← История

История · id 534

وأد الفتنة دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفين على منهج المحدثين

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (305 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... (٧)﴾ [آل عمران]. قالوا: وكيف يمكن التّوفيق بين آية ذكرت أنّ القرآن كلّه محكم: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ... (١)﴾ [هود] وآية ذكرت أنّ القرآن كلّه متشابه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ... (٢٣)﴾ [الزّمر] وزعموا أنّ بين الآيتين تعارضاً! وخلاصة القول: القرآن الكريم منه آيات محكمات هنّ معظم الكتاب، ومنه آيات متشابهات. وقد جعله الله كلّه محكماً في قوله ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ... (١)﴾ [هود] بمعنى ليس فيه عيب، وجعله متشابهاً في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا ... (٢٣)﴾ [الزّمر] بمعنى أنّه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والصّدق وغير ذلك. وعلى ذلك، فالإحكام الّذي عَمَّ به في سورة هود غير الذي خَصَّ به في سورة ... آل عمران، وما قيل في الإحكام يُقال في المتشابه. وهكذا يتّضح أنّ الإحكام لا يأتي على معنى واحد كما يتوهّمون، وقد ذكر ابن القيّم في (شفاء العليل) ثلاثة معان للإحكام (١). والجواب من وجه ثانٍ أنّ الله أوقع العموم على معنى الخصوص، أي ذكر أنّ الكتاب كلّه محكم وأراد الخصوص أو الجزء، ثمّ ذكر أن الكتاب كلّه متشابه وأراد الخصوص، وهو باب يُعرفُ في البلاغة بالمجاز المرسل وعلاقته هنا الكلّيّة. قالوا: هناك تعارض بَيِّنٌ بيْنَ قوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] وقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾ [الطّور] فآية تنفي التّساؤل بينهم، وآية تثبته. هذا، ولا تَشَابه بين الآيتين، فحين لا يتساءلون، فذلك حين ينفخ في الصّور النّفخة الأولى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون]

стр. 107

وكيف يتساءلون ولا يبقى حَيٌّ حينها في السّماء ولا في الأرض إلاّ ما شاء ربّك؟! قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزّمر] وعلى ذلك، فهم يتساءلون في النّفخة الأخرى الّتي يُبْعثون بها، فالآية توضّح الآية. قالوا: وما قولكم في آية تنفي أن يكتم المشركون ربّهم حديثاً عمّا عملوه، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النّساء]، وآية تثبت أنهم يكتمون ويقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام]. وقد أجاب أهل التّأويل ما حاصله أنّ جوارحهم لا تكتم الله حديثاً، وإن جحدت بذلك أفواههم، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس] وذلك أنّهم لمّا رأوا أنه لا يدخل الجنّة إلاّ المسلمون، يجحدون بأفواههم أنّهم كانوا مشركين، فيختم الله على أفواههم وتنطق جوارحهم؛ فيعلمون أنّ اللهَ لا يُكْتَمُ حديثاً. قالوا: فقد ذكر الله تعالى في سورة النّازعات خَلْقَ السّماء قبل خلق الأرض، فقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النّازعات]. وفي سورة فصّلت ذكر خلق الأرض قبل خلق السّماء، فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصّلت] فآيةٌ تُشعِرُ بأنَّ خلقَ السّماء مُتَقدِّمٌ على خلق الأرض، وآية تشعر بأنّ خلق السّماء متأخّر عن خلق الأرض؟! قلت: المعنى الظّاهر أنّ الله تعالى خلق الأرض في يومين أَوَّلاً غير مدحوّة، ثمّ خلق

стр. 108

السّماء في يومين، ثمّ دحا الأرض وبسطها ومدّها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي مع اليومين الّلذين تقدّما قوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ وعلى ذلك، فالأرض متقدّمة على السّماء خلقاً، متأخّرة عنها دحواً، وهكذا يندفع الإشكال. قالوا: لكنّ الله تعالى يقول في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ... (٢٩)﴾ [البقرة] قالوا: وخَلْقُ ما في الأرض جميعاً لا يكون إلاّ بعد دحوها، والآية دلّت على أنّه تعالى خلق ما في الأرض جميعاً ـ أي أنّه دحاها ـ قبل خلق السّماء، وهذا يُبقي الإشكال قائماً، ولا يندفع الإشكال بمثل هذا الجمع. قلت: لعلّ هذه الآية أجملت ما فُصّل في سورة فصّلت من ترتيب خلق الأرض والجبال من فوقها، والمباركة فيها، وتقدير أقواتها، وخلق السّماء بعد ذلك، ثم دحو الأرض؛ فالقرآن يفسّر بالقرآن أوّلاً، فإن تعذّر فبالسُّنَّة، والله أعلم؛ فإنْ خَفِيَتْ حِكْمَةٌ فهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [النّحل]. قالوا: ولِمَ خصّ الله تعالى الكفّار دون المؤمنين في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ... (٢٠)﴾ [الحديد] قالوا: فهذا ممّا يستوي فيه الكفّار والمؤمنون، فلو أعجب نباتُ الغيث المؤمنين ما نقص إيمانهم شيئاً؛ فأيّ حكمة في إعجاب الكفّار دون المؤمنين؟ ولا يخفى أنّ الكفّار في الآية بمعنى الزُّرّاع، فالعرب تقول للزَّرَّاع: كافر؛ لأنّه يَكْفُر البَذر المبذور بتراب الأرض إذا أمَرّ عليها مالَقَه، فيستره، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ... (٢٩)﴾ [الفتح]. قالوا: وكيف تكون القوارير وهي زجاج من فضّة؟ كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ ... (١٦)﴾ [الإنسان] قالوا: وكيف تكون الحجارة من طين؟ كما جاء في قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذّاريات] قالوا: وأيّ شيء أكثر من هذا

стр. 109

الاختلاف تريدون؟! أمّا قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ ... (١٦)﴾ [الإنسان] فهذا على التّشبيه، أراد أنّها قوارير (أكواب) لها بياض الفضّة وصفاء الزّجاج يرى باطنها من ظاهرها. أمّا قوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ [الذّاريات] ... فذكر ابن عبّاس أنّها: الآجُرّ. والآجُرّ: طبيخ الطّين، أو حجارة الطّين؛ لأنّه في قسوة الحجارة ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية]. قالوا: فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النّساء] وكان: فعل معناه المضيّ والانقطاع؛ فكأنّه كان ثمّ مضى؟! ولا يخفى أنّ فعل الكينونة جاء هنا بمعنى الدّوام والاستمرار والأزل والأبد، أَي أنَّ الله كان ولم يَزَلْ كذلك، وعلى هذا المعنى تُحْمَلُ جميع الصّفات الذّاتية المقترنة بالفعل كان، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾ [الأنبياء]. والفعل كان يأتي بمعان أخرى، فهو يأتي بمعنى الحال، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النّساء] وبمعنى الاستقبال: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان] وبمعنى صار: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [لبقرة] وغير ذلك. قالوا: وكيف الجمع بين آية تصف الأولاد أنّهم زينة الحياة الدّنيا كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (٤٦)﴾ [الكهف]، وآية تحذّر من الأولاد وأنّ منهم عدواً يجب الحذر منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ... (١٤)﴾ [التّغابن]. ومن قرأ أسباب النّزول زال عنه هذا الإشكال، فقد أخرج التّرمذي عن ابن عبّاس

стр. 110

وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ... (١٤)﴾ [التّغابن]، قال: " هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكّة وأرادوا أن يأتوا النَّبيَّ ﷺ فأبى أزواجُهم وأولادُهم أن يَدَعُوهم أن يأتوا رسول الله ﷺ ، فلمّا أتوا رسول الله ﷺ رأوا النّاس قد فقهوا في الدّين هَمُّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله : ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التّغابن] " (١). وبعض هذه المسائل المتقدّمة قديمة مُتَجَدِّدة، فقد روى البخاري عن سعيد، قال رجل لابن عبّاس: " إنّي أجد في القرآن أشياءَ تَخْتلفُ عليّ، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾ [الطّور]. ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النّساء] ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام] فقد كتموا في هذه الآية. وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ [النّازعات] إلى قوله ﴿دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النّازعات] فذكر خلق السّماء قبل خلق الأرض، ثمّ قال ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... (٩)﴾ [فصّلت] إلى ﴿طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصّلت] فذكر في هذه خلق الأرض قبل السّماء. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النّساء] ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النّساء] ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النّساء] فكأنّه كان ثمّ مضى! فقال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النّفخة الأولى، ثمّ ينفخ ﴿فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي

стр. 111

السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ... (٦٨)﴾ [الزّمر]، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثمّ في النّفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأمّا قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾ فإنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون تعالوا نقول: لم نكن مشركين؛ فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرِف أنّ الله لا يُكتمُ حديثاً، وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (٤٢)﴾ [النّساء] الآية. وخلق الأرض في يومين، ثمّ خلق السّماء، ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ في يومين آخرين، ثمّ دحا الأرض، ودَحْوُها أنْ أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله دحاها، وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَجُعِلت الأرضُ وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخُلِقت السماوات في يومين. وكان الله غفوراً، سمّى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإنّ الله لم يُرد شيئاً إلاّ أصاب به الّذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلاًّ من عند الله " (١). هذا وينبغي للمسلم أن يتعلّم الإيمان قبل أن يتعلّم القرآن، ففي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن جندب بن عبد الله، قال: " كنّا مع النَّبيِّ ﷺ ونحن فتيان حزاورةٌ (٢)، فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلّم القرآن، ثمّ تعلّمنا القرآن فازددنا به إيماناً " (٣).

стр. 112

وينبغي للمسلم أن يحذر من الّذين يتّبعون ما تشابه من القرآن وأشكل من السّنّة، قالت عائشة ﵂: " تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ... ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران] قالت: قال رسول الله ﷺ : " فإذا رأيت الّذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الّذين سمّى الله فاحذروهم " (١). وينبغي للمفسّر لكتاب الله تعالى أن يُحِيطَ بِعُلومٍ تعصم لسانه وقلمه من الخطأ، منها: الصّرف، والإعراب (ويجمعهما اسم النّحو) والرّسم (وهو العلم بأصول كتابة الكلمات) والمعاني، والبيان، والبديع (ويجمعها اسم البلاغة) وعلم أصول الدّين، وعلم أصول الفقه، وعلم أسباب النّزول، وعلم النّاسخ والمنسوخ، وعلم الأحاديث المبيِّنة لتغيّر المجمل والمبهم، إلى جانب معرفة الوجوه والنّظائر، ومعرفة الضمائر ومرجعها ... وينبغي أن نعلم أنّه يُحْمَد التّفقه في الدّين والسّؤال عن العلم ومعرفة العِلَل إذا كان للعمل لا للمِراء والجدل، ويحمد إذا كان لزيادة الإيمان لا لتفريق القواعد والأركان، ويحمد إذا كان لتصحيح العقائد لا لتأييد مذهب أو إثبات معتقد، فخير السّؤال ما ورّث علماً نافعاً، وخير العلم ما ورّث عملاً صالحاً. كذلك فإنّه يُحمد أن تحدّث النّاس بما يعلمون لا بما يشتبه عليهم وينكرون، وما أحسن قول عليّ بن أبي طالب ﵁: " حدّثوا النّاس بما يعرفون؛ أتحبّونَ أن يُكَّذَّبَ اللهُ ورسُلُه؟! " (٢).

стр. 113

آيةُ أنَّ القرآنَ وَحْيُ الله وكَلامُهُ سَلامَتُهُ من التَّناقض والتّضاد لفظاً ومعنى سلامة القرآن الكريم من التَّناقض والتّضاد في الألفاظ والمعاني دليل قاطع على أنّه وحي الله وكلامه! والقارئ المتدبّر في كتاب الله تراه من دقّة لفظه ومعناه خاشعاً من خشية الله، فمن أسراره الدّقيقة الّتي قلَّ من يلحظها حُسْنُ التّقديم والتّأخير في الألفاظ والمعاني، ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ... (١٩١)﴾ [آل عمران] والآية تتحدّث عن صفات أولي الألباب أنّهم يداومون على ذكر الله باللسان والجوارح والأركان في جميع الأحوال: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ... (١٩١)﴾ [آل عمران]، وهذا في حالة الصّحة والقوّة، ولذلك انظر كيف جاء التّرتيب، الذّكر في حالة القيام، ثمّ في حالة القعود، ثمّ في حالة الاضطجاع. وقد جاء الأمر عكس ذلك في حالة المرض قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ... (١٢)﴾ [يونس] فجاء الذّكر في حالة الاضطجاع أوّلاً، ثمّ القعود، ثمّ القيام، ليتناسب مع حالة الإنسان حال مرضه تيسيراً وتسهيلاً، وهذه واحدة من لطائف القرآن الّتي تأسرُ الجنان! ومن عجيب نظمه أنّ العرب كانت تستخدم الاسم لغرض الدّلالة على الثّبوت والاستقرار والاستمرار من غير دلالة على الزّمان، وتستخدم الفعل للدلالة على الحدوث والتّجدّد مقيّداً بأحد الأزمنة الثلاثة بطريق الاختصار، ولا يحسن وضع أحدهما موضع الآخر. فلو قال قائلهم: زيد صادق. لكان الغرض الدّلالة على ثبوت زيد على الصّدق واستمراره عليه من غير دلالة على الزّمان. ولو أرادوا خلاف ذلك لقالوا: زيد يصدق. فالفعل يصدق يفيد تجدد الصّدق مرّة بعد أخرى مقيّداً بالزّمان وكأنّه لا يصدق دائماً. وقد جرى القرآن الكريم على نحو ذلك، غير أنّ القرآن إذا تتبّعتَ آياته ورأيت ... كيف جاء التّعبير بالفعل والاسم، عرفت معنى قول الله حكاية على لسان الجنّ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ [الجنّ].

стр. 114

ومن الأمثلة: قول الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ... (٩٦)﴾ [النّحل] فقد استعمل الفعل ﴿يَنْفَدُ﴾ لأنه يدل على انتهاء ما يملكه البشر ويتجدد برزق الله لهم، واستعمل الاسم ﴿بَاقٍ﴾ ليدل على استمرار بقاء ما عند الله. قلت: ولم يقل الله تعالى: وما عند الله يبقى؛ إذ لو قال ذلك لأفاد أنّ بقاء ما عند الله مقيّد بزمن، وصدق الله القائل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النّساء] فهذه واحدة من الأسرار اللغويّة العجيبة في التّراكيب. ويتّضح الفرق في الخطاب بين الاسم والفعل في قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ... (٣)﴾ [فاطر] فلو قيل: (رازقكم) هكذا باسم الفاعل لَفَاتَ ما أفاده الفعل من تَجَدُّد الرِّزق شيئاً بعد شيء، ولهذا جاءت الحال في صورة الفعل المضارع لدلالته على التجدّد والحدوث. وأوضح من ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ [يوسف] ولم يقل: (باكين) لأنّ الفعل المضارع أفاد تجديدهم للبكاء شيئاً بعد شيء، وهذا سِرُّ الإعراض عن اسم الفاعل. دعوى الاختلاف في الحديث الشّريف وزعموا أنّ هناك تعارضاً بين الحديث الشّريف والقرآن الكريم، مثل ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " قارِبُوا وسدّدوا واعلموا أنّه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: يا رسول الله، ولا أنت، قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ " (١). قالوا: كيف الجمع بين حديث صحيح صريح نصّ على أنّ الإنسان لا يدخل الجنّة بعمله، وآية في كتاب الله تعالى تقرّر أنّ الإنسان يدخل الجنّة بعمله، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا

стр. 115

الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النّحل]. والحقيقة أنّه لا تعارض بين الحديث والآية لاختلاف مَحْمليّ الباءين في كلّ منهما، فالباء في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النّحل] ومثلها في قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف] تفيد السّببيّة، فإنّه يصحّ أنّ دخول الجنّة بالأعمال، أي بسببها، ولا يعدو هذا أن يكون رحمة من الله وفضلاً؛ فما وُفّق عبدٌ للعمل بأسباب النّجاة، وما هُدِي إلى العمل الصّالح الّذي جعله الله تعالى سبباً لدخول الجنّة، إلا برحمته سبحانه وتوفيقه! أمّا الباء في الحديث الشّريف: " لن ينجو أحد منكم بعمله " فهي تفيد المقابلة، وهي الدّاخلة على الأعْوَاض، والمعنى أنّ العبد عليه ألاّ يَغْتَرَّ بعمله، وألاّ يرى أنّ عمله أوجب له الجنّة على الله، أو أنّ الجنّة وجبت له عوضاً عن عمله، أو مقابل عمله، فلو وُزِنَتْ أعمالُهُ كلُّها مقابل نعمة من نِعَمِ الله لرجحت بها، وبهذا يندفع الإشكال. وقد ذكر ابن هشام في " مغني اللبيب " (١) وغيره في غيره أربعة عشر معنى لحرف الجرّ الباء المفردة، فينبغي لطالب العلم أن يتعرَّفَ حروف المعاني أو أشهر معاني الحروف، وما أكثر الّذين صنّفوا في هذا الضّرب! ولكن ما أقلّ القرّاء! وزعموا أنّ هناك اختلافاً بين الأحاديث نفسها، وساقوا على فساد دعواهم ما رواه مسلم عن عَديّ بن حاتم: " أنّ رجلاً خَطَبَ عند النَّبيِّ ﷺ ، فقال: مَنْ يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : بئس الخطيب أنت! قُلْ: ومَنْ يعص الله ورسوله فقد غوى " (٢). وقالوا: أنكر على خطيب من خطباء العرب أنّه جمع لفظ الله ورسوله في الضّمير، وذلك شيء مُسْتكرهٌ، فكيف يصحّ حديث جمع فيه بينهما ﵊، وذكروا

стр. 116

قوله ﷺ " أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما " (١). والحاصل أنّ سبب إنكاره على الخطيب تشريكه في الضّمير، لأنّ ذلك يقتضي التّسوية بينهما، وخشي على الرّجل أن يكون معتقداً ذلك، والنَّبيُّ ﷺ آمَنُ مِنْ ذلك، كذلك نهاه لأنّ خُطَبَ الوعظ شأنها البسط والإيضاح، والنَّبيُّ ﷺ ثَنَّى الضمير لأنّه ليس في مقام الخطبة والوعظ، وإنّما هو تعليم حُكْمٍ، وكلّما قَلَّ لفْظُه كان أقرب إلى حفظه، بمثل هذا أجاب علماؤنا. وزعموا أنّ هناك اختلافاً في الحديث الواحد، وذكروا قول النَّبيِّ ﷺ : " لا عدوى، ولا طِيَرَةَ، ولا هامةَ، ولا صَفَرَ، وفِرّ من المجذوم كما تفرُّ من الأسد " (٢) قالوا: النّبيّ ﷺ ينفي أن تقع عدوى، أو أن تكون هناك عدوى، ثمّ يأمر بالفرار من المصاب بالجذام! وهذا أغرب ما سمعنا! ولا يخفى أنّ المراد بقول النَّبيِّ ﷺ : " لا عدوى " أي لا عدوى تقع بذاتها، فالعدوى ليست علّة فاعلة، وإنّما تقع بقدر الله. والنَّبيُّ ﷺ لمّا قال ذلك إنّما يريد نفي ما كانت الجاهليّة تعتقده من أنّ المرض والعلّة تُعْدِي بطبعها لا بأمر الله، ويشهد لذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة حين قال رسول الله ﷺ : " لا عدوى ولا صَفَرَ ولا هامَةَ، فقال أعرابيّ: يا رسول الله: فما بال الإبل تكون في الرَّمْل كأنّها الظّباء، فيجيء البعير الأجرب، فيدخُلُ فيها؛ فيُجْربُها كلّها؟! فقال ﷺ : فَمَنْ أعدى الأول؟ " (٣). قالوا: وكيف يصحّ حديث عن رسول الله ﷺ يقول: " الوائدة والموءُودةُ في النّار "

стр. 117

والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التّكوير]. قلنا: هذا الحديث مشكل لأنّه لم يُرْوَ بتمامه، ومن قرأه من ألفه إلى يائه يستطيع أن يوفّق بين ظاهره وحقيقته، وينقطع الإشكال عنده، فقد أخرجه أحمد بسند صحيح عن سلمة بن يزيد الجُعْفيّ، قال: " انطلقْتُ أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ ، قال: قلنا: يا رسول الله، إنّ أمَّنا مُلَيْكة كانت تصلُ الرّحمَ، وتقري الضَّيفَ، وتفعلُ وتفعلُ، هَلكتْ في الجاهلية، فهل ذلك نافعُها شيئاً؟ قال: لا. قال: قُلنا: فإنّها كانت وأدتْ أختاً لنا في الجاهليّة، فهل ذلك نافعُها شيئاً؟ قال: الوائدة والموءُودةُ في النّار إلاّ أن تُدْرِكَ الوائدةُ الإسلامَ، فيعْفُوَ اللهُ عنها " (١). قالوا: وكيف يصحّ حديث عن عائشة، قالت: " دخَلَ على رسول الله ﷺ رَجُلان فَكلّماه بشيء ـ لا أدري ما هو ـ فأغضباه؛ فلعنهما وسبّهما " (٢) قالوا: فقد ثبت أنّ النَّبيَّ ﷺ قال: " إنّ اللعانين لا يكونون شُهداء ولا شفعاء يوم القيامة " (٣)، وقال: " إنّي لم أُبْعَثْ لعّاناً وإنّما بُعثْتُ رحمة " (٤)، وقال أنس: " لم يكنْ رسولُ الله فاحشاً ولا لعَّاناً ولا سَبَّاباً، كان يقولُ عِنْدَ المَعْتَبَة: مَالهُ تَرِبَ جَبِيْنُه " (٥). قلنا: ومن عرف تتمة الحديث الّذي اعترضوا به انْحَلَّ عنده هذا الإشكال، فقد رواه مسلم عن عائشة ﵂ قالت: " دخَلَ على رسول الله ـ ﷺ ـ رَجُلان فَكلّماه بشيء ـ لا أدري ما هو ـ فأغضباه؛ فلعنهما وسبّهما، فلمّا خرجا، قُلتُ: يا رسولَ الله، مَنْ أصابَ من الخير شيئاً ما أصابه هذان، قال: وما ذاك؟ قالت: قُلتُ: لعَنْتُهما وسَبَبْتُهما،

стр. 118

قال: أوما علمْتِ ما شارطتُ عليه ربّي، قلتُ: اللهمّ إنّما أنا بشرٌ فأيّ المسلمين لعَنْتُه أو سببتُه فاجْعَله له زكاة وأجراً " (١). والحديث فيه تقييد المدعوّ عليه أن يكون مسلماً، وإلاّ فقد دعا ﷺ على الكفّار والمنافقين ولم يكن دعاؤه لهم زكاة وأجراً. وقد أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك وفيه تقييد آخر بأن يكون من دعا عليه بدعوة ليس لها بأهل، قال ﷺ : " فأيّما أحد دعوتُ عليه من أمّتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهُوراً وزكاةً وقُرْبَة يُقرِّبُه بها منه يومَ القيامة " (٢). فإن قيل: كيف يدعو ﷺ على من لا يستحِقُّ الدُّعاءَ عليه أو يسبُّه ونحو ذلك؟! فالجواب أنّ للعلماء أقوالاً ملخّصها: أنّ المراد بقوله ﷺ : " ليس لها بأهل " أي عند الله في باطن الأمر، ولكنّه في الظّاهر مستوجب للدّعاء عليه، فالنَّبيُّ ﷺ يحكم بالظّاهر والله يتولّى السّرائر. وقيل: كان ﷺ لا يغضب لنفسه وإنّما يغضب لله، فيحمله غضبه على التّعجيل في معاقبة مخالفه أو الدُّعاءِ عليه، ويؤيّد ذلك قول عائشة ﵂: " والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قطُّ حتّى تُنْتَهَكَ حرماتُ الله، فينتقم لله " (٣)، وعلى ذلك فقوله ﷺ : " ليس لها بأهل " من جهة تَعَيُّن التّعجيل، وترك الصّفح عنه. وقيل: المراد زَجْرُ المدعوّ عليه والمبالغة في رَدْعِه ونهيه واستعظام أمره، وأنّه ﷺ بشر فيكون هذا ببَاعِثِ البشريّة، وقد صرّح عن ذلك في غير حديث، وهو موافق ومبيّن لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ... (١١٠)﴾ [الكهف]. وقيل: جرى على لسانه ﷺ بلا قصد، أي ليس المراد الدّعاء عينه، بل هو دعاء في

стр. 119

ظاهره ولكنّه في الحقيقة لا يقصد به الدّعاء، وإنّما هو من الكلام الجاري على أَلْسُنِ العرب يقولونه، وهم لا يريدون الدّعاء على المخاطب، ونظير ذلك، قولهم: قاتلك الله! وويلك! وويحك! ولا أب لك! وثكلتك أمّك! ولا أمّ لك! وتربت يداك! ونحو ذلك من الألفاظ الّتي ظاهرها الذّم والدّعاء، وباطنها المدح والثّناء. فخاف ﷺ أن يصادف الدّعاء إجابة؛ فسأل الله أن يجعل دعاءه رحمةً وقربةً وطهوراً وأجراً. واستدلّوا على ذلك بدعاء النَّبيِّ ﷺ على يتيمة أمّ سُلَيْم وهي أمّ أنس فقد رآها ﷺ فقال: " آنتِ هِيَهْ (١)؟ لقَدْ كبِرْتِ، لا كَبِرَ سنُّك " (٢). ثمّ أعقب مسلم هذا الحديث بحديث فيه دعاء على معاوية ﵁، وهو قوله ﷺ : " لا أَشْبَعَ الله بطنه " (٣) وقد خَتَمَ به الباب دلالة على أنّهما بمعنى واحد، فكما أنّ الدّعاء على اليتيمة لها زكاة وقربى، فكذلك معاوية ﵁ إذ ليس المقصود الدّعاء عليه، وإنّما الدّعاء له. قال النّوويّ: " وقد فَهِمَ مسلم ﵀ من هذا الحديث أنّ معاوية لم يكن مستحقّا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية، لأنّه في الحقيقة يصير دعاء له " (٤). ويعضِّده قوله ﷺ لأمّ المؤمنين صفيّة ﵂: " عَقْرَى حَلْقَى " (٥) والمعنى الظّاهر: عَقَرَ الله جسَدَها وأصابها بوجع في حلقها، والمعنى المراد الدّعاء لها لا عليها، قلت: وهو أشبه بالتّورية (٦) من جهة إرادة المعنى الآخر.

стр. 120

وكان ﷺ يومها يريد الرّجوع إلى المدينة، فقالت صفيّة ﵂: " ما أراني إلاّ حَابسَتكم " تريد أن تنتظر طهرها لتطوف الوداع، وظنّت أنَّ طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، فقال ﷺ : " عَقْرَى حَلْقَى، أوما كُنْتِ طفْتِ يوم النّحر؟ قالت: بلى، قال لا بأس انفري " (١). ويعضده قوله ﷺ لأمّ سَلمَة: " تَرِبَتْ يَمينُكِ " أي افْتَقَرَتْ، وليس المراد المعنى الأصلي لها، وإنّما المراد الزّجر والدّعاء لها ونحو ذلك، وكانت أمّ سُليْم والدة أنس بن مالك قد جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: " يا رسول الله، إنّ الله لا يستحيي من الحقّ، فهل على المرأة من غُسْل إذا احتلمت، قال النَّبيُّ ﷺ : إذا رأت الماء، فغطّت أمّ سَلمة ـ تعني وجهها ـ، وقالت: يا رسول الله، وتحْتَلمُ المرأةُ؟! قال: نعم تَرِبَتْ يمينُك، فبم يشبهها وَلدُها " (٢). واستهلّت أمّ سليم حديثها بقولها " إنّ الله لا يستحيي من الحقّ " تريد أن تَبْسُطَ عُذْرها في السّؤال عمّا تتحرج النّساء عن السّؤال عنه، ولهذا قالت لها عائشة ﵂: " فَضَحْتِ النّساء " (٣) ولذلك فمن حِكَمِ تَعدُّد زوجات النَّبيِّ ﷺ رَفْعُ الحَرَجِ عن النّساء ـ، فقد تولّت نساء النَّبيِّ ﷺ تعليم نساء المؤمنين. ومن الجدير ذكره أنّ استشكال النّص في الكتاب والسُّنَّة إنّما جاء ليمتحن الله تعالى به النّفوس، وليمحّص به القلوب، ولييسّر الله تعالى للعلماء ما يرفع لهم به الدّرجات، فما من مسألة ولا شبهة أُثيرتْ إلاّ وقد أجاب عنها علماؤنا السّلف قبل الخلف، لعلّهم يهتدون، أو ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ [طه] لكنّ المرجفين يقرؤون الشُّبهات ويثيرونها

стр. 121

ويزهدون في الإجابات ويخبّئونها! أو كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾ [يونس]. دعوى أنّ الحديث الشّريف يعارض جزم القرآن بمستقبل الإسلام هناك من يرسم صورة قاتمة لمستقبل الإسلام والمسلمين، ويصوّر أنّ هذه الأمّة قدرها ألاّ تنهض، وأن تعيش على أمجاد الماضي، ويؤصِّل ذلك على أحاديث شريفة، يسوقها على ظاهرها، بعد أن أشكل عليه فهمها، ليعارض بها جزم القرآن بمستقبل الإسلام من جهة، ويقنّط النّاس من الخير من جهة أخرى، وشرّ النّاس الّذين يقنّطون النّاس من رحمة الله. ومن هذه الأحاديث الّتي يثيرونها ما رواه البخاري عن الزّبير بن عديّ، قال: " أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجّاج، فقال: " اصبروا فإنّه لا يأتي عليكم زمان إلاّ الّذي بعده شرٌّ منه حتّى تلقوا ربّكم، سمعته من نبيّكم ﷺ " (١). ويظنّون أنّ الصّحابيّ أنس ﵁ فهم التّعميم؛ بدليل أنّه يخاطب جماعة من التّابعين، والمعنى في ظنّهم أنّ كلّ زمان لا بدّ أن يكون ما بعده شرّ منه إلى قيام السّاعة، وهذا كلام يورث اليأس في النّفوس! والجواب، ما الّذي يمنع أن يكون من بين الّذين شكوا لأنس صحابة، وأنّه كان يعنيهم؟! فإنّ عصر الحجّاج بن يوسف كان فيه غير صحابيّ من أصحاب رسول الله ﷺ ، وعلى ذلك فالحديث ليس على عمومه، وإنّما يختصُّ بالصّحابة، فأمّا من يأتي بعدهم فلم يُقْصَدْ في الخبر. ولعلّ ما يؤيّد ذلك أنّ عصر عمر بن عبد العزيز، وهو بعد زمن الحجاج بقليل لا يفضّل على زمن الحجّاج، مع أنّ زمن عمر قد اشتهر فيه الخير وكثر، غير أنّه لم يكن في عصره أحد من أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 122

والحديث يُحمل على غير هذا المعنى، فلعلمائنا فيه أقوال أُخَر تستحقّ أن تُطْلبَ من مظّانها، ولكن يستفاد من الحديث أنّ النَّبيَّ ﷺ يخبر بتغيّر الأحوال وفسادها بعد عصر الصّحابة ﵃، فهو من أعلام النُّبوَّة؛ لأنّ ذلك من الغيب الّذي لا يعرف بالعقل والرأي وإنّما يعرف بالنّقل والوحي. ويؤبّد المعنى الّذي ذهبنا إليه من أنّ الحديث لا ينصّ على أنّ كلّ زمان ما بعده شرّ منه قطعاً إلى قيام السّاعة، أنّه سيأتي زمان أفضل من كثير من الأزمنة المتقدّمة؛ فقد أخبر ﷺ أنّه ستكون خلافة على منهاج النُّبوَّة، قال ـ ﷺ : " ... ثمّ تكون مُلْكاً جبريّة فتكون ما شاء الله أن تكون ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعَها، ثمّ تكون خلافة على منهاج النُّبوَّة " (١). ومن الأحاديث الّتي يسوقونها لتعيش هذه الأمّة في يأس قوله ﷺ : " بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء " (٢) والحديث ليس فيه شيء يوهم بما ذهبوا إليه من أنّ مصير الإسلام إلى ضعف؛ فالمعنى أنّ أهل الإسلام أَوَّل الأمر كانوا قلّة، وهم في آخر الزّمان كذلك إلاّ أنّهم خِيَار (٣). قلتُ: وكثرة المسلمين أو قلّتهم لا تعني قوّة للإسلام ولا ضعفاً؛ فالإسلام دين الله تعالى، ودين الله منصور بخِيَار هذه الأمّة على قلّتهم بإذن الله إلى قيام السّاعة. والحديث فيه بشارة إلى استمرار هذا الدّين إلى آخر الزّمان، وأنّ الّذين يشهدون غربة الإسلام ويتمسّكون به لهم منزلة عظيمة عند الله تعالى! ولا أعلم حديثاً صحيحاً يُفهم منه أنّ النَّبيَّ ﷺ يدعو الأمّة إلى القنوط، فلا يُتَصوَّرُ ذلك، وقد أُنْزِلَ عليه وعد الله للمؤمنين ـ عموم المؤمنين ـ بالنّصر: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الرّوم] والنّجاة: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا

стр. 123

عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يونس] والدّفاع عنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ... ... (٣٨)﴾ [الحجّ] والولاية لهم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ... (٢٥٧)﴾ [البقرة] والمعيّة: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ [الأنفال] والاستخلاف في الأرض: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ... (٥٥)﴾ [النّور]. ولا يتصوّر أنّ النَّبيَّ ﷺ يدعو إلى اليأس وقد أنزل الله عليه وعده بإحباط كيد الكائدين: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطّارق] وردّ مكر الماكرين: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال]. كما أنّ هناك آيات كثيرة جزمت بانتصار الإسلام، والتّمكين له، وإظهاره على الدّين كلّه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التّوبة] ووردت هذه الآية في سورة الصّف باللفظ نفسه، ووردت في سورة الفتح بلفظ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح]. كما جزمت الآيات بأنّ الكفر إلى زوال لا محال، وأنّ الغلبة لهذا الدّين: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾ [آل عمران] وأن أعداء الإسلام لن يفلحوا، وأنّ العاقبة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾ [الأنعام].

стр. 124

ولكن لا بُدَّ من عقبات وكبوات، ولا بُدَّ من تنغيص وتمحيص، ولا بدّ من بأساء وضرّاء: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة]. ومتى كانت هذه الأمّة على ما كان عليه النّبيّ ﷺ من نُصْرةٍ لدين الله تحقّق لها وَعْدُ الله بالنّصر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمّد]. دعوى أنَّ الحجّ أشبه بالوثنيَّة قالوا: يطوف المسلمون حول حَجَر، ويسعون بين حجرين، ويصعدون إلى عرفة فيقعدون على حَجَر، ثمّ يفيضون إلى مزدلفة فيلتقطون حجارة ليضربوا في مِنَى حجراً بحجر، قالوا: والأغرب أنّهم يقبِّلون حجراً ويضربون حجراً آخر! وهذا كلّه أشبه بالوثنيَّة. هذه الشّبهة سمعتها أوّل مرّة في صعيد عرفات من أحد الفضلاء، ولم أسمع الإجابة عنها، فطاش عقلي؛ كيف خطرت هذه الشُّبهة على بال شياطين الإنس! ونقض هذه الأضاليل لا يحتاج إلى جهد جهيد أو عناء مُعَنَّى، فالله تعالى فرض علينا الحجّ في العمر مرَّة، وقد ثبتت فرضيته في الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمَّة: أمَّا الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ (٩٧)﴾ بالله وبما فرضه من الحجَّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران] ومن السُّنَّة، قوله ﷺ : " قد فَرَضَ الله عليكم الحجَّ فحُجُّوا " (١) وقوله ﷺ " بني الإسلام على خمس: شهادةِ أنْ لا إله إلاّ الله وأنَّ محمَّداً عبْده ورسوله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان " (٢).

стр. 125

فالحجّ ركن من أركان الإسلام ودعائمه العظام نقوم بمناسكه طَاعَةً لله لأنَّ الله أمر بذلك، ونؤدِّيه اتِّباعاً لسنَّةِ نبيِّه ﷺ لأنّه فعل ذلك، فقد ثبت عنه ﷺ أنَّه قال: " لتأخذوا مناسككم فإنّي لا أدري لعلّي لا أحجّ بعد حجَّتي هذه " (١) واللام في " لتأخذوا ": لام الأمر. والتّقدير: خذوا عنّي هيأة الحجّ وصفته من أقوال وأفعال. وهذا الحديث أصل في مناسك الحجّ ومشروعيتها، فنحن المسلمين لا نعبد الله إلاّ بما أَذِن به على لسان نبيّه. ونحن لا نعظِّم هذه الأماكن، وإنّما نعظِّم أمرَ الله ورسوله، وهذا عمر بن الخطّاب ﵁ يردُّ على هذه الشّبهة منذ قرون، ويعلّم المشركين أنّ المسلمين لا يستلمون الحجر الأسود من باب تعظيمه كما فعلت العرب في الجاهليَّة، وإنَّما هو من باب الاتِّباع لفعل رسول الله ﷺ ، أخرج البخاري عن عابِس بن ربيعة، عن عمر ﵁ أنَّه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله، فقال: " إنِّي أعلم أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّلك ما قبَّلْتُك " (٢) فالحجر بذاته لا ينفع ولا يضرّ إلاّ بإذن الله، والَّذي ينفع عند الله هو امتثال أمر الله والاستنان بنبيِّه محمَّد ﷺ . وعمر ﵁ إنَّما قال ذلك دفعاً لما كان عليه أهل الجاهليَّة من اعتقاد في عبادة الأوثان، فنصَّ على أنَّ تقبيل الحجر ليس عبادةً له، وإنَّما هي عبادةٌ لله تعالى باتِّباع أمر الله ورسوله ﷺ . فلا يقصد من استلامه إلاّ تعظيم أمر الله والأخذ بسنَّة نبيِّه ﷺ ، ولولا الاقتداء برسول الله ﷺ ما قبَّله عمر ﵁ وما تابعه المسلمون. وقول عمر وفعله ﵁ يُؤْخذ منه بيان السُّنن المشروعة ومتابعتها والحثّ على الاقتداء بها، فهي حجَّة على من بلغته وإن لم يَفْقَهْ عِلَلَها. كما يُؤْخذ منه حُسْنُ السَّمع والطّاعة لأمر الله ورسوله ﷺ في أمور الشَّرع، وحسن الاتِّباع للنَّبيِّ ﷺ حتَّى لو خفيت علينا الحكمة من وراء هذه الأمور.

стр. 126

ومن حِكَم مشروعيَّة استلام الحجر الأسود زيادة على ما تقدَّم ما بيَّنه قولُ النَّبيِّ ﷺ : "ليبعثَنَّ اللهُ الحجرَ يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهدُ لمن استلمه بحقّ " (١) وقول النَّبيِّ ﷺ هذا موافق لقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزّلزلة] فالحجر الأسود قطعة من الأرض وسوف يحدِّث أخباره. ولا شكّ أنّ الحجارة تتفاضل كما تتفاضل المساجد والأماكن والشّهور والأيّام والليالي ... وليس لنا من الأمر شيء، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب] فإذا أُمِرْنَا أن نستلم حجراً استلمناه، وإذا أمرنا أن نضرب بحجر فعلنا، وإذا أمرنا الله تعالى أن نستقبل قبلة استقبلناها، وإذا أمرنا أن نتحوّل عنها إلى قبلة أخرى سمعنا وأطعنا؛ فهذا من كمال الإيمان وتمام العبوديّة لله وحده. ومهما قيل حول حكمة مشروعيَّة هذه المناسك فالقول الفصل أنّها أمور تعبديَّة يجب التّسليم فيها للشَّارع نؤدِّيها طاعة لله تعالى وتعظيماً لأمره. * * *

стр. 127

المبحث الثّاني " أمّتكم هذه جعل عافيتها في أوّلها " ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ... (٢٢)﴾ [المجادلة] رضيهم الله لدينه، أفلا نرضاهم لدنيانا ؟! في كتاب الإيمان باب بعنوان (علامة الإيمان حبّ الأنصار) أورد فيه البخاري حديثاً عن عبد الله بن جابر قال: سمعت أنساً ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: " آية الإيمان حبّ الأنصار وآية النفاق بُغْضُ الأنصار " (١). قلت: وإن كان المراد في الحديث الشّريف الصّحابة من أهل المدينة، إلاّ أنّ الصّحابة كلّهم أنصار لله ورسوله ﷺ ؛ فالمهاجرون كانوا أنصاراً لله ورسوله، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر]. وعقيدتنا أنّهم عدول لا نفرق بين أحد منهم، بل نتبعهم بإحسان؛ لننال رضا الله، فهذا واجب كلّ مسلم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ... (١٠٠)﴾ [التوبة]. وقد أوجب الله علينا الدُّعاءَ والاستغفار لهم، وألاّ يكون في قلوبنا غِلٌّ على أحد منهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر].

стр. 128

واعجَبْ كيف يذكرهم أقوام بسوء وهم يقرؤون كلام الله تعالى! حتّى الصّدّيق ﵁ لم يَسْلَمْ من ألسنتهم، مع أنّه لا يتقدّم عليه بالفضل أحد إلا الأنبياء والمرسلون! فما طلعت الشّمس ولا غربت بعد النّبيّين والمرسلين على رجل أفضل منه، رجل سَلِمَ من عتاب الله تعالى، بل وامتدحه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ... (٤٠)﴾ [التّوبة]. والذين يظنّون ظنّ السّوء ببعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ ويجرحونهم فريقان: فريق جاهل، وفريق مقلّد لآبائه وأجداده، وليس للفريقين عُذْرٌ عند الله؛ فالجهل بالصّحابة وقدرهم لا يعفي أحداً من السّؤال أمام الله، فقد نهى الله تعالى كُلَّ أحد عن أن يقول ما ليس له به علم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء]. والتّقليد الّذي هم عليه، وإمهال الله لهم ليس دليلاً على رضا الله عنهم: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام]. وإذا تقرّر أنّ الله نهى عن اتِّباع الإنسان ما ليس له به علم؛ فلا يكون لمخلوق أن يرمي أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ بما لم يوقن أنّه فيه، ولا أن يحكم عليه بالظّن: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ... (٣٦)﴾ [يونس]. فالحكم بالظّنّ لا يحلّ، قال تعالى ذامّاً لأقوام: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ [الجاثية] وقال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ [الزّخرف] وقال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ [الذّاريات]، وقال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ... (١٢)﴾ [الحجرات] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا

стр. 129

تَهْوَى الْأَنْفُسُ ... ... (٢٣)﴾ [النّجم]. فمن قدح في الصّحابة بعد أن جاءه من ربه الهدى، متمسكاً بحجج واهية تمسّك الرّضيع بالظّئر، فأمره إلى الله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة] وكلّ من خالف الله ورسوله فلا برهان له أصلاً؛ وإنما كلّف الإتيان ببرهان تبكيتا وتيئيساً! وليس عذراً التّقليد، فالتّقليد الأعمى ذمّ الله به الكفّار في غير آية، ومن الآيات التي نَعَت هؤلاء المقلّدين، وذمّت طريقتهم، قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة] وقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزّخرف] والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلّها تدلّ على منع التّقليد، وضلال متَّبعه سواء قلّد مُحِقّاً أو مُبْطلاً؛ فالمقلّد قد هيّأ نفسه أن يتّبع سبيل التّقليد بعصبيَّة مقيتة، وصدق الله إذ قال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... (١١٦)﴾ [الأنعام]. قلت: وليس في كتاب الله تعالى آية تدلّ على عدم عدالة أحد من الصّحابة، ومن قال خلاف ذلك، فهو من وَضْعِ القرآن في غير موضعه، وتفسيرهِ بغير معناه ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب]. ولَرُبَّ معترضٍ من هؤلاء الّذين ما قدروا أصحاب النَّبيِّ ﷺ حقّ قدرهم يحتجّ بآية أو حديث في إكفاره لهم، فمنهم من يتعلّل بقول النَّبيِّ ﷺ : " ليَردَنَّ عليَّ الحوضَ رجالٌ ممّن صاحبني حتّى إذا رأيتهم ورُفِعُوا إليّ اخْتُلِجُوا دُوني، فلأقولنّ: أيْ ربّ، أُصَيْحابي،

стр. 130

أُصَيحابي، فليُقَالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (١). ويظنّون أنّ هذا الحديث الشّريف يُدين أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، ويجيئون به كدليل يحتجّون به على إكفارهم لأصحاب النَّبيِّ ﷺ : ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم]. والحديث صحيح رواه مسلم عن أنس بن مالك، ورواه غيره بأسانيد وطرائق متكاثرة، وهو عند البخاري عن ابن عبّاس ﵄ قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: " ... ألا وإنّه يجاء برجال من أمّتي فيُؤخذُ بهم ذات الشّمال فأقول: يا ربّ، أصيحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بَعْدك، فأقول كما قال العبد الصّالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ... (١١٧)﴾ [المائدة] فيُقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أدبارهم منذ فارقتهم " (٢). وهذا الحديث من أعلام النُّبوَّة لإخبار النَّبيِّ ﷺ عن أقوام يرتدّون على أدبارهم بعد موته، وهم الأعراب المنافقون الّذين ارتدّوا في عهد أبي بكر ﵁، ويدلّك على ذلك ما وقع في رواية البخاري " فيُقال إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أدبارهم منذ فارقتهم " ويدلّك قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التّوبة]. وأصحاب النَّبيِّ ﷺ غير معنيين بالحديث أو الآية، ولعمري إنّهم خيرٌ من مِلْءِ الأرض من هؤلاء الّذين يذكرونهم بسوء، فيغدون في سخط الله ويروحون في نقمته! والصّحابة ﵃ أَحبُّ إلى كلّ مؤمن من نفسه وآله وماله! ولا أدري

стр. 131

كيف لا نرضاهم لدنيانا، وقد رضيهم الله لدينه؟! هذا هو الحقّ، ومن لم ينفعه الحقّ أضرّه الباطل! أو كما قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس] أي كيف تصرفون عن الحقّ والإيمان مع قيام الحجّة والبرهان! ليس في أصحاب رسول الله ﷺ نُخالة ! دخل الصحابي الجليل عائذ بن عمرو ذات يوم على عبيد الله بن زياد ينصح له، ويبلِّغه العلم الذي عنده، فكان ممّا نصحه به ألَّا يَأخُذَ رَعِيَّتَهُ بالعنف بحيث يؤذيها ويحطمها بل يرفق بها، فلمّا سمع ذلك كره مقالته، ووصفه أنَّه من نخالة أصحاب الرَّسول ﷺ وليس من فضلائهم، فنصَّ الصحابيُّ الجليل عائذ ﵁ على أنّ الصحابة كلّهم صَفْوةٌ عُدولٌ قدوة لا نخالة فيهم! وهذا من صادق الكلام الذي أدين الله به، ويجب أن ينقاد له كل مسلم؛ فهم المُثْنى عليهم في التوراة والإنجيل والقرآن، الّذين غاظ الله بهم الكفار، الذين ظاهرهم كباطنهم، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ... (١٨)﴾ [الفتح] وقال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة]. روى مسلم عن الحسن، أنّ عائذ بنَ عمرو ـ (وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ) دخل على عبيد الله بن زياد، فقال: " أي بنيّ، إنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ شرَّ الرّعاء الحطمة. فإيّاك أن تكون منهم. فقال له: اجلس، فإنّما أنت من نُخالة أصحاب محمّد ﷺ فقال: وهل كانت لهم نُخالة! إنّما كانت النّخالة بعدهم، وفي غيرهم " (١). قلت: وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: " وإنّ أمّتكم هذه جُعِلَ عافيتها في أوّلها " (٢) فمن أراد أن يدرك العافية فليكن على ما كان عليه الصّحابة ﵃ فإنّ التشبّه

стр. 132

بالكرام فلاح. توقير أمهات المؤمنين أوجب الله تعالى تعظيم الفاضل في الدُّنيا على المفضول إنساناً كان أو جماداً، مثل تفضيل النَّبيِّ ﷺ على سائر النّبيّين، وتفضيل المسجد الحرام على غيره من المساجد، وتفضيل سائر الصّحابة ﵃ على سائر التّابعين ... فإذا تقرّر ذلك، فإنّا لا نرى أَوْجَبَ بعد تعظيم النَّبيِّ ﷺ من تعظيم زوجاته أمّهات المؤمنين، فلا أحد يستحقّ التَّعظيم بعد النَّبيِّ ﷺ أكثر منهنّ بدليل قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... (٦)﴾ [الأحزاب] فأوجب الله لهنّ حقّ الأمومة على كلّ مؤمن، ولا يخفى ما للأمِّ من عظيم حقّ، فكيف بها إذا كانت أمّاً للمؤمنين، وزوجة لسيِّد المرسلين، وخاتم النّبيّين! وفضلاً عن ذلك أمّهات المؤمنين لهنّ من القرب من النَّبيِّ ﷺ في الدّنيا والآخرة ما يشهد لذلك، فقد اخترن الله ورسوله والدَّار الآخرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب] فلهنّ أرفع الدّرجات عند الله ورسوله وعند المؤمنين، وهنّ أزواجه في الآخرة يقيناً. ولم يحلّ الله تعالى لأحد أن يتزوَّجَ من نساء الرّسول ﷺ من بعده، قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب] فنساء الرّسول ﷺ لَسْنَ كأحد من النّساء ! قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ... (٣٢)﴾ [الأحزاب]. أمّا مَنْ يحتجُّ بقول النَّبيِّ ﷺ : " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرّجل الحازم من إحداكنّ " (١) ويعتقد أنّه أكمل عقلاً وديناً من أمَّهات المؤمنين، فهذه دعوى،

стр. 133

وعلّة النّقص لا يجهلها مسلم، فنقص العقل كون شهادة الرجل بشهادة امرأتين، ونقص الدّين كون المرأة إذا حاضت لا تصوم ولا تصلّي. ونقص العقل والدّين في هذين الموضعين (الشهادة والحيض) ليس موجباً نقص الفضل بالكليّة، فالنَّاس يتفاضلون في غير ذلك. وهذا الحديث الشّريف خاطب فيه النَّبيُّ ﷺ معشر النّساء، ولم يخاطب فيه أمّهات المؤمنين، فقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: " خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلّى فمرّ على النّساء فقال: يا معشر النّساء تصدّقنَ فإنّي أريتكنّ أكثر أهل النّار، فقلنَ: وبمَ يا رسول الله؟ قال: تكفرْنَ العشير، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أذهبَ للبّ الرّجل الحازم من إحداكنّ. قلْنَ: وما نقصانُ ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادةُ المرأةِ مثلَ نصف شهادةِ الرّجل؟ قُلنَ: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تُصلّ ولم تصم؟ قُلْنَ: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها " (١). ما أحوج الأمّة أن تعود نساؤها كأمّهات المؤمنين! وما أحوجنا إلى جيل كأمثال الصّحابة! وليس هذا على الله بعزيز. وليتحقق ذلك، يجب أن تقرأ نساؤنا ما نزل بحقّ أمّهات المؤمنين وحقهنّ، ويجعَلْنَه واقعاً في حياتهنّ، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (٣٣)﴾ [الأحزاب] وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ... (٣٤)﴾ [الأحزاب]. وقال تعالى خطاباً لنبيّه ﷺ : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ

стр. 134

زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ... (٣١)﴾ [النّور]. والمؤمنة حريصة على معرفة ما كان عليه السّلف الصّالح، وما كانت عليه أمّهات المؤمنين؛ فلها فيهنّ بعد رسول الله ﷺ أسوة حسنة! ولعمري إنّ الفقه في الدّين علامة خير، قال النَّبيُّ ﷺ : " من يرد اللهُ به خيراً يفقّهه في الدِّين " (١)، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرّعد]. ولا أدري كيف يجرؤ أحد على رمي أمهّات المؤمنين، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور] فما بالك إذا كانت المحصنة الغافلة المؤمنة أمّاً من أمّهات المؤمنين، وزوجة لسيّد المرسلين ﷺ ، ومن آل بيته المطهّرين! الأدلّة على أنّ أمّهات المؤمنين من آل البيت قال الله تعالى في حَقِّ أمّهات المؤمنين وبيان فضلهنّ: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب]. هذه جملة من الآداب أمر الله تعالى بها نساء النَّبيِّ ﷺ ، ونساءُ المؤمنين تَبَعٌ لهنّ، فقد أراد الله تعالى أن يجعلهنّ مثلاً صالحاً وأسوة حسنة للنساء من بعدهنّ فطهّر ظاهرهنّ

стр. 135

وباطنهنّ، فمن يلوك بلسانه ويلوي بشدقه سيرة أمّهات المؤمنين اللاتي أذهب الله عنهنّ الرّجس وطهرهنّ تطهيراً فقد افترى! فهذا نصّ صريح في دخول أزواج النَّبيِّ ﷺ في أهل البيت لأنّهنّ سبب نزول الآية. أمّا من ذهب إلى أنّ أمّهات المؤمنين غير مخاطبات بالآية، وأنهنّ خرجن من أهل البيت بدليل أنّ الله تعالى، قال: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ﴾ ولم يقل: عنكنّ، وقال: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ ولم يقل: ويطهركنّ. فالجواب أنّ المذكّر غلب على المؤنّث ذلك أنّ النَّبيَّ ﷺ يدخل في أهل البيت، ثمّ كيف لا يدخلْنَ في أهل البيت والسّياق كلّه في ذكرهنّ؟! فإن قالوا: لكنّ النَّبيَّ ﷺ نصّ على أنّ أهل البيت هم: الحسن والحسين، وفاطمة وعليّ، بدليل ما أخرجه الإمام مسلم عن صفيّة بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: " خرج النَّبيُّ ﷺ غَداةً وعليه مِرطٌ (كساء) مُرَحّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ، فأدخله، ثمّ جاء الحسين، فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله، ثمّ قال: إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا " (١). قلنا: فهل نَصَّ الحديثُ على أنّ هؤلاء الأربعة ﵃ هم أهل البيت وحدهم؟! قطعاً الجواب لا؛ فهناك أحاديث ثابتة بالتّواتر القطعيّ الدلاّلة كابراً عن كابر إلى رسول الله ﷺ أنّ أمّهات المؤمنين من آل بيته، منها ما أخرجه مسلم عن أبي حُمَيْد السَّاعديّ أنّهم قالوا: " يا رسول الله، كيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذُرِّيَّته كما صلّيتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى أزواجه وذُرِّيَّته كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيدٌ " (٢).

стр. 136

وهذا الحديث احتجّ به العلماء ومنهم ابن عبد البرّ على أنّه مفسِّرٌ لقول النَّبيِّ ﷺ : "قولوا: اللّهُمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على آل إبراهيم إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ، اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد " (١). ومنها قول النَّبيِّ ﷺ ، وهو على المنبر: " يا معشرَ المسلمين، من يعذرُني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟! فوالله ما علمت على أهلي إلاّ خيرا " (٢) والمعنى من يقوم بعذري إن جازيت من آذاني في أهلي (عائشة) على قبيح صنعه، وقيل المعنى: من ينصرني. ومنها ما حدّث به زيد بن أسلم حصين بن سَبْرة ومن معه من أنّ النَّبيَّ ﷺ قام يوما خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكة والمدينة، فبعد أن حمد الله وأثنى عليه كان ممّا قاله ﷺ : "وأنا تارك فيكم ثَقَلين: أوّلهما، كتاب الله، فيه الهدى والنّور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحثّ على كتاب الله، ورغّب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي أذكّركم اللهَ في أهل بيتي، أذكّركم اللهَ في أهل بيتي، أذكّركم اللهَ في أهل بيتي، فقال له حصين: وَمَنْ أهلُ بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرمَ الصّدقة بعده ... " (٣). فنساء النَّبيِّ ﷺ من أهل بيته الّذين يساكنونه ويعولهم، فإن قالوا: لكنّ النَّبيَّ ﷺ نصّ على أنّ أهل بيته من حُرِمَ الصَّدقة بعده، وهم: " آل عليّ، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عبّاس" (٤).

стр. 137

فالجواب، أنّ زوجاته أيضا ممّن تحرم عليهنَّ الصّدقة، قال ابن قيّم الجوزيّة: " تحريم الصّدقة على أزواج النَّبيِّ ﷺ ليس بطريق الأصالة، وإنّما هو تبعٌ لتحريمها عليه، وإلاّ فالصّدقة حلال لهنَّ قبل اتّصالهنّ به، فهنّ فرع في هذا التّحريم " (١). ويؤيّد ذلك ما أخرجه البخاري عن أنس ﵁: " ... فخرج النّبيّ ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: السّلام عليكم أهلَ البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السّلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟ فتَقَرّى (فَتَتَبَّعَ) حُجَرَ نسائه كُلّهُنّ يقول لُهُنّ كما يقول لعائشة، ويقُلْنَ له كما قالت عائشة " (٢). المبرّأة من الله عائشة صدّيقة الأمّة وأمّ المؤمنين قال رسول الله ﷺ " بحسب امرئ من الشّرّ أن يحقِرَ أخاهُ المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُهُ، ومالُهُ، وعرضُهُ " (٣) فإذا كانت أعراض المسلمين محرّمة علينا، فحرمة أعرا ض أمّهات المؤمنين أشدّ حرمة! ويموت قلبك من كمدٍ حين تعلم أنّ أقواماً تَتَقرَّبُ إلى الله بِلَعْنِ أمّ المؤمنين عائشة! ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ [الزّخرف]. أخرج أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس المؤمن بطعّان، ولا بلعّان، ولا الفاحش البذيء " (٤).

стр. 138

كيف يخفى على هؤلاء أنّ الله تعالى أنزل عذرها من السّماء في القرآن، وأنّها جُعِلت طيّبة لطيّب، قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ [النّور] وحيث كان النَّبيُّ ﷺ أطيب الطيّبين اتّضح أنّ الصّدّيقة بنت الصّدّيق كانت من أطيب الطّيبات، وأنها بريئة بشهادة الله تعالى ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ... (٢٦)﴾ [النّور] فهذا نصّ صريح على براءتها ممّا رماها به أهل الإفك. ولا يخفى ما في اسم الإشارة ﴿أُولَئِكَ﴾ من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليهم وشرفهم، والآية الكريمة تحمل على معان كثيرة مآلها إلى تنزيه الصّدّيقة بنت الصّدّيق، فما كان الله ليجعلها زوجة لأحبِّ الخلق إليه لولا أنّها طاهرة من سلالة طاهر. فليحذر الذين يرمون عائشة ﵂ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور] فبراءة عائشة ﵂ من الإفك براءة قطعيّة بنص القرآن الكريم، وبأحاديث شريفة صحيحة، لا سقيمة ولا معلولة، فلا عذر لمرتاب أبداً! ومن رمى عائشة ﵂ فكأنّما ترك كلام الله وراء ظهره، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النّور] أو ردّ القرآن الكريم، لأنّ الله يقول: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ [النّور] فمن وقع في ذلك فقد وقع بين مخالفة الله وردّ كلامه ﵎. أخرج البخاري عن عروة عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ خطب النّاس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: " ما تشيرون عليّ في قوم يَسُبُّون أهلي ما علمت عليهم من سوء قطّ " (١).

стр. 139

وعن عروة قال: " لمّا أُخْبِرَت عائشة بالأمر قالت: يا رسول الله، أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي؟ فأذِنَ لها، وأرْسَلَ معها الغلام، وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم " (١). ولا يخفى أنّ الطّعن في أمّنا عائشة ﵂ القصد منه الطّعن في كتاب الله تعالى الذّي برّأها، والسُّنَّة النَّبويَّة الّتي رَوَتْها عن رسول الله ﷺ . طرف من خصائص أمّ المؤمنين عائشة ﵂ ـ الصّديقة بنت الصّديق عائشة بنت أبي بكر الصّديق، أُمُّها الصّحابيّة الجليلة أمّ رومان، وُلِدَتْ عائشة بعد المبعث بأربع أو خمس سنين، فقد ثبت أنّ النَّبيَّ ﷺ تزّوجها وهي صغيرة، ومات عنها وهي صغيرة، فقد أخرج مسلم عن الأسْود، عن عائشة، قالت: " تزوَّجها رسول الله وهي بنت ستٍّ (٢)، وبنى بها وهي بنْتُ تسْع، ومات عنها وهي بنْتُ ثمانَ عشرة " (٣). وعائشة ﵂ لها من الخلال والخصائص ما يَضِيقُ المقام عن ذكره، منها أنّها كانت أحبّ أزواج النَّبيِّ ﷺ إليه وبنت أحبّ خلق الله إليه، فقد ثبت في الصّحيح عن عمرو بن العاص ﵁: " أنّ النَّبيَّ ﷺ بعثه على جيش ذاتِ السّلاسل، فأتيته، فقلت: أيّ النّاس أحبّ إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرِّجال؟ فقال: أبوها ... " (٤). ومن خصائصها أنّ الملك أرى صورتها للنَّبيِّ ﷺ في قطعة من جَيِّد الحرير قبل أن يتزوّجها، أخرج البخاري عن عائشة ﵂ أنّ النَّبيِّ ﷺ قال لها: " أريتُك في المنام مرّتين أرى أنّك في سَرَقَة من حرير، ويقول: هذه امرأتك فأكشفُ فإذا هي أنت، فأقول: إن يك هذا من عند الله يُمْضِه " (٥).

стр. 140

ومن خصائصها أنّه وصلها السّلام من جبريل ﵇، فقد قال لها رسول الله ﷺ يوماً: " يا عائش، هذا جبريلُ يُقْرئُك السّلامَ، فقلت: وعليه السّلام ورحمة الله وبركاته" (١). ومن خصائصها أنّ الوحي كان ينزل على رسول الله ﷺ وهو في لحافها ولم يكن هذا لغيرها، فقد ثبت أنّه ﷺ قال: " يا أمَّ سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنّه والله ما نزل عليّ الوحيُ وأنا في لِحَاف امرأة منكنّ غيرها " (٢). ومن خصائصها غزارة علمها، فقد كان كبار الصّحابة إذا أشكل الأمر عليهم يسألونها فيجدون عندها علماً وفقهاً، قال مسروق: " رأيتُ مشيخة أصحاب رسول الله الأكابر يسألونها عن الفرائض " (٣). ومن خصائصها أنّ الله تعالى لمّا أنزل على نبيّه آية التّخيير بدأ بها، فقد ثبت في الصّحيحين أنّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: " يا عائشة، إنّي ذاكر لك أمراً فلا عليك أنْ تعْجلي فيه حتّى تسْتأمري أبويك ... فقلت: أوفي هذا استأمر أبويّ فإنّي أريد الله ورسوله والدّار الآخرة " (٤) فاسْتنَّ بها أزواج النَّبيِّ ﷺ ، وفعلن ما فعلت. ومن خصائصها ما أخرجه مسلم عن عائشة: " أنّ النّاس كانوا يتَحرّون بهداياهم يوم

стр. 141

عائشة؛ يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ " (١). ومن خصائصها أنه ﷺ توفّي في بيتها، وفي يومها، ومات وهو مستند على صدرها، فقد صحّ عنها ﵂ أنّها كانت تقول: " إنّ من نعم الله عليَّ أنَّ رسولَ الله ﷺ توفيَّ في بيتي، وفي يومي، وبين سَحْري وَنَحْري، وأنّ الله جَمَعَ بين ريقي وريقه عند موته " (٢). وقد قُبِضَ عنها ﷺ ولها ثمان عشرة سنة، وكان النَّبيُّ ﷺ قد بَشَّرَها في حياته أنّها زوجته في الدّنيا والآخرة، فقد أخرج الحاكم عن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ذكر فاطمة ﵂، قالت: فتكلّمتُ أنا، فقال: " أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدّنيا والآخرة، قلتُ: بلى والله، قال: فأنت زوجتي في الدّنيا والآخرة " (٣). وتوفّيت ﵂ في أواخر زمن معاوية ودفنت في البقيع. * * *

стр. 142

القسم الرّابع المبحث الأوّل الحقّ المبين في الجمل وصفّين ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة] سبب خَطَأ الباحثين في التّعامل مع تاريخ المؤرّخين " تاريخ الأمم والملوك " للطبري أقدم مصدر من مصادر التّاريخ أَخرَج الرِّوايات مُعَنْعَنة، وكلّ من جاء بعده نقل عنه، أو اعتمد عليه. وقد أسند الطّبري الرِّوايات، ومن أورد السّند فقد أحالك وحمّلك مسؤولية التّثبّت من تلك الرّوايات، فبرئت ذِمَّتُه، وألقى بالعهدة على الرُّواةِ والقُرَّاء. فقد أشار ﵀ في مقدّمة كتابه أنّه لم يلتزم بإيراد الصَّحيح لعلل دعت إلى ذلك، فهو لم يلتزم النقل عمّن آمن واهتدى وصدّق بالحسنى فحسب، وإنّما نقل عن هؤلاء، وعن كلِّ مَنْ هَبَّ ودَبَّ وعوى وغوى، وحمَّل رواته التَّبعة، وحمّل بذلك الدّارسين لكتابه البحث عن حال هؤلاء الرِّجال في كتب الرِّجال والجرح والتّعديل. وللأسف، فقد وقع على هذه الرِّوايات كثير من الكتاب والقرّاء عبر العصور، دون نقدها، فلم يتثبّتوا من حال أسماء رواة هذه الأخبار، ولا من صحّة متونها، وسوّدوا هذه الأخبار والقصص والحكايات في كتبهم على ظاهرها؛ فقد حسبوا المتورِّمَ سميناً، واستعظموا ما ليس عظيماً، واغتروا بظاهر يخالف حقيقة الواقع، فكانوا كمن استسمن ذا وَرَمٍ. فعمل هؤلاء الكتّاب على تكريس هذه الأخبار الباطلة في أذهان العامّة وبعض الخاصّة، فَضَلّوا وأضلّوا، وساهموا من حيث يعلمون أو لا يعلمون بإغراء العامّة ومن في

стр. 143

حكمهم على تنقيص الصّحابة ﵃! وليس يغني عن كاتب أو جاهل قول راوٍ عن فلان، وقوله عن فلان، إذا لم يتثبّت من حال فلان وفلان؛ فالرّوايات التّاريخيّة قوامها علم الجرح والتّعديل. ولأنّ السّند هو الأصل، والمتن هو الفرع، فإنّه يشترط لصحَّة الفرع سلامة الأصل، ولذلك يجب النّظر فيمن تُقْبَلُ روايته أو تُرَدُّ، وذلك يتأتّى ممّن رأيه يُعْتَمد وممّن قوله يُعْتدّ به. ولا أدري كيف يجهل النّاس أنّ كثيراً من الرِّوايات التّاريخيّة موضوعة؛ فلم تسلم الرّواية عن رسول الله ﷺ من الوضع، فهناك آلاف الأحاديث الموضوعة والمنكرة والشّاذة والمكذوبة على رسول الله ﷺ ، فإذا كان الأمر كذلك في الحديث الشّريف، فهل يسلم الحديث عن الصّحابة ﵃ من الدَّسِّ وإخفاء المكر؟! وأنا على يقين أنّ غيرَ كتاب من كتُب التّراث تعرّضت أصوله للتّحريف والتّصحيف من النّاشرين وغيرهم قبل أن تصل إلينا هذه الكتب؛ فقد وقعت هذه المخطوطات في أيد غير أمينة زمناً طويلاً. وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك كُتُبا محقّقة لا تساوي ثمن الحبر الّذي كُتِبَتْ به؛ فالمحقّقون على مشارب: فمنهم المتشدّد في الحقّ وهذا يؤخذ عنه ولا مانع من تعقّبه، ومنهم المتساهل وهذا لا يؤخذ منه، ومنهم القوام بين ذلك وهذا يؤخذ منه ويُردّ عليه، ومنهم من نَزَعَهُ عِرْقٌ وغلبه هوى فهو يرمي إلى تأييد مذهب أو إثبات معتقد وهذا يُحْذر منه، ومنهم من زاد في تحقيقه الطّين بِلَّة عامداً متعمِّداً فكان كمن ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾ [المدّثّر] وهذا أمره إلى الله، ومنهم الجاهل الّذي يسعى إلى شهرة بائسة فوضع اسمه على هذه الكتب بدعوى تحقيقها، وهذا لم يأتنا بِهَلَّة ولا بَلَّة، وإنّما جاءنا ببَقبَقة في زَقزَقة يفتخر بما ليس عنْده، ومثله كمثل الحَادِي وليس له بعير ينتفخ بما لا يملك، وما أكثر هؤلاء! والله نسأل أن يجنِّبنا حبّ الظهور الّذي يكسر الظّهور ويذهب بالأجور، وهذا يصدق فيه قول الشّاعر: ألقابُ مملكة في غير موضعها ... كالهرّ يَحْكي انتفاخاً صَوْلة الأسد

стр. 144

وقد وقع المستشرقون عبر العصور بالخطأ عينه، فنقلوا من كتب التّراث، واعتمدوا على كُتَّاب السّيرة الأوائل من المسلمين، وكتبهم غير محقّقة ولم تسلم من التّصحيف والتّحريف، فلم يتبيّن لهؤلاء المستشرقين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وظنّوا أنّ تاريخ المسلمين ما وجدوه مسطوراً في هذه التّركة من الكتب الّتي جاءت بعد الأمويين من أصحاب الأهواء والبدع، فأخذوا هذه الرّوايات، وجعلوا ما يوافق أهواءهم عُمْدَة، وما يخالفها ردّوه ما استطاعوا إليه سبيلاً، أو لوّوا به ألسنتهم إن لم يسعهم إنكاره! وهم لا يملكون القدرة على محاكمة هذه الرّوايات التّاريخيّة؛ لجهلهم بعلم الجرح والتّعديل، فضلاً عن أنّ هذا العلم لا يخدمُ أهدافَهم، زد على ذلك جهلهم باللغة العربيّة وعلومها وأسرارها، وكلّ هذا يؤكّد الحاجة إلى تحقيق كتب التّراث لتغيير فهم المسلمين خاصّة والنّاس عامّة لتاريخ المسلمين الأوائل، الّذي لا نخشى الحديث عنه؛ إذ لو كان ذلك صحيحاً لاقتضى أنّ لهم فيه أعمالاً تَحُطُّ من شأنهم، وهذا ما لا يقوله مسلم، ولا يتصَوَّرُهُ عاقل. سبب خروج عائشة ﵂ ومن معها إلى البصرة ومّما كثر اللغط فيه ما جرى بين الصّحابة في الجمل وصفّين (١)، فما انفكّ أقوام يَثْلِبُونَ الصّحابة الّذين انعقد على عدالتهم الإجماع، ونطقت بذلك الآيات الصِّراح، وشهدت بذلك الأحاديث الصّحاح. وقد آثرت أن أبيّن حقيقة ما جرى بينهم لِعزَّته، وقلّة من أحاط بعلمه، ولأنّ هناك مسائل أعيا كثيراً من النّاس جوابها؛ فالقارئ في كثير من الكتب يقف فاغراً فاهاً أمام ما يجدُه في صفحاتها من هول ما يقرأ! فبعد أن قُتل الخليفةُ عثمانُ ﵁ في داره وهو يقرأ كلام الله في المُصْحَفِ الذي جَمَعَ النَّاس عليه، وفاض دمه على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ

стр. 145

الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة] تباينت مواقف أهل الأمصار من استشهاده: فمنهم من كان يرى وجوب التّعجيل في محاسبة قتلة عثمان ﵁، وهم أهل الشّام وعلى رأسهم معاوية ﵁، وشطر من أهل البصرة، ومثلهم من أهل مصر. ومنهم من كان يرى ضرورة تأجيل إقامة الحدود على قتلة عثمان حتّى يتوطَّدَ الحكمُ للخليفة عليّ ﵁ وتقوى شوكته، وتستتبَّ الأمورُ بعد انتقاض البلاد، واضطراب العباد؛ بسبب استشهاد عثمان ﵁ وهم كثير من أهل الأمصار لا سيّما أهل الكوفة فقد كانوا مع عليّ في ذلك. ومنهم من اعتزل الفتنة، مثل: سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، ومحمّد بن أبي مسلمة وغيرهم كثير ﵃ جميعاً ـ. وهناك من سعى للإصلاح وجمع الكلمة بين من يريد التّعجيل، ومن يريد التّأخير، ويمثّل هؤلاء أمّ المؤمنين عائشة وطلحة والزّبير ﵃، فخرجوا من مكّة إلى البصرة وكان مرادهم الإصلاح وجمع الكلمة، وليس المطالبة بدم عثمان ﵁ كما ذهب إلى ذلك غير كاتب، فلو كان ذلك صحيحاً لذهبوا إلى الشّام وكانوا مع معاوية ﵁ من أوّل الأمر، ولكن هذا لم يكن. وهناك كثير من الرّوايات تصوّر عائشة ومن معها أنّهم نقموا على عليّ لتأخيره محاسبة قتلة عثمان، وأنّهم خرجوا إلى البصرة لتحريض النّاس على المطالبة بدم عثمان، وأنّهم خرجوا على عليّ وأبطلوا خلافته وطعنوا فيها، بدليل أنّهم خرجوا للقتال ولهم خليفة لا يرجعون إليه! وهذه الأخبار لا تَصِحُّ؛ فلو أرادوا مَنْ ينصرهم للنيل من قتلة عثمان لخرجوا إلى الشّام ـ كما تقدّم ـ حيث معاوية أعزّ ناصراً وأكثر عدداً، أمّا أنّهم شقّوا عصا الطّاعة وخرجوا عن الجماعة فظاهر البطلان؛ فما ظهر عندهم ولا عند غيرهم ما يوجب نقض بيعة عليّ، ولو
следующие страницы →