← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

المقاولة (١) وأما قول المستضعفين فلا جواب له. والواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ تعود إلى الجنس المشتمل على نوعي المستضعفين والمستكبرين. تندم المضلون على ضلالهم وإضلالهم، وتندم الضالون على ضلالهم. قيل: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ أظهروا. وقيل: أخفوا؛ مشترك بين الشيء وضده. ﴿فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجاء بالصريح مبالغة. ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٣٩)﴾ ﴿مُتْرَفُوها﴾ أغنياؤها وكبراؤها الذين أترفتهم النعمة. هذه تسلية لرسول الله ﷺ أي: إن الأنبياء قبلك كذبوهم قومهم كما كذبوك وأبطرتهم النعمة وقالوا: كثر الله أموالنا وأولادنا، ولو أراد بنا السوء لما فعل بنا ذلك. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم؛ نظرا إلى أحوالهم في الدنيا، وقد أبطل الله حسبانهم بأن الرزق فضل من الله يقسمه كيف يشاء على حسب ما يراه من المصالح. ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ (٢٠٤ /أ) وقدر الرزق: تضييقه. ﴿رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ تارة ويقبضه أخرى؛ لما يعلمه من المصالح التي هو أعلم بها. والأظهر أن ﴿مَنْ آمَنَ﴾ في موضع رفع؛ إلا إيمان من آمن. و "من": إما شرطية، وإما موصولة، ودخلت الفاء؛ لأن صلتها فعل، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا، ويكون الضمير في ﴿أَمْوالُكُمْ﴾ لجميع المؤمنين والكفار. والزلفى: مصدر، ومعناه تقربكم قربى. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ أن يكون حالا، والعامل فيه ﴿آمَنَ﴾ وكذلك قوله: ﴿فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ فيه الوجهان، والمعنى: أن

стр. 807

الأموال لا تقرّب أحدا إلا من أنفقها في سبيل الله ، وكذلك الأولاد إلا لمن علمهم الجدّ في طاعة الله . ﴿جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، كأنه قال: يجازون الجزاء المضاعف. ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ لا يعوضه سواه، إما عاجلا بالمال، وإما بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، وإما أجلا بالثواب الذي كل خلف دونه. ﴿خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ وأعلاهم رب العزة، فإن كل من رزق غير الله من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق عبده، أو رجل يرزق عياله؛ فإن الله الذي أجراه على أيديهم، وهو رزق من الله . وعن بعضهم: كان يقول: الحمد لله الذي أوجدني، وجعلني ممن يشتهي؛ فكم من مشته لا يجد، وكم من واجد لا يشتهي! ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ﴾ هذا الخطاب للملائكة، وفيه تعيير للكفار، وقد علم الله أن الملائكة وعيسى لم يؤثروا عبادة غير الله ، وهو قوله لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ (١) مع علمه تعالى بأن عيسى لم يقل. والموالاة: مفاعلة من الولي، وهي القرب كما أن العداوة مأخوذة من العدو، وهو البعد، والولي يطلق على المتولّي والمتولّى ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ (٢). ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣). بينوا بموالاتهم لله وعداوتهم

стр. 808

لأعدائه أنهم برءاء مما نسب إليهم. وقيل: كانوا يعبدون الجن؛ يطيعونهم فيما يغضب الله . ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ معطوف على ﴿لا يَمْلِكُ﴾ والإشارة الأولى إلى رسول الله ﷺ والثانية إلى القرآن، والثالثة إلى الحق، والحق هو أمر النبوة كله، ودين الإسلام. وقوله: ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ (٢٠٤ /ب) دليل على مبادرتهم إلى الإنكار قبل أن يتأملوا الكلام وصحته؛ فبادروا بجعله سحرا بيّنا لا يخفى. ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ فيها برهان على صحة الشرك وما جآءهم بذلك رسول؛ كما قال : ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ (١). أو وصفهم بأنهم ﴿الْأَمِينُ *﴾ لا يعلمون من العلم شيئا. وما بلغ هؤلاء المتأخرون ﴿مِعْشارَ﴾ ما أوتي أولئك المتقدمون ويجوز أن يراد: ما أوتي المتقدمون معشار ما أوتي المتأخرون من العلم بالشرائع وصفات الله تعالى. والمعشار: كالمرباع، وهما العشر والربع. فإن قلت: فما معنى ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي؟﴾ وهو مستغني عنه بقوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؟﴾ قلت: لما كان معنى قوله : ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه؛ جعل تكذيب الرسل مسببا عنه. ﴿بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا﴾ بدل من قوله ﴿بِواحِدَةٍ﴾ أو خبر ابتداء محذوف، أو منصوب بإضمار أعني، وأراد بالقيام؛ إما القيام عن مجلس رسول الله ﷺ وتفرقهم عنه وإما القيام [الذي لا يراد] (٢) به المثول على القدمين، بل المراد الاهتمام به والانتصاب لقضائه، والمعنى: أن تقوموا جماعات ومتفرقين، وإنما اقتصر على ﴿مَثْنى وَفُرادى﴾ دون غيرهما من الأعداد؛ لأن الإنسان إذا انفرد وحده بالفكر وعرض ما أدّاه إليه ذهنه على قواعد صحيحة إذا لم يكن متعسفا متقيدا بأشياء يحفظها من قديم الزمان؛ فربما ظهر له - على الأغلب - الصواب وكذلك الاثنان إذا اجتمعا وتناصفا من غير غرض لهما في البحث مع وجود الفكرة والروية، فالظاهر أنهما يصلان إلى الحق، فأما إذا كان العدد أكثر من ذاك ثار العجاج، واختلفت الآراء، ويجري كثير من ذلك في المجالس والمحافل ويبعد ظهور الصواب. وأراهم بقوله : ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أن هذا الأمر العظيم

стр. 809

الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعا لا يتصدى لادعاء مثله إلا رجلان؛ إما مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طلب بالبرهان فعجز، بل لا يدري ما الافتضاح وما (٢٠٥ /أ) رقبة العواقب؟ وإما عاقل راجح العقل، مرشح النبوة، مختار من أهل الدنيا، لا يدعيه إلا بعد صحته عنده بحجته وبرهانه، وإلا فما يجدي على العاقل دعوى شيء لا بينة عليه، وقد علمتم أن محمدا ما به من جنة، بل علمتموه أرجح قريش عقلا، وأرزنهم حلما، وأثقبهم ذهنا، وأصلبهم رأيا، وأصدقهم قولا، وأشرفهم نفسا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحون به؛ فكان مظنة لأن تظنوا فيه الخير، وترجّحوا فيه جانب الصدق، وإذا فعلتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيكم بآية؛ فإذا أتى بها تبين أنه نذير مبين. فإن قلت: بم يتعلق: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ؟﴾ قلت: يجوز أن يكون كلاما مستأنفا تنبيها من الله على طريقة النظر في أمر رسول الله ﷺ ، ويجوز أن المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم. وقد جوز بعضهم أن تكون "ما" في قوله: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ استفهامية. ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ كقوله ﵇: "بعثت في أنفاس الساعة" (١). ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩)﴾ قوله: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ جواب لقوله: ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ كقوله: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ الآية (٢). وفيه معنيان: أحدهما: نفي مسألة الأجر رأسا؛ كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئا فخذه مني، وهو يعلم أنه لم يعط شيئا. والثاني: أن يريد بالأجر ما أراد في قوله: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ (٣) لأن دعاءهم لتسبيح الله ، وتعظيمه نفعه عائد إليهم لا إليه، وكذلك المودة في القرابة لأنها قد انتظمته وإياهم.

стр. 810

القذف والرمي: توجيه السهم (١) إلى المرمى مع تحامل [ويستعاران من حقيقتهما لمعنى] (٢) للإلقاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ (٣). ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ﴾ (٤). ومعنى قوله تعالى: ﴿رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يلقيه إلى أنبيائه صلوات الله عليهم، أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه. ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ رفع على "إن" واسمها أو المستكن في ﴿يَقْذِفُ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف. وقرئ بالنصب (٥) صفة لربي، أو على المدح. الحي لا يخلو في حال حياته أن يبدئ أمرا أو يعيده؛ فإذا مات انقطع ذلك؛ فجعلوا قولهم لا يبدئ ولا يعيد؛ كناية عن الموت؛ قال [من الرجز]: أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد (٦) وعن ابن مسعود أنه قال: "دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة (٢٠٥ /ب) وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده وهو يقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ (٧). " جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد " (٨).

стр. 811

والحق: القرآن. وقيل: الإسلام. وقيل: الباطل هو إبليس، ولا يبدئ إبليس خلقا ولا يعيده. وقيل: لا يبدئ ولا يعيد، أي: لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة. وقال الزجاج:" ما "في قوله: ﴿وَما يُبْدِئُ﴾ استفهامية، وكذلك ﴿وَما يُعِيدُ﴾ (١). ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ ﴿ضَلَلْتُ﴾ وعدي الضلال ب" على "بقوله: ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ وجعل قرينه ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي﴾ والقياس: وإن اهتديت فلها، كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ (٢) لأن الهدى من الله، وإنما يتيسر بأسباب يسهل بها وقوع الطاعة، والضلال؛ كالراكب على الحيوان، الضابط لنفسه. وجواب ﴿وَلَوْ تَرى﴾ محذوف، أي: لرأيت أمرا عظيما، والأفعال التي هي ﴿فَزِعُوا﴾ ﴿وَأُخِذُوا﴾ ﴿وَحِيلَ﴾ المراد المستقبل وهي ماضية في اللفظ؛ لأن أخبار القيامة تأتي على صيغة الماضي؛ لتحققها عند الله كتحقق ما مضى وثبت. ﴿فَزِعُوا﴾ وقت الموت. وقيل: البعث. وقيل: يوم بدر. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:" إن جيشا يغزون الكعبة يريدون هدمها فيخسف بهم " (٣).فجاءت الآية دالة على ذلك ﴿فَلا فَوْتَ﴾ فلا يفوتون الله، والأخذ ﴿مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ من الموقف إلى النار إذا بعثوا أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو تحت أقدامهم إذا خسف بهم، وفيما عطف عليه قوله ﴿وَأُخِذُوا﴾ وجهان: أحدهما: على ﴿فَلا فَوْتَ﴾ أي: فلا يفوتون وأخذوا. والثاني: على ﴿فَزِعُوا﴾ والتقدير: ولو ترى إذا فزعوا وأخذوا. ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ وقد مر ذكره في قوله: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.

стр. 812

والتناوش: التناول، إلا أن التناول يقع على ما فيه رفق وما لا رفق فيه، والتناوش يقع على ما لا رفق فيه أصلا، وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يتأتى، وهو قبول الإيمان عند نزول العذاب؛ كما أن المؤمنين نفعهم إيمانهم قبل مجيء القيامة. ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ حكاية حال ماضية كقوله: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (١) ﴿ما يَشْتَهُونَ﴾ هو قبول الإيمان يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ الآية (٢). ﴿بِأَشْياعِهِمْ﴾ من كان على مثل عقيدتهم (٢٠٦ /أ) ومذهبهم. ﴿مُرِيبٍ﴾ إما أن يكون من أرابه: إذا حصل فيه الريب، أو من أراب الرجل: إذا صار ذا ريب. ***

стр. 813

تفسير سورة فاطر [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾ مبتديها ومبتدعها، وعن ابن عباس: ما كنت أدري معنى الفاطر حتى اختصم رجلان في بئر؛ فقال أحدهما: هي بئري وأنا فطرتها، أي: ابتدأتها (١). ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ صفة للأجنحة، وإنما لم ينصرف لتكرر العدل فيها، والتقدير: أولي أجنحة اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة. وزعم الزمخشري (٢) أنه لا يفترق الحال في مثنى وثلاث بين المكررة، وغير المكررة وفيه نظر؛ لأن غير المكررة حقيقة بأن تنصرف؛ لأن مثنى وثلاث المكرر إنما نقل إلى هذا الوزن ليدل على التكرر؛ فالتكرر هو موجب منع صرفها؛ فلا تستوي المكررة وغيرها. ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ قيل: في عدد الأجنحة. وقيل: في الجناح الثالث والرابع تقوية واستظهار، والجناحان الأولان هما الأصل. فإن قلت: قياس قسمة الأجنحة أن يكون في كل شق نصفها، فأين موضع الثالث إذا كانت ثلاثة؟ قلت: يجوز أن يكون الجناح الثاني في الوسط يعطي الجناحين قوة، ويجوز أن يكون الجناح الثاني لغير الطيران، قال الزمخشري:" رأيت في بعض الكتب أن بعض الملائكة لهم ستة أجنحة: جناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما، وجناحان مرخيان على وجوههم؛ حياء من الله " (٣).وروي أن رسول الله ﷺ رأى جبريل وله ستمائة جناح (٤). وروي أن رسول الله ﷺ رأى جبريل مرة أخرى فغشي عليه،

стр. 814

ثم أفاق وجبريل يسنده، فقال النبي ﷺ :" سبحان الله، ما كنت أظن أن خلقا يكون كذا، فقال له جبريل: لو رأيت إسرافيل!! فإن أحد جناحيه بالمشرق والآخر بالمغرب والعرش على كاهله وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كالوصع؛ وهو العصفور الصغير " (١). وقيل في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ إنه الصوت الحسن والوجه الحسن والشعر الحسن. وقيل: الخط الحسن، والآية أعمّ؛ فإنها تتناول كل زيادة من اعتدال وطول وتمام أعضاء وقوة بطش وحصانة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان ولباقة المتكلم. ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ وحسن بأن استعير الفتح للإطلاق والإرسال، والمعنى: فلا فاتح له، أي: ما يفتح الله من رحمة (٢٠٦ /ب) أي: من نعمة أو رزق أو مطر أو غير ذلك من أصناف أنعامه لا يقدر على حصرها إلا هو، وتنكير ﴿رَحْمَةٍ﴾ للإشاعة والإبهام؛ كأنه قال: من أي رحمة كانت من سماوية أو أرضية فلا يقدر أحد على حبسها، وأي شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه. فإن قلت: فلم أنّث الضمير أولا فقال: ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ وذكّره ثانيا فقال: ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ؟﴾ قلت: هما لغتان: الحمل على لفظ" ما "لأنه مذكر، والحمل على معناها؛ لأنه بمعنى الرحمة. وقيل: لما فسر الرحمة كان الرجوع إلى معناها أقرب من لفظها، ولما لم يسمها في الثانية ناسب أن يحمل على لفظها.

стр. 815

﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد إمساكه. ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، لكن باللسان وبالقلب، وحفظها من الكفران، وشكرها: الاعتراف بإنعام مهديها. والخطاب عام في الأمر بالتذكر، وعن ابن عباس:" يريد: يا أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم؛ حيث أسكنكم حرمه، ومنعكم من جميع العالم والناس يتخطفون من حولكم ". وعنه: نعمة الله: العافية (١). ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يجوز أن يكون لا موضع له من الإعراب؛ لأنه ابتداء كلام، وأن يكون له موضع إذا كان صفة لخالق. فإن قلت: هل فيه أن (الخالق) لا يطلق على غير الله ؟ قلت: نعم إذا جعلت ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ كلاما مستأنفا، و ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ جملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، ولو وصلتها ب " يرزقكم "لم يصح؛ لأنه يصير التقدير: لا خالق يرزق إلا الله فمفهومه: أن من كان خالقا ولم يكن رازقا يمكن وجوده وليس كذلك. ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ تقلبون من الحق إلى الباطل، ومنه تسمية المؤتفكات قرى لوط؛ لأن الأرض خسفت بهم فقلبت؛ وسمي الباطل إفكا لأنه يقلب الحق عن صورته. وقوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ تسلية لرسول الله ﷺ ونعي على قريش سوء اعتمادهم مع الأنبياء؛ كانوا رسلا عددهم كثير وعقولهم تامة فصبروا على ما كذبوا وأوذوا فتأسّ بهم. ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١١)﴾ ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ كمن لم يزين له ذلك، وهو كقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ (٢). أي: كمن لم يشرح؟ فإن قلت: لم جاء قوله: ﴿فَتُثِيرُ﴾ فعلا مضارعا دون ما قبله وما بعده؟

стр. 816

قلت: ليحكي الحال في إثارة الريح السحاب، ويستحضر تلك الحالة العجيبة الدالة على القدرة الربانية، ومنه قول تأبط شرا (٢٠٧ /أ) [من الوافر]: بأنّي قد لقيت الغول تسعى ... بسهب كالصّحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران (١) كأنه يريهم إياها ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدة، وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها لما كان من الدلائل على القدرة الباهرة، قيل: ﴿فَسُقْناهُ﴾ و ﴿فَأَحْيَيْنا﴾ معدولا بهما عن لفظة الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه. والكاف في" كذلك "في محل الرفع أي: مثل ذلك إحياء الموتى ونشورهم. وروي:" أن رجلا سأل النبي ﷺ : كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: هل مررت بواد أهلك محيلا، ثم مررت به يهتز خضرا؟ فقال: نعم. فقال: كذلك يحيي الله الموتى " (٢).وقيل: يحييهم الله بماء ينزله من تحت العرش كمني الرجال حتى تنبت منه أجسادهم وتنشق الأرض عن نفوسهم. كان الكافرون يتعززون بالأصنام ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ (٣). والمنافقون يتعززون بالمشركين ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ (٤). فلم يجعل لأحد نصيبا في العزة؛ فوضع قوله: ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ موضع قوله: فليطلبها منه. كما تقول: من أراد النصيحة فهي عند الأبرار، والمراد:

стр. 817

فليطلبها منهم. ثم عرف أن طريق طالب العزة إنما هو الإيمان والعمل الصالح بقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ والكلم الطيب: لا إله إلا الله؛ فإذا اقترنت بالأعمال الصالحة كان أجدر لقبولها. وقيل: الرافع الكلم والمرفوع العمل؛ فإنه لا يقبل عمل إلا مع التوحيد لله . وقيل: الرافع الله، والمرفوع العمل. وقيل: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ كل ذكر من تسبيح وتهليل وتكبير وقراءة قرآن ودعاء واستغفار وغير ذلك. وعن النبي ﷺ :" هو قولك: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن " (١). (٢٠٧ /ب) وعن ابن المقفع (٢):" قول بلا عمل كزبد بلا دسم وسحاب بلا مطر وقوس بلا وتر ". وقرئ ﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣) والرافع الله أو الكلم. و ﴿وَمَكْرُ﴾ لا يتعدى وإنما نصب ﴿السَّيِّئاتِ﴾ لأنه نعت مصدر محذوف، أي: مكروا المكرات السيئات؛ لقوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ (٤) وعنى بالمكر مكر قريش بالنبي ﷺ في دار الندوة. ﴿وَمَكْرُ أُولئِكَ﴾ الماكرين في دار الندوة حقيق بالدمار والهلاك. قال ابن الزبعري (٥) لما أسلم [من الخفيف]:

стр. 818

يا رسول المليك إنّ لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور (١) ﴿أَزْواجاً﴾ أصنافا، أو ذكرانا وإناثا. ﴿بِعِلْمِهِ﴾ في موضع الحال، أي: لا معلومة له. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ؟﴾ قلت: معناه: وما يعمر من أحد، سماه معمّرا بما هو صائر إليه. فإن قلت: الإنسان إما يعمر طويل العمر أو منقوص العمر، أي: قصيره، فأما أن يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال، فما معنى الآية؟ قلت: هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة بصحة فهم السامعين، وعليه كلام الناس: أطال الله بقاءك، ومدّ في عمرك. وقيل: الستون حد المعمر؛ فمن بلغها فمعمر ومن لم يبلغها فمنقوص العمر. والكتاب: اللوح، ويجوز أن يراد بكتاب الله تعالى علمه أو صحيفة الإنسان. ضرب البحرين الحلو والملح مثلين للمؤمن والكافر، ثم استطرد بذكر ما أنعم به في أحدهما أو فيهما من أكل السمك واستخراج اللؤلؤ والمرجان.

стр. 819

﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ شواق الماء بجريها؛ يقال: مخرت السفينة الماء. ويقال للسحاب: بنات مخر؛ لأنها تمخر الهواء، والسفن الذي اشتقت منه السفينة من المخر؛ لأنها تسفن الماء كأنها تقشره. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ الضمير عائد إلى الله تعالى ولم يسبق له ذكر، وإنما أعاد الضمير لما دل عليه الكلام من سياقه. وحرف الرجاء مستعار، أي: عاملنا معاملة الراجي. و ﴿فُراتٌ﴾ الذي يكسر العطش. والسائغ: السريع الانحدار إلى المعدة (٢٠٨ /أ) لحلاوته. و ﴿مِلْحٌ﴾ على فعل، والأجاج: الذي يحرق بملوحته، هذه طريقة الاستطراد وذكر البحرين، وجر ذكرهما ما فيهما من المنافع، وتحتمل وجها غير الاستطراد: وهو أن الله ضرب البحر الملح للكافر ثم فضل البحر على الكافر بما يستخرج من البحر من اللؤلؤ والسمك، والكافر خلو من المنفعة بالكلية؛ فهو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾ (١). ضرب مثلا للقلوب بالحجارة ثم فضل الحجارة على القلوب بما خلق الله فيها من المياه والمنافع؛ فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾ إلى آخر الكلام. ﴿ذلِكُمُ﴾ مبتدأ ﴿اللهُ﴾ خبر ﴿رَبُّكُمْ﴾ خبر بعد خبر. ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ خبر آخر، ويجوز أن يكون اسم الله عطف بيان ل "ذلكم" ويجوز أن يكون صفة ل "ذلكم". والقطمير: لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها. إن تدعوا الأوثان ﴿لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ على سبيل الفرض والتمثيل؛ لأنهم لا يدعون ما يثبتون لهم من الإلهية.

стр. 820

﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: بإشراككم إياهم؛ يقولون: ﴿ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ (١) ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ولا يخبرك بالأمر مخبر وهو مثل خبير، يريد أن الخبير بالأمر وحده هو الذي ينبئك بالحقيقة دون سائر المخبرين به، والمعنى أن هذا الذي أحدثكم به من حديث الأوثان هو الحق؛ لأني خبير بما أحدث به. وإنما جاء باسم ﴿الْحَمِيدُ﴾ مع أن لفظ ﴿الْغَنِيُّ﴾ كاف في مقابلة ﴿أَنْتُمُ الْفُقَراءُ﴾ لأن الحميد يدل على أنه فعل ما يحمد عليه وإنما يفعل ذلك من تم غناه فلم يفتقر إلى أحد غيره وهو الله . ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ بممتنع. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يطيعونه ولا يعصونه. الوزر والوقر أخوان، أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى. ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ بالحمل ﴿إِلى حِمْلِها﴾ تخفيف ﴿حِمْلِها﴾ أو حمل بعضه ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ﴾ المدعو ذا قرابة للداعي. فإن قلت: كيف نوفق بين هذا، وبين قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ (٢)؟ قلت: آية العنكبوت جاءت في الضالين المضلين؛ يحملون أوزار ضلالهم وأوزار إضلالهم، والضالون يحملون أوزار ضلالهم خاصة؛ لأنهم لم يضلوا أحدا. (٢٠٨ /ب) ألا ترى كيف كذّب الله المضلين فقال: ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ﴾ الآيتين (٣)؟ فقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي: ولا تزر حاملة، أخص من المثقلة بالحمل فهو أبلغ، والمثقلة أخص من الحاملة؛ لأن الحاملة تكون مثقلة وغير مثقلة. إنما ينفع إنذارك ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾. ﴿وَمَنْ تَزَكّى﴾ بفعل الطاعات وترك المعاصي. وقوله: ﴿فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ يؤكد قوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ لأن خشية الله تعالى باعثة على الطاعة واجتناب المعصية فإن قلت: كيف اتصل قوله ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ بما قبله؟ قلت: لما غضب عليهم بقوله: ﴿يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أتبع ذلك بالإنذار بيوم القيامة وذكر أهوالها، ثم قال: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ كان رسول الله ﷺ قد كرر الإنذار فلم يؤثّر فيهم؛ فنزل ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ (٤).

стр. 821

﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾ ﴿الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ مثل الكافر والمؤمن كما ضرب البحرين مثلا لهما، والنور والظلمة والظل والحرور مثلان للحق والباطل وما يترتب عليهما من الثواب والعقاب، والأحياء والأموات مثل للذين دخلوا في الإسلام، وللذين لم يدخلوا فيه وأصروا على الكفر. و ﴿الْحَرُورُ﴾ السموم، إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور يكون بالليل والنهار. وقيل: بالليل. فإن قلت: ما هذه الواوات؟ [قلت] (١): بعضها ضمت وترا إلى وتر، وبعضها ضمت شفعا إلى شفع؟ ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ﴾ يعني: أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل. قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ حال من أحد الضميرين يعني محقا أو محقين، أو صفة للمصدر؛ أي: إرسالا مصحوبا بالحق، أو: صلة ل ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ أي: بشيرا بالوعد الحق، ونذيرا بالوعيد الحق. والأمة: الجماعة الكبيرة. فإن قلت: كم بين عيسى ومحمد - صلى الله عليهما - من أمة ولم يخل فيها نذير؟ قلت: إنما بقاء دين النبي يعمل به بعده بمنزلة بقائه، وجميع من اتبعه أمة واحدة. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ بالشواهد على صحة النبوة وهي المعجزات. ﴿وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ التوراة والإنجيل. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾

стр. 822

﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها﴾ كالمشمش والتفاح وغيرهما، وقيل: ﴿أَلْوانُها﴾ الصفرة والحمرة والخضرة وغيرها. والجدد: الخطط والطرائق، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه (٢٠٩ /أ). ﴿وَغَرابِيبُ﴾ قيل: هي الجبال الطوال السود. فإن قلت: يقال: أخضر ناضر، وأصفر فاقع، وأسود حالك وغربيب، وأحمر قاني، فنرى التابع المؤكد متأخرا، وهاهنا وجد المؤكد متقدما؟ قلت: الوجه أن تجعل المؤكد متأخرا وتضمر قبل المؤكد ذكر اللون، ولا بد من تقدير مضاف تقديره: ومن الجبال ذوو جدد من بيض وحمر وسود؛ حتى يطابق قوله: ﴿ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها﴾ أي: بعض مختلف ألوانه. والمراد ﴿الْعُلَماءُ﴾ الذين يعلمون صفاته، وما يجب له وما يستحيل عليه، وفي الحديث: "أعلمكم بالله أشدكم له خشية" (١). وفي زيادة العلم بالله سبحانه زيادة الخوف من انتقامه. وقد أثّرت فيه الخشية حتى عرفت فيه. فإن قلت: هل يختلف المعنى بين تقديم المفعول على الفاعل وبين تأخيره؟ قلت: نعم، فإنك إذا قدّمت اسم الله وأخرت العلماء؛ كان المعنى: أن الذين يخشون الله من عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى وصار تقديره: إنما يخاف الله العلماء. ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أنه لما سبق قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ فذكر ما يستدل به على عظيم قدرته أتبع ذلك قوله: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ وعن النبي ﷺ : "إني أرجو أن أكون أتقاكم لله وأشدكم له خشية" (٢). ﴿يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾ يداومون على تلاوته. وقيل: يتبعون ما فيه ويعملون به. وقيل: هم أصحاب رسول الله ﷺ ﴿يَرْجُونَ﴾ خبر "إن". والتجارة: طلب الثواب بالطاعة. وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ متعلق ب ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ وتقديره: تجارة تبقى وتنمى ليوفيهم بها، وإن شئت جعلت ﴿يَرْجُونَ﴾ في موضع الحال، أي: راجين أن يوفيهم وخبر "إن" ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي: غفور لهم شكور لعملهم.

стр. 823

﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)﴾ ﴿الْكِتابِ﴾ القرآن، "ومن" للتبيين أو للجنس. ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال مؤكدة؛ لأن الصدق لا ينفك عنه. ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما تقدمه من الكتب ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا﴾ يعني: أورثناك الكتاب ثم أعلمناك أنا نورثه بعدك للعلماء بالقرآن. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾ هم أمة محمد ﷺ ؛ لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم ثم قسمهم إلى ﴿ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو المرجأ لأمر الله، و ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ وهو الذي خلط (٢٠٩ /ب) عملا صالحا وآخر سيئا، و ﴿سابِقٌ﴾ من السابقين، وإنما قدم الظالم على بقية الأصناف؛ لأنهم أكثر الخلق. ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ معطوف على محل ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾ و "من" للتبعيض، أي: يحلون بعض أساور من ذهب. وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ. ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ هو مثل قوله: ﴿قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ (١). وقيل: هو حزن الأعراض والآفات. وقيل: حزن الموت. وقيل: حزن إبليس ووسوسته. وقيل: همّ المعاش. وقيل: حزن زوال النعم، وقد أكثروا حتى قالوا: كراء البيت. وتأويله: لا يحزنهم شيء وإن قل حتى كراء البيت. وفي الحديث: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في محشرهم، ويؤتى بأهل لا إله إلا الله فيخرجون من قبورهم، وينفضون التراب عن وجوههم، ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" (٢). ﴿لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ دليل على كثرة حسناتهم. ﴿الْمُقامَةِ﴾ الإقامة، يقال: أقمت إقامة ومقاما ومقامة. ﴿لُغُوبٌ﴾ تعب وإعياء. وقرئ: ﴿لُغُوبٌ﴾ بالفتح (٣) إما مصدر كالقبول

стр. 824

والفرق بين اللغوب والنصب أن النصب: التعب، واللغوب: ما يحصل بسبب النصب، والنصب: نفس المشقة، واللغوب: نتيجته. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاّ غُرُوراً (٤٠)﴾ وقرئ ﴿فَيَمُوتُوا﴾ (١) عطفا على قوله: ﴿لا يُقْضى﴾ كقوله: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٢) ﴿كَذلِكَ نَجْزِي﴾ أي: مثل ذلك الجزاء نجزي. ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ من الصراخ، وهو الصياح بجهد. فإن قلت: لم حذف الموصوف في قوله: ﴿نَعْمَلْ صالِحاً﴾ وأقام الصفة مقامه؟ وما فائدة قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ على أنه يوهم أنهم كانوا يعملون صالحا غير هذا العمل؟ قلت: لزيادة التحسر على ما فاتهم من العمل الصالح، وأما الوهم فزائل بسياق الكلام، ودليل الغضب في قوله: ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ أي: فيقال لهم: أو لم نعمركم؟ ﴿ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وهو يشمل كل من أدرك من عمره وقتا يمكنه فيه العمل، إلا أن التوبيخ على صاحب العمر الأطول أولى. وروي أن العمر الذي أعذر الله فيه لمن أدركه ولم يتذكر ستون سنة. وقيل: ما بين العشرين إلى الستين. وقيل: ثماني عشرة سنة. و ﴿النَّذِيرُ﴾ الرسول. وقيل: الشيب. وعطف قوله (٢١٠ /أ)

стр. 825

﴿تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ على معنى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ فكأنه قال: قد عمرناكم وجاءكم النذير. ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بمعنى مضمراتها. ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً (٤٢)﴾ ﴿إِنْ أَمْسَكَهُما﴾ إن نافية أي: ما يمسكهما من أحد من بعده؛ كما في قوله تعالى: ﴿بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ (١) وروي: "أن ابن عباس لقي رجلا، أخبره ذلك الرجل أنه لقي كعبا فسأله: ما سمعت منه؟ فقال: سمعته يقول: إن السماوات على كاهل ملك. فقال ابن عباس: كذب، ثم تلا ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية" (٢).روي: "أنه بلغ قريشا أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى، أتتهم رسل فكذبوهم، والله لئن أتانا رسول ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ فلما بعث رسول الله ﷺ كذبوه. وقوله: ﴿مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ أي: من واحدة منها. وقيل: المعنى لنكونن أهدى من الأمة التي يقال فيها أنها أهدى الأمم، ومنه قوله ﷺ للمقداد: إحدى سوءاتك يا مقداد" (٣).

стр. 826

وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (١). ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥)﴾ ﴿اِسْتِكْباراً﴾ إما حال أو مفعول من أجله أو مصدر. ﴿سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ إنزال العذاب على من كذب منهم، وجعل استقبالهم لذلك انتظارا له. ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أي: بشؤم

стр. 827

ذنوبهم. وقيل: بحبس المطر فتهلك الحيوانات. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يوم القيامة، أو جزاء أعمالهم. ﴿كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ وعيد بالجزاء. ***

стр. 828

تفسير يس [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ ﴿يس﴾ بالفتح ك" أين "وبالنصب بمعنى: اتل يس، وبالضم ك" منذ "، وبالرفع على هذه يس، وبالجر على حذف حرف القسم وإدغام النون في السين وإظهارها وإمالة (يا) وتفخيمها (١). وقيل: معناها: يا إنسان في لغة طيئ، وشك بعضهم في صحة الرواية بذلك عن لغة طيئ، ووجهه إن صح: أنه كان الأصل: يا أنيسين، فكثر دورانه على الألسنة، وحذف شطره وبقي يا سين. ﴿الْحَكِيمِ﴾ ذي الحكمة، أو لأنه دليل ناطق بالحكمة، أو لأنه تنزيل من حكيم. ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبر بعد خبر، أو صلة للمرسلين. فإن قلت: قوله ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرا كان أو صلة أي حاجة إليه والمرسلون لا يكونون إلا كذلك؟ قلت: ليس الغرض تمييز من هو على صراط مستقيم من الرسل عمن ليس كذلك؛ بل القصد الإعلام بأنه سالك طريقا لا يقدر قدرها، ولا يعرف مقدار عظمتها (٢١٠ /ب) والتنكير دال عليه. ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾ وقرئ ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على أعني،

стр. 829

وبالجر على البدل من القرآن (١). ﴿قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ ما: نافية، أي: لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم؛ على الوصف، ويجوز أن تكون" ما "مصدرية، أي: لتنذر قوما إنذارا مثل ما أنذر آباؤهم. فإن قلت: فالمعنيان يتعارضان؛ لأن الأول ينفي إنذار الآباء والثاني يثبته؟ قلت: لا تعارض؛ لأن الأول في نفي إنذار الآباء، والثاني في إثبات إنذارهم أنفسهم. فإن قلت: ﴿فَهُمْ غافِلُونَ﴾ بم يتعلق؟ قلت: على الأول يكون متعلقا ب ﴿ما أُنْذِرَ﴾ أي: ترك الإنذار سبب غفلتهم. وعلى الثاني: متعلقة ب ﴿لِتُنْذِرَ﴾ كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره فهو غافل. و ﴿إِلَى﴾ في قوله ﴿إِلَى الْأَذْقانِ﴾ على بابها من انتهاء الغاية متعلقة بمحذوف، التقدير: فهي واصلة إلى الأذقان؛ لأن ملتقى الغل من أمام الوجه تكون فيه حلقة تمنع مطاطأة الرأس، فلا يزال رافعا رأسه مقمحا، يقال: أقمح البعير: إذا رفع رأسه من الشرب لبرد الماء، وهما شهرا قماح وهما كانون الأول وكانون الثاني؛ لأن الماء فيهما يبرد فيحتاج شاربه إلى أن يرفع رأسه قليلا قليلا. وقد قال قائل: إن الضمير في قوله: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ﴾ راجع إلى الأيدي مضمومة إلى الأعناق وهو بعيد؛ لأن ذلك لا يكون سببا في الإقماح المذكور (٢). ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ﴾

стр. 830

﴿بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ وقرئ" إنا جعلنا في أيديهم "، " وفي أيمانهم " (١) وهو ضعيف؛ لما سبق من كون الغل سببا في الإقماح. وقرئ ﴿سَدًّا﴾ بالفتح والضم (٢). وقيل: ما كان من فعل الناس فبالفتح، وما كان من فعل الله فبالضم. ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ فألبسنا أبصارهم غشاوة، أي: غطيناهم. وقرئ (فأعشيناهم) بالعين (٣) من العشاء، وهو تعذر الإبصار بالليل. وقيل: نزلت في بني مخزوم، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه، فجاء النبي ﷺ فصلى فأخذ أبو جهل حجرا ليرضخ به رأسه كما زعم، فيبست يده ولصق الحجر بجلده، فلم يقدر على فكه إلا بجهد، فقال مخزومي آخر: أنا أرضخه بهذا الحجر فقام ليفعل فأعمى الله بصره (٤). قوله : ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ الآية، أي: لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم؛ لأجل السد المانع من ذلك؛ لأنهم متعامون على النظر في الآيات. فإن قلت: قوله: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ (٢١١ /أ) إنما يتوجه إذا كان الإنذار حاصلا، وقد تقدم قوله: ﴿ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ؟﴾

стр. 831

قلت: لما كان المقصود بالإنذار الانكفاف والانزجار فإذا لم يحصل فكأنه لا إنذار، وإنما ينفع إنذارك من كان غير مطبوع على قلبه، وخاشيا ربه بالغيب ومنتفعا ب ﴿الذِّكْرَ﴾ أي: بالقرآن أو بالموعظة. ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾ ﴿نُحْيِ الْمَوْتى﴾ حمل على الحقيقة. وقيل: يخرجهم من الكفر إلى الإيمان؛ فجعل المجاز في الإحياء والإماتة. ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ ما أسلفوا من أعمال صالحة، وما علموه من علم أو صنفوه من كتب أو حبسوه من حبس أو سيئة؛ كالظلامات التي أحدثها الظلمة، وتعليم الفاحشة والخنا، وغير ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (١) أي: قدم من أعمال، وأخر من آثاره. وقيل: هي أثر المشي إلى المساجد، وأراد بعض الصحابة أن ينتقل إلى جوار مسجد رسول الله ﷺ فقال له:" ابق على مسكنك؛ فإن خطواتكم إلى المساجد من آثاركم، وتلا: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ الآية (٢). ﴿فِي إِمامٍ﴾ أي: في كتاب، وأراد بالكتاب: اللوح المحفوظ. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً﴾ أي: واجعل أصحاب القرية مثلا لهم، وهو كقولك: عندي ضرب من هذا المتاع، وضربت القصة خاتما، وضربت الطين لبنا. و ﴿الْقَرْيَةِ﴾ أنطاكية، و ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ رسل عيسى ﵇، وبعثهم عيسى دعاة إلى الحق. ﴿فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا﴾ فقوينا ﴿بِثالِثٍ﴾ وهو شمعون الصّفا وكان عيسى قد بعث

стр. 832

اثنين إلى أنطاكية، فلما بلّغا الرسالة إلى الملك لم يقبلهما وحبسهما، ثم بعث عيسى رجلا ثالثا وهو شمعون فتحيل حتى اتصل بحاشية الملك وكان يحضر في مجلس الملك فقال يوما للملك: إنه بلغني أنك حبست رجلين جاءاك برسالة؟ فقال: نعم، أحضروهما فأحضروهما، فسألهما شمعون: فقالا: ربنا الذي يحيي ويميت، فنحن نبرئ الأكمه والأبرص فأحضر الملك غلاما أعمى، فدعوا الله فانشق موضع البصر، ثم أخذا بندقتين من طين فوضعاهما في موضع شق العين، فصارا مقلتين صحيحتين؛ فقال شمعون للملك: إن قدر إلههما أن يحيي ميتا آمنا به، والملك يحسب أن شمعون من أصحابه، وكان شمعون يدخل معهم إلى الأصنام فيسجد معهم في سجودهم (٢١١ /ب) ويتضرع إلى الله تعالى، فقال شمعون للملك: إن أحيا هذان ميتا قويت حجتهما، فأحضر الملك غلاما له مات من سبعة أيام، فأحياه الله تعالى بدعائهم، وقال: إني أدخلت في سبعة توابيت من نار، فآمنوا بالله ورسله؛ فإني رأيت السماء قد انشقت ورأيت شخصا يشفع لهؤلاء الثلاثة، فانكشف حال شمعون، وعرفوا أنه على دين عيسى ﵇، ودعا شمعون الملك إلى الله فأجابه وكذبه الآخرون؛ فأهلك الله تلك القرية كلها؛ نزل جبريل وأخذ بعضادتي باب المدينة، وصاح صيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (١). ﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ ﴿تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ تشاء منا؛ كما قالوا لصالح وللمؤمنين الذين معه: ﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ (٢). ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ قيل: بالحجارة. وقيل: لنقتلنكم. قالت لهم الرسل جوابا:

стр. 833

﴿طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ يعني أن هذا الشؤم الذي أصابكم إنما هو شؤم معاصيكم. ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أعرضتم وتطيرتم بنا. وجاء حبيب النجار من آخر المدينة لما سمع باجتماع الناس لقتل الرسل، وكان قد آمن من قبل ذلك بالحواريين. ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً﴾ على دعائه ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أتم الناس عقلا وذلك أن التهمة تحصل لمن دعا إلى أمر ينشئه إما بأن له في ذلك غرضا، وإما أن يكون في عقله نقص، فنفى الله هذين المانعين عن الرسل؛ وقال: ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ثم تلطف حبيب النجار في تخليص الرسل بأن فرض الكلام في غلط نفسه وشرع يلومها فقال: ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ولم يقل: ما لكم؟ ونظيره في التلطف قول مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ فقد قسم الكذب مع علمه بأن الرسول لا يكذب؛ لأن الملوك لا يخاطبون بما يكرهون. ثم قال: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ (١) وإذا كان صادقا أصابهم كل ما وعدهم به، ثم صرح حبيب النجار بموافقته لدين عيسى فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ فقتلوه، فلما وقف بين يدي الله - تعالى - ورأى ما أعده له من الكرامة أدركته الشفقة على قومه فقال: ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ يجوز أن تكون "ما" في ﴿بِما غَفَرَ﴾ استفهامية، أي: بأي شيء جعل لي الغفران، وأن تكون موصولة (٢١٢ /أ) والتقدير: يعلمون أي شيء غفرلي من الذنوب، وأن تكون مصدرية؛ أي: بمغفرة ربي، إلا أنها إذا كانت استفهامية فالغالب حذف ألف الاستفهام؛ ونحوه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (٢) ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ (٣) ولم يقل: عما، ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٤) ولم يقل: فبما، ويجوز ثبوت الألف مع الاستفهام؛ كما قال حسان بن ثابت الأنصاري [من الوافر]: على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرّغ في رماد (٥)

стр. 834

﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ ﴿وَما أَنْزَلْنا﴾ وما احتجنا في إهلاك قومه إلى أن نبعث جندا. ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ وما كان هذا من شأننا وعادتنا. ﴿إِنْ كانَتْ﴾ إهلاكتهم إلا بصيحة واحدة صاحها جبريل، فهلكوا أجمعين، يعني: إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة، وقرئ بالرفع على التامة وهي بعيدة (١) لأن التقدير يصير: وما وجد إلا صيحة. ﴿خامِدُونَ﴾ كالنار إذا طفئت وبقيت رمادا. ﴿يا حَسْرَةً﴾ نادى الحسرة كأنه قال: يا حسرة هذا وقتك فتعالي. وقيل: هم أحقاء بأن يقال عليهم يا حسرة على هؤلاء العباد. ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ ليس معمولا لقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله (٢)، سواء كانت للاستفهام أو للخبر، إلا أن الفعل عامل في ﴿كَمْ﴾ من جهة المعنى، والتقدير: ألم يروا كثرة إهلاكنا؛ كما تقول: ألم تر أن أباك المنطلق، فعملت في المعنى لا في اللفظ. وقوله: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ يبطل قول أهل الرجعة (٣). وروي أن رجلا قال لابن عباس: إن عليا مبعوث فقال: "بئس القوم نحن، نكحنا نساءه، وقسمنا ميراثه" (٤).

стр. 835

﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢) وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ قرئ ﴿لَمّا﴾ بتخفيف الميم (١) على أن ﴿وَما﴾ زائدة، واللام هي الفارقة بين النافية والمثبتة والمعنى: أنهم محضرون للحساب والجزاء كما مضى في عدة مواضع. فإن قلت: لم أخبر عن ﴿كُلٌّ﴾ ب ﴿جَمِيعٌ﴾ ولغتاهما سواء؟ قلت: هما مختلفتان؛ لأن ﴿كُلٌّ﴾ يفيد معنى الإحاطة والشمول، و ﴿جَمِيعٌ﴾ يفيد الاجتماع، والجميع: فعيل، بمعنى مفعول، وتقدم ﴿فَمِنْهُ﴾ على ﴿يَأْكُلُونَ﴾ لأن الحب فيه قوام الآدميين والحيوانات، فإذا قل جاء القحط وغلا السعر. ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ هو سقي النبات والأشجار، واستنباط العيون والآبار. وذكر النخيل والأعناب ثم أفرد الثمر في قوله: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ لأنه إذا علم حكم النخل في الثمر عرف مثله في الكرم. وقيل: أراد: ليأكلوا من ثمر ذلك، قال رؤبة في حمر الوحش [من الرجز]: فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الوجه توليع البهق (٢) (٢١٢ /ب) فقيل له في ذلك، فقال: أردت: كأن ذلك.

стр. 836

ولك أن تجعل" ما "في قوله: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ نافية، أي: ولم تعمله أيديهم. ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ ﴿الْأَزْواجَ﴾ الأصناف ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها. وفي الحديث:" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " (١).ونحوه: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٢) ﴿مُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام، يقال: أظلمنا؛ كما يقال: أعتمنا. ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ لحد مؤقت. قيل: المستقر: هو مجراها من المشرق إلى المغرب، ومن المغرب إلى المشرق؛ فهو مجراها الذي لا تفارقه. وقرئ (تجري إلى مستقر لها) وقرأ ابن مسعود:" تجري لا مستقر لها " (٣) ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ﴾ أي: ترتيب الشمس والقمر في البروج وسيرهما على حساب لا يختل نظمه أي تقدير ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب ﴿الْعَلِيمِ﴾ بالمصالح. قرئ" والقمر " (٤) رفعا على الابتداء، أو عطفا على الليل، ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: قدرناه ذا منازل؛ لأن القمر نفسه لم يصر منازل. ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ هو العذق وشبه به؛ لأنه يصفر عند يبسه صفرة ليست بنيّرة كصفرة القمر إذا عاد هلالا وقال

стр. 837

الزجاج: العرجون: فعلون من عرج، إذا انعطف، ثم سير هذين الكوكبين على طريقة لا تنخرم (١) وهو معنى قوله: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾. وأقل مدة تتصف بالقدم سنة، فلو حلف: لا يبقي عنده عبدا قديما. وكان عنده عبد له سنة في ملكه حنث. هكذا قال الزمخشري (٢) وليس ذلك بمذهب الشافعي (٣). وإنما جعل للشمس معنى الإدراك وللقمر نفي السبق؛ لأن القمر يقطع الفلك في كل شهر فهو حقيق بأن يوصف بسرعة السير، والشمس لا تقطعه إلا في سنة كاملة فهي حقيقة بعدم الإدراك لبطء سيرها. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ يطلق على النساء؛ تقول: سبا ذريته، أي: نساءه " ونهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان " (٤). ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ وذريتهم أيضا اسم للآباء والأجداد في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي: حملنا آباءهم في سفينة نوح، وهم في أصلاب آبائهم. ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: من مثل الفلك. ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ من السفن والزوارق. الصريخ: المغيث أو الإغاثة نفسها. ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ﴾ إلى أجل يموتون فيه، قال الشاعر (٢١٣ /أ) [من الوافر]: ولم أسلم لكي أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام (٥)

стр. 838

﴿اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية (١). وقيل: المراد: انظروا في أخبار الأولين، وما جرى على المكذبين، وما خلفكم من أمر الساعة. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لتكونوا على رجاء رحمة، وجواب ﴿وَإِذا﴾ محذوف مدلول عليه بقوله: ﴿إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أي: أعرضوا. كان المشركون معطلين، لا يعتقدون البعث، وكانوا يسمعون المؤمنين يقولون: أفعالنا بمشيئة الله، ويقولون: لو شاء الله لأغنى فلانا أو لأفقره، فجرى ذكر الإطعام على هذا النمط؛ فقال المشركون: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ استهزاء، والمؤمنون يقولون ذلك حقيقة، وقد شارك الزمخشري الكفار في اعتقادهم في هذه المسألة (٢). وهي عندنا حق، ولكن وجه إنكارها أنهم قالوها على وجه الاستهزاء؛ كانوا يقولون إذا قيل لهم أنفقوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾. وعن ابن عباس:" كان بالمدينة زنادقة إذا قيل لهم: أطعموا الفقراء، قالوا: لا والله لا نطعم من لو أراد أطعمه، وكانوا يقولون: الله قادر على إطعام هذا الفقير، ولو شاء لفعل: فنحن نقتدي بما فعله الله معه " (٣). ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ قاله الله لهم، أو قاله المؤمنون، أو من جوابهم للمؤمنين ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ قيام الساعة وهم في أسواقهم وخصامهم. وفي الحديث:" لتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها " (٤).وقيل: يختصمون في أن الساعة هل تكون أو لا تكون. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ بل يموتون عند سماع الصيحة، ثم بعد ذلك

стр. 839

يذهبون مهطعين إلى الداعي وهو إسرافيل و ﴿الصُّورِ﴾ القرن الذي ينفخ فيه. وقيل: جمع صورة. وقرئ ﴿الصُّورِ﴾ بفتح الواو (١). و ﴿الْأَجْداثِ﴾ القبور، وقرئ بالفاء (٢). ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون بكسر السين وضمها (٣) وهي النفخة الثانية. قرئ (من أهبنا) بمعنى: من أيقظنا، وقرئ" من بعثنا " (٤) على الجار والمجرور، و" ما "خبر وهي موصولة أو مصدرية. ويجوز أن يكون ﴿هذَا﴾ صفة للمرقد، و ﴿ما وَعَدَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو ﴿ما وَعَدَ﴾ مبتدأ وخبره محذوف. قيل: إن الكفار يجدون بين النفختين هجعة يرفع (٢١٣ /ب) عنهم العذاب فيها، فإذا صيح بهم قالوا: ﴿يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ وقوله: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾ من كلام الملائكة، أو كلام المتقين. وقيل: من كلام الكفار؛ يتذكرون ما سمعوه من الرسل، فيجيب بعضهم بعضا به. وإذا كانت ﴿ما﴾ مصدرية كان التقدير: هذا ما وعد الرحمن، ولا يمكن أن يقال: وهذا صدق المرسلين، فلنرجع إلى القول بأنها موصولة، والتقدير: هذا الذي وعد الرحمن والذي صدق فيه المرسلون، من قولك: صدقني سن بكره (٥). وقوله: ﴿مَنْ بَعَثَنا﴾ سؤال عن الباعث، وجوابه بتعيينه، لكن طابقه ما بعده؛ لأن المعنى: بعثكم الرحمن الذي صدق الوعد وأنبأكم به الرسل؛ كأنه قيل: الأهم بكم السؤال

стр. 840

عن البعث؛ فليس هذا هو البعث الذي يراد به النوم في الدنيا؛ بل المراد به البعث الأكبر والحشر الأعظم. ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥)﴾ ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً﴾ قرئ برفعها وبنصبها (١). ﴿فِي شُغُلٍ﴾ وأي شغل؟! وقيل: في شغل افتضاض الأبكار. وقيل: في سماع ضرب الأوتار. وقيل: في التزاور. وقيل: في ضيافة الله. وقيل: شغلهم عما فيه أهل النار التنعم بما هم فيه. وقيل: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم أمرهم. والفاكه والفكه: المتنعم، وسمي المزاح فكاهة؛ للتلذذ به، كما يتلذذ بالفاكهة. وقرئ ﴿فاكِهُونَ﴾ و ﴿فاكِهُونَ﴾ وقرئ ﴿فاكِهِينَ﴾ (٢) على أنه حال، والظرف مستقر. ﴿هُمْ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ، وأن يكون مؤكد للضمير في ﴿شُغُلٍ﴾ على أن أزواجهم يشاركون في ذلك الشغل، وفي التفكه والجلوس تحت الظلال. ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ والأريكة: هي السرير في الحجلة. ﴿يَدَّعُونَ﴾ يفتعلون من الدعاء؛ أي: يدعون لأنفسهم؛ كقولك: اشتوى واحتمل: إذا شوى وحمل لنفسه. وقيل: ﴿يَدَّعُونَ﴾ يتمنون؛

стр. 841

تقول لمن تكرمه: ادّع ما شئت. وقال الزجاج: هو من الدعاء، أي: ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم (١). ﴿سَلامٌ﴾ بدل من ﴿ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ تحية من الله لهم أي: سلام خالص من الشوب والكدر. ﴿قَوْلاً﴾ مصدر مؤكد؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ والأحسن أن يكون نصبا على الاختصاص. ﴿وَامْتازُوا﴾ أي: وانفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة. وذلك حين يساق المؤمنون إلى الجنة، ونحوه قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيتين (٢). يقال: مازه فانماز وامتاز. وقيل: اعتزلوا عن كل خير. وقيل: لكل كافر بيت في النار (٢١٤ /أ) لا يرى أحدا ولا يرى. العهد: الوصية، وعهد الله إليهم: ما ركزه فيهم من أدلة العقل، وأنزل عليهم من دلالة السمع. وعبادة الشيطان: طاعته. قرئ: "إعهد" بكسر الهمزة. وباب "فعل" يجوز في جميع حروف مضارعته الكسر إلا الياء، وقرئ "أحهد" و "أحد" (٣) ومنه قولهم: دحامحا. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ ﴿هذا﴾ إشارة إلى ترك طاعة الشيطان، ولا صراط أقوم من اجتناب الشيطان، ومنه

стр. 842

قول كثير [من الطويل]: لئن كان يهدى برد أنيابها العلا ... لأفقر منّى إنني لفقير (١) ويجوز أن يراد: هذا هو الصراط المستقيم وما سواه معوج. ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ﴾ الشيطان ﴿جِبِلاًّ﴾ و "جبلا" و "جبلا" و "جبلا" (٢) وهي لغات في معنى الخلق، جبلا جمع جبلة كفطرة وفطر. ويروى أن الكفار إذا شهدت عليهم الحفظة أنكروا وكذبوا، فيختم على أفواههم وتتكلم الجوارح بما عملوا. وفي الحديث: "إن الكافر يقول: إني لا أجيز إلا شاهدا من نفسي فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ وتعسا؛ فعنكنّ كنت أناضل" (٣). الطمس: تعفية شق العين حتى تبقى ممسوحة. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ أي: فاستبقوا إلى الصراط؛ فحذف الجار وأوصل الفعل، أو تضمن معنى ابتدروا، ويجعل الصراط مسبوقا لا مسبوقا إليه، والمعنى: أنا لو طمسنا على أعينهم فتسابقوا إلى الطريق المسلوك في حوائجهم على عادتهم القديمة - لم يستطيعوا. والمكان والمكانة واحد؛ كالمقام والمقامة، أي: لمسخناهم وغيّرنا خلقهم فلا يستطيعون مضيا ولا استقرارا. وقيل: لمسخناهم قردة وخنازير. أو: لمسخناهم حجارة. ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ نخلقه على خلاف ما خلقناه؛

стр. 843

أي: لا يزال يتزايد في القوى إلى أن ينتهي إلى الكهولة، فيعود من القوة إلى الضعف حتى ينتهي، وفي ذلك دليل على أن من قدر على الطمس والمسخ والنقل من حال إلى حال قادر على أن يخلقه كيف يشاء. كان عقبة بن أبي معيط يقول: إن الذي يأتي به محمد شعر، وقد أخطأ عقبة؛ فليس القرآن على أوزان الشعر، ولا على قوافيه، والذي جاء به محمد ليس بشعر، إلا أن القرآن لفظه عربي؛ كما أن الشعر كذلك. ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: وما يتأتى له، وأما قوله: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب (١) (٢١٤ /ب) وقوله: هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت (٢) فليس بشعر مقصود، وقد يتفق في كلام الإنسان كلام متزن لا يقصد به شعرا (٣).

стр. 844

ولما قال: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أتبعه قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ﴾ أي: شرف ورفعة. وقيل: تذكير وموعظة. ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ والمنذر القرآن أو الرسول. ﴿مَنْ كانَ حَيًّا﴾ أي: عاقلا أو معلوما أنه يؤمن فيحيا بالإيمان. ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ تولينا إحداثه، ولم يقدر على توليه غيرنا. ﴿أَنْعاماً﴾ وهي الإبل والبقر والغنم. ﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ ضابطون؛ أي: فملكناها لهم، قال [من المنسرح]: أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا (١) ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ أي: سخرناها، ولهذا ألزم الله الراكب أن يشكر هذه النعمة بقوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا﴾ (٢). ﴿وَمَشارِبُ﴾ من الألبان، ذكرها مجملة، والمشارب جمع مشرب، وهو موضع الشرب والشرب نفسه.

стр. 845

اتخذوا الآلهة ليكونوا لهم عزّا؛ فكان الأمر على عكس ذلك. ﴿إِنّا نَعْلَمُ﴾ "إنا" بالكسر: استئناف، ومن فتح الهمزة وقصد المعنى كفر؛ لأن "أن" وما بعدها بتأويل المصدر، تقول: يسرني أنك حاضر، أي حضورك، فيكون المعنى: فلا يحزنك يا رسول الله قول الكفار عنا: ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ وهذا كلام حق لا يحزن منه الرسول ولا المؤمنون، ومن أراد حذف لام الجر وقصد فلا يحزنك قولهم؛ لأنا نعلم فلا يكفر، ومثله قولهم في التلبية: لبيك إن الحمد، كسرها الشافعي وفتحها أبو حنيفة (١). قبح الله اعتقاد الكفار عدم البعث والنشور بأن هذا النطفة الحقيرة المستقذرة يخلق منها رجل هو أشد الخصام؛ كقوله: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (٢) ينكر قدرة القادر على ما يشاء من إحداث الأجسام والأعراض. ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أي: منطيق قادر على الخصام. والرميم: اسم من بلي من العظام، وهو اسم ليس بصفة؛ فلا يقال: لم لا يؤنث، وقد وقع خبرا لمؤنث؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، وقد استشهد بهذه الآية من زعم أن الحياة تحل في العظام، وفيه خلاف بين العلماء (٣). ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾
следующие страницы →