← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، ويجب عليهم شكر الله تعالى على ما وهبهم من العلم، ويجب على من وهب العلم أن يعتقدوا أنهم وإن فضلوا على كثير فقد فضل عليهم غيرهم وقد قال عمر: "كل الناس أفقه من عمر" (١) هضما لنفسه. ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ﴾: من أبيه، ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه. وكانوا تسعة عشر، وكان داود أكثر تعبّدا، وسليمان أقضى وأشكر لنعمة الله. ﴿وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ تشهيرا لنعمة الله وإظهارا لها؛ ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢) وطلب من الناس تصديقهم بهذه المعجزة بعد النظر فيها. و ﴿مَنْطِقَ﴾ كل ما يصوّت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد، وقد ترجم يعقوب (٣) كتابه ب "إصلاح المنطق" وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم (٤). والذي

стр. 667

علمه سليمان من منطق الطير ما يعرف به مقاصدها. ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يريد: تفنّنه في العلوم، وهو كقوله في بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ شكر لم يقصد به المباهاة، وهو كقوله ﵇:" أنا سيد ولد آدم ولا فخر " (١). قوله: ﴿عُلِّمْنا﴾ و ﴿وَأُوتِينا﴾ بنون العظمة، وليس حقيقا بالتعظيم؛ لأنه أراد نفسه وأباه ولأن الملك يراد من صفاته أن يكون له هيئة حسنة، وكلام جزل لتقوى بذلك حرمته وتنفذ كلمته، وقد أمر رسول الله ﷺ بحبس أبي سفيان حتى تمرّ عليه الكتائب (٢). ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة؛ خمسة وعشرون للإنس (١٦٣ /أ) وخمسة

стр. 668

وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للجن، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية، ونسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم (١) فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسط البساط، وهو من ذهب - فيجلس الناس حوله، والجن حول الناس، وتظلّه الطير بأجنحتها؛ حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصّبا ذلك البساط، فيقطعوا بالغداة مسيرة شهر، وفي العشي مسيرة شهر، وكان يأمر الريح العاصف برفعه، ويأمر الريح اللينة وهي الرخاء فتسيره، فأوحى الله إليه: أني زدت في ملكك لا يتكلم أحد بشيء إلا حملت الريح ذلك إلى سمعك. فحكي أنه مرّ بحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما. فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث، وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنّى ما لا تقدر عليه، ثم قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود. ﴿يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم حتى يلحقهم آخرهم؛ لأن اجتماعهم أهيب وأوقع في النفوس. ﴿وادِ النَّمْلِ﴾ بالشام وهو كثير النمل. قرئ ﴿النَّمْلِ﴾ بضم الميم وهي لغة، وكذلك النّملة (٢)، وإنما عدّي ﴿أَتَوْا﴾ ب ﴿عَلى﴾ لأن إتيانهم الوادي كان من فوق، أو لأنه يراد قطع الوادي وبلوغ آخره، يقال: أتى على الشيء. إذا أكمله، وكان سليمان قد أراد أن ينزل عند منقطع الوادي، وإلاّ فما داموا فوق البساط لا يتأذى به النمل ولا غيره من الحيوانات. ويحكى أن قتادة دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال: سلوا عمّا شئتم. وكان أبو حنيفة غلاما فقال: سلوه عن نملة سليمان؛ أكانت ذكرا أم أنثى؟ فأفحم قتادة؛ فقال أبو

стр. 669

حنيفة كانت أنثى؛ لقوله تعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولم يقل: قال نملة، ولأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميّز بينهما بعلامة تقول: حمامة ذكر وحمامة أنثى (١) ولمّا وصف النملة بالقول أجراها مجراهم في قوله: ﴿مَساكِنَكُمْ﴾ و ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ وهو كقوله (١٦٣ /ب) ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٢) يريد الشمس والقمر. وقوله: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يجوز أن يكون جوابا للأمر، وأن يكون نهيا. ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ﴾ والمراد جنوده، أو المجموع؛ كقولك [من الرجز]: عجبت من نفسي ومن إشفاقها (٣) ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً﴾ أخذ في الضحك؛ لأنه تجاوز حدّ التبسم منتهيا إلى الضحك وهذا هو الضحك النبوي، وأما ما روي "أنه ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه" (٤) فهو مبالغة في ضحك النبوة، وإنما ضحك سليمان من قولها كاشفة لعذر سليمان بقولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: أنهم لو شعروا لم يفعلوا، وسرورا بما وهبه الله تعالى من إطلاعه على كلام بصوت خفيّ من نملة حتى وعاه سليمان وعرفه. ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ ولا جرم دعا ربّه فقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ومعنى ﴿أَوْزِعْنِي﴾ اجعلني أزع شكر نعمتك

стр. 670

وأكفه وأجعله مرتبطا؛ حتى لا أزال شاكرا لك، وأدرج ذكر والديه؛ لأن النعمة على الولد نعمة على الوالد؛ خصوصا النعم الدينية. وروي أن النملة أحسّت بصوت الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء؛ فأمر سليمان ﵇ الريح فوقفت؛ لئلا يذعون حتى دخلن مساكنهن. قوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ أي: واجعلني من أهل الجنة (أم) هي المنقطعة. نظر سليمان إلى مكان الهدهد فلم يره فقال: ﴿ما لِيَ لا أَرَى﴾ على تقدير أن الهدهد حاضر وسليمان لا يراه بل كان غائبا. وروي أن سليمان نزل بصنعاء فرأى أرضا مخصبة فنزل بعسكره يستريح فطار الهدهد حين نزل سليمان فلقي هدهدا آخر فتواصفا ملك صاحبيهما وفي ذلك الوقت تفقّد سليمان الهدهد فلم يره. وقيل: نزلت الشمس على سليمان فرأى موضع الهدهد خاليا؛ فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أي: ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة، فطلب العقاب، وقال: ائتني بالهدهد، فتوجه لطلبه، فلما أدركه قصد إليه فقال له الهدهد: أسألك بالذي أقدرك عليّ وأضعفني إلاّ تركتني. فقال له العقاب: إن سليمان قال كذا وكذا، فرجع مع العقاب إلى سليمان، فلمّا رأى الهدهد سليمان أرخى جناحيه دلاّ بين يدي سليمان (١٦٤ /أ) فقال له: أين كنت عن موقفك؟ فقال: ﴿أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ من خبر بلقيس ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ الآيات. والمرأة بلقيس بنت شراحيل، وكان عرشها قوائمه من ذهب، وكان مكللا بالجواهر المختلفة. فإن قلت: كيف وصف الهدهد عرش بلقيس بالعظم، وقد رأى ملك سليمان وعظمته؟ قلت: استصغر بلقيس عن أن تملك مثله؛ فعظم بالنسبة إليها، ويجوز ألا يكون لسليمان مثله، وإن عظمت مملكته في كل شيء كما يكون لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون مثله للملك. وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من كل شيء يحتاج إليه الملك؛ لأنه عطف على الملك خاصة، وقول سليمان: ﴿وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من النبوة والحكمة والمعجزة؛ لأنه عطف على قوله: ﴿عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ إلى آخر الآية. وألهم الله الهدهد وعلمه أن بلقيس وقومها لا يهتدون، وأن الشيطان زين لهم ذلك كما ألهم جميع الحيوانات مصالحها. ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧)﴾

стр. 671

﴿اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا﴾ أي: لأن، ويجوز أن تكون "لا" زائدة، وسمي المخبوء بالمصدر وهو النبات والمطر وجميع ما خبأه الله من غيوبه، وقوله: ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا﴾ من كلام الهدهد. وقيل: من كلام الله تعالى. وقرأ الكسائي "ألا" مخفّفا (١) "يا اسجدوا" أي: يا قوم اسجدوا، وسجدة التلاوة مطلق به في القراءتين جميعا؛ لأن الطلب إمّا بأمر أو بثناء على فاعله أو ذم لتاركه، وإحدى القراءتين أمر، والثانية ذمّ لمن تركه، وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه (٢). ووصف عرش بلقيس بالعظم بالنسبة إلى مملكتها ووصف عرش الله تعالى بالعظم بالنسبة إلى جميع المخلوقات. قوله: أصدقت ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أبلغ من أن يقول: أم كذبت؛ لأنه أراد الانخراط في سلك الكاذبين. ﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ تنحّ عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه؛ ليكون ما يقولون بمسمع منك، وهذه معجزة عظيمة، حيث صار الهدهد يفهم كلام بني آدم ويؤديه إلى سليمان. ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ بالجمع، وإنما ألقاه على بلقيس؛ لأنه قال: ﴿وَجَدْتُها وَقَوْمَها﴾ أي: ألقه إلى القوم الذين هذا شأنهم. ﴿كَرِيمٌ﴾ مضمونه حسن. وقيل: مختوم. وفي الحديث: "كرم الكتاب ختمه" (٣).

стр. 672

أو لأنه من ملك كريم. وقرأ ابن عباس "ألاّ تغلو عليّ " بالغين المعجمة (١) وكانت كتب الأنبياء جملا وجيزة، وكتاب رسول الله (١٦٤ /ب) ﷺ مختصر أيضا. قيل: ألقاه عليها وهي مستلقية على ظهرها، وقد غلقت الأبواب عليها. وقيل: ألقاه إليها بمحضر من جنود مملكتها فرفرف عليها بأجنحته حتى رفع الناس رؤوسهم فرأوه فألقاه حينئذ إليهم. ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧)﴾ ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ منقادين أو مؤمنين. الفتوى: الجواب في الحادثة، واستعطفت جندها بقولها: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً﴾. ﴿أُولُوا قُوَّةٍ﴾ في أجسادنا، وقوة بآلات الحرب. والبأس: النجدة والبلاء في الحرب. ﴿وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ من كلام الله تعالى؛ تصديقا لها، أو من كلام بلقيس؛ لأنها نشأت في الملك القديم؛ فسمعت ورأت. ﴿مُرْسِلَةٌ﴾ رسلا ﴿بِهَدِيَّةٍ﴾ فأرسلت خيلا وجواري وغلمانا ولبنا من الذهب والفضة وغير ذلك (٢)؛ فأمر سليمان فأحضر إليه طوائف الجن وأولادهم، وجلس سليمان على سريره وجنوده على يمينه، وطوائف الجن صفوفا كثيرة على يساره والطير يظله، وقال

стр. 673

للرسول: ارجع إليهم، فعاد الرسول إليها وأخبرها، فقالت: هو نبيّ وما لنا به طاقة، فشخصت إليه ومعها اثنا عشر ألفا. الهدية: اسم المهدى؛ كالعطية اسم المعطى فيضاف إلى المهدي والمهدى إليه في قولك: هذه هدية فلان. قوله: ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾ أي: من الملك والجاه والدين وطاعة الجن والإنس وتسخير الطير والوحش شيء لا يحتاج إلى الزيادة عليه. ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ بما يهدي إليكم فرح افتخار. ويجوز أن يكون المراد: بل أنتم بهديتكم هذه التي أتيتم بها تفرحون بردها إليكم. ﴿اِرْجِعْ﴾ خطاب للرسول، وقيل: للهدهد محمّلا كتابا آخر. ويروى أنها أمرت عند تجهزها للقدوم على سليمان فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات ووكلت به حرسا يحفظونه. قيل: إن سليمان بلغه استيثاقها بحفظ العرش فأراد أن يبين لها ما وهبه الله من التمكين والقدرة. وقيل: أراد أن يجعل ذلك عنوانا لقهره وقوة سلطنته. ﴿قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾ قوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ الآية؛ قال قتادة: يجوز عرشها قبل أن تسلم لأنها إذا أسلمت حرم عليه أخذ شيء من مالها قهرا (١). ﴿قالَ عِفْرِيتٌ﴾ العفر والعفرية والعفارية (١٦٥ /أ) القوي من الرجال، الذي يعفر أقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، وقالوا: كان اسمه ذكران. ﴿لَقَوِيٌّ﴾ على حمله ﴿أَمِينٌ﴾ على ما حواه من الجواهر. الّذى ﴿عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ﴾. ملك أيد الله به سليمان. وقيل: آصف بن برخيا كاتب سليمان. وقيل: هو سليمان؛ كأنه استبطأ العفريت؛ فقال: أنا أحضره في أقل مما ذكرت. وقيل: هو رجل كان يعرف اسم الله الأعظم، وهو: يا حيّ يا قيوم. وقيل: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا

стр. 674

أنت. و "آتيك" في الموضعين يجوز أن يكون فعلا واسم فاعل. الطرف: تحريك الأجفان عند النظر. جعل مكان المنظور إليه، والمعنى: أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش. فبرز العرش عند سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرد طرفه، ويجوز أن يكون هذا مثلا لاستقصار مدة المجيء به؛ كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة. ﴿يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: تعود منافع الشكر له. وقيل: الشكر صيد النعمة المفقودة. وقيل: النعمة الموجودة. ﴿غَنِيٌّ﴾ عن الشكر، كريم: بالإنعام على من يشكر؛ تلقى سليمان النعمة بالشكر؛ كعادة الأنبياء قبله. ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ أي: اجعلوه متنكرا متغيّرا فلا تعرفه، قالوا: وسّعوه وجعلوا مقدمه مؤخره، وأعلاه أسفله. قرئ ﴿نَنْظُرْ﴾ بالجزم على الجواب، وبالرفع على الاستئناف (١) ﴿أَتَهْتَدِي﴾ لمعرفته، أو للجواب الصواب، أو للإيمان لسليمان إذا رأت تلك المعجزة. ﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)﴾ ﴿أَهكَذا﴾ ثلاث كلمات: ها للتنبيه، والكاف للتشبيه، وذا اسم إشارة، ولم يقل: أهذا عرشك؟ لئلا يكون تلقينا؛ فلم تقطع في أمر العرش بشيء؛ كأنها قالت: قويّ الشبه، وترددت في الجواب. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ من كلام سليمان وملئه، قالوا لها حين أجابت بهذا الجواب: أصابت، وعلمت اللفظ المخلص فأتت به، وقال الحاضرون - سليمان وجنوده -: أوتينا العلم بالله تعالى وقدرته، وتواتر آياته، ولم نزل على دين الإسلام، شكرا لله على تفضيلهم عليها. ﴿وَصَدَّها﴾ هي عن دين الإسلام أنها من أولاد الكفار، نشأت على ذلك. ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ من كلام بلقيس (١٦٥ /ب) موصولا بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ،﴾ والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوّة سليمان قبل هذه المعجزة أو قبل هذه الحالة، يعني: ما تبيّنت من الآيات عند وفده المنذر، ودخلنا في

стр. 675

الإسلام، وصدها ضلالها عن اتباع سليمان. وقيل: صدّها عمّا كانت تعبد فحذف حرف الجر، وقرئ ﴿إِنَّها﴾ بفتح الهمزة (١) أي: لأنها. الصرح: القصر. وقيل: صحن الدار. وأمر سليمان قبل قدومها أن يتّخذ قصر شديد الصفاء من زجاج أملس وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه من دوابّ البحر - السمك - ووضع سريره في صدره. وقيل: إن الجن خافوا أن يتزوجها سليمان فتأتي بولد يملكهم بعد سليمان، فقالوا [له] (٢): إن في عقلها شيئا، وهي شعر الساقين، ورجلها كحافر حمار فاختبر عقلها بالعرش فقالت: كأنه هو، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها؛ فكشفت عنهما؛ فإذا هي أحسن الناس فاتخذوا النورة (٣). وتزوجها سليمان، وأقرها على ملكها، وأمر الجن فبنوا لها سيلحون (٤) وعمدان، وكان يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام، وولدت له، وقيل: بل زوجها ذا تبع ملك همذان وسلطه على اليمن، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه؛ فبنى له المصانع، ولم يزل أميرا حتى مات سليمان. ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ تريد: بكفرها فيما تقدم، وقيل: حسبت أن سليمان يغرقها في اللّجّة، فقالت: ظلمت نفسي بسوء ظني لسليمان. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما﴾

стр. 676

﴿شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنّا لَصادِقُونَ (٤٩)﴾ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يقول كل فريق: الحق معي. ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ العقوبة، و ﴿الْحَسَنَةِ﴾ التوبة. وإنما قال: ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ وإنما يكون ذلك إذا كانا متوقعين. وتنازعوا في القبليّة لأنهم كانوا يعتقدون بجهلهم أن التوبة تنفعهم عند نزول العذاب فبقوا على ضلالتهم، وخوطبوا بنحو ذلك. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ﴾ هلاّ، كانت العرب إذا أرادوا سفرا أو الدخول في أمر نفّروا طائرا من وكره، فإن مرّ على جهة اليمين تيمّن به، وإن مرّ على جهة الشمال تشاءم به، وفي الحديث: "أقروا الطير في وكناتها؛ فإنها لا تجلب ضررا ولا نفعا" (١) فقيل فيه: تطيّر فلان، وتيمّن، ومنه قوله: ﴿اِطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ (٢) أي: هو (١٦٦ /أ) الفعل لما ينفعكم ويضركم. ﴿تُفْتَنُونَ﴾ أي: تعذبون أو تختبرون. الرهط: من الثلاثة إلى العشرة. أو من السبعة إلى العشرة، والنفر: من الثلاثة إلى التسعة. قوله: ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ أي: إن شأنهم الفساد المحض؛ كما ترى [بعض المفسدين] (٣) لا يفعل فعلا فيه شيء من صلاح. قوله: ﴿تَقاسَمُوا﴾ يجوز أن يكون أمرا، وأن يكون خبرا في محل الحال و "قد" مقدرة. وقرئ "ليبيتنه" بالياء وعلى هذا لا يكون إلا خبرا، وقرئ "لتبيتنه" بالتاء، و "لنبيتنه" (٤) بالنون.

стр. 677

وعلى هذين الوجهين يجوز أن يكون أمرا وخبرا. والبيات: الهجوم على العدو ليلا. وعن الإسكندر أنه أشير عليه بالبيات، فقال: ليس من دين الملوك استراق الظفر. قرئ ﴿مَهْلِكَ﴾ بضم الميم من "أهلك" و ﴿مَهْلِكَ﴾ من هلك (١). ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾ ﴿مَكْرِهِمْ﴾ تدبيرهم كيف يقتلون صالحا ومن معه. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو استئناف، ومن فتحها (٢) جاز أن يكون خبرا ل "كان". أي: كان عاقبتهم التدمير. وقيل: اللام مقدرة، أي: لأنا دمرناهم، أو بدلا من العاقبة. روي أن قوما من أبناء أشراف قوم صالح قالوا: إن صالحا يزعم أنه يفرغ من هلاكنا في ثلاثة أيام، فنحن نسبق إلى قتله وقتل جماعته قبل الأيام الثلاثة، فأخذوا أسلحتهم ودخلوا إلى مغارة في طريق صالح إلى مسجده ينتظرون صالحا ليقتلوه إذا مر بهم، فأرسل الله صخرة عظيمة سدت باب الغار، فهلكوا فيه ولم يعلم لهم أحد خبرا. قرئ

стр. 678

﴿جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بالرفع، والنصب أحسن (١). ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ يتنزهون عن القاذورات كلها فينكرون هذا العمل لكونه من القاذورات ويغيظنا إنكارهم. وعن ابن عباس: هو استهزاء (٢). ﴿قَدَّرْناها﴾ قدرنا كونها من الغابرين، والتقدير واقع على الغبور في المعنى. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ أمر الله رسوله ﷺ أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته وحكمته وإنعامه، وأن يستفتح بحمده، والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده، وفيه تعليم حسن وتنبيه على أدب جميل وبعث على التبرك بذلك، ولقد توارث الخطباء والعلماء والوعاظ كابرا عن كابر فبدأوا بحمد الله وثنّوا بالصلاة على نبيه وعلى أوليائه وعلى الأنبياء أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة وتذكرة. (١٦٦ /ب) وتبعهم المترسلون في كتابة مهماتهم. وقيل: هو متصل بما قبله، وأمر بالتحميد على إهلاك الظالمين؛ كقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٣) وقيل: الخطاب للوط ﵇ أن يحمد الله على هلاك قومه، ويسلم على كل مصطفى من عباده. معلوم أنه لا خير فيما أشركوه به حتى يوازن بينه وبين خالق الموجودات كلها، وإنما ذلك للتبكيت والاستهزاء بهم؛ لأنهم آثروا عبادة أصنامهم على عبادة الله، وإنما يكون الإيثار لمقتض اقتضاه، وسبب ساق إليه؛ كما قال فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾

стр. 679

﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (١). مع علمه أنه ليس لموسى أنهار تجري من تحته، ثم عدّد سبحانه الخيرات والمنافع التي خلقها لعباده، ثم قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] وروي أن النبي ﷺ كان يقول إذا قرأها: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم" (٢). فإن قلت: ما الفرق بين "أم" و "أم" في قوله: ﴿أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ و ﴿أَمَّنْ خَلَقَ؟﴾ قلت: الأولى متصلة؛ لأن معناها: أيهما خير؟ وهذه منقطعة بمعنى: بل. والهمزة لما قال: أما يشركون، قال: بل أمن خلق السماوات والأرض خير. وقرئ "أمن" بالتخفيف (٣) ووجهه أن يجعل "من" بدلا من اسم الله؛ كأنه قال: أمن خلق السماوات والأرض خير أمّا يشركون. وإنما التفت عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿فَأَنْبَتْنا بِهِ﴾ لأن إنبات الحدائق المختلفة الألوان والطعوم والروائح مع كونها تسقى بماء واحد أدل على القدرة، ولهذا خصّ هذا النوع بقوله: ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ ومعنى ﴿ما كانَ لَكُمْ﴾ ما ينبغي وما يتأتى؛ كقوله: ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ (٤) ومعنى ﴿ما كانَ﴾ في هذين الموضعين الاستحالة عقلا، وقد تأتي للمنع شرعا؛ ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٥) ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ (٦) ﴿ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٧). والحديقة: البستان عليه حائط من الإحداق وهو الإحاطة، وكذلك لا يسمى حائطا إلا إذا حوط. ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ كقولك: النساء ذهبت. والبهجة: الحسن؛ لأن الناظر يبتهج به. ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ أغير الله يصلح أن يتخذ معه شريكا.

стр. 680

وقرئ ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللهِ﴾ (١). بمعنى: أتدعون أو تشركون، ولك أن تحقق الهمزتين وتوسط بينهما مدّة، وتخرج الثانية بين بين. (يعدلون) (١٦٧ /أ) به غيره، أو يعدلون عن طريق الحق. ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ ﴿أَمَّنْ جَعَلَ﴾ وما بعده بدل من ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ ﴿قَراراً﴾. دحاها وسواها للاستقرار عليه. ﴿حاجِزاً﴾ كقوله: ﴿بَرْزَخاً﴾ (٢) الضرورة: الحالة المحوجة إلى اللجاء والاضطرار افتعال منها، والفاعل والمفعول منه مضطر، والمضطر هاهنا: الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجوء والتضرع إلى الله. وقيل: المذنب إذا استغفر. فإن قلت: كم من مضطر يدعو فلا يستجاب له؟! قلت: الإجابة لها شرط، وهو ألا يكون في المدعو به مفسدة، فإذا فقد الشرط فقدت الإجابة، ولذلك لم يجب كل مضطر، والمضطر: اسم جنس يقع على الواحد وعلى الكثير. ﴿خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ خلفاء فيها وذلك توارثهم سكناها، والتصرف فيها قرنا بعد قرن، أو أراد بالخلافة الملك والتسلط. ﴿ما﴾ مزيدة في قوله: ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرون تذكرا قليلا، والمعنى: نفي التذكر. والقلة تستعمل في معنى النفي. ﴿يَهْدِيكُمْ﴾ بالنجوم في السماء، والعلامات في الأرض. وقال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهم ينكرون الإعادة؛ لأنهم مقرون بالنشأة الأولى أنها من عند الله، والنشأة الثانية تلزمهم، ولازم القول قول فهم كالمقرين بها. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ بالمطر و ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ بالنبات إن ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أن مع الله إلها فأين دليلكم عليه؟ ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾

стр. 681

قوله: ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ استثناء من غير الجنس؛ لأن الله ليس فيهما، وكان حقه أن ينتصب، وهذا على لغة بني تميم؛ حيث يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار، يريدون: ما في الدار إلا حمار؛ كأن أحدا لم يكن، ويقولون: ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، وإنما عدل إلى اللغة التميمية دون الحجازية ليصير الكلام في تقدير: إن كان الله في السماوات والأرض فهم يعلمون الغيب، لكنه ليس كذلك؛ فلا يعلمون الغيب؛ كقول الشاعر [من الطويل]: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب (١) يعني: إن كنت تعد فلول السيف من قراع الكتائب عيبا. كذلك قوله [من الرجز]: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس (٢) أي: إن كنت تعد اليعافير والعيس أنيسا فتلك البلدة بها أنيس. فإن قلت: هلاّ زعمت أن الله ممن في السماوات والأرض كما يقول المتكلمون: الله في كل مكان، على معنى أن علمه في الأماكن كلها؛ فكأن ذاته فيها حتى لا نحمله على لغة بني تميم؟ قلت: يأبى ذلك أن كونه في السماوات والأرض مجاز، وكونه فيهن حقيقة، وإرادة المتكلم بعبارة واحدة الحقيقة والمجاز ممتنع، على أن قولك: من في السماوات والأرض، وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد فيه إيهام تسوية، والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته؛ ألا ترى كيف قال ﵇ لمن قال: ومن يعصمها فقد غوى -: "بئس خطيب القوم أنت" (٣).وقيل: نزلت في الكفار حين سألوا رسول الله ﷺ عن وقت مجيء الساعة. ﴿أَيّانَ﴾ بمعنى متى، ولو سمي به لكان فعالا من آن يئين، ولكان مصروفا؛ لأن النون أصلية. وقرئ "إيان" بكسر الهمزة (٤).

стр. 682

﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١)﴾ ومعنى ﴿اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ تكامل، وتدارك: تتابع واستحكم ومعناه: أن النظر قد أدّى إلى أن قيام الساعة من جملة الحكمة، وأنه حق لا ريب فيه وهم في شك من ذلك. ﴿عَمُونَ﴾ عن إدراكه، يريد: الكفار ونسبهم إلى السماوات والأرض؛ لأن من كان في أحد شيئين فهو فيهما؛ كما تقول: بنو فلان، قالوا وفعلوا، ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ (١) والقاتل عدد قليل، ومعنى الكلام أنه نفي لعلمهم واستهزاء بهم؛ كما تقول للجاهل: ما أعلمك؛ تستهزئ به، يعني أنهم قد علموا الدليل الدالّ على وجوب قيام الساعة، فما أجهلهم؛ حيث أنكروا الطريق الدال عليها. وفي ﴿اِدّارَكَ﴾ و ﴿اِدّارَكَ﴾ معنى آخر وهو أن يكون بمعنى فني؛ يقال: أدركت الثمرة إذا تناهت لأنها عند ذلك تعدم، وقد قال الحسن: إن معناه اضمحل (٢)، ويقال: تدارك بنو فلان، إذا تتابعوا في الهلاك ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: في شأنها، ومعنى ﴿بَلِ﴾ وتكرارها: الانتقال من أمر إلى أمر، لا إبطال الأول. فإن قلت: قدّم في هذه الآية ﴿هذا﴾ على ﴿نَحْنُ وَآباؤُنا﴾ وفي آية أخرى قدّم ﴿نَحْنُ وَآباؤُنا﴾ على ﴿هذَا﴾ (٣)؟ قلت: العرب تقدم ما هم ببيانه أعنى؟ ﴿وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ الضّيق والضّيق بمعنى، ويجوز أن يكون الضّيق بمعنى الضيّق، وقد يكون الضيّق مخففا من ضيّق. ﴿قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ﴾

стр. 683

﴿وَالْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)﴾ ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ردف: يتعدى بنفسه، ولا يجوز دخول اللام على المفعول المتأخر من فعل متعد، وزيدت اللام في ﴿لَكُمْ﴾ كزيادة الباء؛ كما في قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ (١) وقد يعدى ب "من" (١٦٨ /أ) كقول الشاعر [من الطويل]: فلما ردفنا من عمير وصحبه ... تولوا سراعا والمنية تعنق (٢) أو ضمن ﴿رَدِفَ﴾ معنى فعل يتعدى باللام؛ نحو: دنا. من عادة الملوك إذا اطلعوا على نصيحة عبد لهم قالوا: يكون الخير، وطب نفسا فيطمئن إلى ذلك وينزله منزلة الوعد الصريح، وكذلك جرت عادة ملك الملوك وهو الله ، يرد ب "عسى" و "لعل" وليستا من التصريح في شيء. الفضل والفاضلة والإفضال معناه: وإن ربك لذو فضل على عباده بتأخير العقوبة. يقال: كننت الشيء وأكننته. ﴿وَما مِنْ غائِبَةٍ﴾ وكذلك خافية أي: ما من قضية، والتاء فيهما للمبالغة؛ كالعلامة والنسّابة؛ كالتاء في الذبيحة والنطيحة، المعنى: ما من شيء شديد الغيبة والخفاء إلا وهو معلوم عند الله. لما بعث عيسى ﵇ اختلفت الملل فيه، فاتبعه قوم وكذبه آخرون، وقذفه وأمّه آخرون، فأنزل القرآن بيان ما هو الحق في ذلك. ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن القرآن لهدى ورحمة لمن آمن منهم أو من غيرهم. قوله: ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدله؛ لأنه لا يحكم إلا بالعدل؛ فيسمى المحكوم به حكما مع أنه لا يجوز أن يقال: ضرب زيد بضربه، ولا قتل بقتله؛ لأن المعنى فيهما واحد؛ بخلاف قوله: (يقضي بحكمه). ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾

стр. 684

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الثابت، وفيه بيان أن صاحب الحق عليه أن يتوكل على الله؛ لأنه علل الأمر بالتوكل ب ﴿إِذا﴾ الدالة على التعليل. وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ علل ترك اتباعهم بأنهم مختوم على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فجعلهم موتى وصمّا؛ لأن إنذاره ثمّ لا يحصل لهم به نفع؛ لكن رسول الله ﷺ يؤدي به ما وجب عليه من البلاغ، والأعمى إذا ولى عنك هاربا كان بعيدا من فهم ما تقوله؛ فلذلك قال: ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾. ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾ أي: ما يجدي إلا من آمن بآيات الله وهو منقاد إلى ما يؤمر به. سمي مؤدى القول ومعناه قولا في قوله: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب. ﴿أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً﴾ دابة الأرض هي: الجساسة لا يدركها طالب (١٦٨ /ب) ولا يفوتها هارب ﴿أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أي: بخروجي لأنها من آيات الله؛ فهذا من كلامها. وعن السّدّي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. وقيل: معها خاتم سليمان وعصا موسى ﵉، تنكت المؤمن في وجهه فيستنير وجهه حتى يصير كالكوكب الدري، وتنكت وجه الكافر فيسودّ وجهه (١). وقيل: إنها تخرج من الصفا. وقرئ ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بالتخفيف (٢) أي: تجرحهم، وكذلك من قرأ ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بالتشديد (٣) يجوز أن تكون متابعة في ﴿تُكَلِّمُهُمْ؛﴾ كما تقول: تجرحهم وتجرّحهم. قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تبكيت بليغ، جعل فيه صدر الكلام هو المقصود، وهو قوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً﴾ وجعل بقية الكلام تشبيها بكلام المغضب الذي يقول لوكيله الخائن: أنت كنت تأكل مالي، أم ماذا كنت تصنع؟ ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا﴾ أي: القول، وهو العذاب. ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾

стр. 685

﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ قوله: ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ أي: يبصر به؛ كقوله: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (١) وإنما قال: ﴿فَفَزِعَ﴾ بلفظ الماضي؛ لأن أحوال القيامة تأتي في كتاب الله بالماضي؛ إشارة إلى تحقيق ما قرن به. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ (٢) ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ﴾ (٣) وغير ذلك. قوله: ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ قيل: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل (٤). وقيل: هم الشهداء (٥). وقيل: الحور وخزنة النار وحملة العرش (٦). وعن جابر: منهم موسى؛ لأنه جزي بصعقته في الطور (٧).

стр. 686

الداخرون: الصاغرون. ﴿جامِدَةً﴾ أي: واقفة في مكانها، يقال: جمد في مكانه إذا لم يتحرك، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ﴾ مرّا حثيثا؛ كما تمرّ السحاب وكذلك الأجرام العظام المتكاثرة العدد؛ قال الشاعر [من الطويل]: بأرعن مثل الطّود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والرّكاب تهملج (١) ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ من المصادر الموحدة، ومثله: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ (٢) و ﴿وَعْدُ اللهِ﴾ (٣) و ﴿كِتابَ اللهِ﴾ (٤). وهذا المصدر يقصد به المبالغة، ولهذا أتبع كل واحد منهما بما يقويه، ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٥). ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ (٦). ﴿وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٧). ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ قوله: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ يريد الإضعاف، وقوله: ﴿خَيْرٌ﴾ ليس من أفعل التفضيل في شيء؛ إذ لا شيء أفضل من لا إله إلا الله قال النبي ﷺ : "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (٨).

стр. 687

والمراد: فله خير يتجدد منها؛ لأن العمل ينقطع والجزاء يدوم. وقرئ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بالفتح مع الإضافة إلى غير المتمكن؛ كقوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (١). وقرئ منصوبا مع تنوين ﴿فَزَعٍ﴾ (٢) والفرق بين الفزعين أن الأول هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة تقع من رعب وهيبة وإن كان آمنا في حصول الضرر؛ كما يدخل الداخل على الملك بصدر مملوء هيبة. وأما الثاني فللخوف من العذاب، ونكّر (الفزع) على قراءة من قرأ بنصب ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وتنوين ﴿فَزَعٍ﴾ لأن المراد نوع واحد من الفزع، وهو خوف العقاب لا الخوف عند استشعار أمر عظيم؛ فإن البشرية تقتضيه ولا يخلو منه أحد، ويحتمل أن يريد نوعا شديدا من الفزع فيكون للتعظيم. ﴿آمِنُونَ﴾ أمن يتعدى بنفسه تارة؛ كقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ (٣) ويتعدى بحرف الجر تارة أخرى، تقول: أمنت من زيد. وقيل: ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ الإشراك. يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة؛ فكأنه قال: فكبّوا فيها؛ كقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ (٤). ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذانا بأنهم يكبون على وجوههم؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ (٥). ويجوز فيه الالتفات وحكاية ما يقال لهم عند الكبّ بإضمار القول. أمر رسوله أن يقول: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ﴾ يعني: أن الله أمر نبيه أن يعبده ويوحده، وأثنى على نفسه بأنه ربّ مكة وجعل ملكه لسائر الموجودات تبعا لملكه لمكة. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الثابتين على الإيمان. ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ يجوز أن يريد: وأن أقرأ القرآن، ويجوز أن يريد: وأن أتبع ما في القرآن من الأمر والنهي من قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ (٦). أي: تبعها، و ﴿الْبَلْدَةِ﴾ مكة الذي حرم

стр. 688

صيدها وقطع شجرها واختلاء خلاها. وقرئ "التي حرمها" (١) ﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ وهو ما حلّ بهم يوم بدر من القتل والأسر، وما حلّ بهم قبل ذلك من القحط والدخان (١٦٩ /ب). وقيل: هو كقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ (٢). ***

стр. 689

سورة القصص [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ﴾ أي: نتلو عليك بعض نبأ موسى وفرعون. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لمن سبق في علمنا أنه مؤمن ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ طغى فيها، وعنى بالأرض أرض مملكته، وجاوز الحد. ﴿شِيَعاً﴾ فرقا يشيعونه على ما يريد، أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته ويسخرهم في البنيان وغيره ومن لم يستعمله ضرب عليه خراجا. أو فرقا مختلفة قد أغرى بينهم العداوة وهم بنو إسرائيل والقبط، وبنو إسرائيل هم المستضعفون، وسبب ذبحه الأبناء أن كاهنا قال له: سيولد في هذا العام مولود يكون هلاكك وزوال ملكك على يده؛ فأمر بذبح الأبناء واستبقاء المولودات. ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ حال من الضمير في جعل. ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وذلك لأن الكاهن إن صدق لم يغن الحذر، وإن كذب فلا معنى للذبح؛ فكان القتل فسادا. ﴿وَنُرِيدُ﴾ حكاية حال ماضية، ويجوز أن يكون حالا من ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾ أي: يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمنّ عليهم. ﴿أَئِمَّةً﴾ مقدمين في الدين والدنيا. وقيل: ملوكا. ﴿الْوارِثِينَ﴾ يرثون فرعون وقومه وأموالهم. ﴿الْيَمِّ﴾ البحر. وقيل: نيل مصر. قوله: ﴿فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ أي: من أمر الذباحين فاسكني إلى وعد الله بنجاته. وقوله ثانيا: ﴿وَلا تَخافِي﴾ أي: لا تخافي عليه الغرق، أو من الذباحين، أو أن يقع في يد

стр. 690

بعض العيون. والفرق بين الحزن والخوف أن الخوف غمّ يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحق لواقع، وهو فراقه وإلقاؤه في البحر، ويروى أنه ذبح في طلب موسى سبعون ألفا، وكانت بعض القوابل من جملة عيون فرعون، وكانت مصافية لأم موسى؛ فقالت لها أم موسى: لتنفعني محبتك اليوم. فلما وضعته ظهر معه نور بين عينيه، فعظم في قلبها وأحبته فلم تنم على الولد، فلما خرجت دخل الذباحون، فأخذت ابنها من الدهش (١) فألقته في التنور والنار مشتعلة فيه، ولا تدري ما تصنع، فلما خرج الذباحون لم تدر أين ولدها، فسمعت بكاءه في التنور، فوجدته قد صار عليه بردا وسلاما، فلما ألحّ فرعون في قتل الولدان (١٧٠ /أ) أوحى الله إليها أن تلقيه في اليم. وروي أنها أرضعته ثلاثة أشهر في تابوت من بردي مطلي بالقار من داخله. ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ "ليكون" منصوب بلام كي التي للتعليل، في مثل قوله: ضربت بنيّ للتأديب، ولكن التعليل - هاهنا - مجاز؛ لأن التقاطه لم يكن ليكون لهم عدوا؛ فإن الالتقاط لا ينتج العداوة، ولكن لما كانت العداوة قرينة لهذا الفعل استعير له التعليل كما يستعار لفظ الأسد للشجاع. وقرئ "وحزنا" (٢) وهما لغتان؛ كالعدم والعدم. ﴿كانُوا خاطِئِينَ﴾ فليس خطؤهم في تربية موسى ببدع أو كانوا مجرمين خاطئين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم. فلما وقع التابوت في أيديهم عالجوا فتحه فلم يستطيعوا فدنت آسية امرأة فرعون فعالجته ففتحته فرأت بين عينيه نورا هالها عظمه فأحبته محبة شديدة، وكان موسى ﵇ لا

стр. 691

يراه أحد إلا أحبّه، وقد قال الله تعالى في حقه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾ (١) وكانت لفرعون ابنة برصاء، قالت له الكهنة: إن هذا المرض لا يزول إلا بشيء يجيء من قبل البحر شبيه بالإنسان، لعابه شفاؤها؛ فأخذ من ريقه ولطخوا ذلك البرص فبرئ. وقيل: لما نظرت إلى وجه موسى برأت فقالوا: إن هذه لنسمة مباركة فأحبّوه، وهمّ فرعون بقتله فمنعته آسية واستوهبته منه. قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ حال من آل فرعون، والتقدير: فالتقطه آل فرعون وهم لا يشعرون أنه المولود الذي يكون هلاكهم على يديه. وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ﴾ إلى قوله: ﴿خاطِئِينَ﴾ جملة معترضة. ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾ ﴿فارِغاً﴾ صفرا من العقل لشدة ما دهمها من وقوع موسى في يد فرعون. ﴿لَتُبْدِي بِهِ﴾ لتصرّح به. ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ بإلهام الصبر؛ كما يربط على الشيء المتفلت. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من المصدقين بالوعد، وهو قوله: ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ ويجوز: وأصبح فؤادها فارغا من الهمّ حين سمعت أن فرعون أحبه وتبناه. ﴿كادَتْ﴾ تبدي بأنه ولدها لسرورها بما سمعت ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الواثقين بوعد الله. ﴿قُصِّيهِ﴾ قصي أثره، وتتبعي خبره. وقرئ "فبصرت" (٢) (١٧٠ /ب) وهما

стр. 692

لغتان، بمعنى علمت. و ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن جانب؛ يقال: قعد على جنبه وإلى جانبه، أي: نظرت إليه مزوّرة؛ حتى لا يحسبوا أنها أخته. التحريم استعارة للمنع وذلك أن الله تعالى منعه قبول المراضع، فلم يقبل ثدي امرأة حتى جاءت أمه ووجد ريحها ارتضع حتى امتلأ جنباه. ﴿الْمَراضِعَ﴾ جمع مرضعة. وقيل: جمع مرضع، وهو موضع الرضاع من قبل قصها أثره. روي أنها لما قالت: ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون، والنصح: خلاص العمل من شوائب الفساد فجاءت أخته بأمه فوجدت موسى على يد فرعون يبكي، ويطلب الرضاع؛ فدفعه إليها وأجرى عليها رزقا وذهبت به إلى بيتها وأنجز الله وعده في قوله: ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ فعند ذلك استقرّ عندها أنه سيكون مرسلا في قوله: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) وجاز لها أن تأخذ ما أعطاه فرعون لأنه مال حربي مباح ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنه حق فيرتابون، وفيه تسميع لأم موسى حيث لحقها الجزع حين وقع ولدها في يد فرعون. ﴿وَاسْتَوى﴾ واعتدل، وبلوغ الأشد: أربعون سنة وهي التي يبعث فيها الأنبياء. ﴿حُكْماً﴾ السنة، و ﴿وَعِلْماً﴾ التوراة. وقيل: معناه: آتيناه سيرة الحكماء العلماء وسمتهم قبل البعث فكان لا يفعل فعلا يستجهل فيه. ﴿الْمَدِينَةَ﴾ مصر. وقيل: ريف من ضياع مصر و "حين غفلتهم": ما بين العشاءين. وقيل: وقت القائلة. وقيل: يوم عيدهم وهم مشتغلون بلهوهم فيه. وقيل: لما استحكم عقله شرع يتحدث في إبطال المذاهب الفاسدة فنهوه عن ذلك. ﴿شِيعَتِهِ﴾ ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل. ﴿مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من مخالفيه من القبط، وكان يسخر الإسرائيلي بحمل الحطب إلى مطبخ فرعون. والوكز: الدفع بأطراف الأصابع. وقيل: بجميع الكف، وجعل قتل الكافر ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ لأنه وقع من غير إذن فيه. ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ﴾

стр. 693

﴿تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢١) وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ قوله: ﴿بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ يجوز أن يكون قسما؛ أقسم بما أنعم الله عليه. ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً﴾ ويجوز أن يكون استعطافا؛ كأنه قال: رب اعصمني بما أنعمت عليّ من المغفرة؛ فلن أكون - إن تعصمني - ظهيرا للمجرمين، وأراد بمظاهرة المجرمين: إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته (١٧١ /أ) وتكثير سواده، وكان عند فرعون كالولد، وإمّا مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم كما أدت نصرة الإسرائيلي إلى القتل. وقيل: معناه: بما أنعمت عليّ من القوة فلن أستعملها إلاّ في مظاهرة أولئك. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ المكروه، وهو طلب القود (١) منه، أو يترقب الأخبار وما يقال عنه. ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما﴾ القبطي؛ لأنه ليس على دينهما. والجبار: الذي يقتل ويضرب عند الغضب. وقيل: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله. ولما قال هذا وصل آل فرعون وهموا بقتله. قيل: الرجل: مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون. ﴿يَسْعى﴾ يجوز أن يكون ارتفاعه وصفا لرجل وانتصابه حالا منه؛ لأنه قد تخصص بأن وصف من قوله: ﴿مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ﴾. ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ قصدها ونحوها، ومدين: قرية شعيب ﵇، سميت بذلك؛ لأن مدين بن إبراهيم نزلها ولم تكن في سلطان فرعون، بينها وبين مصر ثمانية أيام، وخرج وهو لا يدري كيف الطريق، بل وثق بربه وهدايته فقال: ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي: وسط الطريق. وقيل: حماه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. ﴿ماءَ مَدْيَنَ﴾ الماء الذي يستقون منه، وكان بئرا. ووروده: الوصول إليه. ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ وجد فوق شفيره ومستقاه. ﴿أُمَّةً﴾ جماعة كثيرة العدد من الناس من أناس مختلفين. ﴿مِنْ دُونِهِمُ﴾ من مكان أسفل من مكانهم. والذود:

стр. 694

الطرد والدفع، وكان على الماء من هو أقوى منهما؛ فلا يتمكنان من السقي. ﴿حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أي: حتى يذهب. ﴿كَبِيرٌ﴾ كبير السن لا يقدر على السقي. ﴿فَسَقى لَهُما﴾ فسقى عنهما لأجلهما. وقيل: إن الرعاة كانوا يضعون حجرا على البئر لا يقله إلا سبعة. وقيل: عشرة. وقيل: أربعون. وقيل: مائة فأقله موسى وحده، وساغ لشعيب ﵇ أن يستعمل ابنتيه في سقي المواشي، وذلك لا يليق برفعة قدرهن؛ لأن العوائد في ذلك مختلفة. ﴿إِنِّي﴾ لأي شيء أنزلته إليّ من قليل أو كثير لفقير، وإنّما عدّي ﴿فَقِيرٌ﴾ باللام؛ لأنه ضمّن معنى سائل وطالب. قيل: ذكر ذلك وخضرة البقل ترى في بطنه من الهزال، ما سأل الله إلا أكله (١٧١ /ب) ويحتمل أن يريد: إني فقير من الدنيا، غنيّ بما آتيتني من النجاة من الظالمين ومن العلم والحكمة، وكان الظل ظل شجرة. ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾

стр. 695

﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨)﴾ ﴿عَلَى اسْتِحْياءٍ﴾ أي: مستحيية متخفرة (١) قد استترت بكم درعها، وإنما ماشى موسى ابنة شعيب؛ لأن هذه الحالة يقطع فيها بالأمن من الفتنة، نبيّ كريم وابنة نبي. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ﴾ لم يقبله موسى على أنه أجرة؛ بل ضيافة وكرامة لما علم أنه من أولاد إبراهيم، ومثله من يكرم ويحتفل بأمره. وقولها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ كلام حكيم جامع لا مزيد عليه؛ لأنه إذا حصل في وكيلك الأمانة والكفاية فقد تفرغ بالك من جهته. قوله : ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجود معناه: ما لكم من إله غيري؛ كقوله تعالى عن ذاته المقدسة: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)؛ لأن العلم تابع للمعلوم يتعلق به على ما هو عليه، ويجوز أن يكون المراد أن إلها آخر غير معلوم عنده، ولكنه مظنون كما قال في آخر الآية: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ ولو لم يكن المخذول ظانا ظنا كاليقين، بل عالما بصحة قول موسى ﵇؛ لقول موسى له: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ﴾ (٣) لما تكلف ذلك البنيان العظيم ولا تعب في بنائه ما تعب لعله يطلع بزعمه إلى إله موسى، وإن كان جاهلا مفرط الجهل به وبصفاته؛ حيث حسب أنه في مكان، وأنه يطلع إليه كما كان يطلع إليه إذا قعد في عليته، وليت شعري أكان يضحك على أهل بلاده ويسخر منهم، أم كان هو بهذه الصفات؟! فإن صح ما يروى من عود النشّابة (٤) إليه ملطوخة بالدم فتهكّم به بالفعل؛ كما جاء التهكّم بالقول في آيات كثيرة، ويجوز أن يفسّر

стр. 696

الظن على القول الأول باليقين، ويكون بناء الصرح مناقضة لما ادّعاه من العلم واليقين، وإنما قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ﴾ ولم يقل: اطبخ لي الآجرّ؛ لشدة اهتمامه ببناء الصّرح ومناداة هامان الوزير بالأمر بالطبخ، ودخول حرف النداء في وسط الكلام دليل التعظّم والتجبّر. وعن عمر رضى الله عنه: أنه حين سافر إلى الشام ورأى (١٧٢ /أ) القصور المتخذة بالآجرّ قال: "ما علمت أن أحدا بنى بالآجر غير فرعون" (١).والطلوع والإطلاع بمعنى الصعود. والاستكبار بالحق إنما هو لله فهو المتكبر على الحقيقة. وعن رسول الله ﷺ فيما حكى عن ربه : "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار" (٢). ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٤٠)﴾ ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالضم والفتح (٣). قوله: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ من الكلام الفخم الدالّ على العظمة؛ شبهّهم مع كثرتهم بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر، ومثله قوله - تعالى -: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ (٤). ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٥) وما هي إلا تصويرات وتمثيلات لاقتداره، وإن كل مقدور وإن عظم وجلّ فهو حقير بالنسبة إلى قدرته . ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى﴾

стр. 697

﴿الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨)﴾ قوله : ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: دعوناهم بهذه السمة؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾ (١). لم يصيروهم إناثا، بل: وصفوهم بذلك. ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الحق. ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ من المطرودين. البصيرة: نور القلب؛ كما أن التبصر نور العين؛ سماها بصائر؛ لأنها سبب في الاهتداء بكشف الغطاء عن الحقائق. ﴿وَرَحْمَةً﴾ لأنهم لو عملوا بها لوصلوا إلى نيل الرحمة. يجوز أن يكون المراد: ترجّي موسى هدايتهم؛ كقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (٢). ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ المكان الواقع في شق الغرب، وهو موضع خطاب الله لموسى، وقوله : ﴿إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ أي: خاطبناه بالأمر والنهي، وثواب المطيع وعقاب العاصي، والمعني بقوله: ﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا﴾ الاستدراك، أي: أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك. ﴿قُرُوناً﴾ كثيرة ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ إلى القرن الذي أنت فيه، واندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم فأرسلناك، فذكر سبب الوحي الذي هو طول الفترة ودلّ به على المسبب، وإذن هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده، ودلّ (١٧٢ /ب) هذا الكلام على أن بعثة الرسل حق، ولمّا كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كل عمل من كسب الأيدي وإن كان من أعمال القلوب، والمعنى: ولولا كراهة أن تصيبهم مصيبة فيقولوا: ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فبعث الرسل لقطع المعاذير؛

стр. 698

لقوله ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١). ﴿فَلَمّا﴾ جاءتهم الرسل تعنتوا واقترحوا على الرسل بعد ظهور معجزاتهم أن يؤتى كل رسول مثل ما جاء به موسى؛ فأنكر الله ذلك عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ وقالوا في حق موسى وهارون: ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ﴾ واحد منهما ﴿كافِرُونَ﴾. وقيل: قالوا: في محمد وموسى - صلى الله عليهما وسلم. وقيل: في التوراة والقرآن ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ هذا الشرط في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يقوله المدلّ لصحة قوله؛ كما يقوله الصانع لمن عمل له عملا: إن كنت قد عملت لك فأعطني حقي. فإن قلت: ما الفرق بين الاستجابة في الآية، وبينها في قول الشاعر [من الطويل]: وداع دعانا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب (٢) حيث عدّي في الآية باللام، وفي قول الشاعر بغير لام؟ قلت: إذا عدّي باللام فالمراد

стр. 699

استجابة المدعوّ، فيكون معنى قوله: ﴿لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ،﴾ أي: لم يستجيبوا لأجلك، وإذا عدّي الفعل بنفسه، كما في قول الشاعر: فلم يستجبه - جاز دخول اللام وحذفها، تقول: استجاب الله دعاءك، ولا يكاد يقال: استجاب الله لك دعاءك. فإن قلت: فالاستجابة تقتضي دعاء ولا دعاء هاهنا؟! قلت: قوله: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ﴾ استدعاء للإجابة. ﴿بِغَيْرِ هُدىً﴾ في موضع الحال ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أي: أنزلناه متواصلا؛ وعدا ووعيدا وعبرا. (ليتفكروا) قيل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل؛ اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام، والضمير في ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ للقرآن. ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ وكل من اتبع نبيّا فهو مسلم. ﴿بِما صَبَرُوا﴾ بصبرهم على إيذاء الكفار، أو بثبوتهم على دين الحق. ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ الطاعة. ﴿السَّيِّئَةَ﴾ (١٧٣ /أ) المعصية المتقدمة. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سلام متاركة. ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ لا نريد مخالطتهم وصحبتهم. ﴿لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لا تقدر على أن تدخل في الإسلام من طبع على قلبه. قال الزجاج (١): أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أن أبا طالب لما حضرته الوفاة قال له النبي ﷺ : "يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله" فقال: أما والله إني لأعلم أنك صادق ولولا أن تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك؛ فقال له بعض من حضر: أنت على دين آبائك، فكان آخر ما قاله هو على ملة الأشياخ (٢). ﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ وقالت الكفار للنبي ﷺ : إنا نخاف إن اتبعناك أن تتخطفنا العرب. فأجاب الله تعالى وقال: قد مكنت لخدمة البيت ﴿حَرَماً آمِناً﴾ وهم كفار فإذا ضموا إلى ذلك الإيمان كانوا

стр. 700

أولى أن يحفظوا. وسخر لهم في واد غير ذي زرع أن جلب إلى مكة أنواع الثمرات. وقوله: ﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: أكثرها؛ فإن بعضها لا يتيسر نقله إليها. وقوله: ﴿رِزْقاً﴾ إن جعلته مصدرا انتصب بأنه مفعول له، وإن جعلته اسم المرزوق، كان مفعولا به معمولا ل ﴿يُجْبى﴾. ﴿مَعِيشَتَها﴾ منصوب بحذف حرف الجر، أي: بطرت في معيشتها، أو: بتقدير حذف الزمان، أي: بطرت في زمن معيشتها. أو ضمن "بطرت" معنى: كفرت وغمطت. بطر النعمة هو ألا يرعى حق الله فيها. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ من السّكنى، أي: لا يسكنها إلا المسافر، ومارّ الطريق يقضي فيها وطره ثم يرحل. ﴿وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ لتلك المساكن، قال الشاعر [من الكامل]: تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع (١) ﴿حَتّى يَبْعَثَ﴾ في القرية التي هي أمّ لما سواها. ﴿رَسُولاً﴾ لإلزام الحجة وقطع المعاذير وقيل: المراد بأم القرى: مكة؛ فإن الأرض دحيت من تحتها. ﴿لاقِيهِ﴾ أي: يلقاه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ (٢) ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٣). ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ الذين أحضروا للنار، ولا تكاد تجد في القرآن لفظ المحضر إلا ومعناه: المحضر للعذاب ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٤) ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (٥) قيل: نزلت في رسول الله ﷺ وفي أبي جهل (٦). وقيل: في علي وحمزة (٧). (١٧٣ /ب) وقيل: في عمار ابن ياسر والوليد بن المغيرة (٨). والفاء في قوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ﴾ معناها: أبعد هذا البيان

стр. 701

البيان نسوّي بين رتب المؤمنين والكافرين. ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ على زعمكم، ومفعولا ﴿تَزْعُمُونَ﴾ محذوفان، أي: الذين تزعمونهم شركاء. ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: الشياطين، أو أئمة الكفر الداعون إلى النار. ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنا﴾ خبره. ومعنى الكلام: أنا لم نكره الذين أغويناهم؛ فلا فرق حينئذ بين غيّهم وغيّنا، فقال الله تعالى - حكاية عن إبليس في جهنم -: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (١). وقوله: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ﴾ من سوء عملهم وجحدوا عبادتهم لهم فقالوا: ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾. والخيرة: من التخير، أي: هو المتخير. قيل: السبب في قوله: ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ قول الوليد بن المغيرة: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٢). والتقدير: ما كان لهم فيه الخيرة، والمعنى: أن تخيّر الرسول ليس إليهم وإنما هو لله وحده. ﴿ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من عداوة رسول الله ﷺ وحسده. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ من مطاعنهم فيه. ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ المستأثر بالإلهية المختص بها، ومعنى الحمد في الآخرة قوله - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٣) ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ (٤). والتحميد هنالك على وجه اللذة والتفكّه.

стр. 702

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معناه: أخبروني من يقدر على هذا؟ والسرمد: الدائم المتصل، مأخوذ من السرد وهو المتابعة. كان قارون حسن الصورة، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، ولكنه نافق وقال: إذا كانت النبوة لموسى والحبورة لهارون فما لي؟ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ من البغي وهو الظلم. قيل: ملّكه فرعون على بني إسرائيل. وقيل: إنه خاطب موسى فقال له: إذا كانت النبوة لك والحبورة لأخيك فما لي؟ فقال له موسى: هذا من أمر الله، وليس لي فيه صنع. فقال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية. فجمع موسى عصيّ الصلحاء والأبرار وربطها وجعلها في قبة كان الوحي ينزل على موسى، فيها فأصبحت عصا موسى وحدها عليها ورق أخضر، وليس على عصيّ غيره شيء، فقال قارون: ما هذا بأعجب مما تأتي به من السحر. ﴿لا تَفْرَحْ؛﴾ كقوله: ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ (١) قال الشاعر (١٧٤ /أ) [من الوافر]: أشدّ الغمّ عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه ارتحالا (٢) ﴿فِيما آتاكَ اللهُ﴾ من الغنى والثروة والسعادة. ﴿الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ بأن تفعل فيه أفعال

стр. 703

الخير من أصناف الواجب والمندوب. ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ﴾ وهو أن تأخذ منه ما يكفيك ويصلحك. ﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد الله. ﴿كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ وقيل: أحسن شكرك وطاعتك لله، كما أحسن الله إليك. والفساد في الأرض: الظلم والبغي. قيل: القائل موسى ﵇. قوله: ﴿وَابْتَغِ﴾ قرئ ﴿وَابْتَغِ﴾ (١) قوله: ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي: على بصر بالتجارة. وقيل: علم الله موسى علم الكيمياء؛ فعلّم يوشع بن نون ثلاثة، وكالب بن يوفنا ثلاثة، وقارون ثلاثة، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا وفضة. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يجوز أن يكون نفيا لعلمه بذلك، ويجوز أن يكون إثباتا؛ لأنه قد علم ذلك من التوراة ومن صحف إبراهيم وموسى، وسمعه من نقلة الأخبار، يعني: فمع علمه بذلك كيف يعصى الله ويخالف، وعلى الأول يكون قد نفي عنه العلم بذلك لما تعظّم بالعلم، وزعم أن الذي هو فيه من العلم عنده، فقيل له: لا علم عندك. ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: لا يحتاج في العلم إلى سؤال واستعلام. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)﴾ ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ قيل خرج على بغلة شهباء عليه الأرجوان (٢) وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيّه. وقيل: في تسعين ألفا عليهم المعصفرات. ومن الغبطة قوله تعالى: ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ومن الحسد قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ﴾

стр. 704

﴿بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ (١). والحظ: البخت والدّولة. قوله: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ أصله الدعاء بالويل، ثم استعمل في الردع والزجر، وإنما يكون ذلك للإفراط في الاعتماد على ما لا ينبغي. وقوله: ﴿وَلا يُلَقّاها﴾ الضمير فيها يرجع إلى الكلمة التي قالها أهل العلم أو الحسنة أو للسيرة. ﴿الصّابِرُونَ﴾ على الطاعات وعن المعاصي وعند الشدائد. ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ من المنتقمين من موسى، أو: من المتخلصين من عذاب الله. قوله: ﴿بِالْأَمْسِ﴾ لا يراد به اليوم الذي قبل يومك، وإنما (١٧٤ /ب) المراد الإخبار عن مدة ماضية قريبة. ﴿مَكانَهُ﴾ منزلته. "وي" مفصولة عن "كأن" وهي كلمة تنبيه على الخطأ، وهو مذهب الخليل وسيبويه، وعند الكوفيين أن (ويك) بمعنى (ويلك) ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى (وي) كقول عنترة [من الكامل]: ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر أقدم (٢) و"أنه" بمعنى لأنه، ومن الناس من يقف على "وي" ويبتدئ "كأنه"، ومنهم من يقف على "ويك" (٣). وقرئ (لولا منّ الله علينا) (٤). وقرئ (لخسف بنا) (٥) يعني: الله . وعن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يكرر هذه الآية حتى قبض (٦). وعن علي رضى الله عنه: "إن

стр. 705

الرجل ليحب أن يكون شراك نعله حسنا فيدخل في هذه الآية " (١). ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ وزعم قوم أن قوله: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا﴾ لما صنع فرعون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢). وأن المراد بالفساد ما صنعه قارون لقول قومه له: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ﴾ ولا دليل على التخصيص، واللفظ عام لكل من علا وأفسد. ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ وضع ﴿الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ موضع المضمر. وهو باب من أبواب البلاغة. ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه، يعني: إن الذي حملك صعوبة التكليف. ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ نكّره للتعظيم، أي: معاد وأيّ معاد؛ قيل: المراد به مكة، أي: وعده بردّه إليها يوم الفتح ظاهرا عليها منتصرا على أعدائه، والسورة
следующие страницы →