← Тафсир

Тафсир · id 533

تفسير القرآن العظيم - السخاوي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 304 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قتادة: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ ينسيك القرآن ويقطع عنك الوحي (١)، أي: لو افترى على الله الكذب لفعل به ذلك. وقيل: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ يربط عليه بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم. ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ مرفوع غير مجزوم. تقول: قبلت عن فلان كذا بمعنى: جعلته أول قبول، وتقول قبلته عن فلان؛ أي: جعلته واصلا إليّ من جهته، و ﴿التَّوْبَةَ﴾ الندم على ما مضى من التقصير والعزم على الإصلاح في المستقبل وأن يقلع في الحال عن المعصية وإن كان في المعصية حقّ لآدمي فلا بدّ من إيفائه أو من الإبراء منه. وروي أن عليا قال لبعض العرب وقد استغفر الله: إن سرعتك بالتوبة بلسانك توبة الكذابين، وتوبتك هذه تحتاج إلى توبة، فقال: وما التوبة؟ فقال: معنى يشمل أمورا ستة (٢٤٦ /ب) على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته (٢). ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يستجيب لهم، فحذف اللام كقوله ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ (٣) أي كالوا لهم ووزنوا لهم. وقيل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فاعل، والذين آمنوا هم المستجيبون لداعي الله ومناديهم المنادي بالإيمان. ﴿لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ لظلم بعضهم بعضا، وكفى بحال قارون عبرة، وقال ﵇: "أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها" (٤).أو من البغي وهو البذخ

стр. 947

والكبر، أي: لتكبروا فيها. وقيل: نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الدنيا والغنى (١). وقال خباب بن الأرت: فينا أنزلت؛ نظرنا إلى أموال الكفار وسعتها وتقلباتهم فيها فتمنيناها فنزلت (٢). ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار معين، ولو أغنى الناس كلهم لبغوا ولو أفقرهم لهلكوا وهو أعلم بمصالحهم. فإن قلت: قد نرى الظالم مستمرّا على ظلمه إلى الموت، ونرى المظلوم مستمرّا على الاستضعاف؟ قلنا: لا شبهة في أن البغي مع الغنى أكثر، فلو أغنى الكل لكثر البطر، وغلب الفساد. ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ وهي آثار المطر من الخصب وسعة الأرزاق. وعن عمر: أنه قيل له: قحط الناس وقنطوا، فقال: الآن تمطرون، وتلا هذه الآية (٣). ويجوز أن يشير بالرحمة إلى جميع أنواعها. ﴿الْوَلِيُّ﴾ يتولى عباده ﴿الْحَمِيدُ﴾ في السماوات والأرض. ﴿وَما بَثَّ﴾ يجوز أن يكون مرفوعا ومجرورا. فإن قلت: ﴿وَما بَثَّ فِيهِما﴾ يوجب أن يكون في السماء دواب وليس كذلك؟ قلت: يجوز نسبة الشيء إلى الشيء وهو لبعضه، ومنه قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٤) وإنما يخرجان من الملح دون العذب، ويجوز أن تكون الملائكة تمشي مع الطيران؛ فوصفوا بالدبيب. ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾ ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ فما يؤاخذ به. وعن علي ﵁: "من عفا الله عنه في الدنيا عفا الله عنه في الآخرة" ورواه مرفوعا بعضهم (٥). وعنه: "هذه أرجى آية في القرآن" (٦).

стр. 948

﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين ما قضى عليكم. ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ متول لأمركم. ﴿الْجَوارِ﴾ السفن وقولهم: الجوار بضم الراء كقولهم: الباز الأشهب. ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ كالجبال؛ قالت الخنساء (٢٤٧ /أمن البسيط): ... كأنه علم في رأسه نار (١) ﴿رَواكِدَ﴾ ثوابت لا تجري. ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ أي: على ظهر البحر. ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ على البلاء ﴿شَكُورٍ﴾ على النعماء. ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ تركد المراكب على ظهر البحر ويرسل الريح عاصفة فيغرقهن، فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿يُوبِقْهُنَّ؟﴾ قلت: على. ﴿يُسْكِنِ﴾ والمعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها. وإن قلت: فلم جزم ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ؟﴾ قلت: لأن المعنى: إن يشأ يسكن أو يوبق. وإن قلت: فما موجب الحركات الثلاث في ﴿وَيَعْلَمَ؟﴾ قلت: أما الجزم فعلى ظاهر العطف، وأما الرفع فعلى الاستئناف، وأما النصب (٢) فللعطف على منصوب محذوف، والتقدير: لينتقم منهم، ويعلم الذين يجادلون. وأما قول الزجاج (٣): النصب على إضمار "أن" لأن قبلها جزاء، تقول: ما تصنع أن أصنع مثله وأكرمك، وإن شئت: أكرمك؛ على: وأنا أكرمك، وإن شئت: وأكرمك جزما ففيه نظر ما أورده سيبويه في كتابه (٤): واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك، وأعطيك ضعيف، وهو نحو قوله [من الوافر]: سأترك منزلي ببني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا (٥)

стр. 949

فهذا ليس بحد الكلام ولا وجهه، إلا أنه بالجزاء صار أقوى قليلا؛ لأنه ليس بواجب أن يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه؛ كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه، ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد في الكلام، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة، فإن قلت: كيف وجه المعنى إذا جزمت ﴿وَيَعْلَمَ؟﴾ قلت: كأنه قال: أو إن يشأ يجمع بين أمور ثلاثة؛ هلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين. ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ من مخلص ولا ملجأ. ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ ﴿فَما أُوتِيتُمْ﴾ ضمنت "ما" معنى الشرط؛ فدخلت الفاء لذلك. روي أنه اجتمع لأبي بكر الصديق مال فتصدق به كله في سبيل الله فلامه طائفة من المسلمين وخطأه الكافرون؛ فنزلت (١). ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وكذلك ما بعده. ومعنى ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ الكبائر من هذا الجنس. وقيل: ﴿الْإِثْمِ﴾ الشرك. و ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ هم الأخصاء بالمغفرة عند الغضب، ومثله قوله: (٢٤٧ /ب) ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٢). ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوا دعاء داعيه ونزلت في الأنصار، وكانوا قبل هجرة الرسول ﷺ إذا حزبهم أمر اجتمعوا وتشاوروا؛ فأثنى الله عليهم بذلك (٣).

стр. 950

والشورى: مصدر بمعنى التشاور؛ كما أن الفتيا مصدر. فإن قلت: أيحمدون على الانتصار؟ قلت: نعم؛ فإن من أخذ حقه ولم يزد عليه ممدوح عند الله بأنه لم يتعد حدوده. ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ كلاهما بمعنى ما يسوء الإنسان؛ لأن من انتقم منه بالحق ساءه ذلك ولم يهن عليه. ﴿فَمَنْ عَفا﴾ عمن ظلمه، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ما بينه وبينه ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ عدة مبهمة عظيمة المقدار. في الحديث: "ينادي مناد يوم القيامة: من كان له على الله حق فليقم، فيقوم العافون وهم قليل" (١). وقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ فيه تلويح؛ أن من انتصر لنفسه لا يخلو من تحيف وخصوصا في حال الحرب فربما كان المجازى من الظالمين، وهو لا يشعر. ﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول. ﴿فَأُولئِكَ﴾ إشارة إلى معنى ﴿مِنْ﴾ دون لفظها. ﴿ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ لمن يذمهم: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ على الظلم والأذى ﴿وَغَفَرَ﴾ ولم ينتصر ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ﴾ أي: لمنه؛ فحذف الراجع والمراد: إنه من جملة الأمور المعزوم عليها. وروي أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن، فكظم المسبوب نفسه عن الجواب وعرق، ثم قام وهو يتلو هذه الآية، فقال الحسن: عقلها والله (٢). والغفر مندوب إليه، وقد ينعكس

стр. 951

الحال فيصير الانتصار مندوبا إليه، وذلك إذا أريد به قطع مادة الفتنة. روي أن زينب أسمعت عائشة كلاما يؤلمها فقالت: وكان النبي ﷺ ينظر إليّ ثم أشار إلى عائشة أن دونك فانتصري؛ ففعلت (١). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ ﴿خاشِعِينَ﴾ ذليلين، وقد تعلق ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ ب "خاشعين" ويوقف على " خاشعين". ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي: يبتدئ نظرهم بحركة أجفانهم حركة خفيفة؛ كما ترى المصبور (٢) ينظر إلى (٣) السيف. وقيل: يحشرون عميا فلا ينظرون إلا بقلوبهم وهو بعيد ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إما أن يتعلق ب ﴿خَسِرُوا﴾ ويكون ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ واقعا في الدنيا. ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ لا يرده الله بعد ما حكم به، أو من صلة ﴿يَأْتِيَ﴾ أي: يأتي من الله ما لا مرد له بعد حكمه به. والنكير: (٢٤٨ /أ) الإنكار، أي: ما لكم من مخلص، ولا تقدرون أن تنكروا شيئا مما اقترفتموه ودوّن في صحائف أعمالكم.

стр. 952

والمراد بالإنسان في قوله: ﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ الجنس؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٢). والرحمة: النعمة؛ من الصحة والغنى وغيرهما، و ﴿سَيِّئَةٌ﴾ البلاء؛ من المرض والفقر وغيرهما، والكفور: مبالغة في الكافر؛ أي: جاحد النعم ينسى النعم. لما ذكر إصابة النعمة والشدة أتبع ذلك بقدرته على أنه يهب لقوم الذكور من الأولاد ولآخرين الإناث. ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً﴾ لا يولد له فإن قيل: لم قدم الإناث على الذكور؟ ولم عرف الذكور بعد ما نكر الإناث؟ قلنا: أما البداية بالإناث؛ فلأنه سبق أنه يفيض على قوم نعما وعلى قوم خلافها، فسياق الكلام يرشد إلى أنه يفعل ما يشاء، لا ما يشاءون، فقدم الإناث؛ لأن العرب كانت تعدهن بلاء ثم عاد إلى تقديم الذكور؛ جريا على الأصل، وتنبيها على أن تقديمهن لم يكن لشرفهن، إنما كان لمقتض آخر، ونوه بذكر ﴿الذُّكُورَ﴾ بالتعريف؛ لأنهم الأشهر؛ كما قال: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٣) ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ (٤). وقيل: المراد: الأنبياء؛ حين وهب لشعيب وللوط الإناث ولإبراهيم الذكور، ولمحمد ﷺ ذكورا وإناثا وجعل يحيى وعيسى عقيمين. ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ ﴿وَما كانَ﴾ وما صح ﴿لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ﴾ على أوجه؛ إما على طريق الوحي وهو الإلهام والقذف في القلوب، أو المنام؛ كما أوحى إلى إبراهيم في أمر الذبيح، وكما أوحى إلى أم موسى، وإما أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام؛ كما خلق كلامه في الشجرة؛ كما قال تعالى: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ (٥) وقوله: ﴿مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾

стр. 953

تمثيل؛ كما يكلم الملك بعض خواصه من وراء الحجب؛ بحيث يسمع كلامه ولا يرى شخصه، والله تعالى متعال عن الحجاب؛ لأن الحجاب يستدعي جسما ومكانا وهما مستحيلان على الله، وإما أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيوحي الملك إليه. وقوله: ﴿وَحْياً﴾ و ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ مصدران واقعان موقع الحال. ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ ظرف واقع موقع الحال. والتقدير: وما صح أن يكلم أحدا إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا؛ تقول: قلت لفلان كذا. وإنما قاله من سواك. ﴿رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ سمي الوحي روحا؛ لأن القلوب تحيا به كما تحيا الأبدان بالأرواح (٢٤٨ /ب) فإن قلت: قد علم أن رسول الله ﷺ ما كان يدري ما القرآن والشرائع قبل أن يبعث، فما معنى قوله: ﴿وَلا الْإِيمانُ﴾ ولا يجوز أن يكون النبي مخلا بالإيمان لا قبل النبوة ولا بعدها؟ قلت: أصول العقائد على قسمين: منها ما يدرك بالعقل وحده؛ كوجود الله وتوحيده وعلمه وقدرته. ومنها ما لا يدرك إلا بالسمع؛ كقيام الساعة وصفة الجنة والنار؛ فأراد بقوله: ﴿وَلا الْإِيمانُ﴾ ما لا يطلع عليه إلا بالوحي ألا تراه قد وصف الصلاة بالإيمان بقوله: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ (١) أي: الصلاة لبيت المقدس. ***

стр. 954

تفسير سورة الزخرف [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن، وجعل قوله: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ جوابا للقسم وهو من الأيمان البديعة؛ لتناسب القسم والمقسم عليه، وهو كقول أبي تمام [من الخفيف]: وثناياك إنها إغريض ... ... (١) ﴿جَعَلْناهُ﴾ وصفناه؛ كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ﴾ (٢) ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٣) ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ حال. و (لعل) مستعارة لمعاملتهم معاملة من يريد منهم الإيمان. ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢)﴾ والمراد ب ﴿أُمِّ الْكِتابِ﴾ اللوح المحفوظ، سمي أم الكتاب؛ لأنه الأصل الذي كتب منه كل شيء. ﴿حَكِيمٌ﴾ ذو حكم بالغة، والفاء عطفت على محذوف تقديره: أنمهلكم

стр. 955

فنضرب عنكم الذكر؟ و ﴿صَفْحاً﴾ على وجهين؛ إما مصدر من: صفح عنه؛ إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له، على معنى: أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم؟ وإما بمعنى الجانب كقولك: نظر إليه بصفح وجهه؛ بمعنى: أفننحيه جانبا؟ فينتصب على الظرف. ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ لأن كنتم. فإن قلت: كيف استقام قراءة من قرأ: "إن كنتم" على الشرط (١) وقد كانوا مسرفين حقا؟ قلت: هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن الحال؛ تقول: إن كنت قد عملت لك اليوم فأعطني حقي وهو عالم أنه قد عمل، ولكنه تحيل في كلامه أن هذا المطل يقتضي أنك شاك في أنني قد عملت لك. ﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ حكاية حال ماضية مستمرة، وهذه تسلية لرسول الله ﷺ عن استهزاء قومه. الضمير في قوله: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ للمسرفين ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: قد سبق ذكر المهلكين وتكذيبهم وعقوبتهم. فإن قلت: قوله ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وما سرد (٢٤٩ /أ) من الأوصاف عقيبه إن كان من قولهم؛ فما تصنع بقوله: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ؟﴾ وإن كان من قول الله؛ فما وجهه؟ قلت: هو من قول الله تعالى لا من قولهم، ومعنى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه، وليسندنه إليه ﴿بِقَدَرٍ﴾ بمقدار يسلم معه العباد والبلاد ولم يكن طوفانا. والأزواج: الأصناف. قوله: ﴿تَرْكَبُونَ﴾ يقال ركبت الدابة وركبت عليها، وغلب هاهنا المتعدى بنفسه؛ لأنه أقوى، ومعنى ذكر نعمة الله ذكرها بالتعظيم والثناء على معطيها بالقلب ويقرن ذلك بالعمل شكرا لله. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ روي "أن النبي ﷺ كان إذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فإذا استوى على

стр. 956

الدابة قال: الحمد لله على كل حال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا﴾ إلى قوله ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وكبر ثلاثا وهلل ثلاثا (١). قالوا: إذا ركب في السفينة قال: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وهذا مشكل؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل أنه سافر في بحر. وروي أن الحسين بن علي رأى رجلا ركب دابة، فقال الرجل: سبحان الذي سخر لنا هذا؛ فقال الحسين: أبهذا أمرتم؟ قال: فبماذا أمرنا؟ قال: أن تذكروا نعمة ربكم؛ كان قد أغفل التحميد فنبهه عليه (٣). ﴿مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين؛ يقال: أقرن الشيء؛ إذا أطاقه ومنه قوله [من الطويل]: وأقرنت ما حمّلتني ولقلما يطاق ... احتمال الصّدّ يا دعد والهجر (٤) فإن قلت: كيف اتصل هذا بقوله: ﴿وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ؟﴾ قلت: لما كان ركوب الخيل والبحر أمرا مخطرا ذكّر الله الإنسان أن يجدد ذكر ذلك لنفسه، وألا يكون كما حكي أنّ مترفا ركب في مركب إلى مكان مسيرة شهر فلم يزل هو وأصحابه يشربون حتى استقر في منزله ولم يشعر بسفره ولا قدومه، فكم بين هؤلاء وهؤلاء؟ قوله: ﴿مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً﴾ متصل بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: إذا سئلوا عنها اعترفوا بأن الله خالقها، وهم قد جعلوا له مع ذلك من عباده جزءا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله؛ فجعلوهم جزءا له وبعضا كسائر الأولاد. ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث وزعمهم أن هذه لغة العرب؛ يخصون الأنثى باسم الجزء وأنشدوا [من البسيط]: إن أجزأت حرّة يوما فلا عجب ... قد تجزئ الحرّة المذكار أحيانا (٥) (٢٤٩ /ب)

стр. 957

وأنشدوا [من البسيط]: زوّجتها من بنات الأوس مجزئة (١) ... وما هو إلا افتراء على العرب. ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر جحوده النعم. ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ ﴿أَمِ اتَّخَذَ﴾ بل اتخذ، الهمزة للإنكار؛ تعجيبا من حالهم؛ كيف يتخذ من خلقه؟! فجعلوا لله الإناث وهو أنقص القسمين. ﴿وَأَصْفاكُمْ﴾ خصكم بالذكور وهم القسم الأفضل. ﴿بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً﴾ أي: بالجنس الذي جعلوه جزءا، ولقد بلغ من بغضهم للبنات أن وأدوهن، وهم ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى﴾ أربدّ وجهه وسخط. وعن بعض العرب أن امرأته ولدت بنتا فهجر منزل امرأته، فقالت لتسمعه [من الرجز]: مال أبي حمزة لا يأتينا ... يظلّ في البيت الذي يلينا غضبان ألا نلد البنينا ليس لنا من أمرنا ما شينا ... وإنّما نأخذ ما أعطينا (٢) والظلول بمعنى الصيرورة؛ كما تستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها. وقرئ:" مسود "و ﴿مُسْوَدًّا﴾ بالرفع (٣) على أن في ﴿ظَلَّ﴾ ضمير المبشر، و ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ جملة سدت مسد الخبر. أو يجعل من تربى في النعمة ولم يكن متقدما في الفصاحة ولا غالبا في المحاكمات والخصومات، أتجعل مثل هذا ولدا لمالك الملك الذي بيده ملكوت كل شيء. نقل قلّما تكلمت امرأة في خصومة إلا نطقت بما هو حجة عليها، وهو معنى

стр. 958

قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ وفيه أنه جعل النشأة في النعمة والزينة من المعايب والمذام وأنه من صفات ربات الحجال؛ فعلى الرجل أن يتبرأ من هذه الصفة وتمثيل قول عمر: "اخشوشنوا" (١) أي: كونوا في عيش خشن؛ في المأكل والملبس. جمعوا بين ثلاثة أمور منكرة: أن جعلوا لله ولدا، وجعلوه من أخس الفريقين وهم الإناث، وسبوا الملائكة فجعلوهم إناثا. ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ ومعنى ﴿جَعَلُوا﴾ سموا، ولم يصيّر لله بنات؛ كقوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٢) وقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ تهكم لأن العلم إنما يكون بالصيرورات أو بالنظريات، وهذا ليس بواحد منهما فلم يبق إلا أن يكون مشاهدا، فتهكم بهم بقوله: ﴿أَشَهِدُوا﴾. ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ بما ذكر من غير مستند، وقد أضافوا إلى ما سبق عبادتهم الملائكة (٢٥٠ /أ) ودعواهم أن ذلك وقع بمشيئة الله، ولا يقع شيء في الوجود إلا بمشيئة الله؛ ولكن لا يجوز الاحتجاج على الله بمشيئة؛ فالغلط وقع بالاحتجاج بالمشيئة لا بنفس المشيئة. ﴿يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن شهد بصحة ما قالوه. ثم ذكر استناد عقائدهم إلى عقائد آبائهم بقوله: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ أي على دين انفردوا به. و ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ و ﴿مُهْتَدُونَ﴾ خبران، أو الظرف صلة لا "مهتدون". ﴿مُتْرَفُوها﴾ الذين أبطرتهم النعمة فلا يحبون إلا الشهوات. أي: أتتبعون

стр. 959

آباءكم ولو جئتكم بأقوى وأرشد مما عليه آباؤكم؟ قالوا: نحن لا ننفك عن دين آبائنا. ﴿بَراءٌ﴾ يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع والإفراد. قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ يجوز أن يكون استثناء منقطعا منتصبا بذلك، وأن يكون مجرورا بدلا من (مّن)، وكانوا يعبدون الله مع أوثانهم، وأن تكون ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى غير كقوله: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ﴾ (١) بمعنى غير الله. قال في موضع: ﴿يَهْدِينِ﴾ (٢) وقال هاهنا ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والجمع بينهما بأن يكون إبراهيم معترفا بأن الله هداه وبأنه سيهديه من المستقبل. وجعل إبراهيم هذا الكلام من التوحيد ﴿كَلِمَةً﴾ أي: جملة مفيدة ﴿باقِيَةً﴾ في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله؛ كقوله: ﴿وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ (٣). وقيل: وجعلها لله. ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ﴾ متعتهم بالمال والغنى فلم يقوموا بما قرره إبراهيم من التوحيد فكذبوا الرسول به. ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ القريتان: مكة والطائف. وقيل: ﴿عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ هما: الوليد بن المغيرة، وحبيب بن عمير الثقفي. وعن ابن عباس ومجاهد: هما عتبة بن ربيعة وكنانة ابن عبد ياليل (٤) وكان عتبة يقول: لو كان ما يقول محمد حقا لكنت أنا أحق بالنبوة منه، أو ابن مسعود الثقفي. وعظموا الرجلين لمالهما وجاههما، ولم يعلموا أن العظيم من عظمه الله، وتحكموا في تعيين أحد هذين الرجلين

стр. 960

للنبوة. ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ﴾ الهمزة للإنكار؛ أي: وإذا كانت الأرزاق والمعايش قد تولينا قسمتها ولم نفوضها إلى أحد؛ فما ظنك بالنبوة التي (٢٥٠ /ب) هي سفارة بين الله وبين خلقه؛ فالله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس؟ ليسخّر الغني من الفقير، ويسخّر الغنيّ الفقير بفضل ذات يده. ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ في الآخرة ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ في الدنيا. وقيل: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ في الدنيا بالهداية ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل اشتمال بإعادة العامل، ويجوز اللامان؛ كما في قولك: وهبت له ثوبا لقميصه. ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ والمعارج: جمع معرج، أو اسم جمع، وهي المصاعد؛ أي: العلالي. ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ يعلون؛ قال الله: ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ (١) ﴿لَمّا مَتاعُ﴾ اللام هي الفارقة بين النافية والمخففة من الثقيلة. وقرئ بكسر اللام (٢) أي: الذي هو متاع الحياة الدنيا؛ كقوله: ﴿ما بَعُوضَةً﴾ (٣) بزيادة "ما". ﴿وَلَوْلا﴾ كراهة ﴿أَنْ يَكُونَ النّاسُ﴾ كلهم على ملة واحدة، وهي الكفر، لو سعنا على الكفرة أكثر مما وسعنا؛ لحقارة أمر الدنيا عنده. ﴿وَزُخْرُفاً﴾ أي: زينة، والزخرف: الذهب، ويريد: وسقفا من فضة وذهب، وخفض عطفا على محل ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾. وفي

стр. 961

الحديث: "لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء" (١). تقول: عشي فلان: إذا أصاب بصره آفة، فأما إذا نظر نظرة العشى من غير آفة قيل: عشى يعشو، ونظيره عرج؛ إذا أصابته آفة، وعرج - بفتح الراء -: إذا مشى مشي الأعرج، وقال حاتم الطائي [من الكامل]: أعشو إذا ما جارتي برزت ... حتّى يواري جارتي الخدر (٢) وقرئ: "يعش" بفتح الشين و ﴿يَعْشُ﴾ بضمها (٣) على أن ﴿مَنْ﴾ موصولة، ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ وهو القرآن. وأما قراءة الضم فمعناها: ومن يتعام عن ذكره. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً﴾ نيسره. وقرئ "جاءانا" (٤) على أن الفعل له وللشيطان. ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يريد: المشرق والمغرب؛ فغلب كالعمرين والقمرين، والأصل بعد المشرق من المغرب، وأراد: بعد ما بينهما. ﴿أَنَّكُمْ﴾ في محل رفع على الفاعلية؛ أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب فالمعذب، إذا وجد آخر مثله يتسلى به ويستأنس. وقد حرم الله على أهل النار لذة التأسي، وقد قالت الخنساء (٢٥١ /أ) [من الوافر]: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزّي النّفس عنه بالتّأسّي (٥)

стр. 962

ولك أن تجعل الفاعل التمني؛ أي: ولن ينفعكم اليوم التمني، وهو قوله: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾. ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾ وقوله: ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تعليل لامتناع الانتفاع بالتمني. ومعنى قوله: ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ إذا صح ظلمكم، و ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ،﴾ ومنه قول الشاعر [من الطويل]: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة (١) ... أي: تبين أني ولد كريمة. ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أي: لا يقدر على إسماعهم إلا الله وحده. (ما) في قوله: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ بمنزلة لام القسم في أنها إذا دخلت دخلت النون المؤكدة معها، فإما بقبضك إلينا قبل أن ترى فيهم ما يسرك؛ فنحن نتولى عقوبتهم في الآخرة، وإن عوقبوا في الدنيا، وعلمت بذلك سرّي عنك بعض الغم. ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ أي: لشرف. ﴿وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ عن القيام بحقه. ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا﴾ قيل: انظر في أديانهم وما جاء فيها من الاعتقادات، هل فيها شيء من أغاليطهم. وقيل: إن رسول الله ﷺ جمع له الأنبياء ليلة المعراج، فأمهم. وقيل له: اسأل، فقال: "إني لم أشك، فلم يسأل" (٢).وقيل: اسأل أمم من أرسلنا. ﴿إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ يسخرون ويستهزئون.

стр. 963

فإن قلت: كيف يجوز أن يجاب "لما" ب "إذا"؟ قلت: إذا للمفاجأة، والمعنى أنهم بادروا بالاستهزاء قبل التثبت. ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ ومعنى ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها﴾ أي: إلا وهي أكبر مما يقرن بها، فلا يعارض قوله: هي أكبر من أختها التي فضلت عليها؛ لأن المقصود وصفها بالكبر والعظم، فلا تعارض إذن. وربما اختلفت آراء الناس في التفضيل؛ فبعضهم يرجح هذا وبعضهم يرجح ذاك، ولهذا فاضلت الأنمارية بين أولادها لما سئلت عن أفضلهم، فقالت: هم كالحلقة، لا يدرى أين طرفاها (١). لفظ ﴿السّاحِرُ﴾ حمل على ظاهره، وكانوا كاذبين في قولهم: ﴿إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ ناوين للخلف؛ لقوله: ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. وقيل: إن الساحر كان اسما للعالم الفاضل، وكان السحر أبهة؛ فعظموه في زعمهم بقولهم: ﴿يا أَيُّهَا السّاحِرُ﴾. ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بما أعلمك أن دعوتك مستجابة، أو بعهده عندك وهو النبوة، أو عهد عندك فوفيت، أو: هو الإيمان وشرائعه، أو: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أن من تاب (٢٥١ /ب) عن المعصية فقد اهتدى. ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ﴾ أمر بالنداء في مجالسهم ومجتمعهم، ويجوز أن يكون عنده عظماء القبط فرفع فرعون صوته بهذا النداء يشبه النداء. قيل: كانت تجري تحت قصره أو تحت سريره، أو: تجري بأمره حيث يأمر بكسرها، ويجوز أن تكون الواو عاطفة الأنهار على ﴿مُلْكُ مِصْرَ﴾ و ﴿تَجْرِي﴾ نصب على الحال منها، وأن تكون الواو للحال واسم الإشارة مبتدأ، و (الأنهار) صفة لاسم الإشارة، و ﴿تَجْرِي﴾ خبر للمبتدأ. "أم" في قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ للاستفهام؛ لأن المعنى: أتبصرون أم لا تبصرون؟ فقد

стр. 964

أقام بصرهم مقامه أن فيه الخير موجودا عنده، ويجوز أن تكون منقطعة والهمزة للتقرير ﴿مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ يشير إلى موسى ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ لا يفصح عما يريد العبارة عنه للعقدة التي كانت في لسانه، واختلف العلماء فيها؛ فقال قوم: إنها زالت لقوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (١) ثم قال: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ (٢) وقال قوم: إنها ذهب أكثرها وبقي باقيها؛ ولهذا قال موسى: ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً﴾ (٣) فلم يصف نفسه باللكنة، بل وصف أخاه بالفصاحة. ﴿أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (٤) أي: هلا سلمت المملكة إليه، أو: هلا جاء معه الملائكة مقترنين به عند قدومه. ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾

стр. 965

﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ حملهم على الخفة والطيش. ﴿آسَفُونا﴾ أغضبونا. ﴿سَلَفاً﴾ يحدث بحديثهم بعدهم ويهدد بأنه من عصى الله حقيق بأن يقع به مثل العذاب. ولما نزل ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (١) قال ابن الزبعري: اليوم أخصم محمدا إن خصمته يوما من الدهر، فجاء إلى النبي ﷺ ومعه جماعة؛ فقال: إنك تزعم أنه أنزل عليك ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أليس قد عبد المسيح عيسى ابن مريم؟ أليس قد عبد العزيز، وعبدت الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن تكون آلهتنا معهم! فسكت النبي ﷺ وصفق المشركون وفرحوا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ (٢) أو من هؤلاء المعبودين ﴿أُولئِكَ عَنْها﴾ عن النار ﴿مُبْعَدُونَ﴾ ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعري عيسى بن مريم مثلا جادل رسول الله ﷺ بعبادة النصارى إياه ﴿إِذا قَوْمُكَ﴾ قريش ﴿مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ يرفعون أصواتهم، ومنه ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (٣) (٢٥٢ /أ) ومن قرأ "يصدون" (٤) فهو من الصدود. ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ﴾ مثلا ﴿إِلاّ جَدَلاً﴾ مغالبة للحق بالباطل لا تمييزه.

стр. 966

﴿خَصِمُونَ﴾ شداد الخصومة؛ كقوله: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ (١) لما رأى ابن الزبعرى لفظا محتملا للعموم مع علمه بأن المراد الأصنام، والظاهر أن لفظة (ما) لغير العقلاء؛ فتدخل فيه الأصنام. وقيل: إنهم لما قالوا لما نزل قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (٢) قالوا: نحن خير من النصارى؛ إنهم عبدوا آدميا، ونحن عبدنا الملائكة؛ فنزلت (٣). وقوله: ﴿أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ﴾ هذا تفضيل لآلهتهم على عيسى، ويجوز أن يكون "جدلا" حال؛ أي: جدلين. وقيل: قالت قريش: إن محمدا يريد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى وهو بشر. وقوله: ﴿أَمْ هُوَ﴾ يعنون محمدا ﷺ ومقارنة النبي بآلهتهم تنقيص من جانب النبي ﷺ . ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾ ﴿إِنْ هُوَ﴾ عيسى ﴿إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة وخلقناه من غير أب، وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر، ولو نشاء لفعلنا كل عجيب. ﴿مَلائِكَةً﴾ يخلفونكم في الأرض؛ كما تخلفكم الأولاد. ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أي: هو شرط من أشراط الساعة، وعلامة من علاماتها، وسمي الشرط علما لحصول العلم به، وقرأ ابن عباس بفتح اللام (٤) أي:

стр. 967

علامة. وفي الحديث: "ينزل عيسى على عقبة من الشام يقال لها: أفيق. وبيده حربة يقتل بها الدجال، ويقتل الخنزير، وتهلك في أيامه الملل، ولا يبقى إلا الإسلام" (١). وقيل: ﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن القرآن لعلم للساعة يعرف بها. ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ﴾ فلا تشكن ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ أي: هداي أو شرعي أو رسولي. وقيل: هذا أمر لرسول الله ﷺ أن يقوله. ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات، أو بآيات الإنجيل. ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ بالإنجيل والشرائع. فإن قيل: لم اقتصر على تبيين بعض الذين اختلفوا فيه؟ قلنا: يريد به أمر الديانات، ولا يتعرض لما لا ضرورة إليه من أمور الدنيا. ﴿الْأَحْزابُ﴾ الفرق المتحزبة بعد عيسى. وقيل: اليهود والنصارى. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وعيد للأحزاب، والضمير في ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ يرجع إلى الذين خاطبهم عيسى في قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ بدل من ﴿السّاعَةَ﴾. وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ يعطي أمرا زائدا على قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ لأن قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ يظهر في معايشهم وجدالهم في الدنيا، و ﴿بَغْتَةً﴾ بغير موعد، ويجوز أن تأتيهم بغتة وهم فطنون ليسوا في (٢٥٢ /ب) خصام. ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾

стр. 968

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ منصوب ب "عدو" فتنقطع في ذلك اليوم كل خلة لا يراد بها وجه الله، وأما الخلة في الله فهي باقية يظهر أثر خيرها في الآخرة. وقيل: ﴿إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين اجتنبوا أخلاء السوء. وقيل: نزلت في أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط (١). وينادي المتقون المتحابون في الله: ﴿يا عِبادِ﴾. و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ محله نصب؛ صفة ل ﴿عِبادِيَ﴾ فإنهم صدقوا بالآيات وكانوا مخلصين. وقيل: إذا نادى المنادي: ﴿يا عِبادِ﴾ طمع فيها كل أحد؛ فإذا قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يئس منها الكفار. ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تسرون سرورا يظهر أثره على وجوهكم؛ كقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٢) وقال الزجاج (٣): ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تكرمون إكراما يبالغ فيه، والحبرة: المبالغة في كل ما وصف بجميل. والكوب: الكوز لا عروة له، وفيها الضمير للجنة. ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، و ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبر، ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ صفة للجنة، أو ﴿الْجَنَّةُ﴾ صفة لقوله: ﴿وَتِلْكَ﴾ و ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ خبر. والباء في قوله: ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ إما تعليل لإيراث الجنة أو يتعلق بمحذوف؛ كالظروف التي تقع أخبارا، وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على أهله. ﴿مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ للتبعيض، أي: لا يأكلون إلا بعضها. ﴿لا يُفَتَّرُ﴾ لا يخفف؛ والمبلس: البائس الساكت سكوت يأس. وقيل: يجعل الكافر في تابوت من نار، ويملأ نارا ويردم عليه، فلا يرى ولا يرى. ﴿وَهُمْ﴾ فصل أو عماد. وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود يقرأ: يا مال؛ فقال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم (٤). ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا﴾ من قضى عليه إذا مات، والمعنى سل ربك أن يميتنا. والآخرة فيها مواقف؛ فتارة يبلسون ويسألون، وتارة ينادون مالكا؛ فلا تعارض. ﴿أَمْ﴾ أبرم مشركو مكة ﴿أَمْراً﴾ يكيدونك به؛ كما جرى في دار الندوة. ﴿فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ كيدنا كما أبرموا كيدهم. ﴿وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ﴾ يعني الحفظة. وعن يحيى ابن معاذ (٥): "من أخفى عن الناس ذنوبه وأبداها لمن لا تخفى عليه خافية فقد جعله الله

стр. 969

أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق" (١). ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ ﴿إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ﴾ إن ثبت ذلك ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ أول من يعظم ذلك الولد؛ وهذا كلام أورد على سبيل الفرض والتمثيل، والغرض المبالغة في نفي الولد، وأنه علق عبادة الولد بكونه ثابت الولادة، وذلك الثبوت محال؛ فالمعلق عليه محال مثله. وقيل: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ الجاحدين لبنوة ذلك الولد. وقيل: ﴿إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ﴾ الآنفين من نسبة الولد إليه (٢٥٣ /أ). وقيل ﴿إِنْ﴾ نافية، أي: ما كان للرحمن ولد، ثم نزه ذاته الموصوفة بربوبية السماوات والأرض ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ من اتخاذ الولد. ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم، وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ ليس إذنا في الخوض واللعب؛ بل هو إنكار بليغ، وفي قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ هو كقوله: هو حاتم في طيئ؛ أي: هو المشهور بذلك. ﴿وَلا يَمْلِكُ﴾ آلهتهم التي يدعون أنها تشفع فيهم في الآخرة؛ كقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ (٢) ولكن ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ وهو التوحيد وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة بصحة ما شهد به، وهو استثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا؛ لأن في جملة الذين يدعون من دون الله الملائكة. ﴿وَقِيلِهِ﴾ قرئت بالحركات الثلاث (٣) فالنصب:

стр. 970

قال الأخفش (١): هو معطوف على ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾. وعنه: هو مصدر؛ أي: وقال قيله. وحمله الزجاج (٢) على موضع "الساعة" أي: يعلم الساعة، ويعلم قيله؛ كما تقول: عجبت من ضرب زيد وعمرا، وحمل الجر على لفظ "الساعة" بتقدير حذف المضاف والذي قالوه ليس بقوى في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا، وأجود من هذا كله أن يكون النصب والجر على إضمار حرف القسم وحذفه، والرفع على قولهم أيمن الله. وقوله: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جواب القسم. ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ فأعرض عنهم وايأس من إيمانهم، وقل لهم (سلم) أي: نسلم منكم ومتاركة. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيد من الله وتسلية لرسول الله ﷺ والهاء في "وقيله" ترجع إلى النبي ﷺ أي: يعلم قول رسول الله ﷺ في شكيته منهم. ***

стр. 971

تفسير سورة الدخان [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾ ﴿وَالْكِتابِ﴾ الواو فيه واو القسم إن جعلت ﴿حم﴾ تعديدا للحروف، أو اسما للسورة مرفوعا على خبر الابتداء المحذوف، وواو العطف إن كانت ﴿حم﴾ مقسما بها. وقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾ جواب القسم و ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ القرآن، والليلة المباركة: ليلة القدر. وقيل: ليلة النصف من شعبان، ولها أسماء أربعة: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة. وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة. وقيل في تسميتها ليلة البراءة وليلة الصك: إن البذّار إذا استوفى خراجه (٢٥٣ /ب) من أهله كتب لهم البراءة؛ كذلك الله تعالى يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة، وقيل: هي مختصة بخمس خصال: تفريق كل أمر حكيم، وفضيلة العبادة فيها، ونزول الرحمة؛ قال ﵇: "إن الله يرحم من أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" (١). ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ وحصول المغفرة؛ قال ﵇: "إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا المتشاجر أو مدمن خمر أو عاق الوالدين أو مصر على الزنا" (٢) وما أعطي فيها رسول الله ﷺ من تمام الشفاعة؛ وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته؛ فأعطي الثلث منها، ثم سأل في الليلة الرابعة عشر فأعطي الثلثين، ثم سأل في الليلة الخامسة عشر فأعطي الجميع إلا من شرد عن الله شراد البعير (٣). ومن عادة الله أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة. والقول الأكثر أن المراد بالليلة المباركة: ليلة القدر لقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٤) ولمطابقة قوله: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ لقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ﴾

стр. 972

﴿رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (١) وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢) وليلة القدر في أكثر الأقوال في رمضان ومعنى إنزال القرآن في هذه الليلة أنه أمر بإنزاله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا؛ فكان جبريل ينزله من بيت العزة على رسول الله ﷺ نجوما مقسما مفرقا. فإن قلت: قوله: ﴿إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ما موقع هاتين الجملتين؟ قلت: هما جملتان مستأنفتان فسر بهما جواب القسم، وإنزاله في هذه الليلة تفضيل لها، والمباركة: الكثيرة الخير، ومعنى ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويكتب كل أمر محكم من أرزاق العباد وآجالهم. وقيل: يكتب ما يكون في كل سنة من اللوح المحفوظ فيدفع إلى ميكائيل أوراق الأرزاق، وإلى جبريل أوراق الحروب والزلازل والصواعق والخسف، وإلى كل ملك ما يغدق به وعن بعضهم: يعطى كل عامل بركة عمله، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وفي قلوبهم وده. ووصف الأمر بالحكيم مجاز، وحقيقة الحكيم: الحاكم، والحكيم هاهنا بمعنى: المحكم. ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا﴾ نصب على الاختصاص، وفيه زيادة تعظيم لهذا الأمر. ويجوز أن يراد به الأمر الذي في مقابلة النهي، ويكون حالا من أحد الضميرين في "أنزلناه" إما من الفاعل؛ أي: أنزلناه أمرا، أو من المفعول؛ أي: أنزلناه مأمورا به ويجوز أن يكون تعليلا ل "يفرق" ولقوله: ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا﴾ أو ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول به، ووصف الرحمة (٢٥٤ /أ) بالإرسال موجود في قوله: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية (٣) وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ عوض قوله (مّنّا) فوضع الظاهر موضع المضمر. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يريد أن من شأننا إرسال الرسل؛ ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٤) ورد قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾. ﴿يَوْمَ﴾

стр. 973

مفعول به وليس بظرف؛ لأن اليوم مرتقب، وليس بمرتقب فيه. واختلف في الدخان؛ فقيل: هو دخان يأتي قبل يوم القيامة يدخل في مسام الكفار حتى تكون رأس كل كافر كرأس الحنيذ (١)، ويعتري المؤمن منه مثل الزكام، وتكون الأرض كبيت أوقد فيه، وليس فيه مكان يخرج الدخان منه. وعن النبي ﷺ : "أول الآيات الدخان، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر. قال حذيفة: يا رسول الله، ما الدخان؟ فتلا الآية وقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب ويمكث أربعين يوما وليلة" (٢).وقيل: هو دخان يأتي يوم القيامة فبلغ ابن مسعود فقال: "من علم شيئا فليقل، ومن لم يعلم شيئا فليقل: الله أعلم". إن قريشا امتنعوا من طاعة رسول الله ﷺ فدعا عليهم النبي ﷺ بسنين كسني يوسف فقحطوا حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل منهم يحدثك فتسمع صوته ولا ترى شخصه من كثرة الدخان " (٣).وعن ابن مسعود:" خمس قد مضين: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام " (٤). ﴿يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾ ﴿يَغْشَى النّاسَ﴾ هو في محل جر صفة للدخان، وقوله: هذا عذاب ﴿هذا عَذابٌ﴾ إلى قوله: ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ نصب بفعل محذوف، أي: يغشى الناس وهم يقولون. ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾

стр. 974

من أين يحصل لهم التذكر ﴿وَقَدْ جاءَهُمْ﴾ ما هو أشد وأقطع في وجوب الادّكار من كشف الدخان وهو معجزات رسول الله ﷺ فلم يتذكروا، و ﴿تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ﴾ أي: علّمه عدّاس غلام لثقيف. ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً﴾ فبمجرد كشفه يرجعون إلى ما هم عليه؛ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (١) فإن قيل: من جعل الدخان قبل يوم القيامة؛ كيف يجتمع معه ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ؟﴾ قلنا: إذا جاء الدخان ضج المؤمنون والكافرون وسألوا (٢٥٤ /ب) الله الرحمة والعفو فيكشف عنهم فيعودون لما كانوا عليه. ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرى﴾ هي يوم القيامة كقوله: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ (٢) وانتصب ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ بفعل دل عليه ﴿إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿فَتَنّا﴾ بكثرة الأموال والأولاد ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ هو موسى ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ﴾ لأن موسى جاء إلى فرعون بأن يرسل معه بني إسرائيل ولا يعذبهم، فلم يطع لذلك. ﴿كَرِيمٌ﴾ على الله وعلى عباده المؤمنين؛ أو: كريم في نفسه؛ أي: شريف؛ إن الله لم يبعث نبيّا إلا من سراة قومه. ﴿أَنْ أَدُّوا﴾ هي المفسرة؛ لأن إتيان الرسول في معنى القول، أو: المخففة من الثقيلة؛ أي: بأن الشأن والحديث ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ﴾ وهم بنو إسرائيل، ويجوز أن يكون (بني إسرائيل) منادى، والتقدير: أن أدوا إلي، ويوقف عليه، ويستفتح ﴿عِبادَ اللهِ﴾ من اتباع سبيلي وقبول دعوتي، ثم علل ذلك بكونه رسولا أمينا. قوله: ﴿أَمِينٌ﴾ أي: ائتمنه الله على وحيه ورسالته. ﴿لا تَعْلُوا﴾ فيه الوجهان، أي: لا تجترئوا على الله باستكباركم على نبيه. ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ تقتلون. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ أي: فليس بيني وبينكم اتصال وسأهجركم في الله ﴿فَدَعا﴾ موسى ﴿رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ قيل: كان من دعائه: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الآيتين (٣). ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى﴾

стр. 975

﴿الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤)﴾ ﴿فَأَسْرِ﴾ أي: احملهم على السّرى معي فقد دبر الله هلاك فرعون بأن ينجو المتقدمون ويغرق الآخرون. الرهو: الساكن؛ أي: يغرقهم البحر ثم يبقى ساكنا غير مضطرب. وقيل: الرهو: الفجوة الواسعة، تقديره: اتركه على حاله غير مضطرب. قوله: ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ المنازل والمجالس. وقيل: المنابر. والنّعمة بالفتح: من التنعم، وبالكسر: من الإنعام. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف في موضع نصب، أي: مثل الإخراج أخرجناهم منها ﴿وَأَوْرَثْناها﴾ أو في موضع الرفع تقديره: الأمر كذلك. ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ هم بنو إسرائيل كانوا يستضعفون، فأورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها. كانوا إذا مات رجل كبير منهم قالوا: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وفي الحديث:" ما من مؤمن يموت في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض يبكي عليه (٢٥٥ /أ) مصعد عمله في السماء وموضع سجوده في الأرض " (١). ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من العذاب المهين؛ فإن فرعون كان عذابا مهينا في نفسه لإفراطه في التعذيب، ويجوز المعنى: من العذاب المهين واقعا من جهة فرعون. ﴿إِنَّهُ كانَ عالِياً﴾ كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) الضمير في ﴿اِخْتَرْناهُمْ﴾ لبني إسرائيل ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ منا بأهليتهم. ﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا﴾ أي: امتحان؛ لأن الله يبلو بالنعم كما يبلو بالمصائب؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (٣). ﴿إِنَّ هؤُلاءِ *﴾ إشارة إلى كفار قريش. فإن قيل: ما معنى: ﴿مَوْتَتُنَا الْأُولى﴾ وكان النزاع في حياة ثانية وموتة ثانية؟ وما معنى ذكر الأولى في صفة الموتة؛ كأنهم وعدوا موتة أخرى فجحدوها؟ قلنا: تقدير كلام المسلمين للكفار: إنكم تموتون هذه الموتة في الدنيا، ثم يتعقبها حياة فأنكروها وهو قوله ﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (٤)

стр. 976

كأنهم أجابوا: ليست هذه الموتة التي تتعقّبها حياة، أي لا موت إلا الموتة التي متناها في الدنيا. ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣)﴾ ﴿بِمُنْشَرِينَ﴾ بمبعوثين ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ (١) ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ (٢) أي: يحيون الموتى. ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ من كلام الكفار للمؤمنين أي: قالوا: إن كنتم تدعون حياة أخرى فأحيوا آباءنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. وقيل: كانوا يلتمسون أن يحيي الله قصي بن كلاب ليشاوروه، وكان شيخا كبيرا من أكابرهم، وكان يستشار في معاظم الأمور. ﴿أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تبع الحميري، هو ملك. قالت عائشة:" ذم الله قومه ولم يذمه؛ حير الحيرة، وبني سمرقند (٣). وقيل: كان إذا كتب كتب: باسم الذي ملك برّا وبحرا " (٤).وروي أنه ﷺ قال:" لا تسبوا تبعا؛ فإنه كان قد أسلم " (٥).فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ولا خير في الفريقين؟! قلنا: معناه: أهم خير في القوة والمنعة؛ كقوله: بعد ذكر آل فرعون: ﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ﴾

стр. 977

﴿أُولئِكُمْ﴾ (١) ﴿وَما بَيْنَهُما﴾ أي: بين الجانبين ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى﴾ أي مولى كان من قرابة في النسب أو غيرها. ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ينجون من العذاب. ﴿مَنْ رَحِمَ اللهُ﴾ في موضع رفع على البدل من الواو في ﴿يُنْصَرُونَ﴾ ويجوز أن يكون منصوبا على الاستثناء. وروي أن أبا جهل أحضر زبدا وتمرا وقال للجماعة: كلوا؛ فإن هذا الزقوم الذي يهددكم به محمد؛ فنزلت ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ (٢) (٢٥٥ /ب). ﴿طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾ و ﴿الْأَثِيمِ﴾ الفاعل للإثم، وعن أبي الدرداء:" أنه كان يقرئ رجلا فكان يقول: طعام اليتيم، فلما أكثر من ذلك قال له: قل: طعام الفاجر " (٣). ﴿كَالْمُهْلِ﴾ هو دردي الزيت (٤). وقيل: هو ما أذيب من النحاس والفضة، والكاف في قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ خبر بعد خبر. يقال للزبانية: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ اجذبوه بقوة وهوان ﴿إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: وسطها، والمصبوب هو الحميم نفسه لا عذابه، لكن إذا صب عليهم الحميم فقد صب عذابه، وصب العذاب مستعار وصب الحميم حقيقة؛ كقوله [من البسيط]: ... صبّت عليه صروف الدّهر من صبب (٥)

стр. 978

وكقوله: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ (١) ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ في قومك ﴿الْكَرِيمُ﴾ على عشيرتك؛ استهزاءا واستهانة. وحكي أن أبا جهل قال لرسول الله ﷺ : ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فو الله ما تستطيع أن تفعل أنت ولا ربك شيئا (٢). ﴿إِنَّ هذا﴾ العذاب أو هذا الأمر ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ تشكون. المقام - بالفتح -: هو موضع القيام، وبالضم: موضع الإقامة، ووصف المكان بالأمين استعارة؛ لأن من أقام فيه لا يخاف. السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، ومعنى كونها عجمية وهي في الكتاب العربي أنها إذا عربت فيه خرجت عن أن تكون عجمية. ﴿كَذلِكَ﴾ أي: الأمر كذلك، أو منصوب على مثل ذلك. ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾ قرناهم، وقرأ عكرمة ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ على الإضافة (٣) يعني: من الصنف الذين هم حور العين، والأحور: شديد بياض العين، والعين: الواسعة العين. فإن قيل: كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه قبلها؟ قلنا: لأنه أريد به: لا يذوقون فيها الموت البتة، إلا إن كنت تعد الموتة الأولى واقعة في الثانية؛ فهم يذوقون فيها الموت، وهو من باب التعليق بالمحال. ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ﴾ عطاء من ربك، وقرئ" فضل " (٤) أي: ذلك فضل ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ﴾ يعني: هذه السورة وضعناها، ومعناها: ذكرهم بالكتاب المبين ﴿يَسَّرْناهُ﴾ أي: سهلناه حيث أنزلناه عربيا ﴿بِلِسانِكَ﴾ بلغتك؛ إرادة أن يفهمه قومك فيتذكروا ﴿فَارْتَقِبْ﴾ انتظر ما يحل بهم. ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ ما يحل بك. ***

стр. 979

تفسير سورة الجاثية [مكية] ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ ﴿حم﴾ إن جعلتها (٢٥٦ /أ) مبتدأ مخبرا عنه ب "تلك" لم يكن بد من حذف مضاف، تقديره: تنزيل حم تنزيل الكتاب، و ﴿مِنَ اللهِ﴾ صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديدا للحروف كان ﴿تَنْزِيلُ﴾ مبتدأ، والظرف خبرا. ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: في خلقهن، بدليل قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾. فإن قيل: علام عطف: ﴿وَما يَبُثُّ﴾ أعلى الخلق المضاف، أم المضاف إليه؟ قلنا: بل على المضاف؛ لأن المضاف إليه ضمير متصل مجرور يقبح العطف عليه؛ استقبحوا أن يقال: مررت بك وزيد، وكذلك إن أكدوه؛ كقولك: مررت بك أنت وزيد (١). قرئ ﴿آياتٌ﴾ بالنصب والرفع (٢) على قولك: إن زيدا في الدار وعمرا في السوق، وعمرو في السوق، وأما قوله: ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين، سواء نصبت أو رفعت فالعاملان إذا نصبت هما: ﴿إِنَّ﴾ و ﴿فِي؛﴾ أقيمت الواو مقامهما؛ فعملت الجر في ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ والنصب في ﴿آياتٌ﴾ وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و ﴿فِي﴾ عملت

стр. 980

الرفع في ﴿آياتٌ﴾ والجر في (اختلف.) وسمي المطر رزقا لأنه منبته. ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩)﴾ ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الآيات المتقدمة، و ﴿نَتْلُوها﴾ في محل الحال؛ أي: متلوة عليك بالحق، والعامل اسم الإشارة؛ كقوله: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ (١). وقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً﴾ (٢) ﴿يُصِرُّ﴾ يقيم على كفره؛ من إصرار الحمار على العانة (٣)، ﴿مُسْتَكْبِراً﴾ عن الإيمان بالآيات. قيل: نزلت في النضر بن الحارث، وما كان يشير به من قصص أحاديث العجم ويشغل الناس (٤). والآية عامة في كل من كان مضادا لدين الله، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ كقول الشاعر [من الطويل]: ولا يكشف الغمّاء إلا ابن حرّة ... يرى غمرات الموت ثمّ يزورها (٥) وذلك أن غمرات الموت حقيقة بأن يفر رائيها، وينجو بنفسه فأما إقدامه على زيارتها فأمر مستبعد لا يفعله إلا مذلّ بنفسه. ﴿كَأَنْ﴾ هي المخففة من الثقيلة والأصل: كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن والقصة؛ كما في قوله [من الطويل]: ... كأن ظبية تعطو إلى قاصي السّلم (٦)

стр. 981

ومحل الجملة على النصب على الحال، أي: يصر مثل غير السامع، وإذا بلغه شيء من الآيات وعلم أنه منها ﴿اِتَّخَذَها﴾ أي: اتخذ الآيات ﴿هُزُواً﴾ ولم يقل: اتخذه؛ إشعارا بأنه متى سمع شيئا منها أخذ الآيات هزوا وطعن في كل آية مما يستطيعه، ويجوز أن يريد أنه متى سمع أدنى شيء يمكن الخصم (٢٥٦ /ب) أن يجعله شبهة بادر إلى الطعن بكل طريق، ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء علم، بمعنى أن ذلك الشيء آية أو آيات ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى ﴿لِكُلِّ أَفّاكٍ﴾ لعمومه؛ لأنه في معنى الجمع، ومنه: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (١). ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ والوراء: الجهة التي يتوارى عنها الشخص سواء كان لخلف أو لقدام؛ قال سبحانه: ﴿وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ (٢) ﴿وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ (٣). وقوله [من الوافر]: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب (٤) ﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا﴾ من الأموال ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا﴾ أي: المعبودات التي اتخذوها شركاء. ﴿هذا هُدىً﴾ إشارة إلى القرآن ويدل عليه قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: هذا القرآن كامل في الهداية. الرّجز: أشد العذاب.

стр. 982

﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة. وقيل: بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري وغير ذلك. وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ في موضع الحال، أي: كائنة منه وحاصلة، يعني أنه مكونها بقدرته ومستخرجها بحكمته، ويجوز أن يكون ﴿مِنْهُ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: كل ذلك منه، وأن يكون ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ تأكيدا لقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ ثم ابتدأ قوله: ﴿ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ وأن يكون ﴿وَما فِي الْأَرْضِ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنْهُ﴾ الخبر. وقرئ ﴿مِنْهُ﴾ بكسر الميم وتشديد النون "منّه" أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: ذلك، أو هو منّه (١). ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ حذف المقول في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ لأن الجواب دال عليه، والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا. ﴿لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ أي: وقائع الله بالمكذبين. وقيل: لا يرجون بمعنى يأملون، وكونه وعدهم بالفوز فيها. قيل: نسخت بآية القتال (٢). وقيل: نزلت في عمر ﵁ وقد شتمه رجل من غفار، فهم أن يبطش به. وعن ابن المسيب أن قارئا قرأها عند عمر؛ فقال: ليجزى عمر بما صنع (٣). ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تعليل للأمر بالمغفرة، ونكر "قوما" تفخيما لشأنهم؛ أي: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ وأي قوم، وذلك لصبرهم على أذى الكفار. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الثواب. وقيل: لما نزلت الآية قال عمر: وعزة ربي لا ترى الغضب في وجهي (٤). ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ﴾

стр. 983

﴿وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ و ﴿الْكِتابَ﴾ التوراة، و ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة والفقه، أو فصل الحكومات بين الناس؛ لأنهم كانوا ملوكا وأنبياء. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ من الحلالات. ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم ﴿بَيِّناتٍ﴾ آيات معجزات ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من أمر الدين فما وقع بينهم الخلاف، ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بصحة نبوة النبي ﷺ وإنما أخلفوا لبغي حدث بينهم، أي: عداوة وحسدا. ﴿عَلى شَرِيعَةٍ﴾ على طريقة ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ من أمر الدين ﴿فَاتَّبِعْها﴾ أي: اتبع شريعتك الثابتة والبراهين. ﴿وَلا تَتَّبِعْ﴾ ما لا حجة عليه من أهواء الجهال، وهم رؤساء قريش حتى قالوا لرسول الله ﷺ : أرجع إلى دين آبائك ولا توالهم؛ إنما يوالي الظالمين من هو ظالم مثلهم، وأما المتقون فالله وليهم (١). ﴿هذا﴾ القرآن. ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب؛ كما جعل روحا وحياة، وهو ﴿وَهُدىً﴾ من الضلال. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من العذاب وقرئ: "هذا بصائر" (٢) أي: هذه الآيات ﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. والاجتراح: الاكتساب؛ ومنه: جوارح الصيد، ويقال: جارحة أهله؛ أي: كاسبهم. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ أي: نصيرهم، وهو من "جعل" المتعدي إلى مفعولين: الأول الضمير والثاني الكاف، والجملة الثانية التي هي ﴿سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ بدل من الكاف، والجملة

стр. 984

تقع مفعولا ثانيا فهي في حكم المفرد فهو كقولك: حسبت زيدا أبوه منطلق، ومن قرأ ﴿سَواءً﴾ بالنصب (١) جعل "سواء" بمعنى مستويا، وارتفع ﴿مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ على الفاعلية، وكان مفردا غير جملة، ومن قرأ: "ومماتهم" (٢) بالنصب جعل "محياهم ومماتهم" ظرفين؛ كمقدم الحاج وخفوق النجم؛ أي: سواء في محياهم وفي مماتهم، والمعنى: إنكار أن يستوي المحسنون والمسيئون محيا وأن يستووا مماتا لافتراق أحوالهم في الدنيا؛ فالمؤمنون على حق والكافرون على باطل. وقيل: إن المؤمنين والكفار في الدنيا مستوون في سعة الرزق وقلته. وعن تميم الداري أنه قام في الليل يصلي فوصل في تلاوته حتى هذه الآية، فلم يزل يرددها ويبكي إلى الصباح (٣). وعن الفضيل أنه كان يرددها ويقول: ليت شعري؛ من أي الفريقين أنت؟ (٤). ﴿وَلِتُجْزى﴾ معطوف على "بالحق"؛ لأن فيه معنى التعليل، أو على معلل محذوف تقديره: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ ليدل بذلك على قدرته ﴿وَلِتُجْزى﴾. ﴿إِلهَهُ هَواهُ﴾ أي جهة مالت إليها نفسه (٢٥٧ /ب) تبعها، وقرئ ﴿إِلهَهُ﴾ (٥) على الجمع، وكانوا إذا عبدوا صنما ثم رأوا غيره أحسن منه رفضوا الأول وعبدوا الثاني فصارت العبادة تبعا لهوى النفس وصار هوى النفس آلهة شتى. ﴿هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾ بمعرفته بما ينبغي اجتنابه ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ﴾ إضلال الله.

стр. 985

﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١)﴾ ﴿نَمُوتُ وَنَحْيا﴾ أي: نموت نحن وتحيا أولادنا، أو يموت بعض ويحيا بعض، أو نكون أمواتا في الأصلاب ثم نحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران: الحياة والموت، يريدون الحياة الدنيا والموت بعدها، وليس بعد ذلك حياة، وما يقولون ذلك عن علم؛ ولكن عن ظن؛ كانوا يزعمون أن هلاك الأنفس بمرور الأيام والليالي، وينكرون ملك الموت، وكانوا يضيفون كل الحوادث إلى الدهر، ونرى أشعارهم ناطقة بذلك وفي الحديث: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الدهر هو الله" (١) أي: فإن الله الآتي بالحوادث لا الدهر. وقرئ ﴿حُجَّتَهُمْ﴾ بالنصب والرفع (٢) وسمي قولهم حجة؛ لأنهم أجروه مجرى الحجة والمراد نفي أن يكون لهم حجة البتة. فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ﴾ جوابا لقولهم: ﴿اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟﴾ قلنا: لما أنكروا البعث ألزموا بأنهم مقرون به من جهة أن الله هو الذي يحييهم ويميتهم وضم إلى إلزام ذلك أمرا أعظم منه، وهو جمعهم إلى يوم القيامة، فمن كان قادرا على ذلك فهو قادر على إحياء آبائهم، وهو أهون شيء عليه. عامل النصب في ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ﴾ "يخسر"، و "ويومئذ" بدل من ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ﴾. ﴿جاثِيَةً﴾ باركة على الركب من شدة الهول. وقيل: ﴿جاثِيَةً﴾ أي: مجتمعة ﴿إِلى كِتابِهَا﴾
следующие страницы →