← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

البيان نسوّي بين رتب المؤمنين والكافرين. ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ على زعمكم، ومفعولا ﴿تَزْعُمُونَ﴾ محذوفان، أي: الذين تزعمونهم شركاء. ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: الشياطين، أو أئمة الكفر الداعون إلى النار. ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنا﴾ خبره. ومعنى الكلام: أنا لم نكره الذين أغويناهم؛ فلا فرق حينئذ بين غيّهم وغيّنا، فقال الله تعالى - حكاية عن إبليس في جهنم -: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (١). وقوله: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ﴾ من سوء عملهم وجحدوا عبادتهم لهم فقالوا: ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾. والخيرة: من التخير، أي: هو المتخير. قيل: السبب في قوله: ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ قول الوليد بن المغيرة: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٢). والتقدير: ما كان لهم فيه الخيرة، والمعنى: أن تخيّر الرسول ليس إليهم وإنما هو لله وحده. ﴿ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من عداوة رسول الله ﷺ وحسده. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ من مطاعنهم فيه. ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ المستأثر بالإلهية المختص بها، ومعنى الحمد في الآخرة قوله - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٣) ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ (٤). والتحميد هنالك على وجه اللذة والتفكّه.

стр. 702

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معناه: أخبروني من يقدر على هذا؟ والسرمد: الدائم المتصل، مأخوذ من السرد وهو المتابعة. كان قارون حسن الصورة، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، ولكنه نافق وقال: إذا كانت النبوة لموسى والحبورة لهارون فما لي؟ ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ من البغي وهو الظلم. قيل: ملّكه فرعون على بني إسرائيل. وقيل: إنه خاطب موسى فقال له: إذا كانت النبوة لك والحبورة لأخيك فما لي؟ فقال له موسى: هذا من أمر الله، وليس لي فيه صنع. فقال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية. فجمع موسى عصيّ الصلحاء والأبرار وربطها وجعلها في قبة كان الوحي ينزل على موسى، فيها فأصبحت عصا موسى وحدها عليها ورق أخضر، وليس على عصيّ غيره شيء، فقال قارون: ما هذا بأعجب مما تأتي به من السحر. ﴿لا تَفْرَحْ؛﴾ كقوله: ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ (١) قال الشاعر (١٧٤ /أ) [من الوافر]: أشدّ الغمّ عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه ارتحالا (٢) ﴿فِيما آتاكَ اللهُ﴾ من الغنى والثروة والسعادة. ﴿الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ بأن تفعل فيه أفعال

стр. 703

الخير من أصناف الواجب والمندوب. ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ﴾ وهو أن تأخذ منه ما يكفيك ويصلحك. ﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد الله. ﴿كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ وقيل: أحسن شكرك وطاعتك لله، كما أحسن الله إليك. والفساد في الأرض: الظلم والبغي. قيل: القائل موسى ﵇. قوله: ﴿وَابْتَغِ﴾ قرئ ﴿وَابْتَغِ﴾ (١) قوله: ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي: على بصر بالتجارة. وقيل: علم الله موسى علم الكيمياء؛ فعلّم يوشع بن نون ثلاثة، وكالب بن يوفنا ثلاثة، وقارون ثلاثة، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا وفضة. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يجوز أن يكون نفيا لعلمه بذلك، ويجوز أن يكون إثباتا؛ لأنه قد علم ذلك من التوراة ومن صحف إبراهيم وموسى، وسمعه من نقلة الأخبار، يعني: فمع علمه بذلك كيف يعصى الله ويخالف، وعلى الأول يكون قد نفي عنه العلم بذلك لما تعظّم بالعلم، وزعم أن الذي هو فيه من العلم عنده، فقيل له: لا علم عندك. ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: لا يحتاج في العلم إلى سؤال واستعلام. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢)﴾ ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ قيل خرج على بغلة شهباء عليه الأرجوان (٢) وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيّه. وقيل: في تسعين ألفا عليهم المعصفرات. ومن الغبطة قوله تعالى: ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ومن الحسد قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ﴾

стр. 704

﴿بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ (١). والحظ: البخت والدّولة. قوله: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ أصله الدعاء بالويل، ثم استعمل في الردع والزجر، وإنما يكون ذلك للإفراط في الاعتماد على ما لا ينبغي. وقوله: ﴿وَلا يُلَقّاها﴾ الضمير فيها يرجع إلى الكلمة التي قالها أهل العلم أو الحسنة أو للسيرة. ﴿الصّابِرُونَ﴾ على الطاعات وعن المعاصي وعند الشدائد. ﴿مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ من المنتقمين من موسى، أو: من المتخلصين من عذاب الله. قوله: ﴿بِالْأَمْسِ﴾ لا يراد به اليوم الذي قبل يومك، وإنما (١٧٤ /ب) المراد الإخبار عن مدة ماضية قريبة. ﴿مَكانَهُ﴾ منزلته. "وي" مفصولة عن "كأن" وهي كلمة تنبيه على الخطأ، وهو مذهب الخليل وسيبويه، وعند الكوفيين أن (ويك) بمعنى (ويلك) ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى (وي) كقول عنترة [من الكامل]: ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر أقدم (٢) و"أنه" بمعنى لأنه، ومن الناس من يقف على "وي" ويبتدئ "كأنه"، ومنهم من يقف على "ويك" (٣). وقرئ (لولا منّ الله علينا) (٤). وقرئ (لخسف بنا) (٥) يعني: الله . وعن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يكرر هذه الآية حتى قبض (٦). وعن علي رضى الله عنه: "إن

стр. 705

الرجل ليحب أن يكون شراك نعله حسنا فيدخل في هذه الآية " (١). ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ وزعم قوم أن قوله: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا﴾ لما صنع فرعون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢). وأن المراد بالفساد ما صنعه قارون لقول قومه له: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ﴾ ولا دليل على التخصيص، واللفظ عام لكل من علا وأفسد. ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ وضع ﴿الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ موضع المضمر. وهو باب من أبواب البلاغة. ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه، يعني: إن الذي حملك صعوبة التكليف. ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ نكّره للتعظيم، أي: معاد وأيّ معاد؛ قيل: المراد به مكة، أي: وعده بردّه إليها يوم الفتح ظاهرا عليها منتصرا على أعدائه، والسورة

стр. 706

مكية، وأصحاب النبي ﷺ مستضعفون، فوعده وأتاهم بالنصر والغلبة (١). وقيل: نزلت عليه بالجحفة، فنزل جبريل وقال: أتحب مكة؟ قال: نعم؛ فقال: إن الله سيعطيك إياها، وتلاها عليه: ﴿الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الآية (٢). ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ بعد وقت نزولها. و "إذ" يضاف إليه أسماء الزمان؛ كقولك: حينئذ وساعتئذ. ﴿إِلاّ وَجْهَهُ﴾ إلا إيّاه، والوجه يعبر به عن الذات. ***

стр. 707

سورة العنكبوت [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ الحسبان: لا يجوز أن يتعلق بالمفردات لكن يتعلق بمضامين الجمل، والجملة هاهنا هي قوله: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾. وليس الأمر كما حسبوه (١٧٥ /أ) بل لا بد من الامتحان بالأمر والنهي والوعد والوعيد. قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ﴾ بالامتحان ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الإيمان. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ فيه. فإن قلت: كيف وهو عالم بذلك فيما لم يزل؟ قلت: لم يزل يعلمه معدوما ولا يعلمه موجودا إلا إذا وجد، والمعنى: وليتميزنّ الصادق منهم من الكاذب. وقيل: ليرى. وقيل: ليعلم العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب، وأنه تعالى لا يثيب ولا يعاقب إلا على ما وجد. وقرئ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ﴾ (١) أي: ليطلعن المؤمنين على بواطنهم بعلامة يعرفون بها من بياض وجوه المؤمنين، وسواد وجوه الكافرين، وزرقة عيونهم. ﴿أَنْ يَسْبِقُونا﴾ أن يفوتونا، وهم لم يعتقدوا أنهم يعجزون الله، لكن فعلهم فعل من يظن ذلك، ومنه: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ (٢) ﴿لِقاءَ اللهِ﴾ مثل للوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت وابتداء الشروع في المجازاة. ﴿يَرْجُوا﴾ يؤمل أو يخاف. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ﴾ وهو الموت ﴿لَآتٍ﴾ لا محالة.

стр. 708

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢)﴾ قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ إما أن يكون في قوم من المسلمين سيئاتهم مكفّرة بالحسنات، وإما قوم من المشركين آمنوا فمعاصيهم تكفر بالإسلام. ﴿وَوَصَّيْنَا﴾ بمعنى عهدنا. ﴿حُسْناً﴾ أي: أمرا ذا حسن، أو جعل الوصية الحسنى؛ مبالغة. ويجوز أن يكون حسنا مفعولا بفعل مضمر، أي: أوصل إليهما حسنا؛ كما تقول: ضربا. إذا أمرت شخصا بالضرب. قيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وامتناع أمّه أن يظلها سقف حتى يكفر بمحمد (١). وقيل: في عياش بن أبي ربيعة، خدعه أخواه، وقالا: ارجع إلى أمك؛ فإنها في شدّة لفراقك، فرجع معهما قاصدا مكة؛ فربطاه، وضربه كلّ واحد منهما مائة سوط، ورجعا به إلى أمه؛ فقالت: لا يزال في عذاب حتى يرجع عن دينه (٢). ﴿فِي الصّالِحِينَ﴾ في زمرتهم، ووصف الصلاح من أتم الأوصاف، قال في إبراهيم: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٣). وقال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (٤) أو في مدخل الصالحين وهو الجنة؛ كقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ .. ﴾. الآية (٥). قوله : ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا﴾ (١٧٥ /ب) فإذا آذاه المشركون أطاعهم برجوعه إلى الشرك وهو المراد بقوله: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾

стр. 709

سلقوكم بألسنة حداد وطلبوا الشركة في المغانم؛ فأكذبهم الله - تعالى - بأنه هو العالم بما في صدور هؤلاء، وبما في صدور جميع العالمين ثم هدد هؤلاء الكفار بقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليجازينهم. قوله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أمروا أنفسهم بحمل خطاياهم، أي: تتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ونرى بعض [المتسمين بالإسلام من يستن بأولئك، فإذا رأى صاحبه مترددا] (١) في الإقدام على أمر عظيم، فيقول له صاحبه: افعل هذا وإثمك في عنقي. فربما اغتر به (٢). ويروى: أن أبا جعفر المنصور طلب منه رجل حوائج فلما قضاها له قال: يا أمير المؤمنين بقيت الحاجة العظمى، وهي الشفاعة لي في الآخرة. فقال له عمرو بن عبيد (٣): يا أمير المؤمنين لا تغتر بهؤلاء؛ فإنهم قطاع الطريق في المأمن. وسماهم كاذبين؛ إما لأنهم أشبهوا الكاذبين في مخالفة أقوالهم لأفعالهم، وإما لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه كالكاذبين. ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢)﴾

стр. 710

قوله: ﴿أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً﴾ هي الضلال الذي حملوا عليه أضدادهم فيجتمع عليهم إثم الضلال والإضلال. ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ﴾ سؤال تقريع ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: يختلفون من الأكاذيب والأباطيل. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً .. ﴾. (١). قيل: كان عمر نوح ألفا وخمسين سنة، أربعون قبل النبوة وستون بعد الطوفان، وفي قومه تسعمائة وخمسون وقوله: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ﴾ ولم يقل: تسعمائة وخمسين؛ لأنه لو قال مثل ما قلت لتطرق إليه المجاز، وأيضا فذكر عقد الألف أهيب وأدل على الكثرة. فإن قلت: فلم جاء المميز أولا بالسنة وثانيا بالعام؟ قلت: لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد مما يمجّه السمع. و ﴿الطُّوفانُ﴾ ما أحاط وأطاف بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما، والضمير في ﴿وَجَعَلْناها﴾ للسفينة أو للقصة، ونصب ﴿وَإِبْراهِيمَ﴾ بإضمار اذكر، وأبدل عنه "إذ" بدل الاشتمال. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ هو تسميتهم الأصنام آلهة. ونكر الرزق الأول، وعرف الرزق الثاني؛ لأنه أراد: لا يقدرون على شيء؛ فاطلبوا الرزق كله من الله الذي لا رزاق إلا هو. ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ﴾ سبقكم غيركم بتكذيب الأنبياء، فهلكوا. وهذه الآيات (١٧٦ /أ) إلى قوله: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ يجوز أن تكون من كلام إبراهيم صلوات الله عليه، وأن تكون آيات معترضة في شأن رسول الله ﷺ وقريش، بين أول قصة إبراهيم وآخرها، وإذا كانت من كلام إبراهيم فوجه مجيئها معترضة أن المراد بها تسلية رسول الله ﷺ على ما كان يلقاه من الكفر. وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس بمعطوف على ﴿يُبْدِئُ؛﴾ لأنها ليست معلومة للمخاطب، وصلة ﴿الَّذِينَ﴾ لا بدّ من العلم بها. قوله : ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ لو كنتم فيها. وقيل: ولا من في السماء بمعجزين؛ كقول حسان [من الوافر]: أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء (٢)

стр. 711

أو: لا تعجزون أمره الجاري في السماء والأرض أن يجري عليكم حكمه. وقيل: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لو تغلغلتم في أعماق الأرض أو علوتم في القصور المشيدة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥)﴾ ﴿بِآياتِ اللهِ﴾ بدلائله على قدرته وصدق رسله وعلى البعث. ﴿يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١). لا يجوز للمسلم أن ييأس من رحمة الله وروحه. قرئ ﴿جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بالنصب والرفع (٢). وروي: أنه لم ينتفع بالنار يوم ألقي إبراهيم فيها؛ لذهاب حرّها. قرئ ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ بنصب المودة (٣). ليكون ذلك سببا لتوادّكم ومحبتكم، أو اتخذتموها مودة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ (٤). وقرئ بالرفع (٥) خبرا ل "إنّ " على أن "ما" موصولة، وقرئ بنصب ﴿بَيْنِكُمْ﴾ مع الإضافة (٦) كقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (٧). بفتح ﴿بَيْنِكُمْ﴾ وهو فاعل. ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ تكون تلك المودة بغضا ولعنة. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ كما زعمتم أنهم

стр. 712

شفعاؤكم عند الله. ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ (٢٧) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١)﴾ كان لوط ابن أخي إبراهيم ﵇، وهو أول من آمن له حين رأى النار لم تؤثر في إحراقه، وقال إبراهيم ﴿إِنِّي مُهاجِرٌ﴾ من لوثى وهي من ضياع الكوفة إلى حرّان ثم منها إلى فلسطين. ﴿إِلى رَبِّي﴾ إلى حيث أمرني ربي بالهجرة إليه، وكان معه سارة زوجته ولوط ابن أخيه في هجرته. ﴿أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ الثناء الحسن، والصلاة عليه إلى يوم القيامة. فإن قلت: ولم لم يذكر إسماعيل ﵇؟ وذكر إسحاق وذريته؟! قلت: ذكر إسماعيل في قوله: (١٧٦ /ب) ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ والمراد بالكتاب جنس الكتاب فيدخل فيه التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ﴿وَلُوطاً﴾ معطوف على ﴿إِبْراهِيمَ﴾ أو على ما عطف عليه. والفاحشة: الفعلة البالغة القبح. وقطع السبيل: هو فعل قطاع الطريق. وقيل: هو الإتيان في غير المأتي؛ فإنه ليس محل حرث، ولا بذر. والمنكر: هو الخذف بالحصى والرمي بالبنادق. والدّفعة بالأصابع، ومضغ العلك والسواك بين الناس، والسباب والفحش في المزاح. وعن عائشة ﵂: "كانوا يتضارطون" (١).وقيل: السخرية ممن يمر بهم. وقيل: المجاهرة في ناديهم بذلك العمل. وكل معصية فإظهارها أقبح من سترها، وكانوا يحملون الناس على الفاحشة التي يعملونها طوعا وكرها. أراد لوط ﵇ أن يؤكد السؤال في هلاك قومه فوصفهم بالفساد، والفساد تستحق العقوبة بسببه.

стр. 713

﴿بِالْبُشْرى﴾ بالولد، والنافلة وهما إسحاق ويعقوب، وأضاف ﴿مُهْلِكُوا﴾ إلى أهل القرية إضافة تخفيف لا تعريف، والقرية سدوم، وهي التي يقال فيها: أجور من قاضي سدوم (١). ﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾

стр. 714

﴿إِنَّ فِيها لُوطاً﴾ اعتراض على الملائكة، حيث قالوا: ﴿إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ،﴾ أي: فيها من لا يستحق العقوبة، فأجابته: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها﴾ ووعدوه نجاة لوط وأهله، ثم جددت الملائكة استحقاق الوعيد على قوم لوط؛ فقالوا: ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً﴾ أي: عذابا ﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾. قوله : ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ مثل مضروب بقصير اليد لو أمدها ليأخذ شيئا لم تصل. ومثل القويّ بطويل إذا مدّ يده إلى شيء وصل إليه. الرجز والرجس: العذاب؛ من قوله: ارتجز وارتجس: إذا اضطرب. ﴿مِنْها﴾ أي: من القرية. ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ آثار هلاكهم. قوله: ﴿لِقَوْمٍ﴾ يتعلق ب ﴿تَرَكْنا﴾ أو ب ﴿بَيِّنَةً﴾ ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي: افعلوا ما تستحقون به النجاة من العذاب. وقيل: هو من الرجاء؛ بمعنى الخوف. ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الشديدة، وعن الضحاك: صيحة جبريل ﵇؛ لأن القلوب رجفت لها (١). ﴿فِي دارِهِمْ﴾ في بلدهم (١٧٧ /أ) وأرضهم. ﴿جاثِمِينَ﴾ باركين على الركب. قوله: ﴿وَعاداً وَثَمُودَ﴾ منصوب بإضمار: أهلكنا؛ لأن قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ يدل عليه. ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ ذلك من هلاك مساكنهم ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الآية (٢). ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ عقلاء قادرين على النظر في مصالح دينهم؛ فأهملوا ذلك. وقيل: كانوا متثبتين أن العذاب نازل بهم؛ لأن ذلك قد بين على ألسنة الرسل، ولكنهم لجوا حتى هلكوا ﴿سابِقِينَ﴾ فائتين، أدركهم أمر الله فلم يفوتوه. الحاصب لقوم لوط: وهو ريح عاصف فيها حصباء. وقيل: ملك كان يرميهم. والصيحة لمدين وثمود، والخسف لقارون، والغرق لقوم نوح وفرعون. الغرض تشبيه ما اتخذوه مثلا ومعتمدا في دينهم، وتولوه من دينه بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة وهو نسج العنكبوت ولذلك قال: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾. فإن قلت: كل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت؟ قلت: معناه: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن

стр. 715

هذا مثلهم إذا شابه دينهم نسج العنكبوت ثبت أن دينهم أوهن الأديان، وهذا زائد على ضرب المثل بالعنكبوت؛ لأنه لم يجعل ما اتخذوه من عبادة أوثانهم شيئا. ﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧)﴾ ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ فإن قلت: كم من مصل لم تنهه صلاته؟ قلت: الصلاة التي تنهى هي التي يدخل فيها خاشعا مستحضرا أنه بين يدي ربه سائلا منه التوفيق والهداية. روى: أن رجلا كان يصلي مع النبي ﷺ ولا يدع شيئا من المعاصي إلا ركبه، فوصف حاله للنبي ﷺ فقال: ستنهاه صلاته، فلم يمض إلا يسير حتى تاب وأصلح وترك ما كان يرتكبه من المعصية (١). وأراد ب ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ﴾ الصلاة؛ يريد أنها أفضل أعمال البر. وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته (٢). ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بالخصلة التي هي أحسن. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ . وقيل: إلا الذين دعوا لله ولدا وشريكا. وعن قتادة: منسوخة بآية السيف (٣).

стр. 716

وعن النبي ﷺ : "ما حدثكم به أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية فإن كان باطلا (١٧٧ /ب) لم تصدقوهم وإن كان حقا لم تكذبوهم" (١).ومثل ذلك الإنزال ﴿أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أي: مصدقا لسائر الكتب السالفة تحقيقا لقوله: ﴿آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ هم عبد الله بن سلام ومن آمن معه. ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ﴾ أهل مكة. ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ مع ظهورها ﴿إِلاَّ الْكافِرُونَ﴾ المتوغلون في الكفر. وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه. ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ (٤٩) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾ قوله: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ﴾ لأنه لو كان قارئا لقالوا: وجد هذه القصص التي [يقصها] مذكورة في كتب الأولين فارتابوا أو شكوا. ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ كما جاء في بعض الآثار: "أناجيل أمتي في صدورهم" (٢). ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ﴾ نقترحها؟ فأجابهم الله بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا﴾ الآية. والقرآن معجزة باقية على وجه الدهر. ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كلفت الإنذار ولست آتي من المعجزات إلا بما أنزل عليّ، ولست أقترح على الله آيات معينات؛

стр. 717

إنما أنا نذير أبلغ ما أمرت بإبلاغه. وروي أن ناسا أتوا رسول الله ﷺ بكتف كتبوا فيه شيئا منقولا عن اليهود في التوراة؛ فقال ﵇: "كفى بقوم حماقة أن يتركوا ما جاء به نبيهم ويسألوا عمّا لم يأت به نبيهم" (١). ﴿كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أني قد بلغتكم ما أرسلت ﴿بِهِ﴾ إليكم، وأنذرتكم، وأنكم قابلتموني بالجحد والتكذيب. ﴿لَجاءَهُمُ الْعَذابُ﴾ أي عاجلا، والمراد بالأجل: الآخرة؛ لأن الله تعالى وعد نبيه ﷺ ألاّ يعذب قومه ولا يستأصلهم، وأن يؤخّر عذابهم إلى يوم القيامة. وقيل: الأجل: يوم بدر. وقيل: وقت فنائهم بآجالهم. ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾ أي: ستحيط بهم. ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ﴾. وقيل: هي محيطة بهم في الدنيا؛ لأن الأعمال التي توجبها محيطة بهم. ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي جزاؤه. والمعنى: أن الإنسان إذا لم يتهيأ له في بلد إصلاح شأنه في دينه ولا من يعينه عليه فليرحل عنها إلى حيث يتيسر له. وقال الزمخشري: جربنا وجرب الأولون منا فلم نر ما هو أجمع للخاطر وأعون على التقوى من المجاورة بحرم الله (٢). ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ وعن النبي ﷺ : "من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان قدر شبر (١٧٨ /أ) وجبت له الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد" (٣).وقيل: نزلت في المستضعفين من

стр. 718

المؤمنين؛ كانوا بمكة لا يتمكنون من إقامة شعائر دينهم فدلهم الله على الهجرة. والتقدير في الآية: وإياي اعبدوا فاعبدون. ومعنى الفاء في ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ جواب شرط مقدر؛ المعنى: إن لم يتيسر لكم القيام بوظائف الدين في أرض فأخلصوا لله العبادة في غيرها. المعنى: أنها تحس بالموت إحساس الذائق. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ لننزلنهم، وقرئ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ (١) والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين، وإلى العرف إجراؤه مجرى لننزلنهم ولنثوينهم، وتقديم المجرور في قوله: ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يدل على الاختصاص. الدابة: اسم لكل نفس دبت على وجه الأرض عقلت أو لم تعقل. قيل: كان المسلمون إذا أمروا بالهجرة قالوا: كيف نذهب إلى بلد ليس لنا فيه رزق ولا معيشة؟ فنزلت ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لضعفها عن حمله. ﴿اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ﴾. وقيل: لا تحمل رزقها، أي: لا تدخر شيئا لغد. قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يريد: أهل مكة. ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن التوحيد. قدر الرزق وقتره: إذا ضيقه، يحتمل أن يراد: ويقدر له: يجمع له بين التوسعة والتقتير، وأن يكون المراد شخصين في وقتين. ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون. ﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ﴾ الدائمة. والحيوان: مصدر وهذا الوزن الحركة والاضطراب؛ كالنزوان والغليان والضربان؛ فهو أبلغ من أن يقول: لهي الحياة. ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾

стр. 719

﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ الفاء في قوله: ﴿فَإِذا رَكِبُوا﴾ أي: هم على ما هم عليه من دعوى الشرك فإذا دهمهم أمر عظيم التجأوا إلى الله وحده، وسماهم ﴿مُخْلِصِينَ﴾ تهكّما بهم. اللام في ﴿لِيَكْفُرُوا،﴾ و ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ يجوز أن تكون لام كي، وأن تكون لام الأمر للتهديد. وجاء قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ إيذانا بفساد ذلك الإخلاص الذي أخلصوه في الشدة. كانت العرب حول مكة يغير بعضهم على بعض، ويأكل القوي منهم الضعيف، وكان أهل الحرم آمنين في رحلتي الشتاء والصيف؛ فذكرهم الله تعالى هذه النعمة. قوله: ﴿لَمّا جاءَهُ﴾ أي: كذبوا به لما جاءهم، ولم يتثبتوا؛ بل بادروا إلى التكذيب. ﴿جاهَدُوا فِينا﴾ أي: بالصبر على قتال الكفار وأذاهم. وقوله: ﴿فِينا﴾ أي: في طاعتنا. قوله: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير. وعن أبي سليمان الداراني (١): والذين جاهدوا فيما عملوا لنهدينهم إلى ما لم يعملوا (٢). وقيل: إن الذي (١٧٨ /ب) يشاهد فينا من جهلنا بما لا نعلم إنما هو من تقصيرنا فيما علمناه. ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لناصرهم ومعينهم. ***

стр. 720

تفسير سورة الروم [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ كان المسلمون بمكة يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأن الروم أهل كتاب، وأهل فارس مجوس يعبدون النار؛ فجاء الخبر أن الروم تواقعوا هم والكفار فغلبت الروم وانتصرت فارس، فعيّر الكفار المؤمنين؛ هؤلاء الكفار من أهل الروم إخوانكم وقد ظهرنا عليهم، وليظهرننا الله عليكم، فقال أبو بكر للقائل: والله لتغلبن الروم فارس؛ فقال له أبيّ بن خلف: ناحبني (١) على ذلك - أي: راهنّي - فناحبه على ذلك، وأن على كل من غلب بعد ثلاث سنين عشر قلاص (٢) فبلغ أبو بكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال له: "زد في الرّهن وزد في المدّة؛ فإنّ البضع يكون تسع سنين" (٣) فراهنه على مائة قلوص وعلى مائة من الإبل، يكون ذلك على من غلب منهما، فغلبت الروم فارس يوم الحديبية. - وقيل: يوم بدر - وأخذ أبو بكر ﵁ القلاص من تركة أبي بن خلف، وجاء به إلى النبي ﷺ فقال: تصدّق به، وكان ذلك بعد تحريم القمار (٤). والغلب والغلب مصدران، والذي في الآية يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل وإلى المفعول؛ بناء على القراءتين؛ فمن قرأ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فهو مضاف إلى الفاعل، ومن قرأ بضم الغين (٥) فهو مضاف إلى المفعول، وهذا الخلاف مثل الخلاف في قوله:

стр. 721

﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ﴾ (١). واحتج أبو حنيفة ومحمد بقصة أبي بكر مع أبي بن خلف على أن العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها جائزة في دار الحرب بين المسلم والكافر (٢). ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾ وقرئ ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ على الجر (٣) من غير تقدير مضاف إليه؛ كأنه قيل: قبلا وبعدا؛ بمعنى: أولا وآخرا. ويوم تغلب الرّوم على فارس ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿بِنَصْرِ اللهِ﴾. وقوله: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أبدل "يعلمون" من ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ليعلمك أن علمهم كلا علم.

стр. 722

قوله : ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يجوز أن تكون "في" ظرفية، والتقدير: أو لم يجدّدوا أو يحدثوا التفكّر في قلوبهم؛ كما تقول: اجعل هذا في نفسك. وأن يكون محلا للتفكر، وهو ظاهر. و ﴿ما خَلَقَ﴾ معمول للقول (١٧٩ /أ) المقدر؛ تقديره: فيقول ما خلق ... الآية. وقيل: لا تحتاج إلى إضمار "فيقولوا" لأن السياق يدلّ على القول. ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ مصحوبة بالحكمة وبالتأجيل إلى أجل معلوم، وهو النفخة الأولى. ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ﴾ حرثوها، ومنه قوله: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ (١). ﴿وَعَمَرُوها﴾ قريش كما عمرها من كان قبلهم، وليس في أرض قريش موضع حرث إلا يسيرا؛ لأنها جبال وأودية. وقوله: ﴿وَعَمَرُوها﴾ تهكم بهم وبحرثهم. ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ ﴿السُّواى﴾ تأنيث الأسوأ، وهو الأفصح؛ كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى أنهم عوقبوا في الدنيا بالتكذيب فدمروا و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ بمعنى: لأن كذبوا؛ أي: دمّروا لأجل التكذيب، ويجوز أن يكون "أن" بمعنى أي؛ لأنه إذا كان تفسير الإساءة التكذيب والاستهزاء كانت في معنى القول؛ نحو: نادي وكتب وما أشبه ذلك. ويجوز أن يكون ﴿السُّواى﴾ مصدر أساءوا؛ أي: اقترفوا السيئات، و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ عطف بيان، وخبر كان محذوف؛ كما يحذف جواب (لما) و (لو)؛ إرادة الإبهام. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: إلى دار جزائه. الإبلاس: أن تبقى ساكتا متحيرا لا تهتدي إلى طريق الجواب بالحق، ومنه: الناقة المبلاس: التي لا ترغو. وقيل: يبلس - بفتح اللام - من: أبلسه، إذا أسكته، وكانوا في الآخرة مبلسين، وتنكر الأصنام عبادتهم لها، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ (٢) فيبلس الكفار حينئذ. وقيل: كانوا في الدنيا مبلسين بشركهم والضمير في قوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ للمسلمين والكافرين

стр. 723

معا؛ بدليل السياق. وقيل: أراد بالتفرق: أن الأبرار في عليين، والفجار أسفل السافلين. وعن قتادة: فرقة لا اجتماع بعدها (١). ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ من رياض الجنة، وتنكيرها للتعظيم. ﴿يُحْبَرُونَ﴾ يسرون، يقال: حبره، إذا سرّه سرورا يظهر عليه أثره وتهلل له وجهه، ثم اختلفت هذه الأقاويل لاختلاف وجوه المسرة. فقيل: يكرمون. وقيل: ينعمون. وقيل: التيجان على رؤوسهم. وعن وكيع: السماع في الجنة (٢). وفي الآثار: أن رجلا سأل النبي ﷺ أن في الجنة سماع؟ قال: "نعم؛ إن في الجنة أجراسا (١٧٩ /ب) من فضة، فإذا أراد ولي الله السماع هبت ريح من تحت العرش فتصوت تلك الأجراس تصويتا لو سمعه أهل الدنيا لماتوا طربا" (٣). ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ ﴿مُحْضَرُونَ﴾ في العذاب لا يغيبون عنه، وقلما يجيء لفظ المحضر في القرآن إلا لعقوبة ﴿فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ (٤). ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٥). لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد، وينجي من الوعيد فقال: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ﴾ الآيات، قيل: المراد بالتسبيح: ظاهره، وهو قوله: سبحان الله وسائر الأذكار. وقيل: الصلاة. وسئل ابن عباس: هل تجد في القرآن الصلوات الخمس؟ فقال: نعم؛ وتلا هذه الآية: ﴿تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء و ﴿تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر (٦).

стр. 724

وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ متصل بقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ،﴾ وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعتراض بينهما، ومعناه إن على المميزين من أهل السماوات والأرض أن يحمدوه. وروي عن الحسن أنه قال: هذه الآية مدنية؛ لأنه كان يقول: إن الصلوات الخمس فرضت بالمدينة، وكان الواجب في مكة في كل صلاة أن تصلى ركعتين. والقول الأكثر أن الخمس فرضت بمكة (١). وعن عائشة ﵂: "فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أقرت صلاة السفر، وزيد في الحضر" (٢).وعن رسول الله ﷺ : "من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" (٣). وقرئ ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٤) والمعنى: تمسون فيه، وتصبحون فيه؛ كقوله: ﴿يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ (٥). بمعنى: فيه. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ﴾

стр. 725

﴿أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ ﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الطائر من البيضة. ﴿الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ البيضة من الطائر وإحياء الأرض إخراج النبات فيها. وقيل: المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: ومثل (١٨٠ /أ) ذلك الإخراج تخرجون من القبور. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ خلق أصلكم، وهو أبوكم آدم، وإذا للمفاجأة: ثم فاجأكم وقت كونكم بشرا تنتشرون في الأرض وتنبثّون فيها. ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم؛ وذلك لما يحصل عند اتحاد الجنس من الأنس والمحبة، وعند اختلاف الجنس بخلاف ذلك. وعن الحسن: المودة كناية عن الجماع، والرحمة عن الولد (١)؛ لقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ (٢) ثم ذكر قصة الولد له. يقال: سكن إليه واطمأنّ إليه. وقيل: إنّ المودة والرحمة بين الزوجين من جهة الله ، وأن التباغض من الشيطان؛ لكن نسبته إلى الله حقيقة، وإلى الشيطان مجاز خلافا للزمخشري (٣). ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ الألسنة: اللغات أو أجناس النطق وصفاته. ومن بدائع آياته أن جعل هذه الصفات مختلفة؛ فلا تكاد تسمع شخصين يتكلمان فيشبه صوت أحدهما صوت

стр. 726

الآخر، أو شكله، وكذلك الصور وتخطيطها والألوان وتنويعها؛ ولاختلاف ذلك وقع التعارف؛ فإنك لو رأيت توأمين متشابهين لا يتميز عندك أحدهما عن الآخر إلا بجهد؛ فعند ذلك تعرف نعمة الله تعالى في الاختلاف، وفي ذلك آية بينة؛ حيث ولدوا من أب واحد وأم واحدة، وفرعوا من أصل فرد، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون ومتفاوتون. ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ قرئ بفتح اللام وكسرها (١). ويشهد للكسر قوله تعالى: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ (٢). ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالنهار، إلا أنه فصل بين الفريقين الأولين بالفريقين الآخرين لأنهما زمانان والزمان الواقع فيه كالشيء الواحد، ويجوز أن يراد: منامكم في الزمانين، وابتغاؤكم فيهما، والأول هو الظاهر؛ لتكرره في القرآن. قوله: ﴿يُرِيكُمُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: إضمار "أن"، أي: ومن آياته أن يريكم. والثاني: إنزال الفعل منزلة المصدر؛ كقولهم في المثل: تسمع بالمعيدي لا أن تراه (٣). وقال الشاعر [من الوافر]: وقالوا ما تشاء؟ فقلت ألهو ... إلى الإصباح آثر ذي أثير (٤) ﴿خَوْفاً﴾ من الصاعقة أو من الإخلاف. ﴿وَطَمَعاً﴾ في الغيث. وقيل: خوفا للمسافر (١٨٠ /ب) وطمعا للحاضر، وهما منصوبان على المفعول له. وحق المفعول له أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل، والخوف والطمع ليسا كذلك؟ وفيه وجهان: أحدهما: أن المفعولين فاعلان في المعنى؛ لأنهم راؤون وطامعون؛ فصار التقدير: لجعلكم رائين خوفا وطمعا. والثاني: أن يكون على تقدير حذف المضاف أي: إرادة خوف وإرادة طمع؛

стр. 727

فحذف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكونا حالين؛ أي: خائفين وطامعين ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ تقديره: قيام السماء، أي: بغير عمد. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بقوله: كونا قائمتين. وقوله: ﴿تَخْرُجُونَ﴾ بمنزلة قوله: ﴿يُرِيكُمُ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد؛ التقدير: ومن آياته أن تقوم السماء ثم تخرجون إذا دعاكم الملك: يا أهل القبور اخرجوا. والمراد سرعة وجود ذلك بلا توقف؛ كما يجاب الداعي المطاع، وعطف هذا ب (ثم) دليل على عظمة هذا الخروج. وقوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ مكان المدعو لا الداعي، هو متعلق ب ﴿دَعاكُمْ﴾ لا بقوله: ﴿دَعْوَةً﴾. وفي المثل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (١). و ﴿إِذا﴾ الأولى للشرط والثانية للمفاجأة. وقرئ ﴿تَخْرُجُونَ﴾ بضم التاء وفتحها (٢). ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ ﴿قانِتُونَ﴾ منقادون لوجود أفعاله فيهم. ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ عندكم؛ لأن من أعاد منكم صنعة شيء كان أهون عليه من إنشائها. الإعادة مؤنثة، وعبر عنها ب ﴿هُوَ؛﴾ لأن لها مصدرا آخر مذكور، وهو العود، وقدم المعمول في قوله ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ (٣)؛ لأن المراد اختصاص الله تعالى بذلك، وههنا المراد: الإخبار بأن ذلك على الله هيّن. قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾ يعني الوصف العظيم الذي ليس لأحد مثله. وعن مجاهد: المثل الأعلى قول: لا إله إلا الله. ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ﴾

стр. 728

﴿ناصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾ و ﴿مِنْ﴾ الأولى للابتداء، والثانية للتبعيض، والثالثة زائدة، ومعنى الآية: هل ترضون أن مماليككم المساوين لكم في البشرية والعقل والتمييز أن يشاركوكم فيما وهبكم الله من الجاه والمال، وتخافوهم كما تخافون من غيرهم؛ كذلك كل من عبد من دون الله لا يساويكم أيها الأحرار الملاك، ولا تخافونهم كخيفتكم من أمثالكم. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أشركوا؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فإن العالم إذا ركب هواه ربما ردعه علمه وكفّه، وأما الجاهل فإنه يخبط عشواء (١٨١ /أ) لا يدري طريق الصواب. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ فقوّم وجهك له من غير انحراف ولا ميل، و ﴿حَنِيفاً﴾ حال من المأمور أو من الدين. ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ الزموا فطرة الله، أو: عليكم فطرة الله. والفطرة: الخلقة، والمعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد والاعتقادات الصحيحة، لولا أن آباءهم لقّنوهم الضلال، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن كفر منهم فبإغواء الشياطين، وفي الحديث الصحيح أيضا: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه" (٢). ووحّد الخطاب في قوله: ﴿فَأَقِمْ﴾ وجمعه في قوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾ لأن الخطاب للرسول ﷺ خطاب لأمته؛ كقوله : ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ (٣). ﴿الدِّينُ﴾

стр. 729

بدل من المشركين. ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ تركوا دين الإسلام، وقرئ. ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (١). أي: جعلوه أديانا مختلفة. ﴿وَكانُوا شِيَعاً﴾ فرقا، كل فرقة تشايع إمامها الذي أضلها. ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ منهم فرح بمذهبه مسرور بباطله يحسبه حقا، ويجوز أن يقطع الكلام عند قوله: ﴿شِيَعاً﴾ وتبتدئ من قوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. الضر: الشدة، والرحمة: الخلاص من الشدائد، واللام في ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ لام العاقبة ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ نظير قوله: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ (٢) ﴿سُلْطاناً﴾ أي: كتابا. ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ ويخبر بحقائق الأمور؛ كقوله: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ﴾ (٣). يعني: فالقرآن شاهد بكذبهم و "ما" في قوله: ﴿بِما كانُوا﴾ مصدرية؛ أي: بكونهم، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً﴾ أي: ذا سلطان، وهو ملك معه برهان بذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون. ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أي نعمة من مطر أو سعة أو صحة. ﴿فَرِحُوا بِها﴾ فرح أشر وبطر. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ هؤلاء أن الله هو القابض والباسط والرازق، فما لهم لا يرجعون إليه ويتوبوا! حق ذي القربى: صلة الرحم، وحق المسكين وابن السبيل: نصيبهما من الصدقة المسماة لهما، وقد احتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية على وجوب نفقة سائر المحارم (٤). ولما ذكر الله تعالى أفعال المتقين أتبعهم بذكر ما (١٨١ /ب) يتقرب به إليه، والنهي عن الربا

стр. 730

وكل ما يباعد من رحمته. ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ ذاته، أو: رحمته وجانبه، أو: يقصدون جهة التقرب إلى الله لا جهة أخرى (١). ﴿لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ﴾ ليزيد وينمّى. ﴿فَلا يَرْبُوا﴾ فلا يزداد عند الله. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ذووا الإضعاف، ونظير المضعف: المقوي والموسر لذي القوة واليسار. وقيل: نزلت في ثقيف، وكانوا يربون. وقيل: المراد: أن يهب الرجل الرجل، أو يهدي إليه ليعوضه أكثر مما وهب أو أهدى. وقوله: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ التفات حسن، وهو أنه تعالى خاطب بقوله: ﴿وَما آتَيْتُمْ﴾ ثم عدل إلى أن أخبر ملائكته بفضل درجة هؤلاء المضعفين، أي: الكاملين في الإضعاف. ﴿اللهُ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ الذين اتخذتموهم آلهة هل ﴿مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ثم نزه نفسه عن ذلك؛ فقال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ التقدير: عما يشركون به. قوله: ﴿مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ ﴿مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من الأولى والثالثة زائدتان، وجعل الزمخشري الثانية كذلك والظاهر أنها للتبعيض (٢). ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)﴾ ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ بالجدب والقحط، ووقوع الموتان في الناس (٣) وقلة الريع

стр. 731

من الزراعات وغير ذلك، وقالوا: إذا انقطع عميت دواب البحر. وعن عكرمة: العرب تسمى المدينة بحرا (١). وعن قتادة: كان ذلك قبل البعث؛ فلما بعث رسول الله ﷺ رجع راجعون عن الضلال والظلم (٢). ويجوز أن يراد ظهر الفساد بكثرة المعاصي. قوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ كقوله: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣). لما ذكر فساد البر والبحر عقّبه بأن الكفار يرون آثار المهلكين ولا يتعظون بهم. قوله: ﴿مِنَ اللهِ﴾ يجوز أن يرجع إلى قوله: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ أي: يأتي من الله عقوبة ما فعلوا، ويجوز أن يتعلق ب ﴿لا مَرَدَّ﴾ أي: لا يرده أحد من الله ولا ينقذه منه. ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ يتفرقون. ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وباله مخصوص به. ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ كما يمهد للصبي موضع نومه في توطئة. و ﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلق ب ﴿يَمْهَدُونَ؛﴾ تعليل له. ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾

стр. 732

﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ من عطائه: ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ وهي الجنوب والشمال (١٨٢ /أ) والصبا، وهي رياح الرحمة، وأما الدبور فريح العذاب، أرسل الله تعالى رياح الرحمة لأمور منها: البشارة بالغيث، وإذاقة الرحمة، وحصول الخصب، وجريان الفلك في البحر. قوله: ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يجوز أن يتعلق بقوله: ﴿مُبَشِّراتٍ﴾ لأن البشارة نوع من إذاقة الرحمة، وأن يتعلق بمحذوف، التقدير: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أرسلها. قوله: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ رفع من شأن المؤمنين، وأن الله تعالى ضمن لهم حصول النصر في العاقبة، وتكرير ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ للدلالة على تعظيم ما منحهم به، وهذا التكرير كقوله: ﴿أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ (١). ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ يعني: أن أصل ما بني عليه أصل نشأتكم الضعف. وقيل: من ضعف النطفة؛ كقوله: ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (٢). ﴿السّاعَةُ﴾ القيامة؛ سميت بذلك لأنها تقع في آخر ساعات الدنيا، أو لأنها تقع سريعا؛ لقوله: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ (٣). وصارت الساعة علما للبعث؛ كالنجم للثريا. ﴿ما لَبِثُوا﴾ أي: في القبور، أو في الدنيا، أو ما بين النفختين. ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ في اللوح المحفوظ، أو في علم الله وقضائه ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يستعرضون، وحقيقته: أعتبته، أزلت عتبه.

стр. 733

قوله: ﴿فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ أي: ما هم ممن قبل عذرهم وإعتابهم. ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: من كل قصة غريبة الشأن كالمثل السائر. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ بنصرتك وإعلاء دينك حق لابد من حصوله. ﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ (١) ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ ولا يحملنك على الخفة والقلق ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ بالآخرة. ***

стр. 734

سورة لقمان ﵇ [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ ﴿الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ ذي الحكمة، أو وصف بصفة الله على الإسناد المجازي، ويجوز أن يكون الحكيم قائله؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب المضمر المتصل منفصلا. ﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾ نصب على الحال، والعامل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارة. وقرئ بالرفع (١) على أنه خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف. ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يعملون الحسنات الآتي ذكرها من إقامة (١٨٢ /ب) الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. وحكي عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعي؟ فلم يزد على إنشاد البيت وهو [من المنسرح]: الألمعي الذي يريك من الأمر ... كأن قد رأى وقد سمعا (٢) والذين يعملون جميع الخصال الحسنة، ثم خص منها هذه الثلاثة تشريفا لها على ما سواها. اللهو: كل باطل ألهى عن الخير، وعما يعني.

стр. 735

﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ و ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ باطله؛ نحو السمر بالأساطير والتحدث بالمضاحيك وفضول الكلام وعلم الغناء والموسيقى (١). وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وكان يتجر إلى فارس ويشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشا ويقول: أنا أحدثكم بهذه الأحاديث وهي أحسن مما جاء به محمد. وقيل: كان يشتري الجواري المغنيات، وإذا أحس برجل يريد الدخول في الإسلام ذهب به إلى منزله؛ فيطعمه ويسقيه ويسمعه غناء جاريته، ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد؛ تقاتل حتى تموت (٢). ويجوز أن تكون الإضافة للبيان؛ كقولك: علم نحو، وثوب خز. ويجوز أن تكون للتبعيض، أي: يتخذ من اللهو بعضه، وهو لهو الحديث.

стр. 736

﴿يَشْتَرِي﴾ يجوز أن يكون حقيقة؛ لأن النضر اشترى الجواري والكتب، وأن يكون مجازا؛ كما في قوله: ﴿اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ﴾ (١). وعن قتادة: اشتراؤه هو استحبابه وإيثاره على ما سواه (٢). ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ دين الإسلام أو القرآن. من قرأ ﴿لِيُضِلَّ﴾ (٣) كان معناه من أضل فهو ضال بإضلاله. وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لأنه بإيثاره الضلالة على الهدى من أجهل الناس. ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ ﴿وَلّى مُسْتَكْبِراً﴾ لا يعبأ بها ولا يرفع بها رأسا؛ يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمع وهو سامع ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي: ثقلا، ولا وقر فيهما. ﴿كَأَنْ﴾ الثانية: حال من الأولى، والضمير في ﴿كَأَنْ﴾ ضمير الشأن. ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكدان، الأول مؤكد لنفسه، والثاني لغيره؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ كالوعد. ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب.

стр. 737

قوله : ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ أي: هو وحده خلق هذه المخلوقات العظيمة، فكيف بآلهتكم؟ ثم أضرب عن ذلك إلى تبكيتهم بتورطهم في ضلال لا يقدرون على التخلص منه. ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ﴾ هو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب. وقيل: كان من أولاد آزر عاش ألف سنة وأدرك داود ﵇ (١٨٣ /أ) وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى؛ فقيل له في ذلك. فقال: ألا أكتفي إذا كفيت؟! وأكثر الأقاويل أنه كان حكيما لا نبيّا (١). وقيل: كان أسود خياطا. وقيل: كان نجارا. وقيل: راعيّا. وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة. ﴿غَنِيٌّ﴾ عن الشكر ﴿حَمِيدٌ﴾ يحب أن يحمد. ﴿وَهْناً عَلى وَهْنٍ﴾ أي: حملته تهن وهنا على وهن؛ كقولك: رجع عودا على بدء، وهو منصوب على الحال. وقيل: ضعفا متزايدا؛ لأن الحمل متى طالت مدته ازداد ثقله. ﴿فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾ بالأدب والإحسان حسنا بخلق جميل، وحلم وبرّ وصلة، وما يقتضيه الكرم والمروءة. ﴿سَبِيلَ مَنْ أَنابَ﴾ هم المؤمنون، ولما ذكر الله تعالى الوالدين وما لقيا من التعب في التربية بدأ بالأم؛ لأنها تلقى من المشاق ما لا يلقاه الأب أولا، ثم ذكرت وحدها بعد ذلك. فإن قلت: ما معنى توقيت الفصال بعامين؟ قلت: الأغلب على حال الولد أنه حينئذ يقوى على الفطام. وعن أبي حنيفة ﵀: أن مدة الرضاع ثلاثون شهرا؛ فإن أرضعت بعد ذلك لم يفد تحريما (٢).

стр. 738

﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ قرئ ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ بالنصب والرفع (١). فمن نصب كان الضمير للحبة الواحدة، ومن رفع فعلى اسم كان أو على أن كان تامة، و ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ اسمها. ﴿فَتَكُنْ فِي﴾ أقصى المخلوقات وأخفاها. ﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ يوم القيامة؛ إنه على كل شيء قدير. ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ يتعلق علمه بكل معلوم وإن لطف ودق. وعن قتادة: ﴿لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ﴾ بمستقرها ومستودعها (٢). وإنما أنث المثقال لإضافته إلى الحبة؛ كقوله [من الطويل]: ... كما شرقت صدر القناة من الدم (٣). وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر، أي: في مغاصه، أيعلمها الله؟ قال: إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة؛ لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء. وقيل: هي الصخرة التي تحت الأرض، وهي سجين يكتب فيها أعمال الكفار. وقرئ ﴿فَتَكُنْ﴾ (٤) بكسر الكاف من: وكن الطائر يكن: إذا استقر في وكنته؛ قال امرؤ القيس [من الطويل]: وقد أغتدى والطير في وكناتها ... ... (٥)

стр. 739

وهي مقره ليلا، والأول أظهر؛ أن المراد أي حبة كانت في أي صخرة كانت من السماوات والأرض. ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾ (١٨٣ /ب) مطلق في الأمر بكل صبر. وقيل: المراد واصبر على ما أصابك من إيذاء من نهيته عن المنكر. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ مما عزمه الله من الأمور، أي: قطع به، ومنه قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" (١).وقوله ﵇: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه" (٢).وقوله: "عزمة من عزمات ربنا" (٣). ومنه: عزمات الملوك، وهو أن تقول للشخص: عزمت عليك لتفعلن وحقيقته أنه من تسمية المفعول بالمصدر، أي: من معزومات الأمور، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الفاعل؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤). وصدق القتال، وهذا تعظيم لما ذكر من هذه العبادات، وأنها أمر مقطوع به لا محيد عنه. ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ ولا تصعر (٥)؛ تقول: عالى

стр. 740

البناء وأعلاه بمعنى، والصعر والصيد: هو ميل العنق، وأصله داء يصيب الإبل، فتميل أعناقها، والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعا، ولا تولهم شق وجهك كما يفعل المتكبرون. ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ أراد: ولا تمش تمرح مرحا، أي: أوقع المصدر موقع الحال يعني مارحا؛ كقولك: جاء زيد ركضا، أي: راكضا، ويجوز أن يريد المفعول من أجله؛ أي: لا تمش في الأرض لأجل المرح، ومنه قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً﴾ (١). ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: ليكن مشيك متوسطا بين الإسراع والوثوب ومشي المتماوتين. وقول عائشة في عمر: "كان إذا مشى أسرع" (٢) تعني: سرعة مرتفعة عن مشي المتماوتين. يقال: شيء نكر تنكره النفوس، ومنه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ﴾ أي: أحقها بالإنكار. والحمار مثل لمن يرفع صوته فوق الحاجة، ولفظ الحمار مستنكر حتى عدوا من جملة الآداب ألا يذكر لفظ الحمار في مجلس فيه أكابر الناس، ويكنون عنه بطويل الأذنين. ومنه لفظ الكلب لما ضرب به المثل في الكفار قال ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ (٣) وقال في التمثيل بالحمار: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ (٤). وقوله: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (٥).
следующие страницы →