← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨)﴾ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ يعني: محمدا ﷺ على ما أوتي من النبوة. وفي قوله: ﴿جُلُوداً غَيْرَها﴾ قولان: أحدهما: يخلق الله لهم جلودا جديدة ليذوقوا العذاب. والقول الثاني: غيّر الله صفات تلك الجلود المحترقة فرجعت كأن النار لم تمسها؛ إذ لا يعذب إلا الجلود التي عصي الله بها. وقوله: ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾ جعل تغير الصفات بمنزلة تغير الذات. تقول: جاء فلان بوجه غير الوجه الذي ذهب به، ومثل هذين القولين في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وفي كون الظل ظليلا وجهان: أحدهما: ظل مضاعف. والثاني: ظل لا تنسخه شمس، بل هو دائم الثبوت لا يتغير. لما فتح رسول الله ﷺ مكة طلب مفتاح الكعبة من عثمان بن أبي شيبة (١) فأبى أن يعطيه فلوى عليّ يده، وأخذه منه قهرا، فلما قضى رسول الله ﷺ حاجته من الدخول في الكعبة سأل العباس رسول الله ﷺ أن يوليه السدانة (٢) ويعطيه المفتاح، وقال: اجمع لي بين السدانة والسقاية، فأنزل الله ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ فأمر النبي ﷺ عليّا، فرد المفتاح إلى عثمان بن أبي شيبة، فقال: أخذت بقوة وآذيت ثم جئت ترده فقال: قد أنزل الله - تعالى - في شأنك هذه الآية، فقال: إن هذا لدين شريف فأسلم، وتقرر مفتاح الكعبة

стр. 177

بيد بني شيبة إلى الآن (١). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)﴾ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ هم الحكام القائمون بأحكام الشريعة وقيل: هم أمراء الأجناد وقيل: هم العلماء. قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أحسن عاقبة؛ كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]. كان بين يهودي ومسلم منازعة، واليهودي محق، فطلب اليهودي المحاكمة إلى محمد ﷺ ، وطلب المسلم المحاكمة إلى كعب بن الأشرف اليهودي؛ لعلمه أن كعب بن الأشرف يقبل الرشا، فنزلت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية (٢). وروي: «أن المسلم واليهودي وأصحابهما مروا على عمر بن الخطاب فسأل عن خبرهم، فسألوه أن يصلح بينهم، فقال: رويدكم، ثم دخل فأخذ سيفه وضرب المسلم حتى برد (٣)، وقال: هكذا أحكم فيمن امتنع من طاعة الله، وطاعة رسوله فسمي عمر الفاروق لذلك؛ لأنه فرق بين الحق والباطل (٤).

стр. 178

واعتذر أصحاب المسلم المنافق، وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى كعب إلا أن يصلح بينهم، وهو معنى ﴿ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ الآية، فأكذبهم الله - تعالى. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ أي: قولا مؤثرا في أنفسهم؛ لغلاظته وقوته. ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)﴾ وحكى العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فسلم، وقال: يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ قد جئتك مستغفرا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشد [من البسيط]: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهنّ القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال العتبي: فنمت، فرأيت النبيّ ﷺ ، فقال: يا عتبي، أدرك الأعرابي وبشره بالجنة (١). ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ لا زائدة، أي: فو ربك لا يؤمنون. كان بين الزبير وبين رجل من الأنصار تشاجر في مسقى ماء، وكانت أرض الزبير عالية، وأرض الأنصاري مستفلة، فتحاكما إلى رسول الله ﷺ ، فقال: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؛ فإن الزبير هو ابن صفية عمة النبي ﷺ ، فتغيّر وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: اسق يا زبير واحبس الماء حتى (٣٦ /أ)

стр. 179

يصل إلى الجدر» (١) فكان في الحكم الأول قصد الإصلاح بينهما، فلما أغضب الأنصاري رسول الله ﷺ استوعب له جميع حقه. كذا قالوا. وفيه دليل على أن القاضي يجوز أن يقضي وهو غضبان فنزلت هذه الآية في حديث الزبير والأنصاري. والتشاجر: الاختلاط بين المتخاصمين؛ لأن كلام هذا يختلط مع كلام هذا. ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً (٧٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)﴾ جعل الله الخروج من الأوطان قرين القتل؛ كما جعله في سورة الحشر قرين التعذيب. ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ [الحشر: ٣] وعن عمر: لو كلفت أن أقتل نفسي لفعلت، ولكن الله رحيم، ولم يكلفنا ذلك، فعمر من القليل (٢).

стр. 180

﴿ثُباتٍ﴾ أي: جماعات في تفرقة كأشتات وأبابيل، وواحده: ثبة. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملة معترضة بين القول والمقول. ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي: يبيعون الحياة الدنيا، ويستبدلون بها الآخرة فالذين يشرون فاعل، ويشرون بمعنى يبيعون. وقيل: الذين مفعول، ويشرون بمعنى يبتاعون. أي: فليقاتل رسول الله الذين يشرون. والأول أصح؛ لقوله بعده: ﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ وقوله: ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وفي سبيل تخليص المستضعفين. ﴿الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ مكة قبل أن يفتحها رسول الله ﷺ . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨)﴾ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ وضعفه من جهة أنه لا يقدر على إلزامك بما وسوس به إليك، فقبول وسوسته من سوء نظر الناظر، لا من قوة فعل الشيطان. كان الإسلام في ابتدائه قليل الناصرين فنهي المؤمنون عن القتال؛ لقلتهم، ولما كثر المؤمنون وأمروا بالقتال كرهه بعضهم، فنزلت هذه ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ (١) أي: كخشيتهم الله. وقوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ لابد من تأويله؛ لأن أفعل التفضيل إن أضيفت، وخفضت ما بعدها، كان الموصوف بأفعل جزءا مما أضيفت إليه، وإن نصب ما بعدها، لم يكن الأول جزءا من الثاني، فإذا قلت: هذه النخلة أطيب من هذه رطبا جاز؛ لأن لها رطبا. ولو قلت: هذه النخلة أطيب رطب، لم يجز؛ لأنه يقتضي أن تكون النخلة رطبا وإذا قلت: زيد

стр. 181

أكرم أب، فزيد أب، وهو أكرم الآباء. وإن قلت: زيد أكرم أبا، فلزيد أب وأبوه أكرم الآباء. ففي هذه الآية كأنه حصل للخشية خشية مجازا، كقولهم: شعر شاعر، وذيل ذايل (١). ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنا﴾ هلا أخرتنا. ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: عالية. وقيل: مبنية بالشيد وهو الجير ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: نعمة ورخاء؛ كقوله: ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ليس المراد بالحسنة الطاعة، ولا بالسيئة المعصية ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يتشاءمون به، ويقولون: ما أصابنا هذا السوء إلا منك حين جئتنا؛ كقول ثمود لصالح: ﴿اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧]. وكقول أهل أنطاكية لأصحاب عيسى: ﴿إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ [يس: ١٨]. ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٨١) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً (٨٣) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)﴾ ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي: من نعمة وعافية ورخاء ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ وأنت لا تستحقه ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي: من شدة ومرض وقحط فمن نفسك أي: بذنوب أتيتها، فعوقبت عليها بذلك ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿وَمَنْ تَوَلّى﴾ فعاقبه الله، ولست بمسؤول عنه ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أمرنا ﴿طاعَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ لكنه كتاب أحكمت آياته، وما نظر المقصر من أن فيه اختلافا في بعض المواضع فهو من سوء فهم

стр. 182

الناظر [من الوافر]: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم (١) كان المنافقون يلقون في عسكر المسلمين أخبارا ردية عن السرايا، ويذيعون ذلك، فيحصل الوهم في قلوب المؤمنين، وكان ينبغي إذا اطلعوا على خبر أن يطلعوا عليه أكابر الصحابة وأمراء الأجناد، فيعلمون صحته أو فساده، ويعلمون ما ينبغي أن يذاع منه وما ينبغي أن يخفى. والاستنباط: إخراج الماء بالحفر عليه. ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ هذا يوهم أن ثم قليلا استغنوا عن فضل الله ورحمته، ومعاذ الله من ذلك، بل التقدير: أذاعوا به إلا قليلا، أو لعلمه الذين يستنبطون إلا قليلا. أو لكان أكثركم (٢٧ /أ) يتبعون الشيطان، لكن فضل الله ورحمته صار بها جعل اتباع الشيطان أقل، واتباع الحق أكثر. ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً (٨٧) فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩)﴾ ادعى بعض المفسرين أن النصيب يستعمل في الخير والشر، وأن الكفل لا يستعمل إلا في الشر، واحتج بهذه الآية، ويرد عليه قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٢).

стр. 183

وابتداء السلام سنة، وجوابه فرض كفاية، إذا قام به بعض سقط عن الباقين، وإذا التقى رجلان، أو قال أحدهما للآخر: سلام عليكم، وقال الآخر كذلك في وقت واحد، وجب على كل واحد منهما الرد على صاحبه. وسلام المتاركة لا يقتضي جوابا؛ لقوله: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣] ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] وكذلك إذا انصرف عن جماعة فقال سلام عليكم، لم يستحق جوابا ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ قيل: يجمعنكم في البرزخ، جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، إلى يوم القيامة. ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. وقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة وأظهروا الإسلام، ثم رجعوا إلى مكة، فأظهروا الشرك. وقيل: في قوم أظهروا الإسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين على المسلمين. وقيل: في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها (١) ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾: ردهم، ومنه سمي الرجيع ركسا. «وذهب رسول الله ﷺ لقضاء حاجته وقال لرجل: ابغني أحجارا أستنقص بها. فأتاه بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس» (٢). أي: رجيع. وقيل: أركسهم عذبهم وأهلكهم. وقيل: أوقعهم. وقيل: أضلهم. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ أي: أمان وعهد، فلهم منه مثل ما لكم.

стр. 184

﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قال قوم: حصرت في موضع الحال، وسيبويه يرى أن الفعل الماضي لا يكون حالا إلا مع قد والواو، أو مع قد وحدها (١). وقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ هاهنا دعاء عليهم، فقيل له: يحسن أن يدعى عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالكم؛ فإن ذلك مصلحة للمسلمين، ولا يحسن أن يدعى عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتال قوم فإنهم إذا لم تحصر صدورهم عن قتال قوم وقعت الفتنة بين المشركين وذلك مما يوهن المشركين وينفع المؤمنين فكيف يدعى عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتال قومهم (٣٧ /ب) قال سيبويه (٢): إنما دعا عليهم بالضعف والوهن؛ حتى لا يقدروا عن قتالهم، ولا قتال قومهم. ووهنهم وضعفهم مما ينتفع به المؤمنون. وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ قيل: إنه منسوخ بآية السيف. قوله - تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ قيل: من أهل مكة. وقيل: من أهل تهامة. وقيل: من المنافقين. وقيل: هو نعيم بن مسعود الأشجعي ومن تابعه. ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢)﴾

стр. 185

وقوله: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً﴾ قيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة (١) قتل رجلا كان يعذب عياشا على إسلامه، فضربه عياش، ولم يشعر بأنه أسلم (٢). وقيل: في أبي الدرداء (٣) قتل رجلا من المشركين بعد أن قال: لا إله إلا الله، فشك في إسلامه، هل هو خوفا من السيف، أو رغبة في الإسلام (٤). وفي قوله: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قولان: أحدهما: أنه أراد الإيمان حقيقة، فلا يقبل في الرقبة إلا من بلغت وآمنت وصلّت وصامت. والثاني: تقبل من حكم بإيمانها، فيجزئ عتق الصغير الذي حكم بإسلامه تبعا لأبويه. ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ أي: عقد ذمة. والثاني: أمان. والثالث: أنه عام في كل ما يمنع القتل؛ كمجيء الحربي في رسالة أو تجارة. قوله - تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ وصوم الشهرين بدل من العتق خاصة. قال الماوردي (٥): وعن مسروق (٦): أن صوم الشهرين بدل من الدية والعتق معا (٧). ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)﴾

стр. 186

قوله - تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ قيل: نزلت في مقيس بن صبابة (١) قتل أخوه وصولح على الدية فأخذها، ورضي بها، ثم وجد قاتل أخيه، فقتله فأمر رسول الله ﷺ بقتل مقيس، وإن كان متعلقا بأستار الكعبة، فوجد كذلك فقتل (٢). وابن عباس يرى أن القاتل عمدا لا تقبل توبته (٣) وظاهر كلام ابن زيد موافقته (٤). وقال: نزلت الآية الشديدة، يعني: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ بعد الهدنة، يعنى: قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٧٠) [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وكان قد ظن آية النساء ناسخة لآية الفرقان، وهذا ليس بنسخ، بل هو تقييد مطلق، والتقدير: فجزاؤه جهنم خالدا فيها إن لم يتب. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ نزلت في سرية بعثهم النبي ﷺ إلى طائفة من الكفار، فنزل رجل منهم إلى المسلمين، فقال: السلام عليكم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أنا مسلم، فقتلوه (٣٨ /أ) وأخذوا غنيمات له فلما رجعوا، وأخبر النبي ﷺ بالحال قال لقاتله: لم قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟! فقال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذا. فقال: هلا شققت عن قلبه؟! ثم حمل رسول الله ﷺ ديته إلى ورثته، وأعاد عليهم غنمه (٥). واختلفوا في القاتل من هو؟

стр. 187

فقيل: أسامة بن زيد (١). وقيل: المقداد بن الأسود (٢). وقيل: أبو الدرداء. وقيل: عامر بن الأضبط (٣). وقيل: محلّم بن جثامة (٤) .. نقل هذه الأوجه الماوردي (٥). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧)﴾ ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كفارا تستباح دماؤكم، وإنما عصمكم الله بلا إله إلا الله، فلم لا قبلتم عصمة هذا الذي شهد بالوحدانية؟ ويقال: «إن القاتل لفظته الأرض، ثم دفن، فلفظته ثلاث مرات، فقال النبي ﷺ : إن الأرض لتقبل من هو شر منه، وإنما

стр. 188

جعل الله ذلك عبرة لكم، ثم أمر أن يجعل على جثته أحجار تسترها» (١). نزل أولا: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجاهِدُونَ﴾ فجاء ابن أم مكتوم (٢) وشكا أنه ضرير عاجز عن الجهاد، فنزلت ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال زيد بن ثابت: كنت أكتبها عند النبي ﷺ وركبته على ركبتي، فثقلت عليّ حتى كادت ترض (٣) وركي من ثقل الوحي المنزل عليه، ثم قال: ألحقها في طرف الكتف (٤). فألحقتها (٥). ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بإقامتهم في دار الحرب، مع أنهم لا يقدرون على إظهار الأذان فيه، ولا صلاة الجمعة، ولا الجماعات في الصلوات، فمن قدر على إظهار الدين في دار الحرب جاز أن يقيم فيها، والأفضل أن يتحول عنها. ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠) وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١)﴾ ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ﴾

стр. 189

﴿لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)﴾ ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً﴾ الآية، نزلت في قوم هاجروا من مكة إلى المدينة، فأدركهم الموت قبل الوصول إلى المدينة، فقال المشركون: ما أدرك هؤلاء ما طلبوا، ولا بقوا على ما كانوا عليه، فأنزل الله - تعالى - ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾ الآية (١). ظاهر الآية يقتضي أنه لا يجوز قصر الصلاة في السفر إلا مع الخوف، قال عمرو بن أمية الضمري (٢): قلت لعمر بن الخطاب: ما بالنا نقصر، وقد أمنّا؟ فقال: عجبت مما عجبت منه يا ابن أخي، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: صدقة تصدق بها الله عليكم، فاقبلوا صدقته (٣). وظاهر الآية التي تليها (٤) أن صلاة الخوف إنما تجوز إذا كان الرسول فيهم، وقد صلت الصحابة صلاة الخوف (٣٨ /ب) بعد رسول الله ﷺ . وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ قيل: هو أمر إيجاب. وقيل: هو إرشاد إلى المصالح، فيكون حمل السلاح في صلاة الخوف واجبا على الأول، مستحبّا على الثاني. وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ وأخذ الأسلحة حقيقة، وأخذ الحذر مجاز. ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦)﴾ ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ﴾

стр. 190

﴿اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣) لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤)﴾ روي: «أن طعمة بن الأبيرق (١) سرق درعا في جراب، وفي الجراب دقيق، وفي الجراب ثقب، فتبدد الدقيق في الطريق فجاء طعمة بالدرع إلى بيت زيد السمين اليهودي فأودعه عنده، فلما طلب صاحب الدرع درعه فلم يجده فتتبع أثر الدقيق في الطريق فهداه إلى بيت زيد السمين، فطلبه منه، فقال: أحضره إليّ طعمة بن الأبيرق، فتحاكموا إلى رسول الله ﷺ ، وصار مع طعمة جماعة، ومع زيد جماعة. وقالت طائفة المسلمين: يا رسول الله، احكم على زيد السمين، فإن القصص أدى إلى داره، وافتضاح اليهودي أولى من افتضاح المسلم، وجادلوا عن طعمة، وأكثروا حتى خطر ببال النبي ﷺ يوافقهم على رأيهم، فنزلت هذه الآيات ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ (٢) أي: بما علمك ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ أي: مخاصما معهم الطائفة الأخرى. ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ مما خطر ببالك من ذلك ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يوقعونها عن الخيانة، وهم طعمة وأصحابه.

стр. 191

﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ﴾ في التحامل على زيد السمين، ثم عرض لطعمة بالتوبة بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيات ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ أي: يحملونك على التحامل على زيد السمين ثم اجتمع أصحاب طعمة يتشاورون، فنزلت ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾. وفي الحديث: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر لله - تعالى» (١). ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥) إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩)﴾ ثم إن طعمة افتضح، ولحقه الحياء فرجع إلى مكة، وكفر بعد إسلامه ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (١١٥) (٢). ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ هذه الآية مطابقة لمذهب أهل السنة في أن الله - تعالى - لا يغفر الشرك إلا بالإسلام، وأما الكبائر والصغائر فأمرها موكول إلى المشيئة إن شاء الله عذب، وإن شاء عفا، ومذهب المعتزلة: أن من مات وفعل كبيرة ولم يتب أو أصر على

стр. 192

صغيرة، فهو مخلد في النار، ولا يدخل الجنة أبدا، واحتجوا بقوله - تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (٣١) [النساء] وهو الجنة فمن لم يجتنب الكبائر لا يدخل المدخل الكريم عندهم (١). والضال عن الطريق متى كان قريبا منها، تيسّر عوده إلى الطريق، ومتى بعد عن قصد الطريق، تعسّر عوده إليها، فشبه الله ضلال هؤلاء بالضلال إلى مكان بعيد عن الطريق كانوا يسمون أصنامهم بأسماء الإناث ويقولون: أنثى بني فلان، يعني: صنمهم؛ لأنهم كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدون الملائكة، وكانوا يسمون الملائكة تسمية الأنثى ﴿إِنْ يَدْعُونَ﴾ بدعائهم الأصنام ﴿شَيْطاناً مَرِيداً﴾ عاريا من الخير، يقال: شجرة مردا: إذا سقط ورقها. وصرح ممرد: أي: زجاج أملس، وسمي ماردا؛ لخلوه عن الخير، والأمرد أمردا؛ لخلو وجهه عن الشعر. ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ قيل: بالخصاء. وقيل: بالوسم. والتبتيك: القطع، يريد به البحائر، وكانوا إذا ولدت الناقة عشرة أبطن بحروا أذنها، أي: شقوها، وتركوها، لا يركبها أحد (٢). ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً (١٢٢) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧)﴾ ﴿غُرُوراً﴾ مفعول من أجله. ﴿مَحِيصاً﴾ مخلصا، نصب على المصدر. القيل والقول

стр. 193

والقال بمعنى واحد. ﴿لَيْسَ﴾ حصول الثواب وخير الدنيا والآخرة حاصلا ﴿بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ بل ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ والنقير: نقرة في ظهر النواة ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: أخلص عمله ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ مائلا عن كل مذهب إلا الإسلام. قيل: سمي الخليل خليلا بما قاله الشاعر [من الخفيف]: قد تخلّلت مسلك الرّوح منّي ... وبهذا سمّي الخليل خليلا (١) ﴿مُحِيطاً﴾ عالما ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ ويفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب فما: فاعل لفعل مضمر. قالت عائشة ﵂: نزلت في اليتيمة تكون في حجر الرجل، فيريد أن يتزوجها، ولا يوصلها إلى مهر مثلها، فنهوا عن تزويجهن إلا أن يقسطوا لهن الصداق، وفي المستضعفين من الولدان وفي أن تقوموا لليتامى بالعدل (٢). ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠) وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١)﴾ يقال: نشزت المرأة على زوجها، ونشز الزوج على امرأته، ومنه هذه الآية ﴿خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً﴾. ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ يعني: أنه قريب منها، غير بعيد عنها. ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ عشرة النساء ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النشوز والإعراض. وقوله: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ يشير إلى أن العدل بكل طريق متعذر، كما قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ فما لا يقدر عليه من ذلك مسموح به، وهو مفهوم من قوله: ﴿فَلا تَمِيلُوا﴾

стр. 194

﴿كُلَّ الْمَيْلِ﴾. وقوله: ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ التي هي غير مزوجة وغير مطلقة. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ وما روي عن الحسن بن علي ﵁ أنه كان منكاحا مطلاقا، ويقول: وعد الله الغنى في كل واحد من الأمرين؛ أما النكاح فقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الآية إلى أن قال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ﴾ [النور: ٣٢] وأما في الطلاق فلهذه الآية - بعيد جدّا؛ فإن الطلاق لا يلتمس به الرزق، وليس المراد ها هنا كثرة المال، بل المراد غنى أحدهما عن صاحبه (١). وكان الله واسع العطاء، جعل الأمر بالتقوى عاما في الشرائع ﴿وَكانَ اللهُ غَنِيًّا﴾ عن عبادتكم محمودا تحمده أهل السماوات والأرض. ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨)﴾ ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ ففوض الأمور إليه وهو الغني القادر الرحمن كما قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ (٩) [المزمل] ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ فليطلبه من الله فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ بالعدل ﴿شُهَداءَ لِلّهِ﴾ كقوله - تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وأتى بصيغة المبالغة في قوله: ﴿قَوّامِينَ﴾ أي ليكن ذلك متكررا منكم. القياس فالله أولى به؛ لأن المراد أحدهما، لكن لما جرى ذكر

стр. 195

الفريقين أعاد الضمير عليهما ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ كراهة أن تعدلوا ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ يقال: لويت الرجل إذا مطلته بحقه. وقرئ (وإن تلوا) بواو واحدة (١) من الولي ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عن هذه القضية ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالكتاب الأول ﴿آمَنُوا﴾ بالقرآن. أو ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بألسنتهم ﴿آمَنُوا﴾ بقلوبكم، أو ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دوموا على الإيمان. ومثله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ ﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ﴾ اجعل مكان بشارة المؤمنين بالجنة إخبار هؤلاء بالتعذيب، فسماه باسم (٤٠ /أ) مقابله؛ كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] والمجازاة ليست بسيئة، ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ [السجدة: ١٤]. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥)﴾ ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ فلتطلب منه دون غيره، كقوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ [فاطر: ١٠] ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ أي: في سورة الأنعام قوله: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا﴾ [الأنعام: ٦٨] إلى قوله: ﴿الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].

стр. 196

فإن سورة الأنعام مكية، وسورة النساء مدنية؛ فلذلك قال فيها: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ إذا رضيتم قولهم. ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ﴾ ينتظرون، وسمي ما يناله المؤمنون فتحا؛ تعظيما لجزائهم بالخير. ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ﴾ أي: نستولي عليكم. ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ قيل: المراد ما ذكره آنفا من تسمية الشيء باسم مقابله. وقيل: يعطون في القيامة نورا ويسعى المؤمنون في نور أعمالهم، ثم يضرب بينهم بسور، وينطفئ نور المنافقين. وقيل: تفتح أبواب النار، فيهمون بالخروج، فتغلق أبوابها دونهم. ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ قال النبي ﷺ : «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه أخرى» (١). منازل النار تذهب إلى أسفل، وتسمى دركات، والمنافقون في الدرك الأسفل منها ومنازل الجنة تذهب علوّا، وتسمى درجات. وشرط في توبة المنافقين الإصلاح والاعتصام بالله وإخلاص الدين لله، فلما تكاملت هذه الشروط أعرض عنهم وقال: هؤلاء إذا استكملت شروط توبتهم يكونون مع المؤمنين. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧) لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)﴾ ﴿وَسَوْفَ﴾ أكافئ المؤمنين بالخير، وهذا يدل على غضب شديد فإنه وإن قبل توبتهم،

стр. 197

يعرض عنهم. أي شيء ﴿يَفْعَلُ اللهُ﴾ بتعذيبكم إن كنتم مؤمنين شاكرين فإنه - تعالى - شاكر يثيب على العمل اليسير بالجزاء الكثير، ويضاعف الثواب حتى يكون بقدر سبعمائة ضعف. قال بعض المفسرين من التابعين: يجوز لمن شتم أن يرد على من شتمه قبله، فإن ظاهر هذه الآية يقتضي أن من ظلم جاز له الجهر بالسوء من القول. وقد أعمل المصدر الذي هو الجهر في الجار والمجرور، فادعى بعض النحويين أنه ليس في القرآن إعمال المصدر المعرف بالألف واللام إلا في هذا الوضع، وليس بصحيح؛ لأن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى أن قال: ﴿أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] إنه ظرف والعامل فيه الصيام المعرف بالألف واللام (١). وقوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً﴾ (٤٠ /ب) ليس جوابا للشرط؛ لأن وصفه بالعفو والقدرة مستمر سواء أبدوا خيرا أو أخفوه، أو عفوا عن سوء أو لم يعفوا، والتقدير: أو تعفوا عن سوء فقد اتصفتم بصفات الحق ﷻ في العفو والقدرة. في (أحد) معنى العموم؛ فلذلك دخلت من عليها، ولفظة بين تستدعي شيئين فصاعدا. ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣)﴾ ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ﴾

стр. 198

﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦)﴾ ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ﴾ بعد أن أتيتهم بآيات تدل على صدقه وادعاء النبوة، فلا وجه لاقتراحهم آيات أخر، كما لو قامت بينة على خصم بحق فقال: أريد أن يشهد فلان وفلان فإنه لا يسمع منه هذا الاقتراح بعد قيام البينة. ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ تعنتا بعد رؤيتهم انفراق البحر، وانقلاب العصا حية، واليد السمراء بيضاء، من غير سوء. وأصل أرنا: أرءنا، حذفت الهمزة؛ لكثرة دورانها على الألسنة، كما حذفت في قوله يرى، وأصله: يرءى، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء التي قبلها، فصارت أرنا ﴿جَهْرَةً﴾ عيانا ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ توهّم الزمخشري (١) أن رميهم بالصاعقة كان عقوبة لهم لسؤالهم الرؤية المستحيلة عنده، وإنما هو لتعنتهم، وطلب آيات أخر بعد رؤية الآيات السابقة. ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلها ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ بأن الله - تعالى - ليس بجسم، ولا مصور. وقوله: ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ﴾ أي: أخرنا عقوبته وإلا فالله - تعالى - لا يعفو عن الشرك إلا بالإسلام. ﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً﴾ حجة ﴿مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ عهدا مؤكدا. (ما) في فبما: زائدة. أي: فبنقضهم ميثاقهم. مضى الكلام في قوله: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] هل هي جمع أغلف، أي: لا نفهم ما تقول. أو جمع غلاف، أي: قلوبنا أوعية للعلم حافظة فلا حاجة إلى ما جئت به. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨)﴾ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ﴾

стр. 199

﴿شَهِيداً (١٥٩)﴾ وقوله: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ إخبار من الله، وإلا فهم لم يقولوا إنه رسول، بل زعموا أنه ابن الله، أو هو الله، أو أحد الأقانيم الثلاثة (١) ﴿وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ألقى الله شبه عيسى على الذي دل عليه، فأخذ وصلب، فرفع الله عيسى إلى سمائه. ﴿بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ فيه وجوه: أنه عبد الله ورسوله قبل موت عيسى حين ينزل حكما عبدا (٢). وقيل: قبل موت الكتابي (٤١ /أ) يتبين له الحق، فيؤمن به حتى لا ينفعه إيمانه (٣). أو ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي (٤).

стр. 200

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢) إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣)﴾ ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يجوز أن يكون متعديا و (كثيرا) مفعول به، أي: وبمنعهم كثيرا عن الإيمان، وأن يكون صد لازما، ويكون كثيرا نعتا لمصدر محذوف، والتقدير: وبصدهم صدودا كثيرا حرمت عليهم محرمات كثيرة؛ لظلمهم وكذبهم، وقد بين ذلك في قوله: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (١٤٦) [الأنعام] أي: وهم الكاذبون في دعواهم: أن هذا التحريم كان شرعا مستأنفا، ولم يكن عقوبة. وقوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إن كانت شريعة من قبلنا شرعا لنا، فيجب الإيمان بكل جزء منها، إلا ما نسخ؛ كالسبت وأكل لحوم الإبل، وإن قلنا: إنه ليس شرعا لنا، فيجب الإيمان بأنها نزلت من عند الله، ولا يجب الإيمان بما فيها من الشرائع. وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ من باب عطف الصفات بالواو، وانقطاع بعضها بالنصب بإضمار أعني أو بالرفع بإضمار هو؛ كقول الشاعر [من الكامل]: لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر النازلين بكلّ معترك ... والطيبون معاقد الأزر (١) فعطف بالواو واقتطع. قوله: ﴿كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ التشبيه وقع في أصل

стр. 201

الوحي إليهم لا فى نفس المفروض. ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٦٩) يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)﴾ وقوله: ﴿وَرُسُلاً﴾ منصوب بفعل مضمر، أي: وأرسلنا رسلا قد قصصنا نبأهم بالحق، ورسلا لم نقصص نبأهم. وقوله: ﴿وَرُسُلاً﴾ الثاني بدل من الأول ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ فيقولوا ﴿ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ (١٣٤) [طه: ١٣٤] إلى آخر السورة. ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾ يعني: إن توقفوا على الشهادة لك، فالله يشهد، وفيه ما في قوله: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] قوله: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ لا يمتدح الله بالقدرة فإن في مخلوقاته الداخلة تحت قدرته ما هو أشد منهم، لكن المراد: أنهم هانوا عليه؛ لكفرهم، فهانت عقوبتهم، وهذا كقوله في نساء النبي: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٠] أي: تهون عليه عقوبتهن إذا فعلن ذلك. قد تقتضي التوقع، وإن كان الفعل بعدها ماضيا؛ لأنها لا تستعمل إلا حيث يكون ذلك الفعل مترقبا. ومنه قول المؤذن: قد قامت الصلاة ولا تقول: قد ركب الأمير؛ إلا لقوم ينتظرون ركوبه، والكفار كانوا ينتظرون بعثة النبي ﷺ ، فإنه مذكور في كتبهم القديمة. قوله: ﴿خَيْراً﴾ مفعول بفعل مضمر، والتقدير: وائتوا خيرا لكم، ولا تضمر: يكن خيرا. و (خيرا) منصوب ب (يكن)؛ لأن كان لا تعمل مضمرة.

стр. 202

﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣) يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤)﴾ ﴿لا تَغْلُوا﴾ لا تجاوزوا الحد في اعتقادكم. ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: من عنده، كقوله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣] ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أي: لا تقولوا: معبودنا ثلاثة. ولا تقدر: آلهتنا ثلاثة؛ لأن المبتدأ لا يدخله تصديق ولا تكذيب، فتكون قد قدرت أن ثم آلهة وأخبرت أنها ثلاثة، وهذا لا يجوز. ﴿اِنْتَهُوا خَيْراً﴾ أي: انتهوا وائتوا خيرا. الهاء في سبحانه في موضع جر؛ كقولك: سبحان الله، وهذا المجرور هل هو في موضع رفع أو نصب؟ فيه قولان، التقدير: سبحت الله، أو تنزه الله. قوله: ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ فيه تلويح بأن الإنسان لا يملك ولده. ومثله: ﴿سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء] استنكف عن الأمر: إذا ترفع عنه. وقوله ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ادعى بعض الناس أنه يدل على أن الملائكة أفضل من البشر، كقولك: لا تستنكف عن صحبتي زيد ولا السلطان، ولا تقول: لا تستنكف عن صحبتي السلطان ولا زيد؛ لأنه لا ترقي فيه. وجوابه: أنه إذا ذكر عن شخصين أنهما ترفعا عن صحبتك رددت عليه وقلت: لا تستنكف عن صحبتي زيد ولا عمرو، لا تدريج فيه. والملائكة قد عبدوا، والمسيح قد عبد، فأخبر الله - تعالى - أن هذين المعبودين لا يستنكفان عن عبادته. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)﴾ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾

стр. 203

﴿وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ أما حرف تفصيل، ولابد بعدها من وجود شيئين تقول: أما زيد فعالم، وأما عمرو فجاهل. ولا يجوز الاقتصار على قولك: أما زيد فعالم وهاهنا وقع الاقتصار على قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ الآية، وإنما جاز الاقتصار ها هنا، فإنه قد مضى ذكر الفريقين بعد قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ﴾ (٤٢ /أ) ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ تنازع العاملان على المجرور في الكلالة والتقدير: يستفتونك في الكلالة، قل الله يفتيكم فيها، فجاءت حجة البصريين في إعمال الثاني، ولو عمل الأول لقال: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم فيها (١). ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ امرؤ: فاعل؛ فإن الشرط يطلب الفعل، والتقدير: إن هلك امرؤ. وقد امتنع بعض الناس أن يقال: هلك إلا في الكفار، وهو غلط؛ لقوله هاهنا: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ هو عام في الكفار والمؤمنين، ولقوله: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ﴾ [غافر: ٣٤]. قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ﴾ لابد أن يكون: ولا أب؛ لأن الأب يحجب الإخوة. وجعل للأختين هاهنا الثلثين، فجعل الثلثين للبنتين من باب الأولى؛ لأن البنات يحجبن الأخوات عن الفرض فلا يرثن إلا بالتعصيب. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ﴾ كراهة ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أو: لئلا تضلوا. فمن أضمر كراهة قال: أضمرت كلمة واحدة، وأنت أضمرت كلمتين؛ لام كي،

стр. 204

ولا. قال الثاني: أنا أضمرت ثلاثة أحرف؛ لام كي حرف، ولا: حرفان ركب أحدهما مع الآخر، وأنت أضمرت خمسة أحرف، وهي كراهة. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٧٦). ***

стр. 205

سورة المائدة [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)﴾ قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ بما عاهدتم الله عليه وعقدتم الأيمان، يدخل فيه الوفاء بمقتضى العقود الشرعية. ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ الأزواج الثمانية. وقيل: الظباء. وقيل: الجنين الذي يوجد في بطن الأم عندما تذبح وفي الحديث: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (١). ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ من تحريم المنخنقة والمتردية والنطيحة. روي أن رجلا يقال له: الحطم أغار على المسلمين، وأخذ أموالا لهم، ثم جاء في صورة حاج أو معتمر، وقلد الهدي، وقلد نفسه، وهو باق على كفره على عادة العرب في حج البيت وهم كفار، فأراد المسلمون أن يخرجوا عليه ويأخذوه؛ لبغيه عليهم أول مرة فنزلت (٢) ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ﴾ ولا قاصدين البيت الحرام. ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ أمر إباحة؛ لأنه جاء بعد التحريم، فهو كقوله: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٣). ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ ولا يحملنكم. ﴿شَنَآنُ﴾ أي: بغض و ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ مفعول ثان

стр. 206

ل «يجرمنكم»، أي: لا يكسبنكم العدوان التعدي. ﴿وَلا تَعاوَنُوا﴾ أي: ولا تتعاونوا على موجبات الإثم. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلا السمك والجراد، والجنين يوجد في بطن الأم بعد ذبحها، ﴿وَالدَّمُ﴾ إلا الكبد والطحال ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ وكذا عظمه ومخه وسائر أجزائه (١)، والإهلال: رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا لأصنامهم رفعوا أصواتهم بالذبح باسمها. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)﴾ ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ المقتولة بالمثقل ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ بمعنى: المنطوحة ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ ولم يبق فيه حياة مستقرة. وفي «النصب» قولان: أحدهما: الأصنام، قال الأعشى [من الطويل]: وذا النّصب المنصوب لا تعبدنّه ... ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا (٢) والثاني: أن النصب: حجارة كان يذبح عليها للأصنام، وهو ظاهر قوله: ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ والقائل الأول يقول: معناه: وما ذبح على اسم النصب، يعني: الصنم.

стр. 207

الاستقسام: طلب القسم والنصيب. الأزلام: سهام صغار، وكان يوجد منها ثلاثة يكتب على أحدها: أمرني ربي، وعلى الثانية: نهاني ربي، والثالث غفل لا يكتب عليه شيء وتوضع السهام في خريطة عند رجل عند البيت، فمن أراد سفرا أو نكاحا أو أمرا مهمّا، جاء لذلك الرجل فوهبه شيئا، فيأخذ تلك الخريطة، فيحركها تحريكا يتغير كل سهم عن مكانه، ثم يدخل يده، فيخرج سهما، فإن خرج: «أمرني» توجه للأمر الذي طلبه، وإن خرج: «نهاني ربي» كف عنه، وإن خرج السهم الذي لا كتابة عليه أعاد الاستقسام بالسهام. ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني: هذا الوقت ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من رجوعكم ﴿مِنْ دِينِكُمْ﴾ لما رأوا من استقامة دينكم وعلو كلمتكم. ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان يوم عرفة من حجة الوداع، وعاش بعدها ﷺ نيفا وثمانين يوما، ولم يتجدد بعدها نزول فرض ولا تحريم (١). والمخمصة: المجاعة. والمتجانف: المائل ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ له. ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ ذبائحهم حلال لنا وذبائحنا حلال لهم. ﴿وَالْمُحْصَناتُ﴾ يريد العفائف ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هم اليهود والنصارى، أو الكتاب: هو التوراة والإنجيل؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا﴾ (٢) ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: إذا سميتم لهن في العقد مهرا، وإن لم تقبضوه ﴿مُحْصِنِينَ﴾ متزوجين ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غير زانين مع كل من طلب ذلك منهم ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ أي: صديقا يقع الزنى معه خاصة. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ بهذا احتج أبو حنيفة على أن من كفر بعد الإيمان حبط عمله، فلو كان حج حجة الإسلام ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لزمه إعادة الحج وعند الشافعي: لا تحبط الردة إلا بشرط أن يموت عليها؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾

стр. 208

﴿عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ (١) فحمل الشافعي المطلق في هذه الآية على المقيد في تلك (٢). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي: إذا أردتم؛ كقوله: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ (٣) وكقوله: إذا لقيت الأسد فاستعد، أي: إذا أردت القراءة، ولقاء الأسد. من قرأ «وأرجلكم» بالخفض، وعطفه على الرؤوس. ومن قرأها بالنصب (٤) عطفه على «وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ» وتكون الأرجل مغسولة على هذا، وعلى الأول ممسوحة أي: إذا كان لابس خف. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ أو مسافرين مجنبين، أو محدثين حدثا أصغر بمجيء أحدكم من الغائط أو بملامسة النساء، فاقصدوا صعيدا طاهرا، واللام في «لِيَجْعَلَ»

стр. 209

و «لِيُطَهِّرَكُمْ» بمعنى «أن». ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ ولا يكسبنكم بغض قوم. الضمير في ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾ راجع إلى مصدر «اِعْدِلُوا»، التقدير: العدل أقرب للتقوى. ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فقال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ روي: «أن النبي ﷺ نزلا منزلا، واختار ظل شجرة، فأوى إليها، وتفرق أصحابه تحت الشجر، فجاء أعرابي والنبي ﷺ مضطجع، فسل السيف من غمده، وقال للنبي ﷺ : من

стр. 210

يمنعك مني، فقال: «الله» فأغمد السيف وجلس ونادى رسول الله ﷺ أصحابه، فأخبرهم، فنزلت ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ﴾ الآية (١). وقيل: نزل من التنعيم سبعون شابّا لابسين السلاح، أرادوا أن يوقعوا بالمسلمين، فكفهم الله، وأنزل هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ على الإيمان بمحمد وأخذ منهم اثنى عشر نقيبا. ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي: منعتموهم ممن يؤذيهم، وأصل التعزير المنع، وكذلك قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (٢) ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ (٣) والتعزير الذي يذكره الفقهاء على من أتى معصية لاحد بها، ولا كفارة، فسمي به؛ لأنه يمنع من العود إلى الذنب. ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ قد مضى شرحه (٤). ما في ﴿فَبِما﴾ زائدة. وقوله: ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ لا تتأثر بالمواعظ. وفيه دليل على أن الله - تعالى - فاعل الخير والشر. ﴿عَلى خائِنَةٍ﴾ ومثله من المصادر التي على «فاعلة»؛ العاقبة، والعافية، والكاذبة في قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ (٥) واللاغية في قوله: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ (٦). ﴿فَأَغْرَيْنا﴾ فألصقنا بهم التعادي والتباغض ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ويجازيهم عليه. ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ أي: سبل السلامة. وقد أخبر عن «من» بالمفرد في قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ ثم بالجمع في قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾، وهو كثير وعكسه قليل. ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ﴾ أي: من رد أمره. ﴿نَحْنُ أَبْناءُ﴾ أنبياء ﴿اللهِ﴾.

стр. 211

﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ ﴿عَلى فَتْرَةٍ﴾ متعلق ب ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ كراهة ﴿أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾. وقوله: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ﴾، كقول الشاعر [من البسيط]: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثمّ القفول فقد جئنا خراسانا (١) فضل بني إسرائيل بكثرة الأنبياء فيهم ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ زعم بعضهم أن من ملك دارا وخادما وكفاية من الرزق فهو ملك، والأحسن أن الملك كان في القبط، وكانوا يستعبدون بني إسرائيل؛ فلما أغرق الله - تعالى - فرعون وقومه، انتقلت المملكة إلى بني إسرائيل فهو كما يقول أكابر أصحاب الملك: نحن الملوك. ﴿ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من انفراق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك ﴿إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ﴾ أراد العمالقة، وكانوا كبار الأجسام جدّا. ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ هما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، وقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾

стр. 212

﴿فَقاتِلا﴾ جرأة على الله، وإطلاق اللسان، حيث يجب حبسه. قيل: ﴿وَأَخِي﴾ لا يملك إلا نفسه. وقيل: «﴿وَأَخِي﴾» معطوف على «نَفْسِي»، فكأنه مالك لأمر أخيه. قيل: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف، والصحيح أنها متعلقة ب «يَتِيهُونَ» تحريمها عليهم ليس بمؤقت، وإنما المؤقت مقامهم في التيه أربعين سنة (١). ﴿فَلا تَأْسَ﴾ فلا تحزن. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ قيل: المراد ولدا آدم لصلبه وهما: قابيل وهابيل. وقيل: هما بني إسرائيل، والناس كلهم بنو آدم، ويقوي هذا قوله في آخر القصة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ ﴿إِذْ قَرَّبا قُرْباناً﴾ وكانت القرابين على عهد الأنبياء الأولين إذا قربت وأراد الله قبولها نزلت نار من السماء فأكلت ما تقرب له. وقوله: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جواب لقوله: ﴿لِأَقْتُلَكَ﴾ كأنه قيل: إنما امتنع قبول قربانك؛ لأنك لم تتق الله فيه، فلذلك لم تقبل، ولم يمتنع قبوله لسبب من جهتي، حتى تقتلني، وعمل الحسن البصري عبادة، فقال له قائل: تقبل الله منك، قال: لو علمت أن الله قبل مني ذرة لاطمأن قلبي، لكن الله - تعالى - يقول: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (٢٩)﴾ ﴿ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ قال النبي ﷺ : «إذا التقى

стр. 213

المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (١). فإن قيل: كيف استجاز أن يريد أن يبوء صاحبه بالإثم، وإرادة المعصية معصية؟ قلنا: كأنه يقول: إذا كان ولابد من أن نقتتل حتى يقتل أحدنا الآخر، فأنا أختار أن أكون عند الله المقتول، ولا أكون عند الله القاتل. واعلم أن من طلب منك مالك، جاز لك أن تبيحه له ولا تقاتله، وجاز أن تقاتله، وإن قصد نفسك ففي جواز الاستسلام قولان للشافعي، وهذه الآية حجة الجواز. وكذلك فعل عثمان بن عفان حين تسوروا عليه الجدار ونزلوا ليقتلوه، كان عنده عبيد فقاموا دونه، فقال: من ألقى سلاحه، فهو حر (٢) والقائل الآخر يقول: لا يجوز إباحة الدماء (٣). ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾

стр. 214

﴿فَطَوَّعَتْ﴾ فسهلت. وقيل: زينت. قوله: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ خرجت عن أصل الاشتقاق وصارت بمعنى «صار». يقال لما حدث وقت الصبح، ولما حدث وقت المساء، ووقت الظهيرة. وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أبلغ من قوله: «فقد خسر» لأن من ربح في نهاره مائة درهم، وخسر في سلعة خمسة دراهم يقال: إنه قد خسر، ولا يقال: أصبح من الخاسرين إلا إذا غلب عليه الخسران، ومثله ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (١) ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ (٢) هو أبلغ من أن تقول: ندم، أو نادما، ومسجونا، وقاليا. وقوله: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ حال مقدرة؛ لأنه حين بعثه لم يكن باحثا في الأرض. سميت السوأة سوأة؛ لأن صاحبه يسوءه كشفها ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا﴾ متعلق بقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾. وقيل: هو متعلق ب «كتبنا». ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أو بغير ﴿فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً﴾ عند المقتول؛ لأنه فقد الدنيا بأسرها، ولم يبق له انتفاع بحياة غيره هو. وقيل: من استحل قتل نفس بغير حق، فهو في الكفر كمن استحل الجميع «قدم المدينة نفر من عكل، فأصابهم وباء المدينة فأمرهم النبي ﷺ أن يخرجوا إلى لقاح الصدقة؛ ليشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فصحوا، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأمر النبي ﷺ بطلبهم، فطلبوهم فأدركوهم، فلما جيء بهم إلى النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة، يستسقون فلا يسقون، حتى ماتوا، فأنزل الله - تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية» (٣) «فما قام رسول الله ﷺ بعدها مقاما إلا ونهى عن المثلة» (٤). وقيل: إنهم كانوا صنعوا بالرعاة مثل ذلك، فاقتص لهم، وقوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا﴾ هي عند غير الشافعي للتخيير، وعند الشافعي منزل على أحوال؛ فإن أخذ المال وقتل قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن أخاف السبيل ولم يأخذ شيئا طلب إلى أن يحضر به فيؤدب، وهذا معنى النفي من الأرض عنده. وقيل: أراد النفي من الأرض: الحبس، وهو

стр. 215

مذهب أبي حنيفة (١). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)﴾ الخزي: الهوان. من تاب في المحاربة قبل الظفر قبلت توبته، ومن سرق ففي قبول توبته قولان: إذا أصلح؛ لقوله - تعالى - في السارق: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ وكذا في الزاني قوله - تعالى: ﴿فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما﴾ (٢) علل الأمر بالتقوى وابتغاء
следующие страницы →