← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ ﴿عَلى فَتْرَةٍ﴾ متعلق ب ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ كراهة ﴿أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾. وقوله: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ﴾، كقول الشاعر [من البسيط]: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثمّ القفول فقد جئنا خراسانا (١) فضل بني إسرائيل بكثرة الأنبياء فيهم ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ زعم بعضهم أن من ملك دارا وخادما وكفاية من الرزق فهو ملك، والأحسن أن الملك كان في القبط، وكانوا يستعبدون بني إسرائيل؛ فلما أغرق الله - تعالى - فرعون وقومه، انتقلت المملكة إلى بني إسرائيل فهو كما يقول أكابر أصحاب الملك: نحن الملوك. ﴿ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من انفراق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك ﴿إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ﴾ أراد العمالقة، وكانوا كبار الأجسام جدّا. ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ هما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، وقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾

стр. 212

﴿فَقاتِلا﴾ جرأة على الله، وإطلاق اللسان، حيث يجب حبسه. قيل: ﴿وَأَخِي﴾ لا يملك إلا نفسه. وقيل: «﴿وَأَخِي﴾» معطوف على «نَفْسِي»، فكأنه مالك لأمر أخيه. قيل: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف، والصحيح أنها متعلقة ب «يَتِيهُونَ» تحريمها عليهم ليس بمؤقت، وإنما المؤقت مقامهم في التيه أربعين سنة (١). ﴿فَلا تَأْسَ﴾ فلا تحزن. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ قيل: المراد ولدا آدم لصلبه وهما: قابيل وهابيل. وقيل: هما بني إسرائيل، والناس كلهم بنو آدم، ويقوي هذا قوله في آخر القصة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ ﴿إِذْ قَرَّبا قُرْباناً﴾ وكانت القرابين على عهد الأنبياء الأولين إذا قربت وأراد الله قبولها نزلت نار من السماء فأكلت ما تقرب له. وقوله: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جواب لقوله: ﴿لِأَقْتُلَكَ﴾ كأنه قيل: إنما امتنع قبول قربانك؛ لأنك لم تتق الله فيه، فلذلك لم تقبل، ولم يمتنع قبوله لسبب من جهتي، حتى تقتلني، وعمل الحسن البصري عبادة، فقال له قائل: تقبل الله منك، قال: لو علمت أن الله قبل مني ذرة لاطمأن قلبي، لكن الله - تعالى - يقول: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ (٢٩)﴾ ﴿ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ قال النبي ﷺ : «إذا التقى

стр. 213

المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه» (١). فإن قيل: كيف استجاز أن يريد أن يبوء صاحبه بالإثم، وإرادة المعصية معصية؟ قلنا: كأنه يقول: إذا كان ولابد من أن نقتتل حتى يقتل أحدنا الآخر، فأنا أختار أن أكون عند الله المقتول، ولا أكون عند الله القاتل. واعلم أن من طلب منك مالك، جاز لك أن تبيحه له ولا تقاتله، وجاز أن تقاتله، وإن قصد نفسك ففي جواز الاستسلام قولان للشافعي، وهذه الآية حجة الجواز. وكذلك فعل عثمان بن عفان حين تسوروا عليه الجدار ونزلوا ليقتلوه، كان عنده عبيد فقاموا دونه، فقال: من ألقى سلاحه، فهو حر (٢) والقائل الآخر يقول: لا يجوز إباحة الدماء (٣). ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾

стр. 214

﴿فَطَوَّعَتْ﴾ فسهلت. وقيل: زينت. قوله: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ خرجت عن أصل الاشتقاق وصارت بمعنى «صار». يقال لما حدث وقت الصبح، ولما حدث وقت المساء، ووقت الظهيرة. وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أبلغ من قوله: «فقد خسر» لأن من ربح في نهاره مائة درهم، وخسر في سلعة خمسة دراهم يقال: إنه قد خسر، ولا يقال: أصبح من الخاسرين إلا إذا غلب عليه الخسران، ومثله ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (١) ﴿قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ (٢) هو أبلغ من أن تقول: ندم، أو نادما، ومسجونا، وقاليا. وقوله: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ حال مقدرة؛ لأنه حين بعثه لم يكن باحثا في الأرض. سميت السوأة سوأة؛ لأن صاحبه يسوءه كشفها ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا﴾ متعلق بقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾. وقيل: هو متعلق ب «كتبنا». ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أو بغير ﴿فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً﴾ عند المقتول؛ لأنه فقد الدنيا بأسرها، ولم يبق له انتفاع بحياة غيره هو. وقيل: من استحل قتل نفس بغير حق، فهو في الكفر كمن استحل الجميع «قدم المدينة نفر من عكل، فأصابهم وباء المدينة فأمرهم النبي ﷺ أن يخرجوا إلى لقاح الصدقة؛ ليشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فصحوا، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأمر النبي ﷺ بطلبهم، فطلبوهم فأدركوهم، فلما جيء بهم إلى النبي ﷺ قطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة، يستسقون فلا يسقون، حتى ماتوا، فأنزل الله - تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية» (٣) «فما قام رسول الله ﷺ بعدها مقاما إلا ونهى عن المثلة» (٤). وقيل: إنهم كانوا صنعوا بالرعاة مثل ذلك، فاقتص لهم، وقوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا﴾ هي عند غير الشافعي للتخيير، وعند الشافعي منزل على أحوال؛ فإن أخذ المال وقتل قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن أخاف السبيل ولم يأخذ شيئا طلب إلى أن يحضر به فيؤدب، وهذا معنى النفي من الأرض عنده. وقيل: أراد النفي من الأرض: الحبس، وهو

стр. 215

مذهب أبي حنيفة (١). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)﴾ الخزي: الهوان. من تاب في المحاربة قبل الظفر قبلت توبته، ومن سرق ففي قبول توبته قولان: إذا أصلح؛ لقوله - تعالى - في السارق: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ وكذا في الزاني قوله - تعالى: ﴿فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما﴾ (٢) علل الأمر بالتقوى وابتغاء

стр. 216

الوسيلة إلى الله - تعالى - بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين بدأ في السرقة بالسارق، وفي الزنى بالزانية؛ لأن أكثر السرقة تقع من الرجال؛ لما أوتوا من القوة، ولولا إطماع المرأة في نفسها بلين الكلام وغيره، لما وقع الزنى غالبا. قدم ها هنا ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾؛ لأن السابق قبلها ذكر قاطع الطريق والسارق ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: يسمعون انتقلوا إليهم. قوله: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ صفة لقوم آخرين. وكان في التوراة الرجم في الزنى على المحصن، فغيروه وقالوا: يسود وجهه فزنى منهم رجل فاختلفوا في الحد الذي يقام عليه، ثم قالوا: ائتوا محمدا، فسلوه فإن أفتاكم بالرجم، فلا تقبلوه، وإن اختار تسويد الوجه والتطويف فاقبلوا. فجاؤوا إليه، فقال: ما عندكم في التوراة في ذلك؟ قالوا: يسود وجهه، ويطوف. قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١) فجاؤوا بها، فوضع رجل منهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا آية الرجم، فأمر النبي ﷺ باليهودي واليهودية فرجما (٢). ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ﴾ رد أمر الله شيئا ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الإمام مخير بين الأمرين. ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ وصف الأنبياء بالإسلام، وهو دليل على عظمة وصف الإسلام، كما وصف النبيين في سورة «الصافات» بالإيمان ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وكذلك في إبراهيم وموسى وهارون وإلياس. اختلف العلماء في شريعة من قبلنا؛ هل هي شرع لنا؟ فإن اتصل بها تقرير وجب العمل بها، وإن اتصل بها إنكار فلا عمل بها، وإن أطلقت مجردة عن الأمرين ففيه الخلاف في شريعة من قبلنا، وهذه الآية اتصل بها التقرير؛ لقول النبي ﷺ لأنس بن النضر: «كتاب الله القصاص» (٤) وليس القصاص في كتاب الله في السّنّ إلا في هذه الآية (٥).

стр. 217

﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢)﴾ وقوله: ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ يجوز أن يعود إلى الذي تصدق، تكفر عنه سيئاته، ويجوز أن يرجع إلى المتصدق عليه إذا وهبه أصحاب الحق، كفر عنه ذنب الجناية.

стр. 218

واختلف العلماء هل نسخ شرع موسى أو قرره، فاختار الماوردي (١) أنه ناسخ لا مقرر؛ لأن عيسى دعا الناس إلى إنجيله، وحلل السبت، وحرم الأحد، وأحل لحوم الإبل وألبانها. و «المهيمن»: الشديد. قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ تطلعونهم على عورات المسلمين، وتودون أن تكون الدولة لهم على المؤمنين. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك أو نفاق ﴿يُسارِعُونَ﴾ في مرضاتهم، معتذرين بقولهم: ﴿نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ أي: بالحكم بينكم بالحق، فندم المشركون على مسارعتهم في رضائهم، وتكشف حال الكفار للمؤمنين، فيقول المؤمنون: ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾. ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ لم يضر الله شيئا، وإذا جاء وصف النكرة بمفردات وجمل، فالأولى تقديم المفردات، وتأخير الجمل، ويجوز خلافه؛ لقوله هاهنا: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ﴾ وأعزة ولقوله: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ (٢) ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ﴾ إنكار لما سبق من موالاة اليهود والنصارى؛ لأنه حصر الولاية في الله ورسوله والذين آمنوا بلفظة «إنما». ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩)﴾ قوله: ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾ يجوز أن يكون حالا من ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ وقد روي: أن عليّا تصدق في الصلاة بخاتمه (٣). ويجوز أن يكون وصفا لهم بالركوع الذي هو جزء من الصلاة؛

стр. 219

كما سميت الصلاة قرآنا في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (١) وتسبيحا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٢) وقد سماها ركوعا في قوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٣)، أي: ومن يتول الله ورسوله فقد تولى حزب الله، ومن يتول حزب الله يغلب ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ ﴿وَالْكُفّارَ﴾ بالخفض؛ عطفا على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ وبالنصب (٤)، على ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ وكان بعض النصارى إذا سمع الأذان قال: حرق الكاذب فأضرمت داره عليه نارا واحترق، ونزلت ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية (٥). ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ فإن علمكم بفسق أنفسكم، وبأنا قائمون بدين الحق، هذا الذي كرهتموه منا، وعبتموه علينا، وهو مما لا يكره مثله ولا يعاب؛ كقوله: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ﴾ (٦) ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٧) ﴿تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ (٨) ومن هذا الباب قول الشاعر [من الطويل]: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (٩) فإن فلول السيف وإن كان عيبا في السيف تنقص به قيمته فليس عيبا فيهم، بل ذلك

стр. 220

دال على كثرة ضربهم بالسيف. ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ ﴿مَثُوبَةً﴾ مرجعا. من قرأ «وعبد الطاغوت» على الفعل الماضي، فهو معطوف على ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾ (١) و ﴿سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وسط الطريق. ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ﴾ هلا ينهاهم، وجعل فعل الربانيين والأحبار أبلغ من المسارعة في الإثم والعدوان وأكل السحت؛ لأنه ختمه بقوله: ﴿يَصْنَعُونَ﴾ ولا يطلق اسم الصانع إلا على من اتقن العمل ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢). قالت اليهود: إن الله لن يبسط النفقة علينا، وله القدرة وسعة المملكة، فلعنهم الله، ورد عليهم بقوله: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ أي: هو أكرم الكرماء، وهذا مثل لجوده وكرمه، بحال من يعطي بيديه كلتيهما (٣) وإيقاد نار الحرب وإطفاؤها أيضا من باب الاستعارة.

стр. 221

﴿فَساداً﴾ يجوز أن يكون مصدرا، والعامل فيه «يسعون» من غير لفظه، وأن يكون مفعولا من أجله. وعد الله أهل الكتاب على الإيمان والتقوى بتكفير السيئات ودخول الجنة على إقامة التوراة وصيانتها عن التحريف بسعة الأرزاق. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ ﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ متوسطة الحال في الطاعة والمعصية. ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ في بعض، فكأنك لم تفعل شيئا من الرسالة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال ذات ليلة: «ليت حارسا يحرسني الليلة، فجاء الزبير بن العوام عليه سلاحه، قال النبي ﷺ : من هذا؟ قال: أنا الزبير جئت لأحرسك، فلما كان بعض الليل أخرج النبي ﷺ رأسه من القبة، وقال: أيها الحارس، اذهب فقد عصمني الله، وتلا ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ (١) يعني: من القتل بأيديهم،

стр. 222

وإلا فقد شج وجهه، وكسرت رباعيته ﷺ . ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي: لستم على شيء من الدين ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ تلاوة وعملا. ﴿فَلا تَأْسَ﴾ فلا تحزن. وإذا عطف على اسم «فلا تأس» فلا تحزن. وإذا عطف على اسم «إن» بعد استيفاء الخبر، جاز النصب والرفع؛ كقولك: إن زيدا قائم وعمرا وعمرو، فأما قبل استيفاء الخبر فالنصب أرجح، والرفع قليل، ومنه هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ﴾ وأنشد سيبويه [من الوافر]: وإلا فاعلموا إنّا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق (١) والقياس على اللغة الفصيحة: إنا وإياكم (٢). ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبل. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى. ﴿أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قرئ بالرفع والنصب (٣). وإذا وقع قبل «أن لا» فعل يقين تعين الرفع، وتكون مخففة من الثقيلة؛ كقوله: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ (٤). وإن كان قبلها فعل خوف أو طمع وجب النصب؛ كقوله: ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ (٥) وإن كان قبلها فعل ظن وحسبان ففيه قولان؛ كهذه الآية. ﴿اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أمرهم بعبادة الله دونه وجعله ربه وهو ضد ما تقوله النصارى.

стр. 223

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ ﴿مِنْ أَنْصارٍ﴾ «من» زائدة؛ لتأكيد النفي، فإن قيل: لو قيل: وما للظالمين من نصير لكان أبلغ، فإنه يلزم من نفي النصير نفي الأنصار، ولا يلزم من نفي الأنصار نفي النصير؟ فالجواب: أنهم زعموا أن لهم أنصارا وهم ما أشركوه مع الله في الإلهية، وآباءهم الأنبياء زعموا أنهم يشفعون فيهم، فنفى ما اعتقدوه من الأنصار. «من» في ﴿مِنْ إِلهٍ﴾ مزيدة. الصّدّيق: الكثير التصديق؛ لقوله - تعالى - في حقها: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ (١) وقيل: الكثيرة الصدق، كالشرّيب، والخمّير، والعربيد (٢).

стр. 224

﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ كناية عن احتياجهما إلى خروج الخبث الذي يستحيى من التلفظ به ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يقلبون عن الحق. والمؤتفكات: قرى قوم لوط؛ لأنها قلبت بهم. كان النبي ﷺ قد مني (١) بمجاورة اليهود، وكانوا يدّعون العلم بما في التوراة، فلما ظهرت معجزات النبي ﷺ وصدقه عادوه، ولم يكن بجواره أحد من النصارى، فكان يجد أشد الناس عداوة اليهود، وأما المشركون فهم جهلة، نقلوا عن آبائهم عقائد فاسدة، فاقتدوا بهم فيها، ولم يرجعوا عنها، وعادوا كل من يروم منهم الرجوع عنها، وكان قد ورد المدينة جماعة من النصارى يجادلون في دينهم، فلما تلوا عليهم القرآن بكوا وصدقوا وجعل علة تصديقهم بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم غير مستكبرين، فإنهم إذا سمعوا القرآن بكوا، واعترفوا بأنهم عرفوا أنه الحق، وسألوا الله - تعالى - أن يميتهم في زمرة من يشهد لمحمد بالرسالة، وأقبلوا على نفوسهم باللوم، وإن أخروا الإجابة والقبول، فمن لم يكن علمه وتعبده بهذه الصفة فليس مراعيا للإذعان بالحق، ولم يكن مستكبرا، وكان خاشع القلب، سريع الدمعة، أعد له الثواب المذكور في آخر هذه الآية. والقسيس: العالم. والراهب: الخائف من الله. ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ قوله: (ونطمع) جملة حالية، وتقديرها: ونحن نطمع، ويكون الحال جملة اسمية،

стр. 225

وإلا فالفعل المضارع إذا وقع حالا مثبتا لم يجز دخول الواو فيه. روي أن جماعة أتوا بيوت أزواج النبي ﷺ فسألوهن عن أعماله في الليل والنهار، فذكرن لهم ذلك، فكأنهم استقلوها، فقال أحدهم: «أما أنا فأصوم فلا أفطر، وقال الآخر: أنا لا آكل لحما، ولا دسما، وقال الآخر: أنا لا آتي النساء، فجاء النبي ﷺ ، فأطلعه الله على ما قالوا، فقال: أما والله إني لأتقاكم لله، وأشدكم له خشية، أما أنا فأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني» (١) فنزلت ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ﴾ الآية (٢). والاعتداء: مجاوزة الحد. أصل اللغو في لغة العرب: أنهم إذا أتوا بإبل الدية، ومع النوق فصلان صغار لها، فلا يعتد بالفصلان في الدية، ويقال: هذه لغو، فاستعير ذلك في الكلام الذي لا تعقد فيه النية من الأيمان، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو مخير في كفارة اليمين بين العتق والإطعام والكسوة، فإن عجز عن الجميع صام ثلاثة أيام. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾ فلا تحلفوا، أو احفظوها إذا حلفتم فلا تحنثوا، أو احفظوها إذا حلفتم وحنثتم فلا تتركوا الكفارة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥)﴾ ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾، القمار، وكانوا يتفاءلون به للغنى، فاشتق له الميسر، من اليسار.

стр. 226

﴿وَالْأَنْصابُ﴾ الأصنام. وقيل: حجارة تذبح عليها للأصنام. ﴿وَالْأَزْلامُ﴾ سهام صغار وقد تقدم ذكرها (١). والرجس: المبعد من عمل الشيطان مما وسوس به، وقد عدد صوارف موانع من شرب الخمر، والاستقسام بالأزلام، ومعاناة الميسر منها: أنها رجس، ومنها: أنها من عمل الشيطان، ومنها: الأمر باجتناب ذلك، ومنها: أن باجتناب ذلك يحصل الفلاح، ومنها: أن فعل ذلك يورث العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ثم أتبع ذلك استفهام الإنكار، بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ولهذا قال عمر لما نزلت هذه الآية: انتهينا يا رسول الله، انتهينا (٢). ولما نزل تحريم الخمر، قال بعض المسلمين: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل تحريمها؟ فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآية (٣). ابتلى الله المؤمنين عام الحديبية، وهم يحرمون بالصيد فكانت الغزلان وحمر الوحش تدخل بين الإنسان وبين رجله، فيتمكن الإنسان من إمساكها بيده (٤)، كما ابتلى أصحاب طالوت بتحريم شرب ماء نهر، مع شدة العطش إلا من اغترف غرفة بيده، وكذلك ابتلى أهل «أيلة» بتحريم الصيد يوم السبت، فكانت الحيتان تأوي ليلة السبت إلى شاطئ البحر كأنها كباش سمان؛ ليظهر بهذا الابتلاء المطيع من العاصي. ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ﴾ علما يتعلق به الجزاء، فإن علمه في الأزل أن زيدا سيعصي لا يستحق عقوبة. أو ليرى؛ فإن الرؤية لابد فيها من وجود المرئي. أراد بالصيد: المصيد. وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ خبر لقوله: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾. وروي أن سائلا سأل عمر بن الخطاب عن محرم قتل أرشا، وكان عبد الرحمن بن عوف حاضرا، فسأل عمر بن الخطاب عبد الرحمن بن عوف عن جزائه، فاتفقا على أمر، فأفتاه عمر بما اتفقا عليه، فقال المستفتي لرجل كان معه: ما درى أمير المؤمنين ما تقول حتى علمه

стр. 227

هذا الشيخ، يشير إلى عبد الرحمن بن عوف فسمعه، فقال: يا عدو نفسه تغمص الفتيا (١)، وتقتل الصيد وأنت محرم، وقد قال الله - تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فها أنا عمر وهذا عبد الرحمن بن عوف، ثم ضربه ضربات (٢). ﴿هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ يريد الكعبة وما حولها. ويجب سوق جزاء الصيد إلى منى وذبحه بها، وتفرقة لحمه على من حضر. ﴿أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾ وهو مخير بين الأمور الثلاثة. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ﴾ قيل: طعامه: ما مات فيه وهو حلال عند الشافعي (٣). ﴿قِياماً لِلنّاسِ﴾ أي: يقوم مصالحهم، فلا يصح الحج إلا بالطواف بها ولا الصلاة إلا باستقبالها. قيل: والقلائد: أي: وذوات القلائد. ﴿ذلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ بحكم الله في هذه الجزئيات إنه سبحانه يعلم الكليات والجزئيات، فإن القائل قائلان: قائل يقول: لا يعلم الجزئيات، ولا شيء منها، وهو مذهب الفلاسفة. وقائل يقول: يعلم جميعها، فالقول إنه يعلم بعضها دون بعض خلاف الإجماع. ومثل ذلك أي: ذلك الذي ذكر في هذه السورة من الأحكام من أولها؛ من الوفاء بالعقود إلا ما يتلى من المنخنقة والموقوذة وأخواتها، وتحريم الصيد حالة الإحرام، وعدم انتهاك حرمة الحجاج، وأن العداوة لا تكون سببا للجور، والأمر بالتعاون على البر والتقوى، والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان، وتحريم الميتة وما يتبعها، وتحليل ما

стр. 228

أمسكه الصيد على صاحبه إذا كان معلّما، وتحليل طعام اليهود والنصارى وذبائحهم ومناكحتهم وتحريم السفاح، وتحريم اتخاذ الأخدان، وكيفية الوضوء ونواقضه، والتيمم عند عدم الماء، والأمر بالقيام بالقسط والشهادة به، وتذكار نعم الله وشكرها، وهلم جرا ... إلى حد المحاربين والسارقين، والتخيير في الحكم بين أهل الكتاب وتركه ... إلى ما ذكره آنفا من كفارة اليمين، وتحريم صيد البحر حالة الإحرام، وتحليل ميتة البحر، وكيفية جزاء الصيد وكفارة اليمين، فقال ذلك المذكور كله، والخبيث والطيب: الحرام والحلال. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢) ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ روي أن الأقرع بن حابس (١) قال: يا رسول الله: أحجنا هذا لعامنا هذا أم للأبد؟ فسكت زمنا طويلا، ثم قال: «بل للأبد ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم» فنزلت ﴿لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٢). وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال: «أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته» (٣) الضمير في «سألها» يعود إلى المصدر، أي: قد سأل هذه المسألة قوم.

стр. 229

إذا ولدت الناقة خمسة أبطن: بحروا أذنها أي: شقوها وحرموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وكانوا ينذرون إن شفى الله مريضه أن يجعل ناقته سائبة على حكم البحيرة في عدم الانتفاع، وكانوا في الجاهلية يعتقون سائبة، يعني بغير ولاء، وكانوا إذا ولدت الناقة أنثى فهو لهم، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم، وإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، وإذا نجب من ظهر الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمي ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ويسمونه: الحامي، فأبطل الله جميع ذلك وهذه أحكام ما نزل الله بها من سلطان، وهم مقبلون عليها. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أعرضوا، أو يتبعون أهواءهم ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾. ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نصب على الإغراء، أي: ألزموها الخير. قوله: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ من الاهتداء للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فمن تركهما ضرّه تركهما. روي أن تميما (١) وعدي بن بدّاء (٢) سافرا مع رجل مسلم في تجارة، فحضرت المسلم الوفاة في الطريق، فجعل تجارته في عدل كبير، وكتب جملته وتفصيله في ورقة وتركهما في العدل، ثم سلم العدل إلى الرجلين؛ ليوصلاه إلى أهله، ولم يشعرهما بالورقة (٣). فقوله: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أي: ليحضر الوصية اثنان. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ﴾

стр. 230

﴿اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ (١٠٧)﴾ ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ عند أبي حنيفة: من غير أهل ملتكم، فتقبل شهادة أهل الذمة في السفر عنده، وعند الشافعي: من غير قبيلتكم (١). ﴿ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ سافرتم. ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يريد بعد صلاة العصر، والريبة: هو أن وجدت الورقة في العدل فقابلوا بها ما حضر، فعدم منه إناء من فضة مخوض بالذهب، فقال الرجلان الوصيان: ما نعرف ذلك. فحلّفوهما، بعد ذلك وجد الجام (٢) عند رجل في السوق يبيعه، فقيل له: من باعك هذا؟ فقال: تميم وعدي بن بداء (٣) فهو معنى قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً﴾ حلف الورثة أن الجام ملكهم. وقوله: ﴿فَآخَرانِ﴾ خبر مقدم. والأوليان: تثنية الأولى هو المبتدأ، تقديره: فالأوليان آخران يقومان مقامهما. واعلم أن هذا الحكم موافق للقواعد الشرعية، فإن القول قول من يترجح جانبه مع يمينه، فإذا ادّعى عليك دين، فالقول قولك مع يمينك؛ لأن الأصل البراءة فإن كانت العين في يدك، فالقول قولك مع يمينك؛ لأن اليد مرجحة، فإن شهد بذلك شاهد واحد فالقول قولك مع يمينك؛ لأن جانبك ترجح بالشهادة، وهاهنا ترجح جانب الورثة بظهور الجام الذي أنكره الرجلان ثم بقول المشتري: أنه اشتراه من الرجلين المذكورين فحلف الورثة واستحقوا. وقوله: ﴿لَشَهادَتُنا﴾ أي: يميننا أحق من أيمانهم ﴿ذلِكَ﴾ أي الحكم برد اليمين أقرب إلى ﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ إذا عثر على أنهما استحقا إثما. إنما قالوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ وقد علموا أن الأمم كذبوهم؛ لأنهم دهشوا من هول الموقف. وقيل: تأدبوا مع الله؛ لأنه عالم الخفيات.

стр. 231

﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)﴾ ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ بجبريل و ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ فسّر في آل عمران (١). ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: مثل. (وتنفخ) في الذي هو مثل هيئة الطير. ومن قرأ (هل تستطيع) (٢) فمعناه: هل تستطيع سؤال ربك. وقول عيسى لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تشكيك في إيمان الحواريين، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ فهذا يدل على أنهم لم يكونوا يعلمون أنه صدقهم، ومن شك في نبوة نبي فقد كفر، لكنهم بعد ذلك قوي إيمانهم، ونصحوا في صحبة عيسى ﵇. قوله: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ العامل في المجرور مضمر والتقدير شاهدين عليه من الشاهدين؛ لأن اسم الفاعل إذا كان فيه الألف واللام، فهو موصول، ومعمول الصلة لا يجوز تقديمه عليها (٣).

стр. 232

قوله: ﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ الآية. قيل: لما سمعوا أن الله يعذب من كفر بعد نزول المائدة عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، استقالوا وسألوا ألا تنزل المائدة، فلم تنزل وقال الأكثرون: بل نزلت بين غمامتين، فقال عيسى للحواريين: ليتقدم من يكشفها، فقالوا له: أنت أولى بذلك منا، فتوضأ وصلى ركعتين وكشفها، فوجد فيها سمكة وأرغفة من الخبز وزيتونا وخلاّ وملحا فأكلوا منها، واستمر أكلهم منها، فكانت تنزل كل يوم (١). ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ قيل: المراد ب (ما في نفسك) ما في نفسي؛ لأن نفسه ملك لله، والتقدير: تعلم ما في نفسي، ولا أعلم أنا ما في نفسي، أنت أعلم به مني. ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ في أمر الدعوة ﴿إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ ولم يرد نفي النطق بأمر أجنبي عن الدعوة. قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقل: الغفور الرحيم؛ لأنه لو قال ذلك، كان كالشفيع لهم، والطالب لرحمتهم، وهو في مقام الاعتذار، لا في مقام الشفاعة.

стр. 233

﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ قرئ بنصب يوم ورفعه (١) وإن أضيف الظرف إلى الفعل المضارع، جاز إعرابه وبناؤه، ومثله: ﴿ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ بالرفع والنصب (٢). قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة وصدقا، لكن كان أحدهما كذابا في الدنيا، فلم ينفعه صدقه في الآخرة، وهو إبليس، حيث قال: ﴿إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية (٣) والآخر كان صادقا في الدنيا، فنفعه صدقه في الآخرة، وهو عيسى ﵇ قال الله: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (٤). أتى في بعض الألفاظ بما يدل على ملكه - سبحانه - السماوات والأرض، قوله: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وفي بعضها ما يدل على ملكه لما فيهما: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ (٥). وجاء في هذه الآية بالأمرين معا فقال: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ﴾. ***

стр. 234

سورة الأنعام [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾ قوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ يدل على أن الظلمات مخلوقة، خلافا لمن زعم أن الظلمة عدم النور؛ فإن الظلمة لا تفتقر إلى سبب سوى منع أسباب النور (١). ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلاً﴾ مدة العمر. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مدة بقاء الدنيا. ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تشكون قيل: ﴿فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ متعلقة ب «يعلم» أي: ليعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض. وقيل: قوله: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ﴾ أي: أمره وسلطانه، كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ﴾ (٢).

стр. 235

﴿مِنْ آيَةٍ﴾ «من» زائدة ﴿مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ﴾ «من» للتبعيض. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ آثار من ﴿أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قوله: ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ اجتمع لهم رؤية نزول الكتاب ولمسه باليد ومثله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ (١) ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لأن نزول الملك آية خارقة، فإذا لم يؤمنوا بها عذبوا، ولم يؤخروا. ولو جعلنا الرسول ملكا، فإما أن يبقى على صورته، فلا يستطيعون النظر إليه. ولما رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته التي خلق عليها سقط مغشيّا عليه (٢)، فما ظنك بغيره، ولو حولناه إلى صورة البشر لم يعلموا كونه ملكا، فملبس عليهم. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾ أمروا بالسير ليروا آثار المهلكين ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإن لم يجيبوك فقل أنت: لله. وإذا كان الجواب مجيبا معلوما فسواء قال المدعي أو السامع. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ﴾

стр. 236

﴿الْقَيِّمَةِ﴾ أي: ليجمعنكم في البرزخ جيلا بعد جيل إلى أن ينفخ في الصور. وقيل: ﴿إِلى﴾ بمعنى في. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ نصب على الذم، أو رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنتم الذين. ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ﴾ من السكنى. ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ﴾ (١). ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لكل مسموع ﴿الْعَلِيمُ﴾ بكل مسموع. وقوله ﴿أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ﴾ فصل بها بين الموصوف الذي هو اسم الله، والصفة التي هى فاطر. وقرئ ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ (٢) والضمير يعود إلى غير الله. زعم الرمانى (٣) أن قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ جملة معترضة بمعنى الحال، ولا جواب ل «إن» وهذا خلاف المشهور (٤) ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ المستعلي عليهم علوا معنويا. ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ﴾ يدل على أن الله - تعالى - يسمى شيئا ومنهم من منع ذلك؛ لأن الله - تعالى - له الأسماء الحسنى، ولفظ الشيء لا مدح فيه. قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ كل من سمع القرآن، فهو مخاطب به من جهة الله - تعالى. ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾

стр. 237

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ (٢٣) اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ أي: لا أحد في المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبا، كما أنه ليس في المانعين أظلم ممن منع مساجد الله. الهاء في ﴿إِنَّهُ﴾ ضمير الشأن. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ أو لم تكن فتنتهم إلا قولهم، ضمن ﴿يَسْتَمِعُ﴾ معنى يصغي، فعداه ب إلى والأكنة: جمع كنان، كراهة أن يفقهوه. ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ما سطره الأولون، والأساطير: جمع أسطورة، كالأحاديث والأعاجيب جمع أحدوثة وأعجوبة. وكان أبو طالب عم النبي ﷺ يمنع النبي ويذب عنه، ويأبى أن يوافقه في الدين، فنزلت ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (١). من قرأ ﴿وَلا نُكَذِّبَ﴾ بالرفع فقد التزموا عدم التكذيب مطلقا، ومن قرأ ﴿وَلا نُكَذِّبَ﴾ (٢) جعله شرطا والتقدير: إن رددتنا لم نكذب قال سيبويه (٣): إذا قال اللص: أطلقني ولا أعود بالنصب، كان تقديره: إن أطلقتني لم أعد. ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا﴾ تمثل بحال

стр. 238

الجاني إذا وقف بين يدي رب الأمر وهو ذليل منكّس الرأس. وقيل: هو من مجاز الإضمار، تقديره: إذ وقفوا على جزاء ربهم، والهمزة في (أليس) للإنكار. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ ﴿فَرَّطْنا فِيها﴾ أي: في العمل لها. قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ فإنهم كانوا يسمونه محمدا الأمين. وقال أبو طالب [من الكامل]: ولقد علمت بأنّ دين محمد ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبّة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا (١) فعرف الحق وامتنع من قبوله، ومثله: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ (٢). ﴿وَلكِنَّ الظّالِمِينَ﴾ وضع الظاهر موضوع المضمر، والتقدير: ولكنهم. ﴿وَأُوذُوا﴾ معطوف على ﴿كُذِّبُوا﴾ وليس معطوفا على قوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ﴾. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ﴾

стр. 239

﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: نبأ من نبأ المرسلين. وقيل: «من» للتبعيض، والتقدير: جاءك بعض نبأ المرسلين. ﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾. سببا تصل به إلي إقبالهم عليك فأت به ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ فلا يخف عليك ذلك فإنك متي كنت مستحضرا لذلك خف عليك الحزن. ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أيأسه بذلك وعلله بأنهم لا يسمعون، ثم أضاف إلى ذلك عدم الحياة بقوله: ﴿وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ ثم إلى دار جزائه يحشرون. ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ اقترحها. قل: إنما اختيار الآيات إلى الله، وهو القادر على الإتيان بها، وليس ذلك إلى اختياري ولا اختياركم. وقيل: هو القادر على إنزال ما تقترحونه. وقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ تصوير لهيئة طيرانه التي أقدره الله عليها، كأنك تشاهده وهو يطير. كقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (١) ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: في القرآن من شيء يحتاج إليه العباد في أمر معاشهم وسعادتهم. وقيل: أراد بالكتاب اللوح المحفوظ، وقد كتب فيه كل ما هو كائن إلى يوم القيامة استعار الصّمم والبكم والسير في الظلمات للكفار؛ لأنه لم ينتفع بسمعه ولا بنطقه، ولا بالنور الذي أنزل على رسوله. ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ﴾ إضلاله ﴿يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يجعله كذلك. الكاف والميم في أرءيتكم ليست باسم ولا مفعول، وإنما هي موضوعة للخطاب؛ كقوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ (٢) وقوله: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (٣) و ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ (٤) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أن له شريكا في الإلهية، بل تخصونه بالعبادة فيفعل ما يشاء من إجابتكم أو رد دعائكم، ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٥). ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥)﴾ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ﴾

стр. 240

﴿وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾ ثم سلّى رسوله وهدد الكفار ووعد المسلمين النصرة عليهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وذكر أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا، وابتلاهم بالنعمة ليشكروا فخالفوا المطلوب في الحالين، وقال: ﴿فَلَوْلا﴾ فهلا ﴿إِذْ جاءَهُمْ﴾ أي: وقت مجيء الناس ﴿تَضَرَّعُوا﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ما ذكروا به من الشدة وإزالتها ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ﴾ النعمة والرخاء والسعة وكل شيء يحتاجون إليه ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ ففاجأهم بالإبلاس، وأراد بالفرح البطر، وإلا فما تخلو نفس من السرور بما عود به الله من الخير. والدّابر: الآخر. ولما كان إهلاك الدابر إنما يتأتى بعد قطع ما دونه، جعل قطع الدابر كناية عن إهلاك الجميع، وعن ابن عطية (١): الدابر من الطائر الصائد، كالإبهام في يد الإنسان، فإذا قبض الطائر بمخالبه شيئا أخذه بإبهامه، كالمطبق عليه كما يطبق الكف بالإبهام، وإذا قطع دابر الصائد من الطائر لم يقدر على الاصطياد، فجعل قطع الدابر كناية عن إثخانهم بالجراح، وعجزهم عن القتال بسببها، وقد حمد الله نفسه على إهلاك الظلمة. ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: بذلك، والقياس بها. صدف عن الأمر: أعرض. ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ بكونهم يصدفون ﴿بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ مصدران في موضع الحال. ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ وإنما عليهم البلاغ، احتج بعضهم على أن الملك أفضل من البشر بهذه الآية. أي: لا أدعي ما لم أعط فلا ﴿أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ وقد سبق جوابه في أواخر سورة النساء (٢)، فكما لا يستوي الأعمى والبصير لا

стр. 241

يستوي المسلم والكافر. ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧)﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ حال من ضمير «يحشرون». ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ متعلق ب «أنذر» وكان الفقراء من المؤمنين أكثر مجالسة للنبي ﷺ من الأغنياء، فقال الأغنياء: لو أفردت لنا مجلسا نسألك عما في أنفسنا ولا يكون للفقراء في مجلسنا نصيب، فنزلت ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ (١) ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي ذاته (٢). ﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فتطردهم. وقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ﴾.

стр. 242

﴿فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ ابتلى الغني بالفقير؛ لينظر كيف صبر هذا وشكر هذا، وقوله: ﴿لِيَقُولُوا﴾ أي: ليقول الأغنياء عن الفقراء: ﴿أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ فرد الله عليهم: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ الهاء في ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾ ضمير الشأن. ﴿بِجَهالَةٍ﴾ أي: بإقدام وقلة نظر في العاقبة. وقوله: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ليس جوابا للشرط والتقدير: من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده فإن الله غفور رحيم. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ السبيل هي الفاعلة، والسبيل كالطريق تذكر وتؤنث، وقرئ ﴿سَبِيلُ﴾ بالنصب (١). والتقدير: ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين وهي مفعولة. ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ وقرئ ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ (٢) أي: يخبر الخبر الحق. ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢)﴾ ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ﴾ استعارة، أي: يطلع على الغيوب كما يطلع من بيده المفاتح على ما حوته مفاتحه. عبر بقوله: ﴿فِي كِتابٍ﴾ عن قوله: ﴿إِلاّ يَعْلَمُها﴾ ولا يجوز أن يتعلق ﴿فِي كِتابٍ﴾ ب تسقط فإنه يصير التقدير: لا يسقط شيء من ذلك إلا في الكتاب، وليس ذلك

стр. 243

مرادا ﴿جَرَحْتُمْ﴾ أي: كسبتم بالنهار ومنه ﴿اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] وجوارح الصيد: كواسبه ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ وهو أجل الحياة ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ﴾ المستعلي على عباده علوّا معنويّا (١). ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ يكتبون أعمالكم. قال هاهنا: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ وفي أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ (٢) وفي أخرى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ (٣) فالأعوان يعالجون الروح حتى تصل إلى الشراسيف (٤) فيتجلّى لها ملك الموت فتخرج، والله هو الذي سبب ذلك، فنسب ذلك إليه؛ لأنه المسبب، وإلى الأعوان؛ لأنهم المعالجون، وإلى ملك الموت؛ لأنه المباشر فإذا قبضت الروح من الرجل الصالح صعد بها إلى السماء فتفتح لها أبوابها. وأما روح الكافر فتغلق دونها أبواب السماء، وتلقى إلى حيث جاءت منه. ﴿تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ احتج به من زعم أن إخفاء الأذكار أفضل من إظهارها. وقد قال في حق زكريا: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾. ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٦٨) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا﴾

стр. 244

﴿يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ روي أنه لما نزل ﴿عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال النبي ﷺ : «أعوذ بوجهك» ولما نزل ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعوذ بوجهك» ولما قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ أي: فرقا ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ بالحرب، قال: النبي ﷺ : «هذه أهون» (١) ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي: يفهمون. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ استقرارا، أو: موضع قرار، أو: زمن قرار. ﴿حَتّى يَخُوضُوا﴾ لأن يخوضوا، «ما» في ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ زائدة. الضمير في ﴿مِنْ حِسابِهِمْ﴾ للذين يخوضون. لكن ذكرناهم ذكرى. ﴿اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ قيل: أعيادهم ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ تؤخذ نظير كسبها، وإن تفد كل فدية لا يقبل منها. والعدل: الفدية وما يعادل به المفدي. الحميم: الماء الحار. ﴿ما لا يَنْفَعُنا﴾ إن عبدناه. ﴿وَلا يَضُرُّنا﴾ إن تركناه. ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ كالذي تاه عن الطريق، وأصحابه الذين على الطريق ينادونه: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨] الطريق معنا، والجن ينادونه: إلينا، فإن الطريق معنا. ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ أي: أن نسلم. ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ وخبر، ولا يكون ﴿قَوْلُهُ﴾ اسم كان؛ إذ كان يجب نصب الحق، وكان يلزم حدوث قوله ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ دائما، وإنما خص يوم النفخ في الصور بالملك؛ لأنه انقطعت فيه دعاوى المدعين؛ كقوله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ (٢) مع أن الأمر له دائما. ﴿آزَرَ﴾ اسم أبي إبراهيم. ومثل ما أرينا إبراهيم الحق وبطلان عبادة الأصنام نريه ﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾

стр. 245

ليستبصر ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ أو: وفعلنا ذلك؛ ليكون. أو: ليكون من الموقنين فعلنا ذلك. ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ (٧٧) فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ جن الليل أي: ستر بظلامه، ومنه سمي الجن؛ لاستتارهم. والجنة: البستان؛ لستره بالأوراق والتفاف الأغصان. ﴿فَلَمّا أَفَلَ﴾ أي: غاب. ابتدأ بألطف العبارة بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً﴾ طالعا من المشرق، ثم شدد الأمر يسيرا فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ﴾ فلما أفلت الشمس أغلظ لهم القول وتبرأ من قومه. ﴿وَجْهِيَ﴾ أي: عملي وقصدي. ﴿فَطَرَ السَّماواتِ﴾ أنشأها على غير مثال سبق ﴿حَنِيفاً﴾ مائلا إلى الحق. وجادله قومه بالباطل فرد عليهم بقوله: ﴿أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ﴾ وفي ﴿(أَتُحاجُّونِّي)﴾ ثماني كلمات. الهمزة للإنكار، والتاء حرف مضارعة، وحج أي: أقام الحجة وغلب، وألف حاج للمفاعلة بين اثنين، والواو ضمير الفاعل، والنون الأولى المدغمة في النون الثانية علامة رفع، والنون الثانية نون الوقاية، والياء: ضمير المفعول.

стр. 246

﴿فِي اللهِ﴾ أي: في دين الله وفي توحيده، وكان قومه قد هددوه بأن آلهتهم تهلكه فقال: ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾. وقوله: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ تمييز محول، أي: وسع علمه كل شيء. ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ﴾ أنتم من أنكم أشركتم بالله ما لم تتم به حجة ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أنا أو أنتم، ثم بين الأحق بالأمن بقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ الآية. وهذه المحاجة ﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾. وقرئ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ (١) على أنه ظرف مكان أو أنه المصدر، كقوله ضربته سوطا. قال الفقهاء: لو أوصى لبنيه أو لأولاده لم يدخل أولاد البنات، ولو أوصى لذريته دخل أولاد البنات؛ لقوله - تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى قوله ﴿وَعِيسى﴾ (٢). ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠) وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)﴾ ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ لحبطت أعمالهم؛ كقوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٣) وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ﴾ (٤) وذلك بشرط الموت

стр. 247

على الكفر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ﴾ (١) ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ فإن الله غني عنهم، فقد وكل ﴿بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ كقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ (٢) قال العلماء: لم يكن النبي ﷺ متعبدا بشريعة أحد من الأنبياء قبل النبوة ولا بعدها؛ لأنه لو كان كذلك لاجتمع بعلماء تلك الشريعة وسألهم عن أوضاعها، وهذا هو الأصح. وقيل: تعبد بشريعة الجميع؛ لقوله بعد عدد من الأنبياء هنا: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ وقيل: تعبد بشريعة إبراهيم؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ (٣) وقيل: بشريعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لقوله - تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ (٤) الآية. الهاء في ﴿اِقْتَدِهْ﴾ للسكت؛ كقوله: ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ (٥) ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ (٦) هي بهذا الموضع أحق؛ لأنها كالعوض من حرف العلة المحذوف. ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على التبليغ، ويدل عليه السياق. ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ مفرقة حتى تكون بصدد الضياع. وقوله: ﴿قُلِ اللهُ﴾ احتج به قوم على ما يعتمدونه من ذكر الله غير موصوف بصفة من صفاته، فيقولون: الله، الله، الله، ولا حجة فيه؛ لأن قوله: ﴿قُلِ اللهُ﴾ جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ فإن لم يجيبوك فقل أنت: الله، فإعراب اسم الله في قوله: ﴿اللهَ﴾ مبتدأ، التقدير: الله أنزله. يرد على من قال من المتأخرين: إن النكرة إذا وصفت بجمل ومفردات تعينت البداية بالمفردات فتقول: مررت برجل فاضل يكتب، ولا تقول: برجل يكتب فاضل. وقد جاء القرآن بخلافه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ﴾ (٧) وقال هاهنا: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الذي مضى قبله من التوراة والإنجيل

стр. 248

وسائر الكتب المنزلة؛ لتقرأه ولتنذر به، أو لتنذر فعلنا ذلك، أو: فعلنا ذلك لتنذر به ﴿أُمَّ الْقُرى﴾ مكة. ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ جميع العالم. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾ هذه الآية بجملتها دالة على كيفية تقاضي الملائكة إخراج روح الكفار بالعنف والغلظة، كما يقول صاحب الدين الألد لغريمه: أدّ حقي إليّ وإلا نزعته من أحداقك. ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ فيه منتقلا عنكم، فهو كالمخلف قبل الظّهر. والبين: الوصل، كقوله: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ (١) أي: وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا. فالمعنى هاهنا: لقد تقطعت أسباب وصلكم. ومن قرأ «بينكم» بالنصب (٢)، فقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ معطوف على تقطّع والفاعل ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقد تنازعه ﴿تَقَطَّعَ﴾ ﴿وَضَلَّ﴾. وإن قيل: لم قال ﴿وَمُخْرِجُ﴾ ولم يقل: (ويخرج)؟ قلت: لأن قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ تفسير ل ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ أي: إن الله فالق الحب والنوى بإخراج الحي من الميت. وأما قوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ فهو معطوف على قوله: ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ وهو عطف اسم فاعل على اسم فاعل، وهو أنسب (٣).

стр. 249

﴿تُؤْفَكُونَ﴾ يقلبون عن الحق إلى الباطل. ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ذوي حسبان. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في أرحام النساء ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ في أصلاب الرجال والمستودع: أرحام الأمهات.

стр. 250

وقيل: المستقر: ظهر الأرض، والمستودع: القبور؛ كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ (١) وقيل: المستقر ظرف زمان، أي: زمن استقرار. وقيل: ظرف مكان. وقيل: مصدر، أي: ولكم في الأرض استقرار (يخرج منه) أي: من ذلك الخضر ﴿حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ وقوله: ﴿وَجَنّاتٍ﴾ معطوف على قوله: ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً﴾ ويقال: أينعت الثمرة: إذا طاب أكلها. ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ قدم أحد مفعولي «جعل» ليكون الإنكار متوجها، أي: اتخاذ الشركاء جنّا كانوا أو إنسا، ولو قدم الجن لكان الإنكار على اتخاذ الجن دون غيرهم. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ﴾ أي: بديعة سماواته. من أن يكون له ولد ولم تكن له صاحبة. ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ ولا تحيط به، ولا يلزم من نفي الإحاطة نفي الرؤية، أو يقال: الأبصار جمع معرف فيقتضي الاستغراق والأمر كذلك. ليس كل الأبصار تدركه. قال في حق الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢). (دارست) أي: اشتغلت بالدروس مع من يشتغل به. فجاءت المدارسة من اثنين فأكثر. ومن قرأ (درست) لم يكن فيه مفاعلة، ومن قرأ (درست) (٣) أي: أخبار قديمة قد درس أثرها ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من خير أو شر؛ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ (٤) قل لهم: إنما الآيات عند الله، وما يدريكم أنها إذا جاءت تؤمنون؛ فإن الله قادر على تقلب القلوب والأبصار، وعلى صرف دواعيهم إلى الشر، كما صرفها عن الإيمان قبل نزول الآية. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ﴾
следующие страницы →