← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

يكون ثلاث مرات. وروي أن النبي ﷺ قال: «الاستئذان ثلاث» (١). و «استأذن رجل على النبي ﷺ فقال: أألج؟ فأشار إلى امرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلّميه كيف يستأذن يقول: السّلام عليكم أأدخل؟» (٢). وكان الرجل في الجاهلية إذا جاء منزل قوم يقول: حييتم صباحا، وحييتم مساء. فجاء الإسلام بالاستئذان والسلام، وهذا باب من آداب الشريعة قد أهمله الناس. وروي أن رجلا قال للنبي ﷺ : «إن أمي ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا، قال: فاستأذن» (٣). ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ قوله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها﴾ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه. قوله : ﴿فَارْجِعُوا﴾ أي: لا تلحّوا في طلب الإذن، ولا تقفوا على الأبواب تنتظرون الإذن؛ فإنّ ذلك يشق على أصحاب الإذن، ومنه قوله - تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ (٤) فإن عرض عارض من حريق أو ظهور منكر أو سارق فهذا مستثنى بالدليل. ثم توعّد المخاطبين بهذه الأحكام بأنه أعلم بما يقولون (١٤٠ /ب) وبما يذرون فيجازيهم استثنى من البيوت المسكونة الخانات والفنادق والربط، فأجاز دخولها بغير

стр. 597

استئذان، والمتاع: الانتفاع والاستكنان من الحر والبرد وصيانة المتاع عن المطر والثلج، و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَبْصارِهِمْ﴾ مزيدة عند الأخفش دون سيبويه (١) ومع ذلك احترز به عن أول نظرة، وعن استعراض الجارية في البيع، ورؤية الوجه واليدين في المعاملة، وغير ذلك مما استثنى، وقال أبو زيد: كل ما في القرآن من حفظ الفرج المراد به الصيانة عن الزنى إلا هاهنا، فإن المراد هاهنا التستّر (٢). والنساء مأمورات بغض الأبصار. وروي: «أن النبي ﷺ دخل عليه ابن أمّ مكتوم وعنده

стр. 598

ميمونة وأخرى من نساء النبي ﷺ وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فدخل علينا فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول الله: أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه» (١)؟ وقدّم النهي عن النظر ومدّ البصر على حفظ الفرج؛ لأنه وسيلة إلى الزّنى، وأكثر الوقوع في الزّنى إنما هو بسبب النظر. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة: ما يتزين به، فإن كانت العورة تظهر بظهوره فهو حرام، وإلا فلا يحرم، كالقراميل (٢) وهي ما يعمل في الشعر من العقاص المذهبة، وقدم النهي عن الزينة مطلقا ولم يفصل، ليعلم أن النساء مأمورات بزيادة التحفظ، فإذا نهين عن الزينة فالموضع الذي تقع عليه الزينة أولى بالتحفظ، ألا ترى أن الزينة لو وقعت على الأرض ولم ينكشف شيء من العورة فلا مقال في حله. وقوله: ﴿إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾ أي: ما جرت العادة بظهوره. كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن، وكن يسدلن الخمار من ورائهن، فأمرن أن يسدلنه من أمامهن، قالت عائشة: «رحم الله نساء الأنصار لما سمعن بنزول هذه الآية قطعن من خمرهنّ ما سدلنه من أمامهنّ وسترن الصدور والنّحور» (٣). وقرئ (جيوبهنّ) بكسر الجيم (٤) لأجل

стр. 599

الياء، كالبيوت والعيون، وعن ابن عباس ﵁: لا يحل لامرأة مسلمة أن تتكشف بين يدي كافرة؛ عملا بقوله - تعالى: ﴿أَوْ نِسائِهِنَّ﴾ (١) أي: نساء المؤمنات. وأجازه آخرون قياسا. قوله: ﴿أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ﴾ وأباح للمرأة (١٤١ /أ) أن تظهر عليها عبدها، وقالت عائشة لعبدها ذكوان: «إذا دفنتني وتركتني في القبر فأنت حر» (٢). وهناك من منع من ذلك لحصول الفتنة فيه. وروي: «أن معاوية دخل على زوجته ميسون بنت بحدل الكلابية ومعه خصي، فتسترت الزوجة منه، فقال معاوية لها: هو خصي، فقالت: أترى المثلة به تحلل ما حرم الله؟ (٣). ومنع أبو حنيفة من بيع الخصيان واستخدامهم، ولم ينقل عن أحد من السلف إمساكهم، واحتج أبو حنيفة بأنه إذا خصي العبد ازداد في ثمنه للدخول على النساء، فيكون الخصاء سببا في المثلة، فمنع منه (٤). فإن قيل: روي أنه أهدي لرسول الله ﷺ خادم فقبله (٥). قلنا: الحديث ضعيف، وإن صح فهو محمول على أنه قبله ليعتقه (٦). ﴿الْإِرْبَةِ﴾ الحاجة، يعني: الذين يتبعونك ليصيبوا من طعامك، ولا حاجة بهم إلى النكاح. وقيل: الشيوخ الهرمون، وقرئ (غير) بنصب الراء على الاستثناء أو الحال، وبالجر (٧) على الوصفية.

стр. 600

﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ قيل: المراد لم يقووا، من قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (١) أو من ظهر على الشيء: اطلع عليه، كأنهم لا يفرقون بين العورة وبقية الجسد، من قوله - تعالى: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ﴾ (٢) أي: وأطلعه. قيل: لم يذكر العم والخال؛ لأنهما قد يصفانه لابنيهما، وذلك ليس بمحرم، لكنه قد يدعو إلى ما لا يحل، وهو مما أمر النساء به لزيادة التحفظ. وقيل: كانت المرأة تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم ذلك، فنهين عنه. واعلم أن أوامر الله - تعالى - ونواهيه لا يقدر العبد الضعيف على أن يوفيها حقها من التحفظ؛ فلذلك وصى المؤمنين جميعا بالتوبة والاستغفار. قوله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ﴾ التوبة واجبة بهذا الأمر، قال بعضهم: يجب على الإنسان كلما ذكر المعصية أن يجدد التوبة؛ لأن الاستمرار على الندم على المعصية واجب. وقرئ (أيه المؤمنون) بضم الهاء (٣). ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ ﴿الْأَيامى﴾ جمع أيم، وهي التي لا زوج لها، والنكاح مستحب، وأوجبه داود. والأحاديث والآثار تشهد لاستحبابه، فمن ذلك قوله ﷺ : «من أحبّني فليستنّ بسنّتي» (٤) ولأنه قضاء لذة تصبر النفس عنها فلم تجب، كأكل الطيب، ولبس الناعم، وربما كان (١٤١ /ب) واجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة. وواجب الفعل إذا دعت المرأة إلى تزويجها من كفء فيجب على الولي إجابتها (٥). فإن قيل: لم خص الصالحين في قوله:

стр. 601

﴿وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ﴾؟ قلت: ليحصن دينهم، ويحفظ عليهم صلاحهم. قوله : ﴿وَاللهُ واسِعٌ﴾ ذو سعة ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يبسط الرزق له. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ وليجتهد في العفة ﴿لا يَجِدُونَ نِكاحاً﴾ أي: استطاعة تزوج ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال. ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ﴾ يطلبون الكتابة، وفي إعراب «﴿وَالَّذِينَ﴾» قولان: الرفع [على الابتداء] والنصب بإضمار فعل يدل عليه قوله: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ ﴿وَآتُوهُمْ﴾ وفي المأمور بإيتائه قولان: أحدهما: الزكاة؛ لقوله - تعالى: ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ (١) أو يحط عن المكاتب بعض ما عليه وذلك واجب عند الشافعي، ويجوز عند أبي حنيفة إن كان على مال حالّ ومؤجل، ومنجّم وغير منجّم؛ لأن الله - تعالى - أطلق جواز الكتابة. وعند الشافعي لابد من تأجيله، وأقل آجاله نجمان فصاعدا، وإجابة المكاتب إلى الكتابة سنة. وقيل بوجوبها (٢). قوله : ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ أي: قدرة على الكسب. وقيل: أمانة، ويجوز للسيد أن يأخذ من المكاتب ما تصدق به عليه. وكان لعبد الله بن أبي رأس النفاق ست جوار يكرههنّ على البغاء، وضرب عليهن ضرائب فشكت ثنتان منهن إلى النبي ﷺ ، فنزلت (٣). وكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة،

стр. 602

وفي الحديث: «لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي، فإنّ كلّكم عبيد لله» (١). وإنما زاد قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ فإن الإكراه على البغاء لا يتصور مع إرادتهن له. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهن. قيل: لهم ولهن. ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ ﴿آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ أي: آيات هذه السورة، أو آيات القرآن. وقرئ ﴿مُبَيِّناتٍ﴾ بكسر الياء (٢). ﴿وَمَثَلاً﴾ من أمثال من قبلكم أو قصة عجيبة من قصصهم. ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ﴾ أي: هادي من في السماوات والأرض. وقيل: خالق نورهما من شمس وقمر، والأول أظهر؛ لقوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ و ﴿يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ﴾ وقد جعل نفسه نورا مبالغة، ونظير هذه الآية: زيد جود محض يعين الفقير، ويجبر الكسير (١٤٢ /أ) شبه الحق في ثبوته وظهوره بالنور ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ كصفة مشكاة، وهي الكوة في الجدار غير النافذة ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ سراج ضخم ثاقب. ﴿الزُّجاجَةُ﴾ شديدة الصفاء شبيهة بالدراري الكبار كالمشتري والزهرة والمريخ وسهيل. ﴿يُوقَدُ﴾ هذا المصباح ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ أي: أن ماءه من شجرة مباركة. يعني: كثيرة المنافع، أو لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها. يتعاقب عليها الشمس والقمر وهو أضوأ لدهنها. وقيل: ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها فقط أو غروبها فقط بل تصيبها بالغداة والعشي جميعا، يعني أن هذا النور قد اجتمع فيه صغر المشكاة وانسداد صدرها، وصفاء الزجاجة فصارت كالكوكب، وصفاء الزيت بحيث ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ فإذا اجتمعت هذه الأوصاف صلح أن يشبّه به نور الله في القلب، فهو تشبيه مفرد بمركب،

стр. 603

ومن لم يتدبر فهو كالأعمى. وعن علي ﵁: نشر الله فيها الحق وبثه فأضاءت بنوره، أو نور قلوب أهلها به (١). وعن أبي بن كعب: مثل نور من آمن به (٢). وقرئ (زجاجة) بفتح الزاي (٣) وقرئ (درّيء) بكسر الدال والهمز (٤)، أي: دفاع للظّلمة؛ كقوله: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ﴾ (٥) أي: يدفعه. ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يتعلق بما قبله، أي: كمشكاة في بعض بيوت الله، وهي المساجد. وقيل: متعلق بما بعده، أي: يسبح له في بيوت. قوله : ﴿أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: يرفع بناؤها؛ كقوله: ﴿بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها﴾ (٦) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (٧). وعن الحسن: ما أمر الله أن ترفع بالبناء ولكن بالتعظيم (٨). ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦)﴾ ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قيل: يتلى فيها كتابه، وقرئ (يسبّح) بفتح الباء (٩) على البناء للمفعول، ويسند الفعل إلى أحد الظروف الثلاثة أي: له، وفيها، وبالغدو. و ﴿رِجالٌ﴾

стр. 604

مرفوع بما دل عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾ أي: يسبحه رجال. ﴿وَالْآصالِ﴾ جمع أصيل، وهو العشي وقرئ (بالإيصال) (١) وهو الدخول في الأصيل. التجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، ويجوز أن يريد: لا يشتغلون بالتجارة؛ لأنه لا مال لهم فيتجرون به، ويحتمل أن يشتغلوا (١٤٢ /ب) بالتجارة، ولكن لا يشغلهم ذلك عن ذكر الله. ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩)﴾ ﴿وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾ أصله: إقامة الصلاة. وتقلب القلوب والأبصار أي: زاغت عن محلها كقوله: ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ (٢) ويحتمل أن يقال: صارت بصيرة بعد أن كان مغشيا عليها، والقلوب صارت مبصرة بعد أن كانت مختوما عليها. ﴿أَحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ أي: أحسن جزاء أعمالهم. ﴿يَخافُونَ يَوْماً﴾ أي: يخافون عقابه. السّراب: ما يرى وقت الهاجرة، كأنه ماء يتسرب على وجه الأرض. والقيعة: بمعنى القاع، أو جمع قاع، وهو المنبسط المستوي من الأرض، كالجيرة في جمع جار، وقرئ (بقيعات) بتاء ممدودة (٣) كديمات وقيمات، شبه ما يعمله من لا يتبع الإيمان، ولا يعتقد الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها تنفعه عند الله، وتنجيه من عذابه، ثم يخيب في العاقبة أمله، ويلقى خلاف ما قدّر - بسراب يراه الكافر بالسّاهرة، وقد غلبه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء، فيأتيه فلا يجد ما رجا، ويجد زبانية الله عنده فيعتلونه إلى جهنم، فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله - تعالى - فيهم: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (٤) ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ (٥) ﴿أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ (٦) فقيل: نزلت في

стр. 605

عتبة بن ربيعة كان قد تنصّر في الجاهلية ولبس المسوح، وطلب الدين الحق، فلما جاء النبي ﷺ كفر به (١). ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣)﴾ اللجي: العميق الكثير الماء، وفي ﴿أَخْرَجَ﴾ ضمير الواقع فيه دل عليه السياق، كقوله: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ (٢) يعني الشمس، ولم تذكر قبل ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يرها ولا قرب من رؤيتها، شبه أعمالهم أولا في فوات نفعها وحصول ضررها بسراب لم يجده من خدعه من بعيد شيئا، ثم وجد الزبانية عنده، فألقوه في النار، وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة، وفي خلوّها عن نور الحق - بظلمات متراكمة من لجج البحر والأمواج والسحاب. وقرئ ﴿سَحابٌ﴾ بالرفع والتنوين و ﴿ظُلُماتٌ﴾ بالجر والتنوين (٣) بدل من قوله ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ﴾. قوله : ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ (١٤٣ /أ) أي: قد علم الله صلاة ذلك الطائر وتسبيحه. وقيل: كلّ طير قد علم ما وظف عليه من التسبيح والصلاة فقام به ولم يؤخره، والله - تعالى - ألهم هذه الحيوانات تعظيمه كما ألهمها مصالحها. ﴿يُزْجِي﴾ يسوق ﴿رُكاماً﴾ بعضه فوق بعض و ﴿الْوَدْقَ﴾ المطر، و ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ﴾

стр. 606

على زيادة الباء؛ كقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى﴾ (١) فإن قلت: متى رأى رسول الله ﷺ تسبيح من في السماوات والأرض والطير ودعاءه، وتنزيل المطر من جبال برد في السماء حتى قيل له: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؟ قيل: علم ذلك من جهة الوحي. فإن قلت: ما الفرق بين ﴿مَنْ﴾ الأولى والثانية والثالثة؟ قلت: الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة لبيان الجنس. وقوله: ﴿مِنْ جِبالٍ﴾ يجوز أن يخلق الله - تعالى - في السماء جبالا من برد، كما خلق في الأرض جبالا من حجر، ويحتمل أن يراد بالجبل الكثرة، تقول: عند فلان جبال من ذهب. ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ ولما كان اسم الدابة يقع على من يعقل ومن لا يعقل غلب ما يعقل في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ و ﴿مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ﴾ وهما لا يعقلان، فقال فيهما: ﴿مِنْ﴾ والقياس: ما يمشي. وخلق الله ﴿مِنْ ماءٍ﴾ هو النطفة؛ كقوله: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ (٢) وسمى الزحف على البطن مشيا استعارة؛ كقولك: مشى هذا الأمر. وقوله: ﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارة إلى القائلين: (آمنا وأطعنا) أو إلى المعرضين منهم، وعرف المؤمنين إشارة إلى أنهم ليسوا بالكاملين في الإيمان المطيعين للأوامر. معنى ﴿إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إلى رسول الله ﷺ كقولك: أعجبني زيد وكرمه، أي: كرم زيد، ومنه قوله [من الرجز]: عجبت من نفسي ومن إشفاقها (٣) ...

стр. 607

وروي أنها نزلت في بشر المنافق خاصم رجلا من اليهود، فطلب اليهودي المحاكمة عند النبي ﷺ وطلب المنافق عند كعب بن الأشرف؛ لعلمه أن كعبا يقبل الرّشا (١). ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٥٠) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢)﴾ قوله تعالى: ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ الجار والمجرور متعلق ب «يأتوا» وأتى وجاء سمعا متعديين. وقيل: متعلق ب «مذعنين». قسم الأمر في إعراضهم بين أن يكونوا مرتابين في قلوبهم مرض، أو يخافوا منك الحيف عليهم، ثم إنه أبطل خوفهم وبين أن تأخرهم (١٤٣ /ب) عن طاعته ما كان إلا ظلما بقوله: ﴿بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾. ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرئ بالرفع والنصب (٢) على اسم كان وخبرها، والنصب أفصح؛ لأن قوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ أدخل في التعريف؛ لأنه لا يمكن تنكيره. فإن قلت: ما فاعل «ليحكم»؟ قلت: هو إيقاع الحكم؛ كقولك: فرق بينهما وجمع بينهما ومثله ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ في قراءة النصب (٣) أي: أوقع التقطيع. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ قرئ بكسر الهاء ليتولد منها ياء، وقرئ بحذف الياء، وقرئ بسكون القاف (٤) شبه «تقه» ب

стр. 608

«كتف» فسكن أوسطه، ك «كتف» في «كتف» وقال الشاعر [من الرجز]: قالت سليمى اشتر لنا سويقا (١) ... وعن ابن عباس: «ومن يطع الله في فرائضه، ورسوله في سننه، ويخش الله على ما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما يستقبل». (٢) وسأل بعض الملوك عن آية كافية، فقيل له هذه. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)﴾ قوله : ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي: بلغوا الجهد فيها، ومن قال: بالله فقد وفّى باليمين جهده. وأصله: أقسم بجهد نفسه في اليمين جهدا وحكم. قوله: ﴿جَهْدَ﴾ أي: جاهدا حال من فعل مضمر، أي: أقسم جاهدا. قوله : ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ ذلك كذب؛ لأنهم يفعلون ما لا يوافق قولهم من المخالفة. وقيل: هو من كلام الله، أي: طاعة معروفة صحيحة خير لكم من الافتراء.

стр. 609

وقرأ اليزيدي (طاعة معروفة) بالنصب (١) على معنى: فأطيعوا، صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب التفاتا وهو أبلغ في تبكيتهم. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ فإن توليتم فما ضررتموه، وإنما ضررتم أنفسكم، فإنه ما على الرسول سوى إبلاغ ما حمّل، وما له نفع في قبولكم في طلب عرض من أعراض الدنيا. ومعنى كون البلاغ مبينا أنه قامت على تصديقه الحجج والبينات، وأن يمكّن الدين المرتضى. قوله : ﴿مِنْكُمْ﴾ لبيان الجنس، كالتي في آخر سورة الفتح (٢) وقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ اللام فيها جواب قسم محذوف، أي: والله ليستخلفنهم. وقيل: جعل وعده بذلك بمنزلة المقسم عليه فتلقّى باللام كما يتلقّى القسم. ﴿وَعَدَ اللهُ﴾ النبي والصحابة، أي: أن يجعلهم خلفاء الأرض، ويذهب عنهم ما كانوا عليه من خوف، فإن الصحابة كانوا بمكة في خوف، وكذلك في أوائل قدومهم إلى المدينة لا يخلون من لباس السلاح، فقال رجل: أترى (١٤٤ /أ) يخلص لنا يوم نسلم فيه من لباس السلاح، فقال النبي ﷺ : «لا يمضي عليكم إلا زمن قليل حتى يجلس أحدكم في ملأ عظيم ينصر الحقّ وأهله» (٣). وصدق الله وعده، وأعطاهم ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم. وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ يجوز أن يكون مستأنفا لا موضع له من الإعراب، ويجوز أن يكون حالا، أي: وعدهم بذلك عابدين غير مشركين ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: هذه النعم. ﴿الْفاسِقُونَ﴾ الكاملون في الفسق. وفي هذه الآية دليل على أن الخلفاء الأربعة داخلون في هذا الوعد. أو: هم المقصودون به؛ فإن الله - تعالى - استخلفهم ومكنهم فعدلوا. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) أن أحدا يعجز الله، أو لا يحسبن الذين كفروا

стр. 610

أنفسهم معجزين. أمر بأن يستأذن العبيد. وقيل: العبيد والإماء والصغار ثلاث مرّات في اليوم والليلة؛ لأنها أوقات نوم، وربما دخل في شيء من هذه الأوقات فتبينت له بعض عورة النائم، فأمروا بالتحفظ، وسمّي كلّ وقت من هذه الأوقات عورة لخللها، والعورة الخلل، ثم بين العذر في جواز الدخول للمذكورين فيما سوى هذه الثلاثة بقوله: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: أن بكم وبهم حاجة إلى الدخول؛ لأنهم طوافون عليكم. روي أن مدلج بن عمرو كان غلاما أنصاريّا أرسله رسول الله ﷺ وقت الظهيرة إلى عمر ﵁، فدخل عليه وهو نائم، وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر ﵁: لوددت أن الله نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا عند الدخول علينا هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي ﷺ فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية (١)، وهي إحدى الآيات الثلاثة المنزلة بسبب عمر (٢). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾ ﴿الْحُلُمَ﴾ بسكون اللام (٣) وقرئ (ثلاث عورات) بالنصب بدلا عن ﴿ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾ أي

стр. 611

أوقات ثلاث عورات. وعن الأعمش (١) (عورات) بفتح الواو علي لغة هذيل ومحل ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ على قراءة (ثلاث عورات) بالرفع (٢) الرفع على الوصف، وإذا نصبت لم يكن له محل، وكان كلاما مقررا للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة. وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ ويجوز أن يرتفع ﴿بَعْضُكُمْ﴾ ب (يطوف) مضمرا لدلالة ﴿طَوّافُونَ﴾ عليه (١٤٤ /ب) ﴿الْأَطْفالُ مِنْكُمُ﴾ أي: من الأحرار دون المماليك. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ بلغوا الحلم من قبلهم أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية (٣) وهذه الآيات مما الناس عنه في غفلة، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة، وعن ابن عباس: «ثلاث آيات جحدهن الناس: الإذن كله، وقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ (٤) فقال الناس: أعظمكم بيتا، وقوله: ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى﴾ (٥). ﴿وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما﴾

стр. 612

﴿مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ ﴿وَالْقَواعِدُ﴾ أي: عن الحيض والولد غير طامعات في التزويج. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أي: عن وضع الثياب، وأراد بالتبرج إظهار ما يجب إخفاؤه والبرج: سعة العين. كان المسلمون يذهبون بالضعفاء وأصحاب العاهات إلى منازلهم ليصيبوا من طعامهم. وقيل: كانوا يذهبون بأصحاب العاهات إلى منازل أقاربهم فيأكلوا من طعامهم، فخاف الآكلون أن يلحقهم حرج في ذلك فنزلت (١). وقيل: كان الرجل يسافر ويدع على منزله واحدا من هؤلاء، وترك بعضهم رجلا يقال له: مالك ابن زيد في بيته، فلما جاء صاحب المنزل وجد مالكا مهزولا فقال: ما أصابك؟ فقال: لم يكن عندي شيء، ولا يحل أكل مالك بغير إذنك، فنزلت (٢). وقيل: ليس على هؤلاء حرج في ترك الجهاد. فإن قلت: ما وجه دخول ترك الجهاد في هذه الآية؟ قلت: هما يشتركان في نفي الحرج. وقيل في القول الأول: إن مجالسة هؤلاء وقت الأكل قد تكره، أما الأعمى فلأنه قد تسبق يده إلى ما سبقت إليه عين غيره، وأما الأعرج فلأنه يتفجع في جلوسه، وأما المريض لا يخلو من رائحة من فيه أو أذنه أو جرح يسيل في باطنه. فإن قلت: لم لم يذكر الأولاد؟ قلت: قد دخلوا في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه. ﴿مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ أي: إذا كان ماله تحت يدك ومفاتحه عندك فلا جناح عليك أن تشرب من لبن ماشيته، وتأكل من ثمرة بستانه. وقيل: بيوت المماليك؛ لأن مال العبد لمولاه. قوله : ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي: أصدقائكم. والصديق والرفيق يخبر به عن الواحد والجمع، ومنه قوله - تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ (٣) ولم يقل: رفقاء.

стр. 613

ويحكى عن الحسن: «أنه دخل (١٤٥ /أ) داره فوجد جماعة من أصدقائه قد أخرجوا سلالا من تحت سريره فيها أنواع من الحلوى وهم مكبون يأكلون، فتغرغرت عيناه وقال: هكذا وجدناهم، هكذا وجدناهم» يعني: كبار الصحابة. وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته عن كيسه فيأخذ ما شاء منه، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سرورا بذلك (١). وقالوا إذا دلت قرينة الحال على الإذن قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما قبح الاستئذان واستكره كمن قدّم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه. قيل: كان بنو الليث بن عمرو من كنانة يتحرجون أن يأكل أحدهم وحده، فربما قعد منتظرا نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة. وقيل: في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم. وقيل: تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل، وزيادة بعضهم على بعض (٢). فإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت فسلموا على أهلها ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ مشروعة من جهته وعن أنس بن مالك قال: «أوصاني رسول الله ﷺ بثلاث خصال؛ أن أسلم على من لقيته من المسلمين، وإذا دخلت بيتي أن أسلم عليهم يكثر خير أهل البيت وبصلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين». وإذا لم يكن في البيت أحد فليقل: السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله (٣). وعن ابن عباس: «إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» (٤).

стр. 614

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾ بيّن - سبحانه - عظم الذنب في القيام عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه، وذلك بتقديم «إنما» الدالة على الحصر، وقرن ذلك الوصف بالإيمان بالله والرسول، ثم أعاده على نمط آخر بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ والأمر الجامع: الذي يجتمع الناس عليه، فجعل الأمر جامعا مجازا والأمر المهم اجتماع الكبراء في قصد عدو، أو في نقض عهد. وقيل: نزلت في حفر الخندق، وكان قوم يتسللون ذاهبين بغير إذن وقالوا: كذلك ينبغي أن يكون الناس (١٤٥ /ب) مع أئمتهم، ولا يذهبون عنهم بغير إذنهم، ولا ينادوه باسمه، فيقولوا: يا محمد، بل: يا رسول الله، ويا نبي الله، أو: لا تهملوا وجوب حضوركم إليه ودعاءه إياكم ﴿كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم. ومعنى ﴿الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: يصدون، تقول: خالفت الرجل إلى المنزل أي: ذهبت إليه ولم يذهب هو. وقوله: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ الضمير عائد إلى الله. وقيل: إلى الرسول. وقوله : ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ دخلت (قد) للتكثير. كما إذا دخلت ﴿ما﴾ على (ربّ) صارت للتكثير. ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١). وقول الشاعر [من البسيط]: قد أترك القرن مصفرّا أنامله ... ... (٢) [ومن الطويل]:

стр. 615

وقد أغتدي والطّير في وكناتها ... ... (١) لم يرد القلة في شيء من ذلك. ***

стр. 616

سورة الفرقان [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣)﴾ البركة: الخير وزيادته، وفيه معنيان: أحدهما: تكاثر خير الذي نزل الفرقان. والثاني: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله. و ﴿الْفُرْقانَ﴾ مصدر فرق؛ كالغفران والشكران، وسمي به القرآن؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، أو لأنه نزل مفرقا مفصلا؛ لقوله: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ﴾ الآية (١). وقرئ (على عباده) (٢) يعني النبي ﷺ وأمته؛ لقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً﴾ (٣) ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ (٤). ﴿لِيَكُونَ﴾ الرسول أو القرآن، ويعضد عوده إلى القرآن قراءة من قرأ "على عباده". ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ الجن والإنس ﴿نَذِيراً﴾ بمعنى: منذرا، أي: مخوفا أو إنذارا كالنكير بمعنى الإنكار، ومنه ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ (٥) ﴿الَّذِي لَهُ﴾ رفع على الإبدال من ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾ أو على المدح، أو نصب عليه، وجاز الفصل بين البدل والمبدل منه؛ لأنه ليس بأجنبي. فإن قلت: في الخلق معنى التقدير فكيف قال بعده: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾؟

стр. 617

قلت: الخلق فيه معنى التقدير فكأنه قال: قدر كل شيء، يعني: أحدث كل شيء على مقتضي الحكمة أي: أوجده غير متفاوت. وقيل: معناه فقدر له مدة لبقائه. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ لا تقدر على جلب نفع ولا (١٤٦ /أ) دفع ضرّ ولا إيجاد مخلوق. ﴿وَلا يَمْلِكُونَ﴾ إحياء ولا إماتة. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥)﴾ ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ اليهود. وقيل: عدّاس مولى حويطب بن عبد العزّى، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي قال ذلك النضر بن الحارث (١). جاء وأتى يستعملان بمعنى فعل فيعديان تعديته، ويجوز أن يكون بمعنى ورد ظلما، تقول: جئت المكان، ويجوز أن يحذف الجار، أي: جاءوا بظلم وزور، وظلمهم أن جعلوا أفصح العرب يتلقى من الرومي وقد أتاهم بكتاب أعجز العالم بفصاحته، والزور: نسبتهم إياه إلى الافتراء الذي هو بريء منه. ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أحاديث سطرها المتقدمون، كأحاديث رستم واسفنديار (٢)، جمع أسطورة، كأحدوثة. ﴿اِكْتَتَبَها﴾ أي: استدعى كتابتها لنفسه، وقرئ (اكتتبها) على البناء للمفعول (٣) أي: كتبها له كاتب؛ لأنه كان أميّا لا يكتب ﴿تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أي: تلقى عليه ليحفظها؛ لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب. وعن الحسن أنه قول الله - سبحانه - يكذبهم، وإنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة على الاستفهام في معنى الإنكار (٤) كقول الشاعر [من المنسرح]:

стр. 618

أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أرزق ذودا شصائصا نبلا (١) ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨) اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠)﴾ ﴿فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يعلم كل سرّ خفي فيهما، ومنه كيدهم برسول الله ﷺ وتمحلهم للطعن في الدين. فإن قلت: كيف طابق قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ هذا المعنى؟ قلت: من عادته أن يقرن الوعد بالوعيد أو: غفور رحيم لم يعاجل بالعقوبة على ما صنعتموه، لكنه أمهل وما أهمل. ﴿ما لِهذَا﴾ وقع في المصحف فصل اللام عن الهاء، والأصل وصلها، وخط المصحف سنة لا تغير. وقولهم "ما لهذا": فيه تحقير واستهانة بجانب النبوة ومثله قوله - تعالى: ﴿أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ (٢) وتسميته بالرسول سخرية منهم، ومنه قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (٣). و ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾ لطلب المعاش، يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن ذلك، ثم نزلوا فقالوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ (١٤٦ /ب). قوله : ﴿وَقالَ الظّالِمُونَ﴾ وضع للظاهر موضع المضمر والنصب في "فيكون" جواب ﴿لَوْلا﴾ التي للتحضيض. القائلون كفار قريش؛ النضر بن الحارث وعبد

стр. 619

الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد ومن ضامهم. ﴿مَسْحُوراً﴾ سحر فغلب على عقله، أو ذا سحر وهو الرئة، عنوا أنه بشر لا ملك. ﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾ أي: قالوا فيك تلك الأقوال ﴿فَضَلُّوا﴾ عن طريق الحق فلا يجدون طريقا إلى سلوكه. جاء بكل بركة ﴿الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً﴾ وقرئ (ويجعل) بالرفع عطفا على ﴿جَعَلَ﴾ لأن الشرط إذا كان ماضيا جاز في جزائه الجزم والرفع (١) وقرئ بالنصب (٢) على أنه جواب الشرط بالواو. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤)﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ أي: أتوا بما هو أشد من ذلك كله وهو تكذيبهم بالبعث ﴿سَعِيراً﴾ النار الشديدة الاستعار. وقيل: هو اسم من أسماء جهنم. ﴿إِذا رَأَتْهُمْ﴾ من قولك: دورهم تتراءى أي: تتقابل، ومنه قوله ﷺ : "لا تراءى ناراهما" (٣). كأن بعضها يرى بعضا على سبيل المجاز، والمعنى: إذا قربت منهم سمعوا صوت غليانها، وشبهه بصوت المتغيظ والزافر ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا. والكرب مع الضيق كما أن الفرج مع السعة، ولهذا قال ﴿مَكاناً ضَيِّقاً﴾ ووصف الله الجنة

стр. 620

بأن عرضها السماوات والأرض. جمع الله للكفار ضيق محلهم حتى قيل: إنه يزج الكافر في جهنم كما يزج الوتد في الحائط، وهم مغلون في أعناقهم وفي أرجلهم الأصفاد، وهي القيود وقد قرنت أيديهم مع أعناقهم. وقيل: قرن كل إنسان مع شيطانه في الدنيا بالسلاسل. الثّبور: الهلاك، ودعاء الثبور أن يقال: واثبوراه، أي: تعال يا ثبور، فهذا حينك وزمانك. ﴿لا تَدْعُوا﴾ أي: يقال لهم ذلك، أو هم أحقاء بأن يدعوا الويل والثبور وإن لم يكن ثم قول، ومعنى ﴿وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ أي: ليس ثبوركم ثبورا واحدا، بل هو متعدد إما لتعدد أسبابه، أو لتعدد أنواع العذاب، أو لأنه كلما بدلوا جلودا غير الأول تضاعفت عقوبتهم، وكثر ثبورهم والضمير الرابط في قوله: ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ محذوف، أي: وعدها. ﴿قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨)﴾ قوله: ﴿جَزاءً وَمَصِيراً﴾ ذكر المصير في الجنة (١٤٧ /أ) ولم يذكره في النار؛ لأن السرور التام إنما يحصل لموافقة المسكن الغرض وسلامته من الغثاثة، فذكره من جزاء الخير وعدا من الله، حقه أن يسأل، وقد سألته الملائكة والصالحون من الإنس، قالت الملائكة: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ (١) وقال الصالحون: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ (٢) وقرئ (يحشرهم) بكسر الشين، و (نحشرهم) و (نقول) بنونين (٣). وجائز ﴿وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يريد: المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير (٤). وعن الكلبي: ينطق

стр. 621

الله الأصنام ويسألها (١). ويجوز أن يعم الجميع، وإذا اجتمع ما يعقل وما لا يعقل غلب العاقل، ولهذا قال: ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ وذكر الفاعل لأنه ليس الإنكار على الفعل فإن عبادة الأصنام قد وقعت، وإنما السؤال عن فاعلها فيبهت وتنقطع حجته فيبادرون إلى الإنكار، ويقولون: بل أنت يا ربنا متعتهم بالأموال والبنين حتى نسوا الذكر وهلكوا بسبب ذلك. والبوار: الهلاك، والبور: الهالكون، فإذا تبرأت الملائكة وصلحاء الإنس والجن عن ذلك بهت الكفار وقالوا: أنت الذي أنعمت عليهم فبطروا وجعلوا بدل الشكر كفرانا. وقوله: ﴿سُبْحانَكَ﴾ تعجب منهم مما قيل لهم. وقرأ أبو جعفر المدني ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ بضم النون وفتح التاء والخاء (٢) ﴿الذِّكْرَ﴾ ذكر الله والإيمان به، أو القرآن. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠)﴾ وقرئ (بما يقولون) بالياء والتاء، و (فما يستطيعون) بالتاء والياء (٣) صرف العذاب عنكم ولا تخليصا. الجملة الواقعة بعد إلا محذوفة وهي في موضع مفعول، والتقدير: وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا إنهم؛ كقوله: ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ (٤) أي: وما منا أحد.

стр. 622

وقرئ: (يمشّون في الأسواق) (١) أي: تمشيهم حوائجهم، أو يمشيهم الناس. وقيل: هذا ردّ على من قال: ﴿مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ﴾. ﴿فِتْنَةً﴾ محنة وابتلاء وهذا تصبير لرسول الله ﷺ على ما قالوه. الرجاء يكون بمعنى الخوف، كقول الشاعر في رجل يجني العسل فتلسعه زنابير العسل [من الطويل]: إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها (٢) ... أي: لم يخف، ويراد به رجاء الخير (١٤٧ /ب) كقوله - تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ (٣) ويجوز أن يراد الأمران: أمل الخير وخوف الشر. ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤)﴾ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ فيخبرونا بصدقك يا محمد ﴿أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ عيانا فيخبرنا بصدقك، وسواء كانوا عالمين بأن الله لا يبعث الملائكة إلا لقضاء الأمر ونزول عذاب أو لا يعلمون ذلك فهم على كل حال يسعون في إبطال الرسالة. ومعنى قوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أنهم أنكروا الرسالة، ومنعهم كفرهم واستكبارهم من طاعة النبي، كما قال: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ (٤) (وعتو) تجاوزوا الحد في الظلم، وهذه الجملة وهي قوله: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فيها تعجيب من حالهم بغير صيغة التعجب، كأنه قال: ما أشد استكبارهم. وقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ ظرف، العامل فيه ﴿لا بُشْرى﴾ وقيل: العامل فيه ما دلّ عليه ﴿لا﴾

стр. 623

﴿بُشْرى﴾ كأنه قال: يوم يرون الملائكة يضعون أو يعدمون البشرى. ويجوز أن ينتصب قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ بقوله «اذكر» فيكون مفعولا به لا ظرفا. وقوله: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ يريد: لا بشرى لهم، أو لا بشرى لأحد من المجرمين. ويدخل في هؤلاء ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً﴾ وقال سيبويه (١): حجر من المصادر المتروك إظهار عاملها قال الراجز: قالت وفيها حيدة ودعر ... عود بربى منكم وحجر (٢) وأصل الحجر: المنع، ووصفه بكونه محجورا مبالغة في المنع، كما قالوا: ذيل ذايل، ومعناه: حرام محرم عليكم المغفرة والجنة، تقوله الملائكة عند الموت، أو يوم القيامة ولا بشرى لهم يومئذ. وقوله: ﴿وَقَدِمْنا﴾ أي: قصدنا، والهباء: ما يظهر من الكوة مع ضوء الشمس، وصفه بكونه ﴿مَنْثُوراً﴾ تحقيرا له، ونحوه ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٣) لم يكتف بتشبيههم بالعصف حتى جعله مأكولا، ولا بأعمالهم بالهباء حتى جعله منثورا، وأصل همزة هباء واو، لقولهم: الهبوة. روي أنه يفرغ من الحساب في مقدار نصف يوم فلا يجيء وقت القيلولة إلا وقد فرغ منه ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ فيه إشارة إلى ما اشتمل عليه مقيل أهل الجنة من المحاسن التي يقصر الوصف عنها. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦)﴾ وقرئ (تشّقّق) (٤) وأصله: تتشقق، فحذف بعضهم التاء وبعضهم أدغمها ولما كان

стр. 624

انشقاق السماء بسبب نزول الملائكة جعل الغمام كأنه الذي (١٤٨ /أ) شقها، ونظيره قوله: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (١) والمعنى: أن السماء تتفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام الملائكة معهم صحف أعمال العباد. وقيل: هو غمام أبيض رقيق كالضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في التيه. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ الثابت في أن كل ملك غير ملك الله، فإن مفهوم قوله: ﴿عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ أنه يسير على المؤمنين، ومثله: ﴿يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (٢). عض اليدين كناية عن شدة الغضب. وقيل: إن عقبة بن أبي معيط كان يكثر مجالسة رسول الله ﷺ . وقيل: صنع ضيافة فدعا رسول الله ﷺ أن يأكل منها فأبى حتى ينطق عقبة بالشهادتين، فتلفظ بهما فعتب على ذلك فقال: استحييت منه حيث لم يأكل من طعامي فأجبته، وكان أبيّ بن خلف صديقه فقال له: وجهي من وجهك حرام إن لم تأت محمدا فلم تطأ قفاه، ولم تبصق في وجهه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك فقال رسول الله ﷺ : «لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف» وقدم ليقتل يوم بدر فقال: يا محمد لمن الصبية؟ وطعن رسول الله ﷺ أبيا بأحد فرجع إلى مكة ومات " (٣). ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩) وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢)﴾ واللام في ﴿الظّالِمُ﴾ يراد به المعهود، وهو عقبة، أو للجنس. تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريق الحق. فلان: كناية عن اسمه العلم، فإن أريد ب ﴿الظّالِمُ﴾ عقبة كان كناية عن اسمه، وإن أريد به الجنس فكل واحد منهم اسم علم، ففلان كناية عن ذلك الاسم.

стр. 625

﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق و ﴿الشَّيْطانُ﴾ إشارة إلى خليله أو إلى إبليس، أو الجنس، أو كل من تشيطن من الجن والإنس، وهذا الكلام من كلام الظالم أو كلام مستأنف. ﴿الرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ وقومه قريش حكى شكاية رسول الله ﷺ من قومه وكان الأنبياء إذا التجأوا إلى الله فيمن ظلمهم عذبوا ولم يمهلوا، ثم سلاّه فقال: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ (١) أي: قبلك أعداء ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿مَهْجُوراً﴾ أعرضوا عنه وهجروه. وقيل: الهجر هو (١٤٨ /ب) الكلام القبيح. جعل القرآن محلاّ للتكذيب، أي: مهجورا فيه؛ كقوله: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٢) وقيل: قالوا: إنه أساطير الأولين ومفترى. والعدو: يجوز أن يكون واحدا وجمعا ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (٣) ﴿نُزِّلَ﴾ هاهنا بمعنى أنزل، قالوا: لم نزل متفرقا، ولم ينزل جملة كالتوراة والإنجيل والزبور؟ والقائلون قريش. وقيل: اليهود. أي: كذلك أنزل مفرقا لتحفظه وتقرأه على الناس على مكث، وكان رسول الله ﷺ أميّا لا يحسن الكتابة، ولو كان كاتبا لارتاب به المبطلون، وكان ينزل بحسب الحوادث، وبعضه ينسخ بعضا. وذلك لا يتأتى إلا فيما نزل مفرقا، ومعنى نزوله سورة بعد سورة وآية بعد آية. وقيل: أمرنا بترتيله إذا قرئ، والترتيل مأخوذ من ترتيل الأسنان، وهو تفليجها، يقال: ثغر رتل، ويفسر بنور الأقحوان في تفليجه. ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧)﴾ ﴿وَلا يَأْتُونَكَ﴾ بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة التي كأنها مثل في البطلان، ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي، فإن الضالّ سالكه. الوزارة لا تنافي النبوة؛ فقد كان

стр. 626

يبعث في الزّمن الواحد أنبياء، ويؤمرون أن يؤازر بعضهم بعضا، والمعنى: فذهبا إليهم فكذبوهما. ﴿فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً﴾ كقوله: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ (١) ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ إما لأن كلّ من كذّب نبيّا فهو كمن كذّب الأنبياء كلهم، أو كانوا كالبراهمة (٢) لا يعتقدون جواز بعثة نبيّ. ﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾ وجعلنا إغراقهم أو قصّتهم. ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ لقوم نوح، أو للعموم، وعطف (عادا) على (هم) في قوله: ﴿وَجَعَلْناهُمْ﴾ أو على (الظالمين) لأن المعنى: ووعدنا الظالمين. ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢)﴾

стр. 627

وقرئ (وثمود) بغير تنوين (١) بتأويل القبيلة، وأمّا صرفه فعلى تأويل الحيّ أو الأب الأكبر. قيل في «أصحاب الرّس» إنهم قوم من عبدة الأوثان، أصحاب آبار ومواش. وقيل: هم بقية من قوم شعيب. وقيل: هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان (٢)، وكان عندهم العنقاء، سميت به لطول عنقها، وكانت تنقضّ على أولادهم فتأخذهم لتهلكهم، فدعا عليها حنظلة فهلكت وانهارت بهم البئر. وقيل: رسّوه في البئر، أي: دفنوه فيها. وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرسّ هو الأخدود (١٤٩ /أ) وقيل: الرس بأنطاكية، قتلوا فيها حبيبا النجّار (٣). ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ أي: بين أولئك المذكورين. ﴿ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ بينا له القصص العجيبة. والتّتبير: التكسير والتفتيت، ومنه التّبر، وهو كسار الذهب والفضة، و ﴿وَكُلاًّ﴾ الأول منصوب بما دل عليه ﴿ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ﴾ وهو أنذرنا أو حذرنا أو منصوب ب «تبّرنا» لأن الفعل مفرّغ له. أراد ب ﴿الْقَرْيَةِ﴾ سدوم، وهي إحدى قرى قوم لوط، وكانت خمسا، أهلك الله أربعا بأهلها وبقيت واحدة. قوله - تعالى: ﴿أُمْطِرَتْ﴾ إمّا القرية وإمّا أهلها، ولذلك جاء ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ (٤) ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها﴾ (٥) وكانت قريش كثيرا ما تمرّ على تلك الآثار. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ في مرار مرورهم، بلى مرّوا ونظروا ولكن كانوا لا يؤمنون بالبعث فلم ينفعهم نظر العين. ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ﴾ أي: لا يؤملون خيرا، ولا يخافون عاقبة. ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ما يتخذونك ﴿إِلاّ هُزُواً﴾ أي: مهزوءا به، أو محلاّ للهزء، أو نفس الهزء مبالغة. وقوله: ﴿أَهذَا الَّذِي﴾ استصغار، وقولهم: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾ إن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، وفي الكلام دليل على مبالغة رسول الله ﷺ في دعائهم حتى كادوا

стр. 628

أن يطيعوه مع شدّة شكيمتهم في الكفر. ﴿لَوْلا أَنْ صَبَرْنا﴾ ثبتنا على ديننا. ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا بد لهم من العقوبة على كفرهم. وقوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ كالجواب عن قولهم: ﴿إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا﴾. ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤) أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)﴾ ﴿أَفَأَنْتَ﴾ تجبر هذا الكافر على الإسلام، وهو مطبوع على قلبه؟ كقوله: ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ (١) ﴿أَمْ﴾ هذه منقطعة، أي: هذه المذمّة أشد مما قبلها، وقدم المفعول الثاني وهو ﴿إِلهَهُ﴾ للعناية. وقوله: ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ ولم يقل: كلهم؛ لأنه كان فيهم من لا يرده عن الدخول في الإسلام إلا الكبر، وجعلوا أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تنقاد لأربابها وتجتنب ما يضرها بخلاف هؤلاء. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ﴾ ألم تنظر إلى صنيع ربك؟ وجعل الظل يمتد وينبسط لينتفع الناس به. ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً﴾ في أصل كل مظلل من جبل أو شجر أو غيرهما، والظّلّ تتصرف الشمس فيه بالزيادة والنقصان. ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ الظل (١٤٩ /ب) بالتقلص يسيرا يسيرا حتى صار في مكانه ضوء الشمس. ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً﴾ أي: كاللباس الذي يغشى الجسد، و (السّبت) القطع، يقال: سبت رأسه إذا حلقها، وسمي يوم السبت؛ لأن الله - تعالى - فرغ من المخلوقات في آخر ساعة من يوم الجمعة ولم يخلق شيئا يوم السبت، وجعل القيام من النوم كالقيام من القبور. ﴿نُشُوراً﴾ إحياء، و (نشرا) جمع نشور، وهي المحيية للأرض بعد موتها ويبسها. قوله : ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: بين يدي المطر. ﴿طَهُوراً﴾ بليغا في طهارته. وقيل: هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره. قوله: ﴿بَلْدَةً﴾ وإن كان مؤنثا لفظا فهو أيضا بلد مذكر، ولهذا قال: ﴿مَيْتاً﴾ ولم يقل: ميتة.

стр. 629

وقرئ (ونسقيه) بفتح النون (١) وسقى وأسقى بمعنى. وقيل: سقاه أعطاه ماء ليشربه، وأسقاه: جعل له سقيا لأرضه ودوابّه، قال الله - تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ﴾ (٢) (الأناسي) أصلها أناسين وقوم من العرب يقلبون النون ياء، ويحذفونها تخفيفا فيقولون: أناسي وأناسيّ بالتشديد والتخفيف. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦)﴾ قوله : ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ يعني: القرآن في الكتب المنزلة كلها. ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ فقالوا: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا، وعن ابن عباس: «ما من عام أقل مطرا من عام ولا أكثر، ولكن الله - تعالى - قسم ذلك بين عباده على ما شاء، وتلا هذه الآية» (٣). فإن قلت: هل يكفر من ينسب الأمطار إلى الأنواء؟ قلت: إن كان لا يراها إلا من الأنواء، ويجحد أن تكون هي والأنواء من خلق الله - تعالى - فهو كافر، وإن كان يرى أن الله خالقها وقد نصب الأنواء دلائل وأمارات عليها - لم يكفر. ﴿وَلَوْ شِئْنا﴾ لخففنا عنك أعباء الرسالة فبعثنا ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً﴾ لكنا عظمناك وجعلناك رسولا إلى الجميع فقابل ذلك بالتشدد ﴿فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ فيما يقترحون عليك ﴿وَجاهِدْهُمْ﴾ بالقرآن وبحججه وجعل الجهاد به كبيرا؛ لما يتحمل فيه من المشقة الشديدة. سمّي كلّ واحد من الماءين الكثيرين بحرا، والفرات: الشديد الحلاوة، والأجاج:

стр. 630

الشديد المرارة، ومرجهما (١٥١ /أ) خلاّهما متجاورين، وبينهما حاجز من قدرة الله - تعالى - يمنعهما التمازج والاختلاط. ﴿وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ هي الكلمة التي قالتها الملائكة لمن وقع في شدة لا يجد منها مخلصا والمعنى: كأن كلّ واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه أن يبغي عليه، ومنه قوله - تعالى: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ (١) أراد قسمة البشر قسمين: ذكورا وإناثا من نطفة واحدة، وهو كقوله: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى﴾ (٤٦) (٢). الظهير والمظاهر كالعوين والمعاون، والمعنى: أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة. قيل: نزلت في أبي جهل (٣). ويجوز أن يراد بالظهير الجمع، كما جاز في الصديق والعدو، ومنه قوله : ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤) أي: ظهراء، ويجوز أن يراد بالظهير ما خلف خلف الظهر فلم يعبأ به؛ كقوله: ﴿لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (٥) مثال قوله: ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ﴾. ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩)﴾ والمراد فعل من شاء أن يتخذ، واستثنى به عن الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال: ما أطلب منك ثوابا على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيجعل حفظه ثوابا وليس بثواب، ولكنه صوّره بصورة الثواب، فأفاد ذلك أمرين: أحدهما: أنه قد أنهى السعي في حفظ المال نهايته. والثاني: سرورهم ببقائه لك، حتى جعله كأنه حاصل له ثوابا. وقيل: المراد النفقة في

стр. 631

سبيل الله. أمره بأن يتوكل على الله ويثق به، وعرّفه بأن الحيّ الذي لا يموت حقيق بأن نتوكل عليه وحده، فإنه إذا مات من يتوكل عليه فاتت مقاصد التوكل. ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾ مطلعا على أعمالهم وأقوالهم. ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ مقدار ستة أيام. وقيل: ستة أيام من أيام الآخرة، وكل يوم ألف سنة، والأول أظهر. وعن مجاهد: أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة (١). ووجهه أن يسمي الله - تعالى - لملائكته تلك الأيام المقدّرة بهذه الأسماء، فلما خلق الشمس وأدارها جرت التسمية على هذه الأيام. وعن سعيد بن جبير: خلقها في ستة أيام مع قدرته على خلقها في لحظة، ليعلّم عباده التثبت. وقيل: اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله عيدا للمسلمين (٢) ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ مبتدأ و ﴿الرَّحْمنُ﴾ خبره، أو هو صفة ل ﴿الْحَيِّ﴾ و ﴿الرَّحْمنُ﴾ خبر (١٥١ /ب) مبتدأ محذوف، أو بدل عن المستتر في ﴿اِسْتَوى﴾. وقرئ (الرّحمن) بالجر (٣) صفة ل ﴿الْحَيِّ﴾. الباء في ﴿بِهِ﴾ كقوله: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (٤) وقد تكون (عن) صلته في نحو قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٥). وقيل: تقديره: فاسأل عنه رجلا يخبرك بصفاته، أو فاسأل بسؤاله خبيرا؛ كقولك: رأيت به أسدا، أو حالا عن الهاء، يريد فاسأل عنه عالما بكل شيء، و ﴿الرَّحْمنُ﴾ اسم من أسماء الله - تعالى - وهو مذكور في الكتب القديمة والصحف المنزلة، أي: فاسأل عن هذا الاسم من أهل الكتاب يخبروك بأنه موجود في كتبهم، ولم يتسمّ بهذا الاسم أحد، وكانوا يقولون لمسيلمة: رحمان اليمامة. وقيل: كانوا ينكرون إطلاق اسم الرحمن على الله. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠)﴾

стр. 632

﴿لِما تَأْمُرُنا﴾ للذي تأمرناه؛ كقوله [من البسيط]: أمرتك الخير (١) وقرئ (يأمرنا) بالياء (٢) أي: لما يأمرنا محمد ﴿وَزادَهُمْ﴾ ذكر اسم الرحمن ﴿نُفُوراً﴾ البروج: منازل الكواكب السيارة، مأخوذ من التبرج وهو الظهور؛ كقوله: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ (٣) وسميت بروجا، مأخوذ من تسمية القصور بروجا؛ كقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٤) لأنها منازل للكواكب، كالقصور للإنس والجن. ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢)﴾ وقرئ (سرجا) وهي الشمس والكواكب الكبار معها. ومن قرأ ﴿سِراجاً﴾ (٥) أراد به الشمس، وقرأ الأعمش والحسين (وقمرا) (٦) وهو جمع ليلة قمراء، كأنه: وذا قمر منيرا؛ لأن الليالي تكون قمرا به فأضافها إليه، ومثله قول حسان [من الكامل]: بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل (٧) ...

стр. 633

أي: ماء بردى ولا يبعد أن يكون القمر لغة في القمر، كالرّشد والرّشد، والعرب والعرب. الخلفة: من خلف، كالرّكبة من ركب، أعني: الحال التي هو عليها، أي: جعلهما ذوي خلفة، يذهب هذا ويأتي هذا. وقيل: يخلفه: يقوم مقامه في أداء الوظائف من فاته ورده بالليل قضاه بالنهار، أو بالنهار قضاه بالليل. ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ لأنه إذا رأى حركتهما علم أن لهما محركا قادرا عالما بالمصالح وشكر الله - تعالى - على النعمة بهما. ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥)﴾ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾ مبتدأ خبره آخر السورة، وهو ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ ويجوز أن يكون خبره ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ وأضافهم إلى ﴿الرَّحْمنِ﴾ تخصيصا وتفضيلا. وقرئ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾ (١) ﴿هَوْناً﴾ أي: يمشون مشيا ليّنا، إلا أن في وضع المصدر (١٥٢ /أ) موضع الصفة مبالغة، والهون: الرفق واللين، وفي الحديث: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما" (٢).وقوله: "المؤمنون هيّنون ليّنون" (٣).

стр. 634

وفي المثل: "إذا عز أخوك فهن" (١)،أي: إذا عسّر فيسّر، أي: يمشون بسكينة ووقار وتواضع. وكره بعض العلماء الركوب في الأسواق؛ لقوله: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ (٢) ﴿سَلاماً﴾ أي: لا نستعمل الجهل معكم فيسلمون بذلك عن الإثم والجهل والسفه، قال عمرو بن كلثوم [من الوافر]: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٣) وعن أبي العالية: نسختها آية القتال، ولا حاجة إلى ذلك، لأن الأمر بحسن الخلق ومقابلة الغليظ من القول باللين محمود في الشرع والعقل والمروءة، وأبعد عن الوقوع في الحرج (٤). يقال: بات فلان عند فلان إذا أدركه الليل عنده نمت أو لم تنم. قالوا: من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قلّ بات ساجدا أو قائما. وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء (٥)، والظاهر أنه أراد وصفهم بإحياء الليل أو أكثره، يقال: فلان يظل صائما ويبيت قائما (٦). ﴿غَراماً﴾ هلاكا ملحّا لازما، ومنه الغريم لإلحاحه. وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين وهم مع ذلك خائفون من الله يبتهلون إليه بصرف العذاب عنهم. ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ (٦٦) ﴿ساءَتْ﴾ مثل يئست، وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: جهنم، ويجوز أن تكون ﴿ساءَتْ﴾ بمعنى أحزنت، وفيها ضمير اسم إنّ و ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ حال أو تمييز، والتعليلان

стр. 635

يصحّ أن يكونا متداخلين أو مترادفين، وأن يكونا من كلام الله - تعالى - حكاية لقولهم. ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨)﴾ ﴿يَقْتُرُوا﴾ بكسر التاء وضمها و ﴿يَقْتُرُوا﴾ بتخفيف التاء وتشديدها (١)، وهي نقيض الإسراف الذي معناه مجاوزة الحدّ في الإنفاق، وهو كقوله - تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (٢) وقيل: الإسراف إنما هو في المعاصي، فأما في القرب فلا إسراف. وقال قائل: لا خير في السرف، فقيل له: لا سرف في الخير. وقيل: أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة (١٥٢ /ب) ولا يلبسون ثوبا للجمال والزّينة، ولقد كانوا يأكلون ما يسد جوعتهم، ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم، ويكنهم من الحرّ والقرّ. وقال عمر ﵁: «كفى سرفا ألا يشتهي الرجل شيئا إلا اشتراه وأكله» (٣). والقوام: العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين وقرئ (قواما) بالكسر (٤)، وهو ما يقام به الشيء ﴿بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ يجوز أن يكونا خبرين لكان، وأن يجعل «بين ذلك» لغوا،
следующие страницы →