← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بقولكن خاضعا؛ أي: مثل كلام المريبات والمومسات (١). ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ﴾ أي: ريبة وفجور. ﴿قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ بعيدا من طمع المريب بحدة وخشونة من غير تخنيث أو قولا خشنا مع كونه خنثا. ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)﴾ وقرئ ﴿وَقَرْنَ﴾ بفتح القاف (٢) من وقر يقر وقارا ومن قرّ يقرّ، حذفت الراء الأولى من رائي "اقررن" ونقلت حركتها إلى القاف؛ كما قيل: ظلن. و ﴿الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ هي القديمة التي يقال لها: الجاهلية الجهلاء. وهي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ وتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال. وقيل: ما بين آدم ونوح. وقيل: ما بين إدريس ونوح. وقيل: زمن داود وسليمان، والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهم. ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق، والمراد: لا تحدثن في الإسلام (١٩٣ /أ) جاهلية تشبهن فيها بجاهلية الكفر. وأمرهن أمرا خاصا بالصلاة والزكاة، ثم جاء به عامّا في جميع الطاعات؛ لأن هاتين الطاعتين - البدنية والمالية - هما أصل سائر الطاعات، والصواب في قوله: جاء بالأمر عامّا لجميع الطاعات. أنه مطلق ولا عموم في المطلقات، والصلاة والزكاة أصلان لسائر الطاعات؛ من اعتنى بهما اعتنى بسائر العبادات، وإنما خاطبهن بالأمر وحدهن؛ ليكون احترازهن عن الوقوع في

стр. 772

المأثم أتمّ، وليتصونن عنها. واستعار للذنوب الرجس وللتقوى الطهر؛ لأن عرض المقترف للمعاصي يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما الحسنات فالعرض منها نقي مصون؛ كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة تنفير للعصاة من اقتراف الذنوب. و ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصب على النداء أو على المدح، وفيه دليل على أن نساء النبي ﷺ من أهل بيته، ثم ذكر أن بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهن ألا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع لأمرين: أحدهما: الإعجاز بفصاحته، والثاني: تعليم علوم الشريعة. ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ علم ما يصلحكم في دينكم، وأنزل عليكم كتابا يهديكم إلى سبيل الرشاد، أو علم من يصلح لنبوته ممن لا يصلح، واصطفى من اختاره لذلك. ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥)﴾ وروي أن نساء النبي ﷺ قلن: "يا رسول الله، ذكر الله الرجال في القرآن بخير، وما فينا خير نذكر به؛ فنزلت ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ ونزل ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ (١). وروي: أنه لما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل قال نساء المسلمين كذلك؛ فنزلت (٢). والمسلم: الداخل في السلم بعد الحرب؛ المنقاد الذي لا يعاند أو المفوض أمره إلى الله المتوكل عليه، من أسلم وجهه إلى الله. والمؤمن: المصدق بالله ورسوله، وبما يجب أن يصدق به. والقانت: القائم بالطاعة الدائم عليها. والصادق: الذي يصدق في نيته وقوله وعمله. والصابر: الذي يصبر على

стр. 773

الطاعات وعن المعاصي وعند الشدائد. والخاشع: المتواضع لله بقلبه وجوارحه. وقيل: الذي إذا صلى لم يعرف من عن يمينه وشماله. والمتصدق: الذي يزكي ماله ولا يخل بالنوافل. وقيل: من تصدق (١٩٣ /ب) في أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين، ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين. ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً﴾ من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه أو بلسانه أو بهما، وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر. وقال رسول الله ﷺ :" من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته فصليا جميعا كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات " (١).والمعنى: والحافظاته والذاكرته، فحذف لأن السياق يدل عليه. فإن قلت: فأي فرق بين العطفين؟ أعني: عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين؟ قلت: الأول نحو قوله: ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ (٢). في أنهما جنسان مختلفان، فإذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسط العاطف بينهما، وأما العاطف الثاني فهو من عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع؛ فكان معناه: إن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٣٧)﴾ ولما خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها؛ فلما نزلت رضيا؛ فأنكحها رسول الله ﷺ وساق إليها مهرها ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدّا من طعام وثلاثين

стр. 774

صاعا من تمر (١). وقيل: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي ممن هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي ﷺ فقال:" قد قبلت ". وزوّجها زيد بن حارثة فسخطت وأخوها، وقالت: ما أردت إلا رسول الله ﷺ فزوجني عبده (٢). والمعنى: وما صح لرجل ولا امرأة من المؤمنين ﴿إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (٣) يعني: الاختيار، وحقهم أن يجعلوا إرادتهم واختيارهم تبعا لرأيه واختياره، وجمع الضمير في قوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ حملا على المعنى في جريان ذكر المؤمن والمؤمنة. والخير ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق هو زيد بن حارثة. ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: زينب بنت جحش وذلك أن رسول الله ﷺ كان قد تزوج خديجة وذكر لها أنه رأى في السوق غلاما حسنا يباع، وهو زيد بن حارثة، فاشترته خديجة بمالها، ووهبته للنبي ﷺ فأعتقه رسول الله ﷺ وتبناه وكان أبوه (١٩٤ /أ) يطوف عليه البلاد حتى وجده عند عرب. بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل فو الله ما أدري وإنّي لسائل ... أغالك بعدي السّهل أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل إلى الدّهر أوبة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي أمل تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه وما وجل سأعمل نص العيش في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي عليّ منيتي ... فكلّ امرئ فان وإن غرّه أمل

стр. 775

فقام حارثة وهو أبو زيد فقال: يا نبي الله إني قد أنضيت (١) الرقاب في طلب هذا الغلام، ولو رأيت أمّه وما صنعت بنفسها لأدركتك الرحمة؛ فمنّ علينا بهذا الولد؛ فأنت أهل للمعروف. فقال النبي ﷺ : هذا الغلام واقف، فإن اختار أن يذهب معك سلمته إليك، وإن اختارني فلا يسعني أن أقصي شخصا يحب قربي؛ فدعا رسول الله ﷺ زيدا، فقال له: أتختارني أم تختار أباك وأمك؟ فقال: والله لا أختار عليك يا رسول الله أحدا أبدا. فأخذ رسول الله ﷺ بيد زيد ووقف على ملأ قريش وقال: اشهدوا أن هذا ابني يرثني وأرثه. ولم يزل يدعى زيد بن محمد حتى أنزل الله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ الآية (٢)، فحرم الله التبني. ثم إن زيدا خطب زينب، فأجيب فرأى رسول الله ﷺ أن يزوجه زينب، فزوجه إياها، فغضبت هي وأخوها وقالا: زوجنا عبده، ما أردنا إلا هو! وزوج رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ﵁ بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية رضى الله عنها - وأمها أميمة بنت عبد المطلب - وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهما، وخمارا، وملحفة، ودرعا، وخمسين مدّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر، فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما] (٣) فجاء زيد إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أريد طلاق زينب. فقال له النبي ﷺ : أمسك عليك زوجك واتق الله. أي: اتق الله ولا تفارق زوجك من غير ذنب، وكان الله قد أوحى إلى نبيه أن زينب ستصير زوجة له، فعتب الله عليه حيث (١٩٤ /ب) يقول له: أمسك عليك زوجك. وهو يعلم أنها ستصير زوجته، ولا يتأتى ذلك مع أمره بإمساكها، ولكن جعل الله هذه الواقعة سببا لثبوت حكم شرعي وهو أن زوجة الابن المتبنى لا تكون بمنزلة زوجة ابن الصلب؛ بل هي حلال للمتبني، وقد صرح بذلك في هذه السورة بقوله: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾. وقال في سورة النساء: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ (٤) يحترز به من زوجة الابن الدعي. فإن قيل: هلاّ ترك الأمر بالعتب على قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهلا عوتب على أمر يكثر فيه القالة إذا فعله؟ وهلاّ

стр. 776

صين مقام النبي ﷺ عن ذلك؟ قلت: كم من شيء فيه هجنة لكن ليس فيه في الشرع ما يكره، ومنه ما في هذه الآية؛ فإن الله ألقى في قلب زيد بغض زينب حتى يقضي ما علمه من رجوعها إلى رسول الله ﷺ فعادت إليه بعقد صحيح موافق لقواعد الشرع. وقيل في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ إنه محبته لزينب. وقيل: العلم بأنها ستصير زوجة له، وإظهار هذا الأخير فيه هجنة؛ وهو أن يقول لمن استشاره في أمر زوجته: طلقها، فأنا أتزوجها لا سيما وقد اقترن بذلك جواز حل زوجة المتبنى، وهي فائدة جليلة. وأيضا فإن الصحابة كانوا إذا عرفوا من رجل صالح رغبة في الزوجية نزل له عن إحدى زوجتيه، فزوجه بها، وكذلك كان في أول الإسلام حتى ورد المنع من ذلك فإن قلت: الواو في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ ﴿وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ ما هي؟ قلت: واو الحال، أي: تقول لزيد: أمسك عليك زوجك مخفيا في نفسك إرادة ألا يمسكها وتخفي خاشيا قالة الناس وتخشى الناس حقيقا في ذلك بأن تخشى الله، والله أحق أن تخشاه. إذا بلغ الرجل حاجته على يسر بغير عسر - قيل قد قضى وطره، والمعنى: فلما فارق زيد زوجته، وقد قضى منها حاجته وطلقها وانقضت العدة زوجناكها. ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ﴾ الذي يريد أن يفعله ﴿مَفْعُولاً﴾ لا محالة. ﴿فَرَضَ اللهُ﴾ قسم وأوجب؛ من قولك: فرض لفلان كذا. ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٣٩) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠)﴾ ﴿سُنَّةَ اللهِ﴾ اسم موضوع للمصدر؛ كقولهم: [تربا وجندلا] (١) أكده بقوله: ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١٩٥ /أ) يعني: قد سن الله مثل ذلك في الأنبياء الماضيين، وقد كان لداود مائة زوجة وثلاثمائة سرية، ولسليمان ثلاثمائة زوجة وألف سرية. ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مضوا. ﴿قَدَراً مَقْدُوراً﴾ قضاء مقضيّا وحكما مبتوتا. ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ﴾ تعريض بعد التصريح. في قوله: ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾. ﴿حَسِيباً﴾ كافيا للمخلوق، أو: محاسبا على الصغيرة والكبيرة فتجب خشيته. ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ﴾ وكل نبي فهو أبو أمته؛ في معنى التعظيم والاحترام لا في معنى الميراث

стр. 777

ووجوب النفقة. ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الرجال الذين يصلحون للنبوة، وقد قال رسول الله ﷺ في ابنه إبراهيم:" لو عاش لكان نبيّا " (١) ولا يكون نبيّا؛ لقوله: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. فإن قلت: أولاده الذكور الذين ماتوا: الطاهر والطيب وإبراهيم عاشوا في حياته زمنا، فهل كانوا أنبياء في ذلك الزمن؟ قلت: خرجت نبوتهم بدليلين: أحدهما: قوله: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾ يريد البالغين، فإن أولاد النبي ﷺ لم يبلغ أحد منهم مبلغ الرجال. والثاني: إضافتهم بقوله: ﴿مِنْ رِجالِكُمْ﴾ وهؤلاء لم يكونوا من رجال أحد غير النبي ﷺ . فإن قيل: أما كان الحسن والحسين ابنين له؟ قلت: بلى، ولكن لم يكونا رجلين حينئذ، وهما - أيضا - من رجاله لا من رجالهم، وقرئ ﴿وَلكِنْ رَسُولَ﴾ بالنصب عطفا على قوله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ،﴾ ﴿وَلكِنْ﴾ كان ﴿رَسُولَ اللهِ﴾ وبالرفع على قوله: ولكن هو رسول الله (٢). وقرئ ﴿وَخاتَمَ﴾ بالفتح بمعنى الطابع، وبالكسر (٣) بمعنى فاعل الطبع فإن قلت: فسينزل عيسى بعد النبي ﷺ . قلت: يبعث مقررا لدين النبي ﷺ . وفي الحديث الصحيح:" كيف بكم إذا نزل عيسى ابن مريم وإمامكم منكم " (٤)

стр. 778

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢)﴾ ﴿اُذْكُرُوا اللهَ﴾ أثنوا عليه بأنواع الثناء من تسبيح وتقديس وتحميد وتمجيد، وغير ذلك مما هو أهله، وأكثروا من ذلك. قال النبي ﷺ : "ذكر الله على فم كل مسلم" (١).وعن قتادة: هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢). وقوله: ﴿اُذْكُرُوا﴾ و ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ كلاهما موجه إلى قوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ وهذه كلمات يقولهن البر والفاجر والجنب والحائض، والتسبيح من جملة الذكر وإنما اختصه بإعادة ذكره لتشريفه؛ كما في قوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ (٣) لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يليق بجلاله (١٩٥ /ب) ويدل على تعظيم التسبيح ما هو دال على تنزّه الباري عن جميع ما لا يليق بجلاله، ومثاله أن تصف عبدك باجتناب الفواحش وترك الخيانة، وتقدم هذا الوصف على صومه وصلاته. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧)﴾ فإن قلت: ﴿الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ إن فسرته بالرحمة لم يحسن في حق الملائكة؟

стр. 779

قلت: لما كانت الملائكة دعوتهم مستجابة؛ فإذا سألوا الرحمة فكأنهم فعلوها ونظيره حياك الله، أي: أحياك، وحييتك بمعنى: دعوت لك بأن يحييك الله، وكذلك قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ بمعنى: سلوا الله له الرحمة. ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ فيه دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة، وروي أنه لما نزل ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله، ما خصك الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه: فنزلت (١). ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: تحيتهم الملائكة حين يلقونهم سلام. وقيل: هو سلام ملك الموت وأعوانه عند قبض الروح. وقيل: سلام الملائكة عند الخروج من القبور. وقيل: هو عند دخول الجنة؛ لقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ (٢). والأجر الكريم: الجنة. ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً﴾ أي: شاهدا على من بعث إليهم، وعلى تصديقهم وتكذيبهم بمعنى أنه مقبول عند الله قولك عليهم ولهم. فإن قيل: الشاهد إنما يسمى شاهدا عند تحمل الشهادة أو أدائها، ووقت الإرسال ليس وقتا للتحمّل ولا للأداء؟ قلت: تسميته شاهدا حال مقدرة؛ كقولك: جاءني زيد وعلى يده صقر صائدا به غدا. فإن قيل: قد فهم من إرساله أنه مأذون له في الدعوة فما فائدة قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾؟ قلت: الإذن المراد به تيسير الأمر وتسهيله، ومن ذلك قولهم في البخيل: إنه غير مأذون له في الإنفاق. أي: لا يتيسر عليه ذلك ولا يسهل. ﴿وَسِراجاً مُنِيراً﴾ جلا الله به ظلمات الشرك، ونوّر به قلوب المؤمنين. وقيل: ذا سراج، أي: وصاحب سراج منير، وهو القرآن، ويجوز أن يراد: وأعد له فضلا على سائر الأمم، وذلك الفضل من جهة الله؛ فإنه آتاهم ما فضلوا به. ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)﴾

стр. 780

﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ﴾ أي: دم على امتناعك من قبول رأيهم. ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ يحتمل إضافة المصدر للفاعل وللمفعول ﴿وَكَفى بِاللهِ﴾ مفوضا إليه الأمور. النكاح: الوطء، واستعمل في العقد؛ لأنه سبب موصل إليه؛ كما سمّوا الخمر إثما؛ لأنه موصل (١٩٦ /أ) إلى الإثم، وقال الراجز: يا عارضا يختال في أثوابه ... أسنمة الآبال في سحابه (١) ولم يرد النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى العقد؛ لأنه تصريح، ومن آداب القرآن الكناية عن الوطء بالمسيس والدخول والغشيان والمباشرة والإتيان والقربان. فإن قيل: قوله: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ .. ﴾. الآية، وحكم الزوجة الكتابية حكم المسلمة؛ فما وجه تخصيص المؤمنات بالذكر؟ قلنا: فائدة ذكر المؤمنات الإشعار بأن حق المسلم أن يترفع عن نكاح الكافرة، ولا يجتمع ولي الله وعدو الله تحت لحاف واحد، والذي في سورة المائدة ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) لبيان الجواز، وهذه لبيان الأفضل. فإن قلت: ما فائدة "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ؟﴾ قلت: ذكر ذلك دفعا لوهم من يتوهم أن من طالت مدة فراقها من الزوج لا عدة عليها بخلاف من قصرت مدتها، فإن قلت: ما حكم الخلوة؟ قلت: الخلوة موجبة لجميع المهر عند أبي حنيفة وأصحابه والشافعي لا يرى ذلك (٣). ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ تستوفون عددها، وعند الشافعي لا عدة على من لم يدخل بها (٤) وقرئ ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ (٥) بالتخفيف، أي: تعتدون فيها، كقوله [من الطويل]:

стр. 781

ويوما شهدناه سليما وعامرا ... ... (١) المراد بالاعتداء مثله في قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا﴾ (٢) والمتعة مر شرحها في أثناء السورة (٣). ﴿سَراحاً جَمِيلاً﴾ من غير ضرار ولا منع واجب. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن، وإيتاؤها: إما تسليمها عاجلا، أو ذكرها في العقد. فإن قلت: ما فائدة التقييد بقوله: ﴿مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ؟﴾ قلت: واللاتي هاجرن معك، قد اختار الله له شرط الأفضل كغيرهما مما خصّ به، فإن تسمية المهر في العقد أولى من تركها، وسوق المهر إليها عاجلا خير من تركه وتأجيله، وكان التعجيل عادة السلف، ومما لا يعرف بينهم سواه، وكذلك الجارية إذا حيزت من المغانم كانت أحل مما يشترى من الأسواق وكذلك المرأة المهاجرة أفضل من التي لم تهاجر مع النبي ﷺ . وعن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: "خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني، فأنزل الله هذه الآية ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قالت: فلم أحل له؛ لأني لم أهاجر" (٤). ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ﴾

стр. 782

﴿عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠)﴾ قوله: ﴿وَامْرَأَةً﴾ أي: وأحللنا لك امرأة ﴿مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ قرئ بفتح" أن " (١٩٦ /ب) وكسرها (١) فالكسر على الشرطية، والفتح على أنه مصدر إن أراد هو، قيد في اعتبار الشرط الأول. وفي الكتاب العزيز مواضع أخر اعترض فيها بدخول الشرط على الشرط؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (٢) وعند إمام الحرمين (٣): إذا اجتمع الشرطان وقع المشروط. وعند صاحب المهذب (٤): إن قدم الشرط الأول على الثاني لم يقع شيء، وإن قدم الثاني على الأول وقع. وقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ شرط في حل الموهوبة أن يريد أن يستنكحها، فلا تعمل الهبة إلا بعد تحقق شرطها وهو إرادة أن يستنكحها، فإن قلت: لم عدل عن الخطاب في قوله: ﴿إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ ولم يقل: لك، ثم رجع إلى الخطاب؟ قلت: للإيذان بأن ذلك من خواص النبي ﷺ وقد خصّ رسول الله ﷺ بمعنى الهبة. وقال الماوردي: اختلف العلماء فيما خص به رسول الله ﷺ على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن الذي خص به انعقاد نكاحه بلفظ الهبة. والثاني: أن الخاصية أنه لا يجب المهر في هذا العقد. والثالث: إذا وقع مفوّضا لم يجب فيه المهر لا في العقد ولا في الدخول (٥). ﴿خالِصَةً﴾ مصدر مؤكد على وزن الفاعلة؟ كالعاقبة والعافية

стр. 783

والكاذبة والخائنة؛ خالصا بمعنى خلوصا. ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ﴾ جملة معترضة ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾. واعلم أن رسول الله ﷺ لما أمر بتخيير نسائه فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة فشكر الله لهن ذلك وجازاهن بأن حرم على النبي ﷺ خلافهن وحرم عليه أن يستبدل بهن غيرهن، فقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (١) ثم اختلف في أن هذا التحريم هل زال أو بقي؟ فعن الشافعي ﵁:" ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النسوة التي حرمن عليه "واحتج بقوله - تعالى -: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ﴾ الآية. وقال أبو حنيفة ﵀: كن محرمات عليه إلى حين وفاته، واحتج (١٩٧ /أ) بأن ذلك كان مكافأة لهن على اختيارهن لله ورسوله والدار الآخرة (٢). ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢)﴾ قوله: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ وذلك أنهن إذا رأين رسول الله ﷺ يعدل في القسمة مع أنه مباح له ألا يقسم علم من ذلك محبته لجميعهن، وأنه لا يؤثر واحدة على أخرى فرفع النزاع والشقاق. و" من "في قوله: ﴿مِنْ أَزْواجٍ﴾ مزيدة في النفي. وتحريم جميع الأزواج أن يبدل بهن غيرهن. وقيل في قوله: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ هو كون الرجل ينزل عن زوجته لصديقه أو صاحبه، ثم نسخ ذلك. وقيل: المراد بقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ هي أسماء بنت عميس (٣).

стр. 784

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً (٥٣)﴾ ﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وما بعدها في معنى الظرف، أي: لا تدخلوا إلا في وقت الإذن ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ حال من ﴿لا تَدْخُلُوا﴾ أي: إلا في معنى الإذن أو حال الإذن. وقيل: ﴿إِناهُ﴾ أكله؛ لأن المراد: غير ناظرين الأكل ولا وقته. روي: أن رسول الله ﷺ أولم على زينب بتمر وسويق وشاة فلما استوى الطعام بعث يطلب الناس فكانوا يأتون أفواجا، يذهب قوم ويأتي قوم، ورسول الله ﷺ يقول: ادعوا الناس. فقال: يا رسول الله: لقد دعوت حتى لا أجد من أدعوه، فقال رسول الله ﷺ : ارفعوا طعامكم، وخرج وخرج معه الناس، ثم رجع النبي ﷺ إلى بيته فوجد ثلاثة يتحدثون في منزله، وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج فلما رآه النفر الثلاثة خارجا استحيوا وخرجوا، وأنزل الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية (١). ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أي: من إخراجكم. ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ لا يمتنع من قوله وفعله، وقرئ ﴿يَسْتَحْيِي﴾ بياء واحدة (٢). الضمير في قوله: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ عائد على نساء النبي ﷺ ولم يجر لهن ذكر، لكن السياق يدل عليهن. روي: أن عمر كان حريصا على الحجاب وكان يود أن ينزل فيه (٣). وروي: أن رسول الله ﷺ كان يأكل تمرا مع جماعة، فوقعت يد رجل منهم على يد عائشة

стр. 785

فكره ذلك رسول الله ﷺ فنزلت آية الحجاب (١). ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ (١٩٧ /ب) أي: ولا يتأتى لكم إيذاء رسول الله ﷺ ولا نكاح أزواجه من بعده، وفيه تطييب لقلب رسول الله ﷺ فإنه إذا قيل للإنسان: قاتل ومعك هذا العبد، فإنك إذا مت لا يملكه أحد بعدك - طابت نفسه بالزوجة المحترمة المصونة إذا قيل له: إنها لا تستبدل بعدك كان أطيب لنفسه وأقر لعينه. ولما نزلت ﴿فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ الآباء والأبناء أو نحن نمنع من أقاربنا؟ فنزلت ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ﴾ (٢) أي: لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من الآباء والأبناء، وترك ذكر العم والخال؛ لأن العم أب؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ﴾ (٣) وإسحاق عم، والخالة بمنزلة الأم في الحضانة، وقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللهَ﴾ انتقال من الغيبة إلى التكلم، وفيه دليل على اهتمام واعتناء بهذه الإباحة. ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥) إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦)﴾ قوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ معناه: إن الله يأمركم ويأمر ملائكته أن تسألوا للنبي ﷺ الرحمة، وتجب الصلاة على رسول الله ﷺ ؛ لقوله: ﴿صَلُّوا﴾ وهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب واختلف في وقت الوجوب؛ فقيل: تجب كلما ذكر، وفي الحديث: "من ذكرت عنده ولم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله" (٤).

стр. 786

ومنهم من قال: في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره؛ كما قيل في آية السجدة، وأنه متى أعاد قراءة الآية التي فيها سجدة سجد ثانيا، وكذلك تشميت العاطس يتكرر بتكرر العطاس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره، ومنهم من أوجبها في العمر مرة واحدة، وكذلك في إظهار الشهادتين، والأحسن وجوبها عند ذكره؛ للأخبار. والصلاة بمعنى الرحمة، والقياس أن تجوز الصلاة على كل مسلم؛ لقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١). وقوله ﷺ :" اللهم صل على آل أبي أوفى " (٢). ولكن للعلماء تفصيل في ذلك، وهو أن ذلك يجوز تبعا ولا يجوز استقلالا، وهو أن تقول: اللهم صلى على آل محمد، فلا يجوز ذلك؛ لأن هذه الألفاظ صارت شعارا مخصوصة بجهات؛ فيقال: الله ، ولا يقال: محمد ، وإن كان محمد عزيزا جليلا، ولا يقال: عمر بن الخطاب صلى الله عليه، ومعناه: ﵀، ولو دعا له بالرحمة لم يمتنع؛ ولأن إفراده للصلاة يوهم الرفض إذا صلى على علي وحده (٣).

стр. 787

وفي الحديث:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم " (١).

стр. 788

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧)﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١٩٨ /أ) أي: يخالفن ما أمرا به، ويعبر عن المخالفة بالإيذاء، ويجوز أن يكون التقدير: يؤذون أولياء الله ورسوله، ولو قال قائل: جعل الإيذاء لله مجاز؛ لأنه لا يتصور أن يستطيعه أحد، وجعله للرسول ﷺ حقيقة لإمكانه، فجمع في اللفظ الواحد بين الحقيقة والمجاز وأنه لا يجوز. وقيل: هو قول اليهود: يد الله مغلولة غلت أيديهم، وقولهم ثالث ثلاثة، وقولهم: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤهم. وقيل: قول الذين يلحدون في أسمائه وصفاته. وفي الحديث عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه :" سبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، وآذاني ولم يكن له ذلك؛ فأما شتمه إياي فقوله: إني اتخذت ولدا. وأنا أحد صمد، وأما أذاه لي فقوله: إن الله لن يعيدني كما بدأني " (١). وقيل: قولهم في النبي ﷺ : كاهن وساحر ومجنون. وقيل: كسر رباعيته، وشج جبينه يوم أحد. وقيل: طعنهم عليه في نكاحه صفية بنت حيي بن أخطب. و [أطلق إيذاء الله ورسوله وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات] (٢) لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا غير حق أبدا، وأما إيذاء المؤمنين والمؤمنات فمنه ومنه. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩)﴾ ومعنى ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ بغير جناية واستحقاق. وقيل: نزلت في ناس من المنافقين يؤذون عليّا ﵁ ويسمعونه. وقيل: في الذين أفكوا على عائشة. وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات. وعن الفضيل: لا يحل لك أن تؤذي كلبا ولا خنزيرا بغير حق، فكيف بالمؤمنين؟ (٣). وكان ابن عون لا يكري حوانيته لأهل الذمة؛ لما فيه من الروعة عند استحقاق الأجرة (٤).

стр. 789

الجلباب: ثوب فوق الخمار ودون الرداء، تديره المرأة على رأسها، ويبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس: الرداء الذي يستر من أعلى البدن إلى أسفله، وقيل: الملحفة وكل ما يؤتزر به من كساء وغيره؛ قال أبو زبيد: [من الوافر]: مجلبب من سواد الليل جلبابا (١) ... ومعنى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ يرخين ويغطين وجوهن وأعطافهن، يقال إذا تقلص الإزار عن وجه المرأة: أدني ثوبك على وجهك؛ وذلك أن النساء كن على عادتهن في الجاهلية مبتذلات؛ تبرز المرأة في درع وخمار ولا فصل بين الحرة والأمة، وكان الفتيان وأهل (١٩٨ /ب) الشطارة يتبعون النساء إذا خرجن بالليل، وإذا قضين حوائجهن في النخيل والغيطان والخربات يتبعون الإماء، وربما يتبعون الحرائر بعلة الأمة؛ يقولون: حسبناها أمة؛ فأمر الحرائر أن يتميزن عن هيئة الإماء بما يعرفن به. ﴿ذلِكَ أَدْنى﴾ أقرب وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرضن لهن ولا يلقين ما يكرهن. فإن قلت: ما معنى" من "في قوله: ﴿مِنْ جَلابِيبِهِنَّ؟﴾ قلنا: المراد أن تستر ببعض الجلبات ما يخرجها عند حد ملابس الإماء. وقيل: أن ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع؛ حتى تتميز عن الأمة. وقال الكسائي: يتقنعن بملاحفهن مضمومة إليهن، أراد بالانضمام معنى الإدناء (٢). ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً﴾ لما سلف منهن من التفريط قبل النهي. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١)﴾ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قوم كان فيهم ضعف إيمان وقلة ثبات. وقيل: هم الزناة وأهل الفجور؛ من قوله : ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٣). ﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾ قوم كانوا يقولون عن سرايا رسول الله ﷺ أنهم قتلوا وأسروا؛ فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين، يقال: أرجف بكذا إذا أخبر به من غير تحقيق، والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يقولون

стр. 790

من أخبار السوء - لنأمرنك أن تفعل بهم ما يسوؤهم، ثم نضطرهم إلى الخروج من المدينة؛ لأن بقاءهم فيها ضرر على أهلها. ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ إلا زمنا قليلا بقدر ما يتهيأ لهم التجهز والخروج. ﴿مَلْعُونِينَ﴾ نصب على الشتم أو الحال معا؛ كما مرّ في قوله: ﴿إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ ولا يجوز أن يكون معمولا لقوله: ﴿أُخِذُوا﴾ لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. وقيل: ﴿قَلِيلاً﴾ هو منصوب على الحال بمعنى: لا يجاورونك إلا أقلاء أذلاء. وقوله: ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لأنه يجوز أن يجاب به القسم. ألا ترى إلى صحة قوله: لئن لم ينتهوا لا يجاورونك؟ فإن قلت: لو كانت الفاء مكان "ثم" لحصل مراد التعقيب والتسبيب (١٩٩ /أ) قلت: لم يجعل الثاني مسببا عن الأول، بل عطف عليه، وليس التعقيب والتسبب ههنا مرادين وإنما عطف ب "ثم" للتراخي المعنوي، وقد سبق ذكره مرارا؛ لأن الجلاء عن الأوطان أعظم عليهم وأطم؛ قال الله - تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٦٢) يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً (٦٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١)﴾ ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ (١) فاكتفى لهم بالجلاء عن القتل. ﴿سُنَّةَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد؛ أي: سنّ الله ذلك سنة في الذين ينافقون الأنبياء أن يقتلوا

стр. 791

حيثما ثقفوا. وعن مقاتل: يعني كما قتل أهل بدر (١). وكان المشركون يسألون رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة استهزاء، واليهود يسألونه امتحانا؛ لأن الله تعالى عمّى ذكرها في الكتب المنزلة؛ فلا أحد يطلع عليها، ثم بين أنها قريبة الوقوع؛ تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين. قوله: ﴿قَرِيباً﴾ أي: شيئا قريبا أو زمانا قريبا، أو يعبر عن أحوالها وهيآتها، وطرحهم في النار منكوسين مقلوبين وخصت الوجوه بالذكر لأنها أكرم شيء على الإنسان، ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة. ﴿كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قيل: نزلت في الذين تكلموا في تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش (٢). ﴿آذَوْا مُوسى﴾ ما رتبه قارون مع المومسة أنها تقذفه بنفسها. وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هارون هناك، فحملته الملائكة وطافت به عليهم حتى رأوه غير مقتول. وقيل: أحيا الله هارون فأخبرهم ببراءة موسى (٣). وقيل: قذفوه بعيب في جسده وأدرة (٤) فأطلعهم الله على أنه بريء منه (٥) ﴿وَجِيهاً﴾ ذا جاه ومنزلة عنده؛ فلذلك كان يميط عنه التهم ويدفع عنه الأذى. وقوله: ﴿مِمّا قالُوا﴾ إما أن تكون "ما" مصدرية أو موصولة، وأيهما كان فكيف تصح البراءة منه؟ فنقول: المراد بالقول مؤداه ومضمونه هو الأمر المغيب، ألا ترى أنهم سموا السببية بالقالة، والقالة بمعنى القول. ﴿قَوْلاً سَدِيداً﴾ أي: يقصد فيه الحق والعدل؛ يقال: سدد السهم نحو الرمية إذا لم يعدل به عن سمتها والمراد نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد، والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وسداد قولكم، فإذا فعلتم ذلك حصل لكم الفوز العظيم، وهو صلاح الأعمال، ومغفرة الذنوب ونهاهم عن التعريض للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين (١٩٩ /ب) وعن إيذاء رسول الله ﷺ والمؤمنين، ثم أمر بحفظ اللسان

стр. 792

وتحرير القول قبل أن يبلغ من الفم. ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣)﴾ قوله: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ﴾ وهي التكاليف من الأمر والنهي، وفيه وجهان: أحدهما: أن هذه الأجرام العظيمة، وهي السماوات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله - عز وعلا - انقياد مثلها، وهو مما يتأتى من الجمادات، وأطاعت له الطاعة التي يراد من مثلها؛ حيث لم تمتنع عن مشيئته وإرادته إيجادا وتكوينا وتسوية على هيئات مختلفة؛ كما قال الله : ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ (١) وأما الطاعة فإنها لازمة الوجود، وعرضها على الجبال وإباؤها وإشفاقها مجاز، وإنما حمل على المجاز؛ لاستحالة قبول هذه الأجرام لما تخاطب به وعدم فهمها له، ولا يخاطب ما لا يعقل، والمعنى بحمل الأمانة: أنه من استودع شيئا فأبقاه في يده، ولم يؤده إلى صاحبه يبقى حاملا لها محاسبا عليها، ولو أداها سقط عنه حملها ولم يبق حاملا لها، فالإنسان احتمل الأمانة، ولم يقم بها فبقي حاملا لها، ولو أداها لم يبق حاملا لها، ومن أمثالهم: تقلدها طوق الحمامة، أي: بقيت في عنقه كما يبقى طوق الحمامة لا يفارقها. والثاني: حملها على ظاهرها وأنها حلت محل من لو خوطب بذلك لأجاب بهذا الجواب؛ كما قال: امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني (٢) والقرآن قد نزل بلسان العرب وهذه أساليبهم. وأما قولهم: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ﴾ فهي لام العاقبة والصيرورة؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ (٣). ولم يلتقطوه لذلك؛ بل صارت العاقبة إليه، والله أعلم.

стр. 793

تفسير سبأ [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾ ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ كله من الله، فيجب شكر ذلك علينا. تقول: الحمد لله الذي كساني زيد وحملني عمرو، أي: لله الحمد على ذلك. ﴿يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ من النبات والقطر؛ لقوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) ومن الكنوز والدفائن والأموات. ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ من الشجر والنبات والمعادن ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ من الأمطار والثلج والبرد والصواعق والأرزاق والملائكة وأنواع البركات. ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ من الملائكة وأعمال العباد، وهو مع ذلك المستمر الرحمة لعباده، الغافر لمقصرهم (٢٠٠ /أ) عن شكر هذه النعم. قولهم: ﴿لا تَأْتِينَا السّاعَةُ﴾ إنكار واستهزاء؛ كقولهم: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ (٢). قوله : ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي﴾ أكّد تحقق الساعة بالقسم بالرب، ثم وصف نفسه بالإحاطة بجميع المخلوقات، ومتى كان المقسم عظيما كان المقسم عليه كذلك. قوله : ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أي: إلا مكتوبا، والرزق الكريم: الجنة. فإن قيل: المنكرون للبعث معتقدون أنه لا يكون، فقسمه لا يرجع بهم إلى الحق؟

стр. 794

قلنا: إنما يتوجه السؤال إذا لم يقرن به ما تقوم به الحجة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فإن الجزاء من جملة العدل، وإيصال كل ذي حق إلى حقه. ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ مقدار أصغر نملة، وقرئ ﴿وَلا أَصْغَرُ﴾ ﴿وَلا أَكْبَرُ﴾ بالرفع فيهما على الابتداء، وبالنصب على نفي الجنس (١). قوله : ﴿وَيَرَى﴾ يجوز أن يكون مرفوعا مستأنفا، أو منصوبا على العطف ل "يجزي". قال بعض كفار قريش لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ﴾ يعنون النبي ﷺ يخبركم أنكم إذا مزقتم كل تمزيق، وصرتم رفاتا تنشأون خلقا جديدا، ثم قسّم الأمر في ذلك بين أن يكون مفتريا على الله، أو به جنون يغشاه فيداوى منه، والعامل في ﴿إِذا﴾ ما دل عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: تبعثون، ولا يعمل فيه ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لأن ما بعد "إن" لا يعمل فيما قبلها، وقد سبق نظيره في سورة النمل. فإن قلت: ﴿جَدِيدٍ﴾ بمعنى فاعل أو مفعول؟ قلت: هو عند البصريين بمعنى فاعل (جد) فهو مجدود، ومنه جداد النخل، وهو قطع ثمرها، وسقطت همزة الوصل في قوله: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ﴾ ولم تسقط في قوله: ﴿أَسِحْرٌ﴾ (٢) و ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (٣) لأن مسألة السحر لو سقطت المدة لا لتبس الاستفهام بالخبر، بخلاف ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ؛﴾ فإن الهمزة لو ظهرت لكانت مكسورة. قوله: ﴿وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ مجاز؛ لأن البعد حقيقة في الأماكن، وقد نسب البعد - هاهنا - إلى الضلال، وإنما البعيد هو الضال؛ قد أبعد عن الطريق فعوده إليها مبطئ مع بعدها. ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾

стр. 795

﴿وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾ ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ إن في النظر في آيات (٢٠٠ /ب) السماوات والأرض. ﴿لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ وهو الراجع إلى ربه المطيع له. قوله: ﴿يا جِبالُ﴾ إما أن يكون بدلا من ﴿فَضْلاً﴾ وإما من ﴿آتَيْنا﴾ وقوله: ﴿يا جِبالُ﴾ [بتقدير: قولنا يا جبال. أو: قلنا: يا جبال. وقرئ: (أوبي) وأوبي من التأويب، والأوب أي: رجعي معه التسبيح أو ارجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه] (١) ومعنى تسبيح الجبال: أن الله يخلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة. فإن قلت: أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً﴾ تسبيح الجبال؟ قلت: الفرق بينهما أن الذي في الآية دال على عظمة الله وكبريائه؛ حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذين ينادون ويخاطبون. ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ جعلناه ليّنا كالطين والعجين يصرفه بيده كيف يشاء. وقيل: إن داود ﵇ كان قويّا، فكان الحديد في يده كالعجين في يد غيره ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: لا تجعل الحلق ضيقة فتفصم، ولا واسعة فتفلق، والسرد: نسج الدروع ﴿وَاعْمَلُوا﴾ الضمير لداود ولأهله. ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ منصوب ب ﴿سَخَّرْنَا﴾ المضمر؛ فمن قرأ "الرياح" بالرفع أو "الريح" فهو مبتدأ خبره ﴿وَلِسُلَيْمانَ﴾ ومن نصب فهو مفعول ب "سخرنا" (٢). ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ جريها بالغداة مسيرة شهر، وبالعشي مثل ذلك. ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ النحاس وكان قد أذيب له ينبع من تحت الأرض كما ينبع الماء. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بتسخيره. ﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ يمل عن أمرنا له بطاعة سليمان. ﴿عَذابِ السَّعِيرِ﴾ هو عذاب الآخرة. وقيل: كان معه

стр. 796

ملك بيده سوط من نار إذا عصى الجني ضربه به من حيث لا يراه الجني. ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ المحاريب: المساكن والمنازل الشريفة. وقيل: هي المساجد. والتماثيل: الصور من الملائكة والنبيين والصالحين؛ كان يعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوها، وإنما أمر سليمان ﵇ بعمل الصور وهي حرام في شرعنا؛ لأنه كان مباحا في شرعهم، ويجوز أن يراد أنهم كانوا يعملون تماثيل الأشجار وما لا روح فيه. وروي: أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين في أعلاه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. والجوابي: الحياض الكبار، قال [من الطويل]: تروح على آل المحلّق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق (١) لأن الماء يجبى (٢٠١ /أ) إليها، أي: يجمع، جعل الفعل إليها مجازا وهي من الصفات الغالبة؛ كالدابة، وقيل: كانت الجفنة يجلس عليها ألف رجل. ﴿راسِياتٍ﴾ ثابتات. ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ فيه دليل على أن الشكر يكون قولا وفعلا. ﴿شُكْراً﴾ مفعول لقوله: ﴿اِعْمَلُوا﴾ أو حال، أو مصدر؛ كأنه قال: اشكروا شكرا. ﴿الشَّكُورُ﴾ المتوفر على الشكر، الباذل وسعه فيه. وقيل: يشكر على الشكر، أو يرى أنه عجز عن الشكر، والعجز عن درك الإدراك إدراك، وعن داود أنه جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. وسمع عمر رجلا يقول: "اللهم اجعلني من ذلك القليل، فقال عمر: كل الناس أفقه

стр. 797

منك يا عمر " (١). ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ الدويبة التي تكون في الكبت. والمنسأة: العصاة؛ لأنه بها يطرد ويؤخر، وقرئ بفتح الميم (٢). ومنسأة على مفعلة، ومنسأته من طرف عصاه. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ من تبين الشيء إذا ظهر، و" أن "مع صلتها بدل اشتمال من ﴿الْجِنُّ﴾ كقولك: تبين زيد جهله. والظهور له، أي: ظهر أن الجن ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ أو علم الجن كلهم علما بيّنا بعد التباس الأمر على عامتهم وتوهمهم أن كبارهم يصدقون في ادعائهم علم الغيب، أو علم من ادعى علم الغيب من جهتهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، وإن كانوا عالمين بتخيل ذلك بحالهم. وقرئ ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ على البناء للمفعول (٣). روي أنه كان من عادة سليمان أن يعتكف في بيت المقدس المدد الطوال، فلما دنا أجله لم يصبح يوما إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله، فيسألها: لأي شيء نبتّ؟ فتقول: لكذا، حتى أصبح ذات يوم ورأى الخرّوبة (٤) فسألها، فقالت: نبتّ لخراب هذا المسجد، فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ، أنت التي على وجهك هلاكي. فنزعها وغرسها في حائط له، وقال: اللهم عمّ على الجن موتي، حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب؛ لأنهم كانوا يسترقون السمع، ويوهمون الإنس أنهم يعلمون الغيب، وقال لملك الموت:

стр. 798

إذا أمرت بي فأعلمني. فقال: أمرت بك، وقد بقي من عمرك ساعة. فدعا الشياطين، فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب، فقام يصلي (٢٠١ /ب) متكئا على عصاه، فقبض روحه وهو متكئ عليها، وكانت الشياطين تجتمع على محرابه أينما صلى، فلم يكن الشيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق، فمرّ به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، فإذا سليمان خرّ ميتا ففتحوا عليه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة (١) فأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت في يوم وليلة مقدارا منها، فحسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيّا، فأيقن الناس أنهم لو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا في العذاب سنة. وروي: أن داود ﵇ أسّس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى ﵇، فمات قبل أن يتمّه فوصى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من عمره سنة سأل الله أن يعمي عليهم موته؛ حتى يفرغوا، وليبطل دعواهم علم الغيب (٢). وروي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه، فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها، فلم يجسر أحد أن يدنو منه، وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وبقي في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه (٣). ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ إما حكاية لما قال لهم الأنبياء، وإما قيل بلسان الحال، أو هم أحقاء بأني قائل لهم ذلك، ولما قال: كلوا من رزق ربكم واشكروا له؛ ذكر سبب اقتضاء الشكر، وهو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ وعن ابن عباس ﵁: كانت من أخصب البلاد وأطيبها؛ لم يكن فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية (٤).

стр. 799

﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)﴾ ﴿الْعَرِمِ﴾ الجرد الذي نقب عليهم السّكر، ضربت عليهم بلقيس بسد ما بين الجبلين بالصخر والقار فخفيت به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه ثلاثة أبواب على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم، فلما طغوا قيل: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيّا يدعونهم إلى الله، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة، فسلط الله على سدّهم الجرذ فنقبه من أسفله فغرقهم. وقيل: ﴿الْعَرِمِ﴾ جمع عرمة، وهي الحجارة المركومة. ويقال للكدس من الطعام: عرمة. وقيل: العرم اسم الوادي. وقيل: العرم: المطر الشديد. وقيل: كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ . والخمط: شجر الأراك. وعن أبي عبيدة: هو كل شجر ذي شوك (١). وقال الزجاج: كل نبت أخذ طعما من مرارة حتى لا (٢٠٢ /ب) يمكن أكله (٢). والأثل: شيء يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عودا. والأثل والسدر معطوفان على ﴿أُكُلٍ﴾ لا على ﴿خَمْطٍ﴾ لأن الأثل لا أكل له. وقرئ ﴿وَشَيْءٍ﴾ بالنصب (٣) عطفا على ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ لأجل المشاكلة. وعن الحسن قال: السدر؛ لأنه أجود ما بدلوه (٤). وقرئ ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ (٥) وهل يجازي هذا الجزاء إلا الله؟ ولا يعذب به إلا

стр. 800

الكافر أو المؤمن. وقيل: يجازي به المؤمن؛ تكفّر سيئاته حسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما يفعله من السوء. ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ ﴿الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ هي قرى الشام وكانت متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهي ظاهرة لأعين الناظرين. أو راكبة متن الطريق ظاهرة للسابلة لا تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم. ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ قيل: كان الحادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام ولا يخاف جوعا ولا عطشا ولا عدوّا، ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء. وقلنا لهم: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ ولا قول، ولكنهم لما مكّنوا من السير، وهيئت لهم أسبابه، فكأنهم أمروا بذلك، قيل: (سيروا فيها وأياما) متطاولة ﴿لَيالِيَ﴾ قيل: ﴿آمِنِينَ﴾ في ليلكم ونهاركم؛ فإنكم في كل حين وزمان لا تلقون فيها إلا الأمن. فبطروا النعمة وملّوا العافية، وطلبوا الكد والتعب، كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم عوضا عن المن والسلوى، وقالوا: لو كان جنى جناتنا أبعد كان أقرب أن نشتاق إلى السفر ونركب الرواحل فيها، ونتزود الأزواد فعجل الله لهم الإجابة (١). ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ﴾ فرقناهم في البلاد، فإنه لما غرقت بلدهم تفرقوا ذاهبين كل فرقة إلى إقليم؛ فذهبوا إلى الشام واليمن وغيرهما من الأقاليم، و ﴿مُمَزَّقٍ﴾ بمعنى المصدر، أي: مزقناهم كل تمزيق. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ لكل مؤمن؛ قال النبي ﷺ :" الإيمان نصفان، نصف شكر ونصف صبر " (٢). ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ بقوله:

стр. 801

﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (١) فصدقه الله بقوله: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ (٢) فكان ظنه لاتباعهم صادقا، ولم يكرههم إبليس على اتباعه. ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ﴾ لنرى أو لنميز، أو نعلم العلم الذي يتعلق به الجزاء. وقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ إما لأولاد سبأ، أو لبني آدم كلهم، ثم استثنى نفرا قليلا بقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٠٢ /ب) ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ من تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء. إلا بحكمة بينة وهي تمييز الحق من الباطل والمستيقن من الشاك. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ مفعولا" زعمتم "محذوفان والتقدير: زعمتموهم. والثاني: آلهة. ثم أجاب الله عنهم بقوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ مقدار ذرة، وهي النملة الحمراء (٣). والهباء: الذي يظهر في الكوة عند دخول الشمس فيها، وما لشركائهم شركة في خلق السماوات والأرض؛ كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ (٤) ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ﴾ وما لله تعالى من هؤلاء الشركاء من معين يعينه على ما يريده. ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ يجوز أن يراد بالإذن للشافع أن يشفع، أو للمشفوع له أن يشفع فيه. ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: كشف. حكي أن بعض أهل اللغة سقط عن دابته فغشي عليه، ثم أفاق فرأى الناس مجتمعين عليه؛ فقال: ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنة؟ افرنقعوا عني. فقال رجل من

стр. 802

الواقفين عليه: هذه الجنية التي على رأسه تتكلم بالهندي (١). فإن قلت: ﴿حَتّى﴾ غاية لماذا؟ قلت: لما دل عليه الكلام من شفاعة من يشفع، وانتظار الإذن وتوقع الشفاعة أن ينزل عليه الإذن، وإذا نزل زال الهم والوجل عن قلوبهم. وقرئ ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ برفع" الحق " (٢).أي: قوله الحق. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ذو العلو والكبرياء فليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه. أمره بأن يقررهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقولهم: يرزقكم ﴿اللهُ﴾ وذلك إشعار بأنهم مقرون بأن الله رازقهم، فكيف يعبدون من لا يخلق ولا يرزق؟ لأن في قلوبهم من العناد ما أخرسها عن النطق بالكذب. ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ﴾ هذا تقسيم يسمى تجاهل العارف، وهو هاهنا في قوله: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهو يعلم أنه على هدى، وأن الكافر في ضلال مبين، ومثله قول الشاعر [من الطويل]: فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم (٣) وقول حسان [من الوافر]: أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء (٤)

стр. 803

وإنما جعل حرف الجر المعدي لفعل الضلال جره ب "في"، وجعل المتعدي إلى الهدى جره ب "على" لأن (٢٠٣ /أ) صاحب الحق كالراكب على جواد مستعليا عليه وصاحب الباطل على شك وتردد. ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ وقوله: ﴿لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا﴾ كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (١) حتى زعم زاعمون أن هذه الآية منسوخة وليس ذلك بصحيح؛ لأن النسخ على خلاف الأصل، ومتى أمكن حمل الكلام على ظاهره؛ فهو أولى من الحمل عليه بالنسخ، والمذكور في هذه الآية وهو قوله: ﴿لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا﴾ باق على حكمه لم ينسخ فإنّ أحدا لا يسأل عن أحد، وكذلك قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ فإن لكل أحد دينه لا لغيره. ﴿يَفْتَحُ بَيْنَنا﴾ يحكم الله بيننا، وإنما قال: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ﴾ مع أن النبي ﷺ كان يراهم ويشاهدهم؛ لأنه أراد أن يبين لهم خطأهم في دعواهم الشركة لهم. ﴿كَلاّ﴾ رد وردع لهم عن اعتقادهم الفاسد بعد ما أوضح بطلانه. ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾ ﴿إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ الرسالة عامة. وقال الزجاج (٢): المعنى كافّا للناس، والهاء للمبالغة كما تقول: علامة ونسابة، وحماد الراوية، ومن جعله حالا من المجرور فقد أخطأ؛

стр. 804

لأن معمول المجرور لا يتقدم عليه، وهو كتقديم المجرور على الجار (١). قرئ ﴿مِيعادُ يَوْمٍ﴾ و ﴿مِيعادُ يَوْمٍ﴾ (٢) والميعاد: ظرف الوعد من مكان أو زمان، وهو هاهنا الزمان، والدليل عليه قراءة ﴿مِيعادُ يَوْمٍ﴾ فأبدل اليوم من الميعاد، وجعله هو نفسه وأما من نصب "يوما" فعلى الظرف، والعامل فيه محذوف أي: أعني يوما، أو خفوا يوما، ثم يجوز على هذا أن يرتفع "يوم" بإضمار "هو". ومن جرّه فبالإضافة، وإنما صلح قوله: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ﴾ جوابا والسؤال عن تعيين الزمان بقوله: ﴿مَتى﴾ لأنه لم يقصد به الجواب عن تعيين الزمان، وهم إنما سألوا ب "متى" استهزاء وتكذيبا، فأجيبوا بأن هذا الأمر لم يطلع عليه أحد، ولا يستطيعون تأخّرا ولا تقدّما. ﴿بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما نزل من الأخبار السماوية قبل نزول القرآن، وأن كفار قريش سألوا أهل الكتاب الذين بجوارهم، فأخبروهم أنهم يجدون نعت رسول الله ﷺ في كتابهم فأغضبهم ذلك، وكفروا بما أنزل على موسى وعلى جميع الأنبياء. وقيل: ﴿بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ القيامة، والمعنى أنهم جحدوا أن يكون القرآن منزّلا من عند الله وأنكروا الإعادة. ﴿وَلَوْ تَرى﴾ خطاب لرسول الله ﷺ ولكل سامع، والجواب محذوف تقديره: لرأيت أمرا عظيما (٢٠٣ /ب) والمستضعفون هم الأتباع، والمستكبرون هم الرؤساء والمقدمون، أجاب المستكبرون بإنكار أن يكونوا هم الذين صدوا.

стр. 805

﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ وأدخلوا حرف الاستفهام على الشخص، ولو كان الفعل منكرا لقال: أصددتم ﴿بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾ و "إذ" ظرف لا يتصرف، ولا يخرج عن الظرفية، فكيف أضيفت إليه "بعد"؟ لكن قد اتسع في ظرف الزمان؛ كما أضيف إلى الجمل؛ كقوله: جئتك أيام الحجّاج أمير. لما أنكر المستكبرون أنهم تسببوا في ضلال المستضعفين، ونسبوا ذلك إلى اختيار المستضعفين كرر عليهم المستضعفون بالرد وقالوا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي: كنتم تأمروننا بالكفر الليل والنهار، ولولا ذلك ما حصل الضلال، وقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ تقديره: بل مكركم في الليل والنهار؛ كقول الشاعر [من الرجز]: يا سارق الليلة أهل الدّار (١) ... وقيل: جعلوا الليل والنهار ماكرين مجازا؛ كما جعلوهما مهلكين في قوله: ﴿وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ (٢) فإن قلت: لم حذف حرف العطف من قوله: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا؟﴾ قلت: لأنها مقاولة جرت، والمقاولة لا يدخل فيها حرف العطف؛ كقوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ إلى آخر المقاولة (٣) وفي سورة الحجر: ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخر

стр. 806

المقاولة (١) وأما قول المستضعفين فلا جواب له. والواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ تعود إلى الجنس المشتمل على نوعي المستضعفين والمستكبرين. تندم المضلون على ضلالهم وإضلالهم، وتندم الضالون على ضلالهم. قيل: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ أظهروا. وقيل: أخفوا؛ مشترك بين الشيء وضده. ﴿فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجاء بالصريح مبالغة. ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٣٩)﴾ ﴿مُتْرَفُوها﴾ أغنياؤها وكبراؤها الذين أترفتهم النعمة. هذه تسلية لرسول الله ﷺ أي: إن الأنبياء قبلك كذبوهم قومهم كما كذبوك وأبطرتهم النعمة وقالوا: كثر الله أموالنا وأولادنا، ولو أراد بنا السوء لما فعل بنا ذلك. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم؛ نظرا إلى أحوالهم في الدنيا، وقد أبطل الله حسبانهم بأن الرزق فضل من الله يقسمه كيف يشاء على حسب ما يراه من المصالح. ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ (٢٠٤ /أ) وقدر الرزق: تضييقه. ﴿رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ تارة ويقبضه أخرى؛ لما يعلمه من المصالح التي هو أعلم بها. والأظهر أن ﴿مَنْ آمَنَ﴾ في موضع رفع؛ إلا إيمان من آمن. و "من": إما شرطية، وإما موصولة، ودخلت الفاء؛ لأن صلتها فعل، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا، ويكون الضمير في ﴿أَمْوالُكُمْ﴾ لجميع المؤمنين والكفار. والزلفى: مصدر، ومعناه تقربكم قربى. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ أن يكون حالا، والعامل فيه ﴿آمَنَ﴾ وكذلك قوله: ﴿فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ فيه الوجهان، والمعنى: أن

стр. 807

الأموال لا تقرّب أحدا إلا من أنفقها في سبيل الله ، وكذلك الأولاد إلا لمن علمهم الجدّ في طاعة الله . ﴿جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، كأنه قال: يجازون الجزاء المضاعف. ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ لا يعوضه سواه، إما عاجلا بالمال، وإما بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما أجلا بالثواب الذي كل خلف دونه. ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ وأعلاهم رب العزة، فإن كل من رزق غير الله من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق عبده، أو رجل يرزق عياله؛ فإن الله الذي أجراه على أيديهم، وهو رزق من الله . وعن بعضهم: كان يقول: الحمد لله الذي أوجدني، وجعلني ممن يشتهي؛ فكم من مشته لا يجد، وكم من واجد لا يشتهي! ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ﴾ هذا الخطاب للملائكة، وفيه تعيير للكفار، وقد علم الله أن الملائكة وعيسى لم يؤثروا عبادة غير الله ، وهو قوله لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ (١) مع علمه تعالى بأن عيسى لم يقل. والموالاة: مفاعلة من الولي، وهي القرب كما أن العداوة مأخوذة من العدو، وهو البعد، والولي يطلق على المتولّي والمتولّى ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ (٢). ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣). بينوا بموالاتهم لله وعداوتهم

стр. 808

لأعدائه أنهم برءاء مما نسب إليهم. وقيل: كانوا يعبدون الجن؛ يطيعونهم فيما يغضب الله . ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ معطوف على ﴿لا يَمْلِكُ﴾ والإشارة الأولى إلى رسول الله ﷺ والثانية إلى القرآن، والثالثة إلى الحق، والحق هو أمر النبوة كله، ودين الإسلام. وقوله: ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ (٢٠٤ /ب) دليل على مبادرتهم إلى الإنكار قبل أن يتأملوا الكلام وصحته؛ فبادروا بجعله سحرا بيّنا لا يخفى. ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ فيها برهان على صحة الشرك وما جآءهم بذلك رسول؛ كما قال : ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ (١). أو وصفهم بأنهم ﴿الْأَمِينُ *﴾ لا يعلمون من العلم شيئا. وما بلغ هؤلاء المتأخرون ﴿مِعْشارَ﴾ ما أوتي أولئك المتقدمون ويجوز أن يراد: ما أوتي المتقدمون معشار ما أوتي المتأخرون من العلم بالشرائع وصفات الله تعالى. والمعشار: كالمرباع، وهما العشر والربع. فإن قلت: فما معنى ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي؟﴾ وهو مستغني عنه بقوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؟﴾ قلت: لما كان معنى قوله : ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه؛ جعل تكذيب الرسل مسببا عنه. ﴿بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا﴾ بدل من قوله ﴿بِواحِدَةٍ﴾ أو خبر ابتداء محذوف، أو منصوب بإضمار أعني، وأراد بالقيام؛ إما القيام عن مجلس رسول الله ﷺ وتفرقهم عنه وإما القيام [الذي لا يراد] (٢) به المثول على القدمين، بل المراد الاهتمام به والانتصاب لقضائه، والمعنى: أن تقوموا جماعات ومتفرقين، وإنما اقتصر على ﴿مَثْنى وَفُرادى﴾ دون غيرهما من الأعداد؛ لأن الإنسان إذا انفرد وحده بالفكر وعرض ما أدّاه إليه ذهنه على قواعد صحيحة إذا لم يكن متعسفا متقيدا بأشياء يحفظها من قديم الزمان؛ فربما ظهر له - على الأغلب - الصواب وكذلك الاثنان إذا اجتمعا وتناصفا من غير غرض لهما في البحث مع وجود الفكرة والروية، فالظاهر أنهما يصلان إلى الحق، فأما إذا كان العدد أكثر من ذاك ثار العجاج، واختلفت الآراء، ويجري كثير من ذلك في المجالس والمحافل ويبعد ظهور الصواب. وأراهم بقوله : ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أن هذا الأمر العظيم

стр. 809

الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعا لا يتصدى لادعاء مثله إلا رجلان؛ إما مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طلب بالبرهان فعجز، بل لا يدري ما الافتضاح وما (٢٠٥ /أ) رقبة العواقب؟ وإما عاقل راجح العقل، مرشح النبوة، مختار من أهل الدنيا، لا يدعيه إلا بعد صحته عنده بحجته وبرهانه، وإلا فما يجدي على العاقل دعوى شيء لا بينة عليه، وقد علمتم أن محمدا ما به من جنة، بل علمتموه أرجح قريش عقلا، وأرزنهم حلما، وأثقبهم ذهنا، وأصلبهم رأيا، وأصدقهم قولا، وأشرفهم نفسا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحون به؛ فكان مظنة لأن تظنوا فيه الخير، وترجّحوا فيه جانب الصدق، وإذا فعلتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيكم بآية؛ فإذا أتى بها تبين أنه نذير مبين. فإن قلت: بم يتعلق: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ؟﴾ قلت: يجوز أن يكون كلاما مستأنفا تنبيها من الله على طريقة النظر في أمر رسول الله ﷺ ، ويجوز أن المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم. وقد جوز بعضهم أن تكون "ما" في قوله: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ استفهامية. ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ كقوله ﵇: "بعثت في أنفاس الساعة" (١). ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩)﴾ قوله: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ جواب لقوله: ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ كقوله: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ الآية (٢). وفيه معنيان: أحدهما: نفي مسألة الأجر رأسا؛ كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئا فخذه مني، وهو يعلم أنه لم يعط شيئا. والثاني: أن يريد بالأجر ما أراد في قوله: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ (٣) لأن دعاءهم لتسبيح الله ، وتعظيمه نفعه عائد إليهم لا إليه، وكذلك المودة في القرابة لأنها قد انتظمته وإياهم.

стр. 810

القذف والرمي: توجيه السهم (١) إلى المرمى مع تحامل [ويستعاران من حقيقتهما لمعنى] (٢) للإلقاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (٣). ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ﴾ (٤). ومعنى قوله تعالى: ﴿رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يلقيه إلى أنبيائه صلوات الله عليهم، أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه. ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ رفع على "إن" واسمها أو المستكن في ﴿يَقْذِفُ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف. وقرئ بالنصب (٥) صفة لربي، أو على المدح. الحي لا يخلو في حال حياته أن يبدئ أمرا أو يعيده؛ فإذا مات انقطع ذلك؛ فجعلوا قولهم لا يبدئ ولا يعيد؛ كناية عن الموت؛ قال [من الرجز]: أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد (٦) وعن ابن مسعود أنه قال: "دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة (٢٠٥ /ب) وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده وهو يقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ (٧). " جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد " (٨).
следующие страницы →