← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يعني بالنصف نصفا مجردا، بل المراد: انقسام الإيمان إلى هاتين الجملتين، فهو كقوله ﷺ : "تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم" (١). ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يكلفونكم ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ بالواو يدل على أنه أمر زائد على سوء العذاب ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ الإشارة فيها إلى الإنجاء إن كان المراد بالبلاء النعمة، وإن كان المراد به النقمة فهو إشارة إلى سوء العذاب والذبح ﴿تَأَذَّنَ﴾ أعلم ﴿فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ﴾ دال على الجزاء المحذوف، وليس بجزاء؛ فإن الله غني حميد سواء كفروا أو شكروا، والتقدير: إن كفرتم لم يعبأ الله بكم ولم تضرّوه شيئا، فإنه غني عنكم محمود في السماء والأرض غني عن حمدكم. قال مالك ﵀: "من عدنان كذب النسّابون"؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ﴾ يعني أن النبي ﷺ مضبوط إلى عدنان. ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ﴾ أي: ردوا أيدي الرسل إلى أفواه الرسل ليسكتوهم، أو ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم يشيرون بالسكوت، أو ردوا أيدي أنفسهم إلى أفواه أنفسهم، كحال من عليه الضحك، يستهزئون بما قالت الرسل، أو ردوا أيدي أنفسهم إلى أفواه الرسل، ولا يجيء الرابع، وهو ردوا أيدي الرسل إلى أفواه الكافرين وفيه قول آخر: أن المراد بالأيدي النعم، أي: فردوا نعم الله، ويبعده قوله: ﴿فِي أَفْواهِهِمْ﴾ أكدوا كفرهم ب "إنّ " وقالوا: ﴿إِنّا﴾

стр. 422

﴿كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ وهم لم يؤمنوا بأنهم مرسلون، ولكنه كقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (١). وقوله: ﴿مُرِيبٍ﴾ يدل على أن الريب غير الشك، وأن الشك يوقع في الريب، وهو القلق والاضطراب. قوله: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ صفة لله، وقد فصل بين الصفة والموصوف بالمبتدأ، وقوله: ﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ يجوز أن يكون اسم كان ضمير شأن مستقر فيها، ولا يجوز أن يكون ﴿يَعْبُدُ﴾ خبرا مقدما و ﴿آباؤُنا﴾ اسمها؛ لأنه يلزم منه أن يكون في الفعل ضمير جمع، ولا يصح أن يقال: عما كان آباؤنا يعبد. ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ السلطان: الحجة. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ فيصطفي من الملائكة رسلا

стр. 423

ومن الناس ﴿وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ﴾ بآية تقترحونها ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾. وقوله: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أبلغ من ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأنه أمر من دخل في حيز المؤمن أن يدوم على التوكل ويستمر عليه؛ كقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ (١) أقسموا ليكونن أحد أمرين؛ إما الرجوع إلى دين الكفار وإما الإخراج. ﴿ذلِكَ﴾ الوعد بإهلاك الظالمين وإسكان المظلومين الأرض بعدهم ﴿ذلِكَ﴾ الوعد ﴿لِمَنْ خافَ﴾ مقامه بين يدي ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ واستنصروا ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ أي: أمامه؛ كقوله بعدها: ﴿وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ وكقوله: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (٢) أي: أمامهم، وقول الشاعر [من الوافر]: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب (٣) أي: بعده ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ ريحه. الضمير في ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ يعود على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي: بسبب إقامة الحق. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أطوع له منكم ﴿وَبَرَزُوا﴾ صاروا في أرض الموقف، وهو براز ليس فيها جبل ولا جدار ولا حائل، فقالت الأتباع لكبرائهم ﴿تَبَعاً﴾ جمع تابع، كخدم في جمع خادم، أو ذوي تبع إن كان مصدرا، والمحيص: موضع الفرار والمهرب. ويروى أن إبليس ينصب له منبر من نار في جهنم فيقول ما قصه الله. ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لما استقر أهل النار في النار ﴿وَعْدَ الْحَقِّ﴾ من إضافة الشيء إلى صفته ﴿إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ استثناء من غير الجنس؛ لأن دعاءه إياهم ليس بسلطان عليهم. قرئ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ بكسر الياء (٤) وهي لغة قليلة.

стр. 424

﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١)﴾ ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ مصدر يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل، أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام ويجوز أن يضاف إلى المفعول، أي: يحيون بالسلام إمّا من بعضهم بعضا، وإما من الملائكة؛ لقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ (١) وإمّا من الله ؛ لقوله: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٢). ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هي النخلة. وقيل: شجرة في الجنة. وقيل: شجرة مفروضة كذلك. ﴿أُكُلَها﴾ ثمرتها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ كقوله: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (٣) ﴿اُجْتُثَّتْ﴾ قطعت من أصلها. ﴿بِالْقَوْلِ الثّابِتِ﴾ بلا إله إلا الله. قيل: تثبيتهم في الحياة الدنيا استمرارهم على التوحيد مدّة العمر. وقيل: في القبر، والحياة القربى مدة البرزخ. (٩٤ /أ) ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ ببعثة الرسل تكذيبا وجحودا. و ﴿الْبَوارِ﴾ الهلاك. قوله: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ حذفت النون بلام أمر مقدرة، أي: ليقيموا الصلاة؛ كقول الشاعر [من الوافر]: محمّد تفد نفسك كلّ نفس (٤) ...

стр. 425

ولكنه فيما جاء في الكتاب العزيز أبين؛ لأنه لم يأت حذف النون وإرادة لام مقدّرة إلا في ثلاثة مواضع، هذا وقوله في "سبحان": ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١) ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ (٢) و ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فلا ينتظم معنى الشرط فيه، فجوابه: أن الأمر في هذه المواضع الثلاثة تعلق بقوم من أهل الخير والصلاح، فإن إضافة العباد إليه يدل على ذلك، وكذلك وصف المقول لهم بأنهم يؤمنون ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فنشتري ما يسر، ونجتنب ما يضر. ولا مخالة تنفع إلا مخالة المتقين، ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣). ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ (٣٤) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ ﴿رِزْقاً﴾ يجوز أن يكون "رزقا" مصدرا، على أن يكون قوله: ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ سدّ مسدّ الخبر، كأنه قال: فأخرج به بعض الثمرات لكي يرزقكم، فيكون على هذا معمولا لقوله: ﴿رِزْقاً﴾. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ﴾ جعل التسخير للفلك، وقال في أخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ (٤) ثم قال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ (٥) والتسخير شامل لهما. ﴿دائِبَيْنِ﴾ مستمرين. قرئ ﴿مِنْ كُلِّ﴾ بالتنوين (٦) و ﴿ما﴾ على هذا نافية،

стр. 426

وعلى المشهور هي موصولة. قيل: إن إبراهيم مرّ على مكة ولم تكن محل قرار لأحد، فدعا الله بأن تكون بلدا، وتكون محرّما، ثم مرّ بها وهي بلد فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ (١) فدعا لها بالأمن بعد أن صارت بلدا. وقيل: إنه دعا في الموضعين بعد كونها بلدا، ولهذا لمن رزق ولدا فلك أن تقول له: اللهم اجعله ولدا مباركا. ﴿أَضْلَلْنَ﴾ نسب الإضلال إلى الصنم وهو لم يفعل شيئا من الإضلال، لكن كان وجوده سببا فيه. ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي: محسوب من جماعتي، فهو كالجزء مني، وقال ﵇: "من غشنا فليس منا" (٢) وقال الشاعر [من الوافر]: فإنّي لست منك ولست مني (٣) ... ﴿وَمَنْ عَصانِي﴾ مع كونه موافقا لي في الدين فاغفر له وكان ذلك قبل نهيه عن الاستغفار للكفار. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ يؤيد قول النبي ﷺ : "اللهم إن إبراهيم حرم مكة (٩٤ /ب) وإني حرمت المدينة بما حرم به إبراهيم مكة" (٤). ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١) وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣)﴾

стр. 427

﴿فَاجْعَلْ﴾ قلوب الناس ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ مسرعة. ﴿إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ﴾ من الوجد بالولد إسماعيل وتخليته بواد غير ذي زرع. ﴿عَلَى الْكِبَرِ﴾ في موضع الحال. ﴿الدُّعاءِ﴾ عبادة تقبل ويثاب عليها وذلك أمر زائد على كون الدعاء مستجابا، فدعا إبراهيم بأن يكون دعاؤه مقبولا عند الله مثابا عليه، واستغفر لأبيه قبل النهي وقد سبق الاعتذار عنه في سورة التوبة (١). يوم يقوم الناس للحساب. وقيل: يقال: قامت السوق إذا كثر البيع والشراء. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ﴾ يأيها المخاطب بهذا الكلام، وهو كل سامع، فإن رسول الله ﷺ لا يحسب الله غافلا وهو كقول الخطيب: "ابن آدم عندك ما يكفيك وتطلب ما يطغيك" (٢).وقيل: لا يلزم من النهي عن الشيء كونه فعل؛ كقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ (٣) ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ (٤) ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين ﴿مُقْنِعِي﴾ رافعين ﴿رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ محدقين لما يرون، كما قال: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٥) أي: نظرك حادّ محدق. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ أي: خالية، كما قال حسان [من المتقارب]: فأنت مجوف نخب هواء (٦) ... ولا يراد به الذي يهبّ، فإنه إنما يسمى ريحا، ولا يقال: هواء.

стр. 428

﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧)﴾ ﴿يَوْمَ﴾ مفعول ب ﴿وَأَنْذِرِ﴾ ولا يجوز أن يكون ظرفا؛ لفساد المعنى. ﴿أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (١) ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي﴾ بعض بلاد ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ من الكفار حتى يجمع بينه وبين قوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ (٢) ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ اللائق بمثلهم. ﴿وَعِنْدَ اللهِ﴾ جزاء ﴿مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ﴾ قرئ بكسر لام كي وفتح لام الفعل، وقرئ بفتح اللام الأول، وتكون هي الفارقة، ورفع لام الفعل (٣). وقيل في ﴿وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾: إنه من باب المقلوب، وتقديره: مخلف رسله وعده، وهذا ليس بمقلوب، وهو مثل قول الشاعر [من الطويل]: ترى الثور فيها مدخل الظّلّ رأسه ... وسائره باد إلى الشّمس أجمع (٤) إنما المقلوب في المركبات كقوله: ﴿إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (٥) لتنهض بالمفاتح، ومعنى قوله (٩٥ /أ) ناء بالحمل، أي: نهض مائلا إلى أحد شقيه، ومثله قوله - تعالى: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ على قراءة من قرأ كذلك (٦).

стр. 429

والمقلوب في المفردات كقولهم: شاك السلاح، بمعنى: شائك، وجرف هار، بمعنى: هائر. ومن المركب قولهم: أدخلت الخاتم في إصبعي. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١) هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)﴾ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ يعني: تبدل صفاتها فتدك جبالها ويسوى منخفضها بالمرتفع حتى تكون ﴿فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ (١) ومنه قولهم: ذهب بوجه وجاء بوجه غير الذي ذهب به، ومنه: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها﴾ (٢) على أحد القولين. وقيل: هو تبديل على الحقيقة، يخلق الله أرضا غير هذه الأرض لم يعص الله عليها قط. ﴿الْأَصْفادِ﴾ القيود. والقطران إذا أحرق بالنار كان شديد الحر كثير النتن فيعظم بسببه العذاب. قيل: لكل كتاب عنوان، وعنوان هذا الكتاب العزيز: ﴿هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾. ***

стр. 430

سورة الحجر [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨) إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)﴾ قيل: إن «رّب» إذا كفت ب «ما» تصير للتكثير بدليل هذه الآية، فإن الكفار كلهم يتمنون لو كانوا مسلمين ومنه قول الشاعر [من المديد]: ربما أشرفت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات (١) والأكثرون على أنها باقية للتقليل، وفيها لغات: تخفيف الباء، وتشديدها، ولحوق التاء بعد الباء، وحذفها. قيل: إن ﴿لَوْ﴾ بمعنى (أن)؛ كقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ﴾ (٢) ﴿ذَرْهُمْ﴾ أمر تهديد؛ كقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً﴾ (٣) ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (٤) ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سوء عاقبة ذلك. ﴿إِلاّ وَلَها كِتابٌ﴾ أي: أجل كتب في اللوح المحفوظ. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ بزعمه (لولا) هلا ﴿تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ﴾ يشهدون بصحة دعواك. ﴿ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ﴾ بعد تكذيبهم بالرسل إلا بالعذاب. تولى الله حفظ الكتاب بقوله: ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ فحفظ من التبديل والتغيير، ووكّل

стр. 431

حفظ التوراة إلى الأحبار بقوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ﴾ (١) فضاع وبدّل. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾ الشيع: الجماعات. ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ أي: ندخله. (٩٥ /أ) ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ مكذبا مستهزءا به. ﴿وَقَدْ﴾ مضت عادة الله في إهلاك المكذبين. فتح الباب من السماء آية تشاهد بالبصر. وقوله: ﴿فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ جمع بين حسّ اللمس وحسّ البصر. ﴿سُكِّرَتْ﴾ سدت. قيل: البروج: القصور؛ كقوله: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٢) وقيل: هي البروج الاثنا عشر: الحمل والثور ... إلى آخرها (٣). ﴿وَزَيَّنّاها﴾ أي: السماء ﴿إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ استثناء منقطع. والشهاب: شعلة نار تخرج من الكوكب، والكوكب باق، وإلا لفنيت الكواكب على زمان طول الرجم. ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها﴾ بعد خلق السماء؛ لقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ (٤) أي: بسطها. ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ﴾

стр. 432

﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣١)﴾ ﴿وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ له قدر ووزن، ولا يعطف ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ﴾ على قوله ﴿لَكُمْ﴾ لأن المضمر المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة حرف الجر إلا في لغة قليلة، كقوله [من البسيط]: فما بك والأيام من عجب (١) ... ولكن التقدير هنا: ومن لستم له برازقين كذلك. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إلا في تصرفنا وقبضتنا، فعبر عن ذلك بكونه في الخزائن عنده، وفي موضع آخر عبّر عنه بكون مفاتح تلك الخزائن بيده بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (٢) ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣). ﴿الرِّياحَ﴾ لاقحة للشجر منشئة لسحب المطر. أسقى بالهمز: جعله سقيا لأرضه وزرعه. وسقاه ماء: أعطاه شيئا شربه. المستقدمين والمستأخرين: الأمم الخالية كلهم، من سبق ومن لحق. وقيل: المستقدمون في الحرب، والمتأخرون، وهو بعيد؛ لأن سورة الحجر مكية، ولم يكن ثم قتال. قيل: الصلصال الذي له صوت. وقيل: هو من صلّ اللحم، إذا أنتن. فخلقه من طين منتن. والحمأ: الطين الذي في قعر الماء. ﴿مَسْنُونٍ﴾ متغير، أسن الماء إذا تغيّر. وقيل: مسنون: مصبوب. وفي الحديث عن عمرو بن العاص: "فإذا أنا متّ فسنّوا عليّ التراب سنّا" (٤). واذكر إذ قال ربك ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ أي: فبادروا إلى السجود مسرعين، كالذي يلق من مكان ومثله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ (٥) ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ (٦) ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ﴾ (٧).

стр. 433

قيل: كان إبليس من الملائكة، وكونه من الجن لا ينافي ذلك، إما أنه من خزّان الجنان كان، أو لاستتارهم عن الأبصار. وقيل: لم يكن من الجن؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (٩٦ /أ) الآيتين (١). تبرأت الملائكة ونسبوا الفعل إلى الجن، فلو كانت الملائكة جنّا لقال: فهم منكم. وإنما عتب إبليس والأمر للملائكة لأنه كان مغمورا في زمرتهم، فغلب اسمهم عليه. وقيل: إنه لم يؤمر بالسجود لآدم كلّ الملائكة، بل الملائكة المقربون لم يؤمروا بذلك؛ لقوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٢) بتقديم المجرور الدال على الاختصاص، ويقوي ذلك قوله - تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ (٣) أي: من الملائكة الذين رفع قدرهم عن أن يسجدوا لغير الله، وهذا بعيد؛ لقوله: ﴿أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٤) فجعل إبليس مأمورا وعمم بقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ عدل عن الجواب إلى قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ بيّن بذلك علة الامتناع، وكان القياس في الجواب: إن الفاضل لا ينبغي أن يسجد للمفضول، وأنا أفضل منه فلا أسجد له. ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ ﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها﴾ من سماء الدنيا إلى الأرض. وقيل: من الجنة. ﴿رَجِيمٌ﴾ مرجوم بالشهب. وقيل: مرجوم بمعنى مطرود ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ سأل الخبيث ألا يموت؛ لأنه لا يبقى بعد نفخة البعث موت لأحد، فأجيب بالنظرة إلى وقت

стр. 434

النفخة ليموت مع من يموت بها. ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ فيه ردّ على من زعم أنه إذا جاء الوصف بجملة ومفرد قدم الوصف بالمفرد على الجملة، وهاهنا قد قدّم ﴿مِنْهُمُ﴾ على قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ و ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ مفرد صفة ل ﴿عِبادَكَ﴾ و ﴿مِنْهُمُ﴾ وإن لم يكن صفة فهي حال معناها معنى الوصف، ويرد عليه قوله تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ﴾ (٢). ﴿إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ قيل: إنه استثناء منقطع؛ لأن إضافة العباد إلى الله تدل على اختصاصهم بخدمته، فلا يدخل فيه الغاوون، وإن كان متصلا ففيه استثناء الكثير وإبقاء القليل ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (٤) ﴿لَمَوْعِدُهُمْ﴾ لموعد الغاوين. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١)﴾

стр. 435

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ لأنهم ليسوا في نفس العيون. ﴿بِسَلامٍ﴾ أي: بسلامة، أو يحيون على الواحد والجمع، ومنه ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً﴾ ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (١). ﴿قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ (٢) ﴿قالَ سَلامٌ﴾ (٣) قال أصحاب علم البيان: سلام إبراهيم كان أبلغ من سلام الملائكة؛ لأن سلام الملائكة جاء بنصب سلام على المصدر (٩٦ /ب) التقدير: سلمنا سلاما. والفعل يدل على التجدد والحدوث، وسلام إبراهيم دالّ على الثبوت. تقول للزرع في مبدأه: هذا الزرع يطول وطال، فإذا تكامل طوله قلت: زرع طويل، ولا تقول: يطول. ﴿إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ خافهم لمّا قدّم إليهم الطعام فرأى أيديهم لا تصل إليه. وقربه منهم إرادة عذر ﴿عَلى أَنْ مَسَّنِيَ﴾ حال؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ (٤) ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ بأي شيء تقع هذه البشارة بما يستحيل عادة! ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ﴾ فما أمركم المهم الذي هو خطب. قوله: ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ﴾ مستثنى من قوله: ﴿مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ استثناء ثان من المستثنى منه الأول، وهم آل لوط، ولما كانت الأمور العظيمة تجري على أيدي الملائكة نسب إليهم في قوله: ﴿قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ﴾ والمقدّر هو الله. ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ لا نعرفكم في هذا الإقليم. ﴿يَمْتَرُونَ﴾ يشكون. ﴿وَأَتَيْناكَ﴾ بالبشارة الحق. ﴿بِقِطْعٍ﴾ بجانب من الليل. ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ﴾ وكن على ساقتهم ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا يرى ما يهوله من عذاب الله، ولأن الله أمره بالتقدم، والالتفات مخالف لما أمر به. وقوله: ﴿أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ تفسير لقوله: ﴿ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ ﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بحصول أضياف حسان الصور. قيل: أراد بناتي لصلبي تتزوجوهن، وكان يجوز تزويج المسلمة للكافر، كما زوج النبي

стр. 436

صلّى الله عليه وسلم ابنته زينب لأبي العاص بن الرّبيع، وهو كافر. وقيل: أراد بقوله: ﴿بَناتِي﴾ نساء أمته؛ لأن النبي لأمته كالوالد. وقرئ "وأزواجه أمّهاتهم وهو أب لهم" (١). ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ ﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسم بحياة لوط. وقيل: بحياة النبي محمد ﷺ . ﴿مُشْرِقِينَ﴾ داخلين في وقت شروق الشمس. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ المتبصرين. ﴿وَإِنَّها﴾ وإن قرى قوم لوط لعلى طريقهم في الأسفار. وقيل: إن عقوبة من فعل فعل قوم لوط أن يعاقب بمثل ما عوقبوا به. قال بعضهم: يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة. قيل: ﴿الْأَيْكَةِ﴾ الشجر. وقيل: هو نوع مخصوص من الشجر، وكان شعيب ﵇ قد بعث إلى أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، وشعيب من أهل مدين فقال: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ وقال: (٩٧ /أ) ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ولم يقل: أخوهم. وأهلك الله أصحاب مدين بالصيحة، وأهلك أصحاب الأيكة بأن سلط عليهم حرّا شديدا لا يدفعه لباس ولا بناء، فخرجوا إلى البرية فأظلتهم غمامة فاجتمعوا في ظلها يرجون برد ظلها، فأمطرت عليهم نارا، وهو عذاب يوم الظلة ﴿وَإِنَّهُما﴾ وإن المؤتفكات وأصحاب الأيكة ﴿لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ لبطريق واضح. ﴿أَصْحابُ الْحِجْرِ﴾ ثمود. ﴿وَآتَيْناهُمْ آياتِنا﴾ يعني الناقة وفصيلها وشربها. وقيل: كانوا طوال الأعمار فلا تبقى الدار مدة عمر أحدهم، فكانوا ينحتون من الجبال بيوتا؛ لطول بقاء بيوت الجبال. ﴿آمِنِينَ﴾ من سقوطها عليهم بإتقانها وإحكامها. وقيل: آمنين من عذاب الله - عز

стр. 437

وجل - غير خائفين منه ولا مترقبين له. (ما) في ﴿فَما أَغْنى﴾ يجوز أن تكون نافية، وأن تكون استفهامية بمعنى الإنكار. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بسبب إقامة الحق. ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ الذي ليس معه عيب ولا إعراض. ﴿سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي﴾ قيل: هو القرآن كله لتضمنه الثناء على الله بما هو أهله، أو لأنه ثنّيت فيه القصص والأمثال والأحكام ويدل على أن المراد الكتاب كله: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ﴾ (١). وقيل: هي السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف وفي السابعة وجهان: أحدهما: أنها يونس. والثاني: أنهما الأنفال وبراءة وهما كالسورة الواحدة، ولم يفصل بينهما (بسم الله الرحمن الرحيم). وقيل: هي الفاتحة، سبع آيات فيها الثناء على الله وجاء في الحديث في وصف الفاتحة: "هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" (٢) وأما الواو في قوله: ﴿وَالْقُرْآنَ﴾ فعلى الأول يكون من عطف الشيء على نفسه؛ كقوله - تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً﴾ (٣). وعلى الثاني عطف الكل على البعض؛ كقوله - تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ (٤) وكذلك على الثالث. ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾

стр. 438

﴿لا تَمُدَّنَّ﴾ نظر ﴿عَيْنَيْكَ﴾. ﴿أَزْواجاً﴾ أصنافا، وألن جانبك للمؤمنين، وحذّر الكافرين عذابا مثل عذاب المقتسمين. وكان كفار قريش قد اقتسموا شعاب مكة في الموسم ويقولون لكل من جاء: لا تقرب هذا الرجل، يعنون محمدا ﷺ (٩٧ /ب) فإنه كذاب أو مجنون أو ساحر، ولم يتركوا طريقا إلى مكة إلا جلسوا عليه ليصدوا عن النبي ﷺ ، فأهلكهم الله بعذاب من عنده. ﴿عِضِينَ﴾ جمع بالواو والنون جمع تعويض، وأصله: عضة، والعضهة والعضيهة: الكذب. وقيل: عضوا القرآن عضة: جزؤوه أجزاء، فكان يقول أحدهم: لي سورة العنكبوت، ويقول الآخر: لي سورة البقرة، ويقول الآخر: لي سورة الشعراء، استهزاء منهم بالقرآن، فجعلوه أجزاء وأعضاء (١). ﴿فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ أبلغه جهرا. روي أن أعرابيّا سمع هذه الآية فسجد، فقيل له في ذلك فقال: سجدت لفصاحة قائل هذا الكلام. والمستهزئون جماعة أغراهم الإمهال بالاستهزاء بالنبي ﷺ فعوقب كل واحد منهم بعقوبة كفى الله النبي ﷺ شرّهم بها. قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ تسلية للنبي ﷺ ، وهو كقول الملك لمن بعثه في مهمة: بلغني اجتهادك وجميل سعيك، فلا يشك السامع بأنه يكافئه على ذلك. ﴿الْيَقِينُ﴾ الموت. ***

стр. 439

سورة النحل [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥)﴾ وتسمّى سورة النعم، ويروى أنه لما نزل ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ وثب النبي ﷺ وجماعة من الصحابة، وظنوا أن القيامة قد أتت حتى نزل قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فسكن ما بهم (١). والهاء في ﴿تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ تعود على الأمر، أو على اسم الله، والمعنى يختلف، فالأول تقديره: لا تستعجلوه بالعذاب. والثاني: لا تطلبوا من الله العجلة، والهاء في ﴿سُبْحانَهُ﴾ في موضع جرّ؛ لأنه لو ظهر لكان مجرورا؛ لقوله: ﴿سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى﴾ (٢) ولو ظهر وكان مجرورا ففي تقديره قولان: أحدهما: تنزّه الله، فيكون فاعلا مرفوعا؛ لأنه عطف عليه ﴿وَتَعالى﴾ وهو فعل ماض. والثاني: نصب، تقديره: نزهت الله، وأصل المتنزه: المكان البعيد المنفسح. وقوله ﵇: "تنزهوا من البول" (٣) أي: تباعدوا منه. و ﴿ما﴾ في ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مصدرية، ويستغنى بذلك عن الإضمار، فإنك إذا جعلتها موصولة كان التقدير: وتعالى عن مشابهة ما يشركونه به. سمّى الله القرآن روحا هاهنا وفي قوله: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ (٤) (٩٨ /أ). وفي سورة غافر ﴿ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ (٥) لأن به حياة القلوب، كما أن بالروح حياة الجسد. ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾

стр. 440

أي أنذروا. ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يستنكف من استصحابها في ثوب أو جسد، ففاجأ بكونه خصيما شديد الخصومة. و ﴿وَالْأَنْعامَ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، ومما تفرد به هذا الاسم أنك إن أفردته فقلت: النّعم كانت إبلا محضة، وإن جمعته فقلت: أنعام. كان إبلا وبقرا وغنما. ﴿لَكُمْ فِيها دِفْءٌ﴾ بأصوافها وأوبارها وأشعارها يصنع منها ما يستدفأ به. ﴿وَمَنافِعُ﴾ سوى الاستدفاء من وقاية حرّ الشمس. ﴿وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ أي: من لحومها، ويجوز أن يراد ومن أجرتها إذا أوجرت، وألبانها إذا حلبت، وأصوافها وأشعارها إذا نسجت، مأكلة لكم تجدون منها القوت، كقولك: أنا إنما آكل من هذه الدار، أي: من أجرتها. إذا جاءت النعم من المرعى يفتخر أهلها بها يقولون: هذه نعم بني فلان، وقدّم وقت الإراحة؛ لأنها تعود حفّلا (١) باللبن، فالجمال بها أكثر من وقت خروجها للمرعى محلوبة. ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ حذف مفعول ﴿تُرِيحُونَ﴾ و ﴿تَسْرَحُونَ﴾ لدلالة الكلام عليه، وهو دليل على أن يقال: سرحت النعم. مخففا، بمعنى سرحتها. ﴿لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ﴾ لو لم يكن لكم أنعام إلا بمشقة شديدة. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ خلق هذه الأنعام وهيأها لمصالحكم. ﴿وَالْخَيْلَ﴾ معطوف على ﴿وَالْأَنْعامَ﴾ وقد احتج به من زعم أن الخيل لا يؤكل لحمها، ولا حجة فيه؛ لأن لفظ الآية لا يدل على تحريم ولا تحليل (٢). وشرط المفعول من أجله أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل، فإن لم يكن كذلك وجبت اللام فلما كان الركوب فعلا لغير الخالق أتى فيه باللام في قوله: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ ولما كانت الزينة من فعل الله الذي خلق لم يأت باللام (٣) ومثله قوله - تعالى: ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾

стр. 441

﴿لِتَشْقى (٢) إِلاّ تَذْكِرَةً﴾ (١) والتذكرة من فعل الله، والشقاوة من فعل الخلق. ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قيل في تفسيره أقاويل باطلة؛ لقوله: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فلو صحّ تفسيره بشيء لكان معلوما، وفي المثل: "إذا استأثر الله بشيء فاله عنه" (٢). ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي: الطريق القصد الموصلة إليه، ومن الطرق ﴿جائِرٌ﴾ عادل عن السبيل الحق ضالّ ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ترعاه السائمة من النعم، تقول: أسمت النعم، إذا أرسلتها في المرعى المباحة (٩٨ /ب) ومنه قوله ﵇: "في سائمة النعم الزكاة" (٣) وهي مأخوذة من السّومة، وهي العلامة إذا أطلقت

стр. 442

الإبل للرعي فيها صارت مواضع الرعي علامة أو كالعلامة، ولما كانت النخل ينتفع طلعا أبيض، وبلحا أخضر، وبسرا أصفر وأحمر، ومطرفا وتمرا ورطبا، أتى باسم النخل، ولما كان أكثر منافع الزيتون والعنب إنما هو ثمرتها على حالة واحدة - سمي شجرها باسم الثمرة، وإن انتفع بالحصرم من العنب، وهو انتفاع يسير بالنسبة إلى ثمرة العنب فلذلك سمّى شجرتهما باسم ثمرتهما. وقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ يجوز أن ينوب مناب المفعول، ويكون التقدير: وينبت لكم بعض الثمرات، ويجوز أن يكون المفعول محذوفا، أي: وينبت من كل الثمرات ما يقتات وما يتفكه به. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ﴾، لتحصل مصالحكم وقوله ﴿مُسَخَّراتٌ﴾ أي: بالتسخير صارت مسخرات وهو قريب من قولك: بريت الأنبوبة قلما، وعملت الخشبة بابا. ﴿وَما ذَرَأَ﴾ أي: وخلق خلق ﴿ذَرَأَ﴾ بمعنى بث يريد: وطعومه وأرايحه؛ لأن منفعة اللون تعم من أكل من الثمرة ومن لم يأكل، ومنفعة الأراييح قليلة بالنسبة إلى ما سواها قوله: ﴿لَحْماً طَرِيًّا﴾ فيه إشعار بأن أطيب السمك الطري منه. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ وهي اللؤلؤ والجوهر، وقد يحتج بذلك على جواز تحلي الرجال باللؤلؤ؛ لأن الله ذكر ذلك في معرض الامتنان (١). وقوله: ﴿تَلْبَسُونَها﴾ جمع للمذكر فإما أن تكون ذكورا خاصا أو ذكورا وإناثا وعلى التقديرين فالاحتجاج به حاصل، والمراد بالفلك هاهنا الجمع لقوله: ﴿مَواخِرَ﴾ جمع ماخرة، والماخرة التي تشق الماء. وقيل: التي يسمع لها صوت لشقها الماء. وقيل: مواخر أي: مقلعات. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة والاصطياد. ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩)﴾

стр. 443

﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ جمع راسية، أي: ثابتة. وقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: كراهة أن تميد بكم، فتكون الجبال مرسية للأرض. ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال قتادة: "خلق الله الكواكب ليهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ولزينة السماء بها، ولرجم الشياطين إذا استرقوا السمع، فمن ادعى فيها أنها تدل على ما يكون من الأمور والوقائع فقد افترى على الله" (١).وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ أي: لا تكون الأصنام (٩٩ /أ) مماثلة بما شبه الله، وقد سبق نظائره ﴿قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ (٢). ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ (٣). ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ (٤) لأن من أشبهك فقد أشبهته و ﴿النَّعَمِ﴾ اسم جنس، ولهذا قال: ﴿لا تُحْصُوها﴾ أي: لا تحصوا عددها، ثم بيّن سبحانه تباعد ما بينه وبين الأصنام، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ وما تشعر الأصنام متى يكون بعثها، وتكرر في الكتاب العزيز ﴿لا يُحِبُّ﴾ ولم يقل (يبغض) إلا قليلا، وجاء في السنة؛ لأن اسم الفاعل من أحب لا يوهم نقصا، واسم الفاعل من أبغض يوهمه، فلا يجوز أن يقال لله: يا مبغض. لقوله: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها﴾ (٥). ولأن المحبة هي الإيثار، وفعل الخير مع من تحبه، ومواهب الله لا تنقطع عنا، فهو محب ولا خير إلا منه، فلو قطع مداد الخير لم يتصل من جهة غيره فلزم من كونه ﴿لا يُحِبُّ﴾ أن يفوت جميع المصالح بخلاف قول القائل: إنني لا أحب ملك الهند ولا أبغضه. فلا يلزم من بغضي له فوات مصالحته فلا يستوي، ففي حق الآدمي قولي: لا أحب فلانا، وأبغضه. ويستوي في حق الله - تعالى - أن الله لا يحب وأن الله يبغض.

стр. 444

﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ ﴿ذا﴾ في ﴿ماذا﴾ يجوز أن تكون زائدة فيكون جوابها على المختار بالنصب فإذا قال: ماذا صنعت؟ قلت في جوابه: خيرا، أي: صنعت خيرا وقرئ ﴿ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ بالنصب والرفع (١) على التأويلين، وفي هذه الآية خاصة أنه قال في حق المؤمنين ﴿خَيْراً﴾ لأن التقدير: أنزل خيرا، وهم المؤمنون بالإنزال، وقال في حق الكفار ﴿قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ والتقدير: هذه أساطير الأولين ولو نصبوا ﴿أَساطِيرُ﴾ لكانوا مؤمنين بالإنزال وهم كفار به، والمؤمن تكفر سيئاته بالمصائب في الدنيا بخلاف الكافر فلذلك تبقى أوزار الكفار كاملة لم يكفر منها شيء وتحملوا مثل أوزار الذين يضلونهم ألا قبح ما يحملون.

стр. 445

﴿فَأَتَى﴾ تخريب الله، وابتداء ذلك التخريب ﴿مِنَ الْقَواعِدِ﴾ ﴿يُخْزِيهِمْ﴾ يهينهم ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ بزعمكم ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ﴾ به الأنبياء والصالحين ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ قائلين: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ فأجابتهم الملائكة ﴿بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ فلتدخل كل طائفة من باب وهذه حال مقدرة؛ لأن أول الدخول ليس من الخلود في شيء. والمثوى: موضع الثواء وهو الإقامة ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ﴾ من إضافة الشيء إلى صفته ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ هو المخصوص بالمدح و ﴿عَدْنٍ﴾ معرفة. وقيل: نكرة وتقديره: جنات إقامة ﴿تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ لقبض أرواحهم. وقيل: للخروج من القبور يبشرونهم بالثواب (٩٩ /ب) ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ قيل: ينتظرون ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ لقبض أرواحهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بقيام الساعة ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ﴾ استفهام معناه النفي. لما كان في البعث معنى القول جاءت أن المفسرة وهي لا تأتي مع صريح القول ولا مع ما ليس في معنى القول. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ و ﴿الطّاغُوتَ﴾ كل معبود دون الله. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ أمر بالسبب والمسبب ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعل، أو اسم كان، والخبر ﴿كَيْفَ﴾ ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ لم يفد حرصك ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ وجمع الناصرين ردّا لظنهم؛ لأنهم عبدوا آلهة شتى، واعتقدوا الانتصار بها وبجماعتهم ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (١) ولقوله: ﴿أَمْ﴾

стр. 446

﴿يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ (١). قيل: من حلف بالله فقد أقسم جهد اليمين (٢). ﴿بَلى﴾ وعد ذلك ﴿وَعْداً عَلَيْهِ﴾ الوفاء؛ لإخباره بوقوعه، يبعثهم ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وليفضح الكفار بعلمهم أنهم كانوا كاذبين. ﴿مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ وأوذوا أذى أزعجهم إلى الإخراج ﴿فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ هي المدينة (٣) ولما كان في ذلك أذى الكفار وإيلام لهم، قال: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو علموا ذلك لما آذوا المؤمنين، وتقديم المجرور في قوله: ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ للاختصاص. ولم يبعث الله رسولا إلا ذكرا لقوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً﴾ ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أصحاب الكتب القديمة (٤). وقوله: ﴿بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلق بفعل دل عليه ﴿وَما أَرْسَلْنا﴾ أي: أرسلناهم بالبينات والكتب. وقيل: متعلق ب ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾، واحتج قوم منعوا نسخ الكتاب بالسنة بهذه الآية، فإنه جعله مبينا وليس المبطل مبينا ولا حجة فيه؛ لأن النسخ بيان انتهاء مدة الحكم (٥). التخوف: النقص قال الشاعر [من البسيط]:

стр. 447

تخوّف الرّحل منها تامكا قردا ... كما تخوّف عود النّبعة السّفن (١) ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ سجود الذين يعقلون بوضع الجبهة على الأرض، وسجود ما لا يعقل بتفيؤ الظلال عن اليمين والشمائل سجدا طائعين ﴿وَهُمْ داخِرُونَ﴾ ذليلون خاضعون. قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ قيل: فيه استعمال المشترك في معنييه؛ لأن سجود الملائكة حقيقة ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن السجود له. ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ فحذف الياء ووصل (١٠٠ /أ) الفعل فصار ما يؤمرونه، ثم حذف الضمير المنصوب وحذفه مطرد؛ كقوله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ (٢). وقيل: إن "أمر" يتعدى إلى مفعولين والمفعول الثاني هو المضمر، ولا يحتاج إلى تقدير الباء. ومثل هذا في قوله [من البسيط]: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب (٣)

стр. 448

﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾ قد ينهى الإنسان ولده عن صحبة فاسقين، ويزيد مع ذلك النهي عن كل واحد، ويجوز أن ينهاه عن الجمع بينهما، وأن ينهاه عن الانفراد بصحبة أحدهما فنهاه هاهنا عن اتخاذ اثنين لا عن كل واحد منهما، فإن الله وحده لا ينهى من عبده وأفرده بالوحدانية، فلهذا قال: ﴿إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ليبين أن المنهي اتخاذ اثنين ﴿فَإِيّايَ﴾ ارهبوا ﴿فَارْهَبُونِ﴾ وقد اشتغلت ﴿فَارْهَبُونِ﴾ بضميرها. قوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِباً﴾ أي: دائما، ومنه قوله: ﴿عَذابٌ واصِبٌ﴾ (١). قوله: ﴿ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ هذه الفاء في ﴿فَإِلَيْهِ﴾ جواب إذا، وقوله: ﴿ثُمَّ﴾ دليل على استبعاد ما فعلوه من اعتقاد الشريك؛ لأن الله وحده هو المتفرد بسائر وجوه الإنعام، ولفظة ﴿ثُمَّ﴾ دليل عليه؛ كقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢) ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ﴾ (٣) وقول الشاعر [من الطويل]: ولا يكشف الغمّاء إلا ابن حرّة ... يرى غمرات الموت ثمّ يزورها (٤) ﴿إِذا فَرِيقٌ﴾ إذا للمفاجأة وهي جواب ل ﴿إِذا﴾ الشرطية ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ اللام لام الأمر وهو تهديد كقوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (٥) ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾ إلهيته أو شركته ﴿نَصِيباً﴾ من

стр. 449

حروثهم وأنعامهم، وشرح ذلك في سورة الأنعام (١). وقيل في القسم بالتاء في ﴿تَاللهِ﴾ إنها لا تقع إلا فيما يتعجب من المقسم عليه؛ كقوله: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ (٢) تعجب كيف تيسّر له كسر أصنام الملك مع عظمة سلطانه وضعف حال النمرود. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ﴾ هو كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً﴾ (٣) ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾ (٤) وليس بمعنى التصيير؛ لأن الملائكة ما صاروا إناثا ولا صار لله البنات! ﴿وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ من الذكور أي: يجعلون ذلك لأنفسهم. قوله: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ يجوز أن يكون تهكما؛ كقوله ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥) لأن ولادة الأنثى للرجل لا يبشر بها، ويجوز أن تكون البشارة بسلامة الأم وولادة الأنثى تامة الخلق فتكون البشارة على بابها. ﴿ظَلَّ﴾ أي: صار نهارا وزعم الزمخشري (٦) أن أكثر الولادة يقع ليلا فيحصل التبشير بها نهارا. ﴿كَظِيمٌ﴾ مملوء غضبا وأصل الكظام الخيط الذى (١٠٠ /ب) تشد به القربة، شبه من امتلأ غضبا. كظيم بمعنى مكظوم. ﴿يَتَوارى﴾ يتستر يتروّى ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾ ترعى الإبل، أم يدفنها بالحياة؟! ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ هذا كما يرد على

стр. 450

الشاتم شتمه فيقال: جعلت لله الأدنى، وجعلت لنفسك الأعلى، بل لك مثل السوء ولله المثل الأعلى. ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أتى بعد ﴿لَوْ﴾ بالفعل المضارع ليدل على تكرر عدم المؤاخذة، والهاء في ﴿عَلَيْها﴾ تعود على الأرض، ولم يجر لها ذكر فيما قرب؛ لأنه مفهوم من السياق؛ كقوله: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ (١) يعني: الشمس، وكذا قول الشاعر [من الكامل]: حتّى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجنّ عورات الثغور ظلامها (٢) أراد الشمس. والكافر: البحر. وكان بعضهم يقف على قوله: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ ويجعل قوله: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مستأنفا قال: لأنه إذا جاء الأجل يستحيل الاستقدام عنه بعد أن يجيء ولا يستحيل التأخير، وجوابه: أن جعله أجلا مانع من التقدم والتأخر معا (٣). ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾ من البنات ﴿وَتَصِفُ﴾ أي: وتحكي. قرئ ﴿الْكَذِبَ﴾ بضم الكاف والذال ورفع الباء جمع كذوب، كصبور وصبر وغفور وغفر، ويكون ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ هو المفعول، وعلي القراءة المشهورة ﴿الْكَذِبَ﴾ بالنصب (٤) مفعول، و ﴿أَنَّ لَهُمُ﴾

стр. 451

﴿الْحُسْنى﴾ بدل منه ﴿لا جَرَمَ﴾ مضى في سورة هود (١) ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بكسر الراء متجاوزون الحد، وبفتحها (٢) مقدمون إلى النار. ﴿تَاللهِ﴾ يمين مع تعجب ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ للبيان والهدى والرحمة. ومن قرأ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ فهو من سقاه إذا أعطاه شيئا يشربه، ومن ضم النون (٣)، فهو من أسقاه إذا جعل له شربا. وسئل بعضهم عن التوبة الخالصة فقال: هي كما ترى اللبن خالصا من الفرث والدم لا ترى فيه منهما أثرا. ﴿سَكَراً﴾ وصف لفعلهم واتخاذهم، فلا يدل على حل ولا حرمة. وقيل: يدل على الحلّ لأن سورة النحل مكية والخمر إنما حرمت بالمدينة فيكون تحليلها من قبل مدلولا عليه بالكتاب. ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ﴾

стр. 452

﴿أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ﴾ ألهمها، فصارت كالمخاطبة بقوله: ﴿اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً﴾ ﴿فَاسْلُكِي﴾ ويسر الله عليها سلوك الأماكن البعيدة والهداية إلى أماكنها بعد بعدها عنها وهو قوله: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ أي: ميسرة مسهلة من قولهم: دابة ذلول ﴿فِيهِ شِفاءٌ﴾ ولم يقل فيه الشفاء؛ لأن فيه شفاء بعض الأمراض دون بعض (١). وأرذل العمر: الهرم (١٠١ /أ) وهو أن يصير كثير النسيان، وتضعف قواه التي في بدنه كلها ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ فكما لا يشارك العبيد مواليهم في أرزاقهم كذلك لا يشارك الصنم الذي هو مثل العبد مولاه في ذلك ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم. الحفدة: هم الذين يسرعون في المشي حول كبيرهم؛ لأن خطاهم قصيرة، وخطى مواليهم طويلة، فيحتاج الحفدة إلى الإسراع، ومنه ما جاء في القنوت: "وإليك نسعى ونحفد" (٢) ﴿رِزْقاً﴾ عامل فيه ﴿شَيْئاً﴾ ومثله ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً﴾ (٣). ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ﴾ أي: لا تجعلوا له الأشباه. وحذف مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ و ﴿تَعْلَمُونَ﴾ لأن المراد المصدر وثبوته لله ونفيه عن الخلق؛ كقوله: ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (٤) ﴿عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ هذه الجملة الأخيرة سيقت للذم؛ كقوله: ﴿مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٥) ليس المراد تخصيص شيطان رجيم عن آخر ليس برجيم، فالعبد لا يملك شيئا عند الشافعي، وقال مالك: المراد تمييز هذا العبد عن عبد يملك (٦) ﴿كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ على من يخدمه ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ لا يستطيعه. ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ﴾

стр. 453

﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ ﴿غَيْبُ السَّماواتِ﴾ علم ما فات فيهما. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ أفرد السمع وجمع الأبصار وقد ذكر ذلك في أول البقرة (١). ﴿الطَّيْرِ﴾ اسم للجنس، وواحدها طائر ﴿أَكْناناً﴾ جمع كن، وهو ما يقي من الحر والبرد ﴿سَرابِيلَ﴾ جمع سربال. ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد إما اكتفاء بأحد القسمين عن الآخر، وإما لأن وقايتها من البرد أتم فجعل ذلك كقوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ (٢) وإما لأن بلاد العرب بلاد حارة فاحتياجهم إلى ما يدفع الحر أكثر، والبأس: الحرب، والمراد تقيكم شر ما يتقابل به في الحرب ﴿ثُمَّ﴾

стр. 454

﴿يُنْكِرُونَها﴾ كقوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ (١) وقد ذكر من كل أمة شهيدا نبيها ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ فلا يطلب العتبى. أنكرت الأصنام أن يكون عبدتها قد عبدوها؛ لأنها لم تعقل العبادة ﴿السَّلَمَ﴾ الاستسلام والانقياد. ﴿زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ﴾ وهو عذاب الإضلال ﴿تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه العباد ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ هي النصفة ﴿وَالْإِحْسانِ﴾ الزيادة على الإنصاف. ﴿وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾ صلة الرحم. ﴿الْفَحْشاءِ﴾ كل ما قبح من المعاصي، كالزنى في رمضان في الحرم. ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ كل ما ينكره العقل والشرع. ﴿وَالْبَغْيِ﴾ مجاوزة (١٠١ /ب) الحد، وأكثر ما يستعمل في مظالم العباد. ﴿يَعِظُكُمْ﴾ بذلك. قوله: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ يجوز أن يخرج مخرج الغالب، فإن أيمان العهود يستظهر فيها بزيادة استثبات، ويجوز أن توكيده تقويتها وتثبيتها. الواو في ﴿وَقَدْ﴾ واو الحال. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ مثّل حالهم في نقض العهد بمن نقضت غزلها من بعد إتمامه. وقد قيل: إنها امرأة حمقاء كانت تغزل، وتغزل جواريها ثم تنقضه (٢)، ولا يتعلق فرض بوجود تلك المرأة، بل قد يمثل

стр. 455

بما لا يقع في الخارج، كما يفرض في مسائل الخلطة ومسائل الفداء، وهذه مسائل ليست واقعة في الخارج، كقولك: ثلاثون جدّة وأربعون أخا لأم وأشباهها. ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ أي: لأن، يريد أنكم إذا عاهدتم قوما ثم رأيتم مخالفة غيرهم، وترك الأولين لكثرة الآخرين وقوتهم. ﴿أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أكثر به (١) أسباب مخالفة الآخرين. شبه الثابت بما حلف عليه بمن استقرت قدمه فلم تزل عما اعتمدت عليه، وهذا اللفظ بعموم يشمل من زلت قدمه في الأيمان وفي غيرها من الأعمال. ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾ بصدكم ويجوز أن يكون (بصدكم) غيركم، أو بصدكم أنفسكم. وقال الفقهاء في تمييز الثمن عن المثمن ثلاثة أوجه: أحدها: دخول الباء فإذا قال: اشتريت الجارية بالعبد، فالعبد ثمن، ولو قال: اشتريت العبد بالجارية، فالجارية ثمن، ولو قال: اشتريت الذهب بالجارية فالجارية ثمن والذهب مثمن، والثاني: إن كان في العقد نقد فهو الثمن سواء أدخلت عليه أو على قسيمه. والثالث: إن كان فيه نقد فهو الثمن، وإن لم يكن فيه نقد فلا ثمن فيه. واعلم أن كثيرا من آيات القرآن تدل على خلاف القول الأول، ومنها: هذه الآية (٢). وقوله: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ (٣) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً﴾ (٤). روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله لو كان في النساء خير لذكرن في القرآن كما ذكر الرجال، فنزل بعد ذلك ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ (٦). ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ قيل في الجنة.

стр. 456

وقيل: يرزقه القناعة فلا يضيق صدره لضيق ذات اليد. وقيل: الرضا بالقضاء. ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ ﴿فَإِذا قَرَأْتَ﴾ أي: أردت أن تقرأ، وعلل ذلك بعدم سلطنته (١٠٢ /أ) على المؤمنين المتوكلين، وحصر سلطانه على من يتولى الشيطان والذين هم به مشركون. كان الكفار يكفرون بما نسخ ويعتقدون أنه بدّل، فنزلت ﴿وَإِذا بَدَّلْنا﴾ (١). وقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ يوافق ما قاله أهل علم البيان ﴿إِنَّما﴾ تدخل على الجملة التي لا ينكرها السامع، فقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ هو عندهم من قبيل الأمر المحقق الذي لا نزاع فيه. وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ إنما ذكر الأكثر؛ لأن بعضهم كان معاندا. ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ روح الطهارة، كان النبي ﷺ يجلس إلى جبر ويسار وكانا نصرانيين فسمع منهما بعض ما عندهما، فقال الله - تعالى - حكاية عن الكفار: ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ وأجاب عنه أن المذكورين غلف الألسنة (٢). وإعجاز القرآن إنما هو بفصاحته (٣).

стр. 457

﴿يُلْحِدُونَ﴾ يميلون. ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللهُ﴾ للنظر في الآيات والأعمال الصالحات. ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ ﴿يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ يقتطعه ويختلقه، أولئك هم الكاملون في الكذب. ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ﴾ منشرح القلب بكفره ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ والشرط الثاني وهو قوله: ﴿مَنْ شَرَحَ﴾ مخصص لعموم الأول وهو قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ ولهذا اتحد جوابهما. ﴿اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: مطلوباتها على مطلوبات الحياة الآخرة، وبسبب أن الله لا يهدي ﴿الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾. وحد السمع وجمع الأبصار والقلوب وقد ذكر ذلك (١).

стр. 458

﴿الْغافِلُونَ﴾ الكاملون في الغفلة. ﴿لا جَرَمَ﴾ قد ذكر (١). ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ من بعد ما صبروا على أذى المشركين وعقوبتهم وسبهم لهم، ثم لما فرض الجهاد جاهدوا وصبروا على القتال. قال ابن عباس: يختصم يوم القيامة الروح والجسد فتقول الروح: يا رب إن هذا الجسد استعمل فطرتي في ملاذّه من المأكل والمشرب والملبس والجاه ولما فارقته لم أعص، فيقول الجسد: رب إن هذه الروح استعملتني فيما أرادته، ولما فارقتها لم أعص، فيقول الله - تعالى - لهما: مثلكما كمثل أعمى ومقعد دخلا حائطا، فالأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا يصل إليها فحمل الأعمى المقعد وأخذا وأكلا، العقوبة عليكما (٢). وقوله: ﴿عَنْ نَفْسِها﴾ أي: عن ذاتها، ولم يرد أن للنفس نفسا. ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ﴾

стр. 459

﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً﴾ يعني مكة. ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فإن قيل: اللباس لا يذاق، فكيف قال: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ﴾ قلنا: استعار للإحساس (١٠٢ /ب) الذوق، ولشمول العذاب اللباس، فكأنه قال: فأصابها من الجوع والخوف ما شملها؛ وأراد بالجوع القحط بدعائه ﷺ . ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تهييج ﴿وَالدَّمَ﴾ أي: المسفوح ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وسائر أجزاء الخنزير، وأصل الخنزير (١). وأصل الإهلال: رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا للأصنام رفعوا أصواتهم بذكر الصوت ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ على إمامه. ﴿وَلا عادٍ﴾ حد الشبع أو حد ما يسد الرمق على اختلاف العلماء فيه. ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ يشبه أن تكون لام العاقبة، ويجوز أن يكونوا فعلوا ذلك وتعمدوا الكذب على الله ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: نمتعهم. ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في سورة الأنعام (٢). ﴿بِجَهالَةٍ﴾ بجرأة وجهل بمقدار من عصوه، وليس المراد الجهل الذي هو ضد العلم، وهو كقول الشاعر [من الوافر]:

стр. 460

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (١) الأمة: الرجل المتفرد بالدّين، كذلك كان قس بن ساعدة، فقال ﷺ : "إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده" (٢).وقيل: كان يرفع من أعماله كعمل أمة. ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وهو أن جميع أرباب الملل يدعونه، ثم هاهنا ما هو أعظم من ذلك وهو أنا أمرناك باتباعه. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كما زعم الكفار، فصوروا صورة إبراهيم وإسماعيل صنمين في الكعبة، وفي أيديهما الأزلام يقتسمان بها، حتى أخرجها النبي ﷺ (٣). ﴿السَّبْتُ﴾ مصدر، سبت اليهود إذا أعظمت سبتها ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ نسختها آية القتال. ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ نزلت في شأن حمزة لما رآه رسول الله ﷺ قد مثل بأحد، وقطعوا مذاكيره وأذنيه وشقوا بطنه، فقال النبي ﷺ : "لئن ظفرني الله بهم لأمثّلنّ بسبعين منهم" (٤) فعزاه بذلك وأمره بالصبر. والله أعلم. ***
следующие страницы →