← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

﴿مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)﴾ ﴿يُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ من السحب والرياح وغيرها. والرزق: المطر ﴿وَما يَتَذَكَّرُ﴾ وما يتعظ إلا من يرجع إلى الله ﴿فَادْعُوا اللهَ﴾ أيها المنيبون إليه (٢٣٥ /ب) ﴿مُخْلِصِينَ﴾ من الشرك، وإن غاظ ذلك من ليس على مثل حالتكم. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ﴾ ثلاثة أخبار لمبتدأ محذوف أي: هو، أو مبتدآت خبرها محذوف، وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا. قال ابن جبير: سماء فوق سماء، والعرش فوقهن (١). ويجوز أن تكون عبارة عن رفيع شأنه وعظيم سلطانه. وقيل: هي درجات المتقين التي ينزلونها في الجنة. قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ التي يراد بها الحياة؛ لأنها من عالم أمر الله، أو النور الذي يلقيه الله في قلب المتقين. قوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي: الله ، أو الملقى عليه وهو الرسول، أو إلى الروح. و ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ يوم القيامة؛ لأن الخلائق تلتقي فيه وقيل: يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقيل: المعبود والعابد. ﴿بارِزُونَ﴾ منكشفون لا يحجب عن أبصارهم شيء؛ لأن الأرض قاع صفصف، والمبعوثون عراة ﴿لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ﴾ أي: من أحوالهم وأعمالهم، والله تعالى ذكره لا يخفى عليه شيء سواء برزوا أو لم يبرزوا؛ لأنهم كانوا يتوهمون أنهم يستترون ويحتجبون عن نظر العيون؛ قال الله تعالى: ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ﴾ الآية (٢) ينادي يوم القيامة مناد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجيبه أهل المحشر: ﴿اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ وقيل: يجمع الله الناس يوم القيامة على أرض بيضاء كسبيكة الفضة لم يعص الله عليها فينادي المنادي بذلك، فيجيب الله نفسه: ﴿اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾.

стр. 912

لما ذكر انفراده بالملك ذكر ما يترتب عليه من الجزاء؛ فقال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزى﴾ وذكر أن الحساب لا يبطئ؛ فإن الله سريع الحساب؛ لأنه لا يشغله شأن عن شأن، وهو أسرع الحاسبين. وقيل: إذا أخذ في حسابهم لم يقل من القيلولة أهل الجنة وأهل النار إلا في منازلهم. ﴿الْآزِفَةِ﴾ القيامة، سميت بذلك لقربها، و (الزلفى) القربى، ويجوز أن يريد أنهم إذا أمروا بدخول النار التصقت قلوبهم بحناجرهم فلا يموتون ولا يحيون ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ (١) ﴿كاظِمِينَ﴾ حال من القلوب أو من أصحاب القلوب، وجمع الكاظمين جمع السلامة؛ لأنهم وصفهم بوصف العقلاء، وهو كونهم كاظمين. ويجوز أن تكون حالا مقدرة من قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ مقدرين الكظم. ﴿حَمِيمٍ﴾ المحب المشفق، والمطاع: مجاز في قبول الشفاعة، ويجوز أن يراد نفي الشفاعة والقبول معا (٢٣٦ /أ) وهو أظهر؛ لأن الذين طلبت منهم الشفاعة ملائكة، وأولياء، فلا ترد شفاعتهم، فيمن هو أهل وإنما أتى بلفظة ﴿يُطاعُ﴾ لأنه قد يتوهم متوهم أن ثم شفاعة وطاعة فأيأس منهما، ويقول من عتب على ترك الجهاد: كيف أقاتل ولا فرس لي؛ أي: ما يأتي لي القتال بغير فرس، ولا فرس هناك؛ فلا قتال. ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ (٢٤) فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٢٥)﴾ الخائنة: صفة للنظرة، أو: مصدر على فاعلة؛ كالعاقبة والعافية، والخائنة: الكاذبة، والمراد: استراق النظر إلى ما لا يحل. فإن قلت: بم يتعلق قوله ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾؟ قلت: هو من جملة أخبار ﴿هُوَ﴾ في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ وإن طال الفصل.

стр. 913

﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي: ومن هذه أحواله وصفاته لا يقضي إلا بالعدل والحق، وآلهتكم لا يقضون بشيء، وهذا تهكم بهم؛ لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقضي. "هم" في قوله: ﴿كانُوا هُمْ أَشَدَّ﴾ فصل، وإنما دخلت بين معرفة ونكرة؛ لأن أفعل التفضيل إذا جاءت بصيغة ﴿مِنْ﴾ تشبه المعرفة في امتناع دخول لام التعريف عليه؛ فألحق بالمعارف. ﴿وَآثاراً فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: أكثر آثارا. وقيل: أظهر وأمكن. كان فرعون يقتل الأولاد الذكور من بني إسرائيل ويبقي النساء؛ لأن الكهنة أخبرته أنه يولد في تلك السنة مولود يكون هلاكه وزوال ملكه على يده؛ فلم يغنه حذره، وسخر فرعون حتى ربى موسى في حجره، وهو الذي كان يحذره، ثم لما نبئ موسى وظهرت الآيات على يديه والمعجزات، قال فرعون: أعيدوا قتل الذكور من بني إسرائيل واستحيوا النساء خدما، وهو معنى قوله: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية. ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩)﴾ ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ كان فرعون إذا هم بقتله كفوه، وقالوا: ما هو بالذي نخافه، وكان فرعون قد امتلأ من ذلك غيظا، وكان يحس من موسى أنه يصير له شأن عظيم؛ فيقول لأصحابه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ وقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ دليل على أن فرعون كان شديد الجزع من موسى وتفاقم أمره، وهل رأى قط ساحرا أحدا عليما واستولى عليه بسحره حتى يقول: ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ لما سمع موسى قول فرعون ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ الآية، وكانوا يعبدون (٢٣٦ /ب) فرعون ويعبدون أصنامه؛ بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (١) وقال: ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ لأن من لم يؤمن بالجزاء لا يخاف العقاب.

стр. 914

قرئ: "رجل" (١) بسكون عين الفعل؛ كعضد وعضد، وكان ابن عم لموسى قبطيا آمن بموسى سرا. وقيل: كان إسرائيليا. و ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة ل ﴿رَجُلٌ﴾ أو معمول ل (يكتم) أي: يكتم إيمانه ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. ثم احتج المؤمن على قومه بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ فتلطف من وجهين: أحدهما: أنه بدأ بقسم الكاذب مع علمه بصدق موسى. والثاني: قوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ وهو إذا كان صادقا أصابهم كل الذي وعدهم. وروي أن الذي تولاه أبو بكر من أمر رسول الله ﷺ كان أشد؛ فمما روي أن أكابر مشركي قريش قالوا لرسول الله ﷺ : أنت الذي تنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا وخنقوه فالتزمه من ورائه، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ولم يزل يدافع عنه حتى أرسلوه (٢). وقيل: قاله أبو بكر جهرا، وقاله مؤمن آل فرعون سرا (٣). ﴿ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصر؛ فلا تتعرضوا لبأس الله وعذابه وقال: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنا﴾ ولم يقل: فمن ينصركم؟ تلطفا في النصيحة، ولأنه منهم فينبغي أن يحفظوه كما يحفظون أنفسهم. ﴿ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى﴾ يعني: ما أشير عليكم إلا بقتله ولا أستصوب إلا هو، ولقد كذب فيما قال؛ فإن قلبه كان مملوءا رعبا من موسى، ولكنه كان يتجلد، ولولا تجلده ما استشار أحدا. ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾

стр. 915

﴿جَبّارٍ (٣٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ (٣٧)﴾ قوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ﴾ الذين تحزبوا على الأنبياء فأهلكهم الله. ﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ لابد من تقدير محذوف فيه؛ أي: مثل جزاء دأبهم، و "مثل" الثاني منصوب بكونه عطف بيان للأول. ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ فيعاقبهم بغير ذنب. ﴿التَّنادِ﴾ قوله: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ﴾ (١). ويجوز أن يكون تصايحهم بالويل والثبور. ﴿مُدْبِرِينَ﴾ منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. قوله: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ هو يوسف بن يعقوب. وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يعقوب، أقام فيهم نبيا عشرين سنة وقيل: هو يوسف آخر، وقولهم: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ (٢٣٧ /أ) مقدمة جميلة تدل على تكذيب الرسل إذا جاءوا. قوله: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ بدل من ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ وفي قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ﴾ زيادة تعظيم لما فعلوه من الكفر، ووصف القلب بالجبروت والتكبر؛ لأنه منبعهما؛ كما تقول: رأت العين وسمعت الأذن، وكذلك قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢). والآثم هو الجملة ويجوز أن يكون على حذف مضاف؛ أي: على ذي قلب متكبر. الصرح: البناء الشاهق الذي لا يخفى وإن بعد، و ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ طرقها. وقوله: ﴿الْأَسْبابَ﴾ ثم أبدل منه ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ﴾ لأن الشيء إذا أبهم ثم فسر كان أبلغ، والذي زين هو الشيطان ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ (٣) أو الله . ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾ (٤). التباب: الخسران. افتتح مؤمن آل فرعون بتحقير أمر الدنيا وأنها شيء يستمتع به زمنا ثم يضمحل، وثنى بتعظيم الآخرة، وذكر

стр. 916

الأعمال وجزائها، ثم فرق بين دعوته إلى الله، ودعوة المشركين إلى الأصنام، فوقى الله المؤمن عقوبات الذين كفروا وحماه وعصمه، وحل ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ﴾. ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ (٤٢) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥)﴾ وقوله: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يدل على الكثرة، وأنه ليس مما يحصره العدد، وإنما كرر نداء قومه، وأتى بالواو في الثالث دون الثاني؛ فأما تكرير النداء ففيه زيادة إيقاظ، وأما دخول الواو في الثالث؛ فلأنها جملة أجنبية من الأول؛ بخلاف الثانية مع الأول. تقول: دعوته لكذا، أو دعوته إلى كذا؛ كقولك: هداه الطريق وهداه إلى الطريق. ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: بربوبيته، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم. ﴿لا جَرَمَ﴾ لا نفي لما سبق، و ﴿جَرَمَ﴾ فعل ماض، أي: حق؛ هذا مذهب البصريين (١). أي: حق ووجب بطلان دعوته أو بمعنى كسبت؛ كقوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ (٢). ويجوز أن يراد بقوله: ﴿لا جَرَمَ﴾ أي: لا بد من الجرم وهو القطع؛ أي: لا ينقطع استحقاقهم للعذاب؛ بل هو مستمر. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ أي: دعوة تجاب، ومن حق المعبود بحق أن يدعو الناس إلى عبادته. وقوله: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ لأنه في الدنيا جماد، وفي الآخرة ليس أهلا للشفاعة التي كانوا يرجونها منه، أو

стр. 917

جعل الدعوة العارية عن الإجابة كلا دعوة؛ قال الله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ (١). ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾ المجاوزين الحد. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ أي: يذكر بعضكم (٢٣٧ /ب) بعضا. ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ﴾ كانوا قد تهددوه فالتجأ إلى الله في وقاية شرهم. ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيباً مِنَ النّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩)﴾ ﴿النّارُ﴾ بدل من ﴿سُوءُ الْعَذابِ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ وعرضهم على النار: إحراقهم بها، يقال: عرض الأمير الأسارى على السيف أي: قتلهم به. قوله: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما سوى ذلك الله أعلم بحالهم؛ فإما أن يعذبوا بجنس آخر أو ينفّس عنهم. ويجوز أن يراد بالغدو والعشي الدوام. هذا مدة بقاء الدنيا فإذا جاءت القيامة قيل لهم: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ فإن قيل: فسرتم قوله تعالى: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ﴾ بالنار، وهم لم يعذبوا بالنار فلم يحق بهم سيئات ما مكروا؟ قلنا: يقال: إن من أضمر لشخص أن يحرقه بالنار فغرقه [لسمي ذلك حيقا] (٢) لحصول عقوبة ذنبه، وإن لم يكن من جنس ما عذب به. وقد استدل بهذه الآية على عذاب القبر. واذكر محاجة الرؤساء والأتباع، و ﴿تَبَعاً﴾ جمع تابع؛ كخادم وخدم، أو ذوي تبع، أو: وصفا بالمصدر، وقرئ: "كلا" (٣) على التأكيد لاسم "إن" فإن قلت: أيجوز؟

стр. 918

قلت: لا؛ لأن الجار والمجرور لا يعمل في الحال متقدما (١) تقول: كل يوم لك ثوب، ولا تقول: قائما في الدار زيد. ﴿قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ بحصول الجزاء؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قوله: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ولم يقل: لخزنتها؛ لأن اسمها فيه تهويل لا يحصل في الضمائر، ويحتمل أن يكون ﴿جَهَنَّمَ﴾ اسما لمكان مخصوص، يقال: بئر جهنم، أي: بعيدة القعر، وقولهم في النابغة: إنه جهنام (٢)؛ أي: بعيد الغور في الشعر (٣). وفيها أعتى العصاة وأطغاهم، ولعل العصاة اعتقدوا أن الخزنة أقرب إلى إجابة الدعوة؛ ولهذا تعمدوهم بالسؤال، وامتنع الخزنة من الدعاء، وعللوه بأن الرسل كانت تأتيكم ومعهم المعجزات فكذبتموهم، ونحن لا نشفع إلا لمن ارتضاه الله. ﴿قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٥٠) إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)﴾

стр. 919

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ قوله: ﴿قالُوا فَادْعُوا﴾ ليس دلالة على مصلحة؛ لأنهم علموا أن الشفاعة مردودة، ولا تفيد شيئا، وإنما الخزنة أيأسوهم بقولهم: ﴿فَادْعُوا﴾. ﴿هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ بالحجة والبرهان، وقد كتب الله أن حزب المؤمنين هم المنصورون، وإن انتصر الكفار في (٢٣٨ /أ) وقت؛ فأعداؤهم مقضي عليهم بالهلاك والدمار، وأما في الآخرة فظاهر، و" يوم "الثاني بدل من الأول. ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ يحتمل أنهم يعتذرون فلا يقبل منهم، أو: لا يتمكنون من الاعتذار؛ لقوله: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (١) ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ أي: سوء دار الآخرة. ﴿آتَيْنا مُوسَى الْهُدى﴾ جميع ما آتاه الله من التوراة والعلم والشرائع والمعجزات الخارقة للعادات. ﴿وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ﴾ يعني التوراة، ﴿هُدىً وَذِكْرى﴾ إرشادا وموعظة، وانتصابهما على المفعول له، أو على الحال، و ﴿لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ المؤمنون العاملون به. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ فاصبر على أذى المشركين، ودم على ما أنت عليه من الصبر؛ فإن العاقبة للمتقين. ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ قيل: هما صلاتا العصر والفجر ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ﴾ أي: تكبر أو إرادة دفع الآيات بالجدال. ﴿ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ أي: ما هم ببالغي موجب الكبر. وقيل: المجادلون هم اليهود؛ كانوا يقولون: يخرج صاحبنا المسيخ الدجال ويبلغ سلطانه البر والبحر؛ فسمى الله تمنيهم ذلك كبرا. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يسمع ما يقولون، ويبصر ما يفعلون فهو يجازيهم على ذلك. وأما كيفية اتصال ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ﴾ بما قبله؛ فلأن جدالهم كان في إنكار البعث؛ فأورد عليهم سبحانه قدرته على خلق السماوات والأرض؛ كما قال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها﴾ (٢) ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ لا ينظرون ولا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم. ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما﴾

стр. 920

﴿تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠)﴾ ضرب الأعمى والبصير مثلا للمحسن والمسيء. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يصدقون بالساعة. ﴿اُدْعُونِي﴾ اعبدوني، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ ولم يقل: عن دعائي. والاستجابة: الإجابة. وقيل: معناه: اعبدوني أثبكم. وعن الحسن: أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: اعملوا وأبشروا فإن حقا على الله أن يستجيب للذين آمنوا (١). وقيل للثوري: أندعو الله؟ فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء (٢). وفي الحديث: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (٣).وروي أن النبي ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" وتلا هذه الآية (٤). ويجوز أن يراد ظاهر اللفظ، وأن الدعاء نوع من العبادة (٢٣٨ /ب) وعن كعب "أعطى الله هذه الأمة ثلاثا لم يعطهن إلا الأنبياء: قال للنبي: أنت شاهدي على خلقي، وقال لهذه الأمة: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ (٥) وكان يقول للنبي ﷺ : ما عليك من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٦) وكان يقول للنبي ﷺ : ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٧).

стр. 921

﴿داخِرِينَ﴾ صاغرين ذليلين. ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ أي: يبصر فيه، وحقيقة الإبصار لأهل النهار لا للنهار. فإن قلت: قد جعل في صفة الليل: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ مفعولا من أجله، وفي ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ على الحال، وهلا جاء القرينان على حالة واحدة؟ قلت: هما متفقان من حيث المعنى، ولو أنه قال: والنهار لتبصروا فيه فاتت الفصاحة المأخوذة من المجاز، ولو قال: والليل سكنا لم يأت بالمقصود، والليل يوصف بالسكون حقيقة؛ يقال: ليل ساج. وقوله: ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ ولم يقل: لمتفضل ولا لمفضل؛ لأن الغرض تفضيل فضل الله على فضل كل ذي فضل، ولا يحصل ذلك المقصود إلا بالإضافة، كرر ذكر الناس بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ لأن ذكر الاسم الظاهر أبلغ من الكناية. ﴿ذلِكُمُ﴾ الموصوف: بما سبق هو ﴿اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخبار متوالية، ثم ذكر أن من جحد بآيات الله وجادل فيها فقد أفك كما أفكوا، ثم ذكر حجة أخرى وهي جعل الأرض مستقرا، والسماء كالقبة المضروبة؛ لأنها ترى على هذا الشكل. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ لم يخلق حيوانا أحسن من الإنسان؛ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١) ﴿فَادْعُوهُ﴾ فاعبدوه، و ﴿الَّذِينَ﴾ الطاعة،

стр. 922

قائلين: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وعن الحسن:" من قال لا إله إلا الله، فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين " (١) ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ متعلق بفعل محذوف؛ أي يبقيكم لتبلغوا، وأما قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى﴾ فمعناه: وفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى هو قيام الساعة. ﴿فَإِذا قَضى أَمْراً﴾ فإن فعله يقع من غير تأخر عن وقته الذي قدر فيه؛ لأن جميع المخلوقات مطيعة لأمره داخلة تحت حكمه. ﴿بِالْكِتابِ﴾ بالقرآن ﴿وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ من الكتب والصحف. وقوله: (٢٣٩ /أ) ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ شبيه بقولك: أريد أن أكرم زيدا أمس، لكن الأحوال الآتية عند الله كالكائنة الآن، ومنه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ (٢) ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ (٣) ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ (٤) ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ (٥) وأمثلته كثيرة. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾ وقرئ" إذ الأغلال فى أعناقهم والسّلسل "بالجر (٦) لأنك لو قلت: عنقه في الغل، أو الغل في عنقه كان المعنى مفهوما؛ فلك أن تعبر بأي العبارتين شئت، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:

стр. 923

مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها (١) كأنه قيل: ليسوا بمصلحين. ﴿يُسْجَرُونَ﴾ يوقدون؛ تقول: سجرت التنور: إذا أوقدته، وقال تعالى: ﴿نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ﴾ (٢). ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ يعني الآلهة فلا نراهم. فإن قيل: قالوا في قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٣): إن العابدين والمعبودين في النار، فكيف قالوا: ﴿ضَلُّوا عَنّا؟﴾ قلنا: يجوز أن يضلوا عنهم وقت التبكيت، ويجوز أن يكونوا معهم في كل وقت لكن لما لم ينفعوهم بالشفاعة كأن وجودهم كالعدم؛ ويدل عليه قوله: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾ أي: ما كنا نعبد شيئا يعتد به. ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾ أي: مثل ضلال آلهتهم عنهم نضلهم عن الآلهة. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وهو الشرك وعبادة الأوثان. ﴿اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السبعة المقسومة لكم ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ مثواكم وهو جهنم. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ﴾

стр. 924

﴿مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣)﴾ ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾ ﴿وَما﴾ مزيدة لتأكيد الشرط. قوله: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ إما أن يكون معطوفا على الشرط، فيبقى قوله: ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾ جزاؤه: ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ وقوله: ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ لا يدل على هذا الشرط، وإن جعل الجزاء عن قوله: ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾ وحده بقي المعطوف عليه بلا جزاء، فتقول: ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ متعلق ب" نتوفينك " وجزاء" نتوفينك "محذوف تقديره: ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب. وهو القتل يوم بدر فذاك، أو ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل بدر ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا﴾ (٢٣٩ /ب) قبل بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. وعن علي:" بعث الله نبيّا أسود فهو ممن لم يقص علينا خبره " (١) وهذا تسلية لرسول الله ﷺ فإن الله بعث من قبله رسلا كثيرين فكذبوهم؛ فدمر الله على المكذبين. ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ مقترحة ﴿إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ وعيد ورد عقيب اقتراح الآيات. ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ المعاندون الذين كذبوا بالآيات وسموها سحرا. ﴿الْأَنْعامَ﴾ الإبل خاصة. فإن قيل: هلا قال: لتركبوا عليها؟ قلنا: لأن في الركوب عليها يحصل أجر إذا سافر للغزو أو للحج أو لزيارة رجل صالح، وأما الأكل فإنه من باب المباح لا يرجى فيه ثواب، والمعنى ب" من "وب " على "صحيح؛ فلذلك جازت العبارة بأيهما شئت. ﴿فَأَيَّ آياتِ اللهِ﴾ جاءت على اللغة المشهورة، تقول: بأية أرض نزلت، وبأي أرض نزلت، وقد جاء بأية آية، ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ﴾ (٢) ﴿وَآثاراً﴾ قصورهم ومصانعهم. وقيل: كانت الأرض تتأثر بوطئهم بأرجلهم لعظم أجسامهم وثقلها. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ " ما "نافية أو استفهامية ومحلها النصب، و" ما "الثانية موصولة، أو مصدرية، ومحلها الرفع، التقدير: أي شيء أغنى عنهم كسبهم أو مكسوبهم.

стр. 925

﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ قيل هو استهزاء، ولا علم عندهم، وعلمهم الذي تلاشى: زعمهم أن لا بعث وأن الأصنام تشفع لهم. وقيل: المراد علم الفلسفة، بعلم جدهم يونان. وعن سقراط: أنه سمع بموسى ﵇ فقيل له: هاجر بنا إليه، فقال: نحن قوم مهذبون لا حاجة بنا إلى من يهذبنا (١). وقيل: فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح استهزاء، وتنقبض لما علمه الرسل من العلم، ويدل عليه قوله: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ وقيل: فرح الأنبياء: ما عندهم من العلم بهلاك المكذبين وحاق بالكافرين جزاء جهلهم. ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)﴾ و ﴿الْبَأْسَ﴾ العذاب الشديد؛ ومنه ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ (٢). فإن قيل: لو قيل: فلم ينفعهم إيمانهم. هل كان يقوم مقام قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ﴾؟ قلنا: هو مثل ﴿كانَ *﴾ في قوله: ﴿ما كانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ (٣). والتقدير: فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. فإن قلت: كيف ترادفت هذه الفاءات؟ قلت: أما قوله: ﴿فَما أَغْنى﴾ فهو نتيجة قوله: ﴿كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ وأما قوله (٢٤٠ /أ) ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ فجار مجرى البيان لقوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ تابع لقوله: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ﴾ كأنه قال: كفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا. ﴿سُنَّتَ اللهِ﴾ مصدر مؤكد؛ ك ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ (٤) و ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ (٥) و ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ (٦) و ﴿هُنالِكَ﴾ اسم مكان مستعار للزمان؛ أي: خسروا في ذلك الزمان، وهو وقت قيام الساعة، وكذلك قوله: ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ﴾ بعد قوله: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: خسروا وقت مجيء أمر الله، أو: وقت القضاء بالحق.

стр. 926

تفسير سورة حم السجدة (فصلت) [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥)﴾ إن جعلت ﴿حم﴾ اسما للسورة كانت مبتدأ، و ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبره، وإن جعلتها تعديدا للحروف كان" تنزيل "خبرا لمبتدأ محذوف. ﴿كِتابٌ﴾ بدل من" تنزيل "أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، وجوز الزجاج (١) أن يكون ﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ و ﴿كِتابٌ﴾ خبره ووجهه أن" تنزيلا "تخصص بالصفة فجاز الابتداء به؛ كقوله ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (٢) ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ ميزت وجعلت فصولا وأنواعا مختلفة من وعد ووعيد وأحكام ومواعظ وقصص وأمثال وغير ذلك. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ نصب على الاختصاص والمدح، أي: أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنا من صفته كيت وكيت. وقيل: هو نصب على الحال، أي: فصلت في حال كونه عربيا. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ عربيا نزل بلغتهم، وتعلق قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ إما ب" فصلت "أو ب" تنزيل "والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده. وقرئ" بشير ونذير "بالرفع (٣) صفة للكتاب أو خبر مبتدأ محذوف. ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يفهمون. تقول: شفعت عند فلان فلم يسمع قولي وقد سمعه لكنه لم يقبله. ﴿أَكِنَّةٍ﴾ جمع كنان وهو الغطاء، والوقر: بالفتح الثقل في الأذن، والوقر بكسر الواو: الحمل (٤) ﴿فَالْحامِلاتِ وِقْراً﴾ (٥) وبعده تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن فهمه

стр. 927

وتدبره كأن بينهم وبين رسول الله ﷺ حجابا منيعا أو حاجزا من جبل أو نحوه. ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ أمر تهديد وليس إذنا في العمل، أو: فاعمل على إبطال أمرنا؛ إنا عاملون على إبطال أمرك. و" من "في قوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ فيها فائدة وهي أن الحجاب قد سد ما بينهما، ولو فقدت (٢٤٠ /ب) " من "لكان الحجاب قد ابتدأ من أول البينونة، ولا يلزم استيعابه لما بينهما. فإن قلت: هلا قيل: على قلوبنا أكنة؛ كما قيل: وفي آذاننا وقر فيكونان على نمط واحد؟ قلت: المعنى واحد، وإن اختلف اللفظ؛ لقوله: ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ والملاحظة إنما تراعى في المعاني دون الألفاظ. ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١)﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ﴾ جواب لقولهم: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ﴾ من حيث إنه قال: لست ملكا؛ إنما أنا بشر. ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ أي: أجيبوا إلى الطاعة واسلكوا سبيلا سويا ليس فيه ميل عن الحق، وتوبوا إليه مما سبق منكم من الشرك، وقرئ" قل إنما أنا بشرا " (١).وإنما خص منع الزكاة بالتهديد وقرنه بالكفر بالآخرة؛ لأن المال شقيق الروح؛ فإن بذله في طاعة الله فقد جاهد نفسه جهادا كبيرا، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بعرض يسير من الدنيا، وأصحاب مسيلمة الكذاب تظاهروا بمنع الزكاة فكفروا وقاتلهم المسلمون. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾

стр. 928

غير مقطوع. وقيل: غير ممنون به. ﴿ذلِكَ﴾ الذي قدر على خلق الأرض وما فيها في يومين هو ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾. ﴿رَواسِيَ﴾ جبالا ثابتة، ولو كانت الجبال تحتها كالعمد أو مركوزة فيها كالمسامير لمنعت الأرض الميد والحركة، وإنما اختار جعلها فوق الأرض؛ لتكون المنافع التي في الجبال حاضرة لمن يطلبها، والجبال أثقال على أثقال وكلها ممسوكة بقدرة الله. ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ وأكثر خيرها وأنماه ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ﴾ كوامل لا نقص فيهن. قيل: خلق الله الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين، وخلق ما فيها في يوم الثلاثاء والأربعاء، وقال الزجاج: في تتمة أربعة أيام (١). قوله ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ جواب لسائل قال: ما المدة التي خلقت فيها السماوات والأرض؟ وقوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ﴾ يفيد فائدة وهي أن أكثر الأربعة قد يطلق عليه الأربعة، فإذا قال: ﴿أَرْبَعَةِ أَيّامٍ﴾. امتنع النقص والزيادة فيها. ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ ثم قصد إلى خلقها من غير أن يخلق فيما بينها وبين الأرض شيئا آخر ونحوه قوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ أي: اقصدوا عبادته من غير اعوجاج، ومعنى أمر السماوات والأرض بالإتيان تكونهما على ما أراد، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع، والغرض سرعة امتثال ما أراد من غير تأخر ولا اعتذار؛ فقال لهما: ﴿اِئْتِيا طَوْعاً﴾ وإلا أتيت بكما كرها. ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ وليس هناك خطاب ولا قول؛ قال في المثل: قال الجدار للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني (٢) (٢٤١ /أ) ويحتمل: وافقا أمري ومشيئتي، ولا تمتنعا قوله: ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ انتصابهما على الحال؛ طائعتين أو مكرهتين، وإنما قال: ﴿طائِعِينَ﴾ ولم يقل: طائعات أو طائعتين؛ لأنه أخبر عنهما بالطوع وهو صفة من يعقل ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤)﴾

стр. 929

﴿فَقَضاهُنَّ﴾ يجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره ما بعده. ﴿أَمْرَها﴾ ما فيها من مخلوقات الكواكب والملائكة. ﴿وَحِفْظاً﴾ أي: وحفظناها أن تقع على الأرض أو حفظناها من استراق ﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ (١). ويجوز أن يكون مفعولا له؛ أي: للحفظ. ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ بعد ما سمعوا من الحجج على وحدانيته فحذرهم أن تصيبهم صاعقة؛ أي: عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أتوهم من كل جانب وأعملوا في أمرهم كل حيلة فلم يروا منهم إلا الإعراض؛ كما حكى عن الشيطان: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ (٢) وقيل: أنذروهم بهلاك من هلك من الأمم وبيوم القيامة. "أن" في قوله: ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا﴾ مخففة من الثقيلة أو بمعنى (أي) ومفعول ﴿شاءَ﴾ محذوف، أي: لو شاء ربنا إنزال ملائكة لفعل. وقوله: ﴿بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ ليس إقرارا بالرسالة، وإنما هو على زعمكم؛ كقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (٣). روي أن أبا جهل قال: التبس علينا أمر محمد، فلو وجدنا من يكشف عن أمره؟ فانطلق إليه عتبة بن ربيعة فقال للنبي ﷺ : أنت تسفه أحلامنا وتسب آلهتنا، فإن كان بك الفقر جمعنا لك مالا تستغني به، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة من خيار قريش. فقال النبي ﷺ : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ فوضع عتبة يده على فم النبي ﷺ ثم ناشده الله والرحم ألا يفعل، ثم رجع عتبة إلى منزله ولم يأتهم؛ فظنوا أنه قد صبأ وأسلم؛ فجاءوا إليه وعنفوه؛ فحلف بالله لا يكلم محمدا أبدا، وقال: لقد علمتم صدق محمد، فلما هددنا بصاعقة عاد وثمود خفت أن ينزل بكم العذاب (٤).

стр. 930

﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾ ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ تعظموا فيها واستكبروا بما لا يوجب الكبر من كبر الأجساد وكثرة الأولاد فأهلكهم الله. ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ كانت عاد ذوي قوة، كان الرجل منهم يقتلع الصخرة العظيمة فيأتي بها إلى منزله، ومعنى كونه تعالى قويّا أنه يفعل ما يعجز أرباب القوى عنه. (٢٤١ /ب) والقوة في الآدميين صحة البنية والتمكن من المقدورات. ﴿يَجْحَدُونَ﴾ كانوا يعرفونها وينكرونها وكانوا فجرة فسقة. الصرصر: الريح التي تصوت في هبوبها. وقيل: الباردة التي تحرق بشدة بردها تكريرا للصر وهو البرد. الأصل في ﴿نَحِساتٍ﴾ نحسات: بكسر الحاء فخفف سكونها أو وصف بالمصدر كرجل عدل وفطر وصوم. وقرئ "لنذيقهم" (١) الريح أو العذاب أو الأيام النحسات. ﴿عَذابَ الْخِزْيِ﴾ إضافة الشيء إلى صفته؛ كأنه قال: العذاب المخزي، كما تقول: فعل السوء، أي: الفعل السيء. قوله: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى﴾ إسناد مجازي، ووصف العذاب بالخزي أبلغ من وصفهم به؛ كما تقول: فلان له شعر، وله شعر شاعر. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى﴾ فاختاروا الضلالة. فإن قيل: معنى هديته أي: حصلت له الهدى، فكيف يجتمع ذلك مع قوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى؟﴾ قلت: نزل السبب منزلة المسبب؛ فجعل الإيضاح والبيان بمنزلة الرشاد نفسه. ﴿صاعِقَةُ الْعَذابِ﴾ داهية العذاب، و ﴿الْهُونِ﴾ الهوان، وهو إما وصف بالمصدر أو بدل منه.

стр. 931

﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾ ﴿أَعْداءُ اللهِ﴾ الكفار من الأولين والآخرين. ﴿يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم ليلحق آخرهم به. و"ما" في قوله: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها﴾ زائدة، أي: تكون الشهادة عليهم وقت مجيئهم النار، شهادة الأيدي شهادة بالملامسة المحرمة وكل معصية تتعلق باليد من نقل محرم أو وضع اليد على ما لا يسوغ شرعا. وقيل: أراد بالجلود الفروج. وقيل: الجلود: الأعضاء كلها. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ عام مخصوص، تخصص بالحيوان، وبما تصح منه الحياة والمعنى أن نطقنا ليس بعجب؛ كما أن نطق سائر المخلوقات كذلك. ﴿ظَنُّكُمُ﴾ و ﴿أَرْداكُمْ﴾ خبران لا ﴿وَذلِكُمْ﴾. ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ لم ينفعهم الصبر ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ وإن يطلبوا العتبى وهو العود إلى ما كانوا عليه من الخير فما يجابون إلى ذلك ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ أي: سهلنا لهم قرناء؛ كقوله: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (١) ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ من أمر العاقبة. و ﴿الْقَوْلُ﴾ كلمة العذاب. ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في جملة قوم آخرين، وقوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أي: حق عليهم القول كائنين في جملة أمم.

стр. 932

﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ اللغو: الساقط من الكلام، أي: لا تسمعوا له عند قراءته، وتشاغلوا عنه برفع الأصوات بالخرافات (٢٤٢ /أ) حتى تخلطوا على القارئ قراءته فلا يتمكن من تفهيمها، وكان يوصي بعضهم بعضا بذلك. ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الذين تواصوا باللغو في القراءة، ويجوز أن يريد جميع الكفار. وقيل: ﴿عَذاباً شَدِيداً﴾ يوم بدر ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرة. ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الأسوأ، ويجب أن يكون التقدير: أسوأ جزاء الذي كانوا يعملون، حتى تستقيم هذه الإشارة، و ﴿النّارُ﴾ عطف بيان للجزاء، أو خبر مبتدأ محذوف. ومعنى قوله: ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾ أن النار في نفسها دار الخلد؛ كقوله: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). ﴿بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ يلغون فيها. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ ﴿الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ لأن الشياطين إنسي وجني؛ قال الله تعالى: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (٢) وقيل: هما إبليس وقابيل، فسن إبليس المعاصي، وسن قابيل القتل بغير حق. وقرئ: "أرنا" بسكون الراء (٣)؛ كقولهم في كتف وكبد وفخذ: كتف وكبد وفخذ. "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ لتفاوت رتب الاستقامة، ومثله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ (٤) والمعنى: ثم ثبتوا.

стр. 933

وعن أبي بكر الصديق ﵁: ثم استقاموا فعلا كما استقاموا قولا. وعنه: أنه سألهم عنها، فقالوا: لم يذنبوا فقال: حملتم الأمر على أشده؛ فقالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان " (١).وعن عمر قال: استقاموا على الطريقة ولم يروغوا روغان الثعالب (٢). وعن عثمان: أخلصوا العمل (٣). وعن علي: أدوا الفرائض (٤). وروي أن سائلا قال: يا رسول الله، مرني بعمل أعتصم به؛ فقال:" قل آمنت بالله ثم استقم، قال: فقلت: ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: فأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه فقال: هذا " (٥). ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عند الموت بالبشرى. وقيل: للبشرى في ثلاث مواطن: عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم. أن مخففة من الثقيلة، أو بمعنى أي، والخوف: غم يلحق لتوقع المكروه، والحزن: غم يلحق على أمر قد فات. وقيل: لا تخافوا على ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم. ﴿تُوعَدُونَ﴾ يتمنون، والنزل: رزق النزيل، وهو الضيف، وانتصابه على الحال. ﴿نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ﴾

стр. 934

﴿آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ ﴿مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ﴾ هو رسول الله ﷺ دعا الناس إلى دين الحق. وقيل: هم أصحاب رسول الله ﷺ . وقيل: هي عامة في كل من جمع هذه الأوصاف الثلاثة. ﴿وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢٤٢ /ب) يعني: اعتقد ذلك. يعني أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما؛ فإذا وجدت حسنتين إحداهما أعظم أثرا فاختر ما هو أعظم أثرا، ومثاله: رجل أساء إليك فالحسن أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته، وأحسن منه ألا تترك وجها من وجوه الإحسان إلا تفعله معه فإذا فعلت انقلب العدو المبين صديقا، ثم قال: وما يلقى هذه الخصلة ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على جهاد النفس وإلا رجل له حظ عظيم من الخير. وقيل: ﴿وَلا﴾ مزيدة والمعنى: ولا تستوي الحسنة والسيئة. وقيل: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عن الإساءة. وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وكان عدوا للنبي ﷺ فصار صديقا موافيا (١). النزغ والنسغ: هما متساويان بمعنى النخس، والشيطان يبعث على المعصية كما تبعث الدابة بالنخس، وجعل النزغ نازغا؛ كقوله: جدّ جدّه، جعل الجدّ جادّا، والمعنى: إن صرفك الشيطان عن مقابلة السيئة بالحسنة فاستعذ بالله من شره. والضمير في ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ لليل والنهار والشمس والقمر وموضع السجدة عند الشافعي: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ لأن الكلام تم عندها. وقال قوم: موضع السجدة عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ لأنها الآية التي فيها السجود، واحتج عليه الشافعي بآية النحل، وهو قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٢) وبقوله في النمل: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣) السجود عند تمام الكلام في هذه المواضع (٤). وكان قوم من الكفار يسجدون للشمس والقمر ويعتقدون

стр. 935

إلهيتهما، وكان قوم آخرون يزعمون أنهم موحدون لكن هذه الكواكب سبب في اشتراك الرزق ودفع الشدائد وواسطة بين الله وبين خلقه. فقيل لهم: اقطعوا هذه الوسائط ﴿وَاسْجُدُوا لِلّهِ﴾ خالقها. ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ لم يعبأ الله بهم؛ فإن عنده من الملائكة ما لا يحصى عددهم، وكلهم يسبحون الله؛ فهو غنيّ عن تسبيح هؤلاء. استعير الخشوع للأرض اليابسة التي لم تمطر؛ كما وصفها بالربو والاهتزاز إذا أخصبت. يقال: ألحد الحافر ولحد: إذا مال في حفره؛ فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن. واتصل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ (٢٤٣ /أ) بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ لأن كليهما تهديد، وهو بدل منه، و ﴿بِالذِّكْرِ﴾ القرآن. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ محمي بحماية الله ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (١) ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ﴾ لا يتطرق إليه الباطل ولا يجد إليه سبيلا، وهو مثل. فإن قلت: قد طعن فيه الطاعنون وتأول فيه المتأولون؟ قلت: لكن الله تعالى قيض طائفة من العلماء انتصبوا للذب عنه، وأجابوا عن أسئلتهم عليه، حتى ظهر ضعفها وانزاح باطلها. ما نقول للكفار قومك من الطعن والأذى إلا مثل ما قيل للرسل من قبلك، تسلية للنبي ﷺ عما كان يلقى من الكفار. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لأنبيائه ﴿وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ لأعدائهم، ويجوز أن يراد: ما ينزل عليك جبريل من الوحي إلا مثل ما كان ينزل على الأنبياء، والمقول هو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته.

стр. 936

كان الكفار يتعنتون ويقولون: هلا أنزل القرآن بلغة العجم؟ فقيل: لو كان الأمر كما زعمتم لم تتركوا الطعن ولقلتم: لولا أنزل مفصلا، أي: نزل بلسان العرب ليتفقهوه. ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ ﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ إنكار أن ينزل قرآن أعجمي بلغة العرب؛ أي: لأنكروا وقالوا: أقرآن أعجميّ ورسول عربيّ؟! والأعجميّ: الذي لا يفصح، والمعنى: إن هؤلاء القوم لا يقطعون التّعنّت. ﴿فَاخْتُلِفَ﴾ فقال قوم: هو حقّ، وقال آخرون: هو باطل، والكلمة السابقة هي العدة بيوم القيامة. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه مهّد؛ قال الله : ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (١) ﴿وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها﴾ أي: فعليها جنى. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إذا سئل عنها قيل: ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾. الكمّ بكسر الكاف: وعاء الطلعة ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ يشير بذلك إلى علمه بالجزئيات والكليات؛ كقوله: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ (٢) ﴿وَظَنُّوا﴾ وأيقنوا. والمحيص: المهرب. والقنوط: الذي يظهر عليه أثر اليأس، وهذه صفة الكافر؛

стр. 937

بدليل قوله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ (١). ﴿هذا لِي﴾ أي: حقي وصل إليّ. وقيل: للكافر أمنيتان يقول في الدنيا: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ ويقول في الآخرة: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ (٢) ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ استعير العرض أيضا للكبر؛ كما في قوله: ﴿عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (٣) وقرئ "ناء" (٤) على القلب من نأى. قوله: (٢٤٣ /ب) ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يراد بالجانب ذاته ونفسه كما جاء: ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (٥). وفي المكاتبات بخدم الحضرة أو المجلس والمراد الذات. والوجه الثاني: أن يراد ازوراره وميله؛ كما قالوا: ثنى عطفه وتولى بركنه. وقوله: ﴿فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ قائم مقام قوله: منكم. ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ﴾ هو ما فتح الله وسيفتح على المسلمين وخلفائهم من الأقطار المتباعدة والأقاليم المختلفة من بلاد المشرق والمغرب عموما وفي بلاد العرب خصوصا التي لم يتيسر أمثالها لأحد من الخلفاء قبلهم من استيلائهم على ملوك فارس والروم وغيرهم من الملوك. قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾ فاعل ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ﴾. وهو يطلع على حقائق الأمور فيأتي بها على ما يريد. ﴿مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بجمل الأشياء وتفصيلها، وهو مجازيهم في لقاء ربهم. ***

стр. 938

تفسير سورة حم عسق (الشورى) [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ ﴿حم﴾ ﴿عسق كَذلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الوحي أو مثل ذلك الكتاب ﴿يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله فيما سبق في غيرها من السور، وأوحاه من قبلك إلى رسوله، على معنى أن الله كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية؛ لما فيها من التنبيه البليغ واللطف العظيم بعباده من الأولين والآخرين. ولم يقل: أوحى إليك، ولكن على لفظ المضارع؛ ليدل على أن إيحاء مثل عادته. وقرئ "يوحى إليك" (١) على البناء للمفعول. فإن قلت: فما رافع اسم الله على هذه القراءة؟ قلت: ما دل عليه "يوحى" كأن قائلا قال: من الموحي؟ قال: ﴿اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ؛﴾ كقراءة السلمي: "وكذلك زيّن لكثير مّن المشركين قتل أولدهم شركآؤهم" (٢) كأن قائلا قال: من زينه؟ قال: شركاؤهم. فإن قلت: ومن قرأ: "نوحي" بالنون (٣). قلت: يرتفع بالابتداء. و ﴿الْعَزِيزُ﴾ وما بعده أخبار، و ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان، والظرف خبر.

стр. 939

وقرئ ﴿تَكادُ﴾ بالتاء والياء (١) و ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ و (تنفطرن) (٢) فجمع بين علامتي تأنيث؛ تاء المضارعة، ونون ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ ومثله: الإبل تتشممن، ومعناه: يكدن يتفطرن من علوّ شأن الله تعالى وعظمته، يدل عليه مجيئه بعد ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وقيل: من دعائهم له ولدا؛ كقوله: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ (٣) فإن قلت لم قال: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ؟﴾ قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال (٢٤٤ /أ) والعظمة فوق السماوات وهي العرش والكرسي وصفوف الملائكة المرتجّة بالتسبيح والتقديس حول العرش وما لا يعلم كنهه إلا الله من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي: يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية، أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذين تحت السماوات فكان القياس أن يقال: من تحتهن؛ من الجهة التي منها جاءت الكلمة، ولكنه بولغ في ذلك، فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهنّ دع الجهة التي تحتهنّ، ونظيره في المبالغة قوله : ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ﴾ (٤) فجعل الحميم مؤثرا في أجزائهم الباطنة. وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ من فوق الأرضين. فإن قلت: كيف صحّ أن يستغفروا لمن في الأرض، وفيهم الكفار وأعداء الله؟ وقد قال الله - تعالى -: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ﴾ (٥) فكيف يكونون لاعنين مستغفرين؟ قلت: قوله: ﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يدل

стр. 940

على جنس أهل الأرض، وهذه الجنسية قائمة في كلهم وفي بعضهم؛ فيجوز أن يراد به هذا وهذا، وقد دلّ الدليل على أن الملائكة لا يستغفرون إلا لأولياء الله وهم المؤمنون، فما أراد الله إلا إياهم؛ ألا ترى إلى قوله في سورة المؤمن: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وحكايته عنهم: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ (١) ويجوز أن يراد بالاستغفار للعصاة طلب الحلم عنهم وألا يعجل عقوبتهم، بل يؤخرها إلى يوم القيامة، وقد مضى في تفسير قوله: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ وجهان: أحدهما: يتفطرون من إجلال الله وعظمته؛ فعلى هذا يكون الانفطار من إجلال الله وعظمته كذلك، والملائكة المعظمون جلال الله الحافون حول العرش عندهم من الخوف من الله فوق ما يظن. والثاني: يتفطرن لدعواهم لله ولدا، فعلى هذا يكون المراد: تكاد السماوات يتفطرن من إقدامهم على دعوى الشريك والولد لله مع أن الملائكة الحافين حول العرش دائمون على التسبيح الموظف عليهم، وعلى الاستغفار لأهل الأرض الذين تبرءوا من هذه الكلمة. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ جعلوا له شركاء وأندادا. ﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ رقيب عليهم. قوله ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: وما عليك إلا البلاغ، ولست بمسؤول عن هؤلاء، ولا فوض إليك أن تكرههم على اتباع الحق. ومثل ذلك ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ حال من (٢٤٤ /ب) المفعول به وهو قوله: ﴿قُرْآناً﴾. ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ أهل أم القرى ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ عذاب يوم الجمع يجتمع فيه الخلق وأهل السماوات وأهل الأرض. وقيل: يجتمع الظالم والمظلوم. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له وقرئ ﴿فَرِيقٌ﴾ و "فريقا"

стр. 941

بالرفع والنصب (١) فمن قرأ ﴿فَرِيقٌ﴾ بالرفع فهو مبتدأ والخبر في المجرور، ومن قرأ بالنصب نصبه على الحال، وقد وصفهم في الآية بالاجتماع بقوله: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ ووصفهم بالتفرق عند استقرارهم في داري السعادة والشقاوة. ﴿لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: لو شاء مشيئة اختيار، ولكنه شاء ضلالهم، قال: ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) ومعنى الاستفهام في قوله: ﴿أَمِ﴾ الإنكار. ﴿فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ وهو وحده قادر على إحياء الموتى خلاف ما دعوه من الأصنام إلها. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ﴾ ممكن ﴿قَدِيرٌ،﴾ ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ﴾ أنتم والكفار في شيء من أمور الديانات فعلمه مفوض إلى الله وحده. وقيل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فتحاكموا فيه إلى رسول الله ﷺ ولا تحكموا فيه غيره. وقيل: وما اختلفتم فيه من معاني القرآن فاعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فما وافق ذلك فهو الحق. وقيل: وما اختلفتم فيه من علم لا يطلع عليه العباد فقولوا: الله أعلم، وذلك كمعرفة الروح. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية (٣). ولا يجوز حمله على الخلاف في الفقهيات؛ لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول ﷺ . ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من جنسكم ﴿أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ﴾ أي: من أنفسها ﴿أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ﴾ ينثركم ﴿فِيهِ﴾ في هذا التدبير. ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ له مفاتيح خزائنها، وهو من باب التمثيل؛ شبه بمن سلمت له مفاتيح ملك فهو يتصرف فيه. ﴿وَيَقْدِرُ﴾

стр. 942

ويضيق ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عالم غير مخصوص لا يشذ شيء عن علم الله. ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ هي أصول الشرائع والاعتقادات؛ بخلاف الفقهيات؛ فإنها مختلفة باختلاف الشرائع ﴿وَما وَصَّيْنا﴾ يعني: والذي وصينا. هؤلاء الأنبياء الخمسة هم مشايخ الأنبياء حتى قيل: إن أولي العزم من الرسل هم (٢٤٥ /أ) هؤلاء الخمسة، وأخرجوا آدم منهم؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ (١) وكذلك أخرجوا يونس؛ لقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ (٢) وقد ذكر الله هؤلاء الأنبياء الخمسة مرة أخرى في سورة الأحزاب، قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (٣) ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ أي: أقيموا؛ لأن في معنى ﴿شَرَعَ﴾ معنى القول، وهو من قولهم: قام بالأمر: إذا أتى به على أكمل الوجوه. ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾ ولا تختلفوا. ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من الوحدانية. ﴿اللهُ يَجْتَبِي﴾ يصطفي ويختار ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ من يرجع إليه بالتوبة والعبادة. ﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾

стр. 943

﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بصحة نبوة محمد ﷺ ﴿بَغْياً﴾ مفعول من أجله، وكانوا يظنون أن النبي المبعوث في آخر الزمان من أولاد إسحاق؛ فيكون من بني إسرائيل، فلما جاء من ولد إسماعيل حسدوا العرب لكونه منهم. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب إلى يوم القيامة لعاجلهم بالهلاك. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ﴾ موقع في الريب والقلق وليس الريب الشك؛ لقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ فجعل الريب موجبا للشك ﴿فَلِذلِكَ﴾ أي: فلهذا الدين الحق ﴿فَادْعُ﴾ أي: الناس إلى اتباعه ﴿وَاسْتَقِمْ﴾ أي: دم على الاستقامة ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من الكتاب والصحف؛ لقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (١) ولقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٢) ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ قيل: اللام بمعنى ﴿وَإِنَّ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٤) والمشهور أن "كي" مقدرة قبل ﴿إِنَّ﴾ والتقدير: لأن أعدل. قوله: ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ قال بعض من غلط: إن هذه الآية منسوخة لأنها تفهم المتاركة، وقد كلّف الرسول والمؤمنون بقتال الكفار، وهذا غلط؛ لأن عمل رسول الله ﷺ له وعملهم لهم، ولم يتغير هذا الحكم ولم ينسخ. قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ (٢٤٥ /ب) أي: من بعد ما أطاعه الناس وأجابوا. الدحض: الزلق ومزلة الإقدام، سماها حجة وهي باطلة ليست بحجة لأنهم أجروها مجرى الحجة. قوله: ﴿وَالْمِيزانَ﴾ قيل: أنزل الميزان من السماء. وقيل: نزلت الآية من السماء. ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ أي: ذات قرب، وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) مثل ذلك. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: يجادلون فيها بالباطل. قوله: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ يرشدهم إلى ما يصلحهم.

стр. 944

﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾ ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ ما نشاء لمن نريد؛ حمل المطلق على المقيد. ومعنى الهمزة في ﴿أَمْ﴾ التقرير، وشركاؤهم: شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث. وقيل: شركاؤهم: أوثانهم، وأضيفت إليهم؛ لأنهم اتخذوهم شركاء لله؛ فكانت سببا لضلالتهم؛ كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ (١) أي: كانوا سببا للضلال. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ أي: بتأخير العذاب إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين المؤمنين والكافرين، أو بين الأصنام وعبدتها. ﴿تَرَى الظّالِمِينَ﴾ في الآخرة: ﴿مُشْفِقِينَ﴾ من جزاء ما كسبوا. قوله: ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: وباله واقع بهم. الروضة: أطيب بقاع الجنة وأنزهها. ﴿ذلِكَ﴾ الثواب ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ﴾ به، فحذف الجار لدلالة الكلام عليه، ثم حذف الراجع كقوله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ (٢) أي: بعثه الله. قوله: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ يجوز أن يكون متصلا، والتقدير: إلا أن تودوني لقرابتي منكم، ولم يكن هذا أجرا في الحقيقة، ويجوز أن يكون منقطعا، أي: لا أسألكم عليه أجرا قط، ولكني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم، ومعنى دخول ﴿فِي﴾ في قوله: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ أنهم يجعلون القرابة محلا للمودة؛ كقولك: لي في فلان مودة، وليست "في" صلة؛ إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به، والقربى: مصدر بمعنى القرابة وروي أنها لما نزلت قالت الصحابة للنبي ﷺ : من ذوو قرابتك الذين أمرنا بمودتهم؟ فقال: "عليّ

стр. 945

وفاطمة وابناهما" (١).وقيل: لم يكن (٢٤٦ /أ) بطن من قريش إلا ولرسول الله ﷺ مدخل فيه، والمعنى: أن تودوني في قرابتي، أي: لأجلها؛ كقولك: الحب في الله والبغض في الله، وإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حقّ القربى ولا تميلوا كل الميل وقيل: جاءت الأنصار إلى رسول الله ﷺ بمال جمعوه، وقالوا: يا رسول الله قد هدانا الله بك، وأنت ابن أخينا وتعروك نوائب وليس لك مال تصرفه فيها؛ فاستعن بهذا المال على ما ينوبك، فنزلت ورده (٢). وقيل: ﴿الْقُرْبى﴾ التقرب إلى الله؛ أي: لا تحبوا إلا الله ورسوله. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ هي مودة آل رسول الله ﷺ والظاهر شمول كل حسنة، لكنها لما جاءت عقيب المودة في القربى صار كأن الآية نزلت فيهم خاصة. والشكور في صفة الله مجاز، ومعناه الاعتداد بالطاعة وتوفية الثواب. ﴿أَمْ﴾ منقطعة للتوبيخ، والمعنى: أتضيفون إلى النبي الافتراء على الله؟ وإنما يقع ذلك ممن ختم على قلبه، والنبي ﷺ قد سطعت أنوار هدايته كما تقول لمن استخان شخصا، وزعم أنه أكل ماله والشخص بريء فيقول: إن كان الله ختم على قلبي أو منعت النظر إلى الصواب واعتماد فعله، وإنما يريد استبعاد أن يخون مثله. ومن عادة الله محو الباطل؛ يعني: لو كان كما يزعمون لغلب الحق على باطله فدمغه فهلك، ويجوز أن يكون ذلك وعدا بنصرة رسول الله ﷺ ومتابعيه وخذلان الكفرة وإخزائهم. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في صدرك وصدورهم؛ فهو يجري الأمر على ما تقتضيه حكمته. وقال

стр. 946

قتادة: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ينسيك القرآن ويقطع عنك الوحي (١)، أي: لو افترى على الله الكذب لفعل به ذلك. وقيل: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ يربط عليه بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم. ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ مرفوع غير مجزوم. تقول: قبلت عن فلان كذا بمعنى: جعلته أول قبول، وتقول قبلته عن فلان؛ أي: جعلته واصلا إليّ من جهته، و ﴿التَّوْبَةَ﴾ الندم على ما مضى من التقصير والعزم على الإصلاح في المستقبل وأن يقلع في الحال عن المعصية وإن كان في المعصية حقّ لآدمي فلا بدّ من إيفائه أو من الإبراء منه. وروي أن عليا قال لبعض العرب وقد استغفر الله: إن سرعتك بالتوبة بلسانك توبة الكذابين، وتوبتك هذه تحتاج إلى توبة، فقال: وما التوبة؟ فقال: معنى يشمل أمورا ستة (٢٤٦ /ب) على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته (٢). ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يستجيب لهم، فحذف اللام كقوله ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ (٣) أي كالوا لهم ووزنوا لهم. وقيل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فاعل، والذين آمنوا هم المستجيبون لداعي الله ومناديهم المنادي بالإيمان. ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ لظلم بعضهم بعضا، وكفى بحال قارون عبرة، وقال ﵇: "أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها" (٤).أو من البغي وهو البذخ

стр. 947

والكبر، أي: لتكبروا فيها. وقيل: نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الدنيا والغنى (١). وقال خباب بن الأرت: فينا أنزلت؛ نظرنا إلى أموال الكفار وسعتها وتقلباتهم فيها فتمنيناها فنزلت (٢). ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار معين، ولو أغنى الناس كلهم لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا وهو أعلم بمصالحهم. فإن قلت: قد نرى الظالم مستمرّا على ظلمه إلى الموت، ونرى المظلوم مستمرّا على الاستضعاف؟ قلنا: لا شبهة في أن البغي مع الغنى أكثر، فلو أغنى الكل لكثر البطر، وغلب الفساد. ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ وهي آثار المطر من الخصب وسعة الأرزاق. وعن عمر: أنه قيل له: قحط الناس وقنطوا، فقال: الآن تمطرون، وتلا هذه الآية (٣). ويجوز أن يشير بالرحمة إلى جميع أنواعها. ﴿الْوَلِيُّ﴾ يتولى عباده ﴿الْحَمِيدُ﴾ في السماوات والأرض. ﴿وَما بَثَّ﴾ يجوز أن يكون مرفوعا ومجرورا. فإن قلت: ﴿وَما بَثَّ فِيهِما﴾ يوجب أن يكون في السماء دواب وليس كذلك؟ قلت: يجوز نسبة الشيء إلى الشيء وهو لبعضه، ومنه قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٤) وإنما يخرجان من الملح دون العذب، ويجوز أن تكون الملائكة تمشي مع الطيران؛ فوصفوا بالدبيب. ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾ ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ فما يؤاخذ به. وعن علي ﵁: "من عفا الله عنه في الدنيا عفا الله عنه في الآخرة" ورواه مرفوعا بعضهم (٥). وعنه: "هذه أرجى آية في القرآن" (٦).

стр. 948

﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين ما قضى عليكم. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ متول لأمركم. ﴿الْجَوارِ﴾ السفن وقولهم: الجوار بضم الراء كقولهم: الباز الأشهب. ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ كالجبال؛ قالت الخنساء (٢٤٧ /أمن البسيط): ... كأنه علم في رأسه نار (١) ﴿رَواكِدَ﴾ ثوابت لا تجري. ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ أي: على ظهر البحر. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ على البلاء ﴿شَكُورٍ﴾ على النعماء. ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ تركد المراكب على ظهر البحر ويرسل الريح عاصفة فيغرقهن، فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿يُوبِقْهُنَّ؟﴾ قلت: على. ﴿يُسْكِنِ﴾ والمعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها. وإن قلت: فلم جزم ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ؟﴾ قلت: لأن المعنى: إن يشأ يسكن أو يوبق. وإن قلت: فما موجب الحركات الثلاث في ﴿وَيَعْلَمَ؟﴾ قلت: أما الجزم فعلى ظاهر العطف، وأما الرفع فعلى الاستئناف، وأما النصب (٢) فللعطف على منصوب محذوف، والتقدير: لينتقم منهم، ويعلم الذين يجادلون. وأما قول الزجاج (٣): النصب على إضمار "أن" لأن قبلها جزاء، تقول: ما تصنع أن أصنع مثله وأكرمك، وإن شئت: أكرمك؛ على: وأنا أكرمك، وإن شئت: وأكرمك جزما ففيه نظر ما أورده سيبويه في كتابه (٤): واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك، وأعطيك ضعيف، وهو نحو قوله [من الوافر]: سأترك منزلي ببني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا (٥)

стр. 949

فهذا ليس بحد الكلام ولا وجهه، إلا أنه بالجزاء صار أقوى قليلا؛ لأنه ليس بواجب أن يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه؛ كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه، ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد في الكلام، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة، فإن قلت: كيف وجه المعنى إذا جزمت ﴿وَيَعْلَمَ؟﴾ قلت: كأنه قال: أو إن يشأ يجمع بين أمور ثلاثة؛ هلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين. ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ من مخلص ولا ملجأ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ﴾ ضمنت "ما" معنى الشرط؛ فدخلت الفاء لذلك. روي أنه اجتمع لأبي بكر الصديق مال فتصدق به كله في سبيل الله فلامه طائفة من المسلمين وخطأه الكافرون؛ فنزلت (١). ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وكذلك ما بعده. ومعنى ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ الكبائر من هذا الجنس. وقيل: ﴿الْإِثْمِ﴾ الشرك. و ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ هم الأخصاء بالمغفرة عند الغضب، ومثله قوله: (٢٤٧ /ب) ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٢). ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوا دعاء داعيه ونزلت في الأنصار، وكانوا قبل هجرة الرسول ﷺ إذا حزبهم أمر اجتمعوا وتشاوروا؛ فأثنى الله عليهم بذلك (٣).

стр. 950

والشورى: مصدر بمعنى التشاور؛ كما أن الفتيا مصدر. فإن قلت: أيحمدون على الانتصار؟ قلت: نعم؛ فإن من أخذ حقه ولم يزد عليه ممدوح عند الله بأنه لم يتعد حدوده. ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ كلاهما بمعنى ما يسوء الإنسان؛ لأن من انتقم منه بالحق ساءه ذلك ولم يهن عليه. ﴿فَمَنْ عَفا﴾ عمن ظلمه، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ما بينه وبينه ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ عدة مبهمة عظيمة المقدار. في الحديث: "ينادي مناد يوم القيامة: من كان له على الله حق فليقم، فيقوم العافون وهم قليل" (١). وقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ فيه تلويح؛ أن من انتصر لنفسه لا يخلو من تحيف وخصوصا في حال الحرب فربما كان المجازى من الظالمين، وهو لا يشعر. ﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول. ﴿فَأُولئِكَ﴾ إشارة إلى معنى ﴿مِنْ﴾ دون لفظها. ﴿ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ لمن يذمهم: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ على الظلم والأذى ﴿وَغَفَرَ﴾ ولم ينتصر ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ﴾ أي: لمنه؛ فحذف الراجع والمراد: إنه من جملة الأمور المعزوم عليها. وروي أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن، فكظم المسبوب نفسه عن الجواب وعرق، ثم قام وهو يتلو هذه الآية، فقال الحسن: عقلها والله (٢). والغفر مندوب إليه، وقد ينعكس
следующие страницы →