← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

تقول لمن تكرمه: ادّع ما شئت. وقال الزجاج: هو من الدعاء، أي: ما يدعو به أهل الجنة يأتيهم (١). ﴿سَلامٌ﴾ بدل من ﴿ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ تحية من الله لهم أي: سلام خالص من الشوب والكدر. ﴿قَوْلاً﴾ مصدر مؤكد؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ والأحسن أن يكون نصبا على الاختصاص. ﴿وَامْتازُوا﴾ أي: وانفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة. وذلك حين يساق المؤمنون إلى الجنة، ونحوه قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيتين (٢). يقال: مازه فانماز وامتاز. وقيل: اعتزلوا عن كل خير. وقيل: لكل كافر بيت في النار (٢١٤ /أ) لا يرى أحدا ولا يرى. العهد: الوصية، وعهد الله إليهم: ما ركزه فيهم من أدلة العقل، وأنزل عليهم من دلالة السمع. وعبادة الشيطان: طاعته. قرئ: "إعهد" بكسر الهمزة. وباب "فعل" يجوز في جميع حروف مضارعته الكسر إلا الياء، وقرئ "أحهد" و "أحد" (٣) ومنه قولهم: دحامحا. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ ﴿هذا﴾ إشارة إلى ترك طاعة الشيطان، ولا صراط أقوم من اجتناب الشيطان، ومنه

стр. 842

قول كثير [من الطويل]: لئن كان يهدى برد أنيابها العلا ... لأفقر منّى إنني لفقير (١) ويجوز أن يراد: هذا هو الصراط المستقيم وما سواه معوج. ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ﴾ الشيطان ﴿جِبِلاًّ﴾ و "جبلا" و "جبلا" و "جبلا" (٢) وهي لغات في معنى الخلق، جبلا جمع جبلة كفطرة وفطر. ويروى أن الكفار إذا شهدت عليهم الحفظة أنكروا وكذبوا، فيختم على أفواههم وتتكلم الجوارح بما عملوا. وفي الحديث: "إن الكافر يقول: إني لا أجيز إلا شاهدا من نفسي فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ وتعسا؛ فعنكنّ كنت أناضل" (٣). الطمس: تعفية شق العين حتى تبقى ممسوحة. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ أي: فاستبقوا إلى الصراط؛ فحذف الجار وأوصل الفعل، أو تضمن معنى ابتدروا، ويجعل الصراط مسبوقا لا مسبوقا إليه، والمعنى: أنا لو طمسنا على أعينهم فتسابقوا إلى الطريق المسلوك في حوائجهم على عادتهم القديمة - لم يستطيعوا. والمكان والمكانة واحد؛ كالمقام والمقامة، أي: لمسخناهم وغيّرنا خلقهم فلا يستطيعون مضيا ولا استقرارا. وقيل: لمسخناهم قردة وخنازير. أو: لمسخناهم حجارة. ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ نخلقه على خلاف ما خلقناه؛

стр. 843

أي: لا يزال يتزايد في القوى إلى أن ينتهي إلى الكهولة، فيعود من القوة إلى الضعف حتى ينتهي، وفي ذلك دليل على أن من قدر على الطمس والمسخ والنقل من حال إلى حال قادر على أن يخلقه كيف يشاء. كان عقبة بن أبي معيط يقول: إن الذي يأتي به محمد شعر، وقد أخطأ عقبة؛ فليس القرآن على أوزان الشعر، ولا على قوافيه، والذي جاء به محمد ليس بشعر، إلا أن القرآن لفظه عربي؛ كما أن الشعر كذلك. ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: وما يتأتى له، وأما قوله: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب (١) (٢١٤ /ب) وقوله: هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت (٢) فليس بشعر مقصود، وقد يتفق في كلام الإنسان كلام متزن لا يقصد به شعرا (٣).

стр. 844

ولما قال: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أتبعه قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ﴾ أي: شرف ورفعة. وقيل: تذكير وموعظة. ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ ﴿لِيُنْذِرَ﴾ والمنذر القرآن أو الرسول. ﴿مَنْ كانَ حَيًّا﴾ أي: عاقلا أو معلوما أنه يؤمن فيحيا بالإيمان. ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ تولينا إحداثه، ولم يقدر على توليه غيرنا. ﴿أَنْعاماً﴾ وهي الإبل والبقر والغنم. ﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ ضابطون؛ أي: فملكناها لهم، قال [من المنسرح]: أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا (١) ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ أي: سخرناها، ولهذا ألزم الله الراكب أن يشكر هذه النعمة بقوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا﴾ (٢). ﴿وَمَشارِبُ﴾ من الألبان، ذكرها مجملة، والمشارب جمع مشرب، وهو موضع الشرب والشرب نفسه.

стр. 845

اتخذوا الآلهة ليكونوا لهم عزّا؛ فكان الأمر على عكس ذلك. ﴿إِنّا نَعْلَمُ﴾ "إنا" بالكسر: استئناف، ومن فتح الهمزة وقصد المعنى كفر؛ لأن "أن" وما بعدها بتأويل المصدر، تقول: يسرني أنك حاضر، أي حضورك، فيكون المعنى: فلا يحزنك يا رسول الله قول الكفار عنا: ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ وهذا كلام حق لا يحزن منه الرسول ولا المؤمنون، ومن أراد حذف لام الجر وقصد فلا يحزنك قولهم؛ لأنا نعلم فلا يكفر، ومثله قولهم في التلبية: لبيك إن الحمد، كسرها الشافعي وفتحها أبو حنيفة (١). قبح الله اعتقاد الكفار عدم البعث والنشور بأن هذا النطفة الحقيرة المستقذرة يخلق منها رجل هو أشد الخصام؛ كقوله: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (٢) ينكر قدرة القادر على ما يشاء من إحداث الأجسام والأعراض. ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ أي: منطيق قادر على الخصام. والرميم: اسم من بلي من العظام، وهو اسم ليس بصفة؛ فلا يقال: لم لا يؤنث، وقد وقع خبرا لمؤنث؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، وقد استشهد بهذه الآية من زعم أن الحياة تحل في العظام، وفيه خلاف بين العلماء (٣). ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾

стр. 846

﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً﴾ أو أراد بالشجر الأخضر العيدان التي تقدح الأعراب بها النار، وقالوا: "في كل شجرة نار، واستمجد (٢١٥ /أ) المرخ والعفار" (١) يعني أن هاتين يسهل اقتداح النار منهما. وقيل: إن العناب لا يقدح من شجره نار (٢). ﴿الْأَخْضَرِ﴾ وقياسه: الشجر الخضر؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾ (٣) فذكر الضمير وأنثه. من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم أجرامهما، وتباعد أقطارهم، فهو على خلق الأناسي أقدر منه؛ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ (٤). ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ (٥). ﴿أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في الحقارة؛ لأن من قدر على الأعلى قدر على الأدنى من باب الأولى. ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ الكثير الخلق والعلم. ﴿إِنَّما أَمْرُهُ﴾ شأنه. ***

стр. 847

تفسير سورة الصافات [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا (١) فَالزّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)﴾ أقسم سبحانه بطوائف الملائكة أو بنفوسهم ﴿وَالصَّافّاتِ﴾ أقدامها في الصلاة؛ من قوله: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ (١) أو أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله. ﴿فَالزّاجِراتِ﴾ السحاب سوقا. ﴿فَالتّالِياتِ﴾ لكتب الله المنزلة وغيرها. وقيل: ﴿وَالصَّافّاتِ﴾ الطير؛ لقوله: ﴿وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ﴾ (٢) والزاجرات: كل شيء نهى عن معصية الله. والتاليات: كل من تلا كتاب الله، ويجوز أن يراد طوائف العلماء الصافات أقدامهم في قيام الليل وأفعال الخير، وسائر الصلوات وصفوف الجماعات؛ فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات آيات الله والدارسات شرائعه، أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف، وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر، لا يشغلها عنه شغل. والفاء الواقعة بين أنواع المقسم به إما للترتيب في الوجود؛ كقول الشاعر [من السريع]: يا ويح زيّابة للحارث ... الصالح فالغانم فالآيب (٣) فإن هذه الأمور جاءت على ترتيب الوجود، وإما لترتيبها في الفضيلة؛ كقولك: اصحب الأفضل فالأفضل، وافعل الأجمل فالأجمل. وإما على ترتيب موصوفاتها في ذلك؛ كقوله: "رحم الله المحلقين فالمقصرين" (٤).رتب التقصير على الحلق؛ فإن الحلق أفضل؛ فإذا وحدت الصفات كانت على ترتيب الصفات، وإن ثنيت أو جمعت كانت على ترتيب الموصوفات.

стр. 848

إذا أجريت الصافات على الملائكة وجعلتهم جامعين - أفادت الفاء ترتيبها في الفضل؛ فيكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة، وإما على العكس (٢١٥ /ب) وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة. وإن أردت بالصافات الملائكة وأعدت الثانية والثالثة على طوائف أخر، فقد أفادت ترتيب الموصوفات في الفضل؛ أعني أن الصافات ذا فضل، والزاجرات ذات فضل، والتاليات، أو على العكس، وكذلك إن أردت بالصافات: الطير، وبالزاجرات: كل ما يزجر عن معصية الله، وبالتاليات: كل نفس تتلو الذكر؛ فإن الموصوفات مختلفة. ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦)﴾ ﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾ خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. والمشارق: ثلاثمائة وستون مشرقا، والمغارب مثل عددها، تشرق الشمس كل يوم في مشرق منها، وتغرب في مغرب حتى تنتهي إلى آخر المشارق والمغارب. فإن قلت: ثنى المشارق والمغارب في سورة الرحمن؛ قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ (١). وجمع هاهنا فقال: ﴿الْمَشارِقِ؟﴾ قلت: أراد مشرق الصيف والشتاء ومغربهما. ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أي: القريبة منكم، والزينة مصدر؛ كالمشية، أو اسم لما يزان به الشيء؛ كالليقة (٢) اسم لما تلاق به الدواة؛ تقول: ألق دواتك، أي: أصلحها، وهما محتملان هاهنا؛ فإن كان مصدرا فمضاف إلى الفاعل، أي: بأن زانتها الكواكب، والمراد: زانتها الكواكب وحسنتها. وإن جعلتها اسما غير مصدر - وذلك بأن تتبع الكواكب - بيانا للزينة؛ لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها، وأن يراد مما زيّنت به الكواكب، وروي بالإضافة، وخفض الكواكب؛ أي: وضوء الكواكب، ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة؛ كالثريا وبنات نعش، ومسايرها، وقرئ: ﴿بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ بتنوين "زينة" وجر "الكواكب" على الإبدال (٣).

стр. 849

﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)﴾ ﴿وَحِفْظاً﴾ محمول على المعنى، أي: إنا زينا السماء الدنيا، وحفظناها. والمارد: الخارج من الطاعة، والضمير في ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ لجميع الشياطين؛ لأنه في معنى شيطان، يقال: تسمع فسمع، وتسمع فلم يسمع. وعن ابن عباس: "إنهم يتسمعون ولا يسمعون" (١).وقوله: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ ليس بصفة؛ لأن نفي السمع من شيطان لا يسمع لا فائدة فيه، و ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ مستأنف، التقدير: أن سائلا قال: فما شأنهم عند التسمع؟ قلت: لا يسمعون، وهم مطرودون عن التسمع. ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ﴾ خطفة فاسترق فعندها (٢١٦ /أ) تعاجله الهلكة باتباع الشهاب الثاقب. فإن قيل: هل يجوز أن يكون أصله: لئلا يسمعوا؛ فحذفت اللام كما حذفت في قولك: جئتك أن تكرمني، فبقي أن يسمعوا، فحذفت أن وأقر عملها؟ قلنا: الحذف في هذين الحرفين معا منكر، أما حذف أحدهما فجائز، ولا يحمل الكتاب العزيز على الشذوذ المنكر؛ تقول: سمعت الحديث بمعنى: أدركته، وسمعت إلى الحديث بمعنى: أصغيت وأدركت. و ﴿الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ الملائكة؛ لأنهم سكنوا السماوات، والملأ الأسفل هم الجن والإنس؛ لأنهم سكنوا الأرض. وقيل: هم الحفظة من كل جانب من السماء من أي جهة صعدوا للاستراق. الدحور: الطرد، أي: يرمون بالشهب طردا، أو ﴿دُحُوراً﴾ حال والواصب: الدائم؛ بمعنى أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب مع أنهم أعد لهم نوع من العذاب دائم لا ينقطع. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾ الهمزة تنقل الكلام من الاستفهام إلى التقرير، ولذلك قيل: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ والضمير

стр. 850

لمشركي مكة. وقيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة (١) وكان قويا. ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ يريد ما ذكر من خلائقه من السماوات والملائكة والأرض والمشارق والمغارب والكواكب والشهب والشياطين، وغلب العقلاء على غيرهم فقال: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾. ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ إما شهادة عليهم بالضعف؛ لأن ما يصنع من الطين لا يوصف بالقوة وقيل: أمن خلقنا من الأمم السالفة والقرون الخالية وهو بعيد. ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ (بل عجبت) من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة، وهم ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ يستهزئون بأمر البعث. وقرئ "عجبت" (٢) بضم التاء، أي: عجبت من كثرة مخلوقاتي ومن إنكار هؤلاء البعث، وجاء العجب في صفات الله تعالى، وهي الروعة التي تحدث للإنسان عند رؤية ما يستغربه، والله تعالى منزه عن ذلك، ومعناه: أنهم حلوا محل من يتعجب منه ويسخر، وفي الحديث: "عجب ربكم من إلّكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم إياكم" (٣).وكان شريح يقرأ بالفتح ويقول: "إن الله لا يعجب من شيء" (٤).

стр. 851

وهم قوم إذا وعظوا لا يتذكرون. ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً﴾ كانشقاق القمر وغيره يستدعون السخرية من غيرهم و ﴿أَوَآباؤُنَا﴾ معطوف على محل "إن" واسمها، أو على الضمير في ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ والذي جوز العطف على المضمر المرفوع بغير (٢١٦ /ب) تأكيد - الفصل بهمزة الاستفهام وقرئ بسكون الواو (١) والمعنى: نعم تبعثون. ﴿وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ صاغرون، وفي الكلام محذوف تقديره: فإذا كان ذلك فما هي إلا نفخة واحدة يميت الله بها كل حي، ثم نفخة أخرى يحيي بها كل ميت. الزجرة: الصيحة؛ من قولك: زجر الراعي الغنم. إذا صاح عليها؛ قال الشاعر [من المنسرح]: زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يختلطن بالغنم (٢) ﴿فَإِذا هُمْ﴾ أحياء ﴿يَنْظُرُونَ﴾. ﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾

стр. 852

﴿(٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ ومن قوله: ﴿يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى قوله: ﴿اُحْشُرُوا﴾ من كلام الله للملائكة. ﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾ أصنافهم: ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أصنامهم ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ فعرفوهم طريق النار، وأمر الله الملائكة أن يقفوهم ويبكتوهم، فخاطب الملائكة بقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ ثم خاطبهم بقوله: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضا. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (١) بل قد استسلموا لأن يعذبوا. لما كانت اليمين أشرف العضوين فبها يتحالفون ويتعاقدون؛ سموها اليمنى، ومقابلتها الشؤمي؛ فقيل: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي: عن الجهة المحمودة فتنهوننا عن النفقة في سبيل الله وما أشبهها من جهات الخير. ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: أعرضتم من قبل أنفسكم. ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ﴾ تسلط (بل كنتم مختارين للطغيان) ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ﴾ العذاب ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ﴾ فحببنا إليكم الغي على الفساد. ﴿إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ لتكونوا أمثالنا في الغي. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ الأتباع والمتبوعين ﴿فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا﴾ سمعوا بكلمة التوحيد اشمأزوا. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ كقوله: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٢). ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾

стр. 853

﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ﴾ لكن عباد الله، وفسر الرزق المعلوم بالفواكه، والفاكهة: كل ما يتلذذ به يريد: مستغنون عن الأقوات بما أوتوا من التركيب المحكم، ويجوز أن يراد بالرزق المعلوم أنه منعوت بأوصاف عظيمة من طعم ولون ورائحة (٢١٧ /أ). وقيل: معلوم الوقت؛ كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (١). ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ أي: يقال لهم: إنكم حقيقون بالفاكهة السنية، ودخول الملائكة عليهم بالتحية. التقابل أتم للسرور والأنس. وقيل: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. يقال للزجاجة فيها الخمر: كأس، وتقول: شربت خمرها. وقيل: كل كأس في القرآن فالمراد بها الخمر. ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ من كأس مشروبها معين. ﴿بَيْضاءَ﴾ صفة للكأس. ﴿لَذَّةٍ﴾ إما مبالغة، وكأنها عين اللذة أو مضافا محذوفا؛ كأنه قال: ذات لذة. الغول: من غاله يغوله، إذا أهلكه، ومنه الغول الذي في أكاذيب العرب (٢). و ﴿يُنْزَفُونَ﴾ على البناء للمفعول من نزف الشارب إذا ذهب عقله، ونزحت الركية حتى نزفتها، أي: لم أترك فيها ماء، وقرئ "ينزفون" بضم الياء وكسر الزاي (٣) يقال: أنزف الشارب: إذا ذهب عقله. ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قصرت أبصارهن على أزواجهن ﴿عِينٌ﴾ جمع عيناء، أي: واسعات العيون؛ شبههن ببيض النعام المكنونة في الأداحي (٤) وبها تشبه العرب النساء، وتسميهن بيضات الخدور.

стр. 854

﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١) أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ (٦٣)﴾ وإنما عطف بالفاء في قوله: ﴿فَأَقْبَلَ﴾ في هذه الآية؛ لأنه لما وصفهم بأنهم مكرمون في جنات النعيم أتبع ذلك حالة المتحدثين على الشراب؛ يتحدثون بما يسر جلساءهم. قرئ "لمن المصدّقين" بالتشديد، أي: يتصدقون على المحتاجين، وبالتخفيف في الصاد من التصديق (١). وقيل: نزلت في رجلين تصدق أحدهما بجميع ماله فافتقر؛ فسأل صاحبه أن يعينه بشيء، فقال له: وأين مالك؟ فقال: تصدقت به كله؛ أرجو به ثواب الله؛ فقال: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ الآية، والله لا أعطيك شيئا (٢). ﴿لَمَدِينُونَ﴾ لمجزيون، من الدين وهو الجزاء، قال ذلك القائل وهو في الجنة لأصحابه الذين معه: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ معي، فينظرون ﴿فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: في وسط الجحيم، فقال له: تالله لقد كدت أن ترديني وتهلكني. وقيل: القائل الله سبحانه. ﴿إِنْ﴾ هي المخففة من الثقيلة، وهي تدخل على نواسخ الابتداء، واللام هي الفارقة بين النافية والمثبتة. ﴿وَلَوْلا﴾ عصمة ربي (٢١٧ /ب) ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في العذاب ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ كما زعمت ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يعني: إن هذا التخلص مما عذب به الكفار، ومن تبكيت المؤمن للكافر - لهو الفوز العظيم. ﴿خَيْرٌ نُزُلاً﴾ خير حاصلا، وحاصل الرزق المعلوم التلذذ والسرور، و ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ الحزن والغم. ويجوز أن يكون حالا؛ كقولك: هذا رطبا خير منه بسرا. والنزل: ما يقام من الطعام والشراب وغيرهما. وقوله: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً﴾ تبكيت على اختيارهم الباطل.

стр. 855

﴿فِتْنَةً﴾ محنة؛ وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة، ودأب النار أن تحرق الشجر فكذبوا؟! وقيل: إن منبتها في أصل الجحيم، وفروعها تأتي على جميع دركاتها، وشبه الطلع برؤوس الشياطين، ولم يرها؛ لأن المركوز في النفوس أن الشياطين في غاية القبح؛ وهو من تشبيه المحسوس بالمعقول. وقيل: الشيطان حية عرفاء لها عرف. ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣)﴾ ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ بطونهم؛ لما غلبهم من الجوع أو يكرهون على أكلها، وهو نوع من العذاب. يشربون عليها من ماء شديد الحرارة، إذا صب عليهم أذاب شحم بطونهم، وجاء ب "ثم" ليدل على أن بشاعة الشراب أشد من بشاعة الطعام، ثم إن مصيرهم ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ لأنهم قلدوا في عقائدهم الفاسدة آباءهم. ﴿أَلْفَوْا﴾ وجدوا آباءهم ﴿ضالِّينَ﴾ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أي: يذهب بهم ذهابا شديدا. ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ﴾ قبل قومك ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهم أمم الرسل ﴿مُنْذِرِينَ﴾ أنبياء بعثوا إلى قومهم؛ فكذبوا فأهلكوا. لما ذكر سبحانه ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ وهم الكفار المكذبون، شرع في قصة نوح ومن بعده من الرسل كإبراهيم وإسحاق وإدريس ولوط ويونس فقال: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ أي: استغاث بنا ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ نحن ﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ﴾ من الغرق. ﴿هُمُ الْباقِينَ﴾ يعني أنه لم يبق ممن حمله نوح في السفينة ممن له نسل. روي أنه لم يبق ممن جعل في السفينة مع نوح أحد من المؤمنين به (١).

стр. 856

﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ ثناء حسنا، وفي المأثور من رقية العقرب أن يقال في آخرها: سلم ﴿عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ (١)، وقوله في العالمين: يعني أن هذا الثناء عليه والتسليم تتعلمه أمم الأنبياء كلهم؛ فعلل ما أكرمه، وكونه موصوفا بهذه الأوصاف بقوله: ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (٢١٨ /أ) يعني: من سوى نوح وأولاده ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ﴾ نوح، أي: شايعه في أصول الدين أو فروعه، أو شايعه على التصلب في دين الله. وقيل: ما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة. ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ فإن قلت: وبم يتعلق الظرف في قوله: ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ؟﴾ قلت: بما في الشيعة من معنى المتابعة، أو بمحذوف تقديره: اذكر مجيئه ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: سليم من آفات القلوب. وقيل: من الشرك، ولا معنى للتخصيص؛ لأن الأفعال المذمومة ليس بعضها أولى من بعض بالنهي، ومعنى المجيء بقلبه أنه أخلص قلبه للطاعة فكأنه جاء بها. ﴿أَإِفْكاً﴾ مفعول له، أي: أتريدون آلهة غير الله، وإنما قدم المفعول على الفعل للاعتناء وقدم المفعول له على المفعول به؛ لأنه كان الأهم عنده أن يواجههم بأنهم على ضلال وإفك، ويجوز أن يكون ﴿أَإِفْكاً﴾ مفعولا به تقديره: أتريدون أفكا، ثم فسر الإفك بقوله: ﴿آلِهَةً دُونَ اللهِ﴾ ويجوز أن يكون حالا، أي: تريدون آلهة دون الله آفكين. ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ بمن هو الحقيق بالعبادة؛ لأن من كان ربا للعالمين استحق أن يعبد ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾ أي: بأي سبب من الأسباب ادعيتم مشاركته في الإلهية، وأي ظن ذهب بكم إلى ذلك. ويجوز أن يكون المعنى: فما ظنكم برب العالمين أنه يفعل بكم: أيعاقبكم أشد العقوبة أم لا؟ ﴿فِي النُّجُومِ﴾ أي: في علومها أو في أحكامها. سئل بعض الملوك عن مشتهاه؟ فقال: حبيب أنظر إليه، ومحتاج أنظر له، وكتاب أنظر فيه. كان القوم نجّامين فأوهمهم أنه استدل بشيء من أحكام النجوم على أنه سقيم.

стр. 857

﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مشارف للسقم، والسقم: الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى؛ فهربوا عنه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد ففعل بالأصنام ما فعل، وإنما أخبر بأنه سقيم، ولم يكن كذلك. قالوا: إن الكذب جائز في إصلاح ذات البين، وإرضاء الزوج، وفي المكيدة في الحرب (١). وعند المعتزلة: الكذب حرام ويخلص منه بالتعريض، وقد عرض بما يخالف الكذب؛ لأن من في عنقه الموت فهو سقيم (٢). وفي المثل (٢١٨ /ب) كفى السلامة داء (٣). وروي أن رجلا مات فجأة فكثر الناس عنده، فقال قائل: مات وهو صحيح، فقال له أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه (٤). وقيل: أراد: إني سقيم النفس لكفركم. ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ فذهب إليها في خفية، من روغان الثعلب، ﴿إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ إلى أصنامهم بزعمهم؛ كقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ (٥). ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ﴾ فأقبل عليهم مستخفيا، أو فراغ عليهم يضربهم، أو جعل ﴿ضَرْباً﴾ بمعنى ضاربا، على الحال. ﴿بِالْيَمِينِ﴾ يريد ضربا قويا؛ لأن اليمين أقوى الجارحتين. وقيل: بالقوة. وقيل: بسبب الحلف، وهو قوله ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾. ﴿يَزِفُّونَ﴾ يسرعون، ويجوز أن يقال: أزفوا، أي: دخلوا في الزفيف، أو حملوا على الزف وهو الإسراع. فإن قلت: ذكر القصة هاهنا يدل على أنهم أبصروه حالة الزف،

стр. 858

والذي في سورة الأنبياء: أنهم تشوفوا إلى أن علموا؛ فقالوا: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ (١). فجوابه: أن الذين طلبوا معرفة كاسرها كانوا فرقة قليلة، وبعضهم رأى وشاهد فلم ينم عليه؛ بل عرضوا بقولهم: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ وقيل: جوابه: أنه كان يكسرها ويذهب ولا يشعر به أحد، ويكون إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم وسؤالهم عن الكاسر، وقولهم: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾. ﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ أي: خلقكم وخلق ما تعملونه من الأصنام؛ كقوله: ﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ (٢) أي: فطر الأصنام. فإن قلت: كيف يكون الشيء مخلوقا لله معمولا لهم؛ حيث أوقع خلقه وعملهم عليها جميعا؟! قلت: الأصنام جواهر، فأوقع خلق الجواهر لنفسه - سبحانه - وأوقع الصنعة والتشكيل والتخطيط على الصنعة؛ كما تقول: صنع الصانع السوار، وصنع النجار الباب. فإن قلت: فهلا جعلت "ما" في قوله ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾ مصدرية، أي: وعملكم؛ كما تقول المجبرة؟ قلت: أقرب ما يبطل به المذهب أنه يصير التقدير: والله خلقكم وخلق أعمالكم، فكيف ينكر عليهم شيئا صنعه الله؟ (٣)

стр. 859

فإن قلت: هلا زعمت أن "ما" في قوله: ﴿وَما تَعْمَلُونَ﴾ موصولة ويكون المعنى: وخلق العمل الذي تعملونه؟ قلت: يأبى ذلك أن الأولى موصولة قولا واحدا؛ فوجب جعل الثانية كذلك (٢١٩ /أ) حتى لا يتفاوت المراد. ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ (١٠٠)﴾ (الجحيم) النار الشديدة الوقود. وقيل: كل نار على نار، وجمر على جمر فهي جحيم. أرادوا أن يغلبوه بالحجة؛ فلقنه الله جوابهم، ثم أرادوا أن يقهروه ويحرقوه فنجاه الله من النار. أراد بذهابه إلى ربه هجرته، أراد: مهاجرته إلى أرض الشام. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ سيرشدني في ديني؛ كما قال موسى: ﴿كَلاّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (١) وجزم بحصول الهداية بقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ وموسى رجا الهداية بقوله: ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (٢). ﴿هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يريد الولد؛ لأن لفظ الهبة غلب في الولد، وقد جاء في الأخ؛ كقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ (٣) وهناء علي بن أبي طالب لابن عباس حين هنأه بولده علي أبي الأملاك (٤): شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب (٥).

стр. 860

﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤)﴾ وتضمنت بشراه ثلاثة أمور: أحدها: أن بشر بولد ذكر، وأن الولد يعيش إلى أن يبلغ معه السعي، وأنه يكون حليما، وأي حلم أعظم من الصبر على الذبح؛ حيث قال: ﴿يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (١). وقيل: ما أثني على نبي بالحلم كما أثني على إبراهيم؛ لأن الحلم في الناس قليل. ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ في الأشغال والحوائج. وقوله: ﴿مَعَهُ﴾ لا يجوز أن يتعلق ب "بلغ"؛ لأنه يقتضي بلوغهما معا، ولا بالسعي؛ لأنه من صلة المصدر، وصلة المصدر لا تتقدم عليه؛ فبقي أن يكون معمولا لفعل دل عليه المذكور؛ كأن قائلا يقول: فما السعي الذي بلغه معه؟ فقيل: أن يسعى في مهماته ومقاصد أبيه. وقيل: كان عمر الذبيح وقت الأمر بذبحه ثلاث عشرة سنة، وقد حصل منه هذا الحلم العظيم الذي تأباه الطفولية. أتي في المنام فقيل له: اذبح ابنك، ورؤيا الأنبياء وحي، ولهذا قال الذبيح: ﴿قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ فجعل ما رآه في المنام أمرا، فأصبح إبراهيم يتروى في هذه الرؤيا أهي حق، أم أضغاث أحلام؟ فسمي يوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية وقيل: سمي يوم التروية؛ لأن الناس يتروون من الماء، ويذهبون إلى عرفات، ولا ماء في عرفات، فلما أصبح إبراهيم في اليوم الثاني رأى ما عرف به أن المنام صحيح فسمي ذلك اليوم يوم عرفة، ثم رأى في الليلة الثالثة مثل ذلك فهم بنحره (٢١٩ /ب) فسمي يوم النحر. وقيل: إن الملائكة بشرته بغلام، فقال: هو إذن ذبيح لله، فلما وضعته امرأته قالت له الملائكة: أوف بنذرك. فإن قلت: لم شاور إبراهيم ولده في الذبح وهو أمر حتم من الله؟ قلت: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، وإنما شاوره؛ لينظر ما عنده من القلق أو التثبت. ﴿فَلَمّا أَسْلَما﴾ أسلم هذا ابنه، وأسلم هذا نفسه. ﴿وَتَلَّهُ﴾ ألقاه بقوة على الأرض. وروي أن ذلك عند الصخرة التي بمنى. وقيل: في الموضع المشرف على مسجد منى. وقيل: في المنحر الذي

стр. 861

ينحر فيه اليوم. وجواب ﴿فَلَمّا﴾ محذوف تقديره: فلما أسلما وتله وناديناه جرى ما لا يحيط به الوصف من [الخطب] وحيازة ما لا يقدر قدره من الأجر. ﴿(الْبَلاءُ الْمُبِينُ)﴾ الاختبار الذي يضيق فيه العطن، ويقل فيه الصبر، أو المحنة الصعبة التي لا شيء أصعب منها. الذّبح: اسم لما يذبح. وعن ابن عباس: "هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدي به الذبيح" (١).وعن الحسن: فدي بوعل أهبط عليه من ثبير (٢). فإن قلت: من الذبيح؟ قلت: فيه قولان: أحدهما: أنه إسماعيل وبه قال ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وجماعة من التابعين محتجين بأن الكبش والذبيح كانا بمكة، ولم ينقل أن إسحاق وصل إلى مكة، بل إسماعيل، وبنى هو وأبوه البيت. والقول الثاني: أنه إسحاق، وبه قال علي بن أبي طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة، وأن المذبوح هو المبشر به؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ (٣) وقد قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ (٤) وقد ثبت أن المذبوح هو المبشر به، ولأن الله تعالى ما ذكر نبيا في هذه السورة إلا سلم عليه، أو بارك، وقد بارك على إسحاق بقوله: ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما﴾ الآية، ولأن الله بشر إبراهيم بولد، وبأن ذلك الولد يعيش إلى أن يولد له ولد، فلو كان الذبيح إسماعيل لكان يقول: إن الله وعدني أن يعيش هذا حتى يرزق ولدا، ولم يرزق بعد ولدا وأكثر العلماء على أن الذبيح إسحاق (٥). فإن قلت: الله سبحانه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يذبحه؟ قلنا: قد بذل وسعه، وما وصلت قدرته إليه، إلا أن الله سبحانه أباح له الفداء، وسمي من فعل ذلك مطيعا، ولا يسمى عاصيا. فإن قلت: فالله تعالى هو الفادي، وإبراهيم فاد أيضا! قلت: الله تعالى أوجب الذبح، ووهب الكبش (٢٢٠ /أ) فيطلق على الله أنه فاد، وعلى إبراهيم. ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾

стр. 862

﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ قال الله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ وقال: ﴿وَفَدَيْناهُ﴾ فإن قلت: إبراهيم قد قضى ما كلف به، فما وجه الفداء؟ قلت: أن يوجد الصورة المأمور بها، وهي الذبح، وقال في ذكر الأنبياء: ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي قصة إبراهيم كذلك، والمعنى أنه قد سبق ذكر ﴿إِنّا كَذلِكَ﴾ فأغنى ذكره عن إعادته. ﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة؛ كقوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (١) فإن قلت: المبشر به هاهنا مفقود لم يوجد بعد، وقوله: ﴿فَادْخُلُوها﴾ المأمور بدخوله موجود؛ فيبعد تقدير ذكر الحال؛ لأن الحال حلية، وصاحب الحلية غير موجود؟ فجوابه: أنه لابد من تقدير مضاف محذوف، والتقدير: وبشرناه بوجود إسحاق مقدرا له النبوة؛ فيصير مثل قوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ حال ثانية، وهو على سبيل الثناء؛ لأن كل نبي يكون من الصالحين. ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ﴾ يعني: شملتهما نعمنا في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ من الغرق أو من فرعون وظلمه لبني إسرائيل. ﴿الْمُسْتَبِينَ﴾ المستنير، قال الله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ﴾ (٢) ومن جوز أن يكون لفظ التوراة عربيّا يقول: إنها مشتقة من وري الزند: إذا اقتدح نارا.

стр. 863

﴿إِلْياسَ﴾ قيل: هو إدريس النبي، وفي قراءة ابن مسعود (وإن إدريس) (١). وقيل: هو إلياس بن ياسين، من ولد هارون أخي موسى. ﴿بَعْلاً﴾ صنم كان لهم، يعني: أتدعونه إلها؟ وقيل: كان صنم ففتنوا به وعظموه حتى جعلوا له أربعمائة سادن، وجعلوا الأربعمائة أنبياء فكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بالضلال، والسدنة يحفظونه ويعلمونه الناس، وهم أهل بعلبك. وقيل: البعل: الرب. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ (١٣٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ وقرئ "الياسين" (٢) ولعل الياء والنون معنى في لغة السريان، أو لعله جمع إلياس؛ كما قال: الخبيبيّون وهو ولد عبد الله بن الزبير، والمهلبيّون في جمع المهلب؛ وليس ذلك بجمع إلياس؛ لأنه لو كانت الألف واللام للجمع لعرف بالألف واللام، ولم يعرف. ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يعني: أسلبتم العقول فلا تعقلون؟ ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ سمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا على المجاز. والمساهمة: القرعة، والمدحض: المغلوب. روي أن يونس لما ركب السفينة فقال البحار: إن الله أجرى العادة

стр. 864

أنه إذا كان في هذا المركب عبد آبق لا تسير؛ فقال يونس: أنا العبد الآبق، وزج نفسه في الماء. ﴿مُلِيمٌ﴾ وهو داخل في الملامة (٢٢٠ /ب) ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ من الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح. وقيل: قوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١). وعن ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن فهو صلاة" (٢) وهذا دليل على أن الله طلب من العبد أن يكثر من ذكره في وقت المهلة، ويتخذ ذلك عدة للشدائد. ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ الظاهر لبثه فيه حيا إلى يوم القيامة. وقال قتادة: ولولا ذلك لكان قبرا (٣). وروي أن الله تعالى أوحى إلى الحوت حين ابتلعه: إني جعلت بطنك له سجنا، ولم أجعله لك طعاما (٤). قيل في مدة لبثه: أربعون يوما. وقيل: عشرون. وقيل: سبعة أيام. وعن الحسن: لم يلبث إلا قليلا ثم أخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقمه فيه. وروي أنه لبث يسيرا والحوت يلاحق السفينة، ويونس يسبح حتى وصل إلى قريب البر فألقاه سالما لم ينخدش منه شيء (٥). وروي أن الحوت قذفه من الموصل يقال لها: نينوى (٦). ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)﴾ والعراء: المكان الخالي من الشجر. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ عليل مما حل به. وروي أن بدنه صار كبدن الصغير حين يولد. واليقطين: كل ما سرح على وجه الأرض وليس له ساق.

стр. 865

وقيل: هو الدباء (١). وقيل: فائدة الدباء أن الذباب لا يجتمع عليه. وقيل: التين. وقيل: الموز، تغطى بورقه وأكل ثمره. وروي أنه مر [زمان] (٢) على الشجرة فيبست. قيل: فقيل له: بكيت على شجرة ولم تبك على مائة ألف في يد الكافر (٣). ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ﴾ أي: أنبتناها عالية عليه حتى يستظل بها. ﴿وَأَرْسَلْناهُ﴾ ليس المعنى أنا جددنا له نبوة ورسالة، بل هذا تتمة رسالته الأولى. وقيل: هو إرسال ثان إلى قومه الأولين وإلى غيرهم. وقيل: أسلموا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى؛ لأن الأنبياء إذا هاجروا من أرض لبعدهم من المعاصي لا يرجعون إليها. ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ المراد به وصفهم بالكثرة، أي: ومتى وقع نظر ناظر إليهم قال: هم مائة ألف أو يزيدون. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ معطوف على مثله في أول السورة، أمر الله رسوله ﷺ باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض، ثم أمره بسؤال عن القسمة الضيزى (٤) وهي جعلهم الملائكة بنات الله، وآيات القرآن مترادفة على إنكار جعل الملائكة إناثا، وإنما خص علم المشاهدة بقوله: (٢٢١ /أ) لأنه تهكم بهم، وقد قال تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ والولد يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ﴾ أي: حجة، وهذه الآيات دليل على إنكار بليغ وغضب شديد لما ذكروه، وعن الملائكة وجعلهم بنات الله، وقد نوع الكلام أنواعا وبالغ فيه بالوعيد الشديد؛ فعليك أن تشمر عن ساق للاجتهاد، وتوقر جلال الله وعظمته عما لا يليق به.

стр. 866

﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ وأراد بالجنة الملائكة، والملائكة يسمون جنا؛ لاستتارهم عن العيون، وإنما جاء هاهنا بلفظ الجن؛ لأنه أنقص أسمائهم رتبة، والمراد في هذا المقام تنقيص قدرهم من أن يبلغوا رتبة ما ادعته قريش من نسبتهم إلى الولادة وأن يخطر ذلك ببال. ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ يعني الشياطين منهم ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع من المحضرين، والمعنى: لكن المخلصون ناجون ويجوز أن يقع الاستثناء من الضمير في قوله: ﴿يَصِفُونَ﴾ أي: سبحان الله عما وصفه الملحدون به؛ لكن ما وصفه به عباد الله المخلصون فإنه حق. الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ لله - تعالى - والتقدير: فإنكم ومعبوديكم ﴿ما أَنْتُمْ﴾ جميعا ﴿بِفاتِنِينَ﴾ على الله، إلا أصحاب النار ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ﴾ مثلكم، أو هو كما قال الشاعر [من الوافر]: فإنّك والكتاب إلى عليّ ... كدابغة وقد حلم الأديم (١) وقرئ ﴿صالِ الْجَحِيمِ﴾ (٢) وفيه وجهان: أن يكون مرفوعا وسقطت الواو؛ لالتقاء الساكنين، وأن يكون أصله صايل، فقلبت إلى صال؛ كقولهم: شاك السلاح، أي: شايك. ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)﴾

стр. 867

﴿مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ في العبادة والانتهاء إلى أمر الله؛ كما قيل في صفتهم: منهم راكع لا يقيم صلبه، وساجد لا يرفع رأسه. ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ نصف أقدامنا في الهواء وأجنحتنا في السماء والأرض ننتظر ما نؤمر به. وقيل: إن المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة من حين نزلت هذه الآية، وليس أحد من الملل يصطفون في الصلاة إلا المسلمون والمسبحون: المنزهون أو المصلون. ﴿كانُوا﴾ (١) مشركو قريش يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٢١ /ب)، أي: كتابا من كتب الأولين لأخلصنا العبادة لله، ونظيره: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ (٢). ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة تكذيبهم، و ﴿وَإِنَّ﴾ من الثقيلة، واللام هي الفارقة. وفيه دليل على توكيد الأمر، وأنهم لا ينفكون عن طاعة الرسول إذا جاءهم. ﴿كَلِمَتُنا﴾ هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾. وسماها كلمة وهي كلمات؛ لأنها في نصرة بعضها بعضا كالشيء الواحد ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ في العاقبة وغالب الأمر. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)﴾ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ فأعرض وأغمض على أذاهم. ﴿حَتّى حِينٍ﴾ وهي مدة الكف عن القتال. وقيل إلى الموت. وقيل: إلى يوم بدر. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ وستشاهد ما يحل بهم من النكال وعقوبة الآخرة. ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما يقضى لك من النصرة، والمراد بالأمر بالإبصار كأنه يشاهد الأمر على صورته وأنه كائن لا محالة. ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ سمي صباحا؛ لأنها أكثر ما تكون في وقت الصبح. وقيل: لما جاء النبي ﷺ إلى خيبر وخرجت اليهود بمساحيهم (٣) ومكاتلهم (٤) فرأوا رسول الله ﷺ وأجناده فقالوا: محمد والخميس معه،

стр. 868

ورجعوا إلى حصونهم، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر: خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" (١).وقيل: أريد بأحد الإبصارين عقوبة الدنيا، وبالآخرة عقوبة الآخرة. أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها. وقيل: المراد أنه المتصرف في العزة، وهو مالكها يؤتيها من يشاء؛ لقوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ (٢) وقوله: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾ خبر، والمراد: تعليم العباد كيف يسبحون الله وينزهونه. وعن علي بن أبي طالب: "من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى فليكن آخر كلامه إذا قام من المجلس: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ إلى آخرها" (٣). ***

стр. 869

تفسير سورة ص [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣)﴾ ﴿ص﴾ على الوقف، وهو المشهور، وقرئ بالكسر والفتح (١) كأمس، وأين، ويجوز أن ينتصب بحذف حرف القسم واتصال فعله (٢٢٢ /أ) كقولهم: الله لأفعلن. وامتنع صرف ﴿ص﴾ لأن فيها سببين: العلمية والتأنيث. فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ؟﴾ قلت: إذا أريد بالحروف التي في أوائل السور أنها لبيان الإعجاز، وأن القرآن مركب من الحروف التي تنظمون منها كلامكم وعجزتم عن الإتيان بمثله، ويجوز أن يكون المراد: وحق ﴿ص﴾ إن القرآن لمعجز لا يمكن أن يقابل بالتكذيب والشقاق. ثم القرآن يجوز أن يراد به هذه السورة، ويجوز أن يراد به جميع ما نزل. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يكذبون عنادا وتكبرا، وقد أهلك الله تعالى أممّا كذبوا رسلهم كما فعل قومك، وسيحل بقومك ما حل بهم في الدنيا والآخرة؛ كما تقول: مررت بزيد والنسمة المباركة، ولا تريد غير زيد. والذكر: الشرف أو الموعظة أو الشهرة؛ من قولك: فلان مذكور، أي: مشهور، والتنكير في ﴿عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ للدلالة على عظمتها وبلوغها الغاية القصوى. وقرئ "في عرة" بالعين والراء (٢) أي: في غفلة. ﴿كَمْ أَهْلَكْنا﴾ وعيد شديد لأهل مكة. ﴿فَنادَوْا﴾ فاستغاثوا. وقرئ (نادوا بالتوبة) (٣) وليس الحين حين مناص، وتغير بذلك حكمها؛ حيث صارت لا تدخل إلا على الأزمنة، ولا يجوز ذكر اسمها وخبرها مع

стр. 870

وخبرها مع دخول التاء عند الخليل وسيبويه (١) وإنما يظهر أحدهما. وقيل: ﴿حِينَ مَناصٍ﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: ولا أرى حين مناص، ويجوز رفع الحين بالابتداء، أي: ولا حين مناص كائن لهم، وأنشد أبو زبيد الطائي [من الخفيف]: طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن لات حين بقاء (٢) والكسر في (أوان) مثله في قوله [من الوافر]: نهيتك عن طلابك أم عمرو ... بعافية وأنت إذ صحيح (٣) في أنه ظرف زمان قطع منه المضاف إليه، وعوض التنوين؛ لأن الأصل: ولات أوان صلح. وإذا وقفت على ﴿وَلاتَ﴾ فالمختار أنك تقف عليها بالتاء؛ كما تقف على قامت وخرجت. وقال الكسائي: يوقف عليها بالهاء كما تقف على التاء في عائشة وفاطمة (٤). وأما قول أبي عبيد: إن التاء داخلة على حين فلا وجه له (٥). والمناص: المنجى. ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦)﴾ ﴿مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ من أنفسهم. ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ﴾ (٢٢٢ /ب) ولم يقل: "وقالوا"؛ إظهارا للغضب والتعجب من تكذيبهم الرسول ﷺ الذي دلت المعجزة على صدقه، ويتعجبون من التوحيد، وهو الحق الذي لا محيد عنه. وروي أن أكابر قريش من الكفار اجتمعوا عند أبي طالب، وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا

стр. 871

وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، يريدون الذين دخلوا في دين الإسلام، وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك؛ فاستحضر أبو طالب رسول الله ﷺ وقال: يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونك السواء؛ فلا تمل كل الميل على قومك فقال ﷺ : ماذا يسألونني؟ قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك؛ فقال ﵇: أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم، أمعطيّ أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم؟ قالوا: نعم وعشرا؛ أي: نعطيكم وعشر كلمات معها. فقال: قولوا لا إله إلا الله. فقاموا، وقالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً﴾ أي: بليغ في العجب (١). وقرئ" عجّاب "بالتشديد (٢) كقوله: ﴿مَكْراً كُبّاراً﴾ (٣). وهو أبلغ من الخفيف، وقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً﴾ مثل قوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾ (٤) في كون الجعل بمعنى التصيير. ﴿الْمَلَأُ﴾ أشراف قريش؛ يريد: وانطلق الملأ عن مجلس أبي طالب قائلين: ﴿اِمْشُوا﴾ واصبروا على عبادة آلهتكم ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ يريد الله إحكامه وإمضاءه، وما أراد الله كونه فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو أن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر لا مرد له، أو أن دينكم شيء يراد، أي: يطلب لتغلبوا عليه ويؤخذ منكم. و ﴿أَنِ﴾ بمعنى أي؛ لأن المنتقلين عن مجلس المقاولة لا ينفكون عن المجاوزة ببعض ما جرى غالبا. ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣)﴾ ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ ملة النصارى؛ لأنها آخر الملل، وهم يعتقدون التثليث. ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا﴾

стр. 872

﴿عَذابِ﴾ بعد، ولو ذاقوه لما قالوا ذلك. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ﴾ يعني: ليس عندهم تلك الخزائن، ثم أتى بأبلغ من ذلك فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى يتصرفوا في اختيار الرسل، وفي الأمور العظيمة، أي: إذا كان كذلك ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ إلى السماوات (٢٢٣ /أ) ويدبروا أمرها، ثم انتقصهم فقال: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ أي: ما هم إلاّ جند من جملة المتحزبين على الرسل وهم منهزمون؛ كقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (١) أي: عما قريب فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث بما يهذون، و" ما "مزيدة في قوله: ﴿جُنْدٌ ما﴾ و ﴿هُنالِكَ﴾ إشارة إلى المكان الذي وضعوا فيه أنفسهم من الهجوم على مثل ذلك العظيم. قوله: ﴿ذُو الْأَوْتادِ﴾ مأخوذ من ثبات الخيمة بأوتادها، قيل: ثابت الأوتاد؛ استعير ذلك لثبات الملك وقوته؛ كما قال الشاعر [من الكامل]: في ظلّ ملك ثابت الأوتاد (٢) ... وقيل: كان يشبح المعذب بين أربعة سوار؛ كل طرف من طرفه إلى وتد، ثم يعاقبه فلا يستطيع عن نفسه دفعا، ويتركه حتى يموت مشبوحا (٣). وقيل: يتركه بين أربعة أوتاد ويسلط عليه الحيات والعقارب. وقيل: كانت له أوتاد وحبال وملاعب يلعب بها بين يديه ﴿أُولئِكَ الْأَحْزابُ﴾ إشارة إلى الأمم الذين كذبوا أنبياءهم فهلكوا؛ فذكرهم أولا بالعموم ثم خصهم واحدا واحدا فقال: نوح وعاد وفرعون وأصحاب الأيكة وغيرهم، وذلك دليل على الاعتبار بذكر تكذيبهم وعذابهم ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾. ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ (١٧) إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨)﴾ ﴿هؤُلاءِ﴾ أهل مكة أو هو إشارة إلى جميع الملل المكذبة. ﴿ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ ما لها من

стр. 873

رجوع، وقرئ بضم الفاء (١) أي: بمقدار حلب ناقة، ورضعتي الراضع، يعني: إذا حلّ وقتها لم يستأخر هذا القدر من الزمان؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ (٢) وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من أفاق المريض إذا رجع إلى الصحة (٣). القط: القسط من الشيء؛ لأنه قطعة منه؛ تقول: قط الشيء، بمعنى: قطعه، ويقال لصحيفة الجائزة: قط؛ لأنها قطعة من القرطاس، وقد فسر ذلك قوله : ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ أي: نصيبنا من العذاب الذي وعدت به؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ (٤) ووجه مطابقة قوله تعالى: ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ لقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أنه عبد عظيم أنعم الله عليه وزل زلة وقع فيها في أمر عظيم حتى ضرب له المثل بالنعاج وسجد يبكي حتى (٢٢٣ /ب) نبت العشب من دموعه؛ أي: واذكر عبدنا داود ابتلي فصبر. والأيد: القوة، ويقال للقوى: أيد. ﴿أَوّابٌ﴾ رجاع إلى الله تعالى؛ من آب يئوب؛ إذا رجع، ثم شرع يذكر ما أنعم به عليه فقال: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ قوة الشمس وذلك بعد ارتفاعها قيد رمحين وقيل: هي صلاة الضحى، صلاة الإشراق، يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت تشرق إشراقا. وروت أم هانئ أخت علي بن أبي طالب: "أن النبي ﷺ صلى في بيتها صلاة الإشراق" (٥). ويجوز أن يريد بأشرق أنه دخل في وقت الشروق؛ كقوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ (٦). وقوله : ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ (٧) وكانت العرب تقول: أشرق ثبير كيما

стр. 874

نغير (١). و ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في معنى مسبحات؛ على الحال. والفرق بين "يسبحن" و "مسبحات" أن الفعل المضارع يدل على التكرار، والتسبيح كان يتكرر من داود من الجبال وأما اسم الفاعل في قولك: مسبحات، فلا يدل على ذلك؛ لأن التسبيح صفة ثابتة تقول في الصغير ابن سبع سنين: هذا يطول، وتقول لابن أربعين سنة: هذا طويل، ف "يسبحن" يدل على التكرار. ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)﴾ ﴿أَوّابٌ﴾ رجاع إلى الله تعالى بالتسبيح والاستغفار، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ يجوز أن يرجع الضمير إلى داود؛ أي: كل يسبح تسبيحه. وقيل: إلى الله تعالى، أي: كل يسبح الله تعالى. ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قويناه، وكان يثبت حول محرابه أربعون ألفا عليهم الزرد (٢). وقيل: إنما شد ملكه لأن رجلا ادعى على رجل أنه غصبه بقرة فأنكره، فسأل داود ربه بماذا يحكم؟ فأوحى الله تعالى إليه أن اقتل المدعى عليه؛ فأخبره داود أن الله تعالى أمر بقتله فقال: إني لم أوخذ بهذا الذنب، ولكني قتلت أبا هذا المدعي، فقتله داود، فاشتد ملكه، وقال الناس: من أذنب ذنبا أعلم الله تعالى به داود؛ فعظم ملكه بذلك. ﴿الْحِكْمَةَ﴾ الزبور والشرائع. وقيل: كل كلام وافق الحق فهو حكمة. الفصل: التمييز بين الشيئين. ويقال: الكلام البين فصل؛ بمعنى مفصول، ويجوز أن يراد بالفصل: الفاصل؛ تسمية لاسم الفاعل بالمصدر. وقيل: قولك: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" (٣) وهو من الفصل بين الحق والباطل (٢٢٤ /أ) ويدخل فيه قول بعضهم: فصل الخطاب قوله: أما

стр. 875

بعد (١)؛ لأنها فصلت ما بعدها عما قبلها. ويجوز أن يراد ب ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ الذي ليس بطويل ممل، ولا قصير مخل. كان أهل زمان داود يسأل بعضهم بعضا أن ينزل عن امرأته ليتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك؛ فوقعت عين داود على امرأة رجل يقال له أوريا؛ فسأله النزول عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل ذلك؛ فتزوجها وهي أم سليمان؛ فضرب له المثل بما في الكتاب العزيز. وقيل: خطبها أوريا فأجابوه، ثم خطبها داود فاستحيا وليها فزوجها من داود ﵇؛ فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه (٢). وقيل: إن داود كان يغلق عليه قصره ويتعبد المدد؛ فأغلق بابه عليه مرة فتسلق شخصان يريدان قتل داود ﵇ فأحس بهما، وكان شديد القوة يقدر عليهما فتمحلا كذبة، وقالا: نحن خصمان بغى بعضنا على بعض؛ فعلم أنهما تحيلا بدعوى المحاكمة؛ فأراد قتلهما، ثم قال: لا أقتلهما بالظن؛ فاستغفر ربه مما هم به من ذلك. وإذا تأملت القرآن العظيم وجدته يدل على هذا القول الأخير من وجوه كثيرة تقارب ثلاثين دليلا: أولها: قوله: ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ﴾ ولا يقال: اصبر واذكر داود الذي أحب امرأة فسعى حتى حصلت له، بل معناه: اصبر كما صبر داود على الشلحين (٣) ولم يأمر بقتلهما، وكذلك قوله: ﴿ذَا الْأَيْدِ،﴾ أي: القوة، والقوة تعم قوة الدين، وقوة البدن، ومن عنده مسكة من دين لا يفعل مثل ذلك، ومنها قوله: ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ﴾ ومثل هذا المذكور في صفاته وما وهبه الله من الكرامات أمر عظيم لا يقرن بالذم؛ فإنك لو قلت: زيد عالم خيّر مخصوص بالكرامات العظيمة أحب امرأة فسعى في فراقها من زوجها حتى تزوجها لم يكن كلاما متناسبا. ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا﴾

стр. 876

﴿أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ يدل على ذلك؛ فإن الملك لا يحتاج إلى التسلق، وأيضا قوله: ﴿خَصْمانِ﴾ لا يليق بالملائكة أن يكذبوا، ويجعلوا أنفسهم خصوما، وكذلك لا يبغي بعضهم على بعض وكذلك قوله: ﴿فَقالَ أَكْفِلْنِيها﴾ والملائكة لا تكفل غنما. ﴿وَعَزَّنِي﴾ (٢٢٤ /ب) غلبني تقول العرب: من عز بز (١) أي: من غلب سلب، والملائكة لا يغالب بعضهم بعضا، وإنما استغفر داود من همه بقتل الرجلين بغير بينة. ﴿وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ﴾ عن الساجد بالراكع؛ لأنه ينحني كالساجد، واحتج به أبو حنيفة وأصحابه على قولهم: إن الركوع في سجود التلاوة يقوم مقام السجود (٢). ويجوز أن يكون أحرم بركعتين ليستغفر عقيبهما ما جرى، والصلاة تسمى ركوعا وسجودا. وقيل: إنه أقام ساجدا أربعين ليلة وكان لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة، أو ما لا بد منه ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه إلى رأسه، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دمعه، وجهد نفسه واشتغل بالبكاء والتوبة عن مملكته حتى وثب ابن له يقال له [إيشا] (٣) على ملكه، ودعا إلى نفسه؛ فلما غفر لداود حارب ابنه وهزمه (٤). وروي أنه نقش خطيئته في كفه حتى لا ينساها (٥). ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٣٠) إِذْ﴾

стр. 877

﴿عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)﴾ ﴿خَلِيفَةً﴾ في تنفيذ أحكام الله تعالى. وقيل: خليفة عمن كان ملكا، وفيه دليل على أن حاله عادت بعد التوبة إلى ما كانت عليه لم تتغير. وعن عمر بن عبد العزيز: قيل له: إن الخليفة لا يجري عليه القلم. فقال: أيهما أعظم: الخليفة أم النبي؟ فقيل له: النبي. فتلا عليهم قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ﴾ (١). قوله: ﴿باطِلاً﴾ أي: لا لغرض صحيح ولا حكمة ظاهرة، وهي معاقبة المسيء وإثابة المحسن، وإلا فنحن نرى رجلا صالحا من المسلمين يظلم ويؤخذ ماله ويبقى فقيرا إلى أن يموت، ويبقى الظالم غنيا بما أخذ من المال، فلو لم يكن ثم آخرة يستوفي فيها للمظلوم حقه لكان خلق السماوات والأرض باطلا مخالفا للحكمة: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: مظنوهم، وكانت الكفار معترفين بأن الله ﷻ خلق السماوات والأرض، فكيف يزعمون أنه خلقها باطلا؟ وإنما كان كذلك لأن من جحد الحكمة في خلق العالم والثواب والعقاب؛ فقد جعل التصرف باطلا، ولولا الثواب والعقاب لاستوى حال المؤمن والكافر. والصفون (٣) لا يكاد يوجد إلا في الخيل العراب، ولا يوجد (٢٢٥ /أ) في الهجن التي ليس لها أصل في عراقة الخيل. ووصفها بالتمام إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا في جريها. وروي أن سليمان ﵇ غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس. وروي أنه ورثها من أبيه، وأصابها أبوه من العمالقة. وقيل: خرجت من البحر ولها أجنحة فقعد يوما بعد ما صلى الأولى على سريره، واستعرضها فلم يزل يعرض عليه حتى غربت الشمس، وغفل عن العصر أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشاء وتهيبوه فلم يعلموه فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها؛ تقربا إلى الله تعالى، وبقي مائة فما في أيدي الناس من الخيل الجياد من نسلها. وقيل: لما عقرها أبدله الله خيرا منها وهي الريح تجري بأمره (٤).

стр. 878

﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)﴾ ﴿أَحْبَبْتُ﴾ معناها: أنبت، أي: أنبت فعل الخير ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أو جعلت حب الخير مجزئا أو مغنيا ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ وقيل: إن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى لزمت. مثل بعير السوء إذ أحبّا (١). و ﴿الْخَيْرِ﴾ المال؛ لقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ (٢) ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٣) والمال: الخيل التي شغلته عن الصلاة، أو: سمي الخيل خيرا؛ كأنها نفس الخير؛ لتعلق الخير بها قال ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير" (٤).وسأل رجل بلالا عن أناس يستبقون من السابق؟ فقال: "رسول الله ﷺ . فقال له الرجل: أردت الخيل؛ فقال بلال: وأنا أردت الخير ﷺ " (٥).والتواري بالحجاب: مجاز في غروب الشمس، والضمير في الشمس ولم يجر لها ذكر. وقيل: الضمير للصافنات، أي: توارت بظلمة الليل، ومن بدع التفاسير أن الحجاب: جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه (٦). ﴿فَطَفِقَ﴾ فشرع يضرب أعناقها بالسيف، ويقال: كسف عراقبيها بالسيف (٧)، وضرب أعناقها وهي كسف بالسين المهملة، ومن رواه بالشين فقد وهم. وقيل: مسحها بيده؛ استحسانا لها وإعجابا بها. وقرئ "بالساق" (٨) لأمن اللبس.

стр. 879

﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤)﴾ قيل: فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة، ورزق سليمان ابنا فقالت الجن: إن عاش هذا الولد دامت السخرة علينا فنقتله أو نخبله، فعلم ذلك؛ فصار يغذوه في السحاب، فما راعه إلا وقد ألقي على كرسيه ميتا فتنبه على خطئه في أنه لم يتوكل على الله فاستغفر ربه وتاب إليه. وروي عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان ﵇ (٢٢٥ /ب):" لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. ولم يقل: إن شاء الله تعالى. فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة فجاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " (١) حكي من أخذ الشيطان خاتم سليمان وجلوسه على كرسي سليمان واجتماعه بنسائه فالله أعلم بصحته (٢). وروي أن سليمان بلغه أن ملك صيدون، وهي من مدن جزائر البحر وأن لها ملكا عظيما لا يقدر عليه؛ لتحصنه بالبحر فخرج إليه تحمله الرياح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وسبى بنتا له يقال لها جرادة، كانت من أحسن الناس وجها؛ فاصطفاها لنفسه، وأسلمت وأحبها، وكانت لا يرقأ دمعها؛ حزنا على أبيها فمثلوا لها صورة أبيها فكانت إذا خرج سليمان تغدو هي وجواريها فيسجدون له فأخبر آصف سليمان ﵇ بذلك، فكسر الصورة، وعاتب المرأة، ثم خرج وحده إلى فلاة ففرش له الرماد، وجلس عليه يبكي ويتضرع، وكانت له أم ولد يقال لها أمينة، وكان يضع خاتمه عندها إذا أراد جماع غيرها، أو دخول الخلاء، وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوما، وأتاها شيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم، فأخذه وجلس على كرسي سليمان، وعكفت عليه الجن والطير والوحش، وكان قد غيرت هيئته فأتى أمينة يطلب الخاتم فأنكرته وطردته؛ فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا

стр. 880

سليمان حثوا عليه التراب وسبوه، ثم عمد إلى السماكين فأعطوه في كل يوم سمكة، فمكث على ذلك أربعين صباحا عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، وسأل آصف نساء سليمان فقلن: ما يدع امرأة منا في دمها، ولا يغتسل من جنابة. وقيل: بل نفذ حكمه في كل شيء إلا في النساء، ثم طار الشيطان، وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة، ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجدا ورجع عليه ملكه وجاب صخرة لصخر فجعله فيها ومد عليه أخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص. وروي أنه لما أراد الله فتنته كان الخاتم يسقط من يده فيلبسه، ثم يعود ويسقط، فقال له آصف: إنك لمفتون بذنبك والخاتم لا يستقر في يدك فتب إلى الله تعالى. ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله، وقالوا: كيف يتصور (٢٢٦ /أ) تسليط كافر جني على نساء سليمان؟ ويتمكن من وطئهن؟ وما روي من الاستغفار من سليمان فهو من تقصيره في عدم كشف أحوال بيته حتى يعبد الشيطان فيها، وهو لا يشعر، وأما اتخاذ التماثيل في منزله فيجوز أن تختلف فيه الشرائع؛ فيجوز في شريعة دون أخرى، ومنه قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ﴾ (١) وأما السجود لغير الله تعالى فلا نظن أن نبيا يأذن فيه، وإذا كان بغير علمه فلا لوم عليه ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ ناب عن معنى إنابة الشيطان منابه نبوا ظاهرا. قدم الاستغفار على استيهاب الملك جريا على عادة الأنبياء والصالحين في تقديمهم أمر دينهم على أمر دنياهم، ولا يتسهّلون في أمر آخرتهم. ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٣٥)﴾ قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، فإن قلت: أما يشبه الحسد والحرص؟ قلت: كان سليمان ناشئا في بيت النبوة والمملكة وارثا لهما؛ فأراد أن يطلب من ربه معجزة فطلب على حسب إلفه ملكا زائدا على الممالك المعتادة من كونه خارقا للعادة بالغا حد الإعجاز؛ ليكون ذلك دليلا على نبوته. وقيل: كان ملكا عظيما؛ فخاف أن يليه بعده من لا يحفظ حدوده؛ كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ الآية (٢). وقيل: ملكا لا أسلبه
следующие страницы →