﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ تقاد بسبعين ألف زمام. أي: يتذكر ما فرط فيه الإنسان.
قيل: المراد به أبي بن خلف.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾
﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يعذب كعذاب الله أحد.
﴿وَلا يُوثِقُ﴾ مثل وثاقه أحد. وقيل: لا يحمل أحد عن أحد عذابا، ولا تزر وازرة وزر أخرى. ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ إما أن يكلمها الله؛ إكراما لها (٣٤٠ /ب) أو على لسان ملك. و ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ التي لا يستقر لها خوف، والمطمئنة إلى الحق المعتقدة له. قيل: يقال لها ذلك عند الموت. وقيل: وقت البعث. وقيل: عند دخول الجنة.
﴿راضِيَةً﴾ بما أوتيت. ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله. ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ أي: انتظمي في سلك عبادي الصالحين. ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ معهم. وقيل: النفس: الروح. ومعناه ادخلي في أجساد عبادي. قيل:
الخطاب ب ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ لحمزة بن عبد المطلب (١). وقيل: لخبيب الذي صلبه المشركون (٢).
***
стр. 1262
تفسير سورة البلد [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾
أقسم سبحانه - بالبلد الحرام، وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في مكابدة المشاق، واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ يعني: ومن المكابدة: أن مثلك على عظيم حرمتك تستحل بهذا البلد الحرام، كما يستحل الصيد في غير الحرم والإحرام، ويستحلون إخراجك وقتلك.
وفيه تثبيت لرسول الله ﷺ وبعث على احتمال ما كان يكابد من الكفار، أو: سلاّه بالقسم ببلده أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد. واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ يعني: في المستقبل؛ وذلك لأن الله لما فتح عليه مكة أحلها له يفعل فيها ما شاء، فقتل ابن خطل، وقيس بن صبابة، وحرم دار أبي سفيان، وقال: "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها". فقال العباس: يا رسول الله: إلا الإذخر؛ فإنه لقيوننا (١) وقبورنا وبيوتنا، فقال ﵇: "إلا الإذخر" (٢) والسورة مكية: فأين فتح مكة منها؟ (٣)
﴿وَوالِدٍ﴾ هو رسول الله: ﴿وَما وَلَدَ﴾ ذريته، وتنكير ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ للتفخيم.
وقوله: ﴿وَما وَلَدَ﴾ سأي: هو مولود عظيم الشأن؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ (٤) أي: بأي شيء وضعت. وقيل: هما لآدم وولده. وقيل: ووالد وولد.
стр. 1263
كبد الرجل كبدا: إذا وضع كبده، قال لبيد [من المنسرح]:
يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد (١)
أيحسب أن لا بعث، ولا مجازاة، فيسلم من العقاب في ظنه.
﴿مالاً لُبَداً﴾ يفتخر (٣٤١ /أ) بكثرة ما أنفق في الأمور التي كان يعدّها أهل الجاهلية مكارم. ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: طريقي الخير والشر. وقيل: الثديين.
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي: فلم يشكر تلك النعم، والمعنى: أن إطعام اليتيم والمسكين، أوفك رقبة من الأسر أو الملك بالعتق، ووقعت "لا" غير مكررة مع الفعل الماضي، وليست بدعاء، وذلك لا يقع إلا قليلا.
ووجهه أنها متكررة في المعنى والتقدير: فلا اقتحم العقبة، ولا أطعم مسكينا، ولا فك رقبة، ألا ترى المعنى: فلا اقتحم العقبة، ولا آمن. والاقتحام: الدخول في الشيء بعنف. قال الحسن: عقبة والله شديدة؛ مجاهدة الإنسان نفسه وشيطانه وهواه وعدوه (٢).
وروي: أن رجلا قال: يا رسول الله؛ دلني على عمل يدخلني الجنة قال: "تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال أو ليسا سواء؟ قال: لا؛ إعتاقها: أن تنفرد بعتقها، وفكها: أن تعين في تخليصها من قود أو غرم" (٣).
وقوله: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ اعتراض. ومعناه: لم تدر كنه صعوبتها على النفس، وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة والمقربة والمتربة: مفعلات من سغب وقرب وترب.
وترب الرجل: إذا افتقر، كأنه لصق بالتراب من العدم. ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ مأواه المزابل، وأتى
стр. 1264
بلفظة ﴿ثُمَّ﴾ لتبيّن فضيلة الإيمان على كل هذه الأفعال كأنه لا يصح شيء من الأعمال إلا به.
والمرحمة: الرحمة. أي: أوصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات، أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين، أو بها يؤدي إلى رحمة الله.
الميمنة والمشأمة: اليمين والشمال، أو اليمن والشؤم، أي: الميامين على أنفسهم، والمشائيم عليهن. قرئ: "موصدة" (١) - بالواو والهمزة - من أوصدت الباب، وأصدته إذا أطبقته وأغلقته. وعن أبي بكر بن عياش: لنا إمام يهمز ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ فأشتهي أن أسد سمعي إذا سمعته (٢).
***
стр. 1265
تفسير سورة الشمس [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها (٩)﴾
﴿وَضُحاها﴾ ضوءها إذا أشرقت وقام سلطانها، ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: وقت الضحوة: ارتفاع النهار. (٣٤١ /ب) والضّحى فوق ذلك.
والضّحى - بالفتح والمد -: إذا امتد النهار. ﴿إِذا تَلاها﴾ طالعا عند غروبها، آخذا من نورها، وذلك في النصف الأول من الشهر. وقيل: إذا استدار، فتلاها في النور والضياء. ﴿إِذا جَلاّها﴾ وذلك عند ارتفاع النهار. وقيل: الضمير للدنيا أو للظلمة أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر.
تقول العرب: أصبحت باردة، يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء. ﴿إِذا يَغْشاها﴾ فتغيب وتظلم. فإن جعلت الواوات عاطفة فقد وقعت في العطف على عاملين، وإن جعلتها أقساما وقعت فيما أنكره الخليل وسيبويه (١)؛ لأن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل اطراحا كليا، ولا يكون من العطف على عاملين فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة مسدهما معا، والواوات العواطف نائبة عن هذه الواو، فحقهن أن يكن عوامل عمل الفعل والجار جميعا؛ كما تقول: ضرب زيد عمرا وبكرا خالدا، فترفع بالواو، وتنصب؛ لقيامها مقام ضرب، الذي هو عاملها (٢). جعلت "ما" مصدرية في قوله: ﴿وَما بَناها،﴾ ﴿وَما طَحاها،﴾ ﴿وَما سَوّاها﴾ وليس بالوجه؛ لقوله: ﴿فَأَلْهَمَها﴾ وما يؤدي إليه من فساد النظم.
والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على ﴿مَنْ؛﴾ لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل:
والسماء والقادر العظيم الذي بناها، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، ونكّرت النفس إما لأنه أراد بها نفسا بعينها، وهي نفس آدم، أو أراد كل نفس، ونكّر للتكثير؛ كقوله:
стр. 1266
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ (١) ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما واعتقادهما.
﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)﴾
وأصل ﴿دَسّاها﴾ دسسها، كما قيل في تقصص: تقصّى. وجواب القسم محذوف أي:
ليدمدمنّ الله عليهم، ودل عليه قوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾. الباء في ﴿بِطَغْواها﴾ للاستعانة، نحو: كتب بالقلم. وقيل: كذبوا تعذيبهم بالطاغية فعذبوا بها ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ (٢).
قوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ﴾ منصوب بالتكذيب، أو بالطغوى [و ﴿أَشْقاها﴾ قدار بن سالف، ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك] (٣) بين الواحد والجمع والمؤنث والمذكر؛ لأن من تولى العقر بنفسه كانت شقاوته أتم.
و ﴿ناقَةَ اللهِ﴾ منصوب على التحذير؛ كقولك: الأسد الأسد. بإضمار: احذروا.
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ بما حذرهم منه من العذاب ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ بمعصيتهم (٣٤٢ /أ) ﴿فَسَوّاها﴾ يعني الدمدمة لم يفلت منها صغير ولا كبير.
﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أي: عاقبتها وتبعتها، كما يخاف ذلك المعاقب من الملوك، فيبقى بعض الإبقاء، ويجوز أن يكون الضمير لثمود، أي: فسواها بالأرض.
***
стр. 1267
تفسير سورة والليل [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى (٤) فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)﴾
المغشي إما الشمس، من قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها﴾ (١) أو النهار من قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ (٢) ﴿تَجَلّى﴾ ظهر بزوال ظلمة الليل، أو تبين وانكشف بطلوع الشمس.
﴿وَما خَلَقَ﴾ والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد.
وقيل: هما آدم وحواء. وقيل: إن الله لم يخلق نوعا ثالثا غير الذكر والأنثى. والخنثى وإن أشكل حاله فهو عند الله معلوم، ولو حلف أنه ما رأى ذكرا ولا أنثى، وكان قد رأى خنثى حنث؛ لأنه لم يتجاوز النوعين. ﴿لَشَتّى﴾ جمع شتيت، أي: مساعيكم أشتات مختلفة، وبيان تفصيلها ما ذكر عقبها. ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى﴾ أعطى حقوق ماله ﴿وَاتَّقى﴾ الله في ترك العصيان.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ لطريق اليسر، وهي الطريق التي هي أيسر وأسهل؛ كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ (٣) ﴿وَاسْتَغْنى﴾ وزهد فيما عند الله، كأنه مستغن عنه، فلم يتقه، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة؛ لأنه في مقابلة ﴿وَاتَّقى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ﴾ يجوز أن تكون نافية، ويجوز أن تكون استفهاما بمعنى الإنكار. ﴿تَرَدّى﴾ هلك، وأصله:
السقوط من جبل، أو موضع عال. أو تردى في اللحد: إذا قبر، أو تردى في قعر جهنم. ﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ بيان طريق الحق ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ فنعطي منهما من نشاء ما نشاء.
فإن قلت: لا يصلاها إلا الأشقى وسيجنبها الأتقى وقد علم أن كل شقي يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصلي أشقى الأشقياء ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، فقد علم أن أفسق
стр. 1268
المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة لا الأتقى منهم خاصة!
قلت: الآية واردة في صفة الشخصين؛ أحدهما أشقى، والآخر في مقابلته أتقى، وقد علم منزل الشقي والتقي.
﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ مفعول من أجله ﴿الْأَعْلى﴾ مستثنى من غير جنسه، وهو المنعم، أي:
ما لأحد عنده من نعمة، كقولك: ما في الدار أحد (٣٤٢ /ب) إلا فرسا ويجوز أن يكون ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ﴾ مفعولا له على المعنى؛ لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه.
***
стр. 1269
تفسير سورة والضحى [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦)﴾
المراد بالضحى: وقت الضحى، وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، وتلقي شعاعها.
وقيل: إنما خص وقت الضحى؛ لأنه الوقت الذي كلم الله فيه موسى، وألقي فيه السحرة سجدا لقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ (١).
وقيل: الضحى: النهار كله؛ لقوله - تعالى -: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ﴾ (٢) وقال في مقابلته: ﴿ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٣).
﴿سَجى﴾ سكن، وركد ظلامه، ويقال: ليلة ساجية ليس فيها برد ولا حر، فهي ساكنة الريح. ﴿ما وَدَّعَكَ﴾ ما قطعك قطع المودع.
قيل: الوحي انقطع عن رسول الله ﷺ أياما، فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فنزلت (٤). وقيل: إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت للنبي ﷺ : ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت (٥). حذف الضمير من ﴿قَلى﴾ ما حذف في قوله: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ (٦) أصله: والذاكرته.
(فئاوى فهدى فأغني:) اختصار لفظي؛ لأن الضمير مراد، والتقدير لفظي؛ لظهور المحذوف. فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى﴾ بما قبله؟ قلت: لما كان في ضمن نفي التوديع أنك عند الله بالمكان الرفيع، وأنه مواصلك بالوحي إليك وأنك حبيب
стр. 1270
الله، والمصطفى من العالم كله، ولا منزلة أعلى من ذلك، أعلمه أن منزلته في الآخرة أعظم.
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾ ألم يعلمك، متعديا إلى مفعولين، والمعنى: ألم تكن يتيما؛ فإن النبي ﷺ توفي أبوه وهو جنين قد مضى عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثماني سنين، فكفله عمه أبو طالب، ومن بدع التفاسير: أنه من قولهم: درة يتيمة. وأن المعنى: ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير، فآواك، أي: فضمك إلى عمك أبي طالب (١).
﴿وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾
﴿ضالاًّ﴾ أي غير عالم بالشرائع فهداك للعلم بها. وقيل: ضل في صباه ببعض شعاب مكة فرده أبو جهل إلى عبد المطلب. وقيل: أضلته حليمة حين فطمته، وجاءت به لترده على عبد المطلب، فأضلته عند باب مكة. وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج مع عمه أبي طالب، فهداك: فعرفك القرآن والشرائع. ومن قال: كان على أمر قومه أربعين سنة. فإن أراد (٣٤٣ /أ) بذلك خلو قومه عن معرفة الشرائع فصحيح، وإن أراد أنه على دينهم وكفرهم فمعاذ الله. وهذا كفر يقتل قائله بالسيف، والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوة وبعدها من الصغائر، فكيف من الكبائر؟! ﴿عائِلاً﴾ فقيرا، فأغناك بمال خديجة، وبما أفاء الله عليك من الغنائم. وعنه ﵇ أنه قال: "جعل رزقي تحت ظل رمحي" (٢).
وقيل: قنعك، وأغنى قلبك. ﴿فَلا تَقْهَرْ﴾ فلا تغلبه على ماله؛ لضعفه.
﴿السّائِلَ﴾ ليس هو الطالب المستجدي، بل هو طالب العلم متلقى بالرحب. ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ التحدث بنعم الله: شكرها وإذاعتها.
***
стр. 1271
تفسير سورة ألم نشرح [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾
استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، ولذلك عطف عليه ﴿وَوَضَعْنا﴾ اعتبارا بالموضع، ومعنى شرح الصدر: أنه وسعه لاحتمال الأذى، أو فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم. والوزر الذي أنقض ظهره حمله على النقيض، وهو صوت الانتفاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقل على رسول الله ﷺ ويغمه من فرطاته قبل النبوة، أو من تهالكه على إسلام أولي العناد من قومه، ووضعه: أن غفر له ما تقدم، أو علم الشرائع أو مهد له عذره بعد ما بلغ وبالغ. ورفع ذكره: أن قرن اسمه باسمه في الأذان والإقامة والتشهد والإسلام والخطب. وفي غير موضع من القرآن:
﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (١). ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٣). وفي تسميته رسول الله، ونبي الله، ومن ذلك: ذكره في كتب الأولين، والأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به.
فإن قلت: أي وجه في زيادة ﴿لَكَ﴾ والمعنى مستقلّ بدونه؟ قلت: ما في الإبهام والإيضاح كأنه لما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ سأل سائل فقال: ليس طريقه محل الشرح، فقال ﴿لَكَ صَدْرَكَ﴾ فبين موضع الانشراح.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦)﴾
فإن قلت: كيف يتعلق قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً؟﴾ قلت: كان المشركون يعيرون رسول الله ﷺ والمؤمنين بالفقر حتى سبق إلى فهمه أنهم قد رغبوا عن الإسلام؛ لافتقار أهله واحتقارهم، فذكره نعمته عليه، ثم قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ (٣٤٣ /ب) أي: إن مع العسر في
стр. 1272
الدنيا يسرا في الدنيا ويسرا في الآخرة.
فإن قلت: لفظة "مع" تقتضي المعية، فما معنى قوله ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ وكيف يجتمع العسر واليسر؟ قلت: أراد أن الله تعالى يوسع عليهم بعد مدة قريبة، فبالغ في تقريبها حتى جعلها معية. فإن قلت: ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود: "لن يغلب عسر يسرين". وروي مرفوعا أن النبي ﷺ قال: "لن يغلب عسر يسرين" (١):قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن وعود الله لا تحمل إلا على أقصى ما يحتمله اللفظ. والقول فيه: أن يحتمل أن تكون الثانية تكريرا للأول ك ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢) مكررا وأن يكون الأول عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة. والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر، فهما يسران على تقدير الاستئناف، وإنما كان اليسر متكررا، ولم يكن العسر مكررا؛ لأن الألف واللام التي في العسر إما أن تكون للعهد، فيكون العسر واحدا، والعسر لخلوه عن اللام مكررا. وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضا.
وأما اليسر فمتكرر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر، فقد تناول بعضا غير البعض الأول بلا إشكال. فإن قلت: ما المراد باليسرين؟ قلت: يجوز أن يراد ما فتح الله لرسوله ﷺ ، ولأصحابه من بعده، وما يدّخر لهم في الآخرة. ويجوز أن يكون ما ذكر لهم في الآخرة هو يسر الآخرة، وما فتح عليهم في الدنيا هو يسر الدنيا، فيكونان يسرين، وأن يكون أحد اليسرين في الدنيا، والآخر في الآخرة، ومعنى التنكير في ﴿يُسْراً﴾ التفخيم، كأنه قيل: إن مع العسر في الدنيا يسرا عظيما في الدنيا، ويسرا عظيما في الآخرة.
﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾
﴿فَإِذا فَرَغْتَ﴾ من عبادة ربك ﴿فَانْصَبْ﴾ في الدعاء. وقيل: فاجتهد في العبادة. ومن بدع
стр. 1273
التفاسير: فإذا فرغت من صلاتك فانصب عليّا للإمامة (١).
﴿فَارْغَبْ:﴾ فاجعل رغبتك إليه خصوصا دون من سواه، وأخذ هذا الحصر من تقديم المجرور في قوله: ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
***
стр. 1274
تفسير سورة والتين [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾
أقسم بالتين والزيتون؛ لأنهما عجيبان من بين سائر الثمار؛ روي أن النبي ﷺ (٣٤٤ /أ) أكل تينا، ثم قال لأصحابه: "كلوا فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه؛ لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس" (١).
ومرّ معاذ بن حبل بشجرة زيتون فأخذ منها غصنا: فاستاك به، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة، تطيب الفم وتذهب بالحفر" (٢) وسمعته يقول: "هي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي" (٣).
وعن ابن عباس: هو تينكم هذا، وزيتونكم (٤) وقيل: هما جبلان بالأرض المقدسة، يقال لهما بالسريانية طور تينا (٥)، وطور زيتا؛ لأنهما منبتا التين والزيتون (٦).
стр. 1275
﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)﴾
والبلد: مكة حرسها الله تعالى.
والأمين: من أمن الرجل: صار ذا أمن، وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما سلم إليه. ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول، من أمنه؛ لأنه مأمون. ومعنى القسم بهذه الأشياء: الإبانة عن شرف هذه البقاع. والطور: الجبل الذي نودي عليه موسى. ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ في أحسن تعديل لشكله وصورته ثم كان عاقبة كونه لم يشكر هذه النعمة، وهو تسوية الخلق، أن رده أسفل سافلين، وأقبح صورة، وهم أصحاب النار.
وقيل: هو الكبر والهرم، وبتقوّس ظهره بعد استقامته، وثقل قوة السمع والبصر، والوطء والبطش، فيرد إلى أضداد ذلك. وقوله ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ استثناء متصل على القول، ومنقطع على الثاني، تقديره: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلا ينقص من وظائفهم التي كانوا يفعلونها في الصحة بل يكتب لهم ثواب تلك الأوراد والأعمال كاملة، وإن لم يفعلوا شيئا منها؛ لأنه إنما عاقهم الكبر والهرم، وهو ليس من فعلهم.
قوله: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ خطاب للإنسان على صورة الالتفات أي: فما يجعلك كاذبا بسبب الدين، والباء في ﴿بِالدِّينِ﴾ مثلها في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١). أي: فما يكذبك يا إنسان بعد ظهور الدليل على البعث أن تكذب به حتى يجعلك التكذيب من أهل النار.
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ يعذب المسيء ويحسن للمحسن.
***
стр. 1276
تفسير سورة العلق [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾
عن ابن عباس ومجاهد أن سورة القلم أول سورة نزلت، ويدل عليه حديث الصحيحين:
أن رسول الله ﷺ (٣٤٤ /ب) " جاءه جبريل في جبل حراء، فقرأ عليه ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ والخبر مشهور (١).
وقيل: أول ما نزل سورة الفاتحة. وزعم الزمخشري أنه القول الأصح (٢) والمشهور هو القول الذي سبق. وقيل: أول ما نزل: ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ (٣)
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٣)﴾
محل ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ النصب على الحال؛ أي: اقرأ متبركا باسم ربك؛ أي: قل بسم الله، ثم اقرأ: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ يحتمل أن يكون ﴿اِقْرَأْ﴾ لا يضمر له مفعول أي: كن قارئا أو يكون ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ معمولا ل "اقرأ"، أي: اقرأ باسم هذا الذي كون الأشياء وأوجدها. وقوله:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ تخصيص له دون سائر المخلوقات لأنه أشرفها، والوحي إنما ينزل إليه، وهو المقصود بالخطاب، ويجوز أن يكون المراد الذي خلق الإنسان، كما قال: ﴿الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ﴾ (٤) تفخيما لخلق الإنسان ودلالة على فطرته، فإن قلت: لم قال ﴿مِنْ عَلَقٍ،﴾ ولم يقل "من علقة"؟ قلت: لأن الإنسان في معنى الجمع. ﴿الْأَكْرَمُ﴾ الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كريم ينعم على عباده النعم التي لا تحصى.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ لأنه لم يضبط أقاصيص الأولين، وشرائع الأنبياء
стр. 1277
المتقدمين إلا الكتابة بالقلم. ﴿كَلاّ﴾ ردع لمن كفر بنعمة الله عليه. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ أي: لأن رأى نفسه، وأفعال الشك واليقين يتحد فاعلها ومفعولها؛ تقول: لو رأيتني وعلمتني. ولا يجوز ذلك في غيرها (١) ومعنى الرؤية: العلم، ولو كانت بمعنى الإبصار لاقتصرت على مفعول واحد. ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ﴾ التفات أيضا عن الحديث عن الإنسان.
و ﴿الرُّجْعى﴾ مصدر؛ كالبشرى. وقيل: نزلت في أبي جهل، قال للنبي ﷺ : أتزعم أن من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال مكة ذهبا وفضة لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا، ونتبع دينك، فنزل جبريل، وقال: إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة، فكف رسول الله ﷺ عن الدعاء؛ إبقاء عليهم (٢). ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ بعض عباد الله عن طاعة الله والركوع والسجود. أو ينهى عبدا أمر بالتقوى، فيما يأمر به من عبادة الأوثان.
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤) كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾
﴿بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ مشاهد له على أعماله، ومطلع على نيّاته، فهو يجازيه بحسب ذلك. وقوله:
﴿الَّذِي يَنْهى﴾ مع (٣٤٥ /أ) الجملة الشرطية وهما في موضع المفعولين. فإن قلت: فأين جواب الشرط؟. قلت: تقديره: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى؛ حذف لدلالة الكلام عليه. فإن قلت: فما ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثانية وتوسطها بين مفعولي "أرأيت"؟ قلت: هي زائدة مكررة؛ للتوكيد. وقيل: هو أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
﴿كَلاّ﴾ ردع لأبي جهل، وزجر له عن نهيه عن عبادة الله. ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ لنأخذن بناصيته، ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء، وجذبه، واكتفى بلام العهد عن الإضافة، والتقدير: لنسفعنه بناصيته.
﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ بدل من الناصية، وجاز بدلها من المعرفة، وهي نكرة؛ لأنها وصفت فتخصصت. قلت: هذا مما لا حاجة إليه؛ فإنه يجوز بدل المعرفة من النكرة، والنكرة من
стр. 1278
المعرفة (١). والزبانية: ملائكة العذاب. ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٢).
***
стр. 1279
تفسير سورة القدر [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾
عظم القرآن من ثلاثة أوجه، أحدها: أن أسند إنزاله إليه بقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾. والثاني:
أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر، شهادة له بالشاهد، والاستغناء عن التنبيه عليه.
والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي ابتدئ النزول فيه. وروي أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزل على رسول الله ﷺ نجوما في ثلاث وعشرين سنة.
وأكثر العلماء على أن ليلة القدر في شهر رمضان، ولعل الداعي إلى إخفائها أن يجتهد من يقوم الليل لطلبها الشهر كله أو السنة كلها؛ ليظفر بها.
﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ ليلة تقدير الأمور ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١) وشرفها على سائر الليالي ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ يعنى: ولم يبلغ درايتك فضلها ثم بين ذلك بقوله: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فضّلها إلى هذه الغاية؛ لما يكتب فيها، وينزل من الملائكة والوحي والرحمة، وروي: أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: "إن رجلا من بني إسرائيل حمل السلاح ألف شهر في سبيل الله فسمع (٣٤٥ /ب) أصحاب رسول الله ﷺ ، فتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطى الله هذه الأمة هذه الليلة؛ لتقوم مقام الألف الشهر التي حمل فيها ذلك الإسرائيلي السلاح" (٢).
﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ إلى سماء الدنيا وقيل: إلى الأرض، أي: تنزل بكل مرضاة الله في تلك السنة إلى قابل. وقيل: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي: من أجل كل إنسان.
﴿سَلامٌ هِيَ﴾ لكثرة من يسلم من الملائكة على بني آدم.
стр. 1280
تفسير سورة لم يكن [البينة] [مدنية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾
كان المشركون من أهل الكتاب، وعبدة الأوثان يقولون قبل مبعث النبي ﷺ : لا ننفك عن ديننا حتى مبعث النبي الموعود بذكره في التوراة والإنجيل. فحكى الله ما كانوا يقولونه ثم قال: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة على الحق، وأنه متى بعث النبي صدقوه وآمنوا به، و ﴿رَسُولٌ﴾ بدل من البينة، و ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ الحجة. ﴿صُحُفاً﴾ قراطيس مطهرة من الباطل.
﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مكتوبات قيمة بمصالح العباد في الدنيا والآخرة. فإن قلت: لم جمع أهل الكتاب والمشركين أولا، ثم قال: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ،﴾ فأفردهم؟
قلت: أهل الكتاب كانوا عالمين بأن النبي المبعوث آخر الزمان آت لا محالة، فإذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف.
﴿وَما أُمِرُوا﴾ في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، ولكنهم حرفوا وبدلوا.
﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: دين الله القيمة، ومعنى ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ﴾ أي: وما أمروا بالعبادة والطاعة إلا ليعبدوا الله. ﴿الْبَرِيَّةِ﴾ بالتشديد من غير همز (١). قيل: لأنهم خلقوا من
стр. 1281
التراب. والبراء: هو التراب. وقيل: إنه مخفف من البريئة المهموز، وهو بمعنى الخليقة ومن أسمائه - تعالى - البارئ المصور.
***
стр. 1282
تفسير سورة الزلزلة [مدنية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣)﴾
﴿زِلْزالَها﴾ أي: زلزالها اللائق بها، ونظيره: قولك: أكرم التقي كرامته، وأهن الفاسق إهانته، أي ما يليق بكل واحد منهما. الأثقال: جمع ثقل، ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ﴾ (١)
﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ (٣٤٦ /أ) زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها، وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل، وتلفظ أمواتها أحياء، فيقولون ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع.
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾
فإن قلت: ما معنى تحديث الأرض والإيحاء إليها؟ قلت: هو مجاز عما يحدث الله فيها من الأحوال مما يقوم مقام حديث اللسان.
وقيل: ينطقها الله على الحقيقة، فتحدث بما عمل عليها من خير وشر،
فإن قلت: (إذا يومئذ) ما ناصبهما؟ قلت: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من ﴿إِذا،﴾ وناصبهما ﴿تُحَدِّثُ،﴾ ويجوز أن تنتصب ﴿إِذا﴾ بمضمر، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ب ﴿تُحَدِّثُ﴾.
والباء في قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ متعلقة ب ﴿تُحَدِّثُ﴾ والمعنى: أن ما حدثت بما جرى على ظهرها، بسبب أن الله أوحى لها بذلك. قال ﴿أَوْحى لَها﴾ القرار فاستقرت.
﴿أَشْتاتاً﴾ جماعات متفرقين بيض الوجوه آمنين، وسود الوجوه فزعين، أو يصدرون عن الموقف أشتاتا. ﴿لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ ليروا جزاء أعمالهم.
الذرة: النملة الصغيرة. وقيل: الذرة: ما يرى في شعاع الشمس.
стр. 1283
تفسير سورة العاديات [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥)﴾
أقسم بخيل الغزاة تعدو، فتضبح. والضبح: صوت أنفاسها قال عنترة [من الكامل]:
والخيل تكدح حين تضبح في حياض الموت ضبحا (١) ...
وانتصاب ﴿ضَبْحاً﴾ على الحال؛ أي: تعدو ضابحات أو بالعاديات. ﴿فَالْمُورِياتِ﴾ تورى نارا، تقدح بقدح حوافرها الحجارة. وانتصب ﴿قَدْحاً﴾ بما انتصب به ضبحا.
﴿فَالْمُغِيراتِ﴾ تغير على العدو ﴿صُبْحاً﴾ ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ فهيجن بذلك العدو غبارا، والنقع:
غبار الحرب. ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ﴾ أي: بذلك الوقت. ﴿جَمْعاً﴾ من العدو، أو: فوسطن بالغبار الجمع، أو: وسطن بمعنى: توسطن، ويجوز أن يراد بالنقع: الصياح وقيل: أثرن: مقلوب، وعن علي: إن الله أقسم بالإبل التي يحج عليها (٢).
﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾
﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحاً﴾ تقدح الحجارة. ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً﴾ من قوله ﵇: "أشرق ثبير كيما نغير" (٣).وقيل: الضبح لا يكون إلا للفرس والكلب والثعلب. وجمع: اسم المزدلفة،
стр. 1284
وعطف ﴿فَأَثَرْنَ﴾ على الفعل الذي دل عليه ﴿وَالْعادِياتِ﴾ (١).
الكنود: الجحود، وبه سمي كندة؛ لأنه أنكر أباه، وجحده. وعن الكلبي: الكنود بلسان كندة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مضر وربيعة: (٣٤٦ /ب) الكفور (٢) إنه لنعمة ربه لشديد الكفران. ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن الإنسان ﴿عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يشهد على نفسه بالكنود. وقيل: وإن الله على كنوده لشاهد، وهو تهديد. ﴿الْخَيْرِ﴾ المال؛ كقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ (٣).
والشديد: البخيل، وإنه لأجل حبّ المال، أي: لأن إيثار الدنيا عنده، وطلبها قوي، أو أراد به: لفعل الخيرات غير منشرح، وأما حبه الدنيا وإيثارها على الآخرة فهو فيه شديد وقوله: ﴿وَحُصِّلَ﴾ جمع في الصحف محصلا، ومعنى علمه بهم: أنه يجازيهم يوم القيامة.
وقرئ بفتح "أن" (٤) وحذف اللام من خبره.
***
стр. 1285
تفسير سورة القارعة [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)﴾
الظرف في قوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ متعلق بما دلت عليه القارعة أي: تقرع القلوب يوم يكون الناس.
شبّههم بالفراش في الكثرة والانتشار، وسمي فراشا؛ لانتشاره، وشبه الجبال بالعهن، وهو الصوف؛ لأنها ألوان، وبالمنفوش منه؛ لتفرق أجزائها.
الموازين: جمع ميزان، والميزان يثقله ثقل ما فيه.
﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ أي هلكت أمه وجدا عليه، لما ترى من شدة الخطب عليه.
وقيل: الهاوية: من أسماء النار، وجعلت أمّا له؛ لأنه يأوي إليها. وقيل: ﴿فَأُمُّهُ﴾ أي فأم رأسه في النار. وقوله ﴿هِيَهْ﴾ الهاء للسكت فيها، وإذا وصل القارئ حذفها، وإذا وقف أثبتها، وثبوتها في المصحف دليل على أنها أجريت مجرى الوقف، وأثبتت فيه.
***
стр. 1286
تفسير سورة التكاثر [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾
﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ألهاه عن كذا: إذا شغله. و ﴿التَّكاثُرُ﴾ التباهي؛ كقوله: ﴿وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ (١). وروي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بعددهم، فكثرت بنو عبد مناف بني سهم، فقالت بنو سهم: إنما أهلكتنا الحروب ونحن أكثر منهم، فهلم فلنعد الأحياء والأموات، فعدوهم فكثر بنو سهم، فأنزل الله - تعالى - شغلكم التكاثر حتى عددتم الأموات (٢). وقيل: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ،﴾ وهو لا يغني عنكم من الله شيئا، ولا يغنيكم منه أمر. وقيل: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ بالأموال والأولاد، حتى متم وصرتم إلى القبور. قال الشاعر [من المتقارب]:
زار القبور أبو مالك ... فأصبح ألأم زوارها (٣)
﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾
﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد، وتكراره ثانيا؛ زيادة في التوكيد، والدليل عليه: أنه أتى (٣٤٧ /أ) ب "ثم"؛ لتباعد ما بين التهديد الأول والثاني، ثم كرر ذلك محذوف الجواب.
والوقف على قوله: ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ ومعناه: لو علمتم علم اليقين لما شغلكم التكاثر، ولا يجوز أن يكون الظاهر جوابا. وقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ﴾ زيادة للتوكيد والتفخيم ويدل على أن المراد بقوله: ﴿لَتُسْئَلُنَّ﴾ أمر عظيم أشد من التهديد. تسوف عين اليقين؛ أي: لترونها رؤية هي عين اليقين وخالصته.
﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾ عن اللهو والتلذذ الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين. وقيل: أراد بالنعيم: التنعم والتفرغ للالتذاذ في الدنيا على ما يزيد في رتبة الدين.
***
стр. 1287
تفسير سورة والعصر [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾
أقسم بصلاة العصر؛ لفضلها، وهي الصلاة الوسطى، ولأنها مؤقتة بوقت هو وقت الاشتغال بالمتاجر والمعايش، فالمواظبة عليها أشق. وأقسم بالعشى كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعا من دلائل القدرة. أو أقسم بالزمان؛ لما في مروره من أصناف العجائب والإنسان للجنس. والخسر: الخسران؛ كما قيل الكفر في الكفران. والمعنى: إن الناس في خسر من تجاراتهم إلا الصالحين وحدهم؛ لأنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوا ومن عداهم تجروا خلاف تجاراتهم، فوقعوا في الخسارة. ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ﴾ بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته واتباع كتبه ورسله. والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة. ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عن المعاصي، وعلى الطاعات، وعلى ما يبلو الله به عباده.
***
стр. 1288
تفسير سورة الهمزة [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾
الهمز: الكسر، كالهزم، واللمز: الطعن. يقال: لمزه ولهزه: طعنه، والمراد: الكسر من أعراض الناس، والغض منهم، واغتيابهم، والطعن فيهم، وبناء (فعلة) يدل على أن ذلك عادة منهم، وقد ضرى بها، ونحوهما: الضّحكة واللّعنة. قال الشاعر [من البسيط]:
... وإن أغيب فأنت الهامز اللّمزة (١)
وقرئ: ويل لكل همزة لمزة، بسكون الميم (٢) وهو المسخرة الذي (٣) يأتي بالأوابد والأضاحيك فيضحك منه ويشتم. وقيل: نزلت في الأخنس بن شريق، وكانت عادته الغيبة والوقيعة (٤). وقيل: في أمية بن خلف. وقيل: في الوليد بن المغيرة، واغتيابه لرسول الله ﷺ (٣٤٧ /ب) وغضه منه (٥). ويجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما؛ ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه. ﴿كَلاّ﴾ ردع له عن حسبانه.
﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ الحطمة: من أسماء جهنم، تحطم ما وقع فيها، ويقال للرجل الأكول حطمة. وقيل: خص الفؤاد؛ لأنه محل الكفر والعقائد الفاسدة. ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة، والمعنى:
إنه يؤكد يأسهم من الخروج منها وتيقنهم بحبس الأبد، فتوصد عليهم الأبواب، ويمدد على الأبواب العمد.
стр. 1289
تفسير سورة الفيل [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾
روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة (١) النجاشي بني كنيسة بصنعاء اليمن، وسمّاها "القليس" وأراد أن يصرف إليها حج العرب، فخرج رجل من كنانة، فقعد فيها ليلا، فأغضبه ذلك، وقيل: أججت رفقة من اليمن نارا، فحملتها الريح فأحرقتها، فحلف أبرهة ليهدمن الكعبة فخرج بالجيش، ومعه فيل له اسمه: محمود وكان قويّا عظيما، واثنا عشر فيلا. وقيل: ثمانية، وقيل ألف فيل. وقيل: لم يكن معه غير محمود، فلما بلغ المغمّس (٢) خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال تهامة؟ ليرجع فأبى، وعبّأ جيشه، وقدم الفيل، وكانوا كلما وجهوه برك وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيرها من الجهات هرول، فأرسل الله طيرا سودا، وقيل: خضرا، وقيل: بيضا مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة. وعن ابن عباس أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة، كالجزع الظفاري (٣) فكان الحجر يقع على رأس الرجل، فيخرج من دبره، ففروا وهلكوا في كل طريق ومنهل. وأما أبرهة فتساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره أبو يكشوم، وطائر يحلق فوق رأسه حتى بلغ النجاشي فقص عليه، فلما فرغ من القصة ألقى الطائر عليه الحجر فهلك بين يدي النجاشي (٤).
стр. 1290
وقيل: كان أبرهة جد النجاشي الذي كان على عهد رسول الله ﷺ بأربعين سنة. وعن عائشة قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان (١). وقيل: إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير (٣٤٨ /أ) فجاء عبد المطلب إلى أبرهة وكان عبد المطلب رجلا وسيما جسيما، فقيل لأبرهة: هذا سيد قريش يطعم الناس في السهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فقال له أبرهة: ما حاجتك؟ قال: إبل لي أخذها جندك. فقال له أبرهة: نقصت من عيني، جئت لأهدم ما فيه شرفك وشرف أسلافك، فلم تكلمني فيه، وكلمتني في إبل يسيرة! فقال: أنا رب الإبل، ولهذا البيت رب يمنعه منك. فقال: ما كان ليمنعه مني. ثم رجع عبد المطلب، وضرب حلقة الباب وقال:
لا همّ إنّ العبد يمنع رحله فامنع حلالك ... لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم عدوا محالك
إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدالك ... يا ربّ لا أرجو لهم سواكا
يا ربّ فامنع منهم حماكا
إن عدوّ البيت من عاداكا.
فبينما هو يدعو إذ جاءت الطير من قبل اليمن. وفي القصة: أن أبرهة احتاط على أموال أهل مكة، وجمع عبد المطلب من أموالهم شيئا كثيرا، فكان سبب يساره (٢).
والمعنى بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أنك رأيت بعض آثار رحمة الله وسمعت الأخبار فيه متواترة، فقامت لك مقام الرؤية. و ﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصب ب ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿أَلَمْ تَرَ؛﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ كقوله: ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (٣) وقيل لامرئ القيس: الملك الضليل؛ لأنه ضلل ملك
стр. 1291
أبيه (١)، يعني: أنهم كادوا البيت أولا ببناء كنيستهم "القليس"، وأرادوا أن ينسخوا حاله بصرف الحج إلى كنيستهم، فرد الله كيدهم وأهلكهم، وأرادوا ثانيا أن يهدموا الكعبة.
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾
﴿أَبابِيلَ﴾ جماعات متفرقة الواحدة: إبالة، ومنه المثل: إنها لضغث على إبالة (٢).
و ﴿سِجِّيلٍ﴾ علم الديوان أعمال الكفار، كأنه قال: بحجارة من جملة العذاب الذي قدر وقوعه. والعذاب يوصف بالإرسال؛ ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً﴾ (٣) وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ﴿مَأْكُولٍ﴾ (٣٤٨ /ب) أكلته الدود، أو تبن أكلته الدواب وراثته ولكنه جاء على ما عليه آداب القرآن؛ كقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ (٤).
***
стр. 1292
تفسير سورة قريش [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣)﴾
قوله: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين، ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ لما في الكلام من معنى الشرط.
المعنى: أن نعم الله عليهم كثيرة جدّا، فلا يحصونها، فإذا لم يعبدوه لنعم كثيرة، فليعبدوه لأجل هذه النعمة. وقيل: المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش.
وقيل: هو متعلق بما قبله، بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (١) وهذا بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعليقا لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة. وروي: أن عمر قرأهما في الركعة الثانية من صلاة المغرب وقرأ في الأولى بالتين والزيتون (٢). والمعنى: إنه أهلك الحبشة الذين قصدوا هدم كعبتهم حتى انتظم لهم الأمر في رحلتيهم، وكانت قريش يرحلون في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون؛ لأن مكة واد غير ذي زرع، كان أهل مكة آمنين في رحلتيهم لا يعارضهم أحد ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٣). و ﴿قُرَيْشٍ﴾ ولد النضر بن كنانة سموا باسم القرش، وهي دابة عظيمة من البحر تعبث بالسفن. وعن ابن عباس: أنه سئل: لم سميت قريش؟ قال: بدابة في البحر تأكل، ولا تؤكل، وتعلو، ولا تعلى وأنشد [من الخفيف]:
وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا
تأكل الغثّ والسمين ولا ... تترك فيه لذي المخالب ريشا
стр. 1293
هكذا في الكتاب حيّ قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا
ولهم آخر الزمان نبيّ ... يكثر القتل فيهم والحموشا (١)
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾
﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ الجذام فلا يصيبهم ببلدهم، ومن بدع التفاسير: آمنهم من أن تكون الخلافة في غيرهم (٢).
***
стр. 1294
تفسير سورة أرأيت [الماعون] [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣٤٩ /أ)
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥)﴾
﴿فَذلِكَ الَّذِي﴾ يكذب بالجزاء إن تعرفه فهو الذي يدعّ اليتيم يدفعه دفعا ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ (١). ﴿وَلا يَحُضُّ﴾ ولا يبعث أهله على إطعام المسكين، يعني: إنه لو آمن بالجزاء إيمانا يقينا، لما دعّ اليتيم، ولحثّ على إطعام المسكين.
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ الذين يسهون عن الصلاة تهاونا بها، حتى يخرج وقتها، والفرق بين قوله: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ والمراد: الإعراض عنها وبشأنها، وبين قوله: هو في صلاته ساه، أن السهو يجبر في الصلاة، فتكمل والتي سها عنها حتى خرج وقتها لا يخلص من ذلك إلا بالتوبة. وقوله:
﴿الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)﴾
﴿يُراؤُنَ﴾ من باب المفاعلة؛ لأن المرائي يري الناس أنه عمل لله، والناس يرونه الثناء عليه، واستحسان ما يفعل.
﴿الْماعُونَ﴾ الزكاة. وقيل: الماعون: ما يعين الناس به بعضهم بعضا بالعارية، وهي القدر والدلو والمقدحة وغيرها. وقيل: الماء والنار والملح.
***
стр. 1295
تفسير سورة الكوثر [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾
الكوثر: فوعل من الكثرة قال [من الطويل]:
وأنت كثير يابن مروان طيب ... وكان أبوك ابن الأكارم كوثرا (١)
وقيل: الكوثر: نهر في الجنة. وقيل: ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، حافاته الزبرجد وأوانيه من فضة، عدد نجوم السماء، لا يظمأ من شرب منه أبدا، أول وارد عليه فقراء المهاجرين الذين لا يزوجون المنعّمات، ولا تفتح لهم السدد (٢) يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره لو أقسم على الله لأبره (٣). وقال ابن الزبير لابن عباس: إن ناسا يقولون: هو نهر في الجنة فقال:" الذي في الجنة من ذلك الخير " (٤) وقيل: هي جنس الصلاة. والنحر: وضع اليمني على الشمال. ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ﴾ في الدنيا خيرا كثيرا، فجعلناك تابعا لهداية ملك الملوك. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ فإن الصلاة عماد الدين (٥).
﴿وَانْحَرْ﴾ بدنك لله خالصا مخالفا لما كانت العرب ينحرون للطواغيت وأن من يبغضك
стр. 1296
ويشنؤك هو دونك.
﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾
وروي أن العاص بن وائل قال: إن محمدا لا عقب له، فسيموت ويخمد ذكره، فإنه أبتر فأنزل الله - تعالى -: ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (١).
***
стр. 1297
تفسير سورة الكافرون (٣٤٩ /ب) [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾
قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون. روي أن رهطا من قريش قالوا: يا محمد هلم فاتبع ديننا، ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. فقال:" معاذ الله أن أشرك بالله غيره "، فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك، ونعبد إلهك، فنزلت (١) فغدا إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم، فقرأها عليهم، فأيسوا منه. ﴿لا أَعْبُدُ﴾ في المستقبل.
﴿وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ﴾ في الماضي ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ في الماضي. وقيل: ﴿لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ لا ينبغي أن أعبد ما تعبدون، ولا يتأتي لكم أن تعبدوا ما أعبد. ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ لكم شرككم، ولي توحيدي.
***
стр. 1298
تفسير سورة النصر [مدنية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً (٣)﴾
﴿إِذا﴾ منصوب ب" سبح "وهو لما يستقبل من الزمان والإعلام بذلك قبل حضور وقته من أعلام النبوة، وروي: أنها نزلت في أيام التشريق في" منى "في حجة الوداع (١).
النصر: الإغاثة والإعانة على العدو، وأما الفتح: فهو الاستيلاء على الأماكن التي كانت خارجة عن اليد. وكان فتح مكة لعشر مضين من رمضان سنة ثمان ومع رسول الله ﷺ عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، ثم خرج إلى هوازن.
﴿فِي دِينِ اللهِ﴾ أي: إلى ملة الإسلام. ﴿أَفْواجاً﴾ جماعات كثيفة، كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون فيه واحدا بعد واحد، فإن قلت: ما محل ﴿يَدْخُلُونَ؟﴾
قلت: النصب إما على الحال، إن جعلت الرؤية رؤية عين، أو على أنه مفعول ثان لرأيت. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فقل سبحان الله، حامدا له. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ واطلب منه المغفرة.
﴿إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ وعن ابن عباس: كان عمر يقدمه ويأذن له مع أهل بدر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتأذن لهذا الفتى ولنا أبناء مثله. فقال: إنه ممن قد علمتم. ودعاني يوما، وسألهم عن قوله: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ،﴾ ولا أراه سألهم إلا من أجلي، فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا فتح عليه مكة (٣٥٠ /أ) أن يستغفره، ويتوب إليه. قلت: ليس كذلك، ولكن نعيت إليه نفسه. فقال عمر: ما أعلم منها إلا مثل ما يعلمه، ثم قال: كيف تلومونني بعد ما ترون" (٢).
وعن ابن مسعود: "إن هذه السورة تسمى سورة التوديع" (٣).
﴿كانَ تَوّاباً﴾ أي: كان في الأزل الذي لا أول له توابا.
стр. 1299
تفسير سورة تبت [المسد] [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾
المراد بقوله: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ هلاك جملته. روي أنه لما نزل ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) صعد النبي ﷺ الصفا. فقال: يا صباحاه. فاجتمع عليه الملأ من قريش، فقال لهم: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب:
تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ (٢).
وإنما كنّاه، والكناية تكرمة، إما أن يكون مشتهرا بالكنية دون الاسم، وإما لأن اسمه كان عبد العزى، فعدل عن هذا الاسم القبيح، إلى أبي لهب، وإما لأنه كان ذا مال، وماله إلى نار ذات لهب، فوافقت حاله كنيته.
وقيل: كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به، وبافتخاره بذلك. ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ﴾ الذي كسبه وما ورثه من أبيه. ﴿سَيَصْلى﴾ تحقيقا للوعيد، وأنه كائن لا محالة، وإن تراخى وقته.
﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ هي أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان وكانت تحمل حزمة من الشوك، فتطرحها في طريق رسول الله ﷺ والمؤمنين. وقيل: كانت تمشى بالنميمة، وقد توسل إلى رسول الله بجميل من أحب شتم أم جميل. الجيد: العنق. المسد: الذي فتل من الحبال فتلا شديدا، من ليف أو جلد أو غيرهما، ويحتمل أن يكون حالها في جهنم كحالها في الدنيا، مجموع إليها حزمة من حطب متقدة نارا عليها؛ لجرأتها بفعلها.
***
стр. 1300
تفسير سورة الإخلاص [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)﴾
﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن، و ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ هو الشأن. وقيل: إن قريشا قالت للنبي ﷺ :
صف ربك الذي تأمرنا بعبادته؛ أمن ذهب هو أم من حديد؟ (٣٥٠ /ب) فنزلت (١) يعني:
الذي سألتموني وصفه هو الله أحد.
﴿اللهُ﴾ بدل من أحد ﴿الصَّمَدُ﴾ المقصود، من صمد إليه: إذا قصده، والمعنى: هو الله الذي تقرون بأنه خالق السماوات والأرض. ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه ليس بجنس حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا؛ كقوله: ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ (٢).
﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأن كل مولود محدث، وجسم، وهو قديم لا أول لوجوده، ليس بجسم، ولم يكافئه أحد، أي: لا يماثله ولا يشاكله، ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح؛ نفيا للصاحبة سألوه أن يصفه لهم، فأوحى إليه ما يحتوى على صفاته، فقوله: ﴿هُوَ اللهُ﴾ إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء. فإن قلت: الكلام الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو، ويقدم الاسم، ويؤخر الخبر؟ قلت: هذا الكلام إنما سبق لنفي المكافأة عن ذات الباري، وهذا المعنى مصبّه ومركزه هو هذا الظرف فكان لذلك أهم شيء وأعناه وأحقه بالتقديم وأحراه. وتسمى سورة الأساس؛ لاشتمالها على أصول الدين.
***