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ يعني: في المستقبل؛ وذلك لأن الله لما فتح عليه مكة أحلها له يفعل فيها ما شاء، فقتل ابن خطل، وقيس بن صبابة، وحرم دار أبي سفيان، وقال: "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها". فقال العباس: يا رسول الله: إلا الإذخر؛ فإنه لقيوننا (١) وقبورنا وبيوتنا، فقال ﵇: "إلا الإذخر" (٢) والسورة مكية: فأين فتح مكة منها؟ (٣) ﴿وَوالِدٍ﴾ هو رسول الله: ﴿وَما وَلَدَ﴾ ذريته، وتنكير ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ للتفخيم. وقوله: ﴿وَما وَلَدَ﴾ سأي: هو مولود عظيم الشأن؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ (٤) أي: بأي شيء وضعت. وقيل: هما لآدم وولده. وقيل: ووالد وولد.

стр. 1263

كبد الرجل كبدا: إذا وضع كبده، قال لبيد [من المنسرح]: يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد (١) أيحسب أن لا بعث، ولا مجازاة، فيسلم من العقاب في ظنه. ﴿مالاً لُبَداً﴾ يفتخر (٣٤١ /أ) بكثرة ما أنفق في الأمور التي كان يعدّها أهل الجاهلية مكارم. ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: طريقي الخير والشر. وقيل: الثديين. ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾ ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي: فلم يشكر تلك النعم، والمعنى: أن إطعام اليتيم والمسكين، أوفك رقبة من الأسر أو الملك بالعتق، ووقعت "لا" غير مكررة مع الفعل الماضي، وليست بدعاء، وذلك لا يقع إلا قليلا. ووجهه أنها متكررة في المعنى والتقدير: فلا اقتحم العقبة، ولا أطعم مسكينا، ولا فك رقبة، ألا ترى المعنى: فلا اقتحم العقبة، ولا آمن. والاقتحام: الدخول في الشيء بعنف. قال الحسن: عقبة والله شديدة؛ مجاهدة الإنسان نفسه وشيطانه وهواه وعدوه (٢). وروي: أن رجلا قال: يا رسول الله؛ دلني على عمل يدخلني الجنة قال: "تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال أو ليسا سواء؟ قال: لا؛ إعتاقها: أن تنفرد بعتقها، وفكها: أن تعين في تخليصها من قود أو غرم" (٣). وقوله: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ اعتراض. ومعناه: لم تدر كنه صعوبتها على النفس، وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة والمقربة والمتربة: مفعلات من سغب وقرب وترب. وترب الرجل: إذا افتقر، كأنه لصق بالتراب من العدم. ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مأواه المزابل، وأتى

стр. 1264

بلفظة ﴿ثُمَّ﴾ لتبيّن فضيلة الإيمان على كل هذه الأفعال كأنه لا يصح شيء من الأعمال إلا به. والمرحمة: الرحمة. أي: أوصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات، أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين، أو بها يؤدي إلى رحمة الله. الميمنة والمشأمة: اليمين والشمال، أو اليمن والشؤم، أي: الميامين على أنفسهم، والمشائيم عليهن. قرئ: "موصدة" (١) - بالواو والهمزة - من أوصدت الباب، وأصدته إذا أطبقته وأغلقته. وعن أبي بكر بن عياش: لنا إمام يهمز ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ فأشتهي أن أسد سمعي إذا سمعته (٢). ***

стр. 1265

تفسير سورة الشمس [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها (٩)﴾ ﴿وَضُحاها﴾ ضوءها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: وقت الضحوة: ارتفاع النهار. (٣٤١ /ب) والضّحى فوق ذلك. والضّحى - بالفتح والمد -: إذا امتد النهار. ﴿إِذا تَلاها﴾ طالعا عند غروبها، آخذا من نورها، وذلك في النصف الأول من الشهر. وقيل: إذا استدار، فتلاها في النور والضياء. ﴿إِذا جَلاّها﴾ وذلك عند ارتفاع النهار. وقيل: الضمير للدنيا أو للظلمة أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر. تقول العرب: أصبحت باردة، يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء. ﴿إِذا يَغْشاها﴾ فتغيب وتظلم. فإن جعلت الواوات عاطفة فقد وقعت في العطف على عاملين، وإن جعلتها أقساما وقعت فيما أنكره الخليل وسيبويه (١)؛ لأن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل اطراحا كليا، ولا يكون من العطف على عاملين فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معا، والواوات العواطف نائبة عن هذه الواو، فحقهن أن يكن عوامل عمل الفعل والجار جميعا؛ كما تقول: ضرب زيد عمرا وبكرا خالدا، فترفع بالواو، وتنصب؛ لقيامها مقام ضرب، الذي هو عاملها (٢). جعلت "ما" مصدرية في قوله: ﴿وَما بَناها،﴾ ﴿وَما طَحاها،﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وليس بالوجه؛ لقوله: ﴿فَأَلْهَمَها﴾ وما يؤدي إليه من فساد النظم. والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على ﴿مَنْ؛﴾ لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، ونكّرت النفس إما لأنه أراد بها نفسا بعينها، وهي نفس آدم، أو أراد كل نفس، ونكّر للتكثير؛ كقوله:
следующие страницы →