← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

كان يعلم أنه يقضى اجتهد ووسع الحيل فيه ﴿قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ منه ضرر ﴿أَوْ أَنْ يَطْغى﴾ فيذكر في حقك ما لا يليق بجلالك. ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا﴾. قال ابن عطية ﵀: "بعث موسى إلى فرعون في أمرين خاصة: أحدهما: التوحيد. والثاني: تسليم بني إسرائيل إلى موسى وتخليصهم مما كان يكلفهم إياه من الأعمال الشاقة" (١). ﴿وَلا تُعَذِّبْهُمْ﴾ والدليل على صحة رسالتنا أنا ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١٢٠ /أ) والمعجزات دالة على صدق النبي. ﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا﴾ استدلت المرجئة (٢) بهذه الآية، وقالوا: لا يعذب الله من قال: لا إله إلا الله أبدا، واحتجوا بقوله: ﴿إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ فمن لم يكذب الرسل ولم يحصل منه التولي فلا يعذب. ﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)﴾

стр. 527

﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما﴾ خاطب الاثنين ثم خص الخطاب بأحدهما وهو موسى؛ لأن موسى هو الأصل في نبوة أخيه. ﴿ثُمَّ هَدى﴾ كل حيوان إلى ما يصلحه. ﴿قالَ﴾ فرعون ﴿فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى﴾ يعني: فما جرى فيها حين كذبوا؟ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ. ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً﴾ السبل: الطرق. قوله: ﴿ماءً فَأَخْرَجْنا﴾ عدل فيه عن الغيبة إلى التكلم؛ لأن نزول المطر من السماء وخروج النبات به أمر عظيم لا يقدر عليه إلا الله. ﴿أَزْواجاً﴾ أصنافا ﴿مِنْ نَباتٍ شَتّى﴾ مختلف. أي: وقلنا: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ﴾ وهو كقوله: ﴿مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (١) ﴿لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ لذوي العقول. ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ﴾ أي: من الأرض، ثم فيه وجهان: أحدهما: خلق أبيكم آدم من تراب. والوجه الثاني: أن الله وكل بالولد في الرحم ملكا يأخذ من تربة الأرض التي يدفن فيها ذلك المولود فيذره على النطفة؛ فهذا خلقه من تراب (٢)، ثم فرعوا على هذا أن أصل خلقة أبي بكر وعمر مثل نشأة خلق رسول الله ﷺ ؛ لأن الكل دفنوا في مكان واحد (٣)، وفي الأرض ﴿نُعِيدُكُمْ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣)﴾ ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾

стр. 528

﴿(٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١)﴾ ﴿وَلَقَدْ﴾ أرينا فرعون ﴿آياتِنا﴾ التي جاء بها موسى ﴿كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى﴾ وهذا يدل على أن فرعون كان يرعد خوفا من موسى. فهل رأيتم ساحرا غلب على إقليم فملكه بسحره واستولى على ذلك الإقليم. ﴿الْمُثْلى﴾ الحسنى. ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ فإنه أهيب للعدو أن يأتي صفا. ﴿قالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ خيروه في أنه هل يبدأ هو بإلقاء عصاه أو يبدأوا هم؟ وهذا عادة المدل بصنعته. ﴿فَإِذا حِبالُهُمْ﴾ أي: فاجأت حبال السحرة أنها تخيل إلى موسى أنها تسعى، وكانوا قد (١٢٠ /ب) حشوا أجواف تلك الحيات المصنوعات بالزئبق، ومن شأن الزئبق أنه إذا حمي فاضطربت تلك الحيات لانسداد الأعلى فبقيت تضطرب. ﴿فَأَوْجَسَ﴾ فأحس ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ﴾ يعني: لا يلحقك من ذلك ضرر. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ الغالب القاهر لهم. ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ هذا تصغير لأمر العصا، وقد سبق قوله - تعالى - له: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وقال له هاهنا: ﴿وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ﴾ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ كأن ملقيا ألقاهم من شدة اشتغالهم بالسجود. ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى﴾ فجرى فرعون على عادة الملك، واستنكف أن يظهر أنه مغلوب فشرع في تهديد السحرة؛ فقال: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾. وقوله: ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ يعني به اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو بالعكس، وقطع اليد والرجل من خلاف هو من وجه أشد من قطعهما من جهة؛ لأن ذلك الجنب يتعطل، وهو من وجه آخر أخف؛ لأنه بقي في كل جانب شيء من الانتفاع، فسلك فرعون أحد الطريقين، وهو قطعهما من خلاف. العذاب متى اجتمع فيه كونه أشد وكونه أطول مدة كان أعظم.

стр. 529

﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى (٧٦) وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)﴾ ﴿قالُوا﴾ السحرة لفرعون: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ﴾ فنترك ما رأينا من الآيات. قيل: إنهم رأوا الجنة والنار في سجدتهم تلك (١). ﴿وَالَّذِي فَطَرَنا﴾ يجوز أن يكون قسما، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله: ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾ أي: افعل فينا ما تشاء؛ فإن لنا رجوعا إلى الله يقتض لنا ممن ظلمنا؛ إن مدة تسلطك علينا ﴿هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ روي أن فرعون كان يكره طائفة من الناس على تعلم السحر. ﴿إِنَّهُ﴾ الهاء ضمير الشأن ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ يوم القيامة، ولم يتب فله جهنم ﴿لا يَمُوتُ فِيها﴾ فيستريح ﴿وَلا يَحْيى﴾ حياة تنفعه. وقد قالوا: إن الكافر في الآخرة يجد ألم النزع من جميع أعضائه ولا يموت قال الله - تعالى - فيه: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ (٢) ﴿تَجْرِي﴾ من تحت أشجارها ﴿الْأَنْهارُ﴾ أو من تحت غرفها؛ لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ (٣) ﴿طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾ (١٢١ /أ) من مقتضى الدليل أنه إذا انفلق البحر اثني عشر فرقا يكون في قعر كل فرق زلق ووحل، لكن الله - تعالى - جعل موضع الماء صلبا يابسا لا زلق فيه؛ تيسيرا على

стр. 530

موسى وقومه. ﴿لا تَخافُ دَرَكاً﴾ من فرعون ﴿وَلا تَخْشى﴾ في اليم غرقا، أو: لا تخشى شيئا تخافه مطلقا ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ أي: أمر عظيم لا يقدر قدره ﴿وَما هَدى﴾ إنما جيء به؛ لأن الذي يضل قد يتفق له تارة أن يحسن ويوفي شيئا من الأفعال؛ لكن فرعون كان محض الضلال ولا يخلطه بشيء من الإحسان. فهم موسى من قوله: ﴿وَما أَعْجَلَكَ﴾ أنه قد عتب عليه كيف تقدم قومه ولم يأت بهم معه؟ فاعتذر بأمرين: أحدهما: أن المكان الذي فارقهم فيه قريب جدا قال: ﴿هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي﴾ أي: ليسوا ببعيد مني. والثاني: إنما عجلت لطلب رضاك. ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾ ﴿قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي: من بعد انطلاقك ﴿وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ وقرئ في الشاذ ﴿وَأَضَلَّهُمُ﴾ بضم اللام (١). وروي أن السامري حين وصل إلى البحر مع موسى بعث الله جبريل راكبا فرس الحياة وقد خلق الله الحياة على صورة فرس، ولا تمر بشيء ولا يجد مسها شيء إلا حيى، وخلق الله الموت على صورة كبش أملح؛ كما جاء في الحديث أنه "يذبح الموت يوم القيامة، وقد جيء به على صورة كبش أملح" (٢) فرأى السامريّ فرس جبريل كلما وضعت حافرها على شيء من الأرض اخضر نباتها، فقال: إن لهذا شأنا، وأخذ من ذلك التراب شيئا، وكانت بنو إسرائيل لما أمروا بالخروج من ديار مصر استعاروا حليّا من قوم فرعون، ولم يتسع لهم الوقت أن يعيدوه إلى أربابه، فحملوه معهم فلما تجاوز موسى البحر، وغرق فرعون أمر الله موسى أن يختار من قومه سبعين رجلا ليسمعهم خطابه، فأبطأ عليهم موسى، فأخذ السامري ما معه من تلك التربة التي وطئها حافر فرس جبريل، وكان

стр. 531

السامري صائغا فعمل صورة عجل، وألقى فيه من ذلك التراب فصار العجل يخور خوار الثور، وقال لهم السّامري: هذا العجل الذي يخور هو إلهكم وإله موسى، فنسي موسى وذهب يطلبه في الجبل (١٢١ /ب) فرجع موسى إلى قومه وقد أعلمه الله - تعالى - بضلال السّامري ومن تبعه، فسمع أصوات عبدة العجل يصرخون ويصفقون ويرقصون، فقال: هذا صوت الفتنة، واشتد غضبه حتى ضرب برأس أخيه يجره إليه، وكان موسى قد أعطاه الله - تعالى - الألواح، وقد كتب له في التوراة، فألقى الألواح من يده. قيل: ذهب من التوراة ستة أسباعها بإلقائها على الأرض غضبا (١). قال موسى لقومه: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ وهو أن يؤتينا الله كتابا فيه علم ما نحتاج إليه من أمر الدين والدنيا ﴿أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ لمدة غيبتي؟ وكان قد وعده انقضاء ثلاثين ليلة ثم أتمها أربعين ليلة ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقرئ ﴿أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ أي: ينزل، وقرئ (يحل) (٢) من مجيء وقت الشيء، ومنه حلول الدين ﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الذي غذاكم بكرمه ورباكم بنعمته. ﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ لذلك ﴿قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً﴾ أي: أثقالا والوزر الثقل، سمي الوزير وزيرا؛ لأنه يحمل عن الملك أعباء مملكته. قوله : ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً﴾ هو الحلي الذي كان عندهم للقبط ﴿فَقَذَفْناها﴾ في صورة العجل ﴿فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ ما كان عنده من الحلي ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾ السامري

стр. 532

﴿السّامِرِيُّ﴾ وقيل: إنه كان فيه روح كروح الحيوان. والقرآن العزيز لا يدل على ذلك. قيل: إنه كان يخور مرة بعد مرة، وبعض المفسرين يقول: خار خورة واحدة، ولو كان يخور كل يوم لما صلح لما نسبوه إليه من الألوهية، وهو كقوله - تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ (١) إلى أن قال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ (٢) ولو كانت لهم أرجل وأعين وآذان لما صح نسبتهم إلى الألوهية، فكيف وهم ليسوا كذلك فقال ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ موسى حتى طلبه في جبل الطور، ثم عنّفهم الله - تعالى - بقوله: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ أي: ألا يجيب متكلما يخاطبه. ﴿وَلا يَمْلِكُ﴾ دفع ضرر ولا جلب نفع. ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ (١٢٢ /أ) رجوع موسى ﴿يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ﴾ بعبادة هذا العجل، ودعاهم إلى طاعته في أمره بالتوحيد، فعصوه وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ وأكدوا النفي ب (لن) الدالة على تأكد النفي، فأقبل موسى على هارون فقال: ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ﴾ واستعطف أخاه بالنسبة إلى الأم لأنها أرحم ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ قيل: قد كان أخذ بأذنيه فاستدل به قوم على أن الأذنين من الرأس، ولا حجة فيه؛ لأنه يجوز أن يكون موسى قد أخذ بيد هارون أو بعضو آخر ولم يذكر ذلك لنا. ﴿قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ عَشْراً (١٠٣)﴾ ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ أن أقاتلهم أن يتفرقوا شيعا، وهو قول موسى: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ﴾

стр. 533

﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ وكان موسى قد أوصى هارون فقال: إن رأيت من بني إسرائيل ما لا يسوغ فبالغ في اللطف؛ ليرجعوا عما هم عليه، وإلا فالحق بي، فأقبل موسى على السامري، فقال: ﴿فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ يعني: قد استقر عذر أخي ونطق بما يبرئه، فما خطبك أنت يا سامري. والخطب: الأمر الذي له قدر وجلالة عند معتقديه. ﴿﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وهو اخضرار الأرض تحت حافر فرس جبريل ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ﴾ حافر فرس ﴿الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ في العجل ﴿وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ﴾ أي: زينت أو سهلت. ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ﴾ أن لا يمسك إنسان ولا تمس أنت إنسانا إلا وأخذتكما الحمى، يعني الماس والممسوس، فكان يخرج في الفضاء ويرفع صوته: لا مساس لا مساس. ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً﴾ في الآخرة ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ لابد لك من الحضور فيه ﴿وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ﴾ بزعمك ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً﴾ أي: على عبادته وتعظيمه ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ (١) أي: لنبردنه بالمبرد ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ بعد ذلك ﴿فِي الْيَمِّ﴾ في البحر ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ الأصل: وسع علمه كل شيء، ثم حول كما في قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ (٢) أي: شيب الرأس. ومثل ذلك الاقتصاص ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ﴾ (٣) من أخبارهم وقصصهم. ثم عظم (١٢٢ /ب) أمر القرآن بقوله: ﴿وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً﴾ ثقيلا ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ في عذاب جزائه، وقبح ذلك الحمل حملا. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ قال الحسن: الصّور: جمع صورة (٤) أي: نعيد الأرواح في الأجساد. وقيل: الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل، ويقول: أيتها العظام البالية والأجساد المتلاشية، والشعور المتمزقة والأوصال المتفرقة، إن الله أمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل:

стр. 534

الأرض كلها هي الصور ينفخ إسرافيل فيها فتصل أثر نفخته بالأجسام، فيقومون قائلين: سبحان الله وبحمده (١). ومنه قوله - تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ (٢). قوله: ﴿زُرْقاً﴾ أي: عطاشا. وقيل: عميا؛ لأن الأعمى تبقى في عينه زرقة. ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ فإن الخوف يضعف الأصوات. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً (١٠٤)﴾ ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أتمهم عقلا ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ يَوْماً﴾ أرخ بالأيام وحق التأريخ أن يكون بالليالي، لكن ذاك يكون إذا اشتمل الزمان على وقتين ليل ونهار، وهاهنا ليس كذلك؛ لأنهم أرادوا أنهم لبثوا بياض يوم ليس فيه شيء من الليل. ﴿فَيَذَرُها﴾ أي: فيذر مواضعها. والقاع: الأرض المستوية المتسعة ﴿صَفْصَفاً﴾ خاليا أو ممتدا. العوج بالكسر يكون في المعاني وبالفتح في المرئيات تقول: في دينه عوج، وفي العصا عوج (٣). واعلم أن الأرض إذا مسحتها وسويتها بحيث لا يظهر لك فيها اعوجاج، وأنت لو قستها بالمسطرة حصل لك رؤية عوج يسير لا يدركه الطرف، فيلحق ذلك الطرف بالمعاني لكونه غير مرئي، فإذا نفي ذلك لزم منه نفي ما هو مرئي بطريق الأولى. ﴿لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ أي: لا ارتفاعا ولا انخفاضا. ﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ هو إسرافيل ينادي: يا أيتها العظام البالية والأجسام المتلاشية، والشعور المتمزقة والأوصال المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. فإذا قاموا من القبور قاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحان ربنا العظيم وبحمده (٤) (١٢٣ /أ) ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾

стр. 535

﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١) فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إن لبثتم ما بين النفختين، فإنه روي: "أن العذاب يرفع عنهم ما بين النفختين فيقومون وفي أعينهم طعم النوم" (٢)،ولهذا قال الله - تعالى - حكاية عنهم: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ (٣). والثاني: إن لبثتم في الدنيا، تضاءل عندهم اللبث في الدنيا حتى عدوه ساعة؛ لأن أيام السرور قصار. الوجه الثالث: إن لبثتم في القبور. قالوا: ولم توصف القيامة بأهول من هذا؛ فإنهم كانوا في القبور يعرض عليهم مقعدهم بالغداة والعشي بدليل قوله - تعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ (٤) ومع ذلك رأوا أيام المقام في القبور كأنه نعمة، فاستقصروا مدة إقامتهم في القبور. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً (١٠٨)﴾ ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ﴾ واعلم أن لها أحوالا حالة تسير ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ﴾ (٥) وتارة تذهب قوتها فتصير ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (٦) وتارة تصير ﴿هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٧) وتارة كالرمل الذي يهال بعضه في إثر بعض ﴿وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ (٨) وتارة تسوى بها الأرض فلا يبقى فيها ارتفاع ولا انخفاض ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا عوج لهم عنه ﴿وَخَشَعَتِ﴾ ذلت

стр. 536

وخضعت. ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً﴾ يعني: صوتا خفيا. وقيل: لا يسمع إلا صوت مشي الأقدام إلى المحشر والقيامة، ففي بعضها ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (١). وفي بعضها ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٢). ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤)﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ لا تقع الشفاعة في الآخرة إلا بعد إذن من الله للشافع أن يشفع؛ لقوله - تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (٣) وأيضا لا تنفع الشفاعة في الآخرة إلا فيمن أذن أن يشفع فيه ممن قال لا إله إلا الله؛ لقوله - تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ (٤) وقوله: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ فيجازيهم على حسب علمه فيهم. ﴿وَعَنَتِ﴾ خضعت وذلت، والعاني الأسير. ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ يجوز أن يراد من حمل كفرا، فلا تنفع فيه الشفاعة فيخيب، ويحتمل أن يريد مع ذلك مظالم العباد. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ﴾ خبر مجرد، ومن قرأ (فلا يخف) (١٢٣ /ب) فهو نهي عن الخوف (٥)، وكيف ينهى عنه وهو يأتي بحكم الحال، ولا يتمكن الإنسان من دفعه عن نفسه، وهو إما نهي عما يقتضيه النهي من المعاصي والهضم:

стр. 537

النقص. يقال: هضيم الكشح، أي: صغيره، ومثل هذا الإنزال ﴿أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ وقد يوجد فيه كلمات فارسية أو رومية قد عرّبت وهو كما يقال: هذا ثور أسود، وإن كان في بعض قوائمه عشر شعرات بيض. ﴿وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ ليردهم ذلك التصريف عما هم عليه من العناد. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾ تذكّرا واتعاظا ﴿فَتَعالَى اللهُ﴾ أي: جلّ عما يقوله الكفرة من دعوى الشريك والولد له. وكان النبي ﷺ إذا قرأ جبريل عليه ما نزل عليه من الوحي يلاحق جبريل في القراءة خشية أن يتفلت عنه بعضه، فأنزل الله - تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (١) وهذه الآية ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ أي: من قبل أن يفرغ جبريل من قراءته، فكان النبي ﷺ بعد ذلك يسكت حتى يفرغ جبريل من قراءته، ثم يقرؤها النبي ﷺ فلا يخل منها بشيء (٢). ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)﴾ ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ لم يعد بعض المفسرين آدم من أولي العزم ولا يونس؛ لقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ (٣) ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قيل: جعله قبلة لهم، والمراد: اسجدوا لجهته. وقيل: اسجدوا لسجوده، أي: ليكون إماما لكم وأنتم تقتدون به، والصحيح أنهم أمروا أن يسجدوا لآدم تعظيما له، وذلك لا يجوز في شريعتنا، وقد جاء في يعقوب وأولاده ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ (٤) وقوله: ﴿أَبى﴾ جملة مستأنفة، جواب لسؤال سائل سأل فقال: ماذا صنع إبليس؟ فيقول له: أبى أن يسجد.

стр. 538

وقد اختلف فيمن أمر بالسجود لآدم؛ فقال الأكثرون: إن المأمور جميع الملائكة، لم يخرج أحد منهم من الأمر. وقيل: خرج منهم الملائكة المقربون؛ لقوله تعالى: ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ (١). ﴿فَتَشْقى﴾ إن قال قائل: لم لا قال: فتشقيا عن آدم (١٢٤ /أ) وحواء؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن الذي يشقى بالنزول من الجنة هو الرجل دون المرأة فقد روي أن آدم ﵇ أنزل له ثور من الجنة فحرث عليه حتى عرق جبينه فثبت السعي والتعب إلى آدم خاصة. وقوله: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما﴾ كقوله: لا أرينك هاهنا، والوجه الثاني: أنه ما قال: فتشقيا لأجل تأخير رؤوس الآي وهو بعيد؛ لأن القرآن ليس محل ضرورة. ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى﴾ القياس أن يقابل كل شيء لشكله، فيقال: إنك لا تجوع ولا تظمى، ولا تعرى ولا تضحى. الضحاء: ممدود [وهو] (٢) حرّ الشمس والضحى: مقصور جمع ضحوة. والوسوسة: الصوت الخفي. ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨)﴾ ﴿عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ قال له إبليس أو أحد ذريته: الشجرة التي نهيت عن أكلها هي شجرة من أكلها خلد في الجنة، فلو أكلت منها لتبقى خالدا لكان خيرا لك، وكذلك إذا أكلت منها فإنه يحصل لك ملك لا يبيد ﴿فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ تساقط اللباس الذي كان عليهما، وشرعا يأخذان من أوراق الأشجار. ﴿فَغَوى﴾ الغيّ: ضد الرشاد

стр. 539

﴿ثُمَّ اجْتَباهُ﴾ اصطفاه واختاره فهداه إلى التوبة والرجوع إلى الله. ﴿قالَ اهْبِطا مِنْها﴾ وفي موضع آخر ﴿اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً﴾ (١) المأمور بالهبوط آدم وحواء، وفي الآية الأخرى آدم وحواء وإبليس. ﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ (ما) زائدة ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ شرط ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ﴾ شرط ثان. ﴿فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى﴾ جواب للشرط الثاني، والشرط الثاني وجوابه جواب للشرط الأول. ﴿ضَنْكاً﴾ أي: ضيقة حرجة. ﴿آياتُنا﴾ القرآن ﴿فَنَسِيتَها﴾ فتركت العمل بها، وقد استدل بذلك على إثم من نسي القرآن بعد حفظه، ولا حجة فيه؛ فإن أصل حفظ القرآن ليس بواجب (٢). ﴿وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ تترك في العذاب؛ كقوله: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٣) وقوله: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ (٤) ومتى كان العذاب شديدا ولكنه قصير المدة فقد يتجلد المعذب وينتظر انقضاء الأمل القريب، أما إذا كان العذاب دون ذلك ولكن أمده متطاول أو أشدّ (١٢٤ /ب) من الأول، فعذاب الآخرة في نفسه أشدّ وهو أدوم. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ﴾ أفلم يتبين، والفاعل ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ فيرون آثار المهلكين المكذبين فيعتبروا ويرجعوا ﴿النُّهى﴾ جمع نهية وهي العقل؛ لأنه ينتهي عن الفواحش، كما سمي عقلا فإن عقال البعير يمنعه من الذهاب كيف مشى، وسمي حجزا لأنه يحجز عن المعاصي، أي: يمنعها. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾ ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ﴾

стр. 540

﴿رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤)﴾ ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير عذاب الكفار إلى البعث ﴿لَكانَ﴾ التعذيب لازما لهم ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب على من كفر إلى يوم القيامة. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾ أي: ولولا كلمة وأجل مسمى. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة الظهر والعصر ﴿وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ﴾ المغرب والعشاء. وآناء الليل: ساعاته. ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ وقرأ الكسائي وأبو بكر (لعلك ترضى) بضم التاء (١). ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ استحسانا إلى ما زينه أهل الدنيا من المساكن والملابس والمراكب؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك لينظر إليه ويستحسن. ﴿زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وقرئ (زهرة الحياة الدّنيا) بفتح الهاء (٢) زهرة: جمع زاهر، ككاتب وكتبة. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ في الجنة ﴿خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ في الجنة. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ وكان بعض السلف إذا دهمه خطب فزع إلى الصلاة وتلا هذه الآية (٣). ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ الحميدة ﴿لِلتَّقْوى﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا﴾ هلا ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ وهو القرآن المجيد المصدق لما سبقه من الكتب ﴿وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من

стр. 541

قبل بعثة الرسل وإنزال الكتب ﴿لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ بالعذاب ﴿وَنَخْزى﴾ به. ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أي: أنتم تنتظرون هلاكي، وأنا أنتظر أن يبتليكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى﴾ (١٢٥ /أ) هو كقوله - تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١). ***

стр. 542

سورة الأنبياء [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾ ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ عبر بالحساب عن المجازاة وكان اقترابه ما حل بهم في وقعة بدر من القتل والأسر. وقيل: أراد حساب يوم القيامة، وفي قربه وجهان: أحدهما: أنه آت، وكل ما هو آت قريب. والثاني: أن معناه أن زمان بقاء العالم قد بقي أقلّه وهو انقضاء أيام البقاء في الدنيا. وقوله: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ﴾ أي: اقترب منهم. ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ المراد بقوله: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أي: يشتغلون بدنياهم، وقال - تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (١) وقيل: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أي: يلهون. وقيل: يشتغلون بالقدح فيه والاعتراض عليه. وقوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ جملة حالية، وقوله: ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ جملة أخرى، فالأولى حال من واو ﴿اِسْتَمَعُوهُ﴾ والثانية فيها وجهان: أحدهما: أنها حال من واو ﴿اِسْتَمَعُوهُ﴾. والثاني: أنها حال من الضمير في ﴿يَلْعَبُونَ﴾ فتكون الحالان متداخلتين، وعلى الأول تكونان مترادفتين. وفي معنى ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ وجهان: أحدهما: مشتغلين عن الذكر بالطعن في القرآن. والثاني: مشتغلين بالباطل عن الحق. وفيه وجه ثالث قاله المتصوفة: أنها غافلة عما يراد بها ومنها.

стр. 543

وقوله : ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أي: أخفوا فيما بينهم التناجي بالباطل. وقيل: أسروه: أظهروه. قال الماوردي (١): وأسرّ يستعمل في الإخفاء والإظهار، وإن كان الظاهر استعماله في الإخفاء حقيقة إلا بدليل. قوله: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ قيل: أفتقبلونه وأنتم تعلمون أنه سحر؟ وقيل: أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعلمون الحق؟ الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ يجوز أن تكون دالة على جمع الفاعلين ولا تكون ضميرا. وقيل: هي على لغة من يقول: أكلوني البراغيث (٢). وقيل: أسروها للذين ظلموا فحذف الجار ومثله ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (٣) والتقدير: قائلين: ﴿هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (١٤)﴾ وقوله: ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي (١٢٥ /ب) تهاويل أحلام. وقيل: ما لا يفسر من الأحلام ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ قيل: هم أهل التوراة والإنجيل. وقيل: علماء المسلمين. وقيل: من أسلم من علماء اليهود والنصارى. قوله - تعالى: ﴿وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً﴾ الآية قيل: معناه وما جعلنا الأنبياء قبلك أجسادا ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ ولا يموتون كذلك، فعلى هذا يكون الجسد ما لا يأكل ولا يشرب، ويكون قوله: ﴿لا يَأْكُلُونَ﴾ تفسيرا ل «جسد».

стр. 544

وقيل: المراد أنهم ليسوا أجسادا، والجسد ما يأكل ويشرب، وأفرد الجسد؛ لأن المراد التمييز بهذا الجنس، وهو كقوله - تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ (١) قوله : ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم؛ لنزوله بلغتكم أولا، مشتمل على ذكر مصالحكم في دينكم ودنياكم. قوله: ﴿مِنْها﴾ أي: من القرية. وقيل: من العذاب. قوله: ﴿أُتْرِفْتُمْ﴾ أي: نعّمتم. قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ أي: من دنياكم شيئا قالته الملائكة استهزاء بهم (٢). وقال ابن بحر (٣): لعلكم تسألون عما كنتم تعملون من الذنوب حتى استوجبتم هذا التعذيب (٤). ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ قوله : ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ بالثبور والويل حتى هلكوا. وقوله: ﴿تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ معرفتان يجوز جعل كل واحدة منهما اسما ل ﴿فَما زالَتْ﴾ والأخرى خبرا والحصيد: الاستئصال، والخمود: الهمود، يقال: خمدت النار إذا انطفأت، فشبّه خمود الحياة بخمود النّار، كما يقال لمن مات: قد طفي. قوله: ﴿لَهْواً﴾ قيل: ولدا. وقيل: زوجة. وقيل: المراد الداعي إلى الشهوات، وأنشد الماوردي [من الطويل]: ... وللهو داع دائب غير غافل (٥)

стр. 545

قوله : ﴿مِنْ لَدُنّا﴾ أي: من عندنا. قال ابن جريج (١): أي: لاتخذنا ولدا ونساء من أهل السماء لا من الأرض (٢). قوله: ﴿إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ أي: لاتخذناه من السماء بحيث يخفى علمه عليكم. قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ الحق هو المشروع، والباطل هو المدفوع. وقيل: الحق: القرآن، والباطل: إبليس. وقيل: الحق المواعظ، والباطل: المعاصي، جعل الباطل كصورة صنم سقط عليه حجر ثقيل فوصل إلى دماغه فهلك (١٢٦ /أ) والشجة إذا وصلت إلى أم الدماغ وخرقتها تسمى دامغة، جعل ذلك مثلا لهلاك الباطل وأمن لمآثر الإسلام، والباطل الشرك. ﴿زاهِقٌ﴾ أي: هالك. قوله: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يتعبون ولا يعيون، يقال: حسر البعير: إذا أعيا، ومنه قوله: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٣) قوله: ﴿يُنْشِرُونَ﴾ أي: يحيون الموتى، ومنه قوله - تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٤) وقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ (٥) ومعناه: أن الإله يجب أن يكون قادرا على إحياء الموتى. ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾ ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ﴾

стр. 546

﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ (٢٩) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ قوله: (إلاّ الله) قيل: (إلاّ) بمعنى سوى. وقيل: بمعنى الواو، تقديره: لو كان فيهما آلهة إلا الله ومعهم الله لفسدتا، فعلى الأول يكون إبطالا لاتخاذ الشريك، وعلى الثاني يكون إبطالا لإلهية غير الله لعجزه عما يقدر الله عليه. قوله تعالى: ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ قيل: لا يسأل عن قضائه، والخلق يسألون. قوله: ﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي: بإبطال الشريك ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أهل الكتاب، يشهدون بالتوحيد. قوله: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من أمر الآخرة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا. وقيل: ما قدّموا وأخروا. وقيل: ما قدموا: ما عملوا، وما أخروا: ما لم يعملوا. قوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ﴾ أي: في الدنيا ﴿إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ وقيل: في الآخرة. قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: من الملائكة ﴿إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ دون الله، احتجّ به قوم زعموا أن الأنبياء ليسوا بمعصومين، وكذلك قصة هاروت وماروت، وقصة إبليس وامتناعه من السجود لآدم. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ معناه: أو لم يعلم، فإنهم علموا ذلك من جهة الوحي. قوله: ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا﴾ متصلتين ففتق بين السماوات والأرض بالهواء. وقيل: كانت كل واحدة من السماوات ومن الأرضين مرتتقة متصلة، ففتق بينهن. وقيل: المعنى بفتق السماوات إنزال المطر من السماوات، وإخراج النبات من الأرض. قوله : ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ قيل: جعل حياة كل الحيوان بالماء. وقيل: جعل كل حيوان مخلوقا من النطفة. وقيل: جعل بقاء الحيوانات بالماء وهو عام مخصوص (١٢٦ /ب). ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ﴾

стр. 547

﴿الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ أي: ثابتات. وقيل: مثبتات، فإن الجبال هي التي أرست الأرض. ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ أي: تضطرب. وقيل: تزول. الفجاج: الطريق الواسعة بين جبلين. وقيل: إنها الأعلام التي يهتدى بها، وفي السبل وجهان: أحدهما: الطرق. والثاني: طرق الاعتبار. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ أي: من أن تقع على الأرض. وقيل: محفوظا من الشياطين. قوله : ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قيل: الفلك السماء. وقيل: هو القطب المستدير يدور بدورانه الفلك، ثم قيل: إن السماء تستدير فتستدير بدورانها الكواكب والشمس والقمر. وقيل: السماء لا تتحرك، إنما المتحرك هو الفلك الدائر بالنجوم والكواكب. وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ أي: نعاملكم معاملة المختبر. قوله ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ قيل: الشدة والرخاء. وقيل: الشر: الفقر والمرض. والخير: الغنى. وقيل: الشر: غلبة الهوى على النفس. والخير: العصمة. وقيل: ما تحبون وما تكرهون؛ ليعلم شكركم فيما تحبون وصبركم على ما تكرهون. قوله : ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ قيل: الإنسان آدم، خلقه ولم ينفخ فيه الروح فسأل ربه إحياءه. وقيل: العجل الطين، قال الشاعر [من البسيط]:

стр. 548

والنخل تنبت بين الماء والعجل (١) ... قوله تعالى: ﴿يَكْلَؤُكُمْ﴾ أي: يحفظكم، قال الشاعر [من المنسرح]: إنّ سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها (٢) وظاهر الآية الاستفهام، ومعناها النفي، أي: لا يكلؤكم أحد. قوله - تعالى: ﴿وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: لا يجارون، ومنه قوله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ (٣). وقيل: يحفظون. وقيل: ينصرون. وقيل: ولا يصحبون من الله بخير. ﴿بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً﴾

стр. 549

﴿لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ (٦٤)﴾ قوله - تعالى: ﴿نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها﴾ قيل: بفتح بلاد المشركين. وقيل: بنقصان أهلها وقلة بركتها. وقيل: بموت فقهائها وعلمائها، والقول الثاني والثالث مشكلان، أما الثاني فلقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ولم يكن قد ظهر على المسلمين فتح بلاد؛ لأن هاتين الآيتين من سورتين مكيتين، ولم يحصل فتح في ذلك الزمان. وأما الثالث وهو موت الفقهاء فأي فقيه يتأثر الناس بموته مع حياة رسول الله ﷺ . (١٢٧ /أ) ﴿الْفُرْقانَ﴾ في أصله مصدر فرق يفرق، ويجوز إطلاقه على كل فرق. فقيل: هو التوراة. وقيل: هو البرهان الذي أتى به موسى، ففرق بين حقّ موسى وباطل فرعون (١). ﴿وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقيل: موعظة. وقيل: هو نصر موسى وأشياعه وهلاك فرعون وأتباعه. قوله: ﴿آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ هو النبوة. وقيل: هو أن أوتي العلم صغيرا، فجادل قومه في إبطال مذهبهم بالكوكب والقمر والشمس. قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إيتاء النبوة. وقيل: من قبل موسى وهارون. ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ وكنا بصلاحيته للنبوة وإيتاء الرشد عالمين. قوله: ﴿جُذاذاً﴾ أي: قطعا. قوله: ﴿عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ أي: بمرأى منهم. قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي: يشهدون بما جرى من إبراهيم من الحجة، ومن النمرود من الجدال بالباطل. وقيل: لعلهم يشهدون عليه بما جرى منه من انتقاص أصنامهم. قوله - تعالى: ﴿كَبِيرُهُمْ هذا﴾ مشروط بشرط، هو ﴿إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أي: إذا صلحوا للجواب عن ذلك صلحوا لكسر الأصنام. قوله : ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل: هو حقيقة أن فكّر كلّ واحد في نفسه وشاور رفيقه في ذلك. وقيل: رجع بعضهم إلى بعض؛ كقوله: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ﴾ (٢) أي: لا يخرج بعضكم بعضا.

стр. 550

قوله : ﴿فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ في عبادة من لا يستطيع جوابا. ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩)﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ رجعوا إلى الباطل بعد اعترافهم بالحق. وقيل: رجعوا إلى مجادلة إبراهيم وقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ وقيل: طأطأوا رؤوسهم حين وردت عليهم حجة إبراهيم، فإمّا أن يكون ذلك تعظيما لما جاء به إبراهيم، أو تحقيرا له. قوله - تعالى: ﴿ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً﴾ إن سألتموه النفع ﴿وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ إن تركتم عبادته. ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ مذكور في سبحان (١). قوله - تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تعريض بنسبتهم إلى الجهل، أي: من جادل هذه المجادلة فلا عقل له. وقال ابن عمر ومجاهد وابن جريج: القائل كان كرديّا مقيما ببلاد فارس. وقيل: إنه رجل قال ذلك فخسف الله به الأرض - قاله الماورديّ - فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (٢). (١٢٧ /ب). وقيل: إن إبراهيم لما أوثق ليلقى في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك (٣). وقال ابن عمر: كانت كلمة إبراهيم حينئذ: حسبي الله ونعم الوكيل (٤). وقيل: فما أحرقت النار منه إلا وثاقه (٥). قال ابن جريج: ألقي إبراهيم في النار وعمره ست وعشرون سنة (٦). قال الكلبي: بنوا له أتونا وألقوه فيه بعد أن ملئ نارا، ثم

стр. 551

فتحوه من الغد، فإذا هو لم يحترق منه شيء، وأرض الأتون باردة (١). قال أبو العالية: لو لم يقل: ﴿وَسَلاماً﴾ لأتلفته ببردها، ولو لم يقل: ﴿عَلى إِبْراهِيمَ﴾ لكانت بردا على الناس كلهم إلى يوم القيامة (٢). ﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨)﴾ ولوط هو ابن أخي إبراهيم، فآمن بإبراهيم، ومنه قوله - تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ (٣) وهاجر معه لوط إلى أرض الشام ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ قيل: هي مكة. وقيل: بيت المقدس. وقيل: من أرض العراق إلى أرض الشام. وفي بركتها وجوه: أحدها: أن أكثر الأنبياء بعثوا من بيت المقدس. وقيل: بكثرة خصبها ونموّ نباتها. وقيل: بعذوبة مائها وتفرقه في الأرض من تحتها. وعن بعضهم: ما من عين تظهر في الأرض إلا وينبوعها من بيت المقدس. ﴿نافِلَةً﴾ ولد الولد، وكان يعقوب ولد ولد إبراهيم، والمراد هاهنا ذلك. وقيل: إنها الزيادة في العطاء وإسحاق ويعقوب كلاهما نافلة؛ لأن إبراهيم دعا بطلب الولد فأجيب دعاؤه. قوله: ﴿وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً﴾ قيل: هو القضاء بالحق. وقيل: النبوة ﴿وَعِلْماً﴾ يعني

стр. 552

فقها. قوله - تعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ﴾ قيل: هو اللواط. وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم، ويفعلون الفاحشة التي هي اللواط بحضرة بعضهم لا يتحاشون من إظهارها (١). ﴿وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إبراهيم قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ (٢). ﴿الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ والخسف بمدائنهم ورميهم بالحجارة، ويحتمل: ونجّاه من أذى قومه بإغراقهم، ويحتمل أن نجّاه من رؤية المعاصي في الأرض. قوله - تعالى: ﴿وَنَصَرْناهُ﴾ خلصناه، وإذا جاء معها "من" فهي للتخليص، وإن جاء معها "على" فهي للظهور والاستعلاء. ﴿فِي الْحَرْثِ﴾ كان زرعا وقعت فيه الغنم ليلا. وقيل: كان كرما ظهرت عناقيده. ﴿نَفَشَتْ فِيهِ﴾ رعته (١٢٨ /أ) والنفش: الرعي ليلا، والهمل: رعي النهار (٣). قوله - تعالى: ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ فيه قولان: أحدهما، وهو قول الأكثرين: أن حكم داود وسليمان كان حكما واحدا صوابا اختلف فيه الفهم، فأصاب سليمان، وخفي الصواب عن داود، والأنبياء لا يعصمون من الخطأ ولكن لا يقرون عليه. والثاني: أنه كان حكما اتفقا عليه؛ لأن الله - تعالى - أثنى عليهما. ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ ففضله على داود؛ لأن سليمان أوتي الحكم صغيرا، وداود أوتيه كبيرا، وكان داود قد قضى بالغنم لصاحب الزرع، استدراكا لما أفسدته غنمه، وأما سليمان فرأى أن يكلف صاحب الغنم أن يزرع زرعا، فإذا أدرك الزرع وصار بمنزلته يوم رعي أعيدت الغنم لصاحبها، واستقر الزرع بيد الآخر. وهذه الأحكام كانت في

стр. 553

شريعة من قبلنا فلا يلزمنا العمل بها. قوله: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ قيل: كان تسبيحها أن تسير معه إذا سار. وقيل: صلواتها معه (١). وقيل: هو تسبيح مسموع مفهوم كان داود يسمعه؛ لأنه أوتي علم منطق الطير. قوله : ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ قيل: اللبوس الدروع. وقيل: آلات الحرب كلها. ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ إذا حاربتم أعداءكم. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ استبطاء لشكرهم، وهو استفهام معناه الأمر. ﴿عاصِفَةً﴾ شديدة. وقيل: أصلها أن الريح العاصفة تحمل التبن وتفرقه في أماكن. والعصف: اسم للتبن، ومنه قوله: ﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ (٢) ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ (٣) ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٤). ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ ببعث الأنبياء؛ فإن أكثرهم مبعوث من الشام، أو لأن سائر منابع الماء في الأرض أصله من تحت صخرة بيت المقدس. وقيل: بالخصب والبركات. قوله : ﴿وَأَيُّوبَ﴾ كان له مال وولد فهلك جميعهم ونحل جسده، وانقطع عنه من كان يزوره، وسعى الدود في جسده وهو لا يقطع ذكر الله وتسبيحه، فاستشار إبليس ذريته فيما يبتلي به أيوب، فقالوا له: إنما عصى آدم من قبل ما وسوست لزوجته فافعل مثل ذلك بأيوب وكانت امرأة أيوب تتصدّق من الناس وتطعم أيوب، فجاء إبليس (١٢٨ /ب) على صورة عظيمة، فقال لها: لولا أن ربك غضب على أيوب ما ابتلاه بهذا البلاء، اذبحوا على اسمي وأنا أبرئه لك من المرض، فجاءت إلى أيوب وقالت: يا أيوب أين المال وأين الولد وأين لونك؟ اذبح هذه السخلة على اسم أبي مرة. فقال لها: أتاك الشيطان ووجدك قد أصغيت إليه، والله لئن عوفيت لأجلدنك مائة جلدة، وحرام عليّ أن آكل مما تحضريه شيئا، فانقطعت عنه وبقي ملقى على كناسة، فسجد لله وقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فأصلح الله جسده، وردّ من فقد من أولاده. وقوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ قيل: هو المرض. وقيل: انقطع عنه الوحي أياما فخشي على

стр. 554

نفسه هجران ربه. وقيل: هو الشيطان؛ لقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ (١). ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ (٨٧)﴾ وأفتى الله أيوب أن يضربها بشيء من الضغث وهو الحشيش البالي، ويكون عدده مائة ضغثا ففعل ذلك، وأحيا الله ذريته على ما وصفنا، أحياهم بأعيانهم، ورزقه مثلهم معهم وقيل: أعاد له أمثالهم ولم يعدهم بأعيانهم. قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قيل: هو نبي وهو اليسع. وقيل: ليس نبيّا، بل كان قد كفل لنبي قيل: إنه اليسع بأن يقوم مقامه فوفى بذلك. وقوله - تعالى: ﴿مُغاضِباً﴾ أي: للملك، وكان رجلا لا بأس به. وقيل: مغاضبا لقومه. وقيل: لربه. ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي: وصاحب الحوت؛ كقوله: ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ (٢) وسبب مغاضبته لقومه أنه كان من شرعهم أن من كذب قتل، وكان يونس قد وعد قومه بمجيء العذاب بعد ثلاثة أيام، ثم رفع الله عنهم العذاب بدليل قوله: ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (٣) وقيل: مغاضبته أنه كان في خلقه حرج فتوجه ذاهبا عن قومه من غير استئذان لربه، فكانت تلك معصيته. وقيل: لما حمّل النبوة تفسخ تحتها تفسخ الرّبع (٤) تحت الحمل الثقيل، وقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (٥). وقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: لن نضيق، وقرأ ابن عباس: ﴿أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ بالتشديد (٦) ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ ظلمة

стр. 555

الليل والبحر وبطن الحوت. وقيل: إن حوتا ابتلع الحوت الذي فيه يونس، وأجاز الماوردي (١) أن يراد ظلمة الخطيئة والشدة والوحدة، لكن فيه حمل المشترك على معانيه، وهو لا يجوز (١٢٩ /أ) على المختار ولم يكن ابتلاء يونس عقوبة؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، بل كان تأديبا، وقد يؤدب من لا عقاب عليه، واستجابة الداعي ثواب من الله للداعي. ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)﴾ قوله - تعالى: ﴿وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ قيل: هو من ظلمة الخطيئة، وقيل: من غمّ بطن الحوت، وروي أن الله - تعالى - أوحى إلى الحوت ألا يكسر له عظما ولا يخدش له جلدا، وأني جعلت حبسه تأديبا، وجعلت بطنك محبسا له، ولم أجعله غذاء لك (٢). قيل: أقام في بطنه أربعين يوما (٣). وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: من ارتفاع النهار إلى آخره (٤). وقيل: أربع ساعات (٥). قوله - تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ قيل: كانت عاقرا فصارت ولودا. وقيل: كانت سيئة الخلق فحسّن الله خلقها له. ﴿يُسارِعُونَ﴾ يبادرون ﴿رَغَباً﴾ في ثوابنا ﴿وَرَهَباً﴾ من عقابنا. وقيل: ﴿رَغَباً﴾ ببطون الأكف، و ﴿وَرَهَباً﴾ بظهورها، ويحتمل: رغبة في الخير واستدفاعا للشر، قاله الماورديّ (٦). ﴿خاشِعِينَ﴾ متواضعين. وقيل: هو وضع اليمين على الشمال والنظر إلى موضع

стр. 556

السجود في الصلاة. ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ بالعفاف، فامتنعت عن الفاحشة. وقيل: منعت جيب درعها من جبريل قبل أن تعلم أنه رسول الله . قوله : ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا﴾ أضاف الروح إليه تشريفا. قيل: نفخ جبريل في جيب درعها فحملت لوقتها. قوله : ﴿وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ لأنها حملت من غير مسّ ذكر، وتكلم في المهد بالوحدانية، وبراءة والدته عن الفاحشة، فجعل مجموع ذلك آية، ولو قال: آيات. لجاز. قيل: ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ دينكم، ومعناه: أنكم كلكم أمة واحدة فلا تكونوا إلا على دين واحد. قوله : ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ اختلفوا في أديانهم. قوله : ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ قيل: معناه: وحرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب أنهم لا يرجعون إلى التوبة. وقيل: لا يرجعون إلى الدنيا. ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي: فتح سدّهم. وعن أم سلمة: «استيقظ رسول الله ﷺ من نوم محمرة عيناه، فقال: لا إله إلا الله (١٢٩ /ب) ثلاثا، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه الإبهام والتي تليها» (١). يأجوج ومأجوج من أولاد نوح، واسمهما مشتق من: أجّة النار: صوتها إذا اشتعلت. وقيل: من الماء الأجاج. وهما بعيدان؛ لأن يأجوج ومأجوج غير مصروفين، وهما أعجميان، فكيف يشتق العجم من لغة العرب؟ وكذلك قال من اشتق إبليس من الإبلاس ونوحا من النياحة وقابيل وهابيل وغيرهما من الأسماء الأعجمية. وقيل: إنهم يزيدون على من سواهم بالضّعف. الحدب: ما ارتفع من الأرض.

стр. 557

وقيل: الحدب الفجاج والطرف وهو مأخوذ من حدب الظهر. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون، والنسلان: ضرب من السّير، وفي الذين ينسلون وجهان: أحدهما: يأجوج ومأجوج يخرجون إذا فتح ردمهم. والثاني: أنهم الناس يحشرون إلى الموقف. ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ قيل: الواو في ﴿وَاقْتَرَبَ﴾ زائدة؛ لأنها جواب الشرط ولا مدخل للواو فيه (١). ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قيل: وقودها. وقيل: حطبها، وقرأ ابن مسعود (حضب جهنّم) بالضاد المعجمة الساقطة (٢) يقال: حضبت النار، إذا ألقيت فيها ما يشعلها بعد همودها ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ قيل: الطاعة لله - تعالى - وقيل: السعادة من الله - تعالى. وقيل: الجنة. وقيل: قبول التوبة وهو احتمال للماوردي (٣). ﴿مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم

стр. 558

قيل: هم عيسى والعزير والملائكة الذين عبدوا من دون الله كارهين (١). وقيل: هم عثمان وطلحة والزبير، رواه النعمان بن بشير عن علي بن أبي طالب (٢). وقيل: هي عامة في كل من سبقت له من الله - تعالى - الحسنى (٣). قيل: لما نزل قوله - تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال المشركون: فقد عبدت الملائكة وعيسى والعزير فلآلهتنا بهم أسوة، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ (٤). ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ ذبح الموت. وقيل: النفخة الأخيرة. وقيل: إطباق جهنم على من فيها. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)﴾ ﴿السِّجِلِّ﴾ الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة، قيل: ملك يكتب أعمال العباد. وقيل: هو رجل إنسي كان يكتب لرسول الله ﷺ . ﴿الزَّبُورِ﴾ الكتب التي أنزلها الله - تعالى - على جميع الأنبياء و ﴿الذِّكْرِ﴾ (١٣٠ /أ) التوراة وقيل: ﴿الزَّبُورِ﴾ زبور داود و ﴿الذِّكْرِ﴾ توراة موسى.

стр. 559

قوله : ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ أرض الجنة (١). وقيل: هي الأرض المقدسة (٢). وقيل: هي أرض الدنيا ترثها أمة نبينا ﷺ (٣). ﴿إِنَّ فِي هذا﴾ أي: القرآن. وقيل: التوراة ﴿لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ يثبطهم عن المعاصي ويرغبهم في الطاعة. عابدون: مطيعون. وقيل: عالمون. ﴿رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ هي الهداية والتوفيق. وقيل: هي ما رفع عن هذه الأمة من عذاب الاستئصال. فإن قيل: من المراد بالرحمة؟ قلنا: إن كان المراد بالهداية الرحمة فالمراد الخصوص، وهم المؤمنون. وإن كان المراد ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال فهو باق على عمومه. قوله - تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عن الرسول، أو عن القرآن. قوله - تعالى: ﴿عَلى سَواءٍ﴾ أي: على استواء في الإعلام به، والهاء في ﴿لَعَلَّهُ﴾ تشير إلى تأخير العذاب. ﴿فِتْنَةٌ﴾ أي: هلاك. وقيل: امتحان. ﴿وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ قيل: المراد إلى القيامة. وقيل: إلى الموت. وقيل: إلى أن يحكم الله فيهم بما يشاء. قوله : ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٤) أي: عجّل الحكم بالحق. وقيل: افصل بيننا وبين المشركين بما تظهر به الحق للجميع. ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ قيل: على ما تكذبون. وقيل: على ما تكتمون. ***

стр. 560

سورة الحج [فيها مكيّ وفيها مدنيّ] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ قوله : ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ﴾ قيل: هي زلزلة تقع في الدنيا، وهي من أشراط الساعة. وقيل: إن زلزلة الساعة تكون في وقت النفخ في الصّور. ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أي: لغير فطام وتضع كل ذات حمل حملها لغير تمام. ﴿مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ أي: في دينه بالباطل. وقيل: يردّ النصّ بالقياس. قيل: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث (١). ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ فاعلموا أنا قادرون على أعجب منه وهو صيرورة المني منتقلا إلى علقة ثم مضغة، والمضغة: قدر ما يمضغ من اللحم. ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي: أطفالا. وقوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ المخلقة التي (١٣٠ /ب) تكامل خلقها، وغير المخلقة ما دفعته الأرحام من غير تمام خلق. وقيل: مصورة وغير مصورة. وقيل: المخلقة التي تمت أشهر حملها، وغير المخلقة ما لم يكمل ذلك منها. ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ كيف بداية خلقه وانتقاله في الأطوار. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى تمام خلقه. قوله - تعالى: ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ تفسير الأشد مذكور في سورة يوسف (٢). ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى﴾ أي: قبل أن يبلغ أرذل العمر. وقيل: قبل بلوغ الأشد ﴿أَرْذَلِ﴾

стр. 561

﴿الْعُمُرِ﴾ قيل: هو الهرم. وقيل: إلى مثل حاله حين خروجه من بطن أمه في الضعف. وقيل: ذهاب العقل ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ قيل: لا يستذكر وينسى ما كان عالما به. وقيل: لا يعقل بعد عقله الأول شيئا. ﴿هامِدَةً﴾ يابسة لم تنبت. وقيل: الدراسة، والهامد: الدارس. ﴿اِهْتَزَّتْ﴾ استبشرت. وقيل: اهتز نباتها. ﴿وَرَبَتْ﴾ قيل: معناه: أضعف نباتها. وقيل: انتفخت لظهور نباتها فعلى هذا الوجه يكون في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، وعلى الأول لا تقديم فيه ولا تأخير. والزوج: الصنف، أي: أنبتت أصنافا مختلفة. ﴿بَهِيجٍ﴾ يعني: حسن الصورة. ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)﴾ قوله - تعالى: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي: لاو عنقه إعراضا عن الله - تعالى - ورسوله ﷺ . وقيل: عادل جانبه كبرا عن الإجابة، والجانب يسمى عطفا، يقال: فلان ينظر في أعطافه، أي: في جوانبه. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: بتكذيبه للرسول وإعراضه عن القبول. وقيل: كانت له قينة وكان إذا رأى شخصا قد مال إلى الإسلام أحضره طعامه وشرابه وغنته مغنيته، ويقول له: هذا خير لك مما يدعوك إليه محمد ﷺ (١). ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ أي: على شك. وقيل: على طمع. وقيل: على ضعف في العبادة كالقائم على حرف ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن قوما من المنافقين آمنوا بألسنتهم ثم ارتدّوا بعد إسلامهم. والثاني: ناس

стр. 562

ممن حول المدينة قالوا: نأتي محمدا، ونعتبر أحواله فإن ظهر لنا صدقه اتبعناه وإلا رجعنا إلى أماكننا (١٣١ /أ) فالرجوع على العقب - على القول الأول - هو الردة، وعلى الثاني: رجوعهم إلى أهليهم. وقيل: إن ناسا كانوا يسلمون وينتظرون ما يتجدّد فإن ولدت امرأة الرجل غلاما وولدت فرسه مهرة ونتجت ماشيته - استمرّ على دين الإسلام، وقال: هذا دين مبارك. وإن ولدت امرأته أنثى وفرسه مهرا وقل نفع ماشيته من درّها ونسلها رجع إلى مكانه الأول ولم يستقر على دين الإسلام (١). المولى والعشير: المراد بهما الصنم، والعشير: المعاشر، ومنه سمي الزوج عشيرا، قال النبي ﷺ في النساء: «إنّهنّ يكثرن اللّعن ويكفرن العشير» (٢). ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ قوله : ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ الضمير في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ المراد به الرسول ﷺ . وقيل: ﴿لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ لن يرزقه، يقال: أرض منصورة إذا مطرت (٣). والضمير على (من ظن) وقيل: لن ينصر الله أرضه: أي: لن يمطرها، والنصر في غير هذا المكان في الدنيا هي الغلبة، وفي الآخرة بظهور الحجة ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ﴾ الآية ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ بحبل ﴿إِلَى السَّماءِ﴾ ذات الكواكب ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ الوحي عن أن ينزل على النبي ﷺ إن استطاع ذلك. وقيل: فليمدد بحبل إلى سماء بيته وهو سقفه فليعلق نفسه فيه ثم ليقطع الحبل، فإن ذلك لا يفيده فيما

стр. 563

طلب، ولا يزيل غضبه فيما غضب لأجله. قوله : ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ﴾ أي: فيدخله النار ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ينجيه ويدخله الجنة. وقيل: يكرم من يشاء يجعله في ديوان أهل السعادة ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ينقله إلى ديوان السعادة. ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي: من ثواب وعقاب. وقيل: يهين من يشاء بالانتقام ويكرم من يشاء بالإنعام. الخصمان هاهنا فريقان، نزلت في المشركين والمسلمين حين اقتتلوا ببدر. وقيل: نزلت في الذين بارزوا يوم بدر، وهم ثلاثة من المسلمين قاتلوا يوم بدر، برز إليهم عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث، وبارزهم عتبة وشيبة والوليد ابن عم رسول الله ﷺ ، فقتل علي وحمزة خصمهما، واختلف ابن الحارث وغريمه ضربتين فقطع عبيدة يد خصمه وكرّ عليّ وحمزة على الخصم الباقي فقتلاه بعد أن انقطعت رجله فتفاخر أقرباؤهم، فنزلت الآية (١). وهذا القول يدل على أن هذه الآية مدنية، والمشهور أن السورة مكية. وقيل: نزلت في المسلمين وأهل الكتاب (١٣١ /ب) قال أهل الكتاب: كتابنا ونبينا أسبق، فقال المسلمون: نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على كتابكم فنزلت (٢). وقيل: نزلت في الكفار غير أهل الكتاب لاختلافهم في البعث والجزاء (٣). وقيل: اختصمت الجنة والنار، فقالت النار: خلقت لعقوبة من كفر بالله ورسوله، وقالت الجنة: خلقت لثواب أهل البر وأولياء الله (٤). ﴿ثِيابٌ مِنْ نارٍ﴾ أحاطت بهم كإحاطة الثوب بلابسه. ﴿الْحَمِيمُ﴾ الماء الحار، قال الشاعر [من المتقارب]: كأنّ الحميم على متنها ... إذا اغترفته بأطساسها جمان يجول على فضّة ... جلته حدائد دوّاسها (٥) والتعذيب بالماء الحار غير التعذيب بالنار؛ لأن الماء الحار ينضج لحومهم والنار تحرقها.

стр. 564

﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ ﴿يُصْهَرُ﴾ أي: يذاب. وقيل: ينضج. ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ لا إله إلا الله. وقيل: الإيمان. وقيل: القرآن. وقيل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ قيل: هو لا إله إلا الله. وقيل: هو الإسلام. ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ فقوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾ يريد به المحيط بالكعبة، وجعله للناس، أي: قبلة لهم ومنسكا للحج. وقيل: جعلناه للناس سواء في شرعية الطواف واستقبال القبلة. وقيل: الناس سواء في دور مكة لا يجوز بيعها وهو مذهب أبي حنيفة. وقيل: الناس سواء في تحريم صيد الحرم وعضد شجره (١). والإلحاد: الميل عن الحق والباء في ﴿بِإِلْحادٍ﴾ زائدة؛ كزيادتها في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٢). قيل: ومن خواص الحرم: أنه يؤاخذ الإنسان بما يريد أن يفعله من المعاصي، فيؤاخذ بإرادتها، وظاهر الآية الأول، قال الشاعر في زيادة الباء [من الرجز]: نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج (٣) أي: نرجو الفرج. الإلحاد بالظلم: الشرك بالله - تعالى - وقيل: هو استحلال الحرام فيه. وقيل: هو احتكار الطعام بمكة.

стр. 565

وقيل: نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب ومن معه من المشركين، صدوا رسول الله ﷺ عن عمرته عام الحديبية (١). ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ قوله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾ أي: عرفناه مكانه، بأن بعث الله سحابة (١٣٢ /أ) فوقفت حيال موضع الكعبة، وقيل لإبراهيم: ابن على ظلّها. وقيل: بعث الله ريحا فكنست موضع الكعبة خاصة (٢). ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ أي: من الشرك. وقيل: من الفرث والدم، وكانوا يبقون ذلك في المسجد إذا ذبحوه قربانا للكعبة وقيل: من قول الزور. قوله : ﴿وَالْقائِمِينَ﴾ أي: في الصلاة. وقيل: المقيمين بمكة والركوع والسجود في الصلاة. وفي هذه الآية تلويح بأن الصلاة في البيت جائزة. وقيل: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ يعني: قلبك. وقيل: وطهره بالقيام بحجج الله - تعالى - وإبطال الشبه عنها (٣). ﴿وَأَذِّنْ﴾ أي: أعلم، فروي أن إبراهيم صعد جبل أبي قيس وقال: يأيها الناس إن الله قد بنى بيتا فحجّوه، فلا يحجه إلى يوم القيامة إلا من أجاب دعوة إبراهيم (٤). وقيل: أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا (٥). ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾
следующие страницы →