← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يجر عليه قلم؟ قال ابن عباس: علم منه أنه يكفر إذا بلغ. فقال: إذا غلب على (١١٠ /أ) ظن الإنسان ذلك يجوز له أن يقتل ولم يتحقق منه جناية بعد؟ فقال ابن عباس: إن علمت من الغلام ما علمه الخضر فاقتله" (١). وقد قيل في الكنز: إنه لوح مكتوب فيه: "عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله" (٢)،وظاهر لفظ الكنز يخالف هذا. وقيل في الأب الصالح: إن ذلك الولد كان سابع بطن من ذريته، وقد ورد في الأثر: "إن الرجل الصالح يحفظ في السابع من ذريته" (٣).والأشد: جمع شد، وبلوغ الأشد هو تكامل القوى. وقوله: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يريد أن الله أعلمه ذلك بطريق من طرق الإعلام لم يطلع الله موسى عليه.

стр. 492

﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ وقوله - تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ وهو ملك ملك الأرض كلها، ولم يملكها إلا أربعة: مسلمان: ذو القرنين وسليمان، وكافران: بختنصر والنمرود. واختلف لم سمي ذا القرنين؟ فقيل: لأنه بعث إلى أمتين في مشرق الأرض ومغربها. وقيل: لأنه بلغ مسيره إلى المشرق والمغرب. وقيل: دعا قومه إلى الله فشجوا قرن رأسه، ثم أعاد دعوتهم إلى الله فشجوا القرن الآخر. وقيل: عاش عمر قرنين، والأمة الكبيرة تسمى قرنا ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ﴾ (١) ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ (٢) وقيل: كانت له ذؤابتان حسنتان فسميتا قرنين، ومن العجيب قول بعضهم: إنه كان له قرنان من نحاس، فليتني أدري كيف يمتزج النحاس باللحم والدم، وكيف يأخذ حظه من الغذاء؟! (٣) ﴿وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يستعين به على الملك ﴿سَبَباً﴾ فإنه لم يؤت السبب إلى ملك السماوات ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ﴾ الجهة التي تلي مغرب الشمس ﴿وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: في نظر عينه قرى حامية، فالهمز يريد به كثيرة الحمأة وهي الطين، وغير المهموز يريد شدة الحر (٤). ﴿إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ هؤلاء القوم، وإما أن تفعل فيهم فعلا حسنا، فرد عليهم الجواب

стр. 493

مفصلا فقال: ﴿أَمّا مَنْ ظَلَمَ﴾ فله كذا. ﴿وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى﴾ ومن نصب ﴿جَزاءً﴾ جعله مفعولا من أجله. ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ﴾ عراة، وأنهم حين تطلع الشمس ينزلون في الماء حتى ترتفع الشمس فيخرجون. ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أي: بين رأسي الجبلين، وكان بينهما فرجة متسعة يخرج منها غاشية يأجوج ومأجوج (١١٠ /ب) فيفسدون في الأرض ويقتلون. ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤)﴾ فسأل القوم ذا القرنين أن يسدّ ما بين الجبلين الذي ليس لهم طريقا غيره، وعرضوا عليه أن يبذلوا له مالا، فقال: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ طلب منهم الآلة وهي الحديد حتى جمعوا له ما سد بين الجبلين حديدا، ثم دعا بالنحاس، فأوقد عليه النار حتى ذاب، ثم أفرغه على ذلك الحديد المرصوص، فدخل وهو حار في الخلل الذي بين الحديد، فصار كأنه قطعة واحدة. ﴿فَمَا اسْطاعُوا﴾ أن يعلوه ولا أن ينقبوه. ﴿قالَ هذا﴾ السد ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ بمجيء الآخرة ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكا ومن قرأ ﴿دَكّاءَ﴾ (١) بالمد والهمز أي: لا رأس له، يقال: ناقة دكاء أي: لا سنام لها. قوله: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قيل: الضمير يعود إلى يأجوج ومأجوج وقيل: هو كلام مستأنف يريد به الكفار والظلمة، وشبه اختلاطهم وتظالمهم بتموج البحر فقال: ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل، وفي ذلك القرن لوى بعدد أرواح بني آدم، فيصل إلى كل جسد روحه بتلك النفخة. وقيل: الأرض بمنزلة الصور ينفخ فيها إسرافيل.

стр. 494

وقيل: الصّور جمع صورة (١) أي: ينفخ في الصّور وهو كقولك: بوص وبوصة، وتوتة وتوت، وثوم وثومة. ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ﴾ يراها المؤمنون والكفار. لما لم يعتبروا بآيات الله التي شاهدوها في الآفاق وفي أنفسهم كمن غطيت عيناه فلم تستطع الأبصار فقال: ﴿كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ وجعلهم في أمر السمع كالصم. ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي﴾ أي: ويسلمون من العقوبة جعل جهنم كالنزل المهيّأ للضيف وهو تهكم بهم، و ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ هم الرهبان، ومن كان على خطأ يحسب أنه على هدى. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)﴾ وقوله: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾؛ كقوله: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٢) وقوله: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ الآية (٣). وقوله: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ قال عبيد بن عمير (٤): "يؤتى بالرجل البدين السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة" (٥). ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ (١١١ /أ) يهزءون بهم.

стр. 495

قال بعض العلماء: لم تمدح الجنة بأحسن من قوله تعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ لأن الإنسان لو هيأ قصرا من ذهب، وجمع فيه كل ما يحبه ويملأ عينه ويسر قلبه وأقام في ذلك المكان بعينه مدة فإنه يمله ويود لو انتقل إلى هيئة أخرى من التلذذ (١). ﴿قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ﴾ زاد في سورة لقمان ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (٢) التقدير: لو كان البحر مدادا تكتب به كلمات ربي. «ونفد» بكسر الفاء والدال المهملة أي: فرغ «ونفذ» بفتح الفاء والذال المعجمة (٣). فمعناه: نفذ، تقول نفذ السهم أي: خرق إلى الجانب الآخر. وقوله: ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ قيل: نزلت في المرائين، وسماهم مشركين وفعلهم شركا بقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (٤). ***

стр. 496

سورة مريم ﵍ [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ ﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول ب ﴿رَحْمَتِ﴾ ﴿زَكَرِيّا﴾ بدل ﴿نِداءً خَفِيًّا﴾ أخفاه لبعده عن الرياء، أو أخفاه من بني عمه الذين خافهم، أو خاف أن يلام على طلب الولد مع الشيخوخة ﴿وَهَنَ﴾ الوهن: الضعف. وقيل: هو أشد الضعف، واحتجوا بقوله - تعالى: ﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا﴾ (١) والمعطوف غير المعطوف عليه. ﴿الرَّأْسُ﴾ ولم يقل: رأسي اكتفاء بفهم المخاطب، إرادة للإضافة. وعند الكوفيين: الألف واللام قامت مقام الإضافة (٢). ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ﴾ من عادة المحسن أن يبقى له إدلال على من أحسن إليه، وقد عكس زكريا ذلك وجعل تكرار إحسان الله إليه سببا في إدلاله وتكرار سؤاله فقال: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ وحكي أن رجلا قصد رجلا فقال القاصد: أنا الذي أحسنت إليّ يوم كذا وكذا فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا (٣). ﴿الْمَوالِيَ﴾ بنو العم، وخاف تضييعهم للتوراة ولأحكام شريعتهم بعد موت زكريا فسأل ربه ولدا صالحا يخلفه من بعده في رعاية الإسلام. العاقر: هي الرملة التي لا تنبت فشبهت المرأة التي لا تحمل بها. ﴿وَلِيًّا﴾ فعيل إما بمعنى مفعول، أي: تتولاه أنت أو بمعنى فاعل أي: يتولى الله. ﴿يَرِثُنِي﴾ بالجزم جوابا للأمر، وبالرفع (٤) على الصفة ل ﴿وَلِيًّا﴾،

стр. 497

ويظهره وله - تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ بالجزم والرفع (١). ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي: النبوة، ومن زكريا الحبورة (٢). ويعقوب هذا هو ابن إسحاق بن إبراهيم. وقيل: غيره (٣). ﴿يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩)﴾ السمي فيه قولان (١١١ /ب) أحدهما: أنه المثل، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: مثلا. والثاني: أنه لم يتسم بهذا الاسم أحد، وفيه مناسبة فإنه ولد بين شخصين كالميتين شيخ وامرأة عاقر كبيرة، قال ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء، ما منا إلا من عصى أو همّ بمعصية غير يحيى بن زكريا" (٤).

стр. 498

فلذلك لم يكن له مثل في هذه العصمة. فإن قيل: سأل زكريا الولد، فلما بشر به قال: أنى يكون لي ولد، فاستبعد ذلك. وجوابه: أنه لم يستبعده، وإنما قال: هل أبقى على الشيخوخة وزوجي على العقر، أو أتغير أنا إلى الشباب والزوجة إلى صلاح الولد، والعتي: شدة الهرم ويبس الأعضاء، الكاف في ﴿كَذلِكَ﴾ في موضع رفع، أي: الأمر مثل ذلك، أو في موضع نصب، أي: قولا مثل ذلك. ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تفسير للقول، لقوله: ﴿أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ﴾ الآية تفسير لقوله: ﴿ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ (١) ولم يكن شيئا أي: لا تستبعد حصول النتاج من وطئك، فإنني أوجدتك من العدم والله على كل شيء قدير. ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦)﴾ فسأل زكريا آية ترشده إلى أن المرأة قد حملت فقيل له: إنك لا تستطيع الكلام لكن ينطلق لسانك بالتسبيح، وإذا أراد غير التسبيح أشار لما يريد. ﴿سَوِيًّا﴾ أي: لا آفة بلسانك. وقد احتج قوم على أن المعدوم ليس بشيء بقوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ وعورضوا بقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) ﴿فَأَوْحى﴾ فأشار. وقيل: كتب على الأرض ﴿سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة. ﴿الْحُكْمَ﴾ العلم. وقيل: النبوة. وقيل: دعاه الصبيان للعب فقال: ما للعب خلقنا (٣). الحنان: الرحمة، وكان رحيما رفيقا بأبويه وغيرهما. ﴿وَزَكاةً﴾ طهارة. وقيل: صدقة كان يتصدق على المساكين.

стр. 499

واعلم أن للإنسان ثلاثة أحوال: حين يكون في بطن أمه، فإذا جاءت الولادة انتقل إلى عالم لم يأنس به ولم يعلم ما فيه، فيستوحش لفقد مكانه، ثم يبقى في الأرض مدة عمره، ثم يموت فينقل إلى عالم البرزخ، وفيه ما لا يعرفه فيستوحش، ثم يجيء البعث فيرى عالما عظيما وخطوبا جسيمة فيستوحش، فسلم الله على يحيى وعيسى في هذه الأحوال التي يستوحش المرء فيها، فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. قوله - تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ بدل اشتمال من مريم، أي: واذكر مريم زمن انتباذها (١١٢ /أ) والاشتمال تارة من المشتمل على ما اشتمل عليه كقوله - تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ (١) والشهر مشتمل على القتال، ويأتي بالعكس؛ لأن زمن انتباذها مشتمل عليها. ﴿مَكاناً شَرْقِيًّا﴾ أي: شرقي بيت المقدس، أو شرقي منزلها، وإنما انتبذت لتفلي رأسها، وقيل: لتغتسل من الحيض. ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾ ﴿فَاتَّخَذَتْ﴾ حجابا يسترها عن أعين الناظرين. ﴿رُوحَنا﴾ جبريل، وسمي روحا لنزوله بالروح الذي هو القرآن ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ (٢) ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ (٣). وقيل: جبريل يسمّى روحا؛ لقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٤) وقيل: ﴿رُوحَنا﴾ إكرام وتشريف؛ كما تقول لمن تحبه: أنت روحي. ﴿سَوِيًّا﴾ أي: تام الأعضاء. وقيل: تام الجمال والحسن. تمثل لها في صورة شابّ أمرد جميل الصورة، فاستعاذت بالله منه، وهذا في غاية الخشية من الله، أن تظفر شابّة بشابّ تامّ الخلقة فتلتجئ إلى الله في كفّ شره. قوله: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ إن كنت ممن تنفع فيه الاستعاذة

стр. 500

ويعبأ بها. وهذا جواب عن سؤال مقدّر، كأن قائلا قال: لا يستعاذ من التقي، إنما يستعاذ من الفاجر، فقال لها جبريل: إنني إنما جئت من جهة الذي استعذت به. قرئ ﴿لِأَهَبَ﴾ و (ليهب) (١) ولما كانت الأفعال الإلهية تجرى غالبا على أيدي الملائكة نسب الفعل إلى الملائكة؛ كقوله في قصة الملائكة مع إبراهيم (٢): ﴿إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٣) ﴿إِنِّي﴾ بمعنى من أين؟ بالغت في البعد عن الريبة بقولها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ وهو أبلغ من أن تقول: ولم يطئني، أو لم يضاجعني. قوله: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ هاهنا سؤال وهو أن "فعيلا" يأتي بمعنى الفاعل والمفعول، فإن كانت بمعنى الفاعل دخلت تاء التأنيث فيه، تقول: رجل رحيم، وامرأة رحيمة، وإن كانت بمعنى المفعول لا تدخل تاء التأنيث، تقول: امرأة قتيل، وطرف كحيل. وهاهنا بغي بمعنى باغية، فقياسه: ولم أك بغية؟ والجواب: أنهم قالوا: إن أصله فعول وليس من فعيل الذي بمعنى فاعل، ولكنه من قولهم: امرأة بغو، كما يقال: فلان نهو عن السّرّ. فإن قلت: قد قال - تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ (٤) وهي منطوحة لا ناطحة؟ فجوابه: أن الهاء في نطيحة وذبيحة (١١٢ /ب) للنقل من الوصفية إلى الاسمية بدليل أنك لو ذكرت اسم الشاة فقلت: شاة نطيح إن أردت المفعول، ونطيحة إن أردت الفاعل. ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢)﴾

стр. 501

قوله: ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ مفسر بقوله: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وقد حكى لفظه يعني قال: هو عليّ ولو أراد حكاية المعنى لقال: هو عليه هين ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ معطوف على جملة مقدرة، والتقدير: لنكرمه ولنجعله؛ كقوله: ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ (١) فتقدم جبريل إليها ونفخ في جيب درعها، فحملت بعيسى. قيل: في ساعة واحدة. وقيل: في ثلاث ساعات. وقيل: لتسعة أشهر. وقيل: لثمان، ولم يعش مولود لثمان غيره. ومثل هذه الأقوال تشبه التكاذب؛ لأن الواقعة واحدة والكائن من هذه الأمور واحد (٢). ﴿مَقْضِيًّا﴾ أي: مفروغا منه، كقول الشاعر [من الكامل]: وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبّع (٣) وفي الكتاب العزيز ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ (٤) و ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ (٥) ﴿فَانْتَبَذَتْ﴾ ذهبت ناحية به، أي: وهو معها حمل في بطنها. ﴿مَكاناً قَصِيًّا﴾ بعيدا عن أعين الناظرين وخوفا من الفضيحة والتعنيف. ﴿فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ ﴿فَأَجاءَهَا﴾ فألجأها، وحقيقته جعلها تجيء. و ﴿الْمَخاضُ﴾ الطلق لتمخض الولد وحركته عند قرب الولادة ﴿إِلى جِذْعِ﴾ نخلة يابسة فقالت: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا﴾. فإن قلت: فقد قال النبيّ ﷺ : "لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرّ نزل" (٦) فكيف تمنّته

стр. 502

مريم؟ فالجواب: أن النبي ﷺ نهى عن تمنّي الموت لضر نزل، ولم تكن مريم بهذه الصورة، وإنما خافت أن تسرع إليها التهمة، فيحصل لخلق كثير الضّرر بوقوعهم في تهمتها، والنسيّ: هو ما يهمل من أثاث البيت عند الرحيل كالعصيّ المكسورة والصحفة المكسورة، وأكثر الناس يتركها مهملة ولا يستصحبها في السفر، وتقول العرب عند السفر لغلمانهم: اجمعوا أنساءكم، وهو جمع نسي، كحمل وأحمال وعدل وأعدال. ﴿فَناداها﴾ جبريل، وكان قد جلس بالقرب منها في أسفل الوادي ويدل عليه قراءة من قرأ ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها﴾ بكسر ميم (١) ﴿مِنْ﴾ وقيل المنادي عيسى، ناداها وهو في بطنها والأول أظهر؛ لأن عيسى لم يوجد بعد. في السري قولان: أحدهما: أنه النهر، قال لبيد بن ربيعة (١١٣ /أ) [من الكامل]: فتوسّطا عرض السّريّ فصدّعا ... مسجورة متجاورا قلامها (٢) والثاني: أن السرى هو السيد، وهو متجه إذا قلنا: إن المنادي عيسى. وكان الحسن يقول: "كان والله عيسى سريّا" (٣)،ومنه: سراة الناس، بفتح السين: سادتهم وعلى القول الأول: فكلي من الجنيّ واشربي من السّريّ، وقالوا: ما للنفساء أجود من الرطب (٤). وفي نصب ﴿رُطَباً﴾ وجهان: أحدهما: أنه تمييز، أي: تساقط هذا

стр. 503

النوع من التمر. وقيل: هو مفعول ب ﴿وَهُزِّي﴾ واستبعده الزمخشري (١)؛ لأن الرطب لا تهز وإنما يهز الجذع. وقيل: منصوب ب ﴿تُساقِطْ﴾ بضم التاء وكسر القاف. ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ أي: أبشري بما منحك الله - تعالى - من هذا الولد المؤيد بالمعجزات، وإحياء الموتى، وقرئ ﴿تُساقِطْ﴾ و (تتساقط) على الأصل و (تساقط) خفيفة السين بحذف إحدى التاءين و (تسقط) و (يسقط) بالياء (٢). قوله: ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة، فيقال للمدعوّ له: أقرّ الله عينه، أي: جعل دمعها باردا، وللمدعوّ عليه: أسخن الله عينه. والتأويل الثاني: أنه من القرار والاستقرار، يعني: لتستقر عينك فلا تمتدّ إلى غير هذه الموهبة. ما في ﴿فَإِمّا﴾ زائدة. ﴿صَوْماً﴾ أي: إمساكا. وقيل: نذرت صوما، وكان من شرط صحة صومهم ألا يتكلم الصائم، وقد نهي عن ذلك في شريعتنا (٣). ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قيل: كانت تكلم الملائكة. فإن قلت: قد اعتذرت عن الكلام بقولها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً﴾ وهو كلام، وقد قال الفقهاء: لو قال: والله لا أكلمك فتنحّ عني. أنه يجب عليه الكفارة لليمين؛ لأن قوله: فتنحّ عني. كلام (٤). فجوابه: أنها بينت هذا القول بالإشارة لا باللفظ. وقيل: باللفظ، واستثني لها هذا القول.

стр. 504

﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ والفريّ مأخوذ من الفري وهو القطع، وكأنهم قالوا: جئت بشيء اقتطع عما يعهده الناس. وفي هارون الذي جعلت مريم أخته قولان: أحدهما: أنه ممدوح، والمراد أخت هارون أخي موسى، وكانت تشبه به في عبادتها. أو رجلا صالحا مشى في جنازته أربعون ألفا تسمّوا باسمه تبرّكا به. والقول الثاني: أنه مذموم، وهو فاجر كان في بني إسرائيل، يعني: قد أشبهته في الفجور وقولهم لها في تبرئة أبيها وأمها تعريض بما أتت به من الأمر العظيم. ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ أنه الذي يجيبكم، فقالوا: والله (١١٣ /ب) لسخريتها بنا أشد علينا مما فعلت. ﴿كانَ﴾ زائدة، أي: من في المهد؛ لأن أكثر الناس يربّى في المهد، وقول عيسى ﵇ بأنه عبد الله ردّا على قول من ادعى فيه الشركة. وحكي أنه كان يرضع، فلما أشارت إليه مريم أقبل عليهم واعتمد على يده اليسرى، وخاطبهم مجيبا بسبّابة اليمنى (١). قوله: ﴿الْكِتابَ﴾ قيل: آتاه الله النبوة وهو يرضع. وقيل: عند بلوغ سنّ النبوة. وتعريف السلام في قوله: ﴿وَالسَّلامُ﴾ لسبقه نكرة في قصة يحيى، وأنكر بعض العلماء ذلك وقال: كيف يشار في كلام أحدهما إلى كلام الآخر؟ وكيف يقول عيسى: وذلك السلام الذي سلمه الله على يحيى حاصل على ذلك المحدّث عنه بهذه القصة؟ (٢).

стр. 505

﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ قرئ ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ برفع اللام ونصبها، و ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ بضم القاف، و (قال الحقّ) بضم اللام والإضافة (١)، والقول والقيل والقال بمنزلة الرّهب والرّهب والرّهب. ﴿يَمْتَرُونَ﴾ يشكون، فتقول: ما كان لزيد أن يفعل، فيحتمل وجهين: أحدهما: أن ذلك الفعل مستحيل من مثله؛ كقوله: ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ (٢). والثاني: أن يكون غير جائز شرعا وإن احتمل وجوده عقلا ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٣) ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ (٤) ﴿ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٥) وأمثلة هذا القسم أكثر. قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بضم النون، معطوف على ﴿يَقُولُ﴾ وعلى قراءة النصب (٦) إشكال لأنك إن نصبته جواب ﴿كُنْ﴾ كان مقولا، فيكون الله - تعالى - إذا أراد أمرا قال: كن. فيكون، وهو ظاهر الفساد، وإن حاول عطفه على ﴿يَقُولُ﴾ ف ﴿يَقُولُ﴾ مرفوعة، ولا يعطف المنصوب على المرفوع، وإنّما يتأتى ذلك حيث يكون ﴿يَقُولُ﴾ منصوبة، كما في قوله: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٧). ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ﴾

стр. 506

﴿كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١)﴾ قرئ «وَأَنَّ اللهَ» بالفتح (١)؛ كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ (٢) تقديره: ولأن ذلك كذلك فاعبدوه. ﴿الْأَحْزابُ﴾ أمة عيسى تنقسم إلى ملكائية ويعقوبية ونسطورية، فقوله: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: تحزبوا كذلك. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وضع للظاهر موضع المضمر، والقياس: فويل لهم ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ والمشهد مصدر، أي: من مشهود، ويجوز أن يكون مكانا وزمانا. ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ تعجّب وهو مستحيل على الله - تعالى - والمراد أنهم حلوا محل من يتعجب منه؛ كقوله - تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ (٣) وحلوا محل من يتحسّر عليه. ﴿الظّالِمُونَ﴾ وضع للظاهر موضع المضمر (١١٤ /أ). ﴿مُبِينٍ﴾ أي: بين أو مبين. ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قيل: هو وقت ذبح الموت. وقيل: وقت تصادر الفريقين إلى الجنة أو النار. وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ حال من الضمير في ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ أي: غافلين عن إنذارك. ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها﴾ وهي كانت ملكا له من قبل، وإنما شبه انتقال الملك إليه عن موتى بانتقال أموال الموتى إلى ورثتهم، والله - تعالى - لم يزل مالكا لما خلقه المورثون. قوله: ﴿صِدِّيقاً﴾ اختلف فيه؛ فقيل: من صدق؛ لإكثاره من الصدق وهو القياس، تقول: رجل خّمير وشريب. وقيل: من التصديق، فإنه صدّق بأنبياء الله وكتبه وبما جاء به النبيون. ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾

стр. 507

﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ أراد تبصير أبيه بما الأب عليه من الضلال بألطف وجه، واستعطفه ب ﴿يا أَبَتِ﴾. وقوله: ﴿لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ محذوف الفعل وليس مرادا بل المراد: ليس أهلا أن يسمع ولا يبصر، ومثله قوله - تعالى: ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ يجوز أن يكون ﴿شَيْئاً﴾ نعتا لمصدر محذوف، أي: لا يغني عنك غناء شيئا. ويجوز أن يكون ﴿يُغْنِي﴾ بمعنى: ويدفع؛ كقوله: أغن عني وجهك، ويجوز في ﴿يَسْمَعُ﴾ و ﴿يُبْصِرُ﴾ كذلك. ثم قال لأبيه: إنني لا أدعي عليك مشيخة التعليم ولا إحاطتي بالعلوم، كأنه قال: هب أني لم أحط بالعلوم لكن جاءني شيء من العلم لم يأتك فاتبعني، ثم نبّهه على أن ما هو عليه من الاعتقادات الفاسدة والأعمال القبيحة إنما هو من وسوسة الشيطان وأعوانه، فكأنه لقبوله منه عابد للشيطان. روي: "أن عدي بن حاتم الطائي دخل على النبي ﷺ وعديّ مستمرّ على نصرانيته وفي عنقه صليب من ذهب، فقرأ النبي ﷺ : ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ﴾ الآية (٢) فقال عدي بن حاتم: إنا لم نتخذهم أربابا، فقال النبي ﷺ : أليسوا يحلون لكم الشيء مما حرّمه الله فتحلونه، ويحرمون عليكم ما أحله الله فتحرمونه؟ فقال عديّ: بلى. فقال: فتلك عبادتهم" (٣). واعلم أن العبادة غاية الذلة والخضوع، فلا تليق إلا لمن ﷻ ، فتقول: خضعت لزيد، وذللت لعمرو، ولا تقول: عبدتهما. ﴿أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ﴾ إن قلت: القياس: إني أخاف أن تكون للشيطان وليّا فيمسك عذاب. قلت: رضوان الله أعظم من جنته، قال الله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ (٤) فإذا ثبت أن رضوانه خير من جنته ثبت أن موالاة الشيطان (١١٤ /ب) أشد من العذاب. ﴿أَراغِبٌ﴾ قدّم الخبر على رأي من يرى أنه خبر للاهتمام؛ لأنه كان عند والد إبراهيم أهم. وقيل: إن ﴿أَراغِبٌ﴾ مبتدأ و ﴿أَنْتَ﴾ فاعل سدّ مسدّ خبر المبتدأ.

стр. 508

﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ أي: عن عبادة آلهتي. في ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قولان: أحدهما: لأقتلنك مرجوما بالحجارة؛ لأنها قتلة شنيعة شديدة الألم. والثاني: أن الرجم بمعنى الطرد لا بمعنى القتل. وفي ﴿مَلِيًّا﴾ قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الملاءة أي: وأنت قادر على الخلاص والهرب من قبل أن أقيدك أو أحبسك. والثاني: أن ﴿مَلِيًّا﴾ بمعنى زمانا. والملوان: هما الليل والنهار؛ لأنهما زمانان. ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧)﴾ وقوله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ سلام موادعة ومفارقة، وقال بعض أصحاب الشافعي: إن سلام المتاركة لا يجب جوابه على السامع (١). وقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ هي الموعدة التي وعد بها إبراهيم أباه، وقد بسط عذره وشرح قصته في سورة التوبة (٢). الحفي بالأمر: المهتم به، أي: كان معتنيا بي ولطيفا في تيسير وصول الخيرات إليّ، ولا يضيع عند الله شيء من الأعمال الصالحة، ولذلك قال: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ﴾ الآيتين. ﴿وَما تَدْعُونَ﴾ أي: ما تعبدون؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ﴾ ترك مصاحبة [الكفار] فعوض عنهم بالأولاد النجباء الأبرار، ولسان الصدق هو الثناء الحسن، قال الشاعر [من البسيط]: لقد أتتني لسان لا أسرّ بها (٣) ...

стр. 509

وقوله في موسى: ﴿إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً﴾ من كسر اللام جعله من قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ (١) ومن فتحها (٢) فمن قوله: ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ﴾ (٣) ﴿مِنْ رَحْمَتِنا﴾ من أجل رحمتنا. وقيل: بعض رحمتنا. و ﴿أَخاهُ﴾ على هذا القول بدل، و ﴿هارُونَ﴾ عطف بيان؛ كقولك: رأيت رجلا أخاك زيدا. قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ﴾ ليس صدق الوعد مختصّا به، وإنما هو نشر لفضائله، كما سمي خليلا وصديقا. وكان إسماعيل يبدأ بأمر أهله بالصلاة والزكاة فوصفه بذلك، وضمّ إليه أنه كان مرضيّا عند الله، وأما رفعه إدريس إلى المكان العلىّ ففيه قولان: أحدهما: أنه في السماء، وقد ذكر في بعض روايات (١١٥ /أ) المعراج. والثاني: أن المراد رفعة المكانة والشرف. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ من لبيان الجنس كقوله في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ حتى قال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ﴾ (٤). وكرر نسبتهم إلى الأنبياء واحدا بعد واحد ليبين شرف أصلهم، وأن نسبهم بالأنبياء

стр. 510

الصالحين عريق. الخلف بفتح اللام في الخير وبسكونها في الشر (١). وفي الغي قولان: أحدهما: أنه واد في جهنم. والثاني: أنه ضد الرشاد، أي: جزاء غيّ. وفي ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ قولان: أحدهما: أنه علم على جنة مخصوصة، كما جعلوا الفينة وسحر وأمس في من لم يصرفه - أعلاما لمعاني الفينة والسحر والأمس. والقول الثاني: أن المراد جنات إقامة، أي: أرض إقامة، وهو علم، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال؛ لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة. ﴿مَأْتِيًّا﴾ بمعنى آتيا، أو من أتاك فقد أتيته؛ لأنهم يأتون الجنة. قوله: ﴿إِلاّ سَلاماً﴾ هو دعاء بالسلامة، وأهل الجنة أغنياء عن الدعاء به؛ لأنه حاصل لهم، أي: إن قدر في الجنة كلام لغو فليس إلا هذا الدعاء بالسلامة. وقيل: هو استثناء منقطع. ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ يعني به الدوام، تقول: فلان يأتينا بكرة وعشيّا، فلا تريد الوقتين بعينهما، بل تريد الدوّام وكان المترفة من العرب وغيرهم يأكل أكلتين في النهار، فجرى الكلام على نحو ذلك. ﴿الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ﴾ جاء في الحديث: "أنه لن يدخل أحد النار حتى يرى مقعده من الجنة لو أطاع، فيقال له: هذا مقعدك، يعني: الجنة لو أطعت، وعكسه في دخول الجنة" (٢). كانت العرب قد رحلوا إلى المدينة وسألوا أحبار اليهود عن نبوّة محمد ﷺ ، وقالوا لهم: أنتم أهل كتاب وعندكم علم الشرائع، فعلمونا سؤالا نورده على محمد لا يجد عنه جوابا، فقالوا: نعم، سلوه عن ثلاثة مسائل، فإن أجاب عنها كلها فليس بنبيّ وإن توقف عن الجواب في الكل فليس بنبيّ، والصواب الجواب عن بعضها دون بعض، والمسائل: سؤال عن فتية ذهبوا في الأرض مذاهب، فلم يعلم لهم خبر، وعن رجل طاف مشرق الأرض ومغربها، وعن الروح ما هو؟ (٣).

стр. 511

والروح لا يطلع البشر على حقيقتها، فلا يمكن الجواب، والمسألتان الأوليان يمكن الجواب (١١٥ /ب) فجاء المشركون إلى أهليهم فرحين، وجاءوا إلى رسول الله ﷺ ؟ فقال: غدا أجيب. ولم يقل: إن شاء الله، فتأخر جبريل عن النزول عليه بالوحي بضع عشرة ليلة، حتى قالت اليهود: ودع محمدا ربه وقلاه، فأنزل الله - تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ (١) ونزل عليه قصة أهل الكهف ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ (٢) القصة إلى آخرها، وأنزل عليه ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ (٣) القصة وأنزل عليه ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الآية (٤) وأنزل عليه ﴿وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ (٥) وقال النبي ﷺ لجبريل: أبطأت عليّ، فأنزل الله حكاية عن مقالة جبريل: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية (٦). ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ ما نصنعه في المستقبل ﴿وَما خَلْفَنا﴾ وما خلّفنا من الأعمال فحملناه على ظهورنا ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ الحال التي نحن عليها. وقيل: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا﴾ أي: الأرض التي نستقبلها عند النزول من السماء ﴿وَما خَلْفَنا﴾ يعني: السماء إذا خلفناها خلف ظهورنا عند النزول ﴿وَما بَيْنَ ذلِكَ﴾ الهواء الذي بين السماء والأرض. ويبعد هذا الثاني قوله بعد ذلك: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾. ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)﴾

стр. 512

﴿سَمِيًّا﴾ فيه قولان: أحدهما: المثل، والثاني: الشبيه. ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ﴾ متعجّبا من إحياء الموتى، والواو في «أولا» عاطفة، أي: يقول ذلك ولا يذكر ﴿أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ الآية ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ﴾ الذين أغووهم. والمحضر في القرآن أكثر ما يجيء في المحضر للعذاب ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ قيل: جماعات. وقيل: جاثين على الركب من شدة الهول. ﴿شِيعَةٍ﴾ جماعة. ﴿أَيُّهُمْ﴾ أعتى وأظلم يقدم في السقوط في النار، ثم الأشبه فالأشبه. قيل: تلتقطهم النار كما تلتقط الطير الحبّ. ﴿إِلاّ وارِدُها﴾ يعني: القيامة، والورود: الحضور في الموقف، ومنه: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ (١) وقيل: الورود الدخول، وكان بعضهم يقول: تيقنا ورود جهنم وشككنا في الخروج، فأين البكاء؟ وقيل: إنها يذهب حرّها بدخول المؤمنين العصاة فيها، فيقول المؤمنون بعد (١١٦ /أ) جوازهم الجسر: إنا قد وعدنا بورود جهنّم فيقال لهم: أرأيتهم تلك الكيمان السود، أطفأها نور الإيمان. ويقال: إن جهنم تنادي المؤمن، فتقول: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي (٢). وقيل: الحمى الورود، وجاء في الحديث: "الحمّي حظ المؤمن من النار" (٣).وفي رواية: "الحمّي من فيح جهنم" (٤). ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ أي: ورود عرضة القيامة. ﴿نُنَجِّي﴾ أي: نرفع، وفيه تلويح بأن الجنة في السماء. ويدل على ذلك قوله - تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ (٥) وسدرة المنتهى في السماء بلا خلاف، ووجه الاستدلال بهذه الآية أن التنجية هي الرفع، وقال في حق فرعون: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ (٦) أي:

стр. 513

أي: نلقيك على مكان مرتفع عن الماء، وكانت بنو إسرائيل قد قالوا بعد غرق فرعون: ما يموت فرعون أبدا، لما ثبت في قلوبهم من الرّعب منه، فألقاه الموج على شاطئ البحر، وكان عليه درع من ذهب معروفة لا يلبسها إلا هو، فعرفوه وتحققّوا موته. فقوله: ﴿نُنَجِّيكَ﴾ أي: نرفعك على مكان عال، وإلا ففرعون ما نجا، وفي المقامات [من البسيط]: وكم دعاني مستنج فحادثني ... وما أخلّ ولا أخللت بالأدب (١) وأراد بالمستنجي الجالس على المكان المرتفع، ولم يكن هناك خروج خارج من قبل ولا دبر. ﴿اِتَّقَوْا﴾ أي: الشرك. ﴿جِثِيًّا﴾ قيل: جثاة على الركب من الهول. وقيل: الجثي جمع جثوة، وهي الجماعة، كما قال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ (٢) ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ (٣). ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤)﴾ قوله: ﴿آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ الحال فيه غير منتقلة، وهو دليل على جوازها؛ لأن آيات القرآن دائمة البيان. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بسبب الذين آمنوا كقوله - تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ﴾ (٤) أي: عن إخوانهم؛ لأنهم لو قالوه لهم لقال: ما متم وما قتلتم. ﴿نَدِيًّا﴾ أي: مجلسا يجتمع فيه الأكابر. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ رد لقولهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً﴾ ومعنى الكلام: أنهم تفاخروا بجمال المجلس وجمال من يحضر فيه من الأكابر، ولم يغن عنهم ذلك من الله شيئا ولهذا قال: ﴿مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً﴾ أي: أحسن صورا وهيئة. ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥)﴾ ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ﴾

стр. 514

﴿الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨)﴾ قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ ظاهره أمر، ومعناه الخبر، كأنه قال: من كان في (١١٦ /ب) الضلالة مد له الرحمن واستدرجه بالنعمة والنقمة، وهذا كقوله ﷺ : "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (١) أي: صنعت ما شئت. قوله: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ﴾ ناصرا وأقل عددا، وهو أيضا ردّ على قولهم: ﴿أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً﴾. ﴿وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ المراد به الصلوات الخمس. وقيل: المراد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، والأحسن أن يراد جميع الأعمال الصالحة، ويدخل فيه الصلاة والتسبيح؛ لأنه جمع معرف باللام فيقتضي العموم (٢). روي أن خباب بن الأرت (٣) ﵁ عمل للعاص بن وائل السهمي فماطله بالأجرة، فلما ألحّ عليه قال: والله لا أعطيك شيئا حتى تكفر بمحمد، فقال: والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث فقال: وإني لمبعوث بعد الموت؟! قال: نعم، قال: فسيكون لي هناك مال وأعطيك هناك، فنزلت هذه الآية ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ (٤). وقوله: ﴿أَطَّلَعَ﴾ دخلت فيه همزة الاستفهام على ألف الوصل، فسقطت ألف الوصل، كقوله: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (٥) ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (٦) وجاء في الخبر أن "من

стр. 515

قال: اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك وحملة عرشك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك وأنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإنني لا أثق إلا بعفوك ومغفرتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد" كتب ذلك في كتاب وطبع عليه بطابع ولا يفتح إلى يوم القيامة وكان ممن اتخذ عند الله عهدا " (١). ﴿كَلاّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩)﴾ عبّر عن كتابة الحفظة بكتابته بنفسه فقال: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ و ﴿وَنَمُدُّ﴾ يجوز أن يكون مستقبلا لعطفه على نكتب، ويجوز أن يكون غير معطوف عليه، وكذلك إذا وجدت مع أحد الفعلين ظرفا أو مجرورا وشبههما، فقلت: أعطيت زيدا يوم الجمعة درهما وعمرا دينارا يجوز أن يكون إعطاء عمرو يوم الجمعة وأن لا يكون. ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ من المال والولد ﴿وَيَأْتِينا فَرْداً﴾ مجرّدا عما كان يباهي به. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ طلبا للعز بهم، وقد قال الله - تعالى: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ (٢) (١١٧ /ب) وزادها هنا أن الذي قصدوه حصل نقيضه، وهو أنهم طلبوا العزة بعبادتهم لها، ويأتوا شفعاء لهم يوم القيامة فجاءوا بالضد من ذلك وصاروا أعداء لمن عبدهم وأنكروا عبادتهم. الأز والهز: التحريك، أي: نزجهم إلى المعاصي إزجاجا. ﴿إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ﴾ أيام أعمارهم ونحصيها عليهم. وقيل: المراد: عدد الأنفاس. الوفد: الركبان، ويبعثون يوم القيامة ركبانا، كما يؤتى بالوفد الكرام، ويساق المجرمون سوق المجرم إذا قيد لسلطانه.

стр. 516

وقيل: الورد: العطاش. ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾ حتى يأذن الله، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (١) وقوله: ﴿إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ﴾ يجوز أن يكون المراد: لا يملك الشفاعة إلا من اتخذ، فمن اتخذ هو الشافع، ويجوز أن يراد: لا يملك الشفاعة إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا، وهو الإقرار بالشهادتين والإيمان بما جاء به الأنبياء فيكون من اتخذ مشفوعا فيه لا شافعا. والإد: هو الشيء المنكر. ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨)﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ تسقط، وتندك الجبال لعظم الجريمة التي أتوها، وهي ادعاؤهم للرحمن ولدا. فهذه الآية دليل على أن من ملك ولدا عتق عليه (٢)، ولا يملك الأب ابنه، لقوله - تعالى - هاهنا: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ فلولا أن الولادة تنافي العبودية لصار مثل قولك: زيد لا يصلح أن يكون إماما للجامع؛ لأنه لا يحفظ التنبيه. ويجوز الإخبار عن كل بالمفرد؛ كقوله: ﴿إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ﴾ ويخبر عنها بالجمع؛ كقوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (٣). قوله: ﴿فَرْداً﴾ يشير إلى انفراده عما كان يستكثر به من المال والولد؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ (٤) وقوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا﴾ مفسر بما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال:" إن الله إذا أحبّ عبدا قال: يا جبريل إني أحب فلانا فأحببه. فيحبه جبريل، ثم ينادي في الملائكة: إن الله يحب فلانا فأحبوه. فتحبه الملائكة، ثم يوضع له القبول في الأرض " (٥).

стр. 517

واللدّ: جمع ألدّ؛ كقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ﴾ (١). وقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ قرئ ﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ وهي لغة في أحسّ (٢)، وفيها ردّ على من زعم أن الإحساس رباعيّ فلا يقال: المحسوسات؛ لأنها لا تكون إلا من الثلاثي، وهذه القراءة تردّ عليه. والركز: الصوت الخفي، وهو استدلال بانتفاء الأذى على الأعلى، والله أعلم. ***

стр. 518

سورة طه [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥)﴾ قوله تعالى: ﴿طه﴾ فيه الأقاويل المذكورة في الحروف التي في أوائل السور، ونزيد هاهنا أن ﴿طه﴾ معناه: يا رجل، واحتج هذا القائل بقول الشاعر [من البسيط]: إنّ السّفاهة طه من خليقتكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين (١) قالوا: وأثر الافتعال ظاهر على هذا البيت، فلم تصح نسبته إلى العرب. وكان النبي ﷺ يكثر من الصلاة بالليل حتّى تورّمت قدماه؛ فقيل له في ذلك، فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا"؟ ونزلت: ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ (٢). أي: لتكلف نفسك ما لا طاقة لها به. وقوله: ﴿لِتَشْقى﴾ لا يصح أن يكون مفعولا من أجله؛ لأن علة الفعل هي التذكرة، وهي فعل فاعل الفعل المعلل؛ بخلاف الشقاوة؛ فإنها ليست من فعله؛ فدخلت في ﴿لِتَشْقى﴾ دون التذكرة. ﴿إِلاّ تَذْكِرَةً﴾ استثناء من غير الجنس؛ لأن التذكرة ليست من الشقاوة في شيء (٣). وصف نفسه بكونه رحمانا؛ لكونه خلق الأرض والسماوات العلى؛ لما في خلقهما من مصالح العباد؛ فإن أكثر مصالح العالم الجسمانية متعلقة بالأرض والسماء؛ لما في قرب الشمس في زمن الصيف من إنضاج الفواكه والحبوب؛ ولما ينزل من السماء في الشتاء من

стр. 519

المطر الذي هو سبب نبات الحب والثمر؛ ولاختلاف أحوال الشمس في فصل الصيف وفي فصل الشتاء؛ ولاختلاف أحوال الناس في النوم واليقظة، كل ذلك من الرحمة. قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ والسماوات والأرض والكرسي في جانب من العرش؛ كحلقة في فلاة؛ فإذا استوى عليه استوى على ما حواه. ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩)﴾ ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ﴾ من الملائكة والكواكب والأفلاك ﴿وَما فِي الْأَرْضِ﴾ من الأشجار والنبات والحيوانات. ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ من حيوانات الجو ومن الرعد والمطر وغير ذلك مما لا يحصى. وقيل: إن المراد ب ﴿الثَّرى﴾ رمل تحت الأرضين السبع. وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ جوابه محذوف تقديره: لم يخف على الله. وقوله: ﴿وَأَخْفى﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها فعل، أي: فإنه يعلم السر، وأخفى عن عباده أحوال القيامة ووقت قيامها. والثاني: أنه اسم، والتقدير: يعلم السر وأخفى من السر، فقيل: السر ما حدثت به واحدا واستكتمته، وأخفى منه ما لم تطلع عليه (١١٨ /أ) أحدا قال الشاعر [من المتقارب]: فسرّك ما كان عند امرئ ... وسرّ الثّلاثة غير الخفيّ (١) وقيل: السر ما لم تطلع عليه أحدا، وأخفى منه ما ستحدث به نفسك غدا يعلمه الله الآن. والأسماء الحسنى قد استنبطت من الكتاب والسنة، وجاء في الحديث: "إنّ لله - تعالى - تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنّة" (٢). وقوله: ﴿الْحُسْنى﴾ في وصف الأسماء وهي جمع، وكان قياسه الحسن؛ كما قال:

стр. 520

﴿وَالسَّماواتِ الْعُلى﴾ وهذا لأن جمع المؤنث الذي لا يعقل يعامل معاملة المفرد المؤنث أو الجمع المؤنث [تقول]: الجبال صعدتها وصعدتهن، والأسود لقيتها ولقيتهن، وكذلك قوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ قياسه: الكبر. ﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ قيل: هل بمعنى قد، والصواب أنك تقول للشخص: هل رأيت ما صنع فلان؟ والسامع يعلم ما صنع ولكنه يجعل معناه: إن من العجب خفاء هذا الأمر عنك، ومثله قوله - تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ (١). ﴿إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً (١٠) فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥)﴾ وقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: "ألم تري إلى مجزّز المدلجيّ نظر إلى أسامة وزيد قد غطّيا رؤوسهما وبدت رجلاهما، فقال: إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض" (٢). كان موسى ﵇ حين فرغ من عمل الإجارة، وهي العمل عشر سنين لتزويج ابنة شعيب أعطاه شعيب غنما وسلم إليه زوجته؛ فتوجه بالزوجة والغنم يطلب مصر؛ ليبلغ رسالة ربه، فأظلم الليل وأمطرت السماء، وتفرقت أغنامه من صوت الرعد، وأخذ زوجته الطلق، واشتد البرد، فلمح نارا تظهر من بعد ﴿فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ لعلي أتوجه إلى هذه النار فأقتبس منها قبسا، وكان موسى قد تاه عن الطريق في تلك الليلة فهو قوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ (٣) أي: أجد ما يدلني على الطريق ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ وكانتا من جلد حمار ميت بغير دباغ؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهر الذي لا يدنس حماه بالنجاسة. ﴿طُوىً﴾ قيل: هو اسم الجبل. ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ فخذ ما آتيتك بالقبول. قوله : ﴿فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ لأني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي؛

стр. 521

فلذلك أمرتك بالاستماع لما أرسلتك به. ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ أي: ذل واخضع، والعبادة غاية الذلة والخضوع تقول (١١٨ /ب): خضعت لزيد وذللت له، ولا يجوز أن تقول: عبدته؛ فإن غاية الذلة والخضوع لا تكون إلا لله وحده. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ جاء في الحديث: "وأقم الصّلاة للذّكرى" (١) أي: أقم الصلاة لتذكرني فيها. وقيل: وأقم الصلاة وصلّ الناسية إذا تذكرتها؛ فإن ذلك وقتها. ﴿أَكادُ أُخْفِيها﴾ قرئ (أكاد أخفيها) (٢) أي: أظهرها؛ تقول: خفا الشيء بمعنى ظهر. ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ قال بعضهم: التقدير: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم عليها. وكلّ من ألفاظ العموم، فيجوز أن يستثنى الأنبياء، ومن يأتي آمنا يوم القيامة، فذلك يعطى الثواب ويسامح بعقوبة ذنبه. ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠)﴾ ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ هو كقولك: لا أرينك هاهنا؛ أي: لا تكن هاهنا فأراك، ولا تكن بحيث يصدك الكفار؛ لأن الفعل إنما ينهى عنه فاعله لا مفعوله. ﴿فَتَرْدى﴾ فتهلك. ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ إيناس له لما دهش بسماع كلام الله وقد قيل: إن اسم الإشارة في قوله: ﴿وَما تِلْكَ﴾ أنها موصولة وما التي بيدك؛ التقدير: وما الذي بيدك؟ ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾ أراد موسى أن يعتذر عن إبقاء العصا بيده؛

стр. 522

فذكر منافعها، وقد عد من جملتها أنه كان إذا نام قاتلت عنه الهوام، وإذا وصلت إلى بئر ورشاها طويل طالت العصا حتى تصل إلى الماء، وكان إذا اشتهى فاكهة أورقت وأثمرت تلك الفاكهة. وقيل: كانت تمشي إلى جانبه وتحادثه، والله أعلم بصحة ذلك (١). ﴿وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ يعني: أرمي الأوراق اليابسة فتأكل الغنم. ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ أي: حاجات، تقول: لي في كذا مأربة. ﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ﴾ فإن قلت: جعلها في هذا المكان حية والحية: الثعبان الصغير، وفي موضع آخر قال: ﴿فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ (٢) والثعبان: الحية العظيمة، وفي موضع قال: ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ (٣) والجان الحية الصغيرة؛ فكيف الجمع بين هذه الآيات؟ الجواب من وجهين: أحدهما: أنها كانت في أول أمرها كالجان، وفي آخر أمرها كالثعبان. والثاني: أن انقلاب العصا حية وقعت مرتين؛ إحداهما في جبل الطور حين خاطب الله موسى فقلبها له حية ليعتاد انقلابها حية؛ فلا يستوحش إذا رآها قد صارت ثعبانا كبيرا، والمرة الثانية انقلبت (١١٩ /أ) العصا حية حين حضر إلى مجلس فرعون وذلك الذي حصل من الانقلاب يراد أن يكون على أتم الوجوه، وأما انقلابها بين يدي الله فالمراد به تعريف جواز ذلك. وقيل: كانت في عظم الثعبان، وفي خفة الجان في سرعة حركتها. ﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢)﴾ ﴿فَإِذا هِيَ﴾ فاجأه صيرورتها حية؛ فقال الله له: ﴿خُذْها وَلا تَخَفْ﴾ قيل: ولا تكن بصدد أن تفزع وتفر؛ فإن الخوف لا ينهى عن مثله. ﴿سَنُعِيدُها﴾ مثل ﴿سِيرَتَهَا﴾

стр. 523

﴿الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ﴾ أي: تحت إبطك، وكانت العرب تكره البياض خوفا من البرص ويكنون عنه بالحمرة، وبه سميت عائشة الحميراء (١). وقال جميل بن معمر [من المتقارب]: تقول بثينة لّما رأت ... قنوءا من الشّعر الأحمر (٢) فلذلك قال: ﴿بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي: البياض البريء من البرص وغيره، وجاء في موضع آخر ﴿بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ (٣) أي: بياضا يستوقف الناظرين من شدة بياضها وانتشار شعاعها.

стр. 524

﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠)﴾ ﴿الْكُبْرى﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد الكبرى بمعنى الكبر؛ تكون نعتا للآيات؛ كقوله: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (١) والأصل: الحسن. والثاني: أن تكون صفة للآية، والتقدير: لنريك من آياتنا الآية الكبرى؛ فإن جمع المؤنث يعامل معاملة المفرد المؤنث تارة، ومعاملة الجمع المؤنث أخرى؛ تقول: الدواب سقيتها وسقيتهن، والجبال علوتها وعلوتهن. ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ تجاوز الحد حتى ادعى الربوبية. ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ أي: صدري لأجلي؛ كقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٢) وقد فضّل رسول الله ﷺ على موسى ﵇؛ فإن موسى سأل أن يشرح له صدره، ونبينا ﷺ بدئ بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٣) من غير سؤال. ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ سهله ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي﴾ لقصة التمرة والجمرة؛ اختلف العلماء هل ذهبت تلك العقدة بجملتها؟ فقال قوم: ذهبت بجملتها؛ لأن الله - تعالى - قال لموسى بعد سؤاله: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ أن العقدة قد انحلت. وقيل: بقيت منها بقية؛ قال فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (٤) ظن بزعمه أنه أفضل من (١١٩ /ب) موسى ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ أي: لا يبين معنى كلامه لأجل العقدة التي في لسانه. ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ﴾ ﴿هارُونَ أَخِي﴾ عطف بيان. ﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨)﴾ ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ﴾

стр. 525

﴿عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (٤٨)﴾ ﴿اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ من جعل همزة ﴿اُشْدُدْ﴾ همزة وصل جعل ﴿وَأَشْرِكْهُ﴾ أمرا بمعنى الدعاء والطلب، وأشركه بفتح الهمزة. وقرئ "أخي أشدد" وجعل ألف "أشدد " ألف قطع وجزمه بجواب الأمر، أو رفعه على الاستئناف (١). ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ جعل العلة في طلب نبوة أخيه أن يشتركا في التسبيح والتقديس. ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ وقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ﴾ ليس خبرا عن ماض، وإنما هو إنشاء للإعطاء؛ كقولك: بعتك بكذا؛ فهذا اللفظ هو الذي حصل به البيع، ثم إن الله تعالى شرع في إبداء مننه على موسى فذكر حالة الرضاع وحالة وضعه في التابوت وإلقاء اليم التابوت إلى الساحل، وأخذ فرعون له، وتربيته في يده عدوه الذي كان يقتل الناس من أجله، وإلقاء محبة الله لموسى في قلب كل من رآه، وسلامته من قبل القبطي، ثم أعاد الأمر بالرسالة بقوله: ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي﴾. وهاهنا نكتة لطيفة؛ وهو أن موسى سأل من الله وزارة أخيه له، وعلل ذلك بقوله: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ ثم إن الله - تعالى - ولاه وأعطاه ما سأله، ثم قال: ﴿اِذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ ولا تفترا فيه كما شرطتما على أنفسكما. وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ مع علم الله - تعالى - بأن فرعون لا يتذكر ولا يخشى، ولا يتأتى منه ذلك، والمعنى: كونا على رجاء تذكرة وخشية؛ فإن من ذهب في أمر وهو يعلم أنه لا يقضى لا يجتهد فيه، وإن

стр. 526

كان يعلم أنه يقضى اجتهد ووسع الحيل فيه ﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ منه ضرر ﴿أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ فيذكر في حقك ما لا يليق بجلالك. ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا﴾. قال ابن عطية ﵀: "بعث موسى إلى فرعون في أمرين خاصة: أحدهما: التوحيد. والثاني: تسليم بني إسرائيل إلى موسى وتخليصهم مما كان يكلفهم إياه من الأعمال الشاقة" (١). ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ والدليل على صحة رسالتنا أنا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١٢٠ /أ) والمعجزات دالة على صدق النبي. ﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا﴾ استدلت المرجئة (٢) بهذه الآية، وقالوا: لا يعذب الله من قال: لا إله إلا الله أبدا، واحتجوا بقوله: ﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ فمن لم يكذب الرسل ولم يحصل منه التولي فلا يعذب. ﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)﴾

стр. 527

﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما﴾ خاطب الاثنين ثم خص الخطاب بأحدهما وهو موسى؛ لأن موسى هو الأصل في نبوة أخيه. ﴿ثُمَّ هَدى﴾ كل حيوان إلى ما يصلحه. ﴿قالَ﴾ فرعون ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ يعني: فما جرى فيها حين كذبوا؟ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ. ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً﴾ السبل: الطرق. قوله: ﴿ماءً فَأَخْرَجْنا﴾ عدل فيه عن الغيبة إلى التكلم؛ لأن نزول المطر من السماء وخروج النبات به أمر عظيم لا يقدر عليه إلا الله. ﴿أَزْواجاً﴾ أصنافا ﴿مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ مختلف. أي: وقلنا: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ﴾ وهو كقوله: ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (١) ﴿لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ لذوي العقول. ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ﴾ أي: من الأرض، ثم فيه وجهان: أحدهما: خلق أبيكم آدم من تراب. والوجه الثاني: أن الله وكل بالولد في الرحم ملكا يأخذ من تربة الأرض التي يدفن فيها ذلك المولود فيذره على النطفة؛ فهذا خلقه من تراب (٢)، ثم فرعوا على هذا أن أصل خلقة أبي بكر وعمر مثل نشأة خلق رسول الله ﷺ ؛ لأن الكل دفنوا في مكان واحد (٣)، وفي الأرض ﴿نُعِيدُكُمْ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣)﴾ ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾

стр. 528

﴿(٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١)﴾ ﴿وَلَقَدْ﴾ أرينا فرعون ﴿آياتِنا﴾ التي جاء بها موسى ﴿كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى﴾ وهذا يدل على أن فرعون كان يرعد خوفا من موسى. فهل رأيتم ساحرا غلب على إقليم فملكه بسحره واستولى على ذلك الإقليم. ﴿الْمُثْلى﴾ الحسنى. ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ فإنه أهيب للعدو أن يأتي صفا. ﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ خيروه في أنه هل يبدأ هو بإلقاء عصاه أو يبدأوا هم؟ وهذا عادة المدل بصنعته. ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ﴾ أي: فاجأت حبال السحرة أنها تخيل إلى موسى أنها تسعى، وكانوا قد (١٢٠ /ب) حشوا أجواف تلك الحيات المصنوعات بالزئبق، ومن شأن الزئبق أنه إذا حمي فاضطربت تلك الحيات لانسداد الأعلى فبقيت تضطرب. ﴿فَأَوْجَسَ﴾ فأحس ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ﴾ يعني: لا يلحقك من ذلك ضرر. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ الغالب القاهر لهم. ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ هذا تصغير لأمر العصا، وقد سبق قوله - تعالى - له: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وقال له هاهنا: ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ كأن ملقيا ألقاهم من شدة اشتغالهم بالسجود. ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى﴾ فجرى فرعون على عادة الملك، واستنكف أن يظهر أنه مغلوب فشرع في تهديد السحرة؛ فقال: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾. وقوله: ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ يعني به اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو بالعكس، وقطع اليد والرجل من خلاف هو من وجه أشد من قطعهما من جهة؛ لأن ذلك الجنب يتعطل، وهو من وجه آخر أخف؛ لأنه بقي في كل جانب شيء من الانتفاع، فسلك فرعون أحد الطريقين، وهو قطعهما من خلاف. العذاب متى اجتمع فيه كونه أشد وكونه أطول مدة كان أعظم.

стр. 529

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى (٧٦) وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)﴾ ﴿قالُوا﴾ السحرة لفرعون: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ فنترك ما رأينا من الآيات. قيل: إنهم رأوا الجنة والنار في سجدتهم تلك (١). ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ يجوز أن يكون قسما، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله: ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ أي: افعل فينا ما تشاء؛ فإن لنا رجوعا إلى الله يقتض لنا ممن ظلمنا؛ إن مدة تسلطك علينا ﴿هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ روي أن فرعون كان يكره طائفة من الناس على تعلم السحر. ﴿إِنَّهُ﴾ الهاء ضمير الشأن ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ يوم القيامة، ولم يتب فله جهنم ﴿لا يَمُوتُ فِيها﴾ فيستريح ﴿وَلا يَحْيى﴾ حياة تنفعه. وقد قالوا: إن الكافر في الآخرة يجد ألم النزع من جميع أعضائه ولا يموت قال الله - تعالى - فيه: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ (٢) ﴿تَجْرِي﴾ من تحت أشجارها ﴿الْأَنْهارُ﴾ أو من تحت غرفها؛ لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ (٣) ﴿طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾ (١٢١ /أ) من مقتضى الدليل أنه إذا انفلق البحر اثني عشر فرقا يكون في قعر كل فرق زلق ووحل، لكن الله - تعالى - جعل موضع الماء صلبا يابسا لا زلق فيه؛ تيسيرا على

стр. 530

موسى وقومه. ﴿لا تَخافُ دَرَكاً﴾ من فرعون ﴿وَلا تَخْشى﴾ في اليم غرقا، أو: لا تخشى شيئا تخافه مطلقا ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أي: أمر عظيم لا يقدر قدره ﴿وَما هَدى﴾ إنما جيء به؛ لأن الذي يضل قد يتفق له تارة أن يحسن ويوفي شيئا من الأفعال؛ لكن فرعون كان محض الضلال ولا يخلطه بشيء من الإحسان. فهم موسى من قوله: ﴿وَما أَعْجَلَكَ﴾ أنه قد عتب عليه كيف تقدم قومه ولم يأت بهم معه؟ فاعتذر بأمرين: أحدهما: أن المكان الذي فارقهم فيه قريب جدا قال: ﴿هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي﴾ أي: ليسوا ببعيد مني. والثاني: إنما عجلت لطلب رضاك. ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾ ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي: من بعد انطلاقك ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وقرئ في الشاذ ﴿وَأَضَلَّهُمُ﴾ بضم اللام (١). وروي أن السامري حين وصل إلى البحر مع موسى بعث الله جبريل راكبا فرس الحياة وقد خلق الله الحياة على صورة فرس، ولا تمر بشيء ولا يجد مسها شيء إلا حيى، وخلق الله الموت على صورة كبش أملح؛ كما جاء في الحديث أنه "يذبح الموت يوم القيامة، وقد جيء به على صورة كبش أملح" (٢) فرأى السامريّ فرس جبريل كلما وضعت حافرها على شيء من الأرض اخضر نباتها، فقال: إن لهذا شأنا، وأخذ من ذلك التراب شيئا، وكانت بنو إسرائيل لما أمروا بالخروج من ديار مصر استعاروا حليّا من قوم فرعون، ولم يتسع لهم الوقت أن يعيدوه إلى أربابه، فحملوه معهم فلما تجاوز موسى البحر، وغرق فرعون أمر الله موسى أن يختار من قومه سبعين رجلا ليسمعهم خطابه، فأبطأ عليهم موسى، فأخذ السامري ما معه من تلك التربة التي وطئها حافر فرس جبريل، وكان
следующие страницы →