← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

﴿يَشْتَرِي﴾ يجوز أن يكون حقيقة؛ لأن النضر اشترى الجواري والكتب، وأن يكون مجازا؛ كما في قوله: ﴿اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ﴾ (١). وعن قتادة: اشتراؤه هو استحبابه وإيثاره على ما سواه (٢). ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ دين الإسلام أو القرآن. من قرأ ﴿لِيُضِلَّ﴾ (٣) كان معناه من أضل فهو ضال بإضلاله. وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لأنه بإيثاره الضلالة على الهدى من أجهل الناس. ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ ﴿وَلّى مُسْتَكْبِراً﴾ لا يعبأ بها ولا يرفع بها رأسا؛ يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمع وهو سامع ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي: ثقلا، ولا وقر فيهما. ﴿كَأَنْ﴾ الثانية: حال من الأولى، والضمير في ﴿كَأَنْ﴾ ضمير الشأن. ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكدان، الأول مؤكد لنفسه، والثاني لغيره؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ كالوعد. ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب.

стр. 737

قوله : ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ أي: هو وحده خلق هذه المخلوقات العظيمة، فكيف بآلهتكم؟ ثم أضرب عن ذلك إلى تبكيتهم بتورطهم في ضلال لا يقدرون على التخلص منه. ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ﴾ هو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب. وقيل: كان من أولاد آزر عاش ألف سنة وأدرك داود ﵇ (١٨٣ /أ) وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى؛ فقيل له في ذلك. فقال: ألا أكتفي إذا كفيت؟! وأكثر الأقاويل أنه كان حكيما لا نبيّا (١). وقيل: كان أسود خياطا. وقيل: كان نجارا. وقيل: راعيّا. وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة. ﴿غَنِيٌّ﴾ عن الشكر ﴿حَمِيدٌ﴾ يحب أن يحمد. ﴿وَهْناً عَلى وَهْنٍ﴾ أي: حملته تهن وهنا على وهن؛ كقولك: رجع عودا على بدء، وهو منصوب على الحال. وقيل: ضعفا متزايدا؛ لأن الحمل متى طالت مدته ازداد ثقله. ﴿فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾ بالأدب والإحسان حسنا بخلق جميل، وحلم وبرّ وصلة، وما يقتضيه الكرم والمروءة. ﴿سَبِيلَ مَنْ أَنابَ﴾ هم المؤمنون، ولما ذكر الله تعالى الوالدين وما لقيا من التعب في التربية بدأ بالأم؛ لأنها تلقى من المشاق ما لا يلقاه الأب أولا، ثم ذكرت وحدها بعد ذلك. فإن قلت: ما معنى توقيت الفصال بعامين؟ قلت: الأغلب على حال الولد أنه حينئذ يقوى على الفطام. وعن أبي حنيفة ﵀: أن مدة الرضاع ثلاثون شهرا؛ فإن أرضعت بعد ذلك لم يفد تحريما (٢).

стр. 738

﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ قرئ ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ بالنصب والرفع (١). فمن نصب كان الضمير للحبة الواحدة، ومن رفع فعلى اسم كان أو على أن كان تامة، و ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ اسمها. ﴿فَتَكُنْ فِي﴾ أقصى المخلوقات وأخفاها. ﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ يوم القيامة؛ إنه على كل شيء قدير. ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ يتعلق علمه بكل معلوم وإن لطف ودق. وعن قتادة: ﴿لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ﴾ بمستقرها ومستودعها (٢). وإنما أنث المثقال لإضافته إلى الحبة؛ كقوله [من الطويل]: ... كما شرقت صدر القناة من الدم (٣). وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر، أي: في مغاصه، أيعلمها الله؟ قال: إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة؛ لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء. وقيل: هي الصخرة التي تحت الأرض، وهي سجين يكتب فيها أعمال الكفار. وقرئ ﴿فَتَكُنْ﴾ (٤) بكسر الكاف من: وكن الطائر يكن: إذا استقر في وكنته؛ قال امرؤ القيس [من الطويل]: وقد أغتدى والطير في وكناتها ... ... (٥)

стр. 739

وهي مقره ليلا، والأول أظهر؛ أن المراد أي حبة كانت في أي صخرة كانت من السماوات والأرض. ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾ (١٨٣ /ب) مطلق في الأمر بكل صبر. وقيل: المراد واصبر على ما أصابك من إيذاء من نهيته عن المنكر. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ مما عزمه الله من الأمور، أي: قطع به، ومنه قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" (١).وقوله ﵇: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه" (٢).وقوله: "عزمة من عزمات ربنا" (٣). ومنه: عزمات الملوك، وهو أن تقول للشخص: عزمت عليك لتفعلن وحقيقته أنه من تسمية المفعول بالمصدر، أي: من معزومات الأمور، ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الفاعل؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤). وصدق القتال، وهذا تعظيم لما ذكر من هذه العبادات، وأنها أمر مقطوع به لا محيد عنه. ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ ولا تصعر (٥)؛ تقول: عالى

стр. 740

البناء وأعلاه بمعنى، والصعر والصيد: هو ميل العنق، وأصله داء يصيب الإبل، فتميل أعناقها، والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعا، ولا تولهم شق وجهك كما يفعل المتكبرون. ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ أراد: ولا تمش تمرح مرحا، أي: أوقع المصدر موقع الحال يعني مارحا؛ كقولك: جاء زيد ركضا، أي: راكضا، ويجوز أن يريد المفعول من أجله؛ أي: لا تمش في الأرض لأجل المرح، ومنه قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً﴾ (١). ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أي: ليكن مشيك متوسطا بين الإسراع والوثوب ومشي المتماوتين. وقول عائشة في عمر: "كان إذا مشى أسرع" (٢) تعني: سرعة مرتفعة عن مشي المتماوتين. يقال: شيء نكر تنكره النفوس، ومنه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ﴾ أي: أحقها بالإنكار. والحمار مثل لمن يرفع صوته فوق الحاجة، ولفظ الحمار مستنكر حتى عدوا من جملة الآداب ألا يذكر لفظ الحمار في مجلس فيه أكابر الناس، ويكنون عنه بطويل الأذنين. ومنه لفظ الكلب لما ضرب به المثل في الكفار قال ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ (٣) وقال في التمثيل بالحمار: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ﴾ (٤). وقوله: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ (٥).

стр. 741

وتمثيل رافعي الأصوات بالحمير وأمرهم بخفض الصوت، وتمثيل أصواتهم بالنهاق، ونقل الكلام عن التشبيه إلى الاستعارة إنكار بليغ عليهم. وأفرد الصوت؛ لأن المراد أن كل واحد من هذا الجنس، وصوته منكر وليس المراد أن أصواتها إذا اجتمعت تشبه بشيء مجتمع. ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ من الشمس والقمر والنجوم والسحاب (١٨٤ /أ) (وغير ذلك وما في الأرض) البحار والمعادن وما لا يخفى. ﴿وَأَسْبَغَ﴾ قرئ بالصاد (١) وهكذا كل سين اجتمع معه الغين والخاء والقاف؛ تقول في سلخ: صلخ، وفي سقر: صقر، وفي سالغ: صالغ (٢). فإن قلت: ما النعمة؟ قلت: كل نفع قصد به الإحسان. والله تعالى خلق العالم كله نعمة؛ لأنه إما حيوان وإما غير حيوان، فأما الحيوان فالنعمة عليه بالإيجاد، ونفخ الروح، ولأنه لولا ذلك لما تهيأ منه الانتفاع بنعمة فهو نعمة، وما ليس بحيوان نعمة على الحيوان وقد أكثر الناس في معنى الظاهرة والباطنة؛ فقيل: الظاهرة: ما ترى العين، والباطنة: ما تعلم بالاستدلال. وقيل: الظاهرة: أعمال الجوارح، والباطنة: أعمال القلوب. وعن الحسن: الظاهرة: الإسلام، والباطنة: الستر (٣). وعن الضحاك: حسن الصورة، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة (٤). روي أن موسى ﵇ قال: "إلهي دلني على أخفى نعمة أنعمت بها على عبادك، فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس" (٥).وروي: أن أيسر ما يعذب به أهل النار الأخذ بالأنفاس (٦).

стр. 742

﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ أتتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، أي: في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب. وقرأ علي بن أبي طالب ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ﴾ (١) بالتشديد، يقال: سلم أمره إلى الله وأسلمه، وقد عداه هاهنا ب "إلى" وعداه باللام في قوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ (٢) لأن المراد عندما تعدى باللام أنه جعل وجهه أي: ذاته خالصة لله، وأما تعديته ب "إلى" فكقولك: سلمت المال إلى زيد. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ من باب التمثيل. جعل من أراد الدخول في أمر فهيأ له سببا قويّا شبيها بالعروة المستوثق منها، فمن استمسك به سلم. ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ (٣). ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾ زمانا قليلا بدنياهم ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ الغلظ حقيقة في الأجسام، مجاز في المعاني. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أن ذلك إلزام لهم على إقرارهم. ﴿الْغَنِيُّ﴾ عن حمد الحامدين ﴿الْحَمِيدُ﴾ الذي يجب حمده في السماوات والأرض.

стр. 743

قرئ ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ بالنصب عطفا على اسم "إن" والرفع (١) عطفا على (١٨٤ /ب) اسم "إن" ومعمولها. ﴿وَلَوْ﴾ ثبت أن الأشجار أقلام، وثبت أن البحر ممدود بسبعة أبحر أو على الابتداء، والواو واو الحال، بمعنى: ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدودا، والمعنى: ولو أن الشجر أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتب بهن كلام الله لما نفدت الكلمات. فإن قيل: كيف جاز أن يكون قوله ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ حالا ولا ضمير فيه يعود إلى صاحب الحال؟ قلت: هو كقوله [من الطويل]: وقد أغتدي والطير في وكناتها (٢) ... وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف، ويجوز أن يكون المعنى: وبحرها والضمير للأرض؛ فإن قلت: لم أفرد قوله: ﴿شَجَرَةٍ﴾ ولم يقل: من الشجر؟ قلت: لأن المراد إذا استقريت شجرة بعد شجرة لم توجد إلا مبرية أقلاما. فإن قلت: لم جمع الكلمات جمع قلة، والمراد هاهنا الكثرة؟ قلت: معناه: أن كلماته لا تفي بها كتبة ذلك، فكيف بكلمة واحدة؟! وقيل: إن اليهود قالوا: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء. فأجيبوا بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وقيل: قال المشركون: إن هذا الذي يأتي به محمد كلام سينفد، وأنه يتقوله فنزلت. وقيل: إن اليهود علّموا المشركين أن يقولوا للمؤمنين: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء (٣). ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾

стр. 744

﴿(٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ ﴿إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أي: إلا كخلق نفس واحدة وبعثها؛ لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، وهو يحاسب زيدا في وقت محاسبته لعمرو، ويبعث زيدا في وقت بعثه لعمرو. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ﴾ هو كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ (١). وقيل: ما نقص من أحدهما زيد في الآخر. والأجل المسمى: يوم القيامة؛ لأنه لا ينقطع جريهما إلى ضد ذلك. وقوله: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ توقيت. وقوله: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ انتهاء للغاية. ﴿ذلِكَ﴾ الذي يوحى إليك من هذه الآيات بسبب بيان الله هو ﴿الْحَقُّ﴾ وأن إلها غيره باطل. ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ عن أن يشرك به شيئا. قرئ ﴿الْفُلْكَ﴾ بضم اللام (٢) وكل فعل يجوز فيه فعل؛ كما يجوز في كل فعل فعل على مذهب التعويض، وبنعمات الله - بسكون العين - ووزن فعلات يجوز فيه الكسر والفتح والسكون، والبحر ﴿بِنِعْمَتِ اللهِ﴾ بإحسانه ورحمته. يكثر الموج ويتراكم فيصير كالظلل، والظلة: كل ما أظلك من سحاب أو جبل أو غيرهما. ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ المقتصد: المتوسط في الإخلاص، يعني: (١٨٥ /أ) أن ذلك الخوف حين كان في البحر لا يعود إلى الخائف. والمقتصد: قليل نادر. وقيل: مؤمن قد ثبت على ما عاهد الله عليه في البحر. والختر: أشد الغدر، ومنه المثل: إنك لا تمد لنا شبرا من غدر إلا مددنا لك باعا من ختر (٣).

стр. 745

﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ ﴿لا يَجْزِي﴾ عنه، لا يقضي عنه شيئا، ومنه قوله في جذعة ابن نيّار: "تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك" (١).والغرور: الشيطان. وقيل: الدنيا. وقيل: تمنيكم في المعصية المغفرة بغير توبة. وقيل: هو ذكرك لحسناتك، ونسيانك لسيئاتك غرة. وقرئ بضم الغين (٢) وهو مصدر غر غرورا؛ فإنه جعل الغرور غارا. قوله: ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ﴾ أكد نفي الإجزاء عن الوالد للولد؛ لأن أكثر الصحابة أسلموا وآباؤهم على الكفر فأكد نفي الانتفاع بشفاعتهم في الآخرة. روي أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن هذه الخمس؛ فأنزل الله هذه الآية (٣). وعن ابن عباس: "من ادعى معرفة هذه الخمس فقد كذب، إياكم والكهانة؛ فإن الكهانة تدعو إلى الشرك، والشرك أهله في النار" (٤). وروي أن المنصور أهمه معرفة ما بقي من عمره، وكان يدعو أن يعلم بذلك عقب كل صلاة، فرأى في المنام كفا خرجت من البحر بخمسة أصابع، فسأل العلماء عن تعبيرها فقال قوم: خمس سنين. وقيل: خمسة أشهر. وقيل: غير ذلك، حتى قال أبو حنيفة: إن

стр. 746

هذه الخمس استأثر الله بعلمها؛ فليس لأحد سبيل إلى معرفتها (١). وفي الحديث: "خمس لا يعلمهن إلا الله، وتلا الآية" (٢). وجعل العلم والدراية للنفس؛ لما في الدراية من معنى الحيل. ***

стр. 747

سورة السجدة [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ ﴿الم﴾ على أنها اسم للسورة مبتدأ، و ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ خبره، وإن جعلته تعديدا للحروف ارتفع ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ بأنه خبر مبتدأ محذوف، أو: هو مبتدأ خبره ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ والوجه أن يرتفع ﴿الم﴾ بالابتداء، وخبره: ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ جملة معترضة، والضمير في ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى مضمون الجملة، أي: في كونه منزلا من ربّ العالمين. أثبت أولا أنه منزل من رب العالمين، وأنه لا ريب فيه ولا شك، ثم انتقل إلى تقريعهم على ما يعتقدونه من أنه مفترى. فإن قلت: نفى أن يكون مرتابا فيه، وأثبت ما هو أشد من ذلك؛ أن يكون مفترى؟ قلت: إنما نفى الريب لأن القرآن معجزة الرسول ﷺ وإذا (١٨٥ /ب) انتفى الريب عن المعجزة صحّ الإسلام، ولا شيء أنفع من صحته، وأما قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ فهو إما قول متجاهل يعلم أن الأمر بخلاف ذلك، أو معاند مكابر لا غيره يقوله؛ فكان الأول أهم. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ؛﴾ كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ (١). فإن قلت: فإذا لم يأتهم نذير لم تقم عليهم حجة؟ قلت: أما معرفة الله تعالى ووحدانيته وعلمه وقدرته فهو ثابت بأدلة العقل، وأما ما سوى ذلك فلا. ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون على ترجية النبي ﷺ ؛ كما كان قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ (٢) على ترجية موسى وهارون. والثاني: أن يستعار الترجي للإرادة؛ أي: إرادة أن تهتدوا، وهو بعيد؛ لأنه لو أراد أن يهتدوا لاهتدوا.

стр. 748

قيل: إن "لا" في قوله: ﴿وَلا شَفِيعٍ﴾ زائدة، وليس كذلك؛ فإنه لو قال: ما لكم من دونه من ولي وشفيع. انتفى مجموع الأمرين، فإذا وجد الشفيع دون الولي أو بالعكس لم يناقض ذلك. أي: فبطل فكركم الصحيح فلا تتذكرون، أي: من قدر على خلق الأعلى الأعظم وهو السماوات والأرض فهو على ما سواهما أقدر؛ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ (١). ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ﴾ الآيات (٢). ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ ﴿الْأَمْرَ﴾ المأمور به من الطاعات، ينزله مدبرا من السماء إلى الأرض، ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور كما يرتضيه إلا في مدة متطاولة؛ لقلة عمال الله المخلصين، وقلة الأعمال الصاعدة؛ لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص، دل عليه قوله على أثره: ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من أيام الدنيا وهو ألف سنة؛ كما قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٣). ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي: يصير إليه، ويثبت عنده، ويكتب في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر، ويدخل تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها ثم يدبر - أيضا - ليوم آخر وهلمّ جرّا إلى أن تقوم الساعة. وقيل: ينزل الوحي مع جبريل من السماء إلى الأرض ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي أو ردّه مع جبريل، وذلك في وقت هو في الحقيقة ألف سنة؛ لأن المسافة في الصعود والنزول مقدار ألف سنة؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وهو يوم من أيامكم لسرعة جبريل (١٨٦ /أ) ﵇؛ لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد. وقيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله ليحكم فيه ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وهو يوم القيامة، وقال في موضع آخر ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٤). فعن ابن عباس: "هذه سنون لا أدري ما هي" (٥).وقيل: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ تقدير عروج الملائكة من العرش إلى الأرض وعكسه مسافة يقطعها الراكب المجد في خمسين ألف سنة،

стр. 749

من العرش إلى الأرض وعكسه مسافة يقطعها الراكب المجد في خمسين ألف سنة، وقوله - هاهنا -: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ هو لمدة العروج من سماء الدنيا إلى الأرض أو عكسه. وقيل: اختلاف القول في ذلك اليوم يوجب ظنونا مختلفة؛ فبعض من اشتد عليه الهول يقدره بخمسين ألف سنة، وبعض من كان أنقص عذابا يقدره بألف سنة. ﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩)﴾ ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي: حسنه؛ لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة، وجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن؛ كقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١). وقيل: علم كيف يخلقه؛ من قولهم: قيمة المرء ما يحسن وقرئ ﴿خَلَقَهُ﴾ (٢) على البدل من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: أحسن كل شيء وخلقه؛ على الوصف ل "شيء". سميت الذرية نسلا؛ لأنها تنسل من الإنسان، أي: تخرج من صلبه ﴿مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ من مني مستقذر تكره أن تراه على ثوبك أو بدنك.

стр. 750

﴿سَوّاهُ﴾ قومه؛ كقوله: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١). ودل بإضافته الروح إلى ذاته الشريفة على أنه مخلوق عظيم لا يعلم قدره؛ كقوله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ .. ﴾. الآية (٢). كأنه قال: ونفخ فيه من الشيء الذي اختص بمعرفته. ﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ ﴿وَقالُوا﴾ أضاف القول إلى جميعهم، والقائل أبيّ بن خلف؛ رضاهم بقوله. ﴿ضَلَلْنا﴾ صرنا ترابا وذهبنا مختلطين بتراب الأرض لا نتميز منه؛ كما يضل الماء في اللبن، أي: غبنا في الأرض بالدفن فيها، وقرئ بكسر اللام، وقرئ ﴿ضَلَلْنا﴾ (٣) بالصاد المهملة؛ أي: أنتنت أجسادنا تحت الأرض، وانتصب الظرف في ﴿أَإِذا ضَلَلْنا﴾ بما دل عليه ﴿أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو: نبعث، أو: يجدد خلقنا. ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ هو الوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت وما بعده، فلما ذكر كفرهم بالإنشاء أضرب عنه إلى ما هو أشد منه وهو كفرهم بالعاقبة لا بالإنشاء وحده، ألا ترى كيف خوطبوا بتوفي ملك الموت وبالرجوع إلى (١٨٦ /ب) الله . ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ هو من استيفاء الحق، يقال: وفيت فلانا حقه. إذا أعطيته له كاملا. ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ بقبض أرواحكم. وقيل: إن الأرض بين يدي ملك الموت يقبض منها ما يشاء.

стр. 751

معه أعوان من الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (١). وقيل: ملك الموت تعرفه الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها. ﴿وَلَوْ تَرى﴾ يحتمل أن يكون خطابا لرسول الله ﷺ وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون تمنيّا، أي: وليتك تراهم. والثاني: أن تكون شرطية وجوابها محذوف؛ تقديره: لرأيت أمرا فظيعا، أو: لرأيت أسوأ حال، ويجوز أن يخاطب غير معين؛ كما تقول: فلان لئيم؛ إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، فلا تريد به مخاطبا معينا، وكأنك قلت: إن أكرم وإن أحسن إليه، والمعنى في قوله ﴿بِما نَسِيتُمْ﴾ الترك والإهمال، أي: لم تعملوا للقاء هذا اليوم. ﴿إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ تركناكم، أي: جازيناكم على نسيانكم ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (٢) وقيل: هو بمعنى الترك. ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ﴾ العذاب المخلد بسبب أعمالكم القبيحة. ﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ ﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها﴾ بادروا بوضع جباههم على الأرض؛ مسارعة إلى الطاعة، وشكرا على ما رزقوا من الإسلام. ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ وسبحوا الله تعالى حامدين غير مستكبرين كما يفعل المنافقون من إظهار الطاعة. ﴿تَتَجافى﴾ ترتفع وتتنحى عن المضاجع، أي: عن الفرش ومواضع النوم، وفي الحديث: "أن مناديا ينادي يوم القيامة يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم. ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع. فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله تعالى في البأساء والضراء. فيقومون وهم قليل، فيدخلون جميعا إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس" (٣). وقيل: كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يصلّون من صلاة المغرب إلى صلاة

стр. 752

العشاء الآخرة؛ فنزلت فيهم (١). وقيل: هم الذين يصلون صلاة العشاء ولا ينامون عنها. وفي الحديث عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه يقول الله - تعالى -: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٢). وعن الحسن: أخفى القوم أعمالهم في الدنيا فادخر الله لهم، فأخفى الله تعالى لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت (٣). وقرئ ﴿ما أُخْفِيَ﴾ بسكون الياء؛ على أنه فعل مضارع، وبفتحها على البناء (٤). وقرة العين: سكونها؛ فلا تمتد لطلب ما ليس لها، من قر بالمكان أي: استقر به. وقيل: من قرت العين: دمعت دمعا باردا، وهو دمع السرور. ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾

стр. 753

ودمعة الحزن حارة ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً﴾ كلاهما على لفظ "من"، وهو للإفراد، و ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ حمل على المعنى في الجمع. ﴿جَنّاتُ الْمَأْوى﴾ مذكورة في سورة النجم (١) تأوي إليها أرواح الشهداء. النزل: دار الضيافة. ﴿الْعَذابِ الْأَدْنى﴾ من القتل والأسر يوم بدر، وما امتحنوا به من القحط سبع سنين. وعن مجاهد: عذاب القبر و ﴿الْعَذابِ الْأَكْبَرِ﴾ عذاب الآخرة (٢). روي أنه وقع كلام بين علي والوليد بن عقبة بن أبي معيط؛ فقال له الوليد: اسكت؛ فإنك صبي، وأنا أملأ منك حشوا في الكتيبة؛ فقال له علي ﵁: اسكت فإنك فاسق؛ فنزلت: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً﴾ الآيات (٣). قوله: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها﴾ أتى ب "ثم" للاستبعاد، والمعنى أن الإعراض عن مثل آيات الله في وضوحها وإنارتها وهدايتها إلى سواء السبيل الفوز بالسعادة بعد التذكير بها مستبعد في العقل والعدل كما تقول لصاحبك: وجدت مثل هذه الفرصة ثم لم تنتهزها. ﴿الْكِتابَ﴾ للجنس، والضمير في ﴿لِقائِهِ﴾ لموسى؛ أي: من لقاء موسى التوراة، ويجوز أن يكون من لقاء الله تعالى، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ (٤) وقد ذكر. ﴿يَفْصِلُ﴾ يميز الحق من الباطل، أو يحكم، وأهل اليمن يسمون القاضي المفتصل. وربما سموه فصيلا؛ فعيلا بمعنى فاعل. ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾ يبين لهم كثرة إهلاكنا، ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ في موضع المفعول، ولا يكون فاعلا؛ لا تقول: لقيني كم رجل. ﴿الْجُرُزِ﴾ الأرض التي جرز نباتها، أي: قطع بحصاد أو رعي أو بآفة سماوية. وقيل: الغليظة. ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ أي: بالماء في كل من الزرع. ﴿أَنْعامُهُمْ﴾ من عصفه و ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ من حبه. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾

стр. 754

﴿الْفَتْحُ﴾ النصر أو الفصل بالحكومة؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا﴾ (١). وكان المسلمون واثقين بما وعدهم الله تعالى به من النصر ويشيعونه بينهم؛ فيقول الكفار: (١٨٧ /ب) ﴿مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ﴾ وهذا يدل على أنه يوم القيامة، فإنه في يوم بدر لو آمن منهم أحد قبل. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قيل: نسخت بآية السيف. وقيل: الإعراض عن السفيه ليس بمنسوخ؛ فهي محكمة (٢). ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي: هم بصدد أن تلقاهم الملائكة يوم القيامة، فيغلون أعناقهم بالسلاسل ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ (٧٢) (٣) أجارنا الله تعالى من عذابه ونقمته وأدرج خطايانا في سعة رحمته. ***

стр. 755

سورة الأحزاب [مدنية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٣) ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ أي: دم على التقوى. ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ فيما يدعونك إليه. روي أنهم قالوا له: إن العرب لا تحتمل القهر فاعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة؛ فنزلت (١). كان رجل من العرب فصيح اللسان يقال له أبو عمرو، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل منهما كما يعقل محمد؛ فأنزل الله تعالى ذكره ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (٢). ومثل ذلك بمثالين؛ أن تكون المرأة أم الرجل وهي زوجته، وجعل الدعي نسيبا؛ فكما لا يجتمع هذان الأمران لا يجتمع أن يكون للرجل قلبان. ﴿ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾ وكل قول لا يعضده دليل يعبر الله تعالى عنه بأنه قول بالفم، وإن كانت الأقوال كلها بالفم، أي: لا يواطئ عليها القلب. وقوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ زيادة تصوير للأمر كأنك تشاهده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ (٣). وقوله: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٤). وقد اشتق لفظ الظهار من قوله: أنت عليّ كظهر أمي. وكذلك تأفف الرجل إذا قال: أفّ. وإنما عدي "ظاهر" ب "من"، وكان الظهار طلاقا في الجاهلية تجتنب فيه المرأة المظاهر منها؛ لأنه ضمن "تظاهر" معنى "تباعد" فعدي تعديته.

стр. 756

﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥) النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦)﴾ وقيل: كانت العرب إذا رأوا من رجل جمالا وسيرة حسنة ضمه رجل منهم إلى نفسه وتبناه، جعله ابنه وأعطاه ما يعطي أحدا أولاده، ثم نسخ ذلك بقصة زيد بن حارثة، ونزل فيه: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ الآية (١). ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا﴾ لهم أبا فهم إخوانكم في الدين، نصفه بالأخوة، ولا نصفه بالبنوة. ﴿وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ﴾ في موضع خفض، عطفا بلفظة "لكن" على "ما" في قوله: ﴿فِيما أَخْطَأْتُمْ﴾ ويجوز أن (١٨٨ /أ) يكون محله الرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح. وقوله: ﴿فِيما أَخْطَأْتُمْ﴾ يريد به تسميته الدعي ابنا قبل التحريم أو بعده على سبيل الإكرام للشخص، ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ به في مسألة الدعي وغيره. فإن قلت: ما حكم التبني؟ قلت: إذا استلحق صبيّا في سن تحتمل أن يكون ولدا له ثبت النسب والميراث، وإن كان عبدا عتق مع ثبوت النسب، وإن كان لا يولد مثله لمثله لم يثبت النسب، ولكنه يعتق عند أبي حنيفة، ولا يعتق عند صاحبيه. وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني، وإن كان عبدا عتق (٢). قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ تجب طاعته عليهم في المنشط والمكره، وتقديم أوامره على مصالح أنفسهم، حتى قال بعض أصحاب الشافعي: يجوز له ﵇ أن يأخذ الماء من العطشان، وإن لم يكن الرسول ﷺ مضطرا، ويجب أن يبذلوا نفوسهم له (٣).

стр. 757

ويجوز أن يكون المراد: النبي أولى بالمؤمنين بشفقته عليهم والسعي في مصالحهم، وأرأف بهم وأرحم؛ لقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وعن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة؛ اقرؤوا ما شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ " (٢).وفي قراءة ابن مسعود: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم" (٣).وقال مجاهد: كل نبي أبو أمته (٤) صار المؤمنون إخوة بذلك؛ لأن النبي ﷺ أبو هم في الدين وأزواجه أمهاتهم. واعلم أن هذه النسبة لا تتفرع تفرع الأنساب؛ فلا يقال معاوية خال المؤمنين، وما أشبه ذلك من الأنساب، واختلفوا في نساء النبي ﷺ هل هن أمهات لنساء المؤمنين؟ على وجهين. ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ في بعض الأحكام؛ وهي تحريم نكاحهن بقوله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ (٥). واحترامهن، وهن فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات. وقول عائشة ﵂: "لسنا أمهات النساء" (٦) تريد به أن تحريم زوجات النبي ﷺ إنما يظهر في الرجال؛ لأن المرأة بالنسبة إلى المرأة لا توصف بحل ولا حرمة. وقد تزوج عثمان ابنتي رسول الله ﷺ وتزوج علي فاطمة، ولم يقل لأحد منهم إنه تزوج أخته من أبيه. وكان المسلمون في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف والنصرة والهجرة، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ (١٨٨ /ب). ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ عني: اللوح المحفوظ، أو: فيما أوحى الله إلى نبيه وهو هذه الآية، أو آية المواريث، أو: فيما فرض؛ كقوله: ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٧). ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ يجوز أن يكون بيانا لأولي الأرحام، أي: الأقرباء من المؤمنين والمهاجرين،

стр. 758

أي: بعضهم أولى بأن يرث البعض من الأجانب، ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، أي: أولى بالميراث، أي: أولى من المؤمنين بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق الهجرة. فإن قلت: مم استثنى قوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا؟﴾ قلت: من أعم العام في معنى النفع والإحسان؛ كما تقول: القريب أولى من الأجنبي بالتركة إلا أن يوصى له، والمراد بفعل المعروف الوصية؛ لأنه "لا وصية للوارث" (١).وعدي ﴿تَفْعَلُوا﴾ ب "إلى" لأنه في معنى تسدوا، والمراد بالأولياء: المؤمنون والمهاجرون، الولاية في الدين. ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الآيتين جميعا، وتفسير الكتاب ما مرّ آنفا، والجملة مستأنفة كالخاتمة لما ذكره من الأحكام. ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧)﴾ واذكر حين أخذنا من النبيين جميعا ميثاقهم بتبليغ الرسالة والدعاء للدين القيم ﴿وَمِنْكَ﴾ خصوصا ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وإنما فعلنا ذلك ليسأل الله يوم القيامة عن الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم، ووفوا به من جملة من أشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ (٢) بصدقهم في عهدهم وشهادتهم فتشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم، وأنهم وفوا بما عاهدوا الله عليه. أو: ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم؛ لأن من قال لصادق: صدق. كان صادقا في قوله، أو: ليسأل الأنبياء: ما الذي أجابتهم به أممهم؟ وفائدة سؤال الرسل تبكيت أممهم المكذبين. وقدم رسول الله ﷺ وذكر بعده مشايخ الأنبياء؛ أما نوح فلأنه الأب الأصغر، والخلق كلهم أولاده، وأما إبراهيم؛ فلأنه أبو هذه الأمة؛ قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ﴾ (٣). وأما موسى وعيسى؛ فلأنهما صاحبا الكتابين والشريعتين؛ لأن هذا الذكر

стр. 759

إنما هو للتشريف، وقدم الأشرف فالأشرف. فإن قلت: فقد جرى تقديم نوح مع أنه ليس بأفضل من محمد ﷺ في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ (١). قلت: سياق تلك (١٨٩ /أ) الآية مخالف لهذا السياق؛ لأنهم اتبعوا الدين الحق؛ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ ثم قال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٢) فكأنه قال: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوحا في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسطهما من الأنبياء والمشاهير. قوله: ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ ليس المراد منه أخذ ميثاقا آخر؛ بل هو هو، والتقدير: وأخذنا منهم بأخذ العهد ميثاقا غليظا. ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩)﴾ قوله: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا،﴾ والتقدير: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، وأعتدنا للكافرين عذابا أليما. ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ يوم الأحزاب وهو يوم الخندق. ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ وهم الأحزاب فأرسل الله عليهم ريح الصبا؛ قال ﷺ : "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (٣). ﴿وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ وهم الملائكة، وكانوا ألفا فبعث الله عليهم ريحا باردة في ليلة شاتية، فاشتد عليهم البرد، وسفت عليهم الريح التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فاقتلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب (٤) وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت (٥) الخيل بعضها في بعض، وقذف الله في قلوبهم الرعب،

стр. 760

وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد: أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجا النجا (١) فانهزموا من غير قتال، وانهزم الأحزاب، وحين سمع رسول الله ﷺ بقدومهم وإقبالهم حفر الخندق، وأشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب معسكرهم والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء، فرفعوا الآطام (٢) واشتد الخوف، وظن المؤمنون كل ظن، ونجم (٣) النفاق من المنافقين، حتى قال معتب بن قشير (٤): كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش (٥) وهي كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد، وقائدهم عيينة بن حصن (١٨٩ /ب) وعامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله النصر (٦). ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾

стр. 761

﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً (١٣)﴾ ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ من أعلى الوادي من قبل نجد وهم غطفان ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من أسفل الوادي قريش؛ تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة؛ حتى نستأصل محمدا. ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ مالت عن مستوى نظرها حيرة. وقيل: عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلى عدوّها من شدة الخوف. الحنجرة: رأس الغلصمة (١) وهي منتهى الحلقوم. وإذا زاد الهم أو الخوف أو البلاء ارتفع القلب إلى الحنجرة، ويجوز أن يكون تمثيلا للهول، وإن لم يبلغ الحناجر حقيقة. ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ يشمل الظان المخلص والمشكك، فيقول الظانون بالحق: الله يبتلي عباده بما يشاء، ويقول الشاكون: لو تيقّنا الحق لانتصرنا وما انهزمنا. والوعود التي سبقت من النبي ﷺ ما كانت إلا غرورا بالنصر. ﴿الظُّنُونَا﴾ و ﴿الرَّسُولا﴾ و ﴿السَّبِيلا﴾ قرئت بإلحاق ألف في الوصل؛ إجراءا له مجرى الوقف (٢)؛ كقوله [من الوافر]: أقلّ اللوم عاذل والعتابا ... وقل لي إن أصبت لقد أصابا (٣)

стр. 762

والمعنى: أن الخوف أزعجهم أشد الإزعاج. ﴿طائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ معتب بن قشير، وأوس بن قبطي. وقيل: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، و ﴿يَثْرِبَ﴾ اسم المدينة. وقيل: أرض وقعت المدينة في ناحية منها ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ لا قرار لكم. ﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى بيوتكم؛ أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ . وقيل: المراد ب "ارجعوا" أن يرجعوا إلى دينهم الأول، ويسلموا محمدا وإلا فليس هذا المكان مكان حرب ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أي: ليست بمحصنة، والعدو متمكن منها وهم كاذبون، بل كانت بيوتهم محصنة؛ كذبهم الله وبين أن ليس قصدهم بذلك إلا الفرار. ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧)﴾ ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ المدينة. وقيل: بيوتهم، تقول: دخلت على فلان داره ﴿مِنْ أَقْطارِها﴾ من جوانبها. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ الرجوع إلى دينهم، ومن قرأ ﴿لَآتَوْها﴾ بالقصر، أي: لجاءوها، ومن قرأ بالمد (١) فمعناه: لأعطوها ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾ أي بإعطاء كلمة الكفر. قيل: ما تلبثوا بها؛ أي: بالمدينة، فإذا خالفوا (١٩٠ /أ) الأمر وأعطوا الكفر غضب الله عليهم فابتلوا وأخرجوا من ديارهم؛ وذلك لمقتهم الإسلام وبغضهم لأهله، وكان رسول الله ﷺ قد عاهد الأنصار ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم. وقيل: هم قوم اتفقت غيبتهم عن بدر؛ فقالوا: فاتنا مغنم بدر وثوابها، والله لئن أشهدنا الله موقفا مع الرسول ﷺ لنبلغن الجهد في القتال؛ فلما جاءت وقعة أحد انهزموا، وعتبهم الله بقوله: ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا﴾ الآية ﴿مَسْؤُلاً﴾ مطلوبا حتى يوفّى به. ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ﴾ مما لا بد لكم من نزوله بكم، وإن منعكم الفرار ومنعتم بالبقاء لم

стр. 763

يكن زمن تمتعكم إلا قليلا. وروي أن بعض بني مروان مر بحائط مائل فأسرع في الذهاب؛ فقيل له: ﴿وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ فقال: ذلك القليل أطلب. فإن قيل: كيف ذكر العصمة وإذا حصلت العصمة انتفى السوء؟! قلت: حمل الثاني على الأول؛ لما في العصمة من معنى المنع. وقيل: المراد: أن يعصمكم من السوء إن أردتم رحمة. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً (٢٠) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً (٢١)﴾ ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ الذين كانوا يثبطون الناس عن القتال، ويلقون في مسامع المسلمين: إن إخوانكم من الغزاة قتلوا، فتعالوا نجتمع ونكن حزبا واحدا. و ﴿هَلُمَّ﴾ بمعنى تعالى، وأهل الحجاز لا يثنونه ولا يجمعونه؛ يقولون للرجل وللرجلين وللرجال: هلم وغيرهم يقول: هلمي وهلما وهلموا وهلممن. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ إلا زمانا قليلا. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ في وقت الحرب بخلا بكم، خشية أن يصيبكم مكروه. ﴿يَنْظُرُونَ﴾ إليكم في تلك الحالة؛ كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرة الموت وحذرا وخورا. ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ﴾ وحيزت الغنائم ووقعت القسمة جاءوا يطلبون نصيبهم منها بألسنة حداد وقالوا: وفّروا قسمنا منها. قوله: ﴿أَشِحَّةً﴾ حال، وإنما ذكر الإحباط في أعمال المنافقين مع أن أعمالهم محبطة من أصلها؛ لدفع وهم من يظن أن المنافق لإظهار دين الإسلام قد يتخيل له نصيب من الأجر لما أظهر من إيمانه؛ فقطع مطامعهم بذلك. فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ وكل شيء يسير عليه؟ فجوابه أن الرجل الصالح (١٩٠ /ب) حقيق ألا يناله مكروه؛ فإن وقع ذلك فهو على مخالفة الدليل. وجاء في الحديث عن الله تعالى أنه قال: "ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح

стр. 764

عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه" (١). ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لم ينهزموا وقد انهزموا وانصرفوا عن الخندق راجعين إلى المدينة؛ لما نزل بهم من الخوف الشديد. ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ﴾ كرة ثانية يتمنوا؛ لخوفهم مما منوا به ﴿لَوْ أَنَّهُمْ﴾ خارجون إلى البدو. ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ من كل قادم منهم من جانب المدينة عن أخباركم وعما جرى عليكم. ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ﴾ ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال: ﴿ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً﴾ إلا بعلة رياء وسمعة. ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ في ثباته مع انهزامكم حتى كسرت رباعيته، وشج وجهه وقوله: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الرسول نفسه أسوة، أي: يقتدى به؛ كما تقول: في البيضة عشرون منا؛ أي: هي في نفسها هذا المبلغ. والثاني: أن فيه خصلة حقها أن يتأسى بها. قوله: ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ بدل من قول: "لكم" بإعادة الجار؛ كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (٢). ﴿يَرْجُوا اللهَ﴾ قيل: يخافه. وقيل: يأمله. وقيل: الأمران ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣) لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤)﴾ وكان رسول الله ﷺ قد قال لأصحابه: "يأتيكم الأحزاب لتسع أو عشر، يعني: لتسع ليال أو عشر، فلما جاءوا في العدد الذي ذكره رسول الله ﷺ ﴿قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ (٣) ﴿وَما زادَهُمْ﴾ رؤية ذلك ﴿إِلاّ إِيماناً﴾ بالله ﴿وَتَسْلِيماً﴾

стр. 765

لقضائه. و ﴿هذا﴾ إشارة إلى الخطب. نذر جماعة من الصحابة أنهم إن حضروا مع رسول الله ﷺ أن يقاتلوا حتى يقتلوا منهم عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وغيرهم ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ يعني: حمزة ومصعبا. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يعني: عثمان وطلحة. وفي الحديث:" من أحب أن (١٩١ /أ) ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة " (١).وقضاء النحب: الموت فإنه إذا مات انقطع النذر ولم يبق وفاء بالشرط؛ فعبر عن انقضاء حكم النذر بوفائه، يقال: صدق وعده إذا صدق. وقولهم: صدقني أخوك وكذبني، أي: قال لك الصدق والكذب، وأما قولهم: صدقني سن بكره (٢)؛ فالمراد: صدقني في سن بكره [بطرح الجار] (٣) وإيصال الفعل، فلا يخلو قوله: ﴿صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ إما أن يكون مثل" صدقني في سن بكره "أو يجعل المعاهد عليه مصدرا؛ كقولك: صدقني الحديث؛ كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك وهم وافون به، فقد صدقوه، فلو كانوا ناكثين لكذبوه ولكان مكذوبا. ﴿وَما بَدَّلُوا﴾ العهد، وما غيروه لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة. ولقد ثبت طلحة مع رسول الله ﷺ حتى شلت يده؛ فقال ﷺ :" أوجب طلحة " (٤) أي: وجبت له الجنة، وفيه تعريض بمن بدل من أهل النفاق، ومرض القلوب، وجعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء، وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم؛ لأن كلا الفريقين مسوق إلى ما قضى له من ثواب أو عقاب. ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾

стр. 766

﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦)﴾ الباء في قوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ مثلها في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْراً﴾ وهما حالان مترادفان، أو متداخلان، ويجوز أن تكون الثانية بيانا للأولى واستئنافا. ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ بالريح والملائكة ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ من حصونهم. والصيصية: ما تحصّن به، يقال لقرن الثور والظبي: صيصية، ولمخلب الديك صيصية. روي أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﷺ صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم، جاء جبريل على فرسه الحيزوم، والغبار على وجه فرسه وعلى سرجها، فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: من متابعة قريش، فجعل رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه الفرس وسرجه، فقال: يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع السلاح، وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وإن الله (١٩١ /ب) داقّهم دقّ البيض على الصفا وأنهم لك طعمة، فأذّن في الناس أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء لقول رسول الله ﷺ ذلك " (٢) فحاصرهم رسول الله ﷺ خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار؛ فقال لهم رسول الله ﷺ :" تنزلون على حكمي؟ فأبوا، فقال: على حكم سعد بن معاذ؟ فرضوا به، فقال سعد بن معاذ: حكمت بقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم ونسائهم؛ فكبر النبي ﷺ وقال: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة "أي: سبع سماوات، وخندق رسول الله ﷺ خندقا وقدّمهم فضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة" (٣). وقيل: كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير. وقرئ ﴿الرُّعْبَ﴾ بسكون العين وضمها (٤). وروي أن رسول الله ﷺ جعل عقارهم

стр. 767

للمهاجرين دون الأنصار؛ فقال الأنصار في ذلك، فقال: أسلم في منازلكم. فقالوا: ألا تخمس كما خمست يوم بدر. فقال: إنما جعلت هذه طعمة لي دون الناس. فقالوا: رضينا بما صنع الله ورسوله (١). ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧)﴾ ﴿وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها﴾ قيل: فارس والروم (٢). وقيل: مكة (٣). وقيل: خيبر (٤). وقيل: كل أرض لم تفتح إلى يوم القيامة (٥)، ومن بدع التفاسير أنه أراد نساءهم (٦). ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨)﴾ أراد نساء النبي ﷺ شيئا من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة وتغايرن، فغمّ ذلك رسول الله ﷺ ، فنزلت، فبدأ بعائشة وخيرها - وكانت أحبهن إليه - وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرئي الفرح في وجه رسول الله ﷺ ، ثم اختار جميعهن اختيارها، فشكر الله لهن ذلك؛ فأنزل: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية (٧). وحكم التخيير في الطلاق إذا قال لها: اختاري. فقالت: اخترت نفسي. أو قال: اختاري نفسك.

стр. 768

فقالت: اخترت. لا بد من ذكر النفس في قول المخيّر أو في قول المخيّر أو المخيّرة، وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه، واعتبروا أن يكون ذلك في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض، واعتبر الشافعي اختيارها على الفور، وهي عنده طلقة (١٩٢ /أ) رجعية، وهو مذهب عمر وابن مسعود. وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره. وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بإجماع فقهاء الأمصار (١). وعن عائشة ﵂ قالت: "خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدّ ذلك طلاقا" وفي رواية: "أفكان طلاقا؟ " (٢).وعن علي ﵁: إن اختارت نفسها فهي طلقة واحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فطلقة واحدة رجعية. وفي رواية عنه: إن اختارت زوجها فليس بشيء (٣). أصل "تعال" أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المستفل، ثم كثر حتى استوت في استعماله الأمكنة. ومعنى ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن؛ كما تقول: أقبل يخاصمني، وأقبل يهددني. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطكن متعة الطلاق، فإن قلت: ما حكم المتعة؟ قلت: المطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد فرض تستحقها واجبة عند أبي حنيفة وأصحابه، وأما سائر المطلقات فمتعتهن مستحبة (٤). وعن الزهري: هما متعتان إحداهما: يقضي بها السلطان؛ وهي من طلق قبل ما يفرض ويدخل بها. والثانية: حق على المتقين، من طلق بعد ما يفرض ويدخل بها. وخاصمت امرأة إلى شريح في المتعة، فقال: متعها إن كنت من المتقين ولم يجبره. وعن سعيد بن جبير: حق مفروض. وعن الحسن: لكل مطلقة متعة إلا المختلعة والملاعنة (٥). والمتعة: درع وخمار وملحفة على حسب الطاقة والسعة والاقتدار، إلا

стр. 769

أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك؛ فيجب لها الأقل منهما ولا ينقص عن خمسة دراهم عند أبي حنيفة؛ لأن أقل المهر عنده عشرة؛ فنصف المهر خمسة (١). فإن قلت: ما وجه من قرأ: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ بالرفع (٢)؟ قلت: وجهه الاستئناف. والسراح الجميل: طلاق السنة. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١)﴾ ﴿مِنْكُنَّ﴾ للتببين لا للتبعيض. ﴿بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الظاهرة القبح، وهي الكبيرة، والمراد: كل ما اقترفن من الكبائر، وقيل: هو عصيانهن رسول الله ﷺ ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه. وقيل: الزنا. والله عاصم رسوله ﷺ من ذلك كما مرّ في حديث الإفك، وإنما ضوعف عذابهن؛ لأن ما قبح من سائر النساء كان منهن أشد قبحا (١٩٢ /ب) لأن زيادة قبح المعصية يتبع زيادة الفضل والمرتبة، وليس لأحد من النساء من الفضل مثل فضل نساء النبي ﷺ ولا على واحدة منهن من نعم الله ما عليهن، وأجلّها تزويجهن النبي ﷺ ، وذم العاصي العالم أشد من ذم الجاهل؛ ولذلك فضل حد الأحرار [على حد العبيد] (٣) حتى إن أبا حنيفة وأصحابه لا يوجبون الرجم على الكافر (٤). ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ إعلام بأن

стр. 770

تزويجهن ليس بمغن عنهن من الله شيئا، بل هو سبب في زيادة الحد، فكان ذلك داعيا إلى تشديد الأمر عليهن غير صارف عنه. والقنوت: الطاعة، وإنما ضعّف أجرهن لطلبهن رضا رسول الله ﷺ بحسن الخلق وطيب المعاشرة والقناعة وبوقرهن على عبادة الله . ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢)﴾ ﴿كَأَحَدٍ﴾ أصله: وحد، وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه. ومعنى قوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ أي: ليست واحدة منكن كواحدة من النساء، أي: لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء، أي: إذا تقصيت أمة النساء جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تعادلكن في الفضل والسابقة، ومثله قوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (١) يريد: بين جماعة واحدة منهم تسوية منهم بينهم في أنهم على الحق المبين. ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إن أردتن التقوى، وإن كنتن متقيات. ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ فلا تجئن

стр. 771

بقولكن خاضعا؛ أي: مثل كلام المريبات والمومسات (١). ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ﴾ أي: ريبة وفجور. ﴿قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ بعيدا من طمع المريب بحدة وخشونة من غير تخنيث أو قولا خشنا مع كونه خنثا. ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)﴾ وقرئ ﴿وَقَرْنَ﴾ بفتح القاف (٢) من وقر يقر وقارا ومن قرّ يقرّ، حذفت الراء الأولى من رائي "اقررن" ونقلت حركتها إلى القاف؛ كما قيل: ظلن. و ﴿الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ هي القديمة التي يقال لها: الجاهلية الجهلاء. وهي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ وتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال. وقيل: ما بين آدم ونوح. وقيل: ما بين إدريس ونوح. وقيل: زمن داود وسليمان، والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهم. ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق، والمراد: لا تحدثن في الإسلام (١٩٣ /أ) جاهلية تشبهن فيها بجاهلية الكفر. وأمرهن أمرا خاصا بالصلاة والزكاة، ثم جاء به عامّا في جميع الطاعات؛ لأن هاتين الطاعتين - البدنية والمالية - هما أصل سائر الطاعات، والصواب في قوله: جاء بالأمر عامّا لجميع الطاعات. أنه مطلق ولا عموم في المطلقات، والصلاة والزكاة أصلان لسائر الطاعات؛ من اعتنى بهما اعتنى بسائر العبادات، وإنما خاطبهن بالأمر وحدهن؛ ليكون احترازهن عن الوقوع في

стр. 772

المأثم أتمّ، وليتصونن عنها. واستعار للذنوب الرجس وللتقوى الطهر؛ لأن عرض المقترف للمعاصي يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما الحسنات فالعرض منها نقي مصون؛ كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة تنفير للعصاة من اقتراف الذنوب. و ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصب على النداء أو على المدح، وفيه دليل على أن نساء النبي ﷺ من أهل بيته، ثم ذكر أن بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهن ألا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع لأمرين: أحدهما: الإعجاز بفصاحته، والثاني: تعليم علوم الشريعة. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ علم ما يصلحكم في دينكم، وأنزل عليكم كتابا يهديكم إلى سبيل الرشاد، أو علم من يصلح لنبوته ممن لا يصلح، واصطفى من اختاره لذلك. ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥)﴾ وروي أن نساء النبي ﷺ قلن: "يا رسول الله، ذكر الله الرجال في القرآن بخير، وما فينا خير نذكر به؛ فنزلت ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ ونزل ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ (١). وروي: أنه لما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل قال نساء المسلمين كذلك؛ فنزلت (٢). والمسلم: الداخل في السلم بعد الحرب؛ المنقاد الذي لا يعاند أو المفوض أمره إلى الله المتوكل عليه، من أسلم وجهه إلى الله. والمؤمن: المصدق بالله ورسوله، وبما يجب أن يصدق به. والقانت: القائم بالطاعة الدائم عليها. والصادق: الذي يصدق في نيته وقوله وعمله. والصابر: الذي يصبر على

стр. 773

الطاعات وعن المعاصي وعند الشدائد. والخاشع: المتواضع لله بقلبه وجوارحه. وقيل: الذي إذا صلى لم يعرف من عن يمينه وشماله. والمتصدق: الذي يزكي ماله ولا يخل بالنوافل. وقيل: من تصدق (١٩٣ /ب) في أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين، ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين. ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً﴾ من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه أو بلسانه أو بهما، وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر. وقال رسول الله ﷺ :" من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته فصليا جميعا كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات " (١).والمعنى: والحافظاته والذاكرته، فحذف لأن السياق يدل عليه. فإن قلت: فأي فرق بين العطفين؟ أعني: عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين؟ قلت: الأول نحو قوله: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ (٢). في أنهما جنسان مختلفان، فإذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسط العاطف بينهما، وأما العاطف الثاني فهو من عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع؛ فكان معناه: إن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٣٧)﴾ ولما خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها؛ فلما نزلت رضيا؛ فأنكحها رسول الله ﷺ وساق إليها مهرها ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدّا من طعام وثلاثين

стр. 774

صاعا من تمر (١). وقيل: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي ممن هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي ﷺ فقال:" قد قبلت ". وزوّجها زيد بن حارثة فسخطت وأخوها، وقالت: ما أردت إلا رسول الله ﷺ فزوجني عبده (٢). والمعنى: وما صح لرجل ولا امرأة من المؤمنين ﴿إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (٣) يعني: الاختيار، وحقهم أن يجعلوا إرادتهم واختيارهم تبعا لرأيه واختياره، وجمع الضمير في قوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ حملا على المعنى في جريان ذكر المؤمن والمؤمنة. والخير ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق هو زيد بن حارثة. ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: زينب بنت جحش وذلك أن رسول الله ﷺ كان قد تزوج خديجة وذكر لها أنه رأى في السوق غلاما حسنا يباع، وهو زيد بن حارثة، فاشترته خديجة بمالها، ووهبته للنبي ﷺ فأعتقه رسول الله ﷺ وتبناه وكان أبوه (١٩٤ /أ) يطوف عليه البلاد حتى وجده عند عرب. بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل فو الله ما أدري وإنّي لسائل ... أغالك بعدي السّهل أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل إلى الدّهر أوبة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي أمل تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه وما وجل سأعمل نص العيش في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي عليّ منيتي ... فكلّ امرئ فان وإن غرّه أمل

стр. 775

فقام حارثة وهو أبو زيد فقال: يا نبي الله إني قد أنضيت (١) الرقاب في طلب هذا الغلام، ولو رأيت أمّه وما صنعت بنفسها لأدركتك الرحمة؛ فمنّ علينا بهذا الولد؛ فأنت أهل للمعروف. فقال النبي ﷺ : هذا الغلام واقف، فإن اختار أن يذهب معك سلمته إليك، وإن اختارني فلا يسعني أن أقصي شخصا يحب قربي؛ فدعا رسول الله ﷺ زيدا، فقال له: أتختارني أم تختار أباك وأمك؟ فقال: والله لا أختار عليك يا رسول الله أحدا أبدا. فأخذ رسول الله ﷺ بيد زيد ووقف على ملأ قريش وقال: اشهدوا أن هذا ابني يرثني وأرثه. ولم يزل يدعى زيد بن محمد حتى أنزل الله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ الآية (٢)، فحرم الله التبني. ثم إن زيدا خطب زينب، فأجيب فرأى رسول الله ﷺ أن يزوجه زينب، فزوجه إياها، فغضبت هي وأخوها وقالا: زوجنا عبده، ما أردنا إلا هو! وزوج رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ﵁ بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية رضى الله عنها - وأمها أميمة بنت عبد المطلب - وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهما، وخمارا، وملحفة، ودرعا، وخمسين مدّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر، فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما] (٣) فجاء زيد إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أريد طلاق زينب. فقال له النبي ﷺ : أمسك عليك زوجك واتق الله. أي: اتق الله ولا تفارق زوجك من غير ذنب، وكان الله قد أوحى إلى نبيه أن زينب ستصير زوجة له، فعتب الله عليه حيث (١٩٤ /ب) يقول له: أمسك عليك زوجك. وهو يعلم أنها ستصير زوجته، ولا يتأتى ذلك مع أمره بإمساكها، ولكن جعل الله هذه الواقعة سببا لثبوت حكم شرعي وهو أن زوجة الابن المتبنى لا تكون بمنزلة زوجة ابن الصلب؛ بل هي حلال للمتبني، وقد صرح بذلك في هذه السورة بقوله: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾. وقال في سورة النساء: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ (٤) يحترز به من زوجة الابن الدعي. فإن قيل: هلاّ ترك الأمر بالعتب على قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهلا عوتب على أمر يكثر فيه القالة إذا فعله؟ وهلاّ
следующие страницы →