﴿الْعُمُرِ﴾ قيل: هو الهرم. وقيل: إلى مثل حاله حين خروجه من بطن أمه في الضعف. وقيل:
ذهاب العقل ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ قيل: لا يستذكر وينسى ما كان عالما به.
وقيل: لا يعقل بعد عقله الأول شيئا. ﴿هامِدَةً﴾ يابسة لم تنبت. وقيل: الدراسة، والهامد: الدارس. ﴿اِهْتَزَّتْ﴾ استبشرت. وقيل: اهتز نباتها. ﴿وَرَبَتْ﴾ قيل: معناه: أضعف نباتها. وقيل: انتفخت لظهور نباتها فعلى هذا الوجه يكون في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: فإذا أنزلنا عليها الماء ربت واهتزت، وعلى الأول لا تقديم فيه ولا تأخير. والزوج:
الصنف، أي: أنبتت أصنافا مختلفة. ﴿بَهِيجٍ﴾ يعني: حسن الصورة.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)﴾
قوله - تعالى: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي: لاو عنقه إعراضا عن الله - تعالى - ورسوله ﷺ .
وقيل: عادل جانبه كبرا عن الإجابة، والجانب يسمى عطفا، يقال: فلان ينظر في أعطافه، أي:
في جوانبه. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: بتكذيبه للرسول وإعراضه عن القبول. وقيل: كانت له قينة وكان إذا رأى شخصا قد مال إلى الإسلام أحضره طعامه وشرابه وغنته مغنيته، ويقول له: هذا خير لك مما يدعوك إليه محمد ﷺ (١). ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ﴾ أي: على شك.
وقيل: على طمع. وقيل: على ضعف في العبادة كالقائم على حرف ﴿فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن قوما من المنافقين آمنوا بألسنتهم ثم ارتدّوا بعد إسلامهم. والثاني: ناس
стр. 562
ممن حول المدينة قالوا: نأتي محمدا، ونعتبر أحواله فإن ظهر لنا صدقه اتبعناه وإلا رجعنا إلى أماكننا (١٣١ /أ) فالرجوع على العقب - على القول الأول - هو الردة، وعلى الثاني:
رجوعهم إلى أهليهم. وقيل: إن ناسا كانوا يسلمون وينتظرون ما يتجدّد فإن ولدت امرأة الرجل غلاما وولدت فرسه مهرة ونتجت ماشيته - استمرّ على دين الإسلام، وقال: هذا دين مبارك. وإن ولدت امرأته أنثى وفرسه مهرا وقل نفع ماشيته من درّها ونسلها رجع إلى مكانه الأول ولم يستقر على دين الإسلام (١).
المولى والعشير: المراد بهما الصنم، والعشير: المعاشر، ومنه سمي الزوج عشيرا، قال النبي ﷺ في النساء: «إنّهنّ يكثرن اللّعن ويكفرن العشير» (٢).
﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾
قوله : ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ الضمير في ﴿يَنْصُرَهُ﴾ المراد به الرسول ﷺ . وقيل:
﴿لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ لن يرزقه، يقال: أرض منصورة إذا مطرت (٣). والضمير على (من ظن) وقيل: لن ينصر الله أرضه: أي: لن يمطرها، والنصر في غير هذا المكان في الدنيا هي الغلبة، وفي الآخرة بظهور الحجة ﴿مَنْ كانَ يَظُنُّ﴾ الآية ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ بحبل ﴿إِلَى السَّماءِ﴾ ذات الكواكب ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ الوحي عن أن ينزل على النبي ﷺ إن استطاع ذلك. وقيل: فليمدد بحبل إلى سماء بيته وهو سقفه فليعلق نفسه فيه ثم ليقطع الحبل، فإن ذلك لا يفيده فيما
стр. 563
طلب، ولا يزيل غضبه فيما غضب لأجله. قوله : ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ﴾ أي: فيدخله النار ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ينجيه ويدخله الجنة. وقيل: يكرم من يشاء يجعله في ديوان أهل السعادة ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ينقله إلى ديوان السعادة. ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي: من ثواب وعقاب.
وقيل: يهين من يشاء بالانتقام ويكرم من يشاء بالإنعام.
الخصمان هاهنا فريقان، نزلت في المشركين والمسلمين حين اقتتلوا ببدر. وقيل: نزلت في الذين بارزوا يوم بدر، وهم ثلاثة من المسلمين قاتلوا يوم بدر، برز إليهم عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث، وبارزهم عتبة وشيبة والوليد ابن عم رسول الله ﷺ ، فقتل علي وحمزة خصمهما، واختلف ابن الحارث وغريمه ضربتين فقطع عبيدة يد خصمه وكرّ عليّ وحمزة على الخصم الباقي فقتلاه بعد أن انقطعت رجله فتفاخر أقرباؤهم، فنزلت الآية (١).
وهذا القول يدل على أن هذه الآية مدنية، والمشهور أن السورة مكية. وقيل: نزلت في المسلمين وأهل الكتاب (١٣١ /ب) قال أهل الكتاب: كتابنا ونبينا أسبق، فقال المسلمون:
نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على كتابكم فنزلت (٢). وقيل: نزلت في الكفار غير أهل الكتاب لاختلافهم في البعث والجزاء (٣).
وقيل: اختصمت الجنة والنار، فقالت النار: خلقت لعقوبة من كفر بالله ورسوله، وقالت الجنة: خلقت لثواب أهل البر وأولياء الله (٤). ﴿ثِيابٌ مِنْ نارٍ﴾ أحاطت بهم كإحاطة الثوب بلابسه. ﴿الْحَمِيمُ﴾ الماء الحار، قال الشاعر [من المتقارب]:
كأنّ الحميم على متنها ... إذا اغترفته بأطساسها
جمان يجول على فضّة ... جلته حدائد دوّاسها (٥)
والتعذيب بالماء الحار غير التعذيب بالنار؛ لأن الماء الحار ينضج لحومهم والنار تحرقها.
стр. 564
﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾
﴿يُصْهَرُ﴾ أي: يذاب. وقيل: ينضج. ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ لا إله إلا الله.
وقيل: الإيمان. وقيل: القرآن. وقيل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾ قيل: هو لا إله إلا الله. وقيل: هو الإسلام.
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾ فقوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾ يريد به المحيط بالكعبة، وجعله للناس، أي: قبلة لهم ومنسكا للحج. وقيل: جعلناه للناس سواء في شرعية الطواف واستقبال القبلة. وقيل: الناس سواء في دور مكة لا يجوز بيعها وهو مذهب أبي حنيفة.
وقيل: الناس سواء في تحريم صيد الحرم وعضد شجره (١). والإلحاد: الميل عن الحق والباء في ﴿بِإِلْحادٍ﴾ زائدة؛ كزيادتها في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٢).
قيل: ومن خواص الحرم: أنه يؤاخذ الإنسان بما يريد أن يفعله من المعاصي، فيؤاخذ بإرادتها، وظاهر الآية الأول، قال الشاعر في زيادة الباء [من الرجز]:
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج (٣)
أي: نرجو الفرج. الإلحاد بالظلم: الشرك بالله - تعالى - وقيل: هو استحلال الحرام فيه.
وقيل: هو احتكار الطعام بمكة.
стр. 565
وقيل: نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب ومن معه من المشركين، صدوا رسول الله ﷺ عن عمرته عام الحديبية (١).
﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾
قوله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾ أي: عرفناه مكانه، بأن بعث الله سحابة (١٣٢ /أ) فوقفت حيال موضع الكعبة، وقيل لإبراهيم: ابن على ظلّها.
وقيل: بعث الله ريحا فكنست موضع الكعبة خاصة (٢). ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ أي:
من الشرك. وقيل: من الفرث والدم، وكانوا يبقون ذلك في المسجد إذا ذبحوه قربانا للكعبة وقيل: من قول الزور. قوله : ﴿وَالْقائِمِينَ﴾ أي: في الصلاة.
وقيل: المقيمين بمكة والركوع والسجود في الصلاة. وفي هذه الآية تلويح بأن الصلاة في البيت جائزة. وقيل: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ يعني: قلبك. وقيل: وطهره بالقيام بحجج الله - تعالى - وإبطال الشبه عنها (٣). ﴿وَأَذِّنْ﴾ أي: أعلم، فروي أن إبراهيم صعد جبل أبي قيس وقال:
يأيها الناس إن الله قد بنى بيتا فحجّوه، فلا يحجه إلى يوم القيامة إلا من أجاب دعوة إبراهيم (٤). وقيل: أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا (٥).
﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾
стр. 566
وقيل: الخطاب في قوله: ﴿وَأَذِّنْ﴾ لنبينا محمد ﷺ ، أمر أن يعرف الناس بوجوب الحج عليهم (١). ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً﴾ أي: مشاة، والرجال: جمع راجل.
﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ أي: ركبانا على كل جمل مهزول، وهو المراد بالضامر؛ لأنه لا يصل البعير إليه حتى يصير ضامرا. ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ أي: طريق ﴿عَمِيقٍ﴾ أي: بعيد.
﴿مَنافِعَ لَهُمْ﴾ قيل: هو شهود المواقف وقضاء المناسك. وقيل: هي مغفرة الذنوب. وقيل:
هي التجارة في الدنيا والأجر في الآخرة. قوله : ﴿فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ قيل:
إنها عشر ذي الحجة وآخرها يوم النحر، وهو مذهب الشافعي.
وقيل: هي أيام التشريق الثلاثة. وقيل: هي يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر (٢). ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ أي: على ما رزقهم من تحليل ذبائح الأزواج الثمانية من بهيمة الأنعام.
قوله : ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا﴾ قيل: الأكل والإطعام واجبان. وبه قال أبو الطيب بن سلمة (٣). وقيل: مستحبان. وبه قال الشافعي ﵀، فإن أطعم جميعه جاز وإن أكل الكل لم يجزه، وهذا كله في الدماء المستحبة، أما ما كان فدية لشيء من محظورات الحج لا يحل أكل شيء منه، بل يفرق جميعه على الفقراء (٤).
стр. 567
﴿الْبائِسَ الْفَقِيرَ﴾ قيل: الفقير: الزّمن (١). وقيل: الفقير: الذي به ضر الجوع.
وقيل: الذي يستنكف (١٣٢ /ب) من مجالسته.
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾
﴿تَفَثَهُمْ﴾ التفث: مناسك الحج.
وقيل: حلق الرأس. وقيل: رمي الجمار. وقيل: إزالة الأجرام من تقليم ظفر وأخذ شعر واستعمال طيب. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ طواف الركن، ويسمى طواف الإفاضة، ركن من أركان الحج، فمن تركه بقي على إحرامه إلى أن يأتي به، وأما طواف القدوم فسنة، كتحية المسجد إذا دخله بركعتين، وأما طواف الوداع ففيه قولان مشهوران للشافعي (٢).
وسمّي البيت عتيقا لأن الله - تعالى - أعتقه من استيلاء الجبابرة. وقيل: عتق من الغرق في الطوفان؛ لأن الله - تعالى - رفعه إلى سمائه قبل الطوفان. وقيل: لأنه قديم، وهو أول بيت وضع للناس، بناه آدم وأعاده إبراهيم ﵇ بعد الطوفان. قوله - تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ﴾ أي: ففعل ما أمر به وانتهى عما نهي عنه.
قوله - تعالى: ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أي: تحريمه من المنخنقة والموقوذة وما بعدها.
وقيل: من البحائر والسوائب (٣). ﴿الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ هو عبادتها، أي: اجتنبوا عبادة الأوثان. وقيل: معناه: اجتنبوا الأوثان، فإنها من الرجس.
﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾ قيل: هو الشرك. وقيل: هو شهادة الزور، وفي الحديث: «عدلت
стр. 568
شهادة الزّور الإشراك بالله» (١) وتلا هذه الآية. وقيل: هو الكذب. وقيل: هو أعياد المشركين. وقيل: هو النفاق؛ لأن المنافق يقول بلسانه ما ليس في قلبه وهو كذب.
﴿حُنَفاءَ لِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾
﴿حُنَفاءَ لِلّهِ﴾ أي: مسلمين لله. وقيل: مخلصين. وقيل: حجاجا.
﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ﴾ أي: غير مرائين بأعمالكم. وقيل: هو نهي عما كانت العرب تقوله في التلبية، يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.
قوله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ﴾ أي: فرائضه. وقيل: معالم دينه، فقيل: هي مناسك الحج، وهي البدن المشعرة، وتعظيمها: استحسانها واستسمانها. وقيل: هي دين الله كله، وتعظيمها: التزامها. ﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: من إخلاصها.
قوله - تعالى: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إن أريد الهدى فالأجل النحر، وإن أريد الحجّ فالمراد التحلل. ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١٣٣ /أ) أي: محل ذبحها.
قوله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً﴾ والمنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد، ومناسك الحج مواضع معتادة يتردد إليها الحاجّ. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه الهدي، إذا قيل: المنسك الحج. والثاني: الأضاحي إذا قيل المنسك العيد.
стр. 569
قوله : ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قيل: المطمئنين. وقيل: المتواضعين.
وقيل: الخاشعين، والفرق بين الخشوع والتواضع أن الخشوع في الأبدان، والتواضع في الأخلاق. وقيل: المخلصين. وقيل: المجتهدين في العبادة. وقيل: هم الذين لا يظلمون، وإن ظلموا لم ينتصروا. ﴿وَالْبُدْنَ﴾ المشهور أنها الإبل. وقيل: الإبل والبقر وقيل: هي الإبل والبقر والغنم وهو شاذ، حكاه الماورديّ (١) عن ابن شجرة (٢).
وعن بعض المتصوفة أن البدن: تطهير بدنك من المعاصي، والشعائر: استشعار تقوى الله - تعالى - وطاعته (٣). ﴿لَكُمْ فِيها خَيْرٌ﴾ قيل: أجر. وقيل: منفعة، إن احتاج إلى ظهرها ركب أو إلى لبنها شرب.
قوله: ﴿صَوافَّ﴾ وهي قراءة الجمهور معناها: قائمة تصفّ بين أيديها بالقيود.
وقيل: معقولة. ومن قرأ (صوافي) أراد الصّفاء من الشّبه، ومن قرأ (صوافن) (٤) فهي القائمة على ثلاثة من الخيل الصّافنات الجياد. قوله - تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾ أمر استحباب عند الجمهور، وقال ابن سلمة: هو للوجوب (٥) ﴿الْقانِعَ﴾ السائل ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ المتعرض
стр. 570
الذي لا يسأل. وقيل: القانع الجالس في بيته لا يسأل، والمعترّ الذي يسأل.
﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾
قوله : ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها﴾ أي: لن يصعد إليه لحومها ﴿وَلا دِماؤُها﴾ وكانوافي الجاهلية إذا نحروا الهدايا استقبلوا بدمائها الكعبة ولطخوا بدمائها الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل ذلك فنهوا عنه.
قوله : ﴿كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ أي: ذللناها لكم ﴿لِتُكَبِّرُوا اللهَ﴾ أي:
لتذكروا اسمه عند الذبح ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ أي: أرشدكم إليه من حجكم ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: بالقبول. وقيل: بالجنة. قوله : ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بنور السنة ظلمات البدعة. قوله : (١٣٣ /ب) ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ يعني: المشركين بالمسلمين. وقيل: ولولا دفع الله - تعالى - عن الدين بالمجاهدين وقيل: ولولا دفع الله بشهادة الشهود عن الحدود. وقيل: ولولا دفع الله عن النفوس بالقصاص. وقيل: ولولا دفع الله المنكر بالمعروف. الصوامع للرهبان: وقيل: مصلى الصابئة، وسميت صومعة لانضمام طرفها والمنصمع: المنضم ﴿وَبِيَعٌ﴾ قيل: هي متعبد النصارى. وقيل: كنائس اليهود، والبيعة اسم أعجميّ عرّب. والصلوات كنائس اليهود، يسمونها صلوات. وقيل: وتركت صلوات المساجد للمسلمين، ومعنى الدفع أنه لولا دفع الله الكفار بالمجاهدين لاستولى الكفار على بلاد المسلمين وهدموا مساجدهم. وقيل: لهدّمت صوامع في أيام شريعة موسى، وبيع في أيام شريعة عيسى، ومساجد في أيام شريعة محمد ﷺ ، ويكون المراد: لهدّم في كل شريعة الموضع الذي يعبد الله - تعالى - فيه.
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣)﴾ ﴿وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾
стр. 571
﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾
البئر المعطلة: قيل: هي التي غار ماؤها. وقيل: هي الخالية من أهلها لهلاكهم.
وقيل: لعدم الرشاء والسّقاء (١). المشيد: الحصين. وقيل: عالي البناء. وقيل: المشيد المجصص، وتقديره: وقصر مشيد معطل، وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب الآبار ملوك البدو، أي: وأهلكنا هؤلاء وهؤلاء ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ فيه دليل على أن محل العقل هو القلب (٢). ﴿يَسْمَعُونَ بِها﴾ أخبار الأمم المكذبين المهلكين. ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ﴾ أي عن الهدى. ﴿وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ عن الاهتداء. وقيل: لا تعمى الأبصار عن الاعتبار، ولكن القلوب عن الانزجار. وقيل: نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى، وهو عبد الله بن زائدة (٣).
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أي: يستبطئون نزوله بهم استهزاء منهم. ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ﴾ أي: لن يؤخر عذابه عن وقته. قوله : ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ أي:
من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. وقيل: إن طول يوم من أيام الآخرة كطول ألف سنة (١٣٤ /أ) من أيام الدنيا. وقيل: إن التعذيب في يوم من أيام الآخرة كألف سنة من التعذيب في الدنيا، أي: في الشدّة.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ﴾
стр. 572
﴿رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا﴾ أي: بتكذيب القرآن وعنادهم في الدين. قوله :
﴿مُعاجِزِينَ﴾ أي: مثبطين لمن أراد اتباع النبي ﷺ ومن قرأ ﴿مُعاجِزِينَ﴾ (١) أي: مشاقين.
وقيل: مسارعين. وقيل: معاندين.
قوله : ﴿إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: إذا حدّث نفسه بشيء ألقى الشيطان في أمانيه. وقيل: ﴿إِذا تَمَنّى﴾ أي: قرأ ألقى الشيطان في قراءته، قال الشاعر [من الطويل]:
تمنّى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر (٢)
وروي أن النبي ﷺ لما نزل عليه سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ قرأها النبي ﷺ في المسجد، فلما انتهى إلى قوله: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ (٣) ألقى الشيطان على لسانه «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» حتى ختم وسجد، وسجد معه المسلمون والمشركون، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى وجهه فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، ورضي بذلك كفار قريش، فأنكر جبريل ﵇ على النبي ﷺ ما قرأه من الزيادة، وشقّ ذلك عليه، فأنزل الله - تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ (٤) أي: يرفعه ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ﴾ أي: يثبتها، وما
стр. 573
قرأه النبي ﷺ كان على وجه السهو. وقيل: قرأه في نعاسه. وقيل: إن بعض المنافقين قرأه فتخيل الناس أنه من قراءة النبي ﷺ . وقيل: إنما قال: كالغرانيق العلى يعني: الملائكة، شبّههنّ بهن، وإن شفاعتهن لترتجى، أي: في اعتقادكم (١).
قوله : ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن المعنى في اللفظين سواء، وإنما جمع بينهما؛ لأن الأنبياء من البشر خاصة والرسل يكونون من الملائكة ومن الناس. وقيل: معناهما مختلف وأن الرسول أعلى منزلة
﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ والذين في قلوبهم مرض: المنافقون، و ﴿وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ الكفار. ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي: في شكّ. ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ قيل: هي القيامة.
وقيل: ساعة موتهم. ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة. وقيل: وقعة بدر، والعقيم قيل:
هو الشديد. وقيل: الذي لا مثل له ولا عديل لقتال الملائكة فيه. قوله : ﴿ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ قيل: نزلت في قوم من المشركين لقوا جماعة من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فحملوا عليهم فناشدهم المسلمون الله ألا يقاتلونهم في الشهر الحرام فأبوا، فأظهر الله - تعالى - المؤمنين عليهم (١). وقيل: مثّل المشركون بمن قتل في وقعة أحد من المسلمين ففعل بهم رسول الله ﷺ مثل ذلك (٢).
قوله : ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الحقّ هو الله - تعالى - وقيل: معناه أن الله ذو الحق. وقيل: معناه أن عبادته حق. ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ﴾ قيل: هو إبليس. وقيل: الأوثان. ﴿مَنْسَكاً﴾ أي: عيدا. وقيل: مواضع الحج والعمرة. وقيل: المذبح. وقيل: المنسك: المتعبّد في سائر أنواعه وأماكنه.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾
قوله : ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ المراد به ما يأتي من سلب الذباب ما على الأصنام من الطيب. وقيل: ليس هاهنا مثل مضروب، ومعنى الكلام: أنهم ضربوا لله
стр. 576
مثلا في عبادة غيره، قاله الأخفش (١) وهو بعيد؛ لقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ قيل: هم الأصنام. وقيل: هم كبراؤهم، وهم الذين أطاعتهم السفلة في التكذيب. وقيل: الشياطين الموسوسون بالضلال. وإنما خص الذباب بالذكر لحقارته واستقذاره، وأنه إذا ذبّ آب (١٣٥ /أ) فإذا كان بهذه المثابة في الحقارة ولم يقدر كبراؤهم على استنقاذ ما أخذه الذباب منهم، فكيف تعبدون غير الله؟! ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قيل: الطالب: الآلهة، والمطلوب: ما استنقذه الذباب. وقيل: الطالب: هو الذي استنقذ منه الذباب والمطلوب: هو المسلوب. قوله : ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموه حق عظمته. وقيل: ما عرفوه حقّ معرفته.
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من أمر الآخرة ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي: من أمر الدنيا.
وقيل: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمور السماء ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ من أمور الأرض.
﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ أي: اعملوا لله - تعالى - حق عمله. وقيل: أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر.
وقوله: ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ كقوله - تعالى: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ (٢).
قيل: نسخت بقوله - تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) وقيل: هي محكمة، والمراد فيما استطاعوا. ﴿اِجْتَباكُمْ﴾ اختاركم لدينه ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق. جاء في الحديث:
«بعثت بالحنيفيّة السمحة» (٤) فوسع أمر المعاصي بالتوبة، وأمر الأيمان بالكفارة. وقيل: هو
стр. 577
قصر الصلاة والفطر في الصوم في السفر، والصحيح العموم في جميع ذلك. قوله - تعالى:
﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ أي: وسّع عليكم في الدين كما وسّع على أبيكم إبراهيم في الدين.
وقيل: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ كفعل أبيكم إبراهيم. وقيل: إن دين إبراهيم لازم لأمة محمد ﷺ وداخلة في دينه قوله - تعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل نزول القرآن.
﴿وَفِي هذا﴾ أي: وفي هذا القرآن يشير به إلى قوله: ﴿رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (١).
قوله : ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾ أي: في إبلاغ الرسالة ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ بأنكم بلغتم إليهم ما بلغتكم الرسل. وقيل: ليكون الرسول شهيدا عليكم بأعمالكم، وتكونوا شهداء على الناس بأن الرسل قد بلغوا إليهم ما بلغتهم من الرسالة.
قوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ﴾ أي: امتنعوا بالله. وقيل: تمسكوا بدين الله - تعالى.
﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ (١٣٥ /ب) أي: مالككم. وقيل: متولي أموركم.
قوله : ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى﴾ حين لم يمنعكم الرزق بالمعاصي. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ حين أعانكم لمّا أطعتموه، والله أعلم بالصواب.
***
стр. 578
سورة المؤمنون [مكية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)﴾
قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الفلاح البقاء، قال لبيد [من السريع]:
لو كان حيّ مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرّماح (١)
قيل: أراد بقاءهم في الجنة. وقيل: بقيت لهم أعمالهم فلم تبطل. وقيل: الفلاح الفوز بالجنة. وروى عمر ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل، فأنزل عليه مرّة، فلما سرّي عنه استقبل القبلة ورفع يديه، وقال: اللهمّ زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض علينا، ثم قال: لقد أنزل عليّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنة، ثم قرأ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾» (٢) ﴿خاشِعُونَ﴾ قيل: خائفون. وقيل: خاضعون.
وقيل: غضّ البصر وخفض الجناح. وقيل: أن يجعل نظره إلى موضع سجوده، ولا يجاوزه.
وفي محل الخشوع قولان: أحدهما: القلب. والثاني: القلب والبصر معا.
﴿اللَّغْوِ﴾ الباطل. وقيل: الكذب. وقيل: الشتم، وكان كفار مكة يشتمون المؤمنين فأمر المؤمنون بالإعراض عن شتمهم (٣). قوله : ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم إلا من له منزلان: منزل في الجنّة، ومنزل في النار، فإن مات ودخل
стр. 579
النار ورث أهل الجنة منزله، وإن مات ودخل الجنة ورث منزله، فذلك قوله :
﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾ ثمّ بيّن ما يرثون فقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ (١) الفردوس:
اسم من أسماء الجنة. وقيل: هو أعلى الجنان. وقيل: جبل في الجنة تتفجر أنهار الجنة من تحته. وقيل: هو البستان، وهو روميّ عرّب. وقيل: هو الكرم وهو عربيّ (٢).
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)﴾
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ قيل: أراد آدم خلقه من تراب. (١٣٦ /أ) وقيل: المراد كل إنسان؛ لأنه يرجع في نسبه إلى آدم وهو من التراب. وقيل: لأن كل إنسان استلّ من نطفة أبيه. والسلالة من كل شيء: صفوته التي تستل منه.
وقال الزجاج (٣) السلالة: القليل مما ينسل، وحكى الكلبي أن السلالة: الطين الذي إذا اعتصرته بين أصابعك خرج منه شيء. وقيل: السلالة: التراب (٤). قال أمية بن أبي الصلت [من الكامل]:
خلق البرية من سلالة منتن ... وإلى السّلالة كلها ستعود (٥)
﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ النطفة هي بعض ماء الذكر المصبوب في الرحم، وقد ينطلق اسم النطفة على كل ماء. والقرار: الرحم، والمكين أي: قد هيئ لاستقراره فيه.
стр. 580
العلقة: الدم الطريّ الذي خلق من النطفة، سمي علقة؛ لأنه أول أحوال العلوق، وإنما عرّفنا الله - تعالى - كيفية انتقال الولد في الأطوار؛ ليعلمك عظيم النعمة في إيجادك ونقلك من حال إلى أكمل منها. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ أي: بنفخ الروح فيه. وقيل: بنبات الشعر. وقيل: بأنه ذكر أو أنثى. وقيل: بتكامل أسنانه. وقيل: بالعقل والتمييز. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁:
أنه لما نزلت هذه الآية إلى قوله - تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال عمر ﵁: فتبارك الله أحسن الخالقين فنزل قوله - تعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ (١).
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٨)﴾
﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ أي: سبع سماوات ﴿طَرائِقَ﴾ قيل: مطابق بعضها فوق بعض.
وقيل: لأن مدارات الأفلاك متعددة، ولكلّ واحد طريقة في سيره. ﴿غافِلِينَ﴾ أي: من سقوط السماء عليهم. قوله : ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ﴾ هي شجرة الزيتون، خصّها بالذكر لعموم منافعها في الاستصباح والادّهان والائتدام بها.
стр. 581
﴿سَيْناءَ﴾ هي البركة، فكأنه قال: شجرة مباركة. وقيل: هي الحسنة المنظر.
وقيل: الكثيرة الشجر. وقيل: اسم الجبل الذي كلّم الله - تعالى - عليه موسى.
وقيل: المرتفع (١) مأخوذ من قولهم: هذا سيني، أي: مرتفع القدر؟ وسيناء أعجميّ معرّب، أو عربيّ؟ فيه وجهان. قوله: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ أي: يأتدمون به قوله : ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا﴾ (١٣٦ /ب) قيل: ما سمعنا بمثل دعوته. وقيل: ما سمعنا بمثله بشيرا أتى برسالة ربه، وفي قوله ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ وجهان: أحدهما: أنه أول أب (٢)؛ لأنه أول أب ولدك. والثاني: أنه الأدنى؛ لأنه أقرب فصار هو الأول.
قوله : ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ إلى أن يستبين جنونه. ﴿التَّنُّورُ﴾ تنور الخبز. وقيل: طلوع الفجر. وقيل: هو مثل ضربه الله - تعالى، ولا فوران ثمّ ولا تنّور، وكذلك قول النبي ﷺ : «الآن حين حمي الوطيس» (٣) والوطيس التنور وكقولهم: قامت الحرب على ساق، ولا ساق ثمّ.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦)﴾
стр. 582
﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾
﴿مُنْزَلاً﴾ بضمّ الميم بمعنى المصدر، أي: نزولا، ومن فتح الميم (١) أراد موضع النزول.
قوله : ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ قيل: إن نوحا ﵇ قال ذلك حين ركب في السفينة فدعا بالبركة والسلامة. وقيل: قاله عند نزوله من السفينة ودعا بحصول الماء والشجر والبركة فيه.
﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ يموت قوم ويحيا قوم. وقيل: يموت قوم ويولد قوم. وقيل: فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ونحيا ونموت ﴿وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿غُثاءً﴾ هلكى، والغثاء: البالي من الشجر. وقيل: ورق الشجر إذا ابتلّ وجفّ. وقيل: هو ما احتمله الماء من الزبد والوسخ.
قوله : ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وضع المظهر وهو ﴿الظّالِمِينَ﴾ موضع المضمر، وتقديره: فبعدا لهم من الرحمة. وقيل: المراد بالبعد: الزيادة في العذاب والهلاك. قوله : ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ﴾ قيل: هم قوم صالح أرسل إليهم صالحا.
وقيل: قوم هود أرسل إليهم هودا.
﴿تَتْرا﴾ أي: يتبع بعضهم بعضا. وقيل: منقطعين بين كل اثنين زمن طويل وتترى مشتق من الوتر، وهو الفرد. وقيل: من وتر القوس لاتصاله بمكانه. وقيل: هو من التواتر. قوله : ﴿عالِينَ﴾ أي: متكبرين. وقيل: قاهرين. وقيل: ظالمين.
﴿وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ مطيعون. وقيل: خاضعون. وقال الحسن: كان بنو إسرائيل يعبدون فرعون، وفرعون يعبد الأصنام (٢).
الربوة: ما ارتفع من الأرض، ولا تسمّى ربوة إلا إذا اخضرّت بالنبات، وإن لم تنبت قيل
стр. 583
لها نشز. (١٣٧ /أ) وقيل: الربوة الرّملة. وقيل: دمشق. وقيل: بيت المقدس. وقيل: مصر (١).
﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أي: ذات ثمار. وقيل: ذات معيشة تستقرون بها فيها وقيل: ذات منازل.
المعين: الجاري. وقيل: الظاهر المرئي بالعين وهو مشتق من الإمعان، إذا قيل إنه عبارة عن الجري. وقيل: مشتق من الماعون.
﴿يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أي: فرقوا دينهم وكانوا شيعا ﴿زُبُراً﴾ أي: قطعا. وقيل: كتبا أي:
أخذ كلّ قوم كتابا آمن به وكفر بما سواه. ﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾ أي: بما اختاروه من الكتب. وقيل:
بأموالهم وأولادهم. ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أي: في ضلالتهم ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أي: إلى الموت. وقيل: إلى وقعة بدر.
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ﴾ رجاء مسارعة لهم في الخيرات؟ ليس الأمر كذلك، ولا يعلمون أنه استدراج. قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ﴾ أي: الزكاة.
وقيل: أعمال البر. ﴿وَجِلَةٌ﴾ خائفة. قوله : ﴿أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ أي:
يخافون عقوبة ربهم. وقيل: يخافون ألا يتقبل عملهم، روته عائشة ﵂ مرفوعا (٢). ﴿يُسارِعُونَ﴾ يسابقون. وقيل: يستكثرون من عمل البر. ﴿وَهُمْ لَها﴾ أي: إلى الجنّة
﴿إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٩٤) وَإِنّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥)﴾
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي: بالحرم (١). السمر: الحديث ليلا، والسمر: ضوء القمر.
قوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ أي: تهجرون الحق بالإعراض عنه. وقيل: تهجرون بالقول القبيح من الكلام (٢)، وفي المعنى قولان: أحدهما: إنكار تسامرهم بالإزراء على الحق في ظهوره لهم. والثاني: إنكار أمنهم حتى تسامروا في ليلهم والخوف أحق بهم.
﴿بِالْحَقِّ﴾ الحق هو الله - تعالى، قاله الأكثرون. وقيل: (١٣٧ /ب) إنه التنزيل، أي: لو نزل القرآن بما يريدون لفسدت السماوات والأرض. قوله : ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ لأنها مخلوقة بالحق، فالباطل أفسد لها.
قوله : ﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ أي: بشرفهم؛ لأن القرآن نزل بلغتهم والرسول ﷺ منهم. وقيل: بتذكيرهم وموعظتهم. ﴿لَناكِبُونَ﴾ أي: لمعرضون قوله : ﴿حَتّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ نصره المؤمنين على الكفار ببدر. ﴿ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: خلقكم. وقيل: خلقكم ونشركم.
قوله : ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي: الطول والقصر. قوله :
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: خزائنه، والملكوت مبالغة في الملك.
﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أي: يمنع ولا يمنع منه في الدنيا ولا في الآخرة.
قوله : ﴿فَأَنّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: فمن أي وجه تصرفون عن التصديق بالبعث.
стр. 586
وقيل: فكيف تكذبون فيخيل إليكم الكذب حقّا.
﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)﴾
قوله - تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالإغضاء عن إساءة المسيء. وقيل: ادفع الفحش بالسلام. وقيل: ادفع المنكر بالموعظة. وقيل: امح السيئة بالحسنة، وهذه الآية وإن كانت خاصة بالنبي ﷺ فالمقصود به جميع الأمة.
قوله : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ أي: من وسوستهم.
وقيل أذاهم بالصرع. ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ﴾ أي: من قدّامهم. ﴿بَرْزَخٌ﴾ حاجز، ومنه قوله:
﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ (١) والمراد بالحاجز: ما بين الموت والبعث. وقيل: بين الدنيا والآخرة.
وقيل: بين الميت ورجوعه إلى الدنيا. وقيل: هو ما بين النفختين، وهو أربعون سنة (٢). ﴿فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يتعارفون؛ لشدة الهول ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾ أي: لا يسأل أحد أحدا أن يعينه. وقيل: لا يسأل أحد أحدا عن خبره لاشتغاله بنفسه. قوله : ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ﴾
стр. 587
﴿عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ فيها وجهان:
أحدهما: الهوى (١٣٨ /أ). الثاني: حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق.
الخاسئ: الصاغر الذليل. وقيل: المبعد. ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: في رفع العذاب عنكم.
وقيل: إنهم زجروا عن الكلام غضبا عليهم. قال الحسن: فهو آخر كلام يتكلم به أهل النار (١). ﴿سِخْرِيًّا﴾ بالضم من التسخير، وبكسر السين من الاستهزاء، وقد قرئ بهما (٢).
﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ (١١٨)﴾
﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في مدة حياتكم في الدنيا. استقصروها؛ لشدة عذاب الآخرة.
وقيل: سؤال عن لبثهم في القبور.
﴿الْعادِّينَ﴾ قيل: هم الملائكة. وقيل: الحسّاب. قوله : ﴿فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: إن حسابهم على الله - تعالى. وقيل: إن مكافأتهم على ربهم، ومنه قولهم:
حسبي الله، أي: كفاني. والله أعلم.
***
стр. 588
سورة النور [مدنية]
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾
قوله : ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْناها﴾ خصّها بهذا الافتتاح؛ لأن المقصود بها الزجر، فافتتحت بجلد الزاني وحد القاذف ولعان الزوج إذا لم يكن له بينة على قذفها، فابتدئت بالأغلظ كما في قوله - تعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) وقيل: بدئ بها تشريفا للنبي ﷺ ببراءة زوجاته مما قذفن به.
والسورة اسم للمنزلة الشريفة قال الشاعر [من الطويل]:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب (٢)
قرئ ﴿وَفَرَضْناها﴾ بالتشديد والتخفيف (٣)، فمن قرأ بالتشديد فمعناه التكثير فيما فرض فيها، ومن قرأ بالتخفيف فمعناه التقدير، كقوله - تعالى: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ (٤).
وقيل: أراد بالتخفيف ما فرض فيها من الأحكام، وفصل من الحلال والحرام.
﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾
وبدأ بذكر الزانية؛ لغلبة الشهوة على النساء، أو لأنه من النساء أقبح وأضر؛ لما يخشى من
стр. 589
الحبل وإلحاق الولد. جلد مائة حدّ الزاني البكر، وأضافت إليه السّنّة التغريب، ولم توجبه على الثّيّب. ومنع أبو حنيفة من ثبوت الجلد على البكر؛ لأن الله - تعالى - اقتصر على مائة جلدة والزيادة على النص نسخ عنده (١)، والحجة في نفي الجلد عن الثيّب أن النبي ﷺ رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما، ورجمت الصحابة بعده ولم يجلدوا (٢) (١٣٨ /ب) قوله : ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: تنفذون حكم رسول الله ﷺ . قوله :
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: أقلهم أربعة، قاله مالك والشافعي. وقيل: ثلاثة فصاعدا، قاله الزهري. وقيل: اثنان، قاله عكرمة. وقيل: واحد، قاله الحسن، وهو ضعيف؛ لأن الواحد لا يسمّى طائفة (٣). قوله : ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية، قيل: نزلت مخصوصة في رجل معيّن من المسلمين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها أم مهزول، وكانت بغيّا، وكان لها راية، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، وشرطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية فيه (٤).
وقيل: نزلت في أهل الصّفة، كانوا في صفة المسجد، وهم نحو من أربعمائة رجل، وكان بالمدينة بغايا معلنات بالفسق، فالتمسوا أن يتزوجوا منهن ليأووا في مساكنهنّ ويأكلوا من طعامهنّ، فنهوا عن ذلك (٥). وقيل: معناه: أن الزاني لا يزني إلا بزانية، والزانية لا يزني بها إلا زان. وقيل: كان ذلك حكما في أول الإسلام فنسخ بقوله - تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ (٦). وقال الحسن: المراد: الزانية والزاني المحدودين فلا ينكح المحدود غير محدودة،
стр. 590
ولا تنكح المحدودة غير محدود، روي ذلك مرفوعا (١).
قوله : ﴿وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيل: الزنى. وقيل: نكاح الزواني.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧)﴾
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾ يعني بالزنى، وحدّ القذف بالزنى ثمانون، وهو حق للآدمي يسقط بعفوه عند الشافعي ﵀، وقال أبو حنيفة: هو من حقوق الله - تعالى. وقيل:
هو مشترك بين حق الله - تعالى - وحق الآدمي (٢). والتوبة من القذف تدفع الفسق ولا تسقط الحد، قال مالك والشافعي والجمهور: إذا تاب القاذف قبلت شهادته قبل الحدّ وبعده لارتفاع فسقه. وقال القاضي شريح: لا تقبل شهادته أبدا لا قبل الحدّ، ولا تقبل بعده. وقال النخعي (٣): تقبل شهادته بعد الحد ولا تقبل (١٣٩ /أ) قبله.
стр. 591
وقال الشّعبيّ (١): تقبل توبته ولا تقبل شهادته (٢). والتوبة من القذف أن يندم على ما فرط فيه، ويصلح أعماله ولسانه. وقيل: توبته إكذابه نفسه (٣) وهو ضعيف؛ لأنه قد يكون صادقا في قذفه، فإذا أكذب نفسه فإكذابه نفسه كذب. وأبيح للزوج إذا قذف زوجته أن يلاعن فيسقط الحد عن نفسه وتبين منه المرأة، وفي سبب ذلك قولان:
أحدهما: أنها نزلت بسبب هلال بن أمية جاء إلى النبي ﷺ فقال: «جئت إلى أهلي فوجدت مع امرأتي رجلا، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فنزلت هذه الآية (٤)».
والثاني: أنها نزلت بسبب عويمر العجلاني قال: يا رسول الله رجل وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه به؟ أم كيف يصنع؟ فنزلت هذه، فقال النبي ﷺ : «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فتلاعنا» (٥).
ثم قيل: اللعان يمين، عبر بالشهادة عن القسم، ولو كان شهادة ما جاز أن يشهد لنفسه.
﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾
стр. 592
﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾
وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة فردّ لعان الكافر والعبد، ولو كانت شهادة ما جاز أن يشهد لنفسه، فإذا لاعنت المرأة سقط حد الزّنى عنها (١) لقوله - تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُا﴾ أي: يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذابَ﴾ الآية، قيل: ﴿الْعَذابَ﴾ الحد. وقيل: الحبس.
قوله : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ قيل: المراد ب ﴿فَضْلُ اللهِ﴾ الإسلام، وب ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ القرآن. وقيل: المراد ب ﴿فَضْلُ اللهِ﴾ منته، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ نعمته. قوله :
﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ﴾ أي: بالكذب. وقيل: الإثم. العصبة: المراد هاهنا زعماء الإفك الذين خاضوا فيه، وهم حسان بن ثابت الشاعر، ومسطح بن أثاثة، وعبد الله بن أبي بن سلول، وزيد بن رفاعة، وحمنة بنت جحش (٢). وفي المراد بقوله: ﴿لا تَحْسَبُوهُ﴾ قولان:
أحدهما: يا عائشة وصفوان (٣) لأنهما المقذوفان. والثاني: أن المراد به النبي ﷺ وأبو بكر وعائشة ﵉ (٤). قوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ﴾ الكبر بضم الكاف: معظم الشيء، وبكسر الكاف (٥) مأثمه. وفي الّذي تولّى كبره قولان:
أحدهما: أنه عبد الله بن أبي بن سلول والعذاب العظيم: جهنم (٦). والثاني: أنه مسطح
стр. 593
ابن أثاثة والعذاب العظيم: ذهاب بصره في الدنيا (١). ﴿لَوْلا جاؤُ﴾ أي: هلاّ جاءوا - لو كانوا صادقين - بأربعة شهداء يشهدون بما قالوه (١٣٩ /ب).
قال بعض المفسرين: لم يحد رسول الله ﷺ أحدا من أهل الإفك؛ لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو بينة، وأما إخبار الله - تعالى - بإفكهم فلا يقام به الحد، وإن كان العلم فيه قطعا، كما لا يقتل المنافق وإن أخبر الله بنفاقه.
وقال آخرون: حد رسول الله ﷺ في الإفك عبد الله ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ولبعضهم في ذلك [من الطويل]:
لقد ذاق حسّان الّذي كان أهله ... وحمنة إذ قالا هجيرا ومسطح (٢)
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا﴾
стр. 594
﴿وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾
قوله : ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي: تشيعون ذكره في المجالس حتى ينتشر.
وقيل: تتلقونه بالقبول إذا حدّث به ولا تنكرونه، وروي عن عائشة ﵂ أنها كانت تقرأ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ بكسر اللام وتخفيف القاف (١)، ومعناه: ترددونه وهو مأخوذ من الولق، وهو الإسراع، أي: تسرعون في الكذب وغيره. ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ آثاره. وقيل خطاياه. وقيل: يخطّي الشيطان الإنسان من الطاعة إلى المعصية.
قوله : ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ أي: لا يقصر. وقيل: لا يحلف، من قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ (٢) أي: يحلف. وقرئ (ولا يتألّ) (٣) أي: لا يحلف.
وفي الحديث: «من يتألّ على الله يكذّبه» (٤) وهذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ كان ينفق على مسطح بن أثاثة، فلما خاض في الإثم ونشره حلف أبو بكر ﵁ أن لا يبّره، وكان ابن خالته، فنزلت الآية، فقال أبو بكر: «والله إني أحب أن يغفر الله لي» فعاد إلى برّه وكفّر عن يمينه (٥).
﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾
قوله : ﴿الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية فيه ثلاثة أقوال:
стр. 595
أحدها: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.
والثاني: الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الأعمال، والطيبات من الأعمال للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الأعمال. الثالث: أن الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام (١٤٠ /أ) والطيبون من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلام. ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى الطيبين، أو إلى أهل البيت.
وقالت عائشة ﵂: «أعطيت تسعا ما أعطيتهنّ امرأة: نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ ، وتزوجني بكرا، وتوفي ورأسه في حجري، وقبر في بيتي، وحفّت به الملائكة في بيتي، وكان ينزل عليه وهو معي في لحاف، وإني لابنة خليفة رسول الله ﷺ وصدّيقه، ونزل عذري من السماء، وخلقت طيبة عند طيب، ووعدت مغفرة ورزقا كريما» (١).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾
﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ من الاستئناس نقيض الاستيحاش؛ لقوله - تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (٢) وقيل: هو بمعنى الاستعلام والاستكشاف، استفعل من قولهم: أنس بالشيء. إذا علمه ظاهرا منكشفا؛ كقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ (٣) ﴿آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً﴾ (٤). تقول: استأنست فلم أر أحدا. أي: حتى يظهر لكم الإذن، ويجوز أن يراد أن يتعرّف هل ثم إنسان؟
وروي «أن يتكلم بكلمة أو يتنحّم فيظهر له أنّ ثمّ إنسان» (٥) والتسليم يستحب فيه أن
стр. 596
يكون ثلاث مرات. وروي أن النبي ﷺ قال: «الاستئذان ثلاث» (١).
و «استأذن رجل على النبي ﷺ فقال: أألج؟ فأشار إلى امرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلّميه كيف يستأذن يقول: السّلام عليكم أأدخل؟» (٢).
وكان الرجل في الجاهلية إذا جاء منزل قوم يقول: حييتم صباحا، وحييتم مساء. فجاء الإسلام بالاستئذان والسلام، وهذا باب من آداب الشريعة قد أهمله الناس.
وروي أن رجلا قال للنبي ﷺ : «إن أمي ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها؟ قال:
أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا، قال: فاستأذن» (٣).
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾
قوله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها﴾ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه. قوله : ﴿فَارْجِعُوا﴾ أي: لا تلحّوا في طلب الإذن، ولا تقفوا على الأبواب تنتظرون الإذن؛ فإنّ ذلك يشق على أصحاب الإذن، ومنه قوله - تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ (٤) فإن عرض عارض من حريق أو ظهور منكر أو سارق فهذا مستثنى بالدليل.
ثم توعّد المخاطبين بهذه الأحكام بأنه أعلم بما يقولون (١٤٠ /ب) وبما يذرون فيجازيهم استثنى من البيوت المسكونة الخانات والفنادق والربط، فأجاز دخولها بغير
стр. 597
استئذان، والمتاع: الانتفاع والاستكنان من الحر والبرد وصيانة المتاع عن المطر والثلج، و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ مزيدة عند الأخفش دون سيبويه (١) ومع ذلك احترز به عن أول نظرة، وعن استعراض الجارية في البيع، ورؤية الوجه واليدين في المعاملة، وغير ذلك مما استثنى، وقال أبو زيد: كل ما في القرآن من حفظ الفرج المراد به الصيانة عن الزنى إلا هاهنا، فإن المراد هاهنا التستّر (٢).
والنساء مأمورات بغض الأبصار. وروي: «أن النبي ﷺ دخل عليه ابن أمّ مكتوم وعنده
стр. 598
ميمونة وأخرى من نساء النبي ﷺ وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فدخل علينا فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول الله: أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه» (١)؟ وقدّم النهي عن النظر ومدّ البصر على حفظ الفرج؛ لأنه وسيلة إلى الزّنى، وأكثر الوقوع في الزّنى إنما هو بسبب النظر.
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾
قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة: ما يتزين به، فإن كانت العورة تظهر بظهوره فهو حرام، وإلا فلا يحرم، كالقراميل (٢) وهي ما يعمل في الشعر من العقاص المذهبة، وقدم النهي عن الزينة مطلقا ولم يفصل، ليعلم أن النساء مأمورات بزيادة التحفظ، فإذا نهين عن الزينة فالموضع الذي تقع عليه الزينة أولى بالتحفظ، ألا ترى أن الزينة لو وقعت على الأرض ولم ينكشف شيء من العورة فلا مقال في حله.
وقوله: ﴿إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ أي: ما جرت العادة بظهوره. كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن، وكن يسدلن الخمار من ورائهن، فأمرن أن يسدلنه من أمامهن، قالت عائشة: «رحم الله نساء الأنصار لما سمعن بنزول هذه الآية قطعن من خمرهنّ ما سدلنه من أمامهنّ وسترن الصدور والنّحور» (٣). وقرئ (جيوبهنّ) بكسر الجيم (٤) لأجل
стр. 599
الياء، كالبيوت والعيون، وعن ابن عباس ﵁: لا يحل لامرأة مسلمة أن تتكشف بين يدي كافرة؛ عملا بقوله - تعالى: ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ (١) أي: نساء المؤمنات. وأجازه آخرون قياسا.
قوله: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ وأباح للمرأة (١٤١ /أ) أن تظهر عليها عبدها، وقالت عائشة لعبدها ذكوان: «إذا دفنتني وتركتني في القبر فأنت حر» (٢). وهناك من منع من ذلك لحصول الفتنة فيه. وروي: «أن معاوية دخل على زوجته ميسون بنت بحدل الكلابية ومعه خصي، فتسترت الزوجة منه، فقال معاوية لها: هو خصي، فقالت: أترى المثلة به تحلل ما حرم الله؟ (٣).
ومنع أبو حنيفة من بيع الخصيان واستخدامهم، ولم ينقل عن أحد من السلف إمساكهم، واحتج أبو حنيفة بأنه إذا خصي العبد ازداد في ثمنه للدخول على النساء، فيكون الخصاء سببا في المثلة، فمنع منه (٤).
فإن قيل: روي أنه أهدي لرسول الله ﷺ خادم فقبله (٥).
قلنا: الحديث ضعيف، وإن صح فهو محمول على أنه قبله ليعتقه (٦).
﴿الْإِرْبَةِ﴾ الحاجة، يعني: الذين يتبعونك ليصيبوا من طعامك، ولا حاجة بهم إلى النكاح. وقيل: الشيوخ الهرمون، وقرئ (غير) بنصب الراء على الاستثناء أو الحال، وبالجر (٧) على الوصفية.
стр. 600
﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ قيل: المراد لم يقووا، من قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (١) أو من ظهر على الشيء: اطلع عليه، كأنهم لا يفرقون بين العورة وبقية الجسد، من قوله - تعالى: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ﴾ (٢) أي: وأطلعه. قيل: لم يذكر العم والخال؛ لأنهما قد يصفانه لابنيهما، وذلك ليس بمحرم، لكنه قد يدعو إلى ما لا يحل، وهو مما أمر النساء به لزيادة التحفظ. وقيل: كانت المرأة تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم ذلك، فنهين عنه.
واعلم أن أوامر الله - تعالى - ونواهيه لا يقدر العبد الضعيف على أن يوفيها حقها من التحفظ؛ فلذلك وصى المؤمنين جميعا بالتوبة والاستغفار. قوله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ﴾ التوبة واجبة بهذا الأمر، قال بعضهم: يجب على الإنسان كلما ذكر المعصية أن يجدد التوبة؛ لأن الاستمرار على الندم على المعصية واجب.
وقرئ (أيه المؤمنون) بضم الهاء (٣).
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾
﴿الْأَيامى﴾ جمع أيم، وهي التي لا زوج لها، والنكاح مستحب، وأوجبه داود.
والأحاديث والآثار تشهد لاستحبابه، فمن ذلك قوله ﷺ : «من أحبّني فليستنّ بسنّتي» (٤) ولأنه قضاء لذة تصبر النفس عنها فلم تجب، كأكل الطيب، ولبس الناعم، وربما كان (١٤١ /ب) واجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة. وواجب الفعل إذا دعت المرأة إلى تزويجها من كفء فيجب على الولي إجابتها (٥). فإن قيل: لم خص الصالحين في قوله: