← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

﴿أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ يدل على ذلك؛ فإن الملك لا يحتاج إلى التسلق، وأيضا قوله: ﴿خَصْمانِ﴾ لا يليق بالملائكة أن يكذبوا، ويجعلوا أنفسهم خصوما، وكذلك لا يبغي بعضهم على بعض وكذلك قوله: ﴿فَقالَ أَكْفِلْنِيها﴾ والملائكة لا تكفل غنما. ﴿وَعَزَّنِي﴾ (٢٢٤ /ب) غلبني تقول العرب: من عز بز (١) أي: من غلب سلب، والملائكة لا يغالب بعضهم بعضا، وإنما استغفر داود من همه بقتل الرجلين بغير بينة. ﴿وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ﴾ عن الساجد بالراكع؛ لأنه ينحني كالساجد، واحتج به أبو حنيفة وأصحابه على قولهم: إن الركوع في سجود التلاوة يقوم مقام السجود (٢). ويجوز أن يكون أحرم بركعتين ليستغفر عقيبهما ما جرى، والصلاة تسمى ركوعا وسجودا. وقيل: إنه أقام ساجدا أربعين ليلة وكان لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة، أو ما لا بد منه ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه إلى رأسه، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دمعه، وجهد نفسه واشتغل بالبكاء والتوبة عن مملكته حتى وثب ابن له يقال له [إيشا] (٣) على ملكه، ودعا إلى نفسه؛ فلما غفر لداود حارب ابنه وهزمه (٤). وروي أنه نقش خطيئته في كفه حتى لا ينساها (٥). ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٣٠) إِذْ﴾

стр. 877

﴿عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)﴾ ﴿خَلِيفَةً﴾ في تنفيذ أحكام الله تعالى. وقيل: خليفة عمن كان ملكا، وفيه دليل على أن حاله عادت بعد التوبة إلى ما كانت عليه لم تتغير. وعن عمر بن عبد العزيز: قيل له: إن الخليفة لا يجري عليه القلم. فقال: أيهما أعظم: الخليفة أم النبي؟ فقيل له: النبي. فتلا عليهم قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ﴾ (١). قوله: ﴿باطِلاً﴾ أي: لا لغرض صحيح ولا حكمة ظاهرة، وهي معاقبة المسيء وإثابة المحسن، وإلا فنحن نرى رجلا صالحا من المسلمين يظلم ويؤخذ ماله ويبقى فقيرا إلى أن يموت، ويبقى الظالم غنيا بما أخذ من المال، فلو لم يكن ثم آخرة يستوفي فيها للمظلوم حقه لكان خلق السماوات والأرض باطلا مخالفا للحكمة: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: مظنوهم، وكانت الكفار معترفين بأن الله ﷻ خلق السماوات والأرض، فكيف يزعمون أنه خلقها باطلا؟ وإنما كان كذلك لأن من جحد الحكمة في خلق العالم والثواب والعقاب؛ فقد جعل التصرف باطلا، ولولا الثواب والعقاب لاستوى حال المؤمن والكافر. والصفون (٣) لا يكاد يوجد إلا في الخيل العراب، ولا يوجد (٢٢٥ /أ) في الهجن التي ليس لها أصل في عراقة الخيل. ووصفها بالتمام إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا في جريها. وروي أن سليمان ﵇ غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس. وروي أنه ورثها من أبيه، وأصابها أبوه من العمالقة. وقيل: خرجت من البحر ولها أجنحة فقعد يوما بعد ما صلى الأولى على سريره، واستعرضها فلم يزل يعرض عليه حتى غربت الشمس، وغفل عن العصر أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشاء وتهيبوه فلم يعلموه فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها؛ تقربا إلى الله تعالى، وبقي مائة فما في أيدي الناس من الخيل الجياد من نسلها. وقيل: لما عقرها أبدله الله خيرا منها وهي الريح تجري بأمره (٤).

стр. 878

﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)﴾ ﴿أَحْبَبْتُ﴾ معناها: أنبت، أي: أنبت فعل الخير ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أو جعلت حب الخير مجزئا أو مغنيا ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ وقيل: إن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى لزمت. مثل بعير السوء إذ أحبّا (١). و ﴿الْخَيْرِ﴾ المال؛ لقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ (٢) ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٣) والمال: الخيل التي شغلته عن الصلاة، أو: سمي الخيل خيرا؛ كأنها نفس الخير؛ لتعلق الخير بها قال ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير" (٤).وسأل رجل بلالا عن أناس يستبقون من السابق؟ فقال: "رسول الله ﷺ . فقال له الرجل: أردت الخيل؛ فقال بلال: وأنا أردت الخير ﷺ " (٥).والتواري بالحجاب: مجاز في غروب الشمس، والضمير في الشمس ولم يجر لها ذكر. وقيل: الضمير للصافنات، أي: توارت بظلمة الليل، ومن بدع التفاسير أن الحجاب: جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه (٦). ﴿فَطَفِقَ﴾ فشرع يضرب أعناقها بالسيف، ويقال: كسف عراقبيها بالسيف (٧)، وضرب أعناقها وهي كسف بالسين المهملة، ومن رواه بالشين فقد وهم. وقيل: مسحها بيده؛ استحسانا لها وإعجابا بها. وقرئ "بالساق" (٨) لأمن اللبس.

стр. 879

﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤)﴾ قيل: فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة، ورزق سليمان ابنا فقالت الجن: إن عاش هذا الولد دامت السخرة علينا فنقتله أو نخبله، فعلم ذلك؛ فصار يغذوه في السحاب، فما راعه إلا وقد ألقي على كرسيه ميتا فتنبه على خطئه في أنه لم يتوكل على الله فاستغفر ربه وتاب إليه. وروي عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان ﵇ (٢٢٥ /ب):" لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. ولم يقل: إن شاء الله تعالى. فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة فجاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " (١) حكي من أخذ الشيطان خاتم سليمان وجلوسه على كرسي سليمان واجتماعه بنسائه فالله أعلم بصحته (٢). وروي أن سليمان بلغه أن ملك صيدون، وهي من مدن جزائر البحر وأن لها ملكا عظيما لا يقدر عليه؛ لتحصنه بالبحر فخرج إليه تحمله الرياح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وسبى بنتا له يقال لها جرادة، كانت من أحسن الناس وجها؛ فاصطفاها لنفسه، وأسلمت وأحبها، وكانت لا يرقأ دمعها؛ حزنا على أبيها فمثلوا لها صورة أبيها فكانت إذا خرج سليمان تغدو هي وجواريها فيسجدون له فأخبر آصف سليمان ﵇ بذلك، فكسر الصورة، وعاتب المرأة، ثم خرج وحده إلى فلاة ففرش له الرماد، وجلس عليه يبكي ويتضرع، وكانت له أم ولد يقال لها أمينة، وكان يضع خاتمه عندها إذا أراد جماع غيرها، أو دخول الخلاء، وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوما، وأتاها شيطان في صورة سليمان فأعطته الخاتم، فأخذه وجلس على كرسي سليمان، وعكفت عليه الجن والطير والوحش، وكان قد غيرت هيئته فأتى أمينة يطلب الخاتم فأنكرته وطردته؛ فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا

стр. 880

سليمان حثوا عليه التراب وسبوه، ثم عمد إلى السماكين فأعطوه في كل يوم سمكة، فمكث على ذلك أربعين صباحا عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، وسأل آصف نساء سليمان فقلن: ما يدع امرأة منا في دمها، ولا يغتسل من جنابة. وقيل: بل نفذ حكمه في كل شيء إلا في النساء، ثم طار الشيطان، وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة، ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجدا ورجع عليه ملكه وجاب صخرة لصخر فجعله فيها ومد عليه أخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص. وروي أنه لما أراد الله فتنته كان الخاتم يسقط من يده فيلبسه، ثم يعود ويسقط، فقال له آصف: إنك لمفتون بذنبك والخاتم لا يستقر في يدك فتب إلى الله تعالى. ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله، وقالوا: كيف يتصور (٢٢٦ /أ) تسليط كافر جني على نساء سليمان؟ ويتمكن من وطئهن؟ وما روي من الاستغفار من سليمان فهو من تقصيره في عدم كشف أحوال بيته حتى يعبد الشيطان فيها، وهو لا يشعر، وأما اتخاذ التماثيل في منزله فيجوز أن تختلف فيه الشرائع؛ فيجوز في شريعة دون أخرى، ومنه قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ﴾ (١) وأما السجود لغير الله تعالى فلا نظن أن نبيا يأذن فيه، وإذا كان بغير علمه فلا لوم عليه ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ ناب عن معنى إنابة الشيطان منابه نبوا ظاهرا. قدم الاستغفار على استيهاب الملك جريا على عادة الأنبياء والصالحين في تقديمهم أمر دينهم على أمر دنياهم، ولا يتسهّلون في أمر آخرتهم. ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٣٥)﴾ قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، فإن قلت: أما يشبه الحسد والحرص؟ قلت: كان سليمان ناشئا في بيت النبوة والمملكة وارثا لهما؛ فأراد أن يطلب من ربه معجزة فطلب على حسب إلفه ملكا زائدا على الممالك المعتادة من كونه خارقا للعادة بالغا حد الإعجاز؛ ليكون ذلك دليلا على نبوته. وقيل: كان ملكا عظيما؛ فخاف أن يليه بعده من لا يحفظ حدوده؛ كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ الآية (٢). وقيل: ملكا لا أسلبه

стр. 881

ولا يقوم غيري مقامي فيه، ويجوز أن يكون أطلع على أن هذه المملكة اشتملت على مصالح عديدة لا يقدر عليها كل أحد. ومن جرأة الحجاج (١) أنه قيل له: إنك لحسود. فقال: أحسد مني من قال: ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (٢). ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ ﴿رُخاءً﴾ لينة طيبة لا تتزعزع. وقيل: رخاء طائعة له. حكى الأصمعي عن العرب:

стр. 882

أصاب الصواب فأخطأ الجواب (١). وعن رؤبة: أن رجلين من أهل اللغة قصدا له ليسألاه عن هذه الكلمة، فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا، ورجعا (٢). ويقال: أصابك الله بخير. ﴿وَالشَّياطِينَ﴾ عطف على الريح. و ﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾ بدل من" الشياطين " ﴿وَآخَرِينَ﴾ معطوف على ﴿كُلَّ بَنّاءٍ﴾ داخل في حكم البدل، وهو بدل الكل في الكل. كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية، ويغوصون له يستخرجون الدر، وهو أول من استخرج الدر من البحر الملح، وكان يقرن كل شيطانين ماردين في القيود. والصفد: القيد. وقيل: يجمع أيديهم إلى أعناقهم في السلاسل، ومنه [من الطويل]: ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا (٣) ... (٢٢٦ /ب) وتقول: صفده: قيده، وأصفده: أعطاه؛ أي: هذا الذي أعطيناك أنواع من العطاء لا تحصى ولا تحصر ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ متعلق ب ﴿عَطاؤُنا﴾. ﴿فَامْنُنْ﴾ أي: فأعط من شئت. ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عمن شئت، لا تسأل عن ذلك ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ عليك في الآخرة. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣)﴾ ﴿أَيُّوبَ﴾ عطف بيان، و ﴿إِذْ﴾ بدل اشتمال منه ﴿مَسَّنِيَ﴾ انتقل فيه من الغيبة إلى التكلم والنصب: قرئ بضم النون والصاد وبفتحهما وبضم النون وسكون الصاد (٤)

стр. 883

فالنصب والنصب؛ كالرشد والرشد، والمعنى واحد، وهو التعب والمشقة والعذاب الأليم من المرض. وقيل: النصب في البدن، والعذاب: ذهاب الأهل والمال، ونسب المس بالنصب مع أنه ليس له قدرة إلا على الوسوسة؛ قال في موقف القيامة: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ﴾ الآية (١)؛ لأن وسوسته كانت سببا في إغوائهم. وقيل: كان الشيطان يوسوس له ويغويه بالضجر، فالتجأ إلى الله في أن يكفيه ذلك. وقيل في سبب بلائه: إنه كان له غنم في سلطنة ملك كافر؛ فداهنه ولم يغزه. وقيل: إن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه. وقيل: أعجب بكثرة ماله. ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ يعني: اركض الأرض برجلك. ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ يعني: ماء تلك العين التي نبعت فيه منفعتان؛ الغسل فيه، والشرب منه. وقيل: نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما، فذهب ما على ظاهر جسده، وشرب من الأخرى فزال ما في باطنه منه. ﴿رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى﴾ مفعول من أجلهما؛ لأنهما رحمة عليه، وتذكير لمن عرف حاله ليصبر كما صبر. ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٤٤) وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾ ﴿وَخُذْ﴾ معطوف على ﴿اُرْكُضْ﴾. والضغث: الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان، أو غير ذلك. وكان قد حلف ليضر بن امرأته مائة إذا برئ؛ فأفتاه الله تعالى بأن يضرب بالضغث امرأته؛ لأجل خدمتها لأيوب في مرضه، ورضاه عنها، وهذه الرخصة باقية في شرعنا. وعن النبي ﷺ :" أنه أتي برجل كان يعبث ببعض إمائهم، فأمر النبي ﷺ أن يأخذ عثكالا (٢) فيه شمراخ " (٣).وكان سبب حلف أيوب أنه بعثها في حاجة فأبطأت.

стр. 884

وقيل: باعت ذوائبها برغيفين، وكان أيوب إذا أراد أن يجلس تعلق بالذؤابتين، فلما أخبرته أنها باعتهما حلف. وقيل: قال لها الشيطان: اسجدي لي سجدة واحدة، وأنا أرد عليكم أموالكم (٢٢٧ /أ) فهمت أن تفعل فأدركتها العصمة، فذكرت ذلك له فحلف. وقيل: أوهمها الشيطان أنه إذا شرب الخمر برئ، فعرضت له بذلك فحلف. وقيل: قالت له: تقرب للشيطان بعناق (١). ﴿وَجَدْناهُ صابِراً﴾ علمناه صابرا، وسماه صابرا مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لأن هذا ليس بتسخط، ولكنه شكوى إلى الله والتجاء إليه، وذلك لا ينافي الصبر. ﴿إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ عطف بيان ل ﴿عَبْدَنا﴾. ومن قرأ " عبدنا " (٢) جعل إبراهيم وحده عطف بيان، وعطف الباقي عليه. لما كانت الأعمال يزاول بعضها بالأيدي جعل الأعمال كلها بالأيدي؛ كقوله: ﴿خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ الآية (٣) وكذلك هاهنا. ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ أي: أولي الأعمال الصالحة. ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ﴾ أي: بخصلة خالصة؛ أبهمها، ثم فسرها بقوله: ﴿ذِكْرَى الدّارِ﴾ أو أخلصناهم بسبب هذه الخصلة، أو بأنهم أهل لها دون غيرهم. ﴿الْأَخْيارِ﴾ جمع خير، أو جمع" خير "على التخفيف؛ كأموات في جمع ميت وميت. و ﴿وَكُلٌّ﴾ أي: وكلهم من الأخيار. ﴿هذا ذِكْرٌ﴾ أي: هذا نوع من الذكر، وهو القرآن لما أجرى ذكر الأنبياء وأتمه وهو باب من التنزيل، ونوع من أنواعه، وأراد أن يذكر عقيبه بابا آخر وهو ذكر الجنة وأهلها - قال: ﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما يقول الجاحظ في كتابه:" هذا باب "ثم يشرع في غيره والدليل عليه أنه لما أتم ذكر الجنة وأراد أن يشرع في ذكر أهل النار قال: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ﴾ وقيل: معناه: هذا ذكر جميل وشرف يتميزون به على سائر الملل. وقيل: هذا ذكر من مضى من الأنبياء، ومن هو في وقت بعثتي. ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾

стр. 885

﴿وَغَسّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ (٥٩) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ (٦٤)﴾ و ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حال، والعامل فيها معنى الفعل في قوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي "مفتحة" ضمير الجنات؛ أي: مفتحة هي، و ﴿الْأَبْوابُ﴾ بدل من الضمير. وقيل: الألف واللام في "الأبواب" بدل من الإضافة، أي: مفتحة لهم أبوابها؛ كقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ (١). الأتراب: اللاتي ولدن في زمن واحد. وقيل: هن أتراب لأزواجهن أسنانهن كأسنانهن. والغساق: ما يغسق من صديد أهل النار. وقيل: الحميم ما يحرق بحره. والغساق: ما يحرق ببرده. وعن الحسن: أن القوم عملوا أعمال (٢٢٧ /ب) خير وأخفوها؛ فأخفى الله جزاءهم، وعمل العصاة أعمالا فأخفوها؛ فأخفى الله عنهم جزاءها (٢). ﴿وَآخَرُ﴾ (٣) من مثله في الشدة. ﴿أَزْواجٌ﴾ أنواع وأصناف ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ (٤) من شكل المذوق، أو العذاب، ولو قرئ من شكلهما لكان حسنا؛ لأن المذكور قبله حميم وغساق وآخر. ﴿هذا﴾ تخاصم الأتباع والسادة، فيقول الأتباع للسادة: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ فيقولون: إنما تعذبون بضلالكم وبإضلالكم الغير، وتقول لمن تحبه وتتلقاه: مرحبا؛ أي: صادفت منزلا رحبا واسعا، وتقول لمن تدعو عليه: لا مرحبا، أي: لم تصادف منزلا رحبا. وقيل: هذا كلام الزبانية للقادة والسادة معا. وقيل: هذا من كلام الخزنة يحتجون على أهل النار، وأما قولهم: ﴿لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ فهذا يقوله الأتباع للسادة ثم يقول الجميع: ﴿رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ﴾.

стр. 886

﴿رِجالاً﴾ فقراء المؤمنين؛ كخباب وبلال وابن مسعود وغيرهم؛ كانوا إذا مروا بنا نضحك عليهم، ونقول: هؤلاء من الأشرار؛ لأنهم يزعمون أنهم أهل المنازل الرفيعة وكنا نعدهم جهلة. ﴿أَتَّخَذْناهُمْ﴾ دخلت همزة الاستفهام على ألف الوصل؛ فسقطت في الدرج، وإذا ابتدأت قلت: ﴿أَتَّخَذْناهُمْ﴾ ومثله: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ﴾ (١) وكذلك: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ﴾ (٢) وقوله: ﴿أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ له وجهان: أحدهما: أن المراد أهم في النار ولم نرهم؟ فيقولون: ما لنا لا نرى. والثاني: أن يكونوا معترفين بأنهم في النار، ولكن لا يعرفون مكانهم، ويجوز أن تحذف همزة الاستفهام، والتقدير: أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار؟ فتكون "أم" معادلة للهمزة المقدرة؛ كقول الشاعر [من الكامل] كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا (٣). ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: الذي أنبأتكم به من وحدانية الله، ونبوة الرسل بالإعجاز نبأ عظيم أنتم معرضون عن التصديق به والعمل بمقتضاه. ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: ما استفدته من كتب العلم، ولا من مشايخ العلماء، وإنما استفدته من الوحي، وما كان لي من علم بالملأ الأعلى واختصامهم. ﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ﴾ إلا الإنذار، والأصل: إلا للإنذار فحذف الجار وأوصل الفعل، أو التقدير: إن يوحى إلي إلا الإنذار. وقيل: النبأ العظيم: القرآن. وقيل: قيام الساعة (٢٢٨ /أ) ومعنى ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وقت اختصامهم، و ﴿إِذْ قالَ﴾ بدل من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ والمراد ب ﴿بِالْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ أصحاب القصة؛ آدم والملائكة وإبليس، والمقاولة ظاهرا كانت بين يدي الله وبين المذكورين؛ كلمهم فأجابوه ولكن بواسطة ملك؛ فلذلك صحت نسبة المقاولة إلى الله وإلى الجماعة المذكورين.

стр. 887

﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ ﴿فَقَعُوا﴾ فخروا. و ﴿كُلُّهُمْ﴾ للإحاطة ﴿أَجْمَعُونَ﴾ للاجتماع. وقول الزمخشري (١): إن ﴿كُلُّهُمْ﴾ للإحاطة، و ﴿أَجْمَعُونَ﴾ للاجتماع في وقت السجود فيه نظر، وقد أنكره المبرد، وقال: التوكيد يفيد أمرا زائدا على ما أكد به (٢). وسجودهم لآدم على وجه الكرامة لا على وجه العبادة، وإنما استثنى إبليس ولم يكن من الملائكة؛ لأنه أمر بالسجود معهم لآدم، فصار مأمورا كأمر الملائكة ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ وصار بما جرى من الكافرين. و ﴿وَكانَ﴾ تدل على اقتران مضمون الجملة بالزمن الماضي، وليس في ذلك تعرض لانقطاع ذلك المضي أو لدوامه، وقد تقدم وجه المجاز في قوله: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣). وقيل: قوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ أي: بغير واسطة، وهو بعيد وقد أجاب إبليس بأنه من العالين بقوله عن آدم: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ (٤). ﴿فَاخْرُجْ مِنْها﴾ من الجنة أو السماوات أو من الخلقة التي أنت فيها فافتخر بخلقته؛ فغير الله خلقته فاسود بعد ما كان أبيض، وقبح وجهه بعد ما كان حسنا، وأظلم بعد ما كان نورا. والرجيم: المرجوم، وهو المطرود. وقيل: الرجيم: المقتول. وقوله: ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوهم أنه إذا جاء يوم الدين انقطعت اللعنة عنه، وليس كذلك؛ فإنه إذا كان يوم الدين موعده وما فيه من الأهوال والعقوبات؛ فينضاف إلى اللعنة أمور أخر كثيرة، فينقطع انفراد الجزاء باللعنة. فإن قلت: ما الوقت المعلوم الذي أضيف إليه اليوم؟ قلت: الوقت الذي تقع فيه النفخة الأولى، وذلك الوقت جزء من اليوم. ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾

стр. 888

﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ وقرئ ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ﴾ بنصبهما (١) والأول منصوب على حذف حرف القسم؛ كقول الشاعر [من الرجز]: إن عليك الله أن تبايعا (٢) ... وجوابه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ و ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ معترض بين القسم والمقسم عليه، وبرفعهما على أن الأول مبتدأ محذوف الخبر؛ كما في: لعمرك. وبجرهما على أن الأول مقسم به محذوف منه حرف القسم؛ كقولك: الله لأفعلن، والثاني حكاية قول المقسم. وقرئ برفع الأول وجره مع نصب الثاني (٣). ﴿مِنْكَ﴾ ومن جنسك من الشياطين ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ (٢٢٨ /ب) من ذرية آدم. فإن قلت: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد لماذا؟ قلت: يجوز أن يكون توكيدا للضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ وللكاف في ﴿مِنْكَ﴾ وما عطف عليه، أي: لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين، لا أترك منهم أحدا. ﴿عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الضمير للقرآن والوحي. ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ من الذين يتصنعون وينتحلون ما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعا ولا متكلفا. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿لِلْعالَمِينَ﴾. وروي أن رسول الله ﷺ قال: "علامات المتكلف ثلاث: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا يناله، ويقول ما لا يعلمه" (٤). ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أي: في يوم القيامة، أو عند الموت، أو عند ظهور الإسلام وفشوه.

стр. 889

سورة الزمر [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ (٣)﴾ قرئ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ أخبر عنه بالظرف، أو خبر مبتدأ محذوف، والجار صلة ل "تنزيل" كما تقول: نزل من عند الله، أو غير صلة؛ كقولك: هذا الكتاب من فلان إلى فلان، وهو - على هذا - خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره. هذا تنزيل الكتاب، هذا من الله. أو حال من التنزيل؛ عمل فيها معنى الإشارة وبالنصب على إضمار فعل؛ نحو: اقرأ أو الزم (١). والمراد بالكتاب - على الأول - القرآن، وعلى الثاني: السور. ﴿مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ مخلصا من الشرك والرياء، وبصفته السرد، وقرئ: "الدين" بالرفع (٢) وحق من قرأه أن يفتح اللام من "مخلصا"؛ كقوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ (٣). والخالص والمخلص بمعنى واحد، إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ يجوز أن يكون للمتخذين بكسر الخاء، وهم الكفرة، وللمتخذين - بفتح الخاء - وهم الملائكة وعيسى وعزير، والضمير في "اتخذوا" على الأول راجع إلى "الذين" تقديره: والذين اتخذهم المشركون أولياء، و ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ مرفوع على الابتداء، وأما الخبر - فعلى الثاني -: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ﴾ وعلى الأول يجوز أن يكون ﴿إِنَّ اللهَ﴾

стр. 890

﴿يَحْكُمُ﴾ أو ما أضمر من القول قبل هذه الجملة "يقولون" ﴿ما نَعْبُدُهُمْ﴾ الآية. فإن قلت: فإذا كان ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ﴾ خبرا، فما موضع ﴿يَقُولُونَ﴾ المضمر؟ قلت: يجوز أن يكون حالا؟ أي: قائلين ذلك، وأن يكون بدلا من الصلة؛ فلا يكون له محل؛ كما أن المبدل منه كذلك، والضمير في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ لهم ولأوليائهم والمعنى: أنهم كانوا يعبدون الأصنام ويرجون شفاعتها، وأنها تقربهم إلى الله وتلك الآلهة تسحب في نار جهنم وتعذب بالنار؛ إرغاما لمن عبدها، وأنهم أيضا مختلفون في (٢٢٩ /أ) الإعادة؛ فقوم يقولون: إنها روحانية وجسمانية، وقوم يقولون: إنها روحانية لا غير. وقيل: يحكم بينهم وبين المؤمنين والكافرين ويجرى على كل واحد ما صح جراية القلم عليه. ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ (٤) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ لم يتصور ذلك لاستحالته في نفسه، وليس إلى ذلك طريق إلا أن يصطفي من مخلوقاته ما يشاء، وقد فعل ذلك بالملائكة فأقسم به، وغركم ذلك فادعيتموهن بنات له سبحانه. ﴿هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كل موجود فهو مخلوق له. ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) لو كان له صاحبة لكانت من جنسه، وهكذا التناسل في الحيوانات كلها؛ الذكر والأنثى من جنس واحد. ﴿الْقَهّارُ﴾ الغالب لكل شيء؛ فيقهر آلهتهم، والمقهور لا يكون إلها. ثم دل بخلق السماوات والأرض، وتكوير كل واحد من المكورين على الآخر، وتسخير النيرين، وجريهما لأجل مسمى، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة، وخلق الأنعام، وكل هذه المخلوقات دليل على أنه لا يشارك في خلق شيء منها قهار لا يغالب. والتكوير: اللف واللي؛ يقال: كار العمامة على رأسه وكورها، وفيه وجوه: أحدها: أن الليل والنهار

стр. 891

يخلف بعضهم بعضا؛ يذهب هذا ويجيء هذا، وإذا غشي مكانه فكأنما ألبسه، ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس؛ قال الشاعر [من البسيط]: ... ليّ الملاء بأبواب التّفاريج (١) ومنها: أن كل واحد منها يغيب الآخر إذا طرأ عليه؛ فيشبه بالشيء الذي يلف عليه شيء آخر. ومنها: أن كل واحد منهما يكور على الآخر تكويرا دائما، فأشبه تكوير العمامة على الرأس. أو لأنه يؤخر عذابهم؛ فسمي تأخير العذاب مغفرة مجازا، وهو يوم القيامة أو إلى قضاء أجل كل واحد. فإن قلت: ما وجه دخول "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها؟﴾ قلت: هما آيتان عظيمتان دالتا على قدرته ووحدانيته، وشعب هذا الخلق الكثير الذي لا يحصر من رجل واحد، ثم خلق الزوجة من الرجل، وجعلها من جنسه ليكون الأنس أتم، وخلق حواء من قصيراه (٢) إلا أن الأول منهما أجرى الله فيهما العادة والتوالد بالتناسل. وأما خلق الأنثى من ضلع الرجل فلم تتكرر به عادة، فكانت أتم وأقوى في كونها آية؛ فعظمها ب "ثم" للدلالة على أنها أتم في كونها آية؛ فهو من التراخي في الرتب. وقيل: التقدير: خلقكم من نفس وجدت ثم شفعها الله تعالى بزوج. وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر، ثم خلق بعد ذلك حواء. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ﴾ (٢٢٩ /ب) أي: قضى لكم وقدر؛ لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء، وحيث كتب في اللوح المحفوظ كل كائن إلى يوم القيامة. وقيل: لا يعيش الحيوان إلا بالنبات، والنبات إلا بالماء؛ فأنزل ما به قوام الحيوان، وقيل: خلقها في الجنة ثم أنزلها. ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ أصناف، ذكر وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز. والزوج: اسم لواحد معه آخر فإذا انفرد فهو وتر؛ قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٣) ﴿خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ حيوانا سويا، من بعد عظام مكسوة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف.

стр. 892

الظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة. وقيل: الصلب والرحم والبطن. ﴿ذلِكُمُ﴾ الذي نقل النطفة من طور إلى طور. ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ فكيف يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة مخلوقاته. ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ عن إيمانكم وأنتم المحتاجون إليه لاستبشاركم بالكفر واشمئزازكم من الإيمان. ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ﴾ لأنه يوقع في الهلكة. ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لأنه يؤدي إلى النجاة، فإذن ما رضي شكركم ولا كره كفركم إلا لمصلحتكم لا لمصلحة تتعلق به؛ لأنه الغني مطلقا الذي لا تجوز عليه الحاجة. وقال أصحابنا أهل السنة: ولا يرضى لعباده الذي يصلح أن تنسب أفعالهم إليه وهم الصالحون؛ فهو من العام الذي أريد به الخاص، وعني بهم المذكورين في قوله: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ (١) يريد المعصومين؛ كقوله: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ﴾ (٢) يريد الصالحين منهم، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)﴾ قوله: ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ يقال: فلان خايل المال إذا كان يتعاهده ويثمره، وكان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة. ويجوز أن يكون المراد جعله مختالا فخورا بالمال؛ قال الشاعر [من البسيط]: ... إن الغنيّ طويل الذيل مياس (٣)

стр. 893

﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ﴾ أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله تعالى إلى كشفه. وقيل: نسي ربه الذي كان يدعو إليه ويبتهل، و ﴿ما﴾ بمعنى ﴿مِنْ﴾ كقوله: ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (١) ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ (٢). ﴿لِيُضِلَّ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها (٣) يعني أن نتيجة جعله لله شريكا أو ندا حصول الضلال له أو إضلاله، والنتيجة قد تكون غرضا في الفعل، وقد تكون غير غرض. وقوله: (٢٣٠ /أ) ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ أمر تهديد؛ كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ﴾ (٤) وبالغ في خذلان هذا الكافر في قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ فأتاه بأمر لا يريد حدوثه منه. قرئ: "أمن هو قانت" بالتخفيف على إدخال همزة الاستفهام على "من" وبالتشديد (٥) على إدخالها على "أم". و"من" مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: أمن هو قانت كغيره؟ وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله. وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقيل: معناه: فأنت أفضل أمن هو كافر، أو أهذا أفضل أمن هو قانت؟ والقانت: القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله ﵇: "أفضل الصلاة طول القنوت" (٦) وهو القيام فيها، ومنه القنوت في الوتر؛ لأنه دعاء المصلي. ﴿ساجِداً وَقائِماً﴾ حالان. وقرئ: "ساجد وقائم" برفعهما (٧) على أنه خبر بعد خبر، والواو للجمع بين الصفتين، وأن من لم يعمل بعلمه فليس بعالم، ويجوز أن يكون تشبيها

стр. 894

أي: كما لا يستوي العالم والجاهل لا يستوي القانتون والعاصون. وقيل: نزلت في عمار ابن ياسر وأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي (١). وعن الحسن: أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو، فقال: هذا تمني، وإنما الرجاء قوله، وتلا هذه الآية (٢). ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠)﴾ ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا﴾ متعلق ب ﴿أَحْسَنُوا﴾ لا ب ﴿حَسَنَةٌ﴾ معناه: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة في الآخرة، وهي دخول الجنة، أي حسنة نكرة تدل على عظمة ما يثابون به وأنه شيء لا يقدر قدره، وقد علقه السدي ب ﴿حَسَنَةٌ﴾ ففسر الحسنة بالصحة والعافية (٣) ومعنى تعلقه ب "حسنة" أنه لو تأخر لكان صفة؛ فإذا تقدم دل على موضع الصفة فلم يخل التقديم بالتعلق (٤). ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ لا عذر للمفرطين في الإحسان، ومن ضاقت يده في بلد عن أن تمتد إلى الإحسان فليهاجر؛ فإن أرض الله واسعة. وقيل: هي للذين كانوا مسلمين، وهم في بلاد المشركين فأمروا بالمهاجرة. ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً﴾ الآية. وقيل: هي أرض الجنة. ﴿الصّابِرُونَ﴾ الذين صبروا على فراق أوطانهم وعشائرهم. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ لا يحاسبون عليه. وقيل: بغير مكيال ولا ميزان يحثى لهم حثيا (٢٣٠ /ب) ويغرف لهم الجنة غرفا. وعن ابن عباس: لا يهتدي إليه حساب الحسّاب (٥). وفي الحديث: "يؤتى بأهل الصلاة والزكاة والحج فيوفون أجورهم بالموازين، ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبا حتى يود أهل العافية أن أجسادهم لو كانت في الدنيا قرضت بالمقاريض لما يرون من أجر الصابرين" (٦).

стр. 895

﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧)﴾ ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ﴾ بإخلاص الدين. ﴿أُمِرْتُ﴾ بذلك لأجل أن ﴿أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: مقدمهم وسابقهم إلى الجنة، ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت؛ ل "أن" أفعل، ولا تزاد إلا مع "أن" خاصة دون الاسم الصريح ﴿أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: في زماني، وأن أكون أول المدعوين إلى الإسلام السابقين إليه، وأمرت أن أكون أول من سبق قومي إلى الإسلام، ولا أكون ممن يؤمر بشيء ويفعل خلافه. ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ﴾ أي: أخصه بالعبادة. ﴿قُلْ إِنَّ﴾ الكاملين في الخسران ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ فأوقعوها في الهلكة، وخسروا أهليهم؛ لأنهم إن كانوا كفارا فقد خسروا كخسرانهم، وإن كانوا مؤمنين فيفرق بينهم تفريقا لا يجتمعون بعده أبدا، ولقد بالغ في خسرانهم حتى جعل جملة مستأنفة، وصدرها بحرف التنبيه، ووسط قوله: ﴿هُوَ﴾ وأدخل الألف واللام في ﴿الْخاسِرِينَ﴾ ووصفه بكونه مبينا. ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ هي تحتهم، وهي ظلل لآخرين معذبين. ﴿الطّاغُوتَ﴾ فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت؛ يطلق على الجمع وعلى المفرد وعلى المذكر والمؤنث. ﴿اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ وقال في تذكيرها: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (١) وعلى المفرد والجمع: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ (٢). ﴿أَنْ يَعْبُدُوها﴾ بدل اشتمال من ﴿الْبُشْرى،﴾ ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تبشرهم الملائكة وهم داخلون عليهم من كل باب، وعند حضور الموت بقولهم: ﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٣). ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ﴾

стр. 896

﴿فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ فإذا اتفق واجب وندب اختاروا الواجب، وإن اتفق مباح ومندوب اختاروا المندوب، ويدخل تحته العقائد واختاروا أثبتها على السبك وكقول الشاعر [من البسيط]: ... ولا تكن مثل عير قيد فانقادا (١) يريد المقلد. وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيختارون القرآن. والهمزة التي في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ هي الهمزة التي في قوله (٢٣١ /أ) ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ﴾ كررت توكيدا، تقديره: أفأنت مخصوص بإنقاذهم لا يقدر عليه أحد غيرك. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت الغرف؛ كما تجري في السهل من الأرض من غير تفاوت في ذلك. ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ وعد. ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ قيل: كل ما في الأرض فهو من السماء؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿فَسَلَكَهُ﴾ نظمه ﴿يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ عيونا. والسلك: الخيط الذي يدخل فيه الخرز. ﴿يَهِيجُ﴾ يتم جفافه ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً﴾ أي: دريسا وهو إذا تم إدراكه، وأريد نقل حبه وتخليصه من بينه. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ نظير ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ﴾ في حذف الخبر. ﴿مِنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: من أجل ذكره، معناه: اشمأزت من ذكر الله. وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ *﴾ أي: غلظت وجفت عن الانقياد إليه والطاعة له، ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ﴾

стр. 897

﴿تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿مَثانِيَ﴾ أي: ثنيت فيه القصص والأمثال والثناء على الله. وقيل: ﴿مَثانِيَ﴾ أي: مشتملة على الثناء على الله بما هو أهله، ويجوز أن يكون نصبا على التمييز تقديره: متشابها مثاني؛ كقولك: رأيت رجلا حسنا شمائل، وإنما كررت القصص والمواعظ؛ لأنها إذا كررت كانت أوقع لها في النفس وأجدر بالقبول، وعدي ﴿تَلِينُ﴾ ب ﴿إِلى﴾ في قوله: ﴿إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي: تنقاد إليه؛ ضمنها فعلا يتعدى ب ﴿إِلى﴾ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ أَفَمَنْ يَتَّقِي﴾ محذوف الخبر؛ كما في نظائره. والخائف من الضرب إذا استقبل بالسيف مسلولا اتقاه بيده، وأما في الآخرة فالمعذبون مغلولة أيديهم إلى أعناقهم، فيتقي بوجهه بعد أن كان يتقي عن وجهه. وقيل: المراد بالوجه الجملة. وقالت لهم الخزنة: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ حال مؤكدة؛ كقولك: جاءني رجلا صالحا، ويجوز أن ينتصب على المدح. ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ بريئا من التناقض والاختلاف، أي: ليس فيه اعوجاج قط. وقال الشاعر [من البسيط]: وقد أتاك يقين غير ذي عوج ... من الإله وقول غير مكذوب (١) ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ (٢) لجماعة شتى أحوالهم، ومقاصدهم مختلفة كل واحد (٢٣١ /ب) منهم يريد من ذلك العبد خدمة تامة، ومتى تأخر بعض

стр. 898

خدمته شق عليه؛ فمواليه ﴿مُتَشاكِسُونَ﴾ و ﴿رَجُلاً﴾ آخر له سيد واحد قد عرف مقاصده فهمه مجتمع. فأي الرجلين أحسن حالا؟ وقوله: ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾ متعلق ب "متشاكسون" والتشاكس: الاختلاف وجعله رجلا؛ لأن المرأة والصبي قد يغفلان عن مقاصد سيدهما. قوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ غلب فيه ضمير المخاطب على الغيبة. واختصامهم: يقول الأتباع للسادة: إنا أطعناكم، ويقول السادة: إنا أطعنا الشياطين. وقيل: اختصام جميع أهل الموقف. وقد قال عبد الله بن عمر: "لقد مر علينا زمن ونحن نتلوا هذه الآية ونقول: كيف نختصم ونبينا واحد، وديننا واحد؟! حتى رأينا بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف؛ فعرفنا أنها نزلت فينا" (١). ﴿إِذْ جاءَهُ﴾ فاجأه بالتكذيب. ﴿مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ يشير به إلى الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق. قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ يعود إلى النبي ﷺ ومن تابعه؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٢) ويجوز أن يراد بالذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ وبالذي ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أتباعه (٣). وقرأ ابن مسعود ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (٤). ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾

стр. 899

﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لأن إقدامهم على عصيان الله يجعل فعلهم شيئا قبيحا، وكذلك الحسنة؛ إذا أخلصها العبد تكون عند الله عظيمة الثواب. وأما تفصيلهم قسمين؛ فلأن الشيء بالتفصيل أبين وأوضح. ﴿بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ يريد النبي ﷺ ، ومن قرأ ﴿عَبْدَهُ﴾ (١) أراد الأنبياء أو المؤمنين. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام. وقد بعث رسول الله ﷺ خالدا إلى العزى ليكسرها، فقال له سادنها: إني أحذركها يا خالد؛ إن لها شدة لا يقاومها شيء، فكسرها خالد، وهو يقول [من الرجز]: يا عزّى كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك (٢) أو ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من سواه. وقوله: ﴿بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم. قرئ ﴿كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ و ﴿مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ بالتنوين على الأصل (٢٣٢ /أ) وبالإضافة على التخفيف (٣). وقوله: ﴿هَلْ هُنَّ﴾ والأنوثة محل العجز؛ فدل وصفهم بالأنوثة على العجز عن كشف الضر وجلب النفع. ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللهُ يَتَوَفَّى﴾

стр. 900

﴿الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أي: على تمكنكم. فإن قيل: هلا قيل: إني عامل على مكانتي؟ قلت: فعل ذلك توكيدا، أو إيذانا بأن مكانة رسول الله ﷺ تزداد كل وقت وحين، ولن يزال راقيا في الدرجات العلى. قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ أي: يبقي عليها ما هي به دراكة حساسة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في المنام، فإذا جاءت وقت اليقظة أمسك النفس التي قضى عليها الموت، وأرسل الأخرى ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى انقضاء آجالها المكتوبة لها. وعن ابن عباس: إن في بدن الإنسان روحا ونفسا؛ فعند النوم تتوفى الأنفس، وعند الموت تتوفى الأرواح (١). ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾ إنما يعطي الشفاعة بوصفين: أحدهما الإذن من الرحمن ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (٢) والثاني: أن يكون المشفوع فيه مرتضى؛ لقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ (٣). أتثبتون لهم الشفاعة؟ ولو كان الذين أثبتوها لهم ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾ لا يملكها ولا يعطيها إلا هو. ﴿ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ ولم يذكر معه آلهتهم اشمأزت، أي: نفرت وكرهت. قوله: ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فاجأهم السرور، وامتلأت قلوبهم فرحا؛ فأمر الله نبيه ﷺ أن يلتجيء إليه؛ فقال: ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ﴾ أي: شاقق، ويقال: فطر ناب البعير إذا شق اللحم وخرج. وعن ابن عباس: "ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى

стр. 901

اختصم إليّ رجلان في بئر؛ فقال: أحدهما: هي بئري وأنا فطرتها. أي: أبدأت حفرها" (١).فإن قلت: ما العامل في قوله: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ؟﴾ قلت: المفاجأة؛ كقوله: ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ رسول الله ﷺ وشق عليه خلافهم؛ فأمره الله أن يلتجئ إليه. ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ هذا في الوعيد (٢٣٢ /ب) كقوله في الوعد: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٢). ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ قوله: ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ﴾ أي: حل ونزل بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ به من العذاب. ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ﴾ التخويل مخصوص بالتفضل؛ تقول: خولني فلان مالا، أي: أعطاني بغير جزاء. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي: على علم من الله سبحانه باستحقاقي له؛ كقول قارون: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (٣) وقيل: علم من الله بأني أهل لذلك، والضمير في ﴿أُوتِيتُهُ﴾ للنعمة المؤنثة، و ﴿نِعْمَةً مِنّا﴾ شيء من النعمة وجزء من أجزائها، يعني: ليس عطاؤنا إياك تخويلا. ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: هذا الإعطاء إنما هو فتنة، والفرق بين الواو في قوله في أول السورة: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ وبين الفاء في هذه الآية: أن الفاء هاهنا وقعت مسببة عن

стр. 902

قوله: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ الآيات، يعني: فرتبوا على خلاف ما يقتضيه، فاشمأزوا من ذكر الله الذي ينفعهم ولم يشمئزوا من ذكر من ضره أقرب من نفعه. قوله: ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فلم يغن عنهم كسبهم شيئا، وأصيبوا بالقتل يوم بدر، والقحط سبع سنين، ثم سبع سنين خصب ورخاء فقيل: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾. ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ جنوا عليها بالإسراف في المعاصي. وقرأ ابن مسعود: "الله يغفر الذّنوب جميعا" (١) وهذه الآية مطلقة في العفو كما تراه ليس فيها شرط توبة. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٢) كراهة ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ فإن قلت: لم نكر النفس؟ قلت: المراد بها بعض الأنفس، وهي إما المتعالية في الكفر، وإما الفاعلة للخير؛ فللأولى العذاب العظيم، وللثانية رحمة الكريم الرحيم. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣)﴾ وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ ليس المراد به نفس واحدة؛ بل المراد به أنفس ذوات عدد، ومنه قول الشاعر [من البسيط]: قد أترك القرن مصفرّا أنامله ... ... (٣) والجنب: الجانب؛ يقال: لين الجنب ولين الجانب، قالوا: فرط في جنبه وفي جانبه؛

стр. 903

قال الشاعر [من الطويل]: أما تتقين الله في جنب وامق ... له كبد حري عليك تقطّع (١) ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ لم يكفه أن يضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها (٢٣٣ /أ) وموضعه نصب على الحال؛ تقديره: إني فرطت وأنا ساخر. قيل: كان في بني إسرائيل رجل له مال سول إليه الشيطان العمل بالمعاصي، وعزم أن يتوب إذا جاءه، فلما جاءه الموت تاب فلم تنفعه توبته، وأنزل الله خبره في القرآن. فإن قيل: لم فصل بين قوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي﴾ وبين قوله: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي؟﴾ قلت: حكى أماني النفس على ترتيبها؛ فحكى التحسر أولا، ثم تمني الهداية حيث لا ينفع التمني، ثم سؤال الرجعة حيث لا يجاب، وقوله: ﴿بَلى﴾ جواب لغير منفي؛ لكنه في معنى المنفي؛ فقوله: ﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي﴾ دال على انتفاء الهدى. قوله: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ وصفوه بما لا يليق بجلاله من الشريك والولد. ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ في موضع الحال إن كانت رؤية عين، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب. ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾ بفوزهم بما طلبوا ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ قيل: لا محل لهذه الجملة؛ لأنها مستأنفة. وقيل: هي منصوبة على الحال. ﴿لَهُ مَقالِيدُ﴾ من باب الكناية؛ كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ﴾ (٢) قيل: ليس للمقاليد مفرد. وقيل: واحدها مقليد، وهي المفاتيح. قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تتمة؛ نحو قوله: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ روي أن عثمان بن عفان ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: "هي لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير" (٣).

стр. 904

﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ (٦٦)﴾ قال المشركون للنبي ﷺ : اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فنزلت: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ﴾ الآية (١) وقوله: ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ أصله: أن أعبد؛ فحذفت "أن" كما في قوله [من الطويل]: ألا أيها الزاجري أحضر الوغى ... ... (٢) فإن قلت: لم أفرد، ثم جمع، ثم عاد إلى الإفراد بقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ؟﴾ قلت: هو كقولك: كسانا الأمير حلة؛ أي: كسا كل واحد منا حلة، ويجوز أن يراد: ولقد أوحي إلى كل واحد واحد من الأنبياء ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ الآية. قوله: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ رد لما أمروه به من عبادة آلهتهم؛ فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا منه. ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ روي أن يهوديّا قال بحضرة النبي ﷺ : إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على

стр. 905

إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى والجبال (٢٣٣ /ب) على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ تعجبا مما قال الحبر " (١).وهذا يسمى في علم البيان: التخييل، وهو أن يفهم من مساق هذا الكلام تعظيم قدرة الله، وأن هذه الأجرام العظيمة مطيعة له؛ كانقياد ما هو على الإصبع من غير تصوير شيء يشبه الإصبع، ولا شيء يشبه الهز؛ كذلك لا يتصور وجود قبضة في قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ لا حقيقة ولا مجازا بل حكاية هذا الكلام بصورة توقع في النفس إجلالا وتعظيما، وكذلك ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ والمراد بالأرض: الأرضون السبع، ويشهد لذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً﴾ وقوله: ﴿وَالسَّماواتُ﴾ وإنما قدم ﴿جَمِيعاً﴾ بأول وهلة قبل مجيء الخبر؛ ليعلم أنه ليس شيء من الأرض خارجا عن قبضته. والقبضة: المرة من القبض؛ كقوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (٢) والقبضة - بضم القاف -: هو الشيء المقبوض باليد، وتقول: أعطني قبضة، بالفتح؛ تسمية بالمصدر. ﴿مَطْوِيّاتٌ﴾ قيل: في طاعته من غير منازع. ﴿بِيَمِينِهِ﴾ بقدرته. وقيل: بقسمه؛ فالله تعالى أقسم ليطوينها، وإذا عرض مثل هذا التفسير على أصحاب علم البيان تلهوا به، ولم يرفعوا به رأسا، وتراهم يجذبون عقول السامعين له ويستحسونه على منابرهم. وقرئ" مطويات "على نظم ﴿وَالسَّماواتُ﴾ في حكم ﴿وَالْأَرْضُ﴾ ودخولها تحت القبضة ونصب" مطويات " (٣) على الحال. وقرئ ﴿قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٤) يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا دهمه ما يكرهه. وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون قوله: ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ﴾ يريد به الوقوف في كل مكان واحد؛ كالمتحير ما يدري ماذا يصنع. قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أي: بعدله؛ كما أن الظلم ظلمات، وفي الحديث:" الظلم ظلمات يوم القيامة " (٥).ولما افتتح الله الأرض بالعدل ختمها بقوله:

стр. 906

﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ أي: صحف الأعمال. وقيل: اللوح المحفوظ. و ﴿وَالشُّهَداءِ﴾ الذين يشهدون للأمم وعليهم. وقيل: الشهداء في قتال الكفار. الزمر: الأفواج المتفرقة بعضها في إثر بعض، وكثر استعمال العرب لفظ الأيام في الحروب والأمور العظيمة، ومنه: ﴿هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١) وقال: ﴿لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ (٢) قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٢٣٤ /أ) كقوله: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ (٣). ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)﴾ قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ أنهم يذهبون إليها راكبين مكرمين، وسوقهم للاستعجال بهم إلى دار الكرامة، وسوق الكفار بالهوان. ودخلت الواو في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ في سوق أهل الجنة؛ لأن أهل الجنة تفتح لهم أبوابها قبل قدومهم، وعادة المنزل للأضياف أن يهيئ منزلهم على أحسن الوجوه قبل قدومهم، وليست واو الثمانية (٤) كما زعموا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾. قوله تعالى: ﴿طِبْتُمْ﴾ أي: من دنس المعاصي والخطايا. وقوله: ﴿خالِدِينَ﴾ حال مقدرة. وقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ ملكنا إياها. وقوله: ﴿حَافِّينَ﴾ محدقين من حول العرش.

стр. 907

تفسير سورة غافر (المؤمن) [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ قوله تعالى: ﴿التَّوْبِ﴾ هو الرجوع عن المعصية؛ يقال: آب وتاب وثاب، بمعنى رجع قوله تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ الطول: الإفضال والزيادة؛ يقال: طال فلان على فلان: إذا تفضل عليه. فإن قلت: لم فرقت هذه الصفات؛ فجعل بعضها نكرة وبعضها معرفة؟ قلت: أما ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ و ﴿وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ فهما معرفتان؛ لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين؛ بل هي صفة دائمة؛ كقولك: سيد العبيد وأما قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ فمشكل لأنه في معنى حدوث الفعل، وقد جعله الزجاج (١) بدلا. والحكم عليه بالبدلية دون ما سواه من الصفات المقترنة تحكّم. والوجه أن يقال: إذا ثبت أن هذا بدل فدل على أن الكل محكوم عليه بالبدلية؛ ولأن عذاب الله وشدة عقابه موصوف بالعظم؛ فيكون الجميع وصفا (٢). ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ (٦) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ سجل على المجادلين في آيات الله بأنهم كفار والمراد بالجدل: الجدال بالباطل والطعن فيها، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ فأما الجدال فيها بحل مشكلها وتفصيل مجملها ففيه ثواب عظيم لا يقدر قدره، ومن حق المؤمن ألا يغتر بكثرة إمهال الفاسق ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٣)

стр. 908

﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاّ﴾ (١) ثم ذكر من تقدم من الرسل وتكذيب أممهم إياهم، وعقوبته سبحانه لهم بالتدمير عليهم وإهلاكهم (٢٣٤ /ب) قوله: ﴿وَالْأَحْزابُ﴾ هم الذين تحزبوا على الرسل وعاندوهم وعادوهم، وهم عاد وثمود وفرعون وغيرهم. قوله تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ أي: من هذه الأمم ﴿بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ ليأسروه، والأخيذ: الأسير. قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ﴾ في محل رفع بالابتداء، وتقديره: ومثل ذلك ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾. روي في صفات حملة العرش آثار تدل على عظم خلقهم؛ في بعض الروايات: "ما خلق الله خلقا أعظم من إسرافيل، وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يكون كالوصع، وهو العصفور الصغير" (٢). وقوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يدل على أن أحدا لا يدرك حقيقة ذات الله ، بل يؤمنون بها ويصدقون، وهؤلاء حملة العرش أشرف الملائكة، وهم يؤمنون بالله، ولم يقل: يشاهدونه. يسألون الله تعالى المغفرة لبني آدم، وفي ذلك تشريف لصفة الإيمان، وأنها من أعظم صفات الصالحين. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه دليل على أن صفة الإيمان إذا جمعت بين شخصين يجب أن تكون داعية للنصيحة، وأن يستغفر له بظهر الغيب. وإن تباعدت أماكنهم وتفاوتت أجناسهم؛ فإنه لا اشتراك بين سماوي وأرضي، ولا بين ملك وبشر، ومع ذلك لما جمعتهم صفة الإيمان استغفر أهل السماوات العلى لأهل الأرضين السفلى. فإن قلت: السعة من صفات الأجسام والله متعال عن ذلك، وقد وصف نفسه بقوله: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً؟﴾ قلت: الأصل: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء. فالواسع هي الرحمة والعلم، وقد اتسع فيه؛ فجعلت الصفة لهذين الوصفين، وجعل كأنها وسعا. فإن قلت: لما ذكر الرحمة والعلم كان القياس أن يقول: فاغفر للذين تابوا وارحمهم؟ قلت: المغفرة من جملة أنواع الرحمة؛ وكذلك وقاية السيئات رحمة أيضا. ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ﴾

стр. 909

﴿وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ قوله: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أي: العقوبات. قوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ يقال: صلح فهو صالح وصلح بضم اللام فهو صليح، والفتح أفصح. قوله: ﴿لَمَقْتُ اللهِ﴾ مبتدأ، خبره ﴿أَكْبَرُ﴾ وقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ ظرف والعامل فيه المقت الأول، والمعنى أنه يقال لهم يوم القيامة: كان الله يمقت أنفسكم حين تدعون إلى الإيمان فتكفرون مقتا هو أكبر من مقتكم أنفسكم الآن. وقيل: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم؛ فنودوا؛ لمقت الله إياكم الآن (٢٣٥ /أ) أكبر من مقتكم. و ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ تعليل. والمقت: أشد البغض؛ فوضع في موضع أبلغ الإنكار وأشده. قوله: ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أي: أوجدتنا أمواتا، ثم أحييتنا في الدنيا، ثم أمتنا فيها، ثم أحييتنا في الآخرة. وقد حكي عن ابن عباس وأبي ذر أنهما قالا: الإماتتين والإحياءين قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (١). فإن قلت: كيف صح أن يسميهم وهم في العدم أمواتا؟ قلت: هو كقولك: سبحان من صغر جسم البعوضة، وكبر جسم الفيل، وتقول لمن يحفر لك بئرا: وسع أسفله وضيق أعلاه، وليس المراد التنقل من صغر إلى كبر، ومن كبر إلى صغر، ولا من ضيق إلى سعة ولا عكسه؛ بل المراد: أوجدها على هذه الصفة وكذلك النطف خلقها الله تعالى ولا روح فيها. ومن جعل الإماتتين التي بعد الحياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاثة إحياءات، وهو خلاف ما قاله في القرآن، هكذا قاله الزمخشري (٢) وفيه نظر؛ لأنه لا يتصور أن يكون العدد إحياءين وإماتتين؛ فإنك إن لم تعد النطف، وعددت إخراجهم من ظهر آدم كالذر صار معك ثلاثة إحياءات: إحياء من ظهر آدم، وإحياء في الدنيا، وإحياء في القبور المساءلة، وإن لم تعد ذلك، وعددت الإحياء في الدنيا واحدا والإحياء في القبر ثانيا، والإحياء للبعث ثالثا صارت ثلاثة إحياءات على جميع التقادير، وإن أسقطت واحدا من الإحياءات حتى تصير اثنتين نقصت من الإماتات واحدة؛ فأعمل فكرك فيها. قوله:

стр. 910

﴿فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ إنما اعترفوا بها؛ لأنهم رأوا الإحياء والإماتة قد تكررت عليهم، وهي فعل الله تعالى؛ فأقروا بما كانوا يكذبون به من نفي الشريك. قوله: ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: فهل إلى نوع من الخروج من سبيل؟ أم اليأس واقع دون ذلك؟ ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ قوله: ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: ذلكم الذي وصفناه من كفركم واعترافكم بما أنكرتموه بسبب أن الله إذا ذكر وحده بالوحدانية أنكرتم ذلك ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد. وقيل: إن الحرورية الخوارج قالوا: لا حكم إلا لله من قوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (١). ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾

стр. 911

﴿مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)﴾ ﴿يُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ من السحب والرياح وغيرها. والرزق: المطر ﴿وَما يَتَذَكَّرُ﴾ وما يتعظ إلا من يرجع إلى الله ﴿فَادْعُوا اللهَ﴾ أيها المنيبون إليه (٢٣٥ /ب) ﴿مُخْلِصِينَ﴾ من الشرك، وإن غاظ ذلك من ليس على مثل حالتكم. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ ثلاثة أخبار لمبتدأ محذوف أي: هو، أو مبتدآت خبرها محذوف، وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا. قال ابن جبير: سماء فوق سماء، والعرش فوقهن (١). ويجوز أن تكون عبارة عن رفيع شأنه وعظيم سلطانه. وقيل: هي درجات المتقين التي ينزلونها في الجنة. قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ التي يراد بها الحياة؛ لأنها من عالم أمر الله، أو النور الذي يلقيه الله في قلب المتقين. قوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي: الله ، أو الملقى عليه وهو الرسول، أو إلى الروح. و ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يوم القيامة؛ لأن الخلائق تلتقي فيه وقيل: يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقيل: المعبود والعابد. ﴿بارِزُونَ﴾ منكشفون لا يحجب عن أبصارهم شيء؛ لأن الأرض قاع صفصف، والمبعوثون عراة ﴿لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ﴾ أي: من أحوالهم وأعمالهم، والله تعالى ذكره لا يخفى عليه شيء سواء برزوا أو لم يبرزوا؛ لأنهم كانوا يتوهمون أنهم يستترون ويحتجبون عن نظر العيون؛ قال الله تعالى: ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ﴾ الآية (٢) ينادي يوم القيامة مناد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجيبه أهل المحشر: ﴿اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ وقيل: يجمع الله الناس يوم القيامة على أرض بيضاء كسبيكة الفضة لم يعص الله عليها فينادي المنادي بذلك، فيجيب الله نفسه: ﴿اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾.

стр. 912

لما ذكر انفراده بالملك ذكر ما يترتب عليه من الجزاء؛ فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزى﴾ وذكر أن الحساب لا يبطئ؛ فإن الله سريع الحساب؛ لأنه لا يشغله شأن عن شأن، وهو أسرع الحاسبين. وقيل: إذا أخذ في حسابهم لم يقل من القيلولة أهل الجنة وأهل النار إلا في منازلهم. ﴿الْآزِفَةِ﴾ القيامة، سميت بذلك لقربها، و (الزلفى) القربى، ويجوز أن يريد أنهم إذا أمروا بدخول النار التصقت قلوبهم بحناجرهم فلا يموتون ولا يحيون ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ (١) ﴿كاظِمِينَ﴾ حال من القلوب أو من أصحاب القلوب، وجمع الكاظمين جمع السلامة؛ لأنهم وصفهم بوصف العقلاء، وهو كونهم كاظمين. ويجوز أن تكون حالا مقدرة من قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ مقدرين الكظم. ﴿حَمِيمٍ﴾ المحب المشفق، والمطاع: مجاز في قبول الشفاعة، ويجوز أن يراد نفي الشفاعة والقبول معا (٢٣٦ /أ) وهو أظهر؛ لأن الذين طلبت منهم الشفاعة ملائكة، وأولياء، فلا ترد شفاعتهم، فيمن هو أهل وإنما أتى بلفظة ﴿يُطاعُ﴾ لأنه قد يتوهم متوهم أن ثم شفاعة وطاعة فأيأس منهما، ويقول من عتب على ترك الجهاد: كيف أقاتل ولا فرس لي؛ أي: ما يأتي لي القتال بغير فرس، ولا فرس هناك؛ فلا قتال. ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ (٢٤) فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٢٥)﴾ الخائنة: صفة للنظرة، أو: مصدر على فاعلة؛ كالعاقبة والعافية، والخائنة: الكاذبة، والمراد: استراق النظر إلى ما لا يحل. فإن قلت: بم يتعلق قوله ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾؟ قلت: هو من جملة أخبار ﴿هُوَ﴾ في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ وإن طال الفصل.

стр. 913

﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي: ومن هذه أحواله وصفاته لا يقضي إلا بالعدل والحق، وآلهتكم لا يقضون بشيء، وهذا تهكم بهم؛ لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقضي. "هم" في قوله: ﴿كانُوا هُمْ أَشَدَّ﴾ فصل، وإنما دخلت بين معرفة ونكرة؛ لأن أفعل التفضيل إذا جاءت بصيغة ﴿مِنْ﴾ تشبه المعرفة في امتناع دخول لام التعريف عليه؛ فألحق بالمعارف. ﴿وَآثاراً فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: أكثر آثارا. وقيل: أظهر وأمكن. كان فرعون يقتل الأولاد الذكور من بني إسرائيل ويبقي النساء؛ لأن الكهنة أخبرته أنه يولد في تلك السنة مولود يكون هلاكه وزوال ملكه على يده؛ فلم يغنه حذره، وسخر فرعون حتى ربى موسى في حجره، وهو الذي كان يحذره، ثم لما نبئ موسى وظهرت الآيات على يديه والمعجزات، قال فرعون: أعيدوا قتل الذكور من بني إسرائيل واستحيوا النساء خدما، وهو معنى قوله: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية. ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩)﴾ ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ كان فرعون إذا هم بقتله كفوه، وقالوا: ما هو بالذي نخافه، وكان فرعون قد امتلأ من ذلك غيظا، وكان يحس من موسى أنه يصير له شأن عظيم؛ فيقول لأصحابه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ وقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ دليل على أن فرعون كان شديد الجزع من موسى وتفاقم أمره، وهل رأى قط ساحرا أحدا عليما واستولى عليه بسحره حتى يقول: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ لما سمع موسى قول فرعون ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ الآية، وكانوا يعبدون (٢٣٦ /ب) فرعون ويعبدون أصنامه؛ بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (١) وقال: ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ لأن من لم يؤمن بالجزاء لا يخاف العقاب.

стр. 914

قرئ: "رجل" (١) بسكون عين الفعل؛ كعضد وعضد، وكان ابن عم لموسى قبطيا آمن بموسى سرا. وقيل: كان إسرائيليا. و ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة ل ﴿رَجُلٌ﴾ أو معمول ل (يكتم) أي: يكتم إيمانه ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. ثم احتج المؤمن على قومه بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ فتلطف من وجهين: أحدهما: أنه بدأ بقسم الكاذب مع علمه بصدق موسى. والثاني: قوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وهو إذا كان صادقا أصابهم كل الذي وعدهم. وروي أن الذي تولاه أبو بكر من أمر رسول الله ﷺ كان أشد؛ فمما روي أن أكابر مشركي قريش قالوا لرسول الله ﷺ : أنت الذي تنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا وخنقوه فالتزمه من ورائه، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ولم يزل يدافع عنه حتى أرسلوه (٢). وقيل: قاله أبو بكر جهرا، وقاله مؤمن آل فرعون سرا (٣). ﴿ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر؛ فلا تتعرضوا لبأس الله وعذابه وقال: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنا﴾ ولم يقل: فمن ينصركم؟ تلطفا في النصيحة، ولأنه منهم فينبغي أن يحفظوه كما يحفظون أنفسهم. ﴿ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى﴾ يعني: ما أشير عليكم إلا بقتله ولا أستصوب إلا هو، ولقد كذب فيما قال؛ فإن قلبه كان مملوءا رعبا من موسى، ولكنه كان يتجلد، ولولا تجلده ما استشار أحدا. ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾

стр. 915

﴿جَبّارٍ (٣٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ (٣٧)﴾ قوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ﴾ الذين تحزبوا على الأنبياء فأهلكهم الله. ﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ لابد من تقدير محذوف فيه؛ أي: مثل جزاء دأبهم، و "مثل" الثاني منصوب بكونه عطف بيان للأول. ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ فيعاقبهم بغير ذنب. ﴿التَّنادِ﴾ قوله: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ﴾ (١). ويجوز أن يكون تصايحهم بالويل والثبور. ﴿مُدْبِرِينَ﴾ منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. قوله: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ هو يوسف بن يعقوب. وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يعقوب، أقام فيهم نبيا عشرين سنة وقيل: هو يوسف آخر، وقولهم: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ (٢٣٧ /أ) مقدمة جميلة تدل على تكذيب الرسل إذا جاءوا. قوله: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ بدل من ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ وفي قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ﴾ زيادة تعظيم لما فعلوه من الكفر، ووصف القلب بالجبروت والتكبر؛ لأنه منبعهما؛ كما تقول: رأت العين وسمعت الأذن، وكذلك قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢). والآثم هو الجملة ويجوز أن يكون على حذف مضاف؛ أي: على ذي قلب متكبر. الصرح: البناء الشاهق الذي لا يخفى وإن بعد، و ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ طرقها. وقوله: ﴿الْأَسْبابَ﴾ ثم أبدل منه ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ لأن الشيء إذا أبهم ثم فسر كان أبلغ، والذي زين هو الشيطان ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ (٣) أو الله . ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ (٤). التباب: الخسران. افتتح مؤمن آل فرعون بتحقير أمر الدنيا وأنها شيء يستمتع به زمنا ثم يضمحل، وثنى بتعظيم الآخرة، وذكر
следующие страницы →