← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقيل: يرزقه القناعة فلا يضيق صدره لضيق ذات اليد. وقيل: الرضا بالقضاء. ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ ﴿فَإِذا قَرَأْتَ﴾ أي: أردت أن تقرأ، وعلل ذلك بعدم سلطنته (١٠٢ /أ) على المؤمنين المتوكلين، وحصر سلطانه على من يتولى الشيطان والذين هم به مشركون. كان الكفار يكفرون بما نسخ ويعتقدون أنه بدّل، فنزلت ﴿وَإِذا بَدَّلْنا﴾ (١). وقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ يوافق ما قاله أهل علم البيان ﴿إِنَّما﴾ تدخل على الجملة التي لا ينكرها السامع، فقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ هو عندهم من قبيل الأمر المحقق الذي لا نزاع فيه. وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ إنما ذكر الأكثر؛ لأن بعضهم كان معاندا. ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ روح الطهارة، كان النبي ﷺ يجلس إلى جبر ويسار وكانا نصرانيين فسمع منهما بعض ما عندهما، فقال الله - تعالى - حكاية عن الكفار: ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ وأجاب عنه أن المذكورين غلف الألسنة (٢). وإعجاز القرآن إنما هو بفصاحته (٣).

стр. 457

﴿يُلْحِدُونَ﴾ يميلون. ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللهُ﴾ للنظر في الآيات والأعمال الصالحات. ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ ﴿يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ يقتطعه ويختلقه، أولئك هم الكاملون في الكذب. ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ﴾ منشرح القلب بكفره ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ والشرط الثاني وهو قوله: ﴿مَنْ شَرَحَ﴾ مخصص لعموم الأول وهو قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ ولهذا اتحد جوابهما. ﴿اِسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي: مطلوباتها على مطلوبات الحياة الآخرة، وبسبب أن الله لا يهدي ﴿الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾. وحد السمع وجمع الأبصار والقلوب وقد ذكر ذلك (١).

стр. 458

﴿الْغافِلُونَ﴾ الكاملون في الغفلة. ﴿لا جَرَمَ﴾ قد ذكر (١). ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ من بعد ما صبروا على أذى المشركين وعقوبتهم وسبهم لهم، ثم لما فرض الجهاد جاهدوا وصبروا على القتال. قال ابن عباس: يختصم يوم القيامة الروح والجسد فتقول الروح: يا رب إن هذا الجسد استعمل فطرتي في ملاذّه من المأكل والمشرب والملبس والجاه ولما فارقته لم أعص، فيقول الجسد: رب إن هذه الروح استعملتني فيما أرادته، ولما فارقتها لم أعص، فيقول الله - تعالى - لهما: مثلكما كمثل أعمى ومقعد دخلا حائطا، فالأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا يصل إليها فحمل الأعمى المقعد وأخذا وأكلا، العقوبة عليكما (٢). وقوله: ﴿عَنْ نَفْسِها﴾ أي: عن ذاتها، ولم يرد أن للنفس نفسا. ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ﴾

стр. 459

﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً﴾ يعني مكة. ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فإن قيل: اللباس لا يذاق، فكيف قال: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ﴾ قلنا: استعار للإحساس (١٠٢ /ب) الذوق، ولشمول العذاب اللباس، فكأنه قال: فأصابها من الجوع والخوف ما شملها؛ وأراد بالجوع القحط بدعائه ﷺ . ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تهييج ﴿وَالدَّمَ﴾ أي: المسفوح ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وسائر أجزاء الخنزير، وأصل الخنزير (١). وأصل الإهلال: رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا للأصنام رفعوا أصواتهم بذكر الصوت ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ على إمامه. ﴿وَلا عادٍ﴾ حد الشبع أو حد ما يسد الرمق على اختلاف العلماء فيه. ﴿لِتَفْتَرُوا﴾ يشبه أن تكون لام العاقبة، ويجوز أن يكونوا فعلوا ذلك وتعمدوا الكذب على الله ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: نمتعهم. ﴿ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في سورة الأنعام (٢). ﴿بِجَهالَةٍ﴾ بجرأة وجهل بمقدار من عصوه، وليس المراد الجهل الذي هو ضد العلم، وهو كقول الشاعر [من الوافر]:

стр. 460

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (١) الأمة: الرجل المتفرد بالدّين، كذلك كان قس بن ساعدة، فقال ﷺ : "إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده" (٢).وقيل: كان يرفع من أعماله كعمل أمة. ﴿وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وهو أن جميع أرباب الملل يدعونه، ثم هاهنا ما هو أعظم من ذلك وهو أنا أمرناك باتباعه. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كما زعم الكفار، فصوروا صورة إبراهيم وإسماعيل صنمين في الكعبة، وفي أيديهما الأزلام يقتسمان بها، حتى أخرجها النبي ﷺ (٣). ﴿السَّبْتُ﴾ مصدر، سبت اليهود إذا أعظمت سبتها ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ نسختها آية القتال. ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ نزلت في شأن حمزة لما رآه رسول الله ﷺ قد مثل بأحد، وقطعوا مذاكيره وأذنيه وشقوا بطنه، فقال النبي ﷺ : "لئن ظفرني الله بهم لأمثّلنّ بسبعين منهم" (٤) فعزاه بذلك وأمره بالصبر. والله أعلم. ***

стр. 461

سورة سبحان (الإسراء) [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣)﴾ سرى وأسرى بمعنى واحد، ولهذا جمع بين التعدية بالباء وبين نفسه، وفي قوله: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ دليل على أنه أسري بجسده، إذ لا يطلق على الرّوح اسم العبد (١). (١٠٣ /أ)

стр. 462

وذكر الليل: لأنه أراد بعض الليل. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ من بيت أم هانئ أخت علي ابن أبي طالب (١). ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ بكثرة المياه والأشجار. وقوله: ﴿مِنْ آياتِنا﴾ سد مسد المفعول، أي: بعض آياتنا. ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ من أولاده: سام وحام ويافث؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ (٢). ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢)﴾ ﴿وَقَضَيْنا﴾ أعلمنا ووصينا ﴿فِي الْكِتابِ﴾ في التوراة (٣) ﴿وَعْدُ﴾ عقوبة المرة الأولى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ بختنصر وأصحابه. ﴿فَجاسُوا﴾ أفسدوا ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ بينها، وكان الوعد بإفسادهم ﴿وَعْداً مَفْعُولاً﴾. قيل: النفير جمع نافر، أي: إذا نفرتم لحرب كنتم عددا كثيرا أكثر من عدوّكم، قال عليّ ﵇: "والله ما أحسنت إلى أحد قط ولا أسأت إلى أحد ثم تلا ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾

стр. 463

الآية (١) ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ﴾ عقوبة الإفساد الثانية بعث الله عليهم ملوكا أخر فقتلوا وسبوا ودمروا البلاد وما فيها، والمراد: وعد المرة الآخرة. و ﴿الْمَسْجِدَ﴾ هو المسجد الأقصى (٢). والتتبير: من التكسير ومنه سمّي التبر؛ لأنه يؤخذ قطعا، أي: يتبروا ما علوا وظهروا فوقه. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ إلى الإفساد عدنا إلى العقوبة. والحصير: المجلس، مأخوذ من الحصر. ﴿يَهْدِي﴾ للطريق التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ﴾ بأن الذين لا يؤمنون بالآخرة معذبون؛ لأن مساءة العدو سرور لعدوّه. ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ عند الغضب على نفسه وماله. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ قيل: وجعلنا الليل والنهار، ويؤيده قوله: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ وقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي: يستبصر بها؛ كقوله: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (٣) وجميع النوق مبصرة بالحدقة (٤). ﴿وَالْحِسابَ﴾ وقف تام؛ لأنا لم نعلم كل شيء فصل تفصيلا (٥). ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠)﴾

стр. 464

﴿طائِرَهُ﴾ حظّه ونصيبه ﴿حَسِيباً﴾ محاسبا، ولا تحمل حاملة. ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾؛ كقوله: ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ الآية (١). ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ بالطاعة فعصوا. وزعم الزمخشري (٢) أن التقدير: أمرناهم بالفسق ففسقوا. جعل توسعة الأرزاق عليهم والتمكين في البلاد كالأمر بالبطر والفسق. قال: تقول: أمرت زيدا فعصى، فتضمر بالطاعة؛ لدلالة (١٠٣ /ب) " فعصى "عليه. قرئ ﴿أَمَرْنا﴾ من الإمرة وهي الولاية، وقيل: ﴿أَمَرْنا﴾ (٣) كثرنا، قال ﵇:" خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة " (٤) يعني بالسكة النخل، وبالمأبورة التي ظهرت ثمرتها من كمامها، وبالمأمورة المهرة الكثيرة الولادة. قوله: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ تقييد لإطلاق قوله: ﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها﴾ (٥) وكثيرا ترى قوما يسألون الدنيا ولا تحصل لهم. والمراد: التقييد بهذين القيدين. والمدحور: المطرود، ومنه ﴿قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً﴾ (٦) ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً﴾ (٧). أراد ﴿سَعْيَها﴾ اللائق بها. ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ أي: ممنوعا.

стр. 465

﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١) لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (٢٢) وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩) أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤)﴾ روي: «أن سهيل بن عمرو كان بباب عمر في جماعة من أشراف قريش المسلمين، فخرج الإذن لبلال وصهيب وعمار وفقراء المهاجرين، فتعجب أشراف قريش من تقديم هؤلاء عليهم، فقال سهيل بن عمرو: دعوا ودعينا فأجابوا وأبطأنا، ولتقدمهم في الآخرة أعظم من تقدمهم على باب عمر، ثم تلا ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ الآية» (١).

стр. 466

﴿فَتَقْعُدَ﴾ هي من أخوات كان، و ﴿مَذْمُوماً﴾ خبرها. ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ أي: أمر وأوصى بالوالدين إحسانا. ﴿أُفٍّ﴾ كلمة يتضجر بها، جعل للذل جناحا، وجعل خفض الجناح كناية عن اللين. وقوله: ﴿كَما رَبَّيانِي﴾ الكاف للتعليل، أي: لأجل أنهما ربياني، كقوله: ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً﴾ ثم قال: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ (١) أي: لأجل إرسال هذا النبي اذكروني. ﴿حَقَّهُ﴾ من صلة الرحم. ﴿إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي: يوافقون الشياطين على ما يوسوسون به. ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ جعل غل اليد كناية عن البخل، وبسط الكف عبارة عن العطاء. ﴿مَحْسُوراً﴾ قد أعييت، والمحسور المعيى. ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يضيق، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٢) الإملاق: الفقر، والخطأ: المعصية، والخطأ ضد العمد. وقوله: ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ مستثنى من ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾ وقيل: من ﴿حَرَّمَ اللهُ﴾. ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ أي: لا يقتل غير قاتله. وكانت العرب إذا رأت رجلا من قبيلة القاتل قتلوه. وقيل: كانوا يقولون: لا نأخذ بالواحد منّا إلا عشرة منكم. وقيل: فلا يمثّل بالقتيل. الأشد: جمع شد، أي: حتى تقوى قوى أعضائه، قال عنترة [من الكامل]: عهدي به شدّ النهار كأنما ... خضب البنان ورأسه بالعظلم (٣) ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾ أي: عنه. وقيل: مسؤولا، أي: مطلوبا. وقيل: يسأل العهد [عمّن] (٤) وفّى به، ومن لم يف به. ﴿تَأْوِيلاً﴾ عاقبة، و ﴿وَالْفُؤادَ﴾ القلب ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ﴾ إن طاولتها. ﴿أَفَأَصْفاكُمْ﴾ (١٠٤ /أ) أعطاكم صفوة الأولاد. ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ صاحب العرش. قوله: ﴿وَتَعالى﴾ يدل على أن قوله: ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزه. وقيل: معناها نزهت الله.

стр. 467

﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧) اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً (٥٢) وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٥٨) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً (٥٩)﴾ ﴿حِجاباً مَسْتُوراً﴾ حجاب من قدرة الله، والقدرة مستورة عن أعين الناظرين. وقيل: مستورا بمعنى ساتر ﴿نُفُوراً﴾ مصدر، وجمع نافر. ﴿مَسْحُوراً﴾ يأكل ويشرب في سحره قالوا: والسحر: الرئة والإنسان لا يأكل في رئته، إلا أن الرئة مجاورة المعي. وقيل: مسحورا: ساحرا ﴿فَضَلُّوا﴾ يجوز أن تكون فاء التفسير؛ لأنهم ضلوا بضرب الأمثال. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ إلى الصواب. ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً﴾ أي: في الفرض والتقدير، وليس هذا الأمر مما يمتثل. ﴿مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قيل هي السماوات والأرض. وقيل: الموت. ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ إنكارا واستهزاء ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ﴾ عسى تامة و ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ فاعلها. ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: تقومون من القبور، أو فيما بين النفختين. ﴿يَقُولُوا﴾ الكلمة ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ﴿وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ مكلّفا لهم للدخول في الإيمان نسختها آية السيف. ﴿وَآتَيْنا داوُدَ﴾ كتابا مزبورا، أي: مكتوبا ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ﴾

стр. 468

﴿زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ المراد بالأمر بهذا الدعاء بيان أن الأصنام لا تنفعهم ولا تدفع عنهم ضررا. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعني: عيسى والملائكة وعزيرا (١). وقيل: إن العرب عبدوا طائفة من الجن، ثم أسلمت بعض تلك الطائفة ولم يشعر العابدون بإسلامهم فنزلت ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ﴾ الآية (٢). ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ التي اقترحوها إلا أن الأولين كذبوا بمثلها فأهلكوا، ونحن قضينا بتأخير عذاب أمتك إلى يوم القيامة. ﴿النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ يستبصر بها ﴿فَظَلَمُوا﴾ فكفروا. ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً (٦٠) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤)﴾

стр. 469

﴿أَحاطَ بِالنّاسِ﴾ فهم كالذي في قبضته. ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ وهي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ وعلى هذا تكون الرؤيا بمعنى الرؤية (١). وقيل: هي الرؤيا التي رآها رسول الله ﷺ في النوم أنه يدخل الحرم هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فتأخر ذلك في تلك السنة فافتتن الناس (٢). ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ هي شجرة الزقوم ﴿الْمَلْعُونَةَ﴾ أي: الملعون آكلها. ﴿أَأَسْجُدُ﴾ لمن خلقته في أول أمره ﴿طِيناً﴾ وقد كرر ﴿قالَ﴾ والمتكلم واحد بقوله: ﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ﴾ يقال: احتنك الجراد الأرض إذا استهلك ما فيها (١٠٤ /ب). وقوله: ﴿جَزاؤُكُمْ﴾ غلب فيه الخطاب وإلا فالتقدير: فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم. ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ قالوا: كلّ راكب وماش في معصية الله فهو من جنود إبليس. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ لعبادي في دفع سلطان إبليس عنهم ﴿يُزْجِي﴾ يسوق ﴿جانِبَ الْبَرِّ﴾ يريد البر نفسه وكأن للوادي جانبان جانب بحر وجانب بر. ﴿قاصِفاً﴾ التي تقصف الشجر بقوتها. ﴿تَبِيعاً﴾ أي: تابعا يطلب لكم ما تلتمسونه. قوله: ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ﴾ احتج به من زعم أن الملائكة أفضل من البشر فإن مفهومه أنه قد بقي طائفة قليلة لم يفضل بنو آدم عليهم. ﴿بِإِمامِهِمْ﴾ أي: بكتابهم، ومنه ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (٣) وقيل: ﴿بِإِمامِهِمْ﴾ بقدوتهم في الاعتقاد. وقيل: الإمام جمع أمّ وزعموا أن الناس في الموقف يدعون، فيقال: يا ابن فلانة. وذكروا ثلاث فوائد: إظهار شرف فاطمة، ولئلا يخيل الأمر في دعاء عيسى، ولئلا يفتضح أولاد الزنى (٤). ﴿فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ﴾ والكفار أيضا يقرءون كتابهم؛ لقوله - تعالى:

стр. 470

﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ﴾ لكن جواب الشرط محذوف، أي: يقرءون كتابهم فيجازون بما فيه. ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ أي: أشدّ عمى، وهي أفعل التفضيل. ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ﴾ فيه تعظيم للنبي ﷺ فإنّ ﴿لَوْ﴾ تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، و ﴿لَوْلا﴾ تدل على امتناعه لوجود غيره، فيكون التثبيت قد منع رسول الله ﷺ من أن يكاد قليلا ما من الركون. ﴿إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (٧٧) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦)﴾ ﴿ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ﴾ عذاب ﴿الْمَماتِ﴾ فإن العذاب يكبر بكبر المعذّب، كما يكثر الثواب بسببه ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآيتين (١). قيل: إن اليهود قالوا للنبي ﷺ : إن الأنبياء كلهم من الشام أو هاجروا إلى الشام، فإن كنت نبيّا فهاجر إلى الشام (٢). فخيم رسول الله ﷺ بظاهر المدينة يريد الشام فنزلت ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣).

стр. 471

دلوك الشّمس: زوالها. وقيل: غروبها. ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاة الفجر، سماها قرآنا لاشتمال الصلاة عليه، كما سماها تسبيحا ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١). ﴿نافِلَةً﴾ أي: زيادة على الفرائض؛ لأن قيام الليل (١٠٥ /أ) كان فرضا علي النبي ﷺ . ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ أي: مدخلا حسنا ومخرجا حسنا. العرب إذا عظّمت شيئا وصفته بالصدق ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٢) ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٣) قال قتادة: "ما جالس أحد هذا القرآن إلا وقام عنه بزيادة أو نقصان، ثم تلا ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾» (٤). «ونئاو» بعد، ومن قرأ (ونأء) (٥) فمعناه: ونهض معرضا بجانبه. قيل: الروح التي يحيا بها الجسد. وقيل: هم جند من جند الله ليسوا بإنس ولا جن ولا ملائكة وهم أكثر من هذه الأصناف الثلاثة. ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً (٨٩) وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً (٩٣) وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥) قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦)﴾ ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ﴾

стр. 472

﴿دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظّالِمُونَ إِلاّ كُفُوراً (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠)﴾ قوله: ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استثناء من غير الجنس؛ لأن رحمة الله هادية، فهي كالمتوكلة بحصول الخير. ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: من كل حكم وكل قصة هي في الغرابة كالمثل، والمثل والمثل والمثيل بمعنى واحد. اقترحوا علي النبي ﷺ أن يفجّر لهم أنهارا وعيونا بأرض الحجاز، وأن يكون له أعناب وثمار، وأن يسقط السماء قطعا، أو أن يأتي بالله والملائكة مقابلة، أو يكون لك بيت من ذهب، أو يرقى في السماء ولا نكتفي بذلك حتى تنزل معك كتابا من السماء نقرؤه، فأمره أن يجيب: بأنني مأمور ولا أطلب ما لم أعط. وقد أجاب عن ذلك في سورة العنكبوت بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ (١) فإذا صح التعجيز بمعجزة واحدة لم يبق لاقتراح المعجزات وجه، وقد أنكر الكفار أن يكون الرسول بشرا مع إجازتهم أن يكون المعبود حجرا. ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ﴾ فهو الكامل في الهداية. وفي القيامة مواقف ففي بعضها لا يبصرون وهذه الآية دليله، وفي بعضها يبصرون ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ (٢) وفي بعضها لا ينطقون ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (٣) وفي بعضها يتكلمون ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (٤) ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ ضعف لهبها زدناها اشتعالا، ذلك سبب إنكارهم البعث وكفرهم. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أو لم علموا أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ﴾ (٥).

стр. 473

لو تطلب الأفعال وقوله ﴿لَوْ أَنْتُمْ﴾ تقديره: لو تملكون أنتم. ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ﴾ خشية الفقر ﴿قَتُوراً﴾ مبالغا في التقتير خوف الفقر. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤)﴾ ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ (١٠٥ /ب) قيل: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد البيضاء وانفراق البحر وحل العقدة من لسانه. وقيل: إن النبي ﷺ سأله اليهود عن ذلك قال:" هي ألا تغلّوا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان، وعليكم يا معشر اليهود ألا تعدوا في السبت " (١) فجعل الآيات أوامر بالخيرات.

стр. 474

﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً﴾ أي: ساحرا فقال موسى له: "لقد علمت صدقي، فيما جئت به"، وهذا يدل على أن فرعون كان مكابرا، عرف الحق وجحده، وقرئ "لقد علمت" (١) والقراءة المشهورة أتم؛ لأن موسى لا يحتج على فرعون بعلمه (٢). ﴿مَثْبُوراً﴾ هالكا، ﴿يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ يخرجهم ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ من ديار مصر. ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ قيل: مصر. وقيل: الشام. ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١)﴾ ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ﴾ أي ملتبسا به. ﴿فَرَقْناهُ﴾ وفرّقناه (٣): أنزلناه مفصلا ولم ينزل جملة؛ لأن المقصود أن يحفظ في الصدور، ولهذا قال: ﴿عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾. ﴿آمِنُوا﴾ ليس أمرا يريد الامتثال بل هو كقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٤). ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من أسلم من اليهود يسرعون السجود إذا سمعوه فهو كالذي يخرّ هاويا من مكان عال. ويستحب أن يقول في سجوده هذه الآية: "سبحان من وعده مفعول" ثم يقول:

стр. 475

"زادني حبّا ورغبة في الطاعة ما زاد الكافرين عتوّا واستكبارا" (١). «سمع أبو جهل النبي ﷺ يقول: "يا الله يا رحمن" فقال: إن محمدا نهى عن دعاء إلهين وهو يدعو اثنين (٢)، وهذا تجاهل منه، فإن لفظ: "الله والرحمن" اسمان لمسمى واحد، (ولم يكن له ولد) يستعين به على دفع الذل، وكذلك امتناع اتخاذ الولد والشريك، والولي يحمد الله عليه، وإن لم يحصل لنا منه شيء (٣)» (١٠٦ /أ). ***

стр. 476

سورة الكهف [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠)﴾ حمد الله نفسه، واستحمد إلى خلقه بإنزال الكتاب إذ هو كافل بمصالح الدين والدنيا. وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ معترض بين فعل ﴿يَجْعَلْ﴾ ومفعوله ﴿عِوَجاً﴾ ﴿قَيِّماً﴾ قائما بمصالح العباد (١) ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ﴾ ولم يذكر من أنذره ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم ذكر إنذار الكفار فبيّن المنذر ولم يبين ما أنذروا به، فقال: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ الآية، وقد صرح بهما في قوله: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً﴾ (٢) وحذفهما في قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٣). وقوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ إشارة إلى أنه كان يجب ألا تبرز هذه الكلمة من صدورهم، كما جاء في الحديث: "إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يذكره" (٤) ونصب ﴿كَلِمَةً﴾ كما انتصب في قوله: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ ونعم زيد رجلا. ﴿باخِعٌ﴾

стр. 477

﴿نَفْسَكَ﴾ قاتلها ﴿أَسَفاً﴾ مفعول من أجله ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ﴾ من الناس والنبات والأنهار والثمار. ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أكثر توقيا للحرام أو أكثرهم ذكرا للموت واستعدادا له. ﴿صَعِيداً جُرُزاً﴾ قد استهلك ما عليه من النبات بالأكل والرعي والجفاف. ولما سأل الكفار رسول الله ﷺ عن قصة فتية ذهبوا فلم يعرف لهم خبر، وتوهموا أن تلك القصة من أعجب ما يكون وأغربه، فأنكر الله ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً﴾ (١). والرقيم: جانب الوادي. وقيل: هو لوح رقمت فيه قصتهم، وجعلت علي باب الغار حين غلب المؤمنون على أمرهم واتخذوا عليهم مسجدا. ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧)﴾ ﴿فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ﴾ حجبوا عن الإدراك بالحواس فهم مشبهون بمن ضرب على حواسّه بشيء يمنعها من الإحساس. كان أهل الكتاب قد تنازعوا في مدة لبثهم، وفي عددهم، فأخبر الله نبيه ﵇ بحقيقة الأمر. ﴿وَزِدْناهُمْ هُدىً﴾ كما قال - تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ (٢). ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ ثبتنا قلوبهم حتى اجتهدوا في كتمان أمرهم، استعار لهم الربط حتى لا ينفلت منهم ما يدل على حالهم. اعترفوا بأن خالقهم خالق السماوات والأرض؛ لأن أحدا لا يدعي في (١٠٦ /ب) خلقهما مشاركة ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي﴾

стр. 478

﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ (١) ﴿لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً﴾ بعيدا عن الصواب، يقال شط المزار: إذا بعد ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ (٢) ولا تبعد عن الحق. ﴿قَوْمُنَا﴾ بدل من ﴿هؤُلاءِ﴾ ﴿لَوْلا﴾ هلاّ ﴿يَأْتُونَ﴾ على تصحيح عبادتهم ببرهان بيّن فلا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ وافترى إن كانت بمعنى كذب ف" كذبا "مصدر، وإن كان بمعنى اقتطع واختلق جاز أن يكون مفعولا. ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ وإذ اعتزلتم قومكم بكفرهم. ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ﴾ ما ترتفقون به، سمي المرفق؛ لأنه ارتفق بدخول عظم الساعد في عظمي (٣) فهيأ بذلك بسط اليدين وقبضهما. قيل: إن الشمس كانت إذا طلعت تميل عنهم خاصة ذات اليمين، وإذا غربت تميل ذات الشمال، وهذا بعيد، بل الصواب أن باب الغار كان في مقابلة بنات نعش (٤) فكانت الشمس لا تدخل لهم بكرة ولا عشية ولا في شيء من النهار. واحتج الأولون بقوله - تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ وأجيب بأن المراد بقاؤهم ثلاثمائة سنة من غير غذاء ولا شراب وتهيئة هذا الكهف في فجوة في مكان لا تتسلط عليه الشمس. ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ الكامل الهداية. ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ﴾

стр. 479

﴿ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨) وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢)﴾ قيل: كانوا حين ضرب على آذانهم أعينهم مفتحة فظنهم الرائي أيقاظا ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ حتى لا تأكل الأرض لحومهم إذا استمروا عليها. قيل: كانوا يقلبون في كل سنة مرة. وقيل: في كل سنة مرتين (١). وقيل: كانوا يقلبون في يوم عاشوراء وهذا مما لا دليل عليه (٢). قوله: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ اسم فاعل بمعنى المضي، فقياسه ألا يعمل، لكنه حكاية حال ماضية (٣) والوصيد: الباب. حكي: «أن معاوية بعث قوما يستطلعون خبرهم، فلما دخلوا من باب الكهف بعث الله

стр. 480

ريحا شديدة فأخرجتهم وهم كارهون، فبلغ معاوية، فقال له بعض جلسائه: قد منع الله من هو خير منك من رؤيتهم، فقال: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾» (١). ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْماً﴾ كانوا يظنون أن الشمس غابت [فقالوا: يوما] فرأوها لم تغب فقالوا ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وكان معهم دراهم من ضرب دقيانوس الملك المتقدم ثم تغير ذلك الضرب تغييرات كثيرة في مدة (١٠٧ /أ) الثلاثمائة سنة. ﴿أَيُّها أَزْكى طَعاماً﴾ أرخص أو أحلّ. ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ وهم يظنون أن الملك دقيانوس يطلبهم. ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ إن يغلبوكم؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (٢) ﴿أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أطلعنا ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً﴾ (٣) وكان ملكهم في ذلك الزمان مسلما وكان يرى ببعث الأجساد والأرواح، وقوم ينكرون ذلك، فأقام الملك متضرعا أن يريهم الله آية تدل على بعث الأجسام، فلذلك قال: ﴿أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ فلما اطلع عليهم تنازع فيهم المسلمون، فغلب الملك والمسلمون عليهم، فبنوا عليهم مسجدا. كان ابن عباس يحلف أنه من القليل الذين يعلمون عددهم، ويقول: هم سبعة وثامنهم كلبهم (٤) فإن الله - تعالى - عقب القولين الأولين بقوله: ﴿رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ ولم يقل ذلك في قولهم الثالث. وزعم قوم أن هذه واو الثمانية، وليس عند العرب للثمانية واو. وأما سورة التحريم قوله: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ (٥) فتلك الواو واجبة الدخول، سواء كان ثالثة أو رابعة أو ما سوى ذلك؛ لأنه لو قال: ثيبات أبكارا لاجتمع الضدان. وقد كان

стр. 481

القاضي الفاضل (١) يعتقدها واو ثمانية فرد عليه أبو الجود بما ذكرته فقال: أرشدك الله يا أبا الجود (٢). وأما سورة الزمر وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ (٣) في صفة أهل الجنة، فليس ذلك لأن أبواب الجنة ثمانية كما زعموا فإنه لم يسبق ذكر عدد، وإنما هذه الواو واو الحال والتقدير: جاءوها وقد فتحت أبوابها كما تعد الدار نزلا للضيف وتكنس وتفتح أبوابها (٤). قوله: ﴿إِلاّ مِراءً ظاهِراً﴾ يدل على جواز المماراة إذا ظهر دليلها وإن كان في لسان حملة

стр. 482

الشريعة لا يذكرونه إلا مذموما. ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦) وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨)﴾ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ نزلت حين قال رسول الله ﷺ للكفار:" سأخبركم غدا "ولم يقل: إن شاء الله (١). ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ الاستثناء بالمشيئة ﴿وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ﴾ مما نسيته ﴿رَشَداً﴾. ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ سنين بدل من ثلاثمائة. قوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ أي لما انتقل الحساب من السنة الشمسية (١٠٧ /ب) إلى السنين العربية صارت الثلاثمائة الشمسية ثلثمائة وتسعة بالعربية، وفيها تفاوت يسير كما قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ (٢) وإنما هو شهران وثلث. له علم ما غاب في السماوات والأرض. ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ ما أبصر الله بما تفعلون وما أسمعه لما تقولون! ﴿وَاتْلُ﴾ أي: اقرأ. وقيل: واتبع كقوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ (٣) أي: تبعها في السير. ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ وكان عيينة بن حصن وأضرابه من المترفين يكرهون مجالسة عمار بن ياسر وخبّاب بن الأرت وبلال وابن مسعود ويقولون: اجعل لمجلسنا يوما لا يحضرونه، فهمّ رسول الله ﷺ بذلك حرصا على إيمان المترفين، فإنهم إذا آمنوا تبعهم خلق كثير، فنهي عن طرد الفقراء، وأمر أن يصبر نفسه معهم، فكان إذا

стр. 483

جلس معهم لا يقوم من مجلسه حتى يبدؤوا هم بالقيام (١). ﴿مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ خلقنا الغفلة في قلبه وكان أمره مقدّما في الشر. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦)﴾ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ﴾ إذا شاء الله رب العالمين ﴿وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ إذا شاء الله رب العالمين، فلنا مشيئة نفرق بها بين الفعل الاختياري والاضطراري ولا يقع الفعل إلا بمشيئة الله - تعالى. المهل: درديّ الزيت المغلي. وقيل: الذهب والفضة إذا أذيبا. وقوله: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ﴾ أي: يجعل مكان الغوث وإلا فهو ليس بغوث. ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ إذا دنا منها ويقطع الأمعاء إذا شرب، ويصب من فوق رؤوسهم فيذيب شحم بطونهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ، وخبره ﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ و ﴿إِنّا لا نُضِيعُ﴾ جملة معترضة. وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ وخبره ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ وعلى هذا دخلت ﴿إِنَّ﴾ في خبر ﴿إِنَّ﴾. وقيل بجوازه؛ كقوله - تعالى - في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٢)، وأنشدوا عليه

стр. 484

[من البسيط]: إن الخليفة إن الله سربله ... سربال عزّ به ترجى الخواتيم (١) ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ إن كانت عدن اسم مكان مخصوص، فهي معرفة، وإن كانت من عدن بالمكان إذا أقام به فهي نكرة. قيل: السندس ما رقّ من الديباج. والإستبرق (١٠٨ /أ) ما غلظ منه، ولهذا قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (٢) ولا يعني بما غلظ من الديباج له ناقص القيمة؛ لأنه ليس في الجنة ناقص إنما هو نوع من الحرير ينسج ثخينا. ﴿الْأَرائِكِ﴾ السرر في الحجال. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ ﴿مَثَلاً﴾ و ﴿رَجُلَيْنِ﴾ مفعولان ل ﴿وَاضْرِبْ﴾ ومعناها: صيّر؛ كقولك: ضربت الطين لبنا، وقد سبق أن الزمخشري (٣) قال: إن الجنة من النخل، والفردوس من الكرم، وظاهر هذه الآية يخالفه؛ لأنه جعل الجنتين من الأعناب، ﴿أُكُلَها﴾ أي: ثمرتها. لم تظلم: لم تنقص. وكان له أموال مختلفة بثمرها. ﴿يُحاوِرُهُ﴾ يراجعه للكلام. النفر: القوم الذين ينفرون معك إذا استدعيتهم. وقال الزمخشري (٤): ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أي: التي لا جنة له سواها، وليس له في الآخرة إلا النار، وزعم أنه إن كان ثم آخرة فنصيبه منها وافر، ولا دليل له على ذلك ولا باعث إلا البطر، وسعة الرزق. جعل صاحبه إنكاره للبعث وقسمه أن جنته لا تبيد، وأنه يؤتى في الآخرة نصيبا وافرا كفرا بالله. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩)﴾ ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾

стр. 485

﴿حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤)﴾ ﴿خَلَقَكَ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، ثم جعل نسلك من سلالة من ماء مهين. ﴿وَلَوْلا﴾ بادرت حين دخول جنتك فقلت: ﴿ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾. وقيل: من أكثر قول هذه الكلمتين في بستانه تضاعف ثمره وأمن الجائحة (١). والحسبان: عذاب. ﴿غَوْراً﴾ أي: غائرا. ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ هلك. ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يديه ندما على خسران ﴿ما أَنْفَقَ فِيها﴾ وجعل نفسه مشركا بذلك من دون الله من سوى الله. ﴿وَما كانَ مُنْتَصِراً﴾ بنفسه. ﴿هُنالِكَ﴾ أي: في ذلك الوقت، أو في ذلك الزمان ﴿الْوَلايَةُ﴾ بكسر الواو وفتحها (٢) لغتان. من رفع ﴿الْحَقِّ﴾ فهو صفة للولاية ومن جرّه (٣) فهو نعت لله. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨)﴾ ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾

стр. 486

﴿(٤٩) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢)﴾ ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ في حسن إقبالها وسرعة زوالها بجملة؛ وهي أن ماء نزل من السماء إلى آخره. ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أي: اختلط التراب بالماء، واختلطت أنواع العشب النابتة من الأرض. ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ تحمله وتفرقه في نواح شتى. ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ سائر الأعمال الصالحة (١). وقيل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (٢). وقيل: الصلوات الخمس (٣) (١٠٨ /ب). ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي: مأمولا. ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ ليس عليها شجر ولا نبات يستر شيئا منها. ﴿لا يُغادِرُ﴾ لا يترك، ومنه سمّي الغدير؛ لأن السيل تركه لانخفاض مكانه. وقيل: سمي به لأن المسافرين يمرّون عليه وهو ملآن، ثم إذا تهيأ عودهم يظنون أن ذلك الماء باق، فيجدون الرياح قد أذهبته، فكأنه غدرهم. فعيل بمعنى فاعل وعلى الأول بمعنى مفعول. ﴿وَوَجَدُوا﴾ جزاء ﴿ما عَمِلُوا حاضِراً﴾ ووجدوه مسطورا في صحائف الأعمال. ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قيل: اجعلوه قبلتكم. وقيل: اجعلوه إماما تسجدون لسجوده. والصحيح اسجدوا له تعظيما، وتختلف الشرائع في ذلك. ومنه: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ (٤). ﴿كانَ﴾ من خدم الجنة، وبه سمي الجن. وقيل: سمي به لاستتاره عن الأعين، ولا يتعدى ذلك إلى الملائكة، فهو مشتق لا يعم كالقارورة والملك والخابية (٥) ﴿فَفَسَقَ﴾ فخرج والفاء لردّ السببية الباطلة، كأنه قال: أفمع فعله مع أبيكم هذا تتخذونه وليّا من دون الله.

стр. 487

وقوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ احتج بها قوم على أن إبليس تزوج وولد له. ﴿ما﴾ أحضرتهم ﴿خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولا استعنت بهم في خلقهما، ومثله ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية (١) واذكر يوم يقول الله: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ﴾ زعمتموهم شركاء ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾ أي مهلكا، وهو سرادق جهنم. وقيل: البين بمعنى الوصل ومنه: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢) بالضم، المعنى هنا: وجعلنا تواصلهم في الدنيا سببا لهلاكهم في الآخرة. ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨)﴾ ﴿فَظَنُّوا﴾ فأيقنوا. وقيل: هو ظن على بابه، والمواقعة مفاعلة من واحد مأخوذ من الوقوع، فهم يقعون فيها وهي لا تقع فيهم. ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل حكم أو قصة أو موعظة هي في غرابتها كالمثل. ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ بالباطل، وفي البخاري: «أنّ النبي ﷺ طرق عليّا وفاطمة بعد أن أخذا مضاجعهما فأرادا أن يقوما فقال: على مكانكما. فجلس بينهما. قال عليّ: حتّى وجدت برد قدميه على صدري، ثمّ قال: يا عليّ وفاطمة، ألا تقومان الليل؟ فقالا: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، إن شاء أن يقيمنا أقامنا، وإن شاء أن ينيمنا أنامنا، فلم يرجع النبي ﷺ إليهم جوابا. قال عليّ: (١٠٩ /أ) فسمعته وهو مولّ يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾» (٣).

стр. 488

﴿وَما مَنَعَ النّاسَ﴾ الإيمان إلا الاستهانة بما ذكّروا به من قصص الأولين. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً﴾ أي: معاينة ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الرسل ﴿بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا﴾ ليبطلوا ﴿بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي﴾ وإنذاري محل هزء أو مهزوّا به، أو جعله نفس الهزء مبالغة، ولا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما﴾ قدم من الأعمال السيئة حتى جعلته على شفا جرف من النار. الأكنة: جمع كنان؛ كراهة أن يفقهوا أو لئلا يفقهوا. والوقر بفتح الواو: هو الثقل في الأذن، وبكسرها الحمل ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فيلزم من الغفران الرحمة؛ لأن الرحمة أعم والمغفرة جزء منها قد تحصل الرحمة بكشف الشدائد وسعة الرزق وبلوغ الآمال. ﴿بَلْ﴾ لمجازاتهم ﴿مَوْعِدٌ﴾ ﴿مَوْئِلاً﴾ أي: منجى. ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩) وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠) فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥)﴾ ﴿الْقُرى﴾ عطف بيان أو صفة و ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ الخبر، ويبعد أن يجعل ﴿الْقُرى﴾ خبرا عن ﴿تِلْكَ﴾ لقلة الفائدة فيه، وإن كان قد جاء مثله خبرا ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ (١) ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ (٢) فيه إشارة إلى معاجلتهم بالعقوبة. ﴿وَجَعَلْنا﴾ لوقت إهلاكهم موعدا.

стр. 489

روي: «أن موسى ﵇ خطب الناس ووعظهم موعظة بليغة، فقال له رجل: هل تعلم أحدّا أعلم منك؟ فقال: لا. فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فقال: عبد لنا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال: يا ربّ كيف السبيل إلى لقائه؟ قال: خذ حوتا في مكتل، فحيث فقدت الحوت فهو ثمّ، فتوجه هو ويوشع بن نون فتاه لطلبه، واتخذ حوتا في مكتل، فلما وصلا إلى المكان توضأ يوشع من عين، فأصاب الماء الحوت المشويّ - وكان قد أكل أحد شقيه - فحيى، ووقع في الماء، وصار الماء عليه مثل الطاق، ثم توجها لطلبهما بقية يومهما فوجدا التعب والجوع، فقال موسى لفتاه: آتنا غداءنا. فأخبره بخبر الحوت، فقال: ذلك ما كنا نبغي. فرجعا يقصان الأثر، فوجدا الخضر. وقيل: إنهما دخلا في الماء في المكان الذي دخل فيه الحوت، فوجدا الخضر جالسا هناك، فسلّم موسى عليه، فقال الخضر: أنّى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟! قال: نعم، جئتك لتعلمني مما علمت رشدا. وتأدب موسى مع الخضر لما ردّه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (١٠٩ /ب) فقال له: ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ فركبا في سفينة، فلما توسطا البحر خرق الخضر السفينة ﴿شَيْئاً إِمْراً﴾ أي: منكرا، وكذلك ﴿نُكْراً﴾ و ﴿إِذا﴾ وكانت الأولى من موسى نسيانا، فاعتذر عن فعله بنسيانه، فقبل عذره، ثم وجدا غلاما صبيح الوجه، فأخذه الخضر فقتله، فأنكر موسى عليه ثانيا، واختلف في أي الأمرين أشد؟ فقيل: خرق السفينة؛ لأنه يخشى بذلك هلاك خلق كثير. وقيل: قتل الغلام؛ لأنا تيقنّا ذهاب روحه بخلاف ركبان السفينة. قال له الخضر مغلظا عليه: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ فزاد لفظة ﴿لَكَ﴾ في الثانية دون الأولى، فحكّمه موسى عليه وقال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ قال النبي ﷺ : "وددنا لو أن موسى سكت حتى يقصّ الله علينا من خبرهما" (١). ﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨)﴾ ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ﴾

стр. 490

﴿سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)﴾ المراد بالانطلاق: الذهاب ولا يشترط فيه السرعة، وأصله من إطلاق الإنسان أو الدابة الممنوعين عن التصرف. وقوله: ﴿فَانْطَلَقا﴾ يعني موسى والخضر، ولم يجر ذكر يوشع بعد انطلاقهما، وكملت القصة في محاورة موسى والخضر دون يوشع. ﴿اِسْتَطْعَما أَهْلَها﴾ وقد احتج بهذه الآية من أجاز السؤال عند الحاجة، فإن الخضر وموسى استطعما وردّا. وفيه دليل على أن إعطاء المسكين والسائل ضيافة. وقوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ نسبة الإرادة للجدار مجاز والمراد إشرافه على السقوط. ﴿فَأَقامَهُ﴾ الخضر. وقوله: ﴿لاتَّخَذْتَ﴾ قرئ ﴿لاتَّخَذْتَ﴾ وهما لغتان (١) فلما استكمل موسى ثلاثة أسئلة على خلاف ما شرط عليه في قوله: ﴿فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ الآية قال له الخضر: وفاء بالشرط ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ وقد زعم بعضهم البين بمعنى الوصل، احتج بقوله - تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ في قراءة من ضم النون (٢). واحتج الشافعي في قوله: إن المسكين أكثر موجودا من الفقير بهذه الآية (٣) فجعل لهم سفينة وسماهم مساكين. وقال بعضهم: لما جاز إرادة إفساد السفينة للمصلحة، وإن كان ضرر ظاهر نسب ذلك إلى نفسه بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها﴾ ولما كان بقاء الكنز في مكانه ليأخذه اليتيم إذا بلغ مصلحة مجرّدة نسبه إلى الله - تعالى - فقال: ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا﴾ وقد سأل نافع الأزرق (٤) ابن عباس ﵁ فقال: "كيف جاز للخضر قتل الغلام ولم يحتلم، وهو لم

стр. 491

يجر عليه قلم؟ قال ابن عباس: علم منه أنه يكفر إذا بلغ. فقال: إذا غلب على (١١٠ /أ) ظن الإنسان ذلك يجوز له أن يقتل ولم يتحقق منه جناية بعد؟ فقال ابن عباس: إن علمت من الغلام ما علمه الخضر فاقتله" (١). وقد قيل في الكنز: إنه لوح مكتوب فيه: "عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله" (٢)،وظاهر لفظ الكنز يخالف هذا. وقيل في الأب الصالح: إن ذلك الولد كان سابع بطن من ذريته، وقد ورد في الأثر: "إن الرجل الصالح يحفظ في السابع من ذريته" (٣).والأشد: جمع شد، وبلوغ الأشد هو تكامل القوى. وقوله: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يريد أن الله أعلمه ذلك بطريق من طرق الإعلام لم يطلع الله موسى عليه.

стр. 492

﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ وقوله - تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ وهو ملك ملك الأرض كلها، ولم يملكها إلا أربعة: مسلمان: ذو القرنين وسليمان، وكافران: بختنصر والنمرود. واختلف لم سمي ذا القرنين؟ فقيل: لأنه بعث إلى أمتين في مشرق الأرض ومغربها. وقيل: لأنه بلغ مسيره إلى المشرق والمغرب. وقيل: دعا قومه إلى الله فشجوا قرن رأسه، ثم أعاد دعوتهم إلى الله فشجوا القرن الآخر. وقيل: عاش عمر قرنين، والأمة الكبيرة تسمى قرنا ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ﴾ (١) ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ (٢) وقيل: كانت له ذؤابتان حسنتان فسميتا قرنين، ومن العجيب قول بعضهم: إنه كان له قرنان من نحاس، فليتني أدري كيف يمتزج النحاس باللحم والدم، وكيف يأخذ حظه من الغذاء؟! (٣) ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يستعين به على الملك ﴿سَبَباً﴾ فإنه لم يؤت السبب إلى ملك السماوات ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ﴾ الجهة التي تلي مغرب الشمس ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: في نظر عينه قرى حامية، فالهمز يريد به كثيرة الحمأة وهي الطين، وغير المهموز يريد شدة الحر (٤). ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ هؤلاء القوم، وإما أن تفعل فيهم فعلا حسنا، فرد عليهم الجواب

стр. 493

مفصلا فقال: ﴿أَمّا مَنْ ظَلَمَ﴾ فله كذا. ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ ومن نصب ﴿جَزاءً﴾ جعله مفعولا من أجله. ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ﴾ عراة، وأنهم حين تطلع الشمس ينزلون في الماء حتى ترتفع الشمس فيخرجون. ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أي: بين رأسي الجبلين، وكان بينهما فرجة متسعة يخرج منها غاشية يأجوج ومأجوج (١١٠ /ب) فيفسدون في الأرض ويقتلون. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤)﴾ فسأل القوم ذا القرنين أن يسدّ ما بين الجبلين الذي ليس لهم طريقا غيره، وعرضوا عليه أن يبذلوا له مالا، فقال: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ طلب منهم الآلة وهي الحديد حتى جمعوا له ما سد بين الجبلين حديدا، ثم دعا بالنحاس، فأوقد عليه النار حتى ذاب، ثم أفرغه على ذلك الحديد المرصوص، فدخل وهو حار في الخلل الذي بين الحديد، فصار كأنه قطعة واحدة. ﴿فَمَا اسْطاعُوا﴾ أن يعلوه ولا أن ينقبوه. ﴿قالَ هذا﴾ السد ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ بمجيء الآخرة ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكا ومن قرأ ﴿دَكّاءَ﴾ (١) بالمد والهمز أي: لا رأس له، يقال: ناقة دكاء أي: لا سنام لها. قوله: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قيل: الضمير يعود إلى يأجوج ومأجوج وقيل: هو كلام مستأنف يريد به الكفار والظلمة، وشبه اختلاطهم وتظالمهم بتموج البحر فقال: ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل، وفي ذلك القرن لوى بعدد أرواح بني آدم، فيصل إلى كل جسد روحه بتلك النفخة. وقيل: الأرض بمنزلة الصور ينفخ فيها إسرافيل.

стр. 494

وقيل: الصّور جمع صورة (١) أي: ينفخ في الصّور وهو كقولك: بوص وبوصة، وتوتة وتوت، وثوم وثومة. ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ يراها المؤمنون والكفار. لما لم يعتبروا بآيات الله التي شاهدوها في الآفاق وفي أنفسهم كمن غطيت عيناه فلم تستطع الأبصار فقال: ﴿كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ وجعلهم في أمر السمع كالصم. ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي﴾ أي: ويسلمون من العقوبة جعل جهنم كالنزل المهيّأ للضيف وهو تهكم بهم، و ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ هم الرهبان، ومن كان على خطأ يحسب أنه على هدى. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)﴾ وقوله: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾؛ كقوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٢) وقوله: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ الآية (٣). وقوله: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ قال عبيد بن عمير (٤): "يؤتى بالرجل البدين السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة" (٥). ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ (١١١ /أ) يهزءون بهم.

стр. 495

قال بعض العلماء: لم تمدح الجنة بأحسن من قوله تعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ لأن الإنسان لو هيأ قصرا من ذهب، وجمع فيه كل ما يحبه ويملأ عينه ويسر قلبه وأقام في ذلك المكان بعينه مدة فإنه يمله ويود لو انتقل إلى هيئة أخرى من التلذذ (١). ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ﴾ زاد في سورة لقمان ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (٢) التقدير: لو كان البحر مدادا تكتب به كلمات ربي. «ونفد» بكسر الفاء والدال المهملة أي: فرغ «ونفذ» بفتح الفاء والذال المعجمة (٣). فمعناه: نفذ، تقول نفذ السهم أي: خرق إلى الجانب الآخر. وقوله: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ قيل: نزلت في المرائين، وسماهم مشركين وفعلهم شركا بقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (٤). ***
следующие страницы →