- ضبط النص وتقسيمه إلى فقرات وترقيمه بعلامات الترقيم المناسبة ومنها:
() القوسان الهلاليان للآيات المفسرة ولأرقام الحواشي، ولأسماء الكتب والبلدان.
[] المعقوفان لما زاد على النص من كتب التفسير في المواضع غير الواضحة أو ليست في النسخة المخطوطة. ولبحور الشعر للأبيات الشعرية الشواهد في التفسير أو في الحواشي.
/ () الخط المائل والقوسان الهلاليان علامة انتهاء الصفحة المخطوطة ورقمها.
"" علامتا التنصيص للنقولات.
-- الشرطتان الأفقيتان للجمل الاعتراضية.
- بالإضافة إلى العلامات الأخرى المعروفة كالنقطة، والفاصلة، والفاصلة المنقوطة، وعلامتي التعجب والاستفهام، وغيرها.
- عمل فهارس عامة، وشملت:
- فهرس القراءات القرآنية.
- فهرس الأحاديث والآثار.
- فهرس الأشعار والأمثال.
- فهرس الأعلام المعرّفة.
- فهرس الأماكن والبلدان.
- فهرس المحتويات.
وصف النسخة المخطوطة وعرض نماذج لبعض صورها
تقع نسخة دار الكتب المصرية - التي اعتمدناها في التحقيق - في ثلاثمائة واثنتين وخمسين ورقة (٣٥٢)، في كل ورقة صفحتان، وأسطر الصفحة الواحدة واحد وعشرون سطرا (٢١)، في مجلدين:
بدأ المجلد الأول بصفحة العنوان كتب عليه: (تفسير القرآن العظيم للشيخ الإمام العالم العامل العلامة فريد دهره ووحيد عصره علم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي تغمده الله برحمته آمين).
ثم بدأ بمقدمة للمصنف - رحمه الله تعالى - ثم شرع في التفسير من أول سورة الفاتحة إلى سورة الشعراء في مائة وستين ورقة (١٦٠) في كل ورقة صفحتان كتب بخط واضح، وبه
стр. 37
بعض السقط والبياض القليل.
ثم بدأ المجلد الثاني بصفحة العنوان كتب عليه: (الجزء الثاني من تفسير القرآن العظيم للشيخ الإمام العالم العامل، العلامة، فريد دهره، ووحيد عصره، علم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي تغمده الله برحمته آمين).
ثم بدأ بتفسير سورة النمل إلى سورة الناس وجاء في مائة وتسعين ورقة (١٩٠) في كل ورقة صفحتان. كتب بخط واضح، وجاء في آخره: «وليكن آخر الكلام الحمد لله رب العالمين، والصلاة على أشرف السابقين والمصلين، محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين».
***
стр. 38
سند المحقق للعلاّمة علم الدين السخاوي
أقول أنا محقق هذا الكتاب - العبد الفقير إلى عفو ربه الغفور الودود - موسى بن علي بن موسى بن مسعود: «لقد منّ الله عليّ فجعلني في نظم سلسلة نورانية مباركة تبدأ من العبد الفقير بسندي المتصل عن فضيلة الشيخ العلامة المسند حسنة العصر، وفريد الدهر الشيخ عبد السلام بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن حبوس إلى رسول الله ﷺ وذلك بقراءتي ختمة كاملة للقرآن الكريم حفظا وتلاوة على الشيخ عبد السلام حبوس، فأجازني بالقراءة والإقراء والإجازة برواية حفص عن عاصم.
ثم كان من تمام المنة أن وصلت بسند إلى الشيخ الإمام علم الدين السخاوي، حيث أخبرني شيخي الشيخ عبد السلام بن محمد بن حبوس قال: أخبرنا شيخنا الشيخ عبد الله ابن محمد الصديق الغماري، عن الشيخ أحمد بن رافع الطهطاوي، عن الشيخ محمد بن مصطفى الخضري الدمياطي، عن الشيخ محمد السمباوي الشهير بالأمير الكبير. (ح) قال: وأخبرنا الشيخ أبو الفيض محمد بن ياسين الفاداني إجازة عامة وإجازة خاصة فقال:
أخبرنا الشيخ عمر بن حمدان المحرثي قال: أخبرنا شيخاي الشيخ السيد علي الوتري المدني، والشيخ محمد بن سليمان حسب الله المكي كلاهما عن الشيخ أحمد منة الله العدوي المالكي عن الشيخ الأمير الكبير.
(ح) قال: وأخبرنا شيخ مشايخنا الشيخ أحمد بن رافع الطهطاوي بالإجازة العامة لأهل العصر، عن الشيخ محمد بن مصطفى الدمياطي، عن الشيخ الأمير الكبير قال: أخبرنا الشيخ محمد بن عقيلة المكي، عن الإمام نور الدين علي بن محمد الأجهوري، عن العلامة شمس الدين محمد بن أحمد الرملي، عن شيخ الإسلام قاضي القضاة زكريا الأنصاري عن الحافظين نجم الدين عمر بن فهد ووالده العمدة الرحلة تقي محمد بن النجم محمد فهد المكي قال: أخبرنا الحافظ قاضي القضاة أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري شفاها عن أبي العباس أحمد بن الحسين الحنفي قال: أخبرنا به والدي سماعا قال: أخبرنا الإمام أبو القاسم عبد الرحمن أبو شامة، عن الشيخ علم الدين السخاوي بما له من مصنفات.
стр. 39
(مقدمة المصنّف)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم، الحمد لله الذي جعل القرآن أشرف الكتب المنزلة، وأدل دليل على رسالة نبيه وأكمله، وخصه بالتراكيب البديعة، والأساليب المنيعة، وأودعه من المعاني ما يقصر عن الإحاطة بها أهل الأرض، وجعله أفضل عدة مدخرة ليوم العرض.
أحمده على أن جعلنا من أهله، ومنّ علينا بحمله ونقله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من جعل القرآن شفيعه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ذو الدرجة العالية الرفيعة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تتجدد بمر الزمان ولا تبلى، ما دامت الآيات المنزلة عليه تحفظ وتتلى.
أما بعد: فالعلوم المتعلقة بالقرآن كثيرة لا تحصى، وأجلّها ما يبحث فيه عن ألفاظه ومعانيه ويستقصى، والمصنفات فيه بين أمرين؛ طويلة لا تنضبط للآمل، وقصيرة لا يحصل منها ذو الأرب على طائل، فاستخرت الله - تعالى - في سلوك طريق متوسط، لا بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، ساعيا في تهذيب الألفاظ وتحريرها، وإيجازها وتيسيرها، مشيرا إلى عيون القصص بأحسن إشارة، متوخيا في الإعراب والأقوال وغيرهما أوجز عبارة، وهو عمدة لمن اعتمد عليه، والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه، موجبا للفوز لديه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
***
стр. 40
تفسير سورة الفاتحة [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّيَ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على (١) ما وصل إلى الحامد، وعلى ما لم يصل إليه. والشكر: على ما وصل.
وقيل: هما سواء؛ لقوله: الحمد لله شكرا ... (٢)
стр. 41
(الرب): السيد أو المالك أو المصلح؛ يقال: رب الأديم: إذا أصلحه أو من التربية.
﴿الْعالَمِينَ﴾: قيل إنه من كل موجود سوى الله تعالى (١).
стр. 42
وقيل: من يعقل خاصة وهم الجن والإنس والملائكة (١).
والخلاف: أنه مأخوذ من العلم أو من العلامة؛ لأنه دليل على خالقه وموجده.
(الملك): من اتسع ملكه. و (المالك): ينطبق على من ملك قليلا أو كثيرا (٢).
و ﴿الدِّينِ﴾: الجزاء (٢ /أ).
و (العبادة): غاية الذلة والخضوع، ويخص استعمالها بالخضوع لله - تعالى - فيقال:
ذللت لزيد وخضعت له، ولا يقال: عبدته.
﴿الصِّراطَ﴾: الطريق. والمنعم عليهم: الأنبياء. وقيل: النبيون والصديقون والشهداء والصالحون.
﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهود.
و ﴿الضّالِّينَ﴾: النصارى.
стр. 43
سورة البقرة [مدنية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾
﴿الم﴾ والحروف التي في أوائل السور أسماء السور. وقيل: أسماء القرآن.
وقيل: من أسماء الله - تعالى. وقيل: هي حروف لو جمعت حصل منها معنى مقصود لأنك لو جمعت ﴿الر﴾، و ﴿حم﴾، و ﴿ن *﴾ صارت "الرحمن".
الريب: قلق يحصل عند الشك والتردد ومنه: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وقيل: إنه من القلق. والوقوف على قوله ﴿فِيهِ﴾. وقيل: على قوله ﴿لا رَيْبَ﴾.
التقوى: الحظر والتشمير. وسأل عمر بن الخطاب [كعب الأحبار] (١) عن التقوى فقال:
يا أمير المؤمنين، هل سلكت طريقا فيه شوك؟ قال: نعم. قال وكيف صنعت؟، قال:
حذرت وشمرت، قال: كذلك التقوى (٢) وقيل: يدخل فيه عمل الطاعات واجتناب المعاصي وقيل: تخص باجتناب المعاصي.
والغيب: ما لا يطلع العباد عليه إلا بالوحي كالصراط والميزان والجنة والنار. أما ما
стр. 44
أخفاه الله من غيره، فلا يسمى غيبا (١).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ مرفوع، أو مجرور، صفة ل «المتقين» أو منصوب بإضمار «أعني». «وإقامة الصلاة»: الإتيان بها بأركانها وشروطها وآدابها. وقيل: تقيم الأمة شعارها. وقيل: سميت باسم القيام الذي هو جزء منها، كما سميت «قرآنا» في قوله:
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وتسبيحا في قولهم: «سبحة الضحى» (٢).
وقوله ﴿يُنْفِقُونَ﴾: يريد به النفقات الواجبات. وقيل: إلى الواجبات والتطوعات.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [يجوز أن يكون] مبتدأ، وخبره: ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً﴾، ويجوز أن يكون معطوفا على ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ في هذه الثلاثة (٣) وقيل: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ لمن آمن من عبدة الأوثان ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لمن أسلم من اليهود والنصارى. والفلاح: البقاء؛ كقول الشاعر [من الكامل]:
لو كان حيّ مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح (٤)
(٢ /ب) فمعنى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ الباقون في الجنة. وقيل: معناه: الفوز بالمطلوب.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ عام أريد به الخاص، وهو من علم الله أنه لا يؤمن، وإلا فكثير من الكفار قد نفع فيهم الإنذار، وآمنوا بالله الواحد القهار.
стр. 45
الإنذار: الإخبار بما يخاف منه.
وقوله: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ (١) استعارة للاشتقاق من منع الشيء لما يقفل عليه؛ قال الله تعالى: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] أو يطبع عليه بطابع، أي: يختم عليه بختم، كقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥].
وقوله: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ هذا وقف على قوله: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ (٢) والغشاوة مخصوصة بالأبصار، كما قال تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣].
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾
العذاب يكون تارة عظيما، وتارة مهينا كمن ضرب رئيسا ضربات يسيرة في محفل.
وتارة يكون أليما مؤثرا في الجلد. والعذاب موصوف بهذه الصفات الثلاث في الكتاب العزيز.
قدم الله ثلاث آيات في وصف المتقين، وآيتين في الكفار المطبوع على قلوبهم، ثم ثلّث بذكر المنافقين الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر بقوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ الآيات. واقتصر على الإيمان بالله وباليوم الآخر؛ لأن الإيمان بالله أول الواجبات، واليوم الآخر من آخر الواجبات في الوجود.
والخداع: إظهار ما يسر المخاطب مع قصده ضرره في الباطن؛ فقيل: أصله من الإخفاء، ومنه المخدع يخفى فيه ما لا يشتهي إظهاره من الزوجات والأموال.
وقيل: أحوال الفساد؛ كقول الشاعر [من الرمل]:
стр. 46
طيب الريق إذا الريق خدع (١) ...
والله - تعالى - لا يخادع ولا يخادع فيما معاملته معاملة الخادع. وأما المؤمنون فلا يخادعون ولكنهم قد يخدعون، وما رجع الخداع إلا على المخادع.
والشعور: العلم بالحواس، فهم لفرط جهلهم بعد عنهم العلم بالمحسوسات.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: آلام من استقامة أمور الدين، أو في قلوبهم مرض من اعتقاد الحق.
والفساد في الأرض: العمل بالمعاصي، ويطلق كثيرا في سفك الدماء، وإفساد الزراعات؛ كقوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله: ﴿وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥].
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾
وهؤلاء قد اعتقدوا أن ما يفعلونه صلاح (٣ /أ) لا فساد وهو جهل مركب. وقد حقق الله كذبهم بدخول «ألا» التي للتنبيه، و «إن» المؤكدة، ودخول «هم» التي هي فصل أو عماد، ودخول الألف واللام في الخبر.
قوله: ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ أي: رسول الله والمؤمنون. وكذلك أكد سفههم بما أكد فسادهم من دخول «ألا»، و «إن»، و «هم»، وتعريف الخبر.
وقوله: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ مغاير لقوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن هذه في صفة اعتقادهم مع المؤمنين، وتلك في صفة
стр. 47
اعتقادهم في أنفسهم، ومخالفة قولهم فعلهم، وقد أكدوا بهذه الآية جوابهم للمشركين بقولهم: ﴿إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ وقالوا في جواب المؤمنين: ﴿آمَنّا﴾ غير مؤكد ويسمى الشيء باسم مقابله؛ كقوله: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]. ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] كذلك هاهنا ﴿مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
الطغيان: مجاوزة الحدّ؛ كقوله: ﴿لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ [النازعات: ١٧].
والعمه: التردد والحيرة، ولا يستعمل إلا في البصيرة. وأما العمى فإنه يطلق على فقد البصيرة، وفقد البصر. ﴿اِشْتَرَوُا﴾ استبدلوا، ولما سمى الاستبدال شراء، استعار له الربح في قوله: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾.
والمثل: صفة، فقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ أي: صفتهم كصفة الذي استوقد نارا.
«استوقد» و «أوقد» بمعنى، و «أضاء» يستعمل لازما ومتعديا؛ ف «ما» من قوله: ﴿ما حَوْلَهُ﴾ يجوز أن تكون مفعولة؛ كقول الشاعر [من الطويل]:
أعد نظرا يا عبد شمس فربّما ... أضاءت لك النار الحمار المقيّدا (١)
ويجوز أن تكون ظرفا؛ لأن ما حول المستوقد أماكن. ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ بمعنى: أذهبه بخلاف قوله: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]؛ لأن المراد هناك: استصحبوه.
و «ترك» بمعنى: صير، فيتعدى إلى مفعولين أحدهما: الضمير، والثاني: المجرور، قال
стр. 48
عنترة [من الكامل]: فتركته جزر السّباع ينشنه ... (١).
وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ إخبار عن مبتدأ محذوف تقديره: المنافقون صم بكم عمي؛ لأنهم لما لم ينتفعوا بأبصارهم في النظر في ملكوت السماوات والأرض صاروا (٣ /ب) كالأعمى، ولما لم ينطقوا بألسنتهم بالثناء على الله جعلوا بكما، ولما لم يسمعوا ما أنزل الله سماع مقبل كانوا صما؛ لفوات المقصود الأعظم من هذه الخواص، قال الشاعر [من الكامل]:
خلقوا وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا
رزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا (٢)
стр. 49
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾
وقوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ المعنى فيه: أنك إن أردت تشبيه المنافقين في انتظارهم رسول الله ﷺ أنه يبعث ويؤمنون به، وكانوا من قبل يستفتحون، ويستنصرون على عدوهم، ويقولون:
«اللهم انصرنا عليهم بالنبي الذي تبعثه في آخر الزمان» (١) ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ فهذا مثلهم.
وإن أردت تمثيل القرآن والهدى الذي جاءهم، وما فيه من التخويفات، ولم يكن حظهم من ذلك إلا الخوف والحذر ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤] فمثلهم مثل الصيب الذي حظ المسافر منه الخوف من رعوده وصواعقه، ومقصوده الأعظم: ري الأرض، ونجابة زراعتها.
وقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ﴾ الضمير في ﴿يَجْعَلُونَ﴾ لأصحاب الصيب.
والمحيط: مشتق من الإحاطة بالشيء، ومن أحاط بالشيء من جميع جهاته، حصل له العلم به والاستيلاء عليه، والتمكن منه غالبا، فقوله ﴿وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ يريد: أنه مهلكهم؛ كقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] ويجوز أن يريد أنه عالم؛ كقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] ﴿قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق: ١٢].
وذكر في الإضاءة ﴿كُلَّما﴾؛ لأنهم كانوا حراصا على الحركة، فإذا لاح لهم أدنى نور
стр. 50
بادروا إلى اغتنامه، وقال في الإظلام: ﴿وَإِذا أَظْلَمَ﴾؛ لأنهم لم يكونوا حراصا على التوقف، وأظلم يستعمل لازما ومتعديا. وقوله: ﴿قامُوا﴾ امتنعوا من الحركة، وليس المراد القيام الذي يضاد القعود، ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ﴾ لزاد في قصيف الرعد، فذهب بسمعهم أو زاد في وميض البرق، فذهب بأبصارهم.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)﴾
وأكثر ما في القرآن ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ يراد به أهل مكة، وأكثر ما فيه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا *﴾ يراد به: أهل المدينة، وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ يجوز أن يريد به: اعبدوا الرب الذي خلق ولا تعبدوا ربّا غيره (٤ /أ)؛ كقوله: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] ويجوز أن يراد به الثناء؛ كقوله: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ معطوف على مفعول ﴿خَلَقَكُمْ﴾. وقوله ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ يجوز أن يكون مفعول قوله: ﴿رِزْقاً لَكُمْ﴾، ويجوز أن يكون المجرور، وقد سدّ مسدّ الخبر؛ كقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا﴾ [مريم: ٥٠] وتقديره: أخرج به بعض الثمرات. و ﴿رِزْقاً﴾ على هذا: مفعول من أجله، و ﴿لَكُمُ﴾ معمول للمفعول من أجله.
الند: المثل المناوئ، مأخوذ من: ند البعير إذا نفر.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يجوز أن يكون محذوف المفعول لا يراد، تقديره كأنه قال:
وأنتم من أهل العلم، ويجوز أن يراد له مفعول، ويحتمل وجهين:
أحدهما: وأنتم تعلمون أنه متعال عن الأنداد، وثانيهما: أن تكون تلك الآلهة التي عبدت لا تصلح أن تكون له أندادا.
وقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ الهاء في ﴿مِثْلِهِ﴾ تعود إلى القرآن. وقيل: تعود إلى النبي، والتقدير: ائتوا بقرآن يلقي به رجل أمي لم يصحب العلماء ولم يقرأ الكتب كقوله: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وهذا ضعيف؛ لأنه يخرج القرآن عن أن
стр. 51
يكون معجزا، وإنما المعجز عنده صرف الداعي عن الشروع في الإتيان بمثله، ويبطله قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]. ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (١) [الطور: ٣٤]. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨].
وقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ أي: من يشهد لكم بأن الذي أتيتم به يصلح للمعارضة.
أو فادعوا من بحضرتكم من جلسائكم الفصحاء وخطبائكم البلغاء. وقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ جملة معترضة بين الشرط والجزاء وهي إخبار بغيب، وجعل جزاء الشرط الأمر باتقاء النار، والتقدير: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وعجزتم أنتم ومن بحضرتكم - وجب الخلود في النار - فعليكم أن تتقوا النار باجتناب معارضة القرآن.
المراد بالحجارة: حجارة الكبريت؛ لأنها تزيد النار التهابا ورائحة منكرة، وقيل: المراد الأصنام؛ لأنها تلقى في النار مع الكفار إرغاما لمن عبدها ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩] (٤ /ب) ونار جهنم - أعاذنا الله منها - لشدة حرّها يتقد فيها ما لا يتقد في غيرها من الحجارة وأشباهها. والوقود والحطب، وأتى هاهنا ب ﴿الَّتِي﴾ وهي إنما يؤتى بها حيث تكون الصلة معلومة للمخاطب، كقولك: أكرم زيدا الذي أنقذك بالأمس من فتنة كذا. وقد علم ذلك بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وهذه الآية دليل على أن النار مخلوقة، وقالت المعتزلة: لا فائدة من خلقها الآن وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ يرد عليهم ظاهرا (٢).
стр. 52
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥) إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦)﴾
والبشارة: أول خبر سار صادق. والجنة: البستان المظلل بأغصانه وأوراقه؛ لأنه يستر ما حواه، وجن الليل: أظلم وستر بظلامه، والجنة: الجن؛ سموا بذلك لاستتارهم عن الأعين، والجنة: الترس؛ لأنه يستر من وراءه. الألف واللام في «الأنهار» عوض عن الإضافة، أي: أنهارها؛ كقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ [مريم: ٤] أي: رأسي. وقيل: هما للعهد المذكور في سورة القتال: ﴿فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية [محمد: ١٥].
﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: تجرى من تحت غرفها؛ كقوله: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠]. وقيل: من تحت أشجارها؛ كما في بساتين الدنيا. وقيل: أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وأهل الجنة يفجرونها تفجيرا كيف شاؤوا.
﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ من البستان ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ فابتداء الرزق من البستان، وابتداء الرزق الحاصل من البستان من الثمرة ﴿قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الدنيا؛ لأن ذلك يشاركه في الاسم خاصة لا في الطعم واللون والرائحة. وقيل: كلما جنوا ثمرة تخلفها أخرى فيشيرون إلى الحادثة ويقولون: ﴿هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً﴾ بسط لعذرهم في قولهم: ﴿هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ﴾؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] ثم صدقها الله بقوله: ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: من البول والغائط والحيض ومن مساوئ الأخلاق وفساد الأحوال بمخالطة من لا يصلح.
стр. 53
لما ذكر الله في كتابه البعوض والعنكبوت تضاحكت اليهود وقالوا: هذا لا يشبه كلام الله، وكيف يذكر (٥ /أ) العلي الأعلى هذه الأشياء المحقّرة، وغلطوا في ذلك، فإن الحقير إنما يضرب له المثل بالحقير، وضرب المثل اعتماده وتصييره، كقولك: «ضربت الطين لبنا، والفضة خاتما» فهو يتعدى إلى مفعولين. والبضع والبعض: القطع، والبعوض: فعول من القطع؛ لأنه يشق اللحم فيمتص الدم. ﴿فَما فَوْقَها﴾ أكبر منها. وقيل: أصغر؛ لأنه فوقها في الحقارة.
﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الضمير يرجع إلى المثل أو إلى ضربه. وإنما قال: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ والمهديون قليل بالنسبة إلى الضالين وإن كانوا في أنفسهم كثيرا (١).
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾
﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢٥] وهو صلة الأرحام. وقيل: تصديق جميع الأنبياء فيما جاؤوا به. ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً﴾ نطفا ﴿فَأَحْياكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فيها ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يبعثكم يوم القيامة، والتقدير: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذا الترتيب؟ وإنما جاء بلفظة: «كيف» التي هي إنكار للأحوال، ولم ينكر أصل الكفر؛ لأنه إذا أنكر أحوال الكفر كلها لم يوجد الكفر؛ كما لو ادّعى خامل (٢) اجتماعه بالسلطان وخوضه معه في مصالح الدولة، فيقال له: أين اجتمعت به في داره أم في الموكب؟ تقديره: إن قلت: إنك اجتمعت به في الموكب. فهناك حجّاب يمنعونك من الاجتماع به. وإن قلت: في داره. فكذلك. فإذا بطلت جهات الاجتماع بطل الاجتماع به.
стр. 54
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ فيه دليل على أن أصل الأشياء بعد ورود الشرع على الإباحة (١).
﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ ثم قصد بعد خلق الأرض إيجاد السماوات، ولم يحدث بين إيجادهما خلق شيء آخر.
﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)﴾
وقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ استفهام، معناه: أتخلق هؤلاء العصاة مع بقائنا نحن على وظائف التسبيح والتقديس، أم تمكر بنا أيضا، وإنما شهدوا على البشر بالمعصية، لجواز أن يعلمهم الله ذلك بطريق من الطرق، أو بأن يروه في اللوح المحفوظ مكتوبا.
стр. 55
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ أسماء المسميات بمنافعها، ثم عرض المسميات على الملائكة.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في زعمكم أن الله لا يخلق خلقا أفضل منكم، أو خلقا يعلمون ما لا تعلمون، وهو الذي قال فيه: ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
(٥ /ب) وقوله: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ هو وضع الجبهة على الأرض تعظيما لآدم، وكان ذلك جائزا وقد سجد يعقوب وبنوه ليوسف (١). وقيل: اسجدوا لسجود آدم، فجعله إماما يصلي بهم، وقيل: اسجدوا لجهة آدم وجعله قبلة، وإبليس كان من الملائكة. وقيل:
لم يكن منهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] والجن ليسوا ملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤٠] تبرأت الملائكة ونسبوا العبادة إلى الجن، فلو كانوا ملائكة، لم تحصل البراءة لهم. وقوله: ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي: في علم الله. وكان بمعنى صار.
قوله: ﴿وَلا تَقْرَبا﴾ مبالغة في التحريم، والتحفظ من الوقوع فيه، وأشار بهذه الشجرة إلى شجرة واحدة. وقيل: إشارة إلى جنس بجملته حرمه عليهم، فقيل: شجرة العنب.
وقيل: القمح، وكان شجرا، ولا يتعلق بتعيين الشجرة غرض صحيح.
وقوله: ﴿فَتَكُونا﴾ يجوز أن يكون مجزوما معطوفا، وأن يكون منصوبا، جوابا للنهى.
﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ أي: أوقعهما في الزلة ﴿عَنْها﴾: قيل عن الشجرة. وقيل: عن الجنة.
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يريد ما عليه الناس من التعادي والتحارب. وقيل: أراد: آدم وحواء وإبليس. قيل: والحية أيضا، والأول أصح؛ لقوله: ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ أي:
فإن يأتكم مني هدى على لسان رسول أبعثه إليكم فمن اتبع ما جاء به كان مفلحا، ومن خالفه فكفر به وكذب بالآيات خلّد في النار، وهذا إنما يليق بالمكلفين لا بالحية.
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا﴾
стр. 56
﴿الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥)﴾
يا بني آدم ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أي: اشكروها ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ بها ﴿عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا﴾ بالعهد الذي عاهدتكم عليه من الإيمان بالرسل وتصديق ما جاؤوا به من الكتب ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ الذي عاهدتكم عليه من الثواب والعقاب. والعهد: يضاف إلى الموثق والموثق عليه.
والرهبة: الخوف ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ﴾ من القرآن ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ﴾ من التوراة والإنجيل ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ مثل ﴿أَوَّلَ كافِرٍ﴾ أو كل واحد منكم مثل أول كافر، والمراد أول فريق كافر أو أول فوج.
﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ هو ما كانوا يأخذونه من عوامهم من الهدايا (٦ /أ) والرشا وما يأخذونه من كبرائهم على التحريف والتبديل. ولا تجعلوا الحق ملتبسا بباطلكم ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ يجوز أن يكون مجزوما معطوفا، وأن يكون منصوبا بالواو في جواب النهي.
وقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمر بالصلاة بعد الأمر بها بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مبالغة في وجوبها. وقيل معناه: ولتكن صلاتكم في جماعة. ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾: حال يقتضي زيادة قبح ما فعلوه، وأنه لا يفعله من له أدنى عقل ولهذا قال بعده: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ والتقدير: أسلبتم العقول فلا تعقلون، أو أجننتم فلا تعقلون. ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ عند المصائب. وقيل: بالصبر على الصلاة ومداومتها؛ كقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢]، وقيل: إذا أصابتكم شدة فافزعوا إلى الصلاة والصبر.
وكان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (١). ﴿وَإِنَّها﴾ وإن الاستعانة. وقيل: وإن الصلاة، وإنما لم تكبر على الخاشعين فلم تثقل عليهم لما يجدون من حلاوة المناجاة، وقال النبي ﷺ : «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (٢).
الله مع سبعين رجلا من خيار قومه، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ من بعده إلها ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ أي: قوم عادتكم الظلم.
والفرقان: قيل: انفراق البحر حين ضربه بعصاه فانفرق اثني عشر فرقا لكل سبط فرق وقيل: الفرقان هاهنا: التوراة؛ لأنها فرقت بين الحق والباطل.
﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أمر من لم يعبد العجل أن يقتل من عبده. وقيل: أمر كل من عبد العجل أن يقتل نفسه. (٦ /ب) [وحين نزلت] التوبة على بني إسرائيل، فسقطت السيوف من أيديهم حين تاب الله عليهم. وقيل: وبلغ القتلى سبعين ألفا.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾
ولما توجه موسى بسبعين رجلا، اختارهم موسى من قومه إلى الجبل فأسمعهم الله كلاما له فسألوا رؤية الله، فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]: ماذا أقول لبني إسرائيل إذا عدتّ إليهم فأحياهم الله - تعالى -
стр. 59
بدعاء موسى.
﴿الْغَمامَ﴾ جعلنا الغمام مظللا عليكم في التيه. والسلوى: طائر يشبه السّمّاني (١)، كان يسقط عليهم فيأخذون منه كفايتهم.
كانوا فلاحين معتادين لأكل العدس والبصل وغيره فسألوا عادتهم. والفوم: الخبز.
وقيل: الثّوم. ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ أي: بلدا، أي بلد كان تجدوا فيه ما سألتم. وجعلت الذّلّة كالقبة المحيطة المشتملة عليهم ﴿وَباؤُ﴾ أي: رجعّوا. وقيل: احتملوا، أي: تلك الذّلّة والمسكنة بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء، وذلك الكفر والقتل والجرأة عليهما، بسبب عصيانهم ومجاوزتهم الحدّ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بألسنتهم. ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: بقلبه. وقيل: من آمن، أي: دام على الإيمان. وقيل: إنّ الذين آمنوا بالتوراة والإنجيل من غير تبديل من آمن منهم بالقرآن، ومحمّد ﵊. ﴿وَالصّابِئِينَ﴾ مأخوذ من قولهم: صبأت النجوم: إذا خرجت من مراكزها، فقيل: الصابئون من النصارى، والسّامرة من اليهود، كالمعتزلة (٢) من المسلمين أصحاب بدعة لم يخرجوا بها عن أصل الإسلام والشريعة.
стр. 60
فعلى هذا: يقرّون بالجزية وتحلّ مناكحتهم وذبائحهم وقيل: بل هم أصحاب مذهب مستقلّ فلا يقرون بالجزية ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾
ولما جاء موسى بالتوراة، ورأى اليهود ما فيها من التكاليف الشاقة قالوا: ما نقبل هذه الأحكام، فراودهم موسى، فأبوا فرفع الله الجبل عليهم وصار كالظلة فوق رؤوسهم، فخروا ساجدين خوفا أن يسقط عليهم، وقبلوا أحكام التوراة.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجدّ ولما كان الصيد محرما على اليهود في يوم السبت فابتلاهم الله بأن صارت [ظاهرة ما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت] (١) لا تمتنع ممن يأخذها، فإذا انقضى السبت (٧ /أ) تفرقت في البحر فعملت اليهود حياضا واسعة كبيرة إلى جانب البحر، وفتحوا ماء البحر إليها يوم السبت، فاجتمع في الحياض سمك كثير ثم سدّوا الحياض، وبقي السّمك فيها، فأخذوه يوم الأحد وذلك في أيلة (٢).
стр. 61
وكان داود ﵇ عندهم، فسبهم، ولعنهم بعد أن نهاهم، فلم ينتهوا فمسخ الله الذين فعلوا ذلك. ﴿قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ خسأت الكلب: إذا طردته وأبعدته. ﴿فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ من القرى ﴿وَما خَلْفَها﴾ وقيل: نكالا لمن يأتي بعدهم من القرون فيخاف من المخالفة أن يحلّ به مثل ما حلّ بالأول. وقيل: لمن يأتي بعدهم من الأمم ولمن مضى قبلهم أخبرتهم أنبياؤهم أنه سيمسخ قوم قردة فخافوا وارتدعوا.
كان في بني إسرائيل شيخ موسر قتله أبناء عمه، وأخذوا ماله وأصبحوا يطلبون دية قتيلهم، فسألوا موسى ﵇ عن الحكم في ذلك فأمره الله - تعالى - أن يذبحوا بقرة، فعجبوا وقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾. أي: مهزوّا بنا. والاستهزاء جهل استعاذ موسى ﵇ منه، فقالوا: ما هذه البقرة؟ فقال: ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ﴾ أي: كبيرة السن ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ أي:
صغيرة. والعوان: وسط الأسنان.
﴿إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ﴾ شديدة الصفرة. وقيل: سوداء. ﴿لا ذَلُولٌ﴾ أي: ليست مذللة بالعمل، فلا هي تحرث الأرض فتثيرها، ولا تستعمل في النواضح ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من العيوب لا لون فيها يخالف الصفرة، حتى قيل: إن قرنها وظلفها (١) كانا أصفرين.
كان في بني إسرائيل رجل صالح حضرته الوفاة، وكان له عجلة فتركها في غيضة (٢) موفرة (٣) عن العمل، فقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة لا بني هذا، ثم اتفقت لهم حاجة بعد موته فقالت أم الصبي: إن أباك قد استودع لك عجلة في الغيضة، فاذهب إليها في
стр. 62
الغيضة، وادعها بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فإنها تطيعك فذهب ودعاها، فأتت فقالت أمه: اذهب بها إلى السوق واعرضها للبيع ولا تبعها حتى تشاورني، وكان الولد بارّا بأمه، وكانت البقرة تساوي ثلاثة دنانير، فذهب بها إلى السوق، فبعث الله ملكا في صورة رجل فقال للصبي: أتبيعها بثلاثة دنانير [فرجع إلى أمه ليعرفها] (٧ /ب) فقالت له:
اطلب زيادة، فجاء فعرفه فزاده فقال: بعنيها، ولا تشاور أمك فلم يفعل وشاورها فطلبت زيادة فقال الملك للشاب: إن هذه البقرة لها شأن فلا تبعها إلا بما تختار فلم يجد بنو إسرائيل بقرة بالصفة التي ذكرها موسى ﵇ سوى هذه البقرة فقيل: باعها الصبي لهم بملء جلدها ذهبا.
ثم ذبحوا (١) بنو إسرائيل وضربوا الميت بجزء منها فقام وأوادجه تشخب (٢) دما، وقال:
قتلني هؤلاء الذين يطلبون ديتي من غيرهم، فحرموا الميراث وفي الآثار: لم يورث قاتل بعد قصة البقرة (٣).
وقوله: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ إما أن يكون لغلاء ثمنها، أو لكثرة تعنتهم وأسئلتهم.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾
стр. 63
وقوله: فدارءتم أي: تدافعتم، والدرء: الدفع أي: كل واحد يطرح القتيل على غيره ويتبرأ منه. ﴿اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ أي: بلسانها، وقيل: بالغضروف (١). وقيل: بأي جزء منها كان. ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾.
وفي هذه القصة فوائد منها: أنه ينبغي أن نتقبل الأوامر الإلهية، ونسارع إليها، وألا نكثر من الأسئلة. وأن يكون الذي نتقرب به إلى الله متوسطا لا هرما ولا صغيرا قليل اللحم، وأن يكون حسن الصورة يعجب من رآه وأن يغالى في ثمنه. وقد اختلف في البقرة المأمور بذبحها: فقيل: كانت متعينة من أول الأمر، ولهذا اشتريت بملء جلدها ذهبا. وقيل: لو ذبحوا أيّ بقرة شاؤوا من أول الأمر أجزأت لكنهم شددوا فشدد الله عليهم. وفيها دليل على جواز النسخ قبل العمل بالأمر (٢).
стр. 64
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: ما كان ينبغي أن تقسو بعد رؤية هذه الآية العظيمة، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ [الجاثية: ٨] كله استبعاد لما جرى منهم بعد رؤية ما سبق.
قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ لسيت «أو» للشك؛ بل لأن قساوة القلوب مختلفة جدّا فبعضها يشبه الحجارة، وبعضها أشد قساوة من الحجارة. ثم بين فضل الحجارة على قلوبهم، فقال:
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ فإن للحجارة خشية، ولله - تعالى - علم في هذه الجمادات. لا نعلمه (٨ /أ) كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقال ﵇: «إني لأعرف حجرا كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» (١).
وفي الحديث: «كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» (٢).
стр. 65
«وقد سبح الحصى في كفه ﷺ » (١)
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ بعدما ذكرنا من بغيهم ومخالفتهم أن يؤمنوا لأجل أمركم لهم بالإيمان، وحالهم العجيبة أنهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد فهمهم له، وعلمهم بالوعيد على مخالفته، ويلقون المؤمنين يخبرونهم أنهم يؤمنون، وإذا خلوا قال الذين يلقون المؤمنين لمن لا يلقاهم: أتحدثون بأمر دينكم مع من يبلغ المؤمنين، فيحتجون علينا به.
أكاذيب. قال عثمان ﵁: «ما تمنيت منذ أسلمت» (١) أي: ما كذبت. وقيل: هو استثناء منقطع، أي: لا يعلمون الكتاب لكنهم يتمنون أمورا منها: أن آباءهم تشفع لهم. ومنها: أنّ ما يعملون بالنهار يكفر عنهم بالليل، وما يعملونه ليلا يكفر عنهم نهارا. ومنها قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً﴾ بذلك ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ صحته ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أي: معصية. وأحاطت به خطيئته أي: أهلكه كفره فاستمر عليه إلى الموت فهم من أصحاب النار المخلدين، وأما من آمن وعمل صالحا فهو من الخالدين في النعيم المقيم.
أخذ الله على بني إسرائيل بالتوراة ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من دياره، وأنهم إذا وجدوا أسيرا من بني إسرائيل يباع أن يشتروه ويعتقوه، ثم خالفوا فقتل بعضهم بعضا، وأخرج بعضهم بعضا من دياره، لكنهم ثبتوا على فداء من وجدوه أسيرا منهم يباع. أي: وأشهدهم على الإقرار بالوفاء بهذا العهد، فقيل لهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ والخزي: الذلة والهوان.
﴿اِشْتَرَوُا﴾ أي: استبدلوا ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ (٨ /ب) بما يخالف شهوات نفوسكم ﴿اِسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن طاعته فقتلتم بعضهم، وكذبتم أكثرهم ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾.
أي: عليها غطاء وغشاء يمنع من فهم ما يقولون؛ كقوله: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥].
وقيل: معناه: قلوبنا أوعية للعلم فمنعنا منه ما يغنينا عما جئت به، ﴿فَقَلِيلاً﴾ نعت مصدر محذوف، أي: فيؤمنون قليلا. وقيل: المراد بالقلة: العدم، وهو كقوله: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [سورة ق: ٣] كنوا بالبعد عن الاستحالة. والوقر (٢) بفتح الواو: الثقل في الأذن، وبكسرها الحمل؛ كقوله: ﴿فَالْحامِلاتِ وِقْراً﴾ [الذاريات: ٢].
стр. 68
﴿وَلَمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤)﴾
﴿وَلَمّا جاءَهُمْ﴾ القرآن ﴿مُصَدِّقٌ لِما﴾ في التوراة من بعث النبي ﷺ ومن صفاته، وكانوا إذا دهمهم (١) عدو، قالوا: «اللهم انصرنا ببركة النبي المبعوث في آخر الزمان فينصرون» (٢).
﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: باعوها. و «ما»: نكرة غير موصولة ولا موصوفة، والتقدير: بئس شيئا اشتروا به أنفسهم كفرهم. ﴿بَغْياً﴾: مفعول من أجله أي: كرهوا أن تكون النبوة في غيرهم من بني إسماعيل ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ المذكورين أو لجميع الكفار، ويدخل المذكورون فيه دخولا أولويّا ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من القرآن ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ من التوراة ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ﴾ بما عداها.
﴿قُلْ﴾ لهم ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ﴾ وعدل عن الماضي إلى المضارع؛ لدلالته على التكرر؛ كقولك: هو يصل الرّحم ويحمل الكلّ (٣).
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تشكيك في إيمانهم، ثم حقق بعدهم عن الحق باتخاذهم
стр. 69
العجل إلها بعد ما جاءهم موسى بالبينات، ثم زادك تحقيقا بقوله: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ﴾ حب العجل.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾
كانوا يزعمون أن نعيم الآخرة خالص لهم، فقيل لهم: إن كان كذلك فتمنوا الموت لتصلوا إلى النعيم المقيم في زعمكم ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ بسبب ما اكتسبوه من المعاصي، والاستكبار عن طاعة الرسول. وكيف يتمنونه وهم ﴿أَحْرَصَ النّاسِ عَلى﴾ زيادة في العمر وأحرص من الكفار عبدة الأوثان على ذلك؛ لأن عبدة الأوثان لا يؤمنون ببعث ولا جزاء، ولا يخشون من الموت إلا فقد هذه الحياة (٩ /أ).
أما اليهود فيعلمون أنهم بعد الموت يعاقبون على الكفر والعناد. وقيل: الوقف عند قوله: ﴿عَلى حَياةٍ﴾ ثم يبتدئ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (١) أي: قوم أو فريق ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ فحذف الموصوف وأقيمت الصفة وهي فعل مقامه؛ كقوله [من الوافر]:
أنا ابن جلا وطلاّع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني (٢)
أي: أنا ابن رجل جلا، وتقول العرب: ما منهما مات حتى جرى له كذا، أي: ما منهما رجل (٣). ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بدل منه والخبر: ﴿بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ﴾
стр. 70
«كان عمر يجلس لليهود في بيت مدارسهم (١) ليسمع ما يقولون، ويتبين له رأيهم، فقالوا له: إنا لنطمع فيك يا عمر فقال: والله ما أجلس فيكم إلا لأعلم صدق محمد، ويتبين لي أنكم مبطلون، ثم سألهم عن جبريل وميكائيل، فقالوا: أحدهما عن يمين الله والآخر عن يساره، وكل واحد منهما عدو لصاحبه، وقالوا: لو كان ميكائيل أو غيره من الملائكة سوى جبرائيل يأتي إلى محمد برسالة لآمنا به، لكن جبريل عدونا يأتي بالزلزال والعذاب، وهو الذي خسف مدائن قوم لوط، وصاح بقوم صالح صيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾» (٢).
﴿قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾
стр. 71
وفي جواب الشرط وجهان:
أحدهما: من كان عدوّا لجبريل فقد أخطأ الطريق؛ لأنه نزل الكتاب على قلب محمد مصدقا لما معكم من التوراة.
والثاني: من كان عدوّا لجبريل فهو حقيق بمعاداته له؛ لأنه بين زيف اليهود، وبما أنزله الله معه من الكتاب وقوله بعد ذلك: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ جزاؤه محذوف، التقدير: لم يعبأ الله بعداوته.
﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ﴾ يعني التوراة. وقيل: القرآن. ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: لم يعملوا بما فيه ولقد وضعوه على الكراسي وذهّبوه بالذّهب، وحلوا غلافه وخريطته (١) بالذهب والفضة، وطيبوه بالمسك والعنبر، ولم يعملوا به فقيل فيهم:
﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ثم استبدلوا به ما أخذوه من الرّشا على كتمان صفة النبي ﷺ وتغيير آية الرجم وغيرهما.
﴿وَاتَّبَعُوا﴾ معطوف على ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ﴿ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ﴾ أي: تتبع، وقيل: ما تقرأ، أي: على عهد ملك سليمان. (٩ /ب) ﴿هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ اسمان أعجميان، ولذلك منعا من الصرف مع العلمية، ولا وجه لاشتقاقهما من الهرت والمرت (٢). ﴿إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: سبب فتنة. وقيل: شيء مستحسن؛ كقولهم في الشابة الجميلة: إنها فتنة.
وقد علق على فعل العلم باللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ والخلاق:
النصيب ﴿وَلَبِئْسَ ما﴾ باعوا ﴿بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ كقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] أي: باعوه.
العصاة (١) منسأة؛ لأنها تؤخر عنك ما تكرهه. ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ أي: نجعلها منسية من القلوب بعد حفظها ويجوز نسخ الحكم والتلاوة معا، ونسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ الحكم دون التلاوة، ويجوز نسخ الفعل قبل مجيء وقته؛ لقصة الذبيح، خلافا للمعتزلة (٢)، ويجوز نسخ الحكم إلى أخف منه؛ لأنه خير للمكلف في تخفيف المشقة عنه، وإلى أثقل منه؛ لأنه خير للمكلف في كثرة الثواب. ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسطه؛ كقوله ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥].
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ «لو» بمعنى: أن؛ كقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦] ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ منسوخ بنزول القتال ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ تجدوا ثوابه عند الله. الهود: جمع هائد، كالعود: جمع عائد ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ جملة حالية. ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ من كفار المشركين وعبدة الأوثان، فشبه هؤلاء مع كونهم أهل كتاب مع عبدة الأوثان من غير شبهة ظاهرة.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾
стр. 74
أي: لا أحد في المانعين أظلم ممن منع مساجد الله ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بدل اشتمال من قوله: ﴿مَساجِدَ اللهِ﴾ قيل: المراد بالمساجد الكعبة، وجمعها؛ لأن المساجد كلها تتوجه نحوها، وأراد: أنهم منعوا رسول الله ﷺ والمؤمنين عام الحديبية (١٠ /أ) وصدوهم عن المسجد الحرام (١). وقيل: المراد بيت المقدس (٢). وقيل: جميع المساجد وهو ظاهر اللفظ (٣).
﴿وَلِلّهِ﴾ بلاد المشرق والمغرب ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا﴾ من الجهات ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ قيل: المراد فأينما تولوا وجوهكم للدعاء. وقيل: أراد صلاة النافلة في السفر.
وقيل: أراد أنه إذا التبست القبلة في السفر وأدى الاجتهاد إلى جهة فهي القبلة ﴿إِنَّ اللهَ واسِعٌ﴾ العطاء ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمصالح. الهاء في ﴿سُبْحانَهُ﴾ مجرورة بالإضافة إلا أنه مضمر مبني، ولو ظهر في اسم ظاهر؛ كقولك: سبحان الله لكان في موضع اسم الله قولان: النصب بتقدير: سبّحت الله. والرفع بتقدير: ينزه الله، واستدل بعضهم بهذه الآية على أن من ملك ولده عتق عليه (٤)، فإنك لا تقول: فلان ليس بعالم، بل هو من أهل البصرة، ما لم يكن كونه من أهل البصرة مانعا من العلم.
والقنوت: السكوت. وقيل: الخشوع. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بديعة سماواته كقولك: حسن الوجه ﴿فَإِنَّما يَقُولُ﴾ لأجل تكوينه ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ نقترحها.
стр. 75
﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ (١) فإنهم في شدة لو وصفتها لك لم تتمالك، أو لو وصفتها لك [لم أستطع أن أستوعب أوصافها؛ لما يحصل بخاطري من التكدر بذلك] (٢).
وقيل: سأل رسول الله ﷺ الله بأن يأذن له في الاستغفار لأبيه، فلم يأذن له، وقيل:
قال: «ليت شعري، ما فعل أبواي»؟! فنزلت ﴿وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ﴾ (٣) أي: أنت غير مسؤول عنهم ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾.