← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

سبيل الله. أمره بأن يتوكل على الله ويثق به، وعرّفه بأن الحيّ الذي لا يموت حقيق بأن نتوكل عليه وحده، فإنه إذا مات من يتوكل عليه فاتت مقاصد التوكل. ﴿وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً﴾ مطلعا على أعمالهم وأقوالهم. ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ مقدار ستة أيام. وقيل: ستة أيام من أيام الآخرة، وكل يوم ألف سنة، والأول أظهر. وعن مجاهد: أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة (١). ووجهه أن يسمي الله - تعالى - لملائكته تلك الأيام المقدّرة بهذه الأسماء، فلما خلق الشمس وأدارها جرت التسمية على هذه الأيام. وعن سعيد بن جبير: خلقها في ستة أيام مع قدرته على خلقها في لحظة، ليعلّم عباده التثبت. وقيل: اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله عيدا للمسلمين (٢) ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ مبتدأ و ﴿الرَّحْمنُ﴾ خبره، أو هو صفة ل ﴿الْحَيِّ﴾ و ﴿الرَّحْمنُ﴾ خبر (١٥١ /ب) مبتدأ محذوف، أو بدل عن المستتر في ﴿اِسْتَوى﴾. وقرئ (الرّحمن) بالجر (٣) صفة ل ﴿الْحَيِّ﴾. الباء في ﴿بِهِ﴾ كقوله: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (٤) وقد تكون (عن) صلته في نحو قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٥). وقيل: تقديره: فاسأل عنه رجلا يخبرك بصفاته، أو فاسأل بسؤاله خبيرا؛ كقولك: رأيت به أسدا، أو حالا عن الهاء، يريد فاسأل عنه عالما بكل شيء، و ﴿الرَّحْمنُ﴾ اسم من أسماء الله - تعالى - وهو مذكور في الكتب القديمة والصحف المنزلة، أي: فاسأل عن هذا الاسم من أهل الكتاب يخبروك بأنه موجود في كتبهم، ولم يتسمّ بهذا الاسم أحد، وكانوا يقولون لمسيلمة: رحمان اليمامة. وقيل: كانوا ينكرون إطلاق اسم الرحمن على الله. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠)﴾

стр. 632

﴿لِما تَأْمُرُنا﴾ للذي تأمرناه؛ كقوله [من البسيط]: أمرتك الخير (١) وقرئ (يأمرنا) بالياء (٢) أي: لما يأمرنا محمد ﴿وَزادَهُمْ﴾ ذكر اسم الرحمن ﴿نُفُوراً﴾ البروج: منازل الكواكب السيارة، مأخوذ من التبرج وهو الظهور؛ كقوله: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ (٣) وسميت بروجا، مأخوذ من تسمية القصور بروجا؛ كقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٤) لأنها منازل للكواكب، كالقصور للإنس والجن. ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢)﴾ وقرئ (سرجا) وهي الشمس والكواكب الكبار معها. ومن قرأ ﴿سِراجاً﴾ (٥) أراد به الشمس، وقرأ الأعمش والحسين (وقمرا) (٦) وهو جمع ليلة قمراء، كأنه: وذا قمر منيرا؛ لأن الليالي تكون قمرا به فأضافها إليه، ومثله قول حسان [من الكامل]: بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل (٧) ...

стр. 633

أي: ماء بردى ولا يبعد أن يكون القمر لغة في القمر، كالرّشد والرّشد، والعرب والعرب. الخلفة: من خلف، كالرّكبة من ركب، أعني: الحال التي هو عليها، أي: جعلهما ذوي خلفة، يذهب هذا ويأتي هذا. وقيل: يخلفه: يقوم مقامه في أداء الوظائف من فاته ورده بالليل قضاه بالنهار، أو بالنهار قضاه بالليل. ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ لأنه إذا رأى حركتهما علم أن لهما محركا قادرا عالما بالمصالح وشكر الله - تعالى - على النعمة بهما. ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥)﴾ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾ مبتدأ خبره آخر السورة، وهو ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ ويجوز أن يكون خبره ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ وأضافهم إلى ﴿الرَّحْمنِ﴾ تخصيصا وتفضيلا. وقرئ ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ﴾ (١) ﴿هَوْناً﴾ أي: يمشون مشيا ليّنا، إلا أن في وضع المصدر (١٥٢ /أ) موضع الصفة مبالغة، والهون: الرفق واللين، وفي الحديث: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما" (٢).وقوله: "المؤمنون هيّنون ليّنون" (٣).

стр. 634

وفي المثل: "إذا عز أخوك فهن" (١)،أي: إذا عسّر فيسّر، أي: يمشون بسكينة ووقار وتواضع. وكره بعض العلماء الركوب في الأسواق؛ لقوله: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ﴾ (٢) ﴿سَلاماً﴾ أي: لا نستعمل الجهل معكم فيسلمون بذلك عن الإثم والجهل والسفه، قال عمرو بن كلثوم [من الوافر]: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٣) وعن أبي العالية: نسختها آية القتال، ولا حاجة إلى ذلك، لأن الأمر بحسن الخلق ومقابلة الغليظ من القول باللين محمود في الشرع والعقل والمروءة، وأبعد عن الوقوع في الحرج (٤). يقال: بات فلان عند فلان إذا أدركه الليل عنده نمت أو لم تنم. قالوا: من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قلّ بات ساجدا أو قائما. وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء (٥)، والظاهر أنه أراد وصفهم بإحياء الليل أو أكثره، يقال: فلان يظل صائما ويبيت قائما (٦). ﴿غَراماً﴾ هلاكا ملحّا لازما، ومنه الغريم لإلحاحه. وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين وهم مع ذلك خائفون من الله يبتهلون إليه بصرف العذاب عنهم. ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ (٦٦) ﴿ساءَتْ﴾ مثل يئست، وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: جهنم، ويجوز أن تكون ﴿ساءَتْ﴾ بمعنى أحزنت، وفيها ضمير اسم إنّ و ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ حال أو تمييز، والتعليلان

стр. 635

يصحّ أن يكونا متداخلين أو مترادفين، وأن يكونا من كلام الله - تعالى - حكاية لقولهم. ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨)﴾ ﴿يَقْتُرُوا﴾ بكسر التاء وضمها و ﴿يَقْتُرُوا﴾ بتخفيف التاء وتشديدها (١)، وهي نقيض الإسراف الذي معناه مجاوزة الحدّ في الإنفاق، وهو كقوله - تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (٢) وقيل: الإسراف إنما هو في المعاصي، فأما في القرب فلا إسراف. وقال قائل: لا خير في السرف، فقيل له: لا سرف في الخير. وقيل: أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة (١٥٢ /ب) ولا يلبسون ثوبا للجمال والزّينة، ولقد كانوا يأكلون ما يسد جوعتهم، ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم، ويكنهم من الحرّ والقرّ. وقال عمر ﵁: «كفى سرفا ألا يشتهي الرجل شيئا إلا اشتراه وأكله» (٣). والقوام: العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين وقرئ (قواما) بالكسر (٤)، وهو ما يقام به الشيء ﴿بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ يجوز أن يكونا خبرين لكان، وأن يجعل «بين ذلك» لغوا،

стр. 636

و «قواما» مستقرا، وأن يكون الظرف خبرا و «قواما» حال مؤكدة، وأجاز الزجاج (١) أن يكون ﴿بَيْنَ ذلِكَ﴾ اسم كان، على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن، كقول الشاعر [من البسيط]: لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت ... حمامة ... (٢) وهو حسن من جهة الإعراب، ولكن المعنى ليس بقوي؛ لأنّ ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة، فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة (٣). ﴿حَرَّمَ اللهُ﴾ أي: حرّم قتلها، و ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ متعلق بهذا القتل المحذوف، أو ب ﴿وَلا يَقْتُلُونَ﴾. وذكر نفي هذه القبائح بعد وصفهم بتلك المحاسن العظيمة تعريض بالكفار؛ كأنه قال: وعباد الرحمن الفاعلون للخير المبرؤون مما نسب إلى هؤلاء، و ﴿يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ يدخل فيه الوأد وغيره. وقرئ (يلقى) بإثبات الألف (٤). والآثام: جزاء الإثم. ﴿يَلْقَ أَثاماً﴾ أي: جزاء آثام. وقرأ ابن مسعود (أياما) (٥) أي: شدائد. يقال: يوم ذو أيام، لليوم العصيب.

стр. 637

﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤)﴾ ﴿يُضاعَفْ﴾ بدل من ﴿يَلْقَ﴾ لأنهما بمعنى واحد، وقرئ (ويخلد) على البناء للمفعول، مخففا ومثقلا (١) ومعنى مضاعفة العذاب تكثيره لاختلاف موجباته من الكفر والمعاصي. ﴿يُبَدِّلُ﴾ ما كانوا عليه من التقصير بما وفقهم له من التوبة النصوح واستدل أصحاب السوء بأصحاب الخير، واستبدال السيئات بالحسنات. ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ﴾ أي: يرجع إليه مرجعا حسنا، وهو الذي يحب التوابين ويحب المتطهرين. ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي: لا يحضرون مواضع الفسق والفجور؛ صيانة لدينهم عما يثلمه، ولذلك امتنعوا من حضور أعياد المشركين. ﴿وَإِذا مَرُّوا﴾ بمن يتكلم باللغو والفاحشة أعرضوا عنه وأكرموا أنفسهم أن يحضروا مثل ذلك المكان. ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها﴾ ليس للخرور وإنما هو إثبات له (١٥٣ /أ) ونفي للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلما. هو نفي للسلام لا للقّاء، والمعنى: مسارعتهم إلى الخرور ومبادرتهم إليه بآذان سامعة وقلوب واعية، وقرئ (قرّات أعين) (٢) سألوا ربهم أن يرزقهم ذرية صالحة عاملين لله وليس شيء أقرّ لعين المسلم من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله. وقيل: سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم سرورهم. أراد أئمة

стр. 638

فاكتفى بالواحد في قوله: ﴿إِماماً﴾ لدلالته على الجنس، ولعدم اللبس؛ كقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ (١) أو اجعل كل واحد منا إماما، أو أراد جمع آم، كصائم وصيام، أو أراد واجعلنا إماما واحدا لاتحادنا واتفاق كلمتنا، وفيه دليل على أن الرياسة ينبغي طلبها قيل: نزلت الآية في العشرة المبشرين بالجنة (٢). ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَزْواجِنا﴾ يجوز أن تكون للبيان، كأنه قال: هب لنا قرّة أعين، ثم بيّن ذلك في الذريّة والأزواج، كقولك: رأيت منك أسدا، وأن تكون لابتداء الغاية، أي: هب لنا من جهة الأزواج والذرية، وإنما نكر القرّة لأنها مضافة إلى النكرة، وذكر جمع القلة؛ لأن المتقين قليل بالإضافة إلى غيره؛ لقوله - تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٣). ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧)﴾ وقوله: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ اكتفى فيه بالواحد للدلالة على الجنس؛ كقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ (٤) ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أي: بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات وعلى أذى الكفار ومجاهدتهم وعلى الفقر. وقرئ ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ كقوله: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً﴾ (٥) وقرئ (يلقون) (٦) مخففا؛ كقوله: ﴿يَلْقَ أَثاماً﴾.

стр. 639

التحية: دعاء بالحياة وطول العمر، والسلام: دعاء بالسلامة. تقول: ما عبأت به، أي: ما تحملت عنه ولا اكترثت به. لولا أنه دعانا إلى الإسلام والخير. ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أي: إذا كنت لا أعبأ إلا بدعائكم فقد كذبتم وأبطلتم الطريق الموصّلة إلى الاكتراث بكم. وقيل: ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة؟ والخطاب للمؤمنين والكفار جميعا، خوطبوا بما وجد في جنسهم من العناد والتكذيب ﴿فَسَوْفَ﴾ أي: فسوف يكون العذاب ﴿لِزاماً﴾ أي: لازما. وقرئ (لزاما) بالفتح (١) بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت (١٥٣ /ب). ***

стр. 640

سورة الشعراء [مكية، وفيها مدني] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)﴾ بتفخيم الألف وإمالتها وإظهار النون وإدغامها ﴿آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ الظاهر إعجازه والمراد به السورة أو القرآن. ﴿باخِعٌ﴾ قاتل بقطع البخاع، وهو عرق مستبطن للقفا. و"لعل" للإشفاق، يعني: أشفق على نفسك، ولا تقتلها غمّا بسبب تأخرهم عن الإيمان. وقرئ ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ (١). ﴿نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ أراد آية ملجئة إلى الإيمان؛ كنتق الجبل فوق رؤوسهم كالظلة. ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ﴾ معطوف على الجزاء؛ لأنه لو قيل: أنزلنا. لكن صحيحا ونظيره: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ (٢) كأنه قيل: أصدق. وقرئ (فتظلّ أعناقهم) (٣). فإن قيل: ما وجه ﴿خاضِعِينَ﴾ بجمع السلامة والأعناق لا تعقل؟ قلنا: الأصل فظلّ أصحاب الأعناق كقولك: ذهبت أهل اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. وقيل: إنما خصّ الأعناق؛ لأنها محلّ الخضوع. وقيل: أعناق الناس رؤساؤهم، كما قيل لهم: الرؤوس والنواصي والصدور، قال الشاعر [من البسيط]: في محفل من نواصي النّاس مشهود (٤) ... وقيل: جماعة من الناس، تقول: أتانا عنق، أي: جماعة. وعن ابن عباس: نزلت هذه

стр. 641

الآية فينا وفي بني أمية، ستكون لنا عليهم الدولة، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزة (١). ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾ ﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ وما يجدّد الله لهم بوحيه موعظة وتذكيرا إلا أعرضوا عنه، وخالف بين الألفاظ والغرض واحد وهي الإعراض والتكذيب والاستهزاء، والغرض وإن تقارب فهو مختلف؛ لأنهم حين أعرضوا فقد كذبوا، ولما كذبوا شرعوا في الاستهزاء. ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ تهديد معناه: سيعلمون في الآخرة خبر ما كذبوا به، وهو القرآن، فإنه الفصل الحق الذي لا محيد عنه. ﴿زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الكريم: وصف لكل ما يحمد ويرضى به، تقول وجه كريم: مرضيّ في جماله، وكتاب كريم: مرضيّ في معانيه وفوائده. وقال [من المنسرح]: حتّى يشقّ الصّفوف من كرمه (٢) ... أي: من كونه مرضيا في شجاعته وبأسه. والنبات الكريم: المرضيّ فيما يتعلق به من المنافع. ﴿إِنَّ فِي﴾ إنبات تلك الأصناف ﴿لَآيَةً﴾ دليلا على أن منبتها قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم غير مرجوّ إيمانهم. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الرَّحِيمُ﴾ من آمن وعمل صالحا (١٥٤ /أ) فإن قيل: ما معنى الجمع بين كل وكم؟ ولو قيل: كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟ قلنا: قد دل "كل" على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، ودلت "كم" على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، ونبه بذلك على كمال قدرته، ووصف الزوج بالكرم يحتمل وجهين: أحدهما: أن النبات على قسمين: نافع وضار، فذكر النافع وترك الضار.

стр. 642

والثاني: أن يريد جميع النبات من نافع وضار؛ لأنه تعالى حكيم ما يفعل شيئا إلا بمقتضى حكمة ولا بد في النوع الضار من منفعة، إما بقتل طاغية من الطغاة أو يستعمل اليسير منه للأمراض الخطرة وغير ذلك. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢)﴾ قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ ولم يقل: لآيات، مع أن النبات متكثر لوجهين: أحدهما: أن المراد إن في كل واحد لآية. والثاني: أن يكون الضمير عائدا على الإنبات، إن في إنبات ذلك. سجل عليهم بالظلم بأن وصفهم به أولا، ثم عطفهم على ﴿الظّالِمِينَ﴾ عطف البيان كأن حقيقة الظالمين إنما هي هؤلاء، وكأنهما لفظان مترادفان، إن شئت فسمّهم بالقوم الظالمين، وإن شئت فسمهم بقوم فرعون، وهم ظلمة من وجهين: أحدهما: شركهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١٣) (١). والثاني: ظلمهم بني إسرائيل لاستعبادهم. قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ قرئ بكسر النون أصله: يتقونني، فحذفت إحدى النونين لاجتماع المثلين تخفيفا، وقوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ كلام مستأنف. لما وصف قوم فرعون بالظلم فعجب الناس من جرأتهم على الله وأنهم لا يخافون عقابه، ومن قرأ (ألا تتّقون) (٢) فهو التفات عن الغيبة إلى الخطاب، وأجرى الوحي إلى موسى بذلك مجرى خطاب الكفار به وكم آية أنزلت في حق الكفار والقصد بها تسميع المؤمنين. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾

стр. 643

قرئ ﴿وَيَضِيقُ﴾ ﴿يَنْطَلِقُ﴾ بالرفع فيهما؛ [لأنهما معطوفان] (١) على خبر "إن" وقرئ بالنصب (٢) لعطفهما على صلة أن، والفرق بينهما في المعنى أن الرفع يفيد أن فيه ثلاثة علل: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصب على أن خوفه متعلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جملتها نفي انطلاق اللسان، وحقيقة الخوف إنما هو غمّ يلحق الإنسان لأمر سيقع وذلك (١٥٤ /ب) كان واقعا، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت: قد علق الخوف بتكذيبهم وبما يحصل له بسببه، وضيق الصدر والحبسة في اللسان زيادة على ما كان به، على أن الحبسة التي في لسانه قد زالت بدعوته. وقيل: بقيت منها بقية يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يرده الرفع؛ لأن المعنى: إني خائف، ضيق الصدر، غير منطلق اللسان! قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة بإطلاق لسانه واستجابتها، ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي منها، ويجوز ألا يكون مع حل العقدة من لسانه من الفصحاء، فإن العقدة انحل بعضها وبقي منها بقية، ولذلك قال فرعون عن موسى: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (٥٢) (٣) أي: لا يفصح عما يريد أن يتكلم به. ﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ أرسل إليه جبريل واجعله نبيّا، وهذا اختصار للقصة؛ كقوله: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً﴾ (٣٦) (٤) فاقتصر على ذكر طرفي القصة. فإن قيل: كيف ساغ لموسى أن يعتذر بعد أمر الله له بمشاركة هارون في النبوة وهي رتبة عظيمة؟ قلت: موسى لم يعتذر، وإنما قصد إزاحة علته وأن موسى رجل واحد فقير، وغريمه فرعون بلغ من كبره أنه ادعى الإلهية، وكفى بطلبه العون بأخيه دليلا على أنه قبل ولم يعتذر.

стр. 644

أراد بالذنب قتله القبطي، أي: ولهم عليّ تبعة ذنب، وهي قود القتل (١) سمّي جزاء التبعة ذنبا مجازا، وأراد أنه خائف أن يقتل قبل أداء الرسالة، فيفوت القصد ﴿قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦)﴾ وقوله: ﴿كَلاّ﴾ أي: ليس يقدر على قتلك. وقوله: ﴿فَاذْهَبا﴾ إجابة لموسى في جعل هارون نبيّا معه وزيرا. قوله : ﴿مَعَكُمْ﴾ و ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ خبر ل "إن" وهذا من مجاز الكلام يعني: إنني أشاهد ما يجري منكما وأنا قادر على دفعه عنكما. ومن صفات الله تعالى السميع، ولكن لا يسمى مستمعا؛ لأن المستمع هو المصغي، والاستماع من السمع، كالنظر من الرؤية، فإن قيل: لم أفرد ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ (٢)؟ قيل: أراد بالإفراد المصدر، كأنه قال: إنا ذويا رسول ربك، فأفرد كما يفرد المصدر؛ كقوله [من المتقارب]: ألكني إليها وخير الرّسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر (٣) وكقوله (١٥٥ /أ) [من الطويل]: لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بزور ولا أرسلتهم برسول (٤)

стр. 645

وقيل: أفرده لأن هارون وزير لموسى يشتوران على أمر واحد ويعزمون عليه (١٥٥ /أ). ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)﴾ ﴿أَنْ أَرْسِلْ﴾ بمعنى: أي أرسل؛ لتضمن الرسول معنى الإرسال، وهي قوله يفسّر بأي ومعنى الإرسال ههنا التخلية والإطلاق، ويمكنهم أن يذهبوا مع موسى إلى فلسطين ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون ولم يؤذن لهما سنة، حتى قيل لفرعون: إن ههنا إنسانا يزعم أنه رسول الله، فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه وأديا الرسالة، فعرف فرعون موسى، فإنه تربّى في حجره، فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً﴾ الوليد الصبي لقرب عهده بالولادة، وقرئ بسكون الميم من ﴿عُمُرِكَ﴾ (١). قوله: ﴿سِنِينَ﴾ قيل: مكث عندهم ثلاثين سنة وفر منهم على إثرها. عدد فرعون على موسى نعمته عليه بالتربية، ووبخه بقتل خبازه، وعظم ذلك بقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ جملة حالية، أي: وأنت من الكافرين بنعمتي، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا نسب به فرعون موسى إلى الكفر، وقد افترى عليه؛ فإن الأنبياء معصومون من الكفر، أو: كافر بأمر فرعون، أو كان ممن يكفر بإلهية فرعون، فقد قيل: إنه كان لهم أصنام يعبدونها؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (٢). ﴿قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ فأجاب موسى: بأني إنما قتلت القبطي وأنا جاهل بالحكم.

стр. 646

وقرأ ابن مسعود (من الجاهلين) (١) أي: فعلت فعل أولي الجهل والسفه، كما قال يوسف لإخوته: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ (٨٩) (٢) أو المخطئين، أي: لم أتعمد القتل، بل كنت مخطئا أو الناسين ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ (٣) ثم كرر موسى على إبطال ما عدد فرعون عليه من النعيم، يعني إن هذا الذي عددته نعمة هو نقمة على التحقيق، فإنه ما أكرم من أهين قومه. ﴿عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ اتخذتهم عبيدا. وقوله: (إذن) جزاء وجواب فما وضعه وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ كأنه قال: وجازيتني على حسن التربية قتلت خبازي، وأما الجواب فهو حاصل. وأفرد في قوله: ﴿تَمُنُّها﴾ وفي ﴿مِنْكُمْ﴾ جمع، وكذلك (١٥٥ /ب) قوله: ﴿خِفْتُكُمْ﴾ لأن الخوف والفرار لم يكونا من فرعون وحده، ولكن منه ومن ملئه ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (٤) وأما الامتنان والتعبيد فمن جهة فرعون خاصة. قوله: ﴿وَتِلْكَ﴾ إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا تعرف إلا بتفسيرها، وقد فسرها بقوله: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾. وقال الزجاج (٥): إنما ألقي موسى في اليم للخوف عليه حين كان يبقي الغلمان، ويقتل الذكور، فلو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي. وقول فرعون: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ سؤال عن حقيقة ذاته، فأجاب موسى بأن الذي يعرف من صفات الله مخلوقاته وآثاره، فأما ذاته سبحانه تعالى فلا سبيل إلى معرفتها إنه شيء لا كالأشياء، ومعنى سؤال فرعون إنكار أن يكون للعالمين إله سواه. تعجب فرعون والحاضرون من جواب موسى، حيث نسب الربوبية إلى غيره، ولما ثبت موسى على التعريف بآثار الله ومخلوقاته جننه فرعون وقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾

стр. 647

﴿لَمَجْنُونٌ﴾ وأعاد موسى الجواب بمثل ذلك فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ولوّح موسى بالجواب عن إساءة فرعون بنسبة موسى إلى الجنون فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني: أنتم أحق أن تنسبوا إلى الجنون. قيل: كان حوله خمسمائة رجل في أيديهم الأساور، وكانت للملوك خاصة - أعني الأساور - وعم بقوله: ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فلم خص بعد ذلك الآباء؟ لأن أقرب المنظور إليه أبو الإنسان وخاصته، ثم خصص المشرق والمغرب؛ لأن تعاقبهما بالشروق والغروب يدل على قادر يحركهما عالم بالمصلحة في ذلك، وهو مما لا يستطيع البشر المشاركة فيه، ولظهور هذا الدليل انتقل إبراهيم الخليل عن الاستدلال بالإحياء والإماتة إلى قوله: ﴿قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ (١) فلا ينهم، فلما أغلظوا له في القول ونسبوه إلى الجنون قابل ذلك بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ و ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ قال له فرعون: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ولم يقنع بأن يقول: لأسجننك وأراد ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ الذين عرفت خبرهم، وكان من عادته أن يلقي المسجون في هوّة ذاهبة في الأرض وحده لا يسمع ولا يرى. الواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ (١٥٦ /أ) واو الحال دخل الاستفهام عليها، أي: أتفعل بي ذلك ولو جئتك بحجة ظاهرة وآية بينة؟ وقوله: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ محذوف الجزاء، أي: إن كنت من الصادقين فأت به. ﴿ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر كونه ثعبانا، وليس كالمصنوع المزوّر. روي أنها انقلبت حية ورفعت رأسها إلى السماء قدر ميل ثم انحطت وقصدت فرعون، وقالت لموسى: مرني بما شئت، فقال فرعون لموسى: أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها فأخذها فعادت عصا (٢).

стр. 648

﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ يدل على أن بياضها كان شديدا يستوقف النظار؛ لتعجبهم منه لخروجه عن البياض المعتاد. قيل: كان لها ليده شعاع يغشى الأبصار ويسد الأفق و ﴿حَوْلَهُ﴾ منتصب بوجهين: أحدهما: أنه ظرف، وفي الظرف ضمير هو صاحب الحال. والثاني: النصب على الحال، ولقد تحيّر فرعون لما أبصر الآيتين وبقي لا يدري أي طرفيه أطول؟ حتى زل عنه ذكر دعوى الإلهية، ورعدت فرائصه حتى احتاج إلى مشاورة الذين هو إلههم بزعمه. قوله: ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ قول باهت قد انقطعت حججه. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾ ﴿تَأْمُرُونَ﴾ من المؤامرة وهي المشاورة، أو من الأمر ضد النهي، جعل العبيد آمرين وإلههم مأمور لما لحقه من الدهش و ﴿فَماذا﴾ منصوب، إما لكونه في معنى المصدر، وإما لكونه مفعولا به كقوله [من البسيط]: أمرتك الخير ... (١) ... أرجأته وأرجيته إذا أخّرته، وهم لغتان ومنه المرجئة وهم الذين لا يقطعون بوعيد الفساق ويقولون: هم مرجئون لأمر الله (٢). والمعنى: أخره ومناظرته ليجتمع السحرة. وقيل: احبسهما. ﴿حاشِرِينَ﴾ شرطا يجمعون السحرة. وأتوا بلفظة ﴿بِكُلِّ﴾ وبلفظ ﴿سَحّارٍ﴾ للمبالغة في تطمين نفس فرعون. ﴿لِمِيقاتِ يَوْمٍ﴾ هو يوم الزينة ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ استبطاء لإجابتهم ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ إن غلبوا موسى، وليس القصد إلا الطمع في أن يغلب فرعون موسى. قوله: ﴿إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ جزاء وجواب.

стр. 649

أقسموا بعزة فرعون، ولا يجوز القسم بغير الله ولو كان معظّما في الشرع، كالنبي والكعبة، فكيف بفرعون (١٥٦ /ب) وعزته؟! وقد استحدث الناس جاهلية؛ يحلف أحدهم بالله وبصفاته فلا يقبل منه حتى يحلف برأس سلطانه، فهي عندهم جهد اليمين (١). ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ ما يقلبونه عن الحق بالسحر والتخييل. أو: ما يكذبون، جعل أفعالهم كذبا مجازا. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ لأنهم لم يتمالكوا حين رأوا ما رأوا أن أسرعوا في السقوط. ﴿ساجِدِينَ﴾ فاعل إلقائهم هو الله الذي قذف في قلوبهم الإيمان، أو إيمانهم، أو ما رأوه من الآيات. ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبال ما فعلتم. ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمّا تَراءَ االْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ ﴿لا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا في ذلك بل هو أعظم نفع، وهو نصرة دين الحق. أو لا ضير علينا فيما تعذبنا به؛ لأنه لابد من لقاء الله حتى يأخذ كل ذي حق حقه، وخبر ﴿لا ضَيْرَ﴾ محذوف، أي: لا ضير علينا في ذلك ﴿أَنْ كُنّا﴾ لأن كنا، وكانوا أول جمع أسلموا حينئذ. وقيل: أول جمع من قوم فرعون أو من المشهد، وقرئ ﴿أَنْ كُنّا﴾ بالكسر (٢)، وهو من الشرط الذي يقوله من يدل بحصوله، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي﴾ (٣)

стр. 650

ويقول الصانع بعد فراغه مما استأجر عليه: إن كنت عملت لك فأعطني حقي. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ معناه: يتبعكم فرعون وقومه، فأغرقهم وأنجاكم ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ محكي بعد قول مضمر ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ جماعة قليلة، وثوب شراذم، أي: منقطع، ووصفهم بالقلة مع ذلك، وجمعهم جمع سلامة وهو دليل القلة، وأراد فرعون بهذا القول ألا تضعف حرمة فرعون عند الرعايا بما جرى له مع موسى من العصا واليد البيضاء. سمّى ما أخرجهم منه كنزا؛ لأنه لم ينفق في طاعة الله. ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ أي: المنابر. وقيل: السّرر. وقيل: المنازل الحسنة ﴿كَذلِكَ﴾ في محل الكاف ثلاثة أوجه: أحدها: النصب، أي: أخرجناهم إخراجا مثل ذلك. والثاني: الجرّ على الصفة لمقام. والثالث: الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ فلحقوهم ﴿مُشْرِقِينَ﴾ داخلين في وقت شروق الشمس. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى طريق النجاة. ﴿تَراءَ االْجَمْعانِ﴾ أبصر كل فريق أصحابه (١٥٧ /أ) قرئ ﴿إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ بتشديد الدال وكسر الراء (١) من ادّرك الشيء: إذا تتابع وهلك. قرئ (كل فلق) (٢) والفلق والفرق بمعنى واحد، والطود: الجبل العظيم. ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠)﴾ ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ﴾ حيث انفلق البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾ قوم فرعون، أي: قربناهم من بني إسرائيل. وقرئ ﴿وَأَزْلَفْنا﴾ بالقاف (٣)، أي: أزللنا أقدامهم، ويحتمل أن يكون الله تعالى جعل البحر لبني إسرائيل طريقا يبسا، ولفرعون وأصحابه زلقا. قيل: كان جبريل بين صفي موسى وفرعون فكان يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم أولكم، ويقول لأصحاب فرعون:

стр. 651

دونكم يلحق آخركم أولكم، فلما وصل موسى إلى البحر قال له مؤمن آل فرعون: أين أمرت فهذا البحر أمامك والعدو خلفك، وقد غشيك آل فرعون قال: أمرت بالبحر، ولا يدري موسى ما يصنع، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فصار فيه اثنا عشر طريقا، لكل سبط طريق (١). وروي أن موسى لما أجاب يوشع خاض يوشع في البحر تصديقا لقول موسى، فلما انفلق البحر بضرب العصا وجدوا يوشع في موضع الماء الذي خاض فيه لم يبتل له ثوب ولا عدة فرس (٢)، وهذا البحر بحر القلزم. وقيل: بحر من وراء مصر يقال له: إساف (٣). قوله : ﴿لَآيَةً﴾ أي: آية عظيمة. كان إبراهيم يعلم أنهم عبدة أوثان، وإنما سألهم ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ ليبكتهم. ﴿قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ فإن قيل: هم سئلوا عن المعبود فكان يكفي في الجواب أن يقولوا: أصناما؛ كقوله: ﴿ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً﴾ (٤) وكقوله: ﴿ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٥) وكقوله: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ (٦) قلنا: هؤلاء أتوا بالقصة على وجهها، ولهذا قالوا: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ كما لو قلت لرجل: ما تلبس من الثياب؟ فيقول: البرد الأتحميّ (٧) فأجرره بين

стр. 652

جواري الحي، وذلك يدل على ابتهاجه بهذا اللباس، وعلى ابتهاج قوم إبراهيم بعبادة الأصنام. وإنما قالوا: نظل. لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل. لابد في ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ من تقدير، وهو هل يسمعون دعاءكم؟ فإنك لو قلت: سمعت زيدا. لم يستقم حتى تقول: سمعته يقول أو يحدث. وقرئ ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ بضم الياء (١)، أي: هل يسمعونكم جوابا؟ وجاء ب ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ فيما مضى متكررا دعاؤكم (١٥٧ /ب) إياهم، ولم يجيبوا قط في حال من الأحوال، فلما أجابوا إبراهيم باتباع التقليد قال لهم: انتهوا بالتقليد إلى غاياته، وهو تقليد الأقدمين من آبائكم وصور المحاكمة في نفسه فقال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ كأنه قال: وجدت عبادتي للشيطان متابعة لعدو، وقد أخبرنا الله بعداوته لنا، وهذه نصيحة بدأت فيها بنفسي. العدو: واحد أتى به في موضع الجمع كما في المصادر ﴿إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ قيل: هو استثناء منقطع معناه لكن ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ هدى كل حيوان إلى مصالحه. وقال: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل: أمرضني؛ لأن أكثر الأمراض تحصل من سوء تصرف العبد في زيادة أكل أو نقصه أو في جنس المطعوم. وقيل: استعمل الأدب مع الله تعالى، فنسب الأمراض إلى نفسه ونسب العافية إلى الله. قوله: ﴿خَطِيئَتِي﴾ ما ينذر وقوعه من الأنبياء ﵈ من الصغائر. وقيل: هو قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٢) وقوله للقمر: ﴿هذا رَبِّي﴾ (٣) وقوله لسارة: هي أختي، وما هذه إلا معاريض، فهي حق وليست كذبا، والصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر عند المعتزلة وعندنا أمرها راجع إلى المشيئة ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (٤) وإنما استغفر إبراهيم عند المعتزلة تواضعا وتعليما لأمته، وطلب المغفرة يوم الدين والمغفرة ممكنة في الدنيا؛ لأن ظهور أثر المغفرة إنما يظهر في الآخرة (٥).

стр. 653

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ ﴿حُكْماً﴾ أي: حكمة. وقيل: سأل الإصابة في الحكم بين الخلق. وقيل: النبوة. والإلحاق بالصالحين: أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملة الصالحين. ﴿وَلا تُخْزِنِي﴾ ولا تهنّي، أو لا تجعلني مستحييا. ﴿يُبْعَثُونَ﴾ فيه ضمير إلى العباد أو إلى الضالين ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ إلا حال من أتى الله، وهو كقوله [من الوافر]: تحيّة بينهم ضرب وجيع (١) ... كما تقول: هل لفلان مال؟ فيقال: ماله سلامة قلبه، مرادك: نفي المال عنه، ويجوز أن يراد: إلا غنى من أتى الله. وقيل: إلا مال من أنفق ماله في الخير وأولاد من علمهم الخير والقرآن. وقيل: السليم الملسوع تألّما على ما سلف منه من التقصير، وهو من بدع التفاسير (٢). رتب إبراهيم الكلام مع الكفار فاستفهم عما يعبدونه وهو يعلم أنهم يعبدون الأصنام ثم أبطل إلهية (١٥٨ /أ) أصنامهم بأنها لا تنفع ولا تضر، ورد تقليد آبائهم الأولين، ثم عدد نعم الله عليه بالهداية والإطعام والسقي والشفاء من المرض وغير ذلك، ثم تضرع إلى الله أن يلحقه بالصالحين، وأن يجعل له ذكرا جميلا إلى يوم القيامة، ثم وصله بذكر يوم القيامة. ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ ﴿قالُوا وَهُمْ فِيها﴾

стр. 654

﴿يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ ﴿الْجَنَّةُ﴾ تكون قريبة من موقف السعداء، وهو معنى قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي: قربت للمتقين، وقال: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ وهذه الصيغة كرر فيها الكب، ونحوه الصلصلة لتكررها، جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى. ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ متبعوه من شياطين الإنس والجن، يجوز أن ينطق الله الأصنام فيختصموا مع عابديها، ويجوز أن يكون المراد العصاة ممن عبد ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ بأنهم تبين لهم أنهم مفترون في كون آلهتهم تشفع لهم، فأخبر عنهم أنهم لا يشفعون ولا ينفعون، وما لا ينفع فهو في حكم المعدوم. الحميم: هو الذي يهمه ما أهمك أو من الحامة بمعنى الخاصة وهو الصديق الخاص، وجمع الشفعاء وأفرد الصديق لكثرة الشفعاء وقلة الصديق، فمن وقع في شدة يستشفع بالصديق وغير الصديق. وسئل بعضهم عن الصديق فقال: اسم لا معنى له، ويجوز أن يراد بالصديق الجمع كما في العدو. الكرّة: الرجعة إلى الدنيا و ﴿فَلَوْ﴾ هاهنا للتمني كأنهم قالوا: يا ليتنا نرد ويجوز أن تكون "لو" على بابها ويحذف الجواب، أي: لو أن لنا كرة لأطعنا. ﴿قَوْمُ﴾ مؤنثة وتصغيرها: قويمة. ونظير قوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ والمراد نوح وحده قولك: فلان يركب الدواب ويلبس البرود، وما له إلا دابة وبرد. قوله : ﴿أَخُوهُمْ﴾ أي: في الدين لا في النسب، وكذلك قولهم: يا أخا بني تميم ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه. ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: على هذا الأمر، وكرر الأمر بالتقوى ليؤكده عليهم؛ ولأنه علل الأمر الأول بكونه أمينا، وفي الثاني حسم طمعه عنهم. وقرئ ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (١) جمع تابع، والواو للحال، و "قد" بعدها مضمرة

стр. 655

﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ يريد الأحقرين واسترذلوهم لفقرهم. وقيل: لصناعتهم الدنية كالحاكة والأساكفة (١). ﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦)﴾ قوله: ﴿وَما عِلْمِي﴾ يريد انتفاء علمه بثبوت إيمانهم وأنه ليس مسؤولا (١٥٨ /ب) عن ذلك، وإنما عليه البلاغ. ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ﴾ طمعا في إيمانكم، وإنما عليّ الإنذار، وأقنع ممن يتابعني بالإيمان الظاهر. ﴿فَافْتَحْ﴾ أي: فاحكم. والفتاحة: الحكم ﴿الْفُلْكِ﴾ السفن يطلق على الواحد والجمع، ونظيره الهجان والدلاص (٢) للواحد والجمع. ﴿الْمَشْحُونِ﴾ المملوء. والريع بكسر الراء وفتحها (٣) المكان المرتفع، ومنه قولك: كم ريع أرضك؟ أي: كم ارتفاعها؟ و ﴿لَآيَةً﴾ العلم، وكانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم، فاتخذوا في طرقهم

стр. 656

أعلاما طوالا فنسبوا إلى العبث؛ لأنهم كانوا مستغنين بالنجوم عن العلامات. وقيل: أراد بيوت الحمام. وقيل: القصور المشيدة والحصون ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ ترجون الخلود في الدنيا، أو يشبه حالكم حال من يخلد. وقرئ ﴿تَخْلُدُونَ﴾ بضم التاء مشددا ومخففا (١) والبطش بالسيف والصوت من الجبروت والعلو. وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب. وقيل: تبادرون عند الغضب إلى البطش من غير تثبت ونظر في العواقب، واستشهد بعلمهم بما أنعم به عليهم، وقرن الأولاد بالنعم؛ لأنهم الذين يعينون آباءهم على اقتنائها. ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾ من قرأ ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالفتح فمعناه: إن ما جئت به اختلاق الأولين، ومن قرأ بضم الخاء واللام (٢) فالمراد: عادة الأولين، قام فيهم قوم ادعوا النبوة فلم يثبت لهم أمر. وقوله: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ لأنهم طلبوا أن الرسل لا يصلح أن يكونوا من الواعظين، فهو أبلغ من قولهم: أو لم تعظ. قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ إنكار أن يخلدوا في

стр. 657

نعيمهم، ويجوز أن يكون إنكارا لتركهم لا يجازون أجمل النعم في قوله: ﴿ما هاهُنا﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ قوله: ﴿وَنَخْلٍ﴾ هو داخل في قوله: ﴿جَنّاتٍ﴾ يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام ويجوز أن يراد بالجنات ما سوى النخل ثم يعطف عليه النخل، والهضيم: الضامر، وطلع الإناث من النخل ألطف وألين من طلع الفحال، ويجوز أن يريد أن هذه النخيل أصابت أرضا طيبة، فحملت الحمل الكثير، وإذا أكثر الحمل ضمر. الفراهة: الكيس والنشاط. وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (١٥٩ /أ) يريد أن فسادهم لا ينفع فيه شيء من الصلاح. ﴿الْمُسَحَّرِينَ﴾ الذي سحر كثيرا فغلب على عقله. وقيل: هو من السّحر وهو الرئة. الشرب: النصيب من الماء. سألوا صالحا أن يخرج لهم من هضبة ناقة عشراء وتلد سقبا فصلى صالح ركعتين ودعا الله، فتمخضت الهضبة وانشقت عن ناقة لا يعلم قدرها إلا الله، ثم تمخضت فنتجت سقبا يقاربها في العظم (١) ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ بنحر أو بعقر أو غيرهما، وعظم اليوم والمراد تعظيم ما وقع فيه. ﴿فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾ ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾

стр. 658

﴿أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾ وقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ. فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ﴾ فندموا على ما فعلوا من مخالفة صالح، ولم يكن ندمهم توبة؛ لأنهم ما ندموا على العصيان، وإنما ندموا على فساد رأيهم، واللام في ﴿الْعَذابُ﴾ إشارة إلى عذاب يوم عظيم. أراد ب ﴿الْعالَمِينَ﴾ الناس مع كثرتهم وغلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة والعالمون على هذا كل ما ينكح من الحيوان و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَزْواجِكُمْ﴾ لبيان الجنس أو للتبعيض. ويراد ب ﴿ما خَلَقَ﴾ العضو المباح منهن. وقرئ "ما أصلح لكم ربّكم من أزواجكم" (١) وكأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم ﴿قَوْمٌ عادُونَ﴾ قد تجاوزوا الحد في العصيان بل أنتم عادون في جميع المعاصي. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن إنكارك لما نحن عليه لتكونن من جملة من أخرجناه من المدينة. قوله: ﴿مِنَ الْقالِينَ﴾ أبلغ من أن يقول: إني قال لعملكم. والقلي أشد البغض، كأنه يقلي الفؤاد بحرقته. ﴿مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ من إتيان الذكران. وقيل: أمدني بالعصمة. قوله: ﴿إِلاّ عَجُوزاً﴾ استثناها لأنها هلكت لرضاها بفعل قومها. قيل: إنها هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة. وكان أصحاب الأيكة أصحاب شجر ملتف، وشجرهم الدوم. ﴿بِالْقِسْطاسِ﴾ الميزان. وقيل: العدل، ونهاهم عن الفساد في الأرض وقطع الطريق و ﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾ الخلقة، ودخلت الواو في قوله: ﴿وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ﴾ ولم تدخل في قصة صالح، فإذا دخلت كانوا قد أنكروا أمرين، وإذا لم تدخل كانوا لأمر واحد، والسماء: السحاب، أو المظلة. وإنما طلبوا ذلك

стр. 659

إفحاما لشعيب وتعجيزا له، لو تصوروا صورة سقوطها لما أخطر ذلك ببالهم (١٥٩ /ب) يروى أنه حبس عليهم الريح سبعا فخرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فأووا إلى بردها، فأمطرت عليهم نارا. وكرر في أول كل قصة وآخرها ما كرره من المواعظ الحسنة لعلة، لعله أن يفتح آذانا صما، وقلوبا غلفا، وهكذا فائدة التكرير ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ﴾ أي: ذو تنزيل ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ أي: لتحفظه. ﴿بِلِسانٍ﴾ إما أن يتعلق ب ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾ أي: من المنذرين باللسان العربي، وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد صلوات الله عليهم. وإما أن يتعلق ب ﴿نَزَلَ﴾ أي: نزله بلسان عربي قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: وإن ذكره ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: كتبهم. وقيل: إن معانيه فيها ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ احتج به أبو حنيفة على جواز قراءة القرآن بالعجمية (١). وقيل: الهاء في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائد إلى النبي ﷺ . قرئ ﴿يَكُنْ﴾ بالتذكير، و ﴿آيَةً﴾ بالنصب على أنها خبره ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الاسم، وقرئ ﴿يَكُنْ﴾ بالتأنيث (٢)، وجعلت ﴿آيَةً﴾ اسما و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ خبرا، وليست كالأولى؛ لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا، وقد خرج لها وجه آخر للتخلص من ذلك، فقيل في ﴿يَكُنْ﴾ ضمير القصة و ﴿آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ جملة واقعة موقع الخبر، ويجوز على هذا أن تكون ﴿لَهُمْ آيَةً﴾ هي جملة الشأن و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ بدلا عن ﴿آيَةً﴾ ويجوز مع نصب الآية تأنيث

стр. 660

(تكن) كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ (١). و ﴿عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ من آمن منهم كعبد الله بن سلام ﴿سَلَكْناهُ﴾ أدخلناه ومكناه مكذبا. ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني يترتب هذا على هذا، ولم يرد أنه يقع عقيبه ﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ أي: لم يغن عنهم. ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنّا ظالِمِينَ (٢٠٩) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤)﴾ وقوله هاهنا: ﴿إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ وقال في الحجر: ﴿إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ (٢) فأثبت الواو، إنما كان ذلك؛ لأن الأصل حذف الواو؛ لأن الجملة بعدها صفة للنكرة، والأصل في الصفات ألا تعطف بالواو (٣). قوله: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ المراد به كل سامع، وروي أنه لما نزل قوله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا فنادى قبائل العرب بطنا بطنا، فاجتمعوا إليه (١٦٠ /أ) فذكرهم وحذرهم فقال أبو لهب: تبت يداك ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) (٤). الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع خفض جناحه، وإذا أراد أن يطير نشره، فقيل له:

стр. 661

﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ﴾ أي: ألن جانبك، وكانت المتكاهنة كشق وسطيح يسمعون إلى الملأ الأعلى وينزلون بأخبار السماء، فعزلوا عن ذلك، ومنعوا من استراق السمع. وقرأ عيسى بن عمر (١) «والشعرآء» بالنصب (٢)، بإضمار فعل. قال أبو عبيد (٣): كان الغالب عليه حبّ النصب، قرأ «حمّالة الحطب» (٤) و «وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ» (٥) و «سورة أنزلنها» (٦). وقرئ «يتّبعهم» بسكون العين (٧) تشبيها له ب "عضد".

стр. 662

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ ذكر الوادي والهيوم لذهابهم في كل شعب، ومدحهم من لا يستحق حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأبخل الناس على حاتم. وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله [من الوافر]: فبتن بجانبيّ مصرّعات ... وبتّ أفضّ أغلاق الختام (١) فقال: قد وجب عليك الحدّ. فقال: يا أمير المؤمنين، قد درأ الله عني الحد: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ (٢). قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لما استثنى المؤمنين من الشعراء المذمومين، وهم الذين لا يقولون شعرا يكسبون فيه إثما، وينظمون الحكم والآداب وينافحون عن النبي ﷺ وهم أربعة: عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك. ﴿وَانْتَصَرُوا﴾ على من ظلمهم وهجاهم من الكفار. ختم الله هذه السورة بتهديد بليغ وهو ما في السين من قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ وعمّ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وما منا إلا من عصا ربه وظلم، فعلى العاقل أن يجعل هذه الآية نصب عينيه، والله أعلم. (١٦٠ /ب). ***

стр. 663

سورة النمل [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾ ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات السورة. والكتاب المبين: اللوح. وإبانته: أنه مبين فيه كل شيء. أو السورة، أو القرآن، وإبانتهما: أنهما بينا ما اشتملا عليه من الأحكام والحكم وإضافة الآيات إلى القرآن تعظيم؛ فإن الإضافة إلى العظيم تعظمه، ونكّر الكتاب المبين؛ ليكون أفخم له؛ كقوله: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (١) وإذا أريد به القرآن فهو من عطف الصفات بعضها على بعض؛ كقولك: هذا فعل السخي والجواد والكريم، والتقدير: آيات القرآن، وآي كتاب مبين، والمعطوف بالواو تارة يكون تقديم أحد الأمرين على الآخر لمزية ظاهرة؛ كقوله: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ (٢) وتارة لا مزية فيه؛ كقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾ (٣) ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٤). ﴿هُدىً وَبُشْرى﴾ إما نصب على الحال، أي: هاديا ومبشرا. وإما رفع على إضمار هو أو على البدل من "الآيات" أو على أن يكون خبرا بعد خبر. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يجوز أن يكون من تمام الصلة عنده، ويكون جملة اعتراضية؛ كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة، وتكرير "هم" يقوي هذا المعنى. نسب الله التزيين إليه بقوله: ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ وإلى الشيطان بقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ﴾

стр. 664

﴿الشَّيْطانُ﴾ (١) إلا أن الإضافة إلى الله حقيقة وإلى الشيطان مجاز. ﴿سُوءُ الْعَذابِ﴾ القتل والأسر يوم بدر. ﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ لتؤتاه من عند أيّ حكيم عليم، وهو معنى تنكيرهما. ﴿إِذْ قالَ مُوسى﴾ اذكر ٧ ذ قال موسى لأهله. قيل: لم يكن معه سوى زوجته، فأتبع ذلك بورود الخطاب بلفظ الجمع في قوله: ﴿اُمْكُثُوا﴾ (٢). ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢)﴾ الشهاب: الشعلة. والقبس: النار المقبوسة. ومن قرأ ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ بالإضافة (٣) لأن الشهاب يكون قبسا وغير قبس، ومن نون الشهاب جعل القبس بدلا أو صفة. ﴿سَآتِيكُمْ﴾ (١٦٢ /أ) جزم فيه بحصول القبس. وفي طه قال ﴿لَعَلِّي﴾ (٤) فجعله مترجيا لذلك؛ لأن المهتم بالأمر إذا ظن حصوله يقول: سأفعل كذا، وسأصنع كذا. وأتى بلفظة "أو"؛ لأنه بنى الأمر على حصول أحد الأمرين؛ النار وهداية الطريق. ولقد وجدهما معا، وحصل له عز الدنيا وعز الآخرة. "أن" في قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ مفسرة؛ لأن النداء فيه معنى القول. ولا يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة؛ لأنه لا بد فيه من "قد" ولا يجوز إضمارها؛ لأن فيها فائدة تذهب بحذفها، ومن البركة في تلك البقعة ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ إرسال موسى نبيّا، وكلام الله تعالى له، وظهور المعجزة. ورب خير يظهر في بعض البقاع فينشر الله بركته في أقاصيها وأدانيها. وقيل: المراد بالمبارك: موسى والملائكة الحاضرون، وإنما نودي بذلك بشارة لموسى بأنه يقع أمر عظيم وبركة شاملة،

стр. 665

وكذلك قوله: ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وفيه تعجيب لموسى ﵇ من عظم البركة التي تنتشر من هذه البقعة. الهاء في "إنه" ضمير الشأن. ﴿أَنَا اللهُ﴾ وتفسير للشأن، ويكون المراد: إن مناديك ومخاطبك أنا الله العزيز الحكيم. وعطف قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ﴾ على ﴿بُورِكَ﴾ لأنه نودي بهما جميعا. قوله : ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناء من غير الجنس، أي: ولكن من ظلم نفسه منهم في وقوع شيء مما يجوز على الأنبياء ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿بَدَّلَ حُسْناً﴾ أي: توبة ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ بعد معصية. ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ أي: اذهب في تسع آيات، ويجوز أن يكون المعنى: وألق عصاك وأدخل يدك في تسع آيات، أي: في جملة تسع آيات وعدادهن، وهي العصا واليد البيضاء والقمل والضفادع والدم والجراد والجدب في البوادي والطوفان والطمسة وانفلاق البحر والنقصان في مزارعهم فتكون إحدى عشرة؛ إلا أن الجدب قد ينازع في كونه آية. ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ المبصرة: الظاهرة البينة، وجعل إبصار أهلها بها كأنه إبصارها، ويجوز أن يراد أنها سبب في استبصار كل من رآها أو (١٦٢ /ب) في استبصار فرعون وجنوده، ولأن كلمة الحق تهدي، وكلمة الباطل تضل، ومنه قوله تعالى: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ (١) الواو في "واستيقنتها" واو الحال، و "قد" بعدها مضمرة. والعلو: الكبر والترفع عما جاء به موسى، كقوله: ﴿وَكانُوا قَوْماً عالِينَ﴾ (٢) وفائدة ذكر الأنفس، والعدول عن قوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْها﴾ للدلالة على أنهم قد رسخ ذلك في قلوبهم واستقر في بواطنهم. (علما) أي: نوعا من العلوم. وقيل: أراد تعظيمه، أي: علما سنيا. قوله: ﴿عَلى كَثِيرٍ﴾ يريد من لم يؤت علما، أو لم يؤت مثل علمها. وفيه دليل على

стр. 666

شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، ويجب عليهم شكر الله تعالى على ما وهبهم من العلم، ويجب على من وهب العلم أن يعتقدوا أنهم وإن فضلوا على كثير فقد فضل عليهم غيرهم وقد قال عمر: "كل الناس أفقه من عمر" (١) هضما لنفسه. ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ﴾: من أبيه، ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه. وكانوا تسعة عشر، وكان داود أكثر تعبّدا، وسليمان أقضى وأشكر لنعمة الله. ﴿وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ تشهيرا لنعمة الله وإظهارا لها؛ ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢) وطلب من الناس تصديقهم بهذه المعجزة بعد النظر فيها. و ﴿مَنْطِقَ﴾ كل ما يصوّت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وقد ترجم يعقوب (٣) كتابه ب "إصلاح المنطق" وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم (٤). والذي

стр. 667

علمه سليمان من منطق الطير ما يعرف به مقاصدها. ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يريد: تفنّنه في العلوم، وهو كقوله في بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ شكر لم يقصد به المباهاة، وهو كقوله ﵇:" أنا سيد ولد آدم ولا فخر " (١). قوله: ﴿عُلِّمْنا﴾ و ﴿وَأُوتِينا﴾ بنون العظمة، وليس حقيقا بالتعظيم؛ لأنه أراد نفسه وأباه ولأن الملك يراد من صفاته أن يكون له هيئة حسنة، وكلام جزل لتقوى بذلك حرمته وتنفذ كلمته، وقد أمر رسول الله ﷺ بحبس أبي سفيان حتى تمرّ عليه الكتائب (٢). ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة؛ خمسة وعشرون للإنس (١٦٣ /أ) وخمسة

стр. 668

وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للجن، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية، ونسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم (١) فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسط البساط، وهو من ذهب - فيجلس الناس حوله، والجن حول الناس، وتظلّه الطير بأجنحتها؛ حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصّبا ذلك البساط، فيقطعوا بالغداة مسيرة شهر، وفي العشي مسيرة شهر، وكان يأمر الريح العاصف برفعه، ويأمر الريح اللينة وهي الرخاء فتسيره، فأوحى الله إليه: أني زدت في ملكك لا يتكلم أحد بشيء إلا حملت الريح ذلك إلى سمعك. فحكي أنه مرّ بحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما. فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث، وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنّى ما لا تقدر عليه، ثم قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود. ﴿يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم حتى يلحقهم آخرهم؛ لأن اجتماعهم أهيب وأوقع في النفوس. ﴿وادِ النَّمْلِ﴾ بالشام وهو كثير النمل. قرئ ﴿النَّمْلِ﴾ بضم الميم وهي لغة، وكذلك النّملة (٢)، وإنما عدّي ﴿أَتَوْا﴾ ب ﴿عَلى﴾ لأن إتيانهم الوادي كان من فوق، أو لأنه يراد قطع الوادي وبلوغ آخره، يقال: أتى على الشيء. إذا أكمله، وكان سليمان قد أراد أن ينزل عند منقطع الوادي، وإلاّ فما داموا فوق البساط لا يتأذى به النمل ولا غيره من الحيوانات. ويحكى أن قتادة دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عمّا شئتم. وكان أبو حنيفة غلاما فقال: سلوه عن نملة سليمان؛ أكانت ذكرا أم أنثى؟ فأفحم قتادة؛ فقال أبو

стр. 669

حنيفة كانت أنثى؛ لقوله تعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولم يقل: قال نملة، ولأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميّز بينهما بعلامة تقول: حمامة ذكر وحمامة أنثى (١) ولمّا وصف النملة بالقول أجراها مجراهم في قوله: ﴿مَساكِنَكُمْ﴾ و ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وهو كقوله (١٦٣ /ب) ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٢) يريد الشمس والقمر. وقوله: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يجوز أن يكون جوابا للأمر، وأن يكون نهيا. ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ﴾ والمراد جنوده، أو المجموع؛ كقولك [من الرجز]: عجبت من نفسي ومن إشفاقها (٣) ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً﴾ أخذ في الضحك؛ لأنه تجاوز حدّ التبسم منتهيا إلى الضحك وهذا هو الضحك النبوي، وأما ما روي "أنه ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه" (٤) فهو مبالغة في ضحك النبوة، وإنما ضحك سليمان من قولها كاشفة لعذر سليمان بقولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: أنهم لو شعروا لم يفعلوا، وسرورا بما وهبه الله تعالى من إطلاعه على كلام بصوت خفيّ من نملة حتى وعاه سليمان وعرفه. ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ ولا جرم دعا ربّه فقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ومعنى ﴿أَوْزِعْنِي﴾ اجعلني أزع شكر نعمتك

стр. 670

وأكفه وأجعله مرتبطا؛ حتى لا أزال شاكرا لك، وأدرج ذكر والديه؛ لأن النعمة على الولد نعمة على الوالد؛ خصوصا النعم الدينية. وروي أن النملة أحسّت بصوت الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء؛ فأمر سليمان ﵇ الريح فوقفت؛ لئلا يذعون حتى دخلن مساكنهن. قوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ أي: واجعلني من أهل الجنة (أم) هي المنقطعة. نظر سليمان إلى مكان الهدهد فلم يره فقال: ﴿ما لِيَ لا أَرَى﴾ على تقدير أن الهدهد حاضر وسليمان لا يراه بل كان غائبا. وروي أن سليمان نزل بصنعاء فرأى أرضا مخصبة فنزل بعسكره يستريح فطار الهدهد حين نزل سليمان فلقي هدهدا آخر فتواصفا ملك صاحبيهما وفي ذلك الوقت تفقّد سليمان الهدهد فلم يره. وقيل: نزلت الشمس على سليمان فرأى موضع الهدهد خاليا؛ فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي: ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة، فطلب العقاب، وقال: ائتني بالهدهد، فتوجه لطلبه، فلما أدركه قصد إليه فقال له الهدهد: أسألك بالذي أقدرك عليّ وأضعفني إلاّ تركتني. فقال له العقاب: إن سليمان قال كذا وكذا، فرجع مع العقاب إلى سليمان، فلمّا رأى الهدهد سليمان أرخى جناحيه دلاّ بين يدي سليمان (١٦٤ /أ) فقال له: أين كنت عن موقفك؟ فقال: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ من خبر بلقيس ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ الآيات. والمرأة بلقيس بنت شراحيل، وكان عرشها قوائمه من ذهب، وكان مكللا بالجواهر المختلفة. فإن قلت: كيف وصف الهدهد عرش بلقيس بالعظم، وقد رأى ملك سليمان وعظمته؟ قلت: استصغر بلقيس عن أن تملك مثله؛ فعظم بالنسبة إليها، ويجوز ألا يكون لسليمان مثله، وإن عظمت مملكته في كل شيء كما يكون لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون مثله للملك. وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من كل شيء يحتاج إليه الملك؛ لأنه عطف على الملك خاصة، وقول سليمان: ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من النبوة والحكمة والمعجزة؛ لأنه عطف على قوله: ﴿عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ إلى آخر الآية. وألهم الله الهدهد وعلمه أن بلقيس وقومها لا يهتدون، وأن الشيطان زين لهم ذلك كما ألهم جميع الحيوانات مصالحها. ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧)﴾
следующие страницы →