عائشة؛ يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ " (١).
ومن خصائصها أنه ﷺ توفّي في بيتها، وفي يومها، ومات وهو مستند على صدرها، فقد صحّ عنها ﵂ أنّها كانت تقول: " إنّ من نعم الله عليَّ أنَّ رسولَ الله ﷺ توفيَّ في بيتي، وفي يومي، وبين سَحْري وَنَحْري، وأنّ الله جَمَعَ بين ريقي وريقه عند موته " (٢).
وقد قُبِضَ عنها ﷺ ولها ثمان عشرة سنة، وكان النَّبيُّ ﷺ قد بَشَّرَها في حياته أنّها زوجته في الدّنيا والآخرة، فقد أخرج الحاكم عن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ذكر فاطمة ﵂، قالت: فتكلّمتُ أنا، فقال: " أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدّنيا والآخرة، قلتُ: بلى والله، قال: فأنت زوجتي في الدّنيا والآخرة " (٣).
وتوفّيت ﵂ في أواخر زمن معاوية ودفنت في البقيع.
* * *
стр. 142
القسم الرّابع
المبحث الأوّل
الحقّ المبين في الجمل وصفّين
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة]
سبب خَطَأ الباحثين في التّعامل مع تاريخ المؤرّخين
" تاريخ الأمم والملوك " للطبري أقدم مصدر من مصادر التّاريخ أَخرَج الرِّوايات مُعَنْعَنة، وكلّ من جاء بعده نقل عنه، أو اعتمد عليه. وقد أسند الطّبري الرِّوايات، ومن أورد السّند فقد أحالك وحمّلك مسؤولية التّثبّت من تلك الرّوايات، فبرئت ذِمَّتُه، وألقى بالعهدة على الرُّواةِ والقُرَّاء.
فقد أشار ﵀ في مقدّمة كتابه أنّه لم يلتزم بإيراد الصَّحيح لعلل دعت إلى ذلك، فهو لم يلتزم النقل عمّن آمن واهتدى وصدّق بالحسنى فحسب، وإنّما نقل عن هؤلاء، وعن كلِّ مَنْ هَبَّ ودَبَّ وعوى وغوى، وحمَّل رواته التَّبعة، وحمّل بذلك الدّارسين لكتابه البحث عن حال هؤلاء الرِّجال في كتب الرِّجال والجرح والتّعديل.
وللأسف، فقد وقع على هذه الرِّوايات كثير من الكتاب والقرّاء عبر العصور، دون نقدها، فلم يتثبّتوا من حال أسماء رواة هذه الأخبار، ولا من صحّة متونها، وسوّدوا هذه الأخبار والقصص والحكايات في كتبهم على ظاهرها؛ فقد حسبوا المتورِّمَ سميناً، واستعظموا ما ليس عظيماً، واغتروا بظاهر يخالف حقيقة الواقع، فكانوا كمن استسمن ذا وَرَمٍ.
فعمل هؤلاء الكتّاب على تكريس هذه الأخبار الباطلة في أذهان العامّة وبعض الخاصّة، فَضَلّوا وأضلّوا، وساهموا من حيث يعلمون أو لا يعلمون بإغراء العامّة ومن في
стр. 143
حكمهم على تنقيص الصّحابة ﵃!
وليس يغني عن كاتب أو جاهل قول راوٍ عن فلان، وقوله عن فلان، إذا لم يتثبّت من حال فلان وفلان؛ فالرّوايات التّاريخيّة قوامها علم الجرح والتّعديل. ولأنّ السّند هو الأصل، والمتن هو الفرع، فإنّه يشترط لصحَّة الفرع سلامة الأصل، ولذلك يجب النّظر فيمن تُقْبَلُ روايته أو تُرَدُّ، وذلك يتأتّى ممّن رأيه يُعْتَمد وممّن قوله يُعْتدّ به.
ولا أدري كيف يجهل النّاس أنّ كثيراً من الرِّوايات التّاريخيّة موضوعة؛ فلم تسلم الرّواية عن رسول الله ﷺ من الوضع، فهناك آلاف الأحاديث الموضوعة والمنكرة والشّاذة والمكذوبة على رسول الله ﷺ ، فإذا كان الأمر كذلك في الحديث الشّريف، فهل يسلم الحديث عن الصّحابة ﵃ من الدَّسِّ وإخفاء المكر؟!
وأنا على يقين أنّ غيرَ كتاب من كتُب التّراث تعرّضت أصوله للتّحريف والتّصحيف من النّاشرين وغيرهم قبل أن تصل إلينا هذه الكتب؛ فقد وقعت هذه المخطوطات في أيد غير أمينة زمناً طويلاً.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك كُتُبا محقّقة لا تساوي ثمن الحبر الّذي كُتِبَتْ به؛ فالمحقّقون على مشارب: فمنهم المتشدّد في الحقّ وهذا يؤخذ عنه ولا مانع من تعقّبه، ومنهم المتساهل وهذا لا يؤخذ منه، ومنهم القوام بين ذلك وهذا يؤخذ منه ويُردّ عليه، ومنهم من نَزَعَهُ عِرْقٌ وغلبه هوى فهو يرمي إلى تأييد مذهب أو إثبات معتقد وهذا يُحْذر منه، ومنهم من زاد في تحقيقه الطّين بِلَّة عامداً متعمِّداً فكان كمن ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾ [المدّثّر] وهذا أمره إلى الله، ومنهم الجاهل الّذي يسعى إلى شهرة بائسة فوضع اسمه على هذه الكتب بدعوى تحقيقها، وهذا لم يأتنا بِهَلَّة ولا بَلَّة، وإنّما جاءنا ببَقبَقة في زَقزَقة يفتخر بما ليس عنْده، ومثله كمثل الحَادِي وليس له بعير ينتفخ بما لا يملك، وما أكثر هؤلاء! والله نسأل أن يجنِّبنا حبّ الظهور الّذي يكسر الظّهور ويذهب بالأجور، وهذا يصدق فيه قول الشّاعر:
ألقابُ مملكة في غير موضعها ... كالهرّ يَحْكي انتفاخاً صَوْلة الأسد
стр. 144
وقد وقع المستشرقون عبر العصور بالخطأ عينه، فنقلوا من كتب التّراث، واعتمدوا على كُتَّاب السّيرة الأوائل من المسلمين، وكتبهم غير محقّقة ولم تسلم من التّصحيف والتّحريف، فلم يتبيّن لهؤلاء المستشرقين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وظنّوا أنّ تاريخ المسلمين ما وجدوه مسطوراً في هذه التّركة من الكتب الّتي جاءت بعد الأمويين من أصحاب الأهواء والبدع، فأخذوا هذه الرّوايات، وجعلوا ما يوافق أهواءهم عُمْدَة، وما يخالفها ردّوه ما استطاعوا إليه سبيلاً، أو لوّوا به ألسنتهم إن لم يسعهم إنكاره!
وهم لا يملكون القدرة على محاكمة هذه الرّوايات التّاريخيّة؛ لجهلهم بعلم الجرح والتّعديل، فضلاً عن أنّ هذا العلم لا يخدمُ أهدافَهم، زد على ذلك جهلهم باللغة العربيّة وعلومها وأسرارها، وكلّ هذا يؤكّد الحاجة إلى تحقيق كتب التّراث لتغيير فهم المسلمين خاصّة والنّاس عامّة لتاريخ المسلمين الأوائل، الّذي لا نخشى الحديث عنه؛ إذ لو كان ذلك صحيحاً لاقتضى أنّ لهم فيه أعمالاً تَحُطُّ من شأنهم، وهذا ما لا يقوله مسلم، ولا يتصَوَّرُهُ عاقل.
سبب خروج عائشة ﵂ ومن معها إلى البصرة
ومّما كثر اللغط فيه ما جرى بين الصّحابة في الجمل وصفّين (١)، فما انفكّ أقوام يَثْلِبُونَ الصّحابة الّذين انعقد على عدالتهم الإجماع، ونطقت بذلك الآيات الصِّراح، وشهدت بذلك الأحاديث الصّحاح.
وقد آثرت أن أبيّن حقيقة ما جرى بينهم لِعزَّته، وقلّة من أحاط بعلمه، ولأنّ هناك مسائل أعيا كثيراً من النّاس جوابها؛ فالقارئ في كثير من الكتب يقف فاغراً فاهاً أمام ما يجدُه في صفحاتها من هول ما يقرأ!
فبعد أن قُتل الخليفةُ عثمانُ ﵁ في داره وهو يقرأ كلام الله في المُصْحَفِ الذي جَمَعَ النَّاس عليه، وفاض دمه على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ
стр. 145
الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة] تباينت مواقف أهل الأمصار من استشهاده:
فمنهم من كان يرى وجوب التّعجيل في محاسبة قتلة عثمان ﵁، وهم أهل الشّام وعلى رأسهم معاوية ﵁، وشطر من أهل البصرة، ومثلهم من أهل مصر.
ومنهم من كان يرى ضرورة تأجيل إقامة الحدود على قتلة عثمان حتّى يتوطَّدَ الحكمُ للخليفة عليّ ﵁ وتقوى شوكته، وتستتبَّ الأمورُ بعد انتقاض البلاد، واضطراب العباد؛ بسبب استشهاد عثمان ﵁ وهم كثير من أهل الأمصار لا سيّما أهل الكوفة فقد كانوا مع عليّ في ذلك.
ومنهم من اعتزل الفتنة، مثل: سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، ومحمّد بن أبي مسلمة وغيرهم كثير ﵃ جميعاً ـ.
وهناك من سعى للإصلاح وجمع الكلمة بين من يريد التّعجيل، ومن يريد التّأخير، ويمثّل هؤلاء أمّ المؤمنين عائشة وطلحة والزّبير ﵃، فخرجوا من مكّة إلى البصرة وكان مرادهم الإصلاح وجمع الكلمة، وليس المطالبة بدم عثمان ﵁ كما ذهب إلى ذلك غير كاتب، فلو كان ذلك صحيحاً لذهبوا إلى الشّام وكانوا مع معاوية ﵁ من أوّل الأمر، ولكن هذا لم يكن.
وهناك كثير من الرّوايات تصوّر عائشة ومن معها أنّهم نقموا على عليّ لتأخيره محاسبة قتلة عثمان، وأنّهم خرجوا إلى البصرة لتحريض النّاس على المطالبة بدم عثمان، وأنّهم خرجوا على عليّ وأبطلوا خلافته وطعنوا فيها، بدليل أنّهم خرجوا للقتال ولهم خليفة لا يرجعون إليه!
وهذه الأخبار لا تَصِحُّ؛ فلو أرادوا مَنْ ينصرهم للنيل من قتلة عثمان لخرجوا إلى الشّام ـ كما تقدّم ـ حيث معاوية أعزّ ناصراً وأكثر عدداً، أمّا أنّهم شقّوا عصا الطّاعة وخرجوا عن الجماعة فظاهر البطلان؛ فما ظهر عندهم ولا عند غيرهم ما يوجب نقض بيعة عليّ، ولو
стр. 146
أرادوا ذلك لسعوا إلى بيعة غيره من أوّل الأمر، لكن ذلك لم يحدث، فهم يرون له من الحقِّ ما لا يرونه لغيره، فهو أفضل من بقي من أهل الشّورى الّذين نصّ عليهم عمر ﵁ ولم يكن يومها على أديم الأرض مَنْ هو أفضل منه، فهذه الأخبار مفضوح كَذِبُها، ولذلك قال الحاكم:
" فأمّا قول من زعم أنّ عبد الله بن عمر، وأبا مسعود الأنصاري، وسعد بن أبي وقّاص، وأبا موسى الأشعري، ومحمّد بن مسلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد، قعدوا عن بيعته، فإنّ هذا قول من يجحد حقيقة تلك الأحوال " (١) والحاصل خلافته ﵁ صحيحة بالإجماع، وكان هو الخليفة في عصره لم ينازعه على الخلافة أحد.
فخروجهم إلى البصرة لم يكن خروجاً للقتال أو خروجاً على الإمام، وإنّما خرجوا للإصلاح، وإعزاز الإسلام بسَدِّ باب الفتنة الذي فُتِح بعد مقتل الخليفة عثمان ﵁ ظلماً وعدواناً كما أجاب غير عالم.
فهم يريدون جمع كلمة الأمّة، وتحذير المسلمين من التّقصير في معاونة علي ﵁ والتّعجيل في محاسبة المحلّين لدم عثمان ﵁ قبل أن تربو مفسدة هؤلاء المنافقين ويستطير شَرُّهم وتزداد شوكتهم ويكثر جمعهم، خصوصاً وأنّ الفتنة يسارع إليها أهل الفساد، وهم الأكثرون.
وقد أخرج الحاكم ما يشير إلى سبب خروج عائشة ﵂، وهو الصّلح، والدّعوة إلى مساندة الفئة التي بُغِي عليها، فقد أخرج بسنده إلى عائشة، قالت: " ما رأيت مثل ما رَغِبَتْ عنه هذه الأمّة من هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... (٩)﴾ [الحجرات] " (٢).
стр. 147
فهي تريد الإصلاح والدّعوة إلى الوقوف مع عليّ في وجه الفئة الباغية على عثمان ﵁.
وفي " كتاب الثّقات " ما يشير إلى نيّتها ﵂ فقد ذكر أنّ زيد بن صوحان قدم من عند عائشة معه كتابان من عائشة إلى أبي موسى والي الكوفة، وإذا في كلّ كتاب: "بسم الله الرّحمن الرّحيم ـ من عائشة أمّ المؤمنين إلى عبد الله بن قيس الأشعري ـ سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد: فإنّه قد كان من قتل عثمان ما قد علمتَ، وقد خرجتُ مصلحةً بين النّاس، فمُر مَنْ قبلك بالقرار في منازلهم والرّضا بالعافية حتّى يأتيهم ما يحبّون من صلاح أمر المسلمين، فإنّ قتلة عثمان فارقوا الجماعة وأحلّوا بأنفسهم دار البوار " (١).
فلم يكن بنيّة عائشة ﵂ ومن معها ملاحقة قتلة عثمان ومحاسبتهم؛ فليس من المعقول أن يغيب عن أذهان هؤلاء الصّحابة الأجلاّء مع سابقتهم وفضلهم أن يقاتلوا قتلة عثمان ﵁ ولهم خليفة ولا يرجعون إليه! فغاية قصدها ﵂ ومن معها الإصلاح بين النّاس، وسيأتي قريباً في حديث الحوأب الصّحيح ما يقطع بذلك.
فليتّق الله أقوام يُصَوِّرون عائشة ﵂ تقود جيشاً فيه كبار الصّحابة لمقاتلة عليّ والتّحريض عليه؛ فالنَّبيُّ ﷺ لم يأذن للنّساء بقيادة الجيوش! وهذا الكلام يسوقونه لتخطئة عائشة ومن كان معها من الصّحابة، والجرح بمن يصوّر ذلك أولى.
وليتّق الله أقوام يتّهمون عائشة ﵂ أنّه كان في نفسها شيء على عليّ ﵁ لموقفه من حادثة الإفك، ذلك أن عليّا ﵁ لمَّا استشاره النَّبيُّ ﷺ في فراق أهله قال ﵁: " يا رسول الله، لمْ يضيّق اللهُ عليك والنّساء سواها كثير،
стр. 148
وسل الجارية تصدقك " (١).
وهذا الخبر رواه الشّيخان عن عائشة ﵂ وليس فيه ما يشير من قريب أو بعيد إلى أنّها كرهت ذلك من عليّ ﵁! وإذا كان هذا ما أخرجها إلى البصرة، فما الّذي أخرج من كان معها؟! فهذا كلام يُرَادُ به النَّيل من الصّحابة أنّهم يوافقونها على الخطأ، ويطعن في سلامة قلوبهم ونقاء سريرتهم، ونحن نعلم أنّ طهارة قلوب الصّحابة نَصَّ عليها القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ... (١٨)﴾ [الفتح]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ... (٢٢)﴾ [المجادلة].
عدد من خرج إلى البصرة وعِلْمُ عليّ بخبرهم
أخرج الطّبريّ روايتين متضاربتين في تعيين عدد من خرج إلى البصرة من طريقين لا تقوم بهما حجّة، الرّواية الأولى من طريق سيف عن أشياخه، وفيها أنَّ عدد من خرج ستمائة، ولَحِقَ بهم من لحق حتّى صاروا ألفاً، وفيها أنّ أمّ الفضل بعثت برسالة مع رجل يُدعى ظفرا تخبر عليّا بخبرهم، فقد أخرج الطّبريّ عن سيف عن محمّد وطلحة، قالا:
" ... فحملوا ستمائة رجل على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب، وكانوا جميعاً ألفاً ... وبعثت أمّ الفضل بنت الحارث رَجُلاً من جهينة يُدْعى ظفرا فاستأجرته على أن يطوي ويأتي بكتابها فقدم على عليّ بكتاب أمّ الفضل بالخبر " (٢).
وهذه الرّواية باطلة سنداً ومتناً، ومدار بطلان سندها على سيف (٣)، فهو ضعيف وقد
стр. 149
أفحش ابن حبّان القول فيه، أمّا بطلان متنها فيدلّك عليه أنّ أمّ الفضل وهي لبابة بنت الحارث (١) الّتي أرسلت إلى عليّ بخبر خروجهم لم تكن يومها على قيد الحياة، فقد ماتت بَعْدَ زوجها العبّاس في خلافة عثمان!
أمّا الرّواية الثّانية فهي من طريق يونس بن يزيد عن الزّهري، وفيها أنّ عددهم سبعمائة ولحق بهم النّاس حتّى كانوا ثلاثة آلاف، فقد أخرج الطّبريّ عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزّهريّ، قال: " ... فخرجوا في سبعمائة رجل من أهل المدينة ومكّة ولحقهم النّاس حتّى كانوا ثلاثة آلاف رجل فبلغ عليّاً مسيرهم فَأَمَّرعلى المدينة سهل بن حنيف، وخرج فسار حتّى نزل ذا قار (٢) " (٣).
قلنا: والزّهري لم يدرك هذه الأحداث حتّى يُحدِّثَ عنها، وهذا التّناقض في تعيين العدد يضعف الرّوايتين معاً.
ثمّ إنّ خروج عليّ إلى ذي قار لا يدلّ على أنّه كان يلحق بهم؛ فهذا يعني أنّه جاء من طريق: النّقرة (٤)، فيد (٥)، الثّعلبيّة (٦). ولو أراد اللحاق بهم لخرج من النّقرة إلى النَّباج (٧)
стр. 150
فالبصرة، وهذا كلّه يضعف متون الرّوايات الّتي تصوّر عائشة ﵂ هاربة وتَتَيامَنُ عن أوطاس (١) خَشْيةً من عليّ.
عائشة تهمُّ بالرّجوع والزّبير يثنيها عن عزمها
فلمّا خرجت عائشة ﵂ ومن معها من الصّحابة ﵃ وكانوا على نيّتها ورأيها في الإصلاح، تذكّرت أنّ النَّبيَّ ﷺ كان قد حَذَّرَ في حياته أمّهات المؤمنين من هذه الفتنة، فلمّا رأت أمُّ المؤمنين ﵂ آية ذلك همّت بالرّجوع؛ لكنّ الزبير ﵁ ثناها عن عزمها لما كان يرجوه في خروجها من إصلاح بين النّاس، ولما كان يأمله في رؤية النّاس لها من جمعٍ للكلمة، ولم يكن يعلم ﵁ أنّه يسير إلى قدره!
فقد أخرج أحمد بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم، أنّ عائشة لمّا أتت على الحوأب سمعت نباح الكلاب، فقالت: " ما أظنّني إلاّ راجعة لأنّ رسول الله ﷺ قال لنا: أيتكنّ تنبح عليها كلاب الحوأب (٢). فقال لها الزّبير ﵁: ترجعين؟! عسى الله أن يصلح بك بين النّاس " (٣).
وممّا يدلّك على حسن نيّة من خرج معها، أنّ الزّبير لمّا التقى مع عليّ ذكّره عليّ بحديث سمعه من رسول الله ﷺ فرجع، فقال له ابنه عبد الله: " ... وللقتال جئت! إنّما جئتَ لتصلحَ بين النّاس ويصلح الله هذا الأمر بك " (٤).
стр. 151
إنكار ابن العربي ﵀ لحديث الحوأب
وقد أنكر ابن العربي ﵀ هذا الحديث أشدّ الإنكار، فقال: " وأمّا الذي ذكرتم من الشّهادة على ماء الحوأب، فقد بؤْتُم في ذكرها بأعظم حُوب (إثم). ما كان قطّ شيء ممّا ذكرتم، ولا قال النَّبيُّ ﷺ ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام، ولا شهد أحد بشهادتهم، وقد كتبت شهاداتكم بهذا الباطل وسوف تسألون " (١).
ولعلّ عذر ابن العربي أنّ هذه الرّواية وردت في كُتُبِ التّاريخ بأسانيد غاية في الضّعف، والحاصل، الحديث صحيح، وهو موجود في كُتُبِ السُّنَّة: فقد أخرجه أحمد في "المسند " (٢) كما تقدّم بإسناد صحيح، وأخرجه الحاكم في " المستدرك " (٣)، ولم يقع في المطبوع منه التّصريح بالتّصحيح منه، ولا من الذّهبي، وقد يكون التّصحيح غَفِلَ عنه الطّابع أو النّاسخ؛ فقد نقل الحافظ في " فتح الباري " (٤) عن الحاكم أنّه صَحَّحَه وسنده على شرط الصّحيح، وهو كذلك، وذكره الألباني في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " (٥) وصحّحه الهيثمي في " مجمّع الزوائد " (٦) من رواية البزّار عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله ﷺ
стр. 152
لنسائه: " ليت شعري أيَّتُكنَّ صاحبة الجمل الأدبب (١) تخرج فينبحها كلاب الحوأب " وقال الهيثمي: رواه البزّار، ورجاله ثقات، وقال الحافظ في " فتح الباري " (٢) بعدما ساق الحديث نفسه: وهذا رواه البزّار ورجاله ثقات "، وذكره ابن حجر في " المطالب العالية " (٣)، وقال المحقّق: صحيح. وصحّحه البوصيري في " الإتحاف " (٤) وقال: رواه أبو بكر بن أبي شيبة ورواته ثقات.
عليّ يخرج إلى البصرة ليردّ عائشة إلى مأمنها عملاً بوصية النَّبيِّ ﷺ -
ولم تصحّ الروايات في أنّ عليّاً وعمّاراً ﵄ حَضَّا أهل الكوفة إلى الخروج لقتال أمّ المؤمنين عائشة، وأنّه خرج إلى البصرة لملاقاتها ... ، وأُضْرِبُ عن هذه الرّوايات علماً منّا ببطلان سندها ومتنها، إذ لا فائدة تُرجَى من ذكرها، وما صحّ ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن زياد الأسديّ، قال: " لمّا سار طلحة والزّبير وعائشة إلى البصرة بعث عليّ عمّار بن ياسر، وحسن بن عليّ، فقدما علينا الكوفة، فصعدا المنبرَ، فكان الحسنُ ابنُ عليّ فوقَ المنبر ـ في أعلاه ـ وقام عمّار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه، فسمعتُ عمّاراً يقول: إنّ عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنّها لزوجةُ نبيّكم ﷺ في الدّنيا والآخرة، ولكنّ الله ﵎ ابتلاكم ليعلم إيّاه تطيعون أم هي " (٥).
وكانت خطبته هذه قبل حادثة الجمل ليكفّهم عن الخروج معها ﵂، ولعلَّ الضَّميرَ في الحديث " إيّاه " يعود على الله تعالى، والمراد اتّباع حكمه، فهو القائل: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ... (٣٣)﴾ [الأحزاب] ليمنعهم من الخروج معها. فإذا كان يعود على
стр. 153
عليّ ﵁ فالمعنى اتّباع حكم الله في طاعة الخليفة، وليس في الحديث دعوة للخروج مع عليّ ﵁ لمقاتلة أحد.
وأخرج عن الحكم عن أبي وائل قال: " قام عمّار على منبر الكوفة فذكر عائشةَ، وذكر مسيرها، وقال: إنّها زوجةُ نبيّكم ﷺ في الدّنيا والآخرة، ولكنّها ممّا ابتُليتُم " (١).
ومراد عمّار ﵁ أنّ الحقّ مع عليّ ﵁، وأنّ عائشة ﵂ مخطئة في خروجها واجتهادها، ومع ذلك ما بَدَّلتْ وما خرجت عن الإسلام بما يجعلها تفارق النَّبيَّ ﷺ ، ويمنعها من أن تكون زوجته ﷺ في الدّنيا والآخرة، وما كان عمّار ليشهد لها أنّها زوجة النَّبيِّ ﷺ في الآخرة إلاّ لشيء سمعه أو علمه، فضلاً عن علمه بحسن نيّتها، وأنّها متأوّلة مجتهدة مصيبة لأجر الاجتهاد، وأنّ خروجها ابتلاء من الله تعالى، وأنّ العبد يبتلى على قَدْر دينه.
وهذا القول من عمّار وشهادته بالفضل لعائشة ﵂ واعتذاره عنها، وعدم بخسها حقّها يدلّ على علمه وورعه وتقواه وإنصافه لعائشة ﵂ وتحرّيه الحقّ قولاً وعملاً؛ فمع أنّه كان يدعو لعليّ إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من التّحدّث بمنقبة عائشة ﵂، وفي ذلك مدّكر لمن أراد أن يدّكر؛ فهذا يكشف عن معادن أصحاب رسول الله ﷺ الخيّرة، فقد قال النَّبيُّ ﷺ :
" النّاسُ معادنُ كمعادِنِ الفضّة والذّهب، خِيَارُهُم في الجاهليّة خِيارُهُم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنودٌ مُجنّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " (٢).
أمّا مَنْ يتعلّل بما رواه البخاري عن عمرو أنّه سمع أبا وائل يقول: " دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمّار حيث بعثه عليّ إلى أهل الكوفة يستنفرهم " (٣) ويظنّ أنّ علياً ـ رضي الله
стр. 154
عنه ـ يستنفر أهل الكوفة لقتال عائشة ﵂ فهذا لا يَصِحُّ، فالخليفة عليّ ﵁ يعرف أنّ خروج عائشة ﵂ من أصله كان قدراً مقدوراً، فقد حذّرها النَّبيُّ ﷺ في حياته من الخروج، وسمع عليّ ﵁ هذا التّحذير، وسمع طلب النَّبيِّ ﷺ منه أن يرفق بها، فقد أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن سالم بن أبي الجعد عن أمّ سلمة ﵂، قالت:
" ذَكرَ النَّبيُّ ﷺ خروج بعض أمّهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: انظري يا حُمَيْرَاء (١)، ألاّ تكوني أنت، ثمّ التفت إلى عليّ، فقال: إنْ وليتَ من أمرها شيئاً، فارفقْ بها " (٢).
فكيف يصحّ القول بأنّ عليّاً ﵁ كان يحرّض على قتالها، وقد أمره النَّبيُّ ﷺ بالرّفق بها؟! وإنّما استنفر عليّ ﵁ أهل الكوفة لأنّه خَشِيَ على عائشة ﵂ فخرج ومن معه إلى البصرة ليجتمع بعائشة ﵂ ويعيدها إلى مأمنها.
فقد أخرج أحمد بإسناد حسن عن أبي رافع أنّ رسول الله ﷺ قال لعليّ بن أبي طالب: " إنّه سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال: أنا يا رسول الله؟! قال: نعم، قال: أنا؟! قال: نعم، قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارْدُدْهَا إلى مَأْمَنِها " (٣).
فالله تعالى أطلع نبيّه ﷺ على ما يقع بين عليّ وعائشة، فالنَّبيُّ ﷺ كان يعلم أنّ أمراً (حدثاً) سيقع بينهما، وليس معركة كما يصّورون ويهوّلون! ولم ينهَ النَّبيُّ ﷺ عليّا ولا عائشة؛ لأنّه يعلم أنّ هذا الأمر واقع بأمر الله ليظهر عذرهما، وإنّما نبههما وأوصى عليّا بها، فالله تعالى إذا أراد شيئا هيّأ الأسباب له.
стр. 155
ومن الرّوايات الّتي تطمئنّ القلوب لمتنها، والّتي تبيّن قصد عليّ ﵁ من الخروج إلى البصرة، ما أخرجه الطّبري بإسناد ضعيف عن محمّد وطلحة، قالا: " لمّا أراد عليّ الخروج من الرّبذة إلى البصرة قام إليه ابن لرفاعة بن رافع، فقال: يا أمير المؤمنين أي شيء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أمّا الّذي نريد فالإصلاح إن قبلوا منّا وأجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبونا إليه؟ قال: ندعهم بعذرهم ونعطيهم الحقّ ونصبر، قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فَنَعَم إذاً ... " (١).
وكان عليّ ﵁ محقاً في خروجه؛ فقد استطاع أن يعيد أمّ المؤمنين إلى مأمنها عملاً بوصيّة النَّبيِّ ﷺ له، أخرج الحاكم عن عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: " لمّا سار عليّ إلى البصرة دخل على أمّ سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ يودّعها، فقالت: سِرْ في حفظ الله وفي كنفه، فوالله إنّك لعلى الحقّ والحقّ معك، ولولا أنّي أكره أن أعصي الله ورسوله فإنّه أمَرَنا ﷺ أن نقرّ في بيوتنا لسرتُ معك، ولكن والله لأرسلنّ معك من هو أفضل عندي وأعزّ عليّ من نفسي ابني عمر" (٢).
الأيدي الخبيثة توقع الفتنة بين الفريقين
وهكذا يتَّضِحُ أنّ عليّاً ﵁ لم ينهض إلى البصرة لقتال عائشة ﵂ ومن معها كما تقدّم، وإنما ليرُدَّها إلى مأمنها ويقوى بمن كان معها، فهو يعلم أنّ القلوب واحدة والنّيّة واحدة، لكنّه كان يخشى ﵁ أن ينفتق في الإسلام فتق، وآية ذلك أنّهم لمّا اجتمعوا في النّصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، اجتمعت كلمتهم، ولم يقتتلوا، ولم يكن بينهم قتال؛ فخشي المنافقون وأعوانهم الّذين نُسِبَ إليهم قتل الخليفة عثمان ﵁ من اجتماعهم على قتالهم، فلمّا جَنَّ الليلُ اندس قتلة عثمان
стр. 156
ـ ﵁ بين هؤلاء وهؤلاء. وبعد أنْ اطمأنّ الفريقان أنشبوا السّهام، وبذلوا السُّيوفَ فيهم، فنشب القتال على غير نيّة، فأخذت كلّ طائفة تدفع عن نفسها، وهي تظنّ أنّ الأخرى بدأتها القتال، فكلتا الطائفتين محقّة في غايتها، سليمة في نيتها، مدافعة عن نفسها، بمثل هذا أجاب غير عالم من علمائنا عن سبب وقوع القتال.
وقد أشار الطّبري إلى هذا الأمر، فقال: " ... فباتوا على الصّلح، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الّذي أشرفوا عليه، والنّزوع عمّا اشتهى الّذين اشتهوا، وركبوا ما ركبوا، وبات الّذين أثاروا أمر عثمان بشرّ ليلة باتوها قطّ، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلّها حتّى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السِّرِّ، واستسرُّوا بذلك خشيةَ أن يفطنَ بما حاولوا من الشَّرِّ، فغدوا مع الغَلَس وما يشعرُ بهم جيرانُهم، انسلّوا إلى ذلك الأمر انسلالاً، وعليهم ظلمةٌ ... فوضعوا فيهم السّلاح، فثار أهل البصرة، وثار كلّ قوم في وجوه أصحابهم ... ونادى عليّ في النّاس: أيّها النّاس، كُفُّوا، فلا شيء " (١).
المنافقون يُؤَجِّجُونَ الفتنة بقتل كبار الصّحابة
أورد البخاري من حديث عمرو بن جاوان، قال: " والتقى القوم ـ يعني يوم الجمل ـ فقام كعب بن سور الأزدي معه المصحف ينشره بين الفريقين، وينشدهم الله والإسلام في دمائهم، فما زال بذلك المنزل حتّى قُتل طلحة أوّل قتيل، وذهب الزّبير يريد أن يلحق به فقُتل " (٢).
وانظر كيف بدأت هذه الحادثة بقتل صحابيين جليلين، فقد سارع المنافقون إلى قتلهما لإشعال الفتنة بين المسلمين وإذكاء نارها، وتأجيج أوارها، خشية أن يجتمعوا عليهم بعد أن
стр. 157
قتلوا خليفة المسلمين عثمان ﵁!
وقد وردت أخبار كثيرة في حرصهم على قتل عائشة ﵂ ودفاع من كان معها عنها، منها ما أورده ابن حجر في " الفتح " عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : " أَيَّتُكُنَّ صاحبة الجمل الأدبب تخرج حتّى تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتنجو بعدما كادت " (١).
وهؤلاء القتلة لا أحسبهم إلاّ جماعة من المنافقين، فقد وَصَفَهم النَّبيُّ ﷺ بذلك، فقد أخرج ابن ماجه حديثاً صحيحاً عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : " يا عثمان، إن ولاّك الله هذا الأمر يوماً، فأرادكَ المنافقون أن تَخْلعَ قميصك الّذي قمّصك الله، فلا تخْلعه " (٢).
وأخرج نحوه أحمد بسند صحيح عن عائشة أنّ رسول الله ﷺ قال: " يا عثمان، إنّ الله عسى أن يُلْبِسَكَ قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتّى تلقاني " (٣).
وهؤلاء المنافقون حَرَّكَتْهُم أَيْدٍ خبيثة؛ فالّذين كانوا يضمرون الشَّرَّ للإسلام وأهله يومها كانوا كَثْرةً كاثرة من أهل الكتاب، والمرتدين، والأكاسرة والأباطرة، والكفّار، فضلاً عن حديثي العهد بالإسلام ممّن يسهل استمالتهم، فقد كثُر في ذلك العهد من لم يصحب النَّبيَّ ﷺ ، وفُقِد من عرفَ فضل الصّحابة ﵃! فأمسى النّاس أسرع إلى الاختلاف، وقد سَألَ رجلٌ عليّ بن أبي طالب ذات مرّة: " ما بال المسلمين اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟! فقال: لأنّ أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي، وأنا اليوم والٍ
стр. 158
على مثلك " (١).
ولا يستبعد أنّه قُتِل في حادثة الجمل بعض من يُتَّهم في دم عثمان ﵁ وممّن أعان عليه ومالأ على دمه، فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي حفص، قال: " سمع عليّ يوم الجمل صوتاً تلقاء أمّ المؤمنين، فقال: انظروا ما يقولون، فرجعوا فقالوا: يهتفون بقتلة عثمان، فقال: اللهمّ احلل بقتلة عثمان خزياً " (٢) فمن دعائهم وسُؤاله أن يخزهم الله في هذا اليوم بالقتل يفهم أنّ كلا الطّرفين ليس عنده أدنى شكّ في أنّ قتلة عثمان ﵁ هم الّذين أنشبوا القتال، وأنّهم وراء كلّ شرّ وبلاء، وأنّهم اختلطوا في الفريقين.
وهذا الحدث الجَلَل يُسْتَفادُ منه الحذر من الأيدي الخفيّة التي كانت وما زالت توقع بين المسلمين، والحذر من الألسن والأقلام الّتي تثير الحفائظ، وتُوغِر الصُّدور!
الرَّدُ على من احتجَّ على خروج عائشة بقوله تعالى:
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ... (٣٣)﴾ [الأحزاب]
ولمّا ظهر عليّ ﵁ جاء إلى عائشة ﵂، فقال: " غفر اللهُ لك، قالت: ولك، ما أردْتُ إلاّ الإصلاح " (٣).
وأخرج عبد الرّزاق في المصنّف بسند منقطع قول عائشة ﵂: " إنّما أريد أن يحجز بين النّاس مكاني، قالت: ولم أحسب أن يكون بين النّاس قتال، ولو علمْتُ ذلك لم أقِفْ ذلك الموقف أبداً " (٤) أي كانت تعتقد أن مكانتها تكون حاجزاً بين النّاس من
стр. 159
الاختلاف.
فعذرها ﵂ أنّها كانت تريد الإصلاح، وكانت متأوِّلةً لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النّساء]
فخروجها خروج طاعة لا خروج معصية، وهذا فيه ردٌّ على من حَمَلَ على خروج عائشة ﵂ واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ... (٣٣)﴾ [الأحزاب] وقوله ﷺ لنسائه عام حجّة الوداع: " هذه ثمّ ظهور الحُصُر " (١).
فإنّ خروج الطّاعة لا ينافي أمر الله ورسوله بالقعود، وليس في الآية أو الحديث الشّريف أمر بالقعود عن الحجّ أو الإصلاح بين النّاس، أو ما فيه مصلحة للمسلمين، فاحتجاجهم بالآية أو الحديث الشّريف على المنع مطلقاً ليس صحيحاً، وقد كان معها محرمها عبد الله بن الزّبير بن العوّام، إذ أنّ عائشة ﵂ تكون خالته؛ فوالدة عبد الله بن الزّبير هي أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق ذات النّطاقين أخت عائشة.
أيضا لو كان في خروجها معصيةٌ لله تعالى ما أخبر النَّبيُّ ﷺ أنّها زوجته في الآخرة، أخرج البخاري عن الحكم عن أبي وائل قال: " قام عمّار على منبر الكوفة فذكر عائشةَ، وذكر مسيرها، وقال: إنّها زوجةُ نبيّكم ﷺ في الدّنيا والآخرة " (٢).
ولو كان في خروج مَنْ كانَ معها مثل طلحة والزّبير معصية لله ما أخبر النَّبيُّ ﷺ أنّهما شهيدان فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: " أنّ رسول الله ﷺ كان على حِرَاء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزّبير، فتحرّكت الصّخرةُ، فقال رسول الله ﷺ : اهدأ؛ فما عليك إلاّ نبيٌّ، أو صدِّيقٌ، أو شهيد " (٣) فكيف يحكم ﷺ أنّ
стр. 160
عائشة زوجته في الآخرة، وأنّ طلحة والزّبير شهيدان لو كان في خروجهم معصية لله، أو كان في خروجهم دغل أو غشّ أو خروج على الخليفة؟!
وهذا يدلّك على سلامة نيّة الصّحابة في الخروج، وأنّهم لم يخرجوا لدنيا يصيبونها، وحسبهم قول النَّبيِّ ﷺ : " إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ... " (١) وحسبهم قوله ﷺ : " عجباً لأمر المؤمن إنَّ أمره كلّه خير وليس ذاك إلاّ للمؤمن " (٢).
ندم عائشة ﵂ على خروجها ودلالته
وقد ندمت عائشة ﵂ على خروجها، أخرج الحاكم عن هشام وقيس عن عائشة، قالت: " وددتُ أنّي كنت ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام، وأنّي لم أَسِرْ مسيري مع ابن الزّبير " (٣) وندمها ﵂ يَدُلُّ على أنّ خطأها في الاجتهاد من الخطأ المغفور المأجور!
ولمّا سُئلت عائشة ﵂ عن خروجها برّرت واعتذرت، فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن عن عبيد بن سعد، عن عائشة، أنّها سُئلت عن مسيرها، فقالت: " كان قدراً " (٤) ومن لم يَسَعْهُ ذلك فليَسَعْهُ قولُ الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... (٥٤)﴾ [الأعراف] فمن بقي له شيء بعد ذلك عند الله فليطلبه!
وقد لَفَتَ انتباهي أنّ عائشة ﵂ لها مع الجمل حكايتان: الأولى يوم خرجت مع النَّبيِّ ﷺ في غزوة غزاها، فنزلت عن الجمل فَمَشَتْ حتّى جاوزت الجيش، فلمّا
стр. 161
قضتْ من شأنها أقبلت إلى الرَّحْل فلمست صدرها فإذا عقدها قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدها فحبسها ابتغاؤه، فكان ما كان من حديث الإفك حتّى برّأها الله ممّا قالوا.
والثّانية: لمّا خرجت إلى البصرة تركب جملها لتصلح بين النّاس فكان ما كان في حادثة الجمل، وحسب عائشة ﵂ شرفاً أنّها خُلقِت طيّبة ووعدت بمغفرة ورزق كريم، قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ [النّور] فشهد الله لها أنّها في الجنّة! ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف].
الرَّدُّ على مَنْ طَعَنَ على عائشة بقوله ﷺ " لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة "
هذا الحديث الشّريف لم يَعْنِ به النَّبيُّ ﷺ عائشة ﵂، وإنّما قاله ﷺ لمّا بلغه أنّ فارساً ملّكوا ابنة كسرى بعدما هلك كسرى، فقد أخرج البخاري عن أبي بكرة، قال: " نفعني الله بكلمة أيّام الجمل، لمّا بلغ النّبيَّ أنّ فارساً ملّكوا ابنة كسرى، قال: لن يفلحَ قومٌ ولّوا أمرهم امرأة " (١).
وظاهر الكلام يوهم بأنّ أبا بكرة ﵁ يُضَعِّفُ رأي عائشة ﵂ في خروجها، وليس الأمر كذلك؛ فالمشهور أنّه كان على رأي عائشة في طلب الإصلاح، لكنّه لمّا رأى ما آلت إليه الأمور اعتزل القتال مستفيداً من حديث النَّبيِّ ﷺ في حَقِّ ابنة كسرى، وغلب على ظنّه أنّهم سَيُغْلَبُون على أمرهم.
فإن قال قائل: لكنَّ الحديث يفهم منه العموم؛ لأنّ كُلًّا من كلمة (قوم) وكلمة (امرأة): نكرة وقعت في سياق النَّفي فتعمّ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب، كما هو معلوم في الأصول؟ فالجواب: أنّ المراد بالولاية: الولاية العامّة لا الولاية الخاصة، والصّحابة لا يجهلون أنّ المرأة لا تتولى الإمارة، وعائشة لم تكن تتولى إمرة أحد من المسلمين لا ولاية عامّة ولا خاصّة! والرّوايات الّتي تصّور عائشة أنّها كانت تقود جيشاً لا تصحّ.
стр. 162
فإنْ قالوا: لكنّ النَّبيَّ ﷺ قال: " يخرج قوم هلكى لا يفلحون قائدهم امرأة " فالجواب أنّ هذا حديث منكر لا يصحّ عن رسول الله ﷺ والهلكى هم الّذين وضعوا هذا الحديث الهالك، فقد ذكره الألباني في " سلسلة الأحاديث الضّعيفة "، وقال: " منكر " (١). وذكره الهيثمي في " مجمع الزّوائد " وقال: " رواه البزّار، وفيه عمر بن الهجنع ذكر الذّهبي في ترجمته هذا الحديث في منكراته " (٢).
تجنُّب الصَّحابة للقتال
حتّى الّذين شهدوا الفتنة من الصّحابة ﵃ كانوا حريصين على عدم القتال، ويشهد لذلك ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن محمّد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال: " ما زال جدّي كافاً سلاحه يوم الجمل حتّى قُتل عمّار بصفّين، فَسَلَّ سيفه، فقاتل حتّى قُتل، قال سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: تقتل عمّاراً الفئة الباغية " (٣) أي أنّه لم يقاتل في الجمل ولا في صفّين حتّى تبيّن له الحقّ فقاتل عن بَيِّنة.
وروى البخاري عن أبي حميلة قال: " قال محمّد بن طلحة لعائشة يا أمّ المؤمنين، يوم الجمل، فقالت: كن كخير ابني آدم؛ فأغمد سيفه بعد ما سلّه، ثمّ قاتل حتّى قُتِل " (٤). أي كُنْ المقتُول ولا تكُن القاتِل، وهذا يدلُّكَ على أنَّ عائشةَ ﵂ كانت تَنْهَى عن القتال ولا تَأْمر به.
حتّى الخليفة عليّ ﵁ كان يتجنّب القتال كيلا يُصِيبَ دماً حراماً ففي "المطالب العالية " بسند صحيح عن سليمان بن صرد، قال: جئت إلى الحسن ﵁
стр. 163
فقلت: " اعذرني عند أمير المؤمنين؛ حيث لم أحضر الوقعة، فقال الحسن ﵁: ما تصنع بهذا، لقد رأيتُه يَلوذُ بي وهو يقول: يا حسن ليتني متُّ قبل هذا بعشرين سنة! " (١).
وكذلك طلحة بن عبيد الله والزّبير بن العوّام تجنّبا القتال، فالمشهور أنّهما لم يقاتلا، فأمّا طلحة فأصابه سهم أوّل الأمر فقتل مظلوماً شهيداً، وأمّا الزّبير فرجع تاركاً للقتال فقتل مظلوماً شهيداً بوادي السّباع (٢) قرب البصرة مُنْصرفاً في طريقه إلى المدينة تاركاً للقتال، قتله ابن جرموز غدراً وغيلة.
ويؤيّد هذا أنّ ابنُ جُرْمُوز لمّا استأذن بالدّخول على الخليفة وكان في اعتقاده أنّه سينال حظوة عند الخليفة، قال عليّ ﵁ يومها: " بشّر قاتل ابن صفيّة بالنّار " أخرجه أحمد والحاكم (٣) بسند صحيح عن زِرِّ بن حُبَيْش.
حادثة الجمل لم تقع بدافع العصبيّة
لم يكن في اعتقاد عائشة ﵂ ومن معها أنّ فتنة ستقع، ولم يخطر ببال أحد منهم أنّه سيكون قتال بين المسلمين، خِلافاً لما يصوّره البعض من أنّ خروجهم كان لقتال عليّ الّذي تهاون في محاسبة قتلة عثمان بزعمهم، وأنّ خروجهم لا يسلم من العصبيّة والأهواء والمطامع والتّنازع على الملك وغير ذلك من الافتراء على الصّحابة ... ﵃!
ومّما يدلّك على أنَّ حادثة الجمل لم تقع عن عصبية، ولم تحدث بتدبير من عائشة أو
стр. 164
عليّ أنّ عبد الرّحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة، أخا عائشة ﵂، شَهِدَ الجمل مع عائشة وأخوه محمّد مع عليّ بن أبي طالب ﵁. قال الحافظ: " عبد الرّحمن بن عبد الله وأمّه أمّ رومان والدة عائشة ... شهد وقعة الجمل مع عائشة، وأخوه محمّد مع عليّ " (١).
أَثَرُ استشهاد طلحة والزّبير في نفس عليّ
أخرج خليفة عن عمر بن جاوان، قال: " سمعت الأحنف بن قيس، قال: لمّا التقوا كان أوّل قتيل طلحة بن عبيد الله، وخرج كعب بن سور من البصرة معه المصحف ناشره بين الصّفين يُنَاشِدُ النّاس في دمائهم فَقُتِل وهو بتلك الحالة " (٢).
وكان النَّبيُّ ﷺ قد أخبر في حياته: أنّ عمر وعثمان وعلياً وطلحة والزّبير شهداء، فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁: " أنّ رسول الله ﷺ كان على حِرَاء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزّبير، فتحرّكت الصّخرةُ، فقال رسول الله ﷺ : اهدأ؛ فما عليك إلاّ نبيٌّ، أو صدِّيقٌ، أو شهيد " (٣).
والحديث يفهم منه أنّ من قُتلَ ظُلْماً فهو شهيد في أحكام الآخرة وما أعدّه الله للشهداء من ثواب، والحديث من معجزات النُّبوَّة؛ فقد قُتل عمر وعثمان وعليّ وطلحة والزّبير ظلماً، فماتوا شهداء ﵃.
وقد كان لاستشهاد طلحة والزّبير ﵄ أَثَرٌ بالغ في نفس عليّ ﵁، ففي " مجمع الزوائد " عن طلحة بن مصروف يحدّث: " أنّ عليّاً انتهى إلى طلحة بن عبيد الله وقد مات، فنزل عن دابته وأجلسه، فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته، وهو
стр. 165
يترحَّمُ عليه، وهو يقول: ليتني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة " (١).
وأخرج أحمد بسند صحيح عن زِرّ بن حُبيش، قال: استأذن ابن جُرْموز على عليّ، فقال: من هذا؟ قالوا: ابن جُرْموز يستأذن، قال: ائذنوا له، ليدخُل قاتلُ الزّبير النّار " (٢).
براءة مروان من دم طلحة
أمّا قَتْلُ طلحة فَيُتَّهَمُ فيه مروان بن الحكم، فقد أخرج خليفة في تاريخه عن ابن سيرين، قال: " رُمِي طلحة بسهم فأصاب ثغرة نحره. قال: فأقرّ مروان أنّه رماه " (٣) وفي طبقات ابن سعد عن جويرية بن أسماء، عن نافع، قال: " ... نظر (مروان) إلى طلحة بن عبيد الله واقفاً، فقال: والله إن دم عثمان إلاّ عند هذا، هو كان أشدّ النّاس عليه وما أطلب أثراً بعد عين. ففوق (٤) له بسهم فرماه فقتله " (٥).
وقد أنكر ابن العربيّ هذا الحديث، فقال: " وقد روي أنّ مروان لمّا وقعت عينه في الاصطفاف على طلحة، قال: لا نطلب أثراً بعد عين، ورماه بسهم فقتله. ومن يعلم هذا إلا علاّم الغيوب، ولم ينقله ثَبْتٌ؟ " (٦) ووافقه المحقّق محبّ الدّين الخطيب، وقال: " وهذا الخبر عن طلحة ومروان (لقيط) لا يعرف أبوه ولا صاحبه. وما دام لم ينقله ثبت بسند معروف عن رجال ثقات فإنّ للقاضي ابن العربيّ أن يقول بملء فيه: ومن يعلم هذا إلاّ علاّم
стр. 166
الغيوب؟! " (١).
قلت: وقد حكم على صحّة هذا الخبر ثلاثة من الأئمّة الأعلام: ابن حجر، والذّهبي، والهيثمي.
قال الحافظ ابن حجر:
" أخرج أبو القاسم البغوي بسند صحيح عن الجارود بن أبي سبرة، قال: لمّا كان يوم الجمل نظر مروان إلى طلحة فقال: لا أطلب ثأري بعد اليوم، فنزع له بسهم فقتله، وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم أنّ مروان بن الحكم رأى طلحة في الخيل، فقال: هذا أعان على عثمان فرماه بسهم في ركبته، فما زال الدّم يسيح حتّى مات " (٢). وأخرج نحوه الحاكم في "المستدرك" (٣) وحَكَم عليه الذّهبي بالصِّحَّة في تلخيص المستدرك.
كما صحّح هذا الخبر الهيثمي من رواية الطّبراني عن قيس بن أبي حزام، قال: " رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في يمين ركبته، فما زال يسبح إلى أن مات " (٤).
وأخرجه خليفة من طريق جويرية بن أسماء، عن يحيى بن سعيد، عن عمّه، قال: "رمى مروان طلحة بن عبيد الله بسهم، ثمّ التفت إلى أبان بن عثمان، فقال: قد كفيناك بعض قَتَلةِ أبيك " (٥).
стр. 167
قلت: وهذا الحديث لا يَصِحُّ متناً حتّى لو صَحَّ سنداً؛ فليس كلّ صحيح سنداً ينبغي أن يكون صحيحاً متناً، بل يشترط سلامة الحديث من مبدئه إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علّة. وهذا ممّا لا يجهله الحافظ ﵀ ولا غيره من النُّقاد، ولكنّه لم ينظر إلى متنه معرفة منه أنّ صحّة الإسناد لا يلزم منها صحّة الحديث، قال ابن الصّلاح: " والحكم بالصِّحَّة أو الحُسن على الإسناد لا يلزم منه الحُكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذّاً أو معلَّلاً " (١).
ويدلّك على بطلان المتن أمور خمسة:
الأوّل: أنّ مروان بن الحكم وطلحة بن عبيد الله في صَفّ واحد، قال ابن حجر: "مروان بن الحكم ... شهد الجمل مع عائشة، ثمّ صفّين مع معاوية، ثمّ ولي إمرة المدينة لمعاوية " (٢) فكيف يقتله وهو في صَفِّه؟!
الثّاني: كيف يَسْتَحِلُّ مروان قتل طلحة وهو أحد العشرة المبشرين بالجنّة، بدعوى أنّه من قتلة عثمان، ومروان أعلم النّاس بقتلة عثمان، فقد كان مع عثمان يوم الدّار وشهد حَصْرَه، وكان من المدافعين عنه ومن آخرهم خروجاً من عنده يوم قتل ﵁، وقتلته من المنافقين كما أخبر عثمان ﵁ عن رسول الله ﷺ ومروان لا يجهل ذلك لقربه من عثمان، وهو كاتبه، أخرج خليفة بسند صحيح عن عبد الرّحمن بن مهدي، عن حصن بن أبي بكر، عن يحيى بن عتيق، عن محمّد بن سيرين، قال:
" انطلق الحسن، والحسين، وابن عمر، وابن الزّبير، ومروان، كلّهم شاكٍ في السّلاح حتّى دخلوا الدّار، فقال عثمان: " أَعْزِم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم، فخرج ابن عمر والحسن والحسين، فقال ابن الزّبير ومروان: ونحن نعزم
стр. 168
على أنفسنا أن لا نبرح " (١).
الثّالث: كيف يَسْكُتُ معاويةُ عن فِعْلَةِ مروان بن الحكم وهي من الموبقات السّبع ولا يحقِّقُ عليه، ويجعله في صفِّه، ويولِّيه إمرة المدينة بعد ذلك؟! وكيف يرضى أهل المدينة بإمرته وفيهم الصّحابة أمثال عبد الله بن عمر، وعائشة ... ، وهذا فيه تخطئة للصّحابة ﵃، كما أنّه لم ينقل عن عائشة ﵂ أنّها أنكرت على مروان ذلك، ونحن نعلم أنّ مروان كان معها في حادثة الجمل، وكانت في المدينة يوم كان مروان على إمرتها.
الرّابع: لو صحّت هذه الرّوايات من أنّ مروان قتل طلحة بزعم أنّه من قتلة عثمان، فإنّ سكوت عائشة وعليّ يومها على قَوْلِ وفِعْل مروان فيه إقرار بصحّة دعواه من أنّ طلحة من قتلة عثمان! وهذا أظهر ما يردُّها؛ فكيف يقتل طلحة عثمان وكان النَّبيُّ ﷺ قد بشّره بالجنّة؟!
الخامس: أنّ مروان بن الحكم بن أبي العاص من كبار التّابعين، أَرْسَل عن النَّبيِّ ﷺ ، وروى عن غير واحد من الصّحابة منهم عمر وعثمان وعليّ، وروى له البخاري وأبو داود والتّرمذي، والنّسائي، وابن ماجة، وقَرَنَهُ البخاري بالمسور بن مخرمة في روايته عن الزّهري عن عروة عنهما في حديث الحديبية بطوله، فلو أنّ مروان قتل طلحة لكانت من موبقاته الّتي تكفي أن يتوقّف البخاري عن ذكره في صحيحه. ومروان لا يُتَّهم في حديثه ولم يجرِّحْه أحدٌ، ولو كان شيء من ذلك لتداولته كتب الجرح والتّعديل بالتّضعيف.
وفي " تاريخ دمشق " أنّ طلحة أصيب بسهم غَرْب أي أتاه سهم طائش من حيث لا يدري، فلا يُعرَف راميه ولا من أين أتى وهذا هو الرّاجح، قال ابن عساكر: " ... سنة ست وثلاثين وفيها قُتِلَ طلحة بن عبيد الله في المعركة أصابه سهم غَرْب فقتله " (٢).
стр. 169
عدد قتلى الجمل وزمن القتال ودلالته
الرّواية عند الطّبري عن عدد قتلى الجمل أنّهم عشرة آلاف، وأنّه قُتل من بني عديّ يومئذ سبعون شيخاً كُلّهم قد قرأ القرآن، وأنّ عائشة ﵂ ما زالت ترجو النّصر حتّى خفيت أصوات بني عديّ. وكلّ هذا لا يصحّ، فقد أخرجه الطّبري من طريق سيف، وهو ضعيف، فضلاً عن أنّ المتن فيه اضطراب.
فقد أخرج الطّبري عن شعيب، عن سيف، عن محمّد وطلحة، قالا: " كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف نصفهم من أصحاب عليّ ونصفهم من أصحاب عائشة: من الأزد ألفان، ومن سائر اليمن خمسمائة، ومن مضر ألفان، وخمسمائة من قيس، وخمسمائة من تميم، وألف من بني ضبّة، وخمسمائة من بكر بن وائل " (١) قلت: وانظر إلى المجموع، فإنّه لا يساوي عشرة آلاف، وهذا يدلّك على تهلهل المتن واضطرابه. أيضاً الرِّواية عند الطَّبري في تَعيين عدد من خَرَجَ مع عائشة تتحدَّث ـ كما تقدَّم ـ أنه خرج معها ألف أو ثلاثةُ آلاف، فكيف يُقْتَلُ من أصحاب عائشة ﵂ خمسة آلاف؟!
ثمّ ذكر الطّبري بعد ذلك ـ دون سند ـ أنّه قيل: " قُتِل من أهل البصرة في المعركة الأولى خمسة آلاف، وقُتِل من أهل البصرة في المعركة الثّانية خمسة آلاف، فذلك عشرة آلاف قتيل من أهل البصرة، ومن أهل الكوفة خمسة آلاف " (٢) ورواية المجاهيل لا تصحّ قولاً واحداً؛ فلا ينظر إلى أيّ متن إذا لم يصحّ إسناده بدليل.
ثمّ رجع الطّبري إلى سنده الأوّل عن سيف، ومحمّد وطلحة قالا: " وقُتل من بني عدي يومئذ سبعون شيخاً كلّهم قد قرأ القرآن، سوى الشّباب ومن لم يقرأ القرآن، وقالت عائشة ﵂ ما زلت أرجو النّصر حتّى خفيت أصوات بني عدي " (٣).
стр. 170
قلت: وهذه الرّواية باطلة سنداً، ومدار بطلان سندها على سيف، أمّا بطلان متنها فَمَرَدُّهُ إلى اتّهام أمّ المؤمنين عائشة ﵂ أنّها كانت تنطوي على غِلّ للمسلمين، وتشتهي النّصر ولو كان ثمنه قتل القرّاء، وحفظة القرآن، وهذا باطل بداهة! وهذا كلام مَنْ قَصُر نظرُه عن معرفة عدالة الصّحابة؛ فالصّحابة ﵃ أبرُّ النّاس قلوباً، وأصلحهم أنفساً، وأعمقهم إيماناً، وأرسخهم علماً، وأصدقهم خوفاً من الله تعالى؛ ولذلك اختارهم الله تعالى لصحبة نبيّه ﷺ ، ونقل دينه، فكانوا وربّ النّاس مثلاً للنّاس، لكن من تأخّر منهم ابتلي بِحُثَالةٍ من النَّاس!
والصّحابة ﵃ قطع الله عنهم العمل ولم يقطع عنهم الأجر، فذهبوا بالأجور، وما انقطعت أجورهم؛ فهذه السّنن التي بين أيدينا، لهم أجرها، وأجر من عمل بها حتّى تقوم السّاعة! ومن ذكرهم بسوء ولو بِشَطْرِ كلمة فإنّما يهديهم حسناته، إن كانت له حسنات!
وأخرج الطّبري عن محمّد بن الفضل، عن سعيد القطعي، قال: " كنّا نتحدّث أنّ قتلى الجمل يزيدون على ستة آلاف " (١) وإسناده ضعيف لكذب محمّد بن الفضل، قال ابن حجر: " محمّد بن الفضل بن عطيّة الخرساني، كذّبوه " (٢).
وأخرج خليفة عن كهْمَس، عن سعيد، عن قتادة، قال: " قُتِل يوم الجمل عشرون ألفاً" (٣) وإسناده ضعيف: كهمس بن المِنْهَال السّدوسي، قال عنه ابن حجر: " صدوق رمي بالقدر " (٤) وقال عنه الذّهبي: " اتّهم بالقدر، وله حديث منكر أدخله البخاري من أجله في كتاب الضّعفاء وقال أبو حاتم: محلّه الصّدق " (٥) وسعيد هو ابن أبي عروبة: مِهران اليشكري
стр. 171
قال عنه الحافظ: " كثير التّدليس واختلط وكان من أثبت النّاس في قتادة " (١) وقتادة لم يدرك الحادثة.
وقد أورد خليفة بياناً بأسماء من حُفِظ من قتلى الجمل فكانوا قرابة المائة (٢). وهذا يؤكّد قِلَّةَ عدد القتلى، وهذا ليس غريباً فلم يكن أحد من الفريقين يهاجم الآخر، وإنّما كان يدفع عن نفسه، والمشْهُورُ أنَّ الصَّحابة كانوا يتجنَّبون القتال وينهونَ عنه.
وممّا يدلك على قلّة عدد قتلى الجمل قِصَرُ زمن القتال يومها، فقد نشب القتالُ بعد الظّهر وانتهى مع غروب الشّمس، أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب أنّ القتال نشب بعد الظّهر قال: " فكفّ عن طلحة والزّبير وأصحابهما، ودعاهم حتّى بدؤوه فقاتلهم بعد صلاة الظّهر، فما غربت الشّمسُ وحول الجمل عين تطوق ممّن كان يَذُبُّ عنه، فقال عليّ: لا تتمّوا جريحاً، ولا تقتلوا مدبراً، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن، فلم يكن قتالهم إلاّ تلك العشيّة وحدها " (٣).
الأسباب الّتي جعلت حادثة الجمل تؤلم المسلمين عبر التَّاريخ !
مع أنَّ حادثة الجمل ما هي إلاّ فتنة دامت ساعات معدودات، إلاّ أنّها أوجعت المسلمين عبر التَّاريخ لأسباب ثلاثة:
الأوّل: كونها أوّل قتال يقع بين المسلمين، والثّاني: بسبب ما نتج عن هذه الحادثة من استشهاد اثنين من كبار الصّحابة، وهما طلحة والزّبير ﵄، والثّالث: نتيجة نقلها من رواة لا يعتدّ بهم، أو نقلها دون سند تعرف به، فهذا اليعقوبي مثلاً يقول: " كانت
стр. 172
الحرب أربع ساعات من النّهار، فروى بعضهم أنّه قُتِلَ في ذلك اليوم نيف وثلاثون ألفاً " (١) وهذا لا يصحّ نقلاً ولا عقلاً؛ فالقتال أربع ساعات بالسّيوف لا يوقع هذه الأعداد من القتلى! وقد يقول قائل لكنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبر أنّه: " يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة " (٢) فالجواب نعم ولكن ليس بهذه الكثرة المبالغ بها! ولا غرو أنَّ المبالغة من علامات الوضع الّتي تُعرف بها الرّوايات الباطلة.
الثناء على عائشة قبل موتها على لسان ابن عبّاس
لمّا حضرت عائشة ﵂ الوفاة استأذن ابن عبّاس ﵁ عليها وهي تموت، فأثنى عليها، فلمّا خرج من عندها وافَقَ خروجُه دخول ابن الزّبير، فأخبرته عن دخول ابن عبّاس وثنائه عليها، وقالت: " وددت لو كنت نَسْياً منسياً " وهذا على عادة أهل التُّقى والورع!
أخرج البخاري عن ابن أبي مُليْكة، قال: " استأذن ابن عبّاس ـ قبل موتها ـ على عائشة، وهي مغلوبةٌ، قالت: أخشى أن يثني عليّ، فقيلَ: ابن عمّ رسول الله ﷺ ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينَك؟ قالت: بخيرٍ إن اتَّقيْتُ الله، قال: فأنتِ بخير إن شاء الله؛ زوجةُ رسول الله ﷺ ، ولم ينكحْ بكراً غيرك، ونزل عذرُك من السّماء، ودخل ابن الزّبير خلافه، فقالت: دخل ابن عبّاس، فأثنى عليّ، ودِدْتُ أنّي كنتُ نَسْياً مَنْسيّاً " (٣).
وأخرج البخاريّ عن القاسم بن محمّد أنّ عائشة اشتكتْ، فجاء ابن عبّاس، فقال:
стр. 173
"يا أمّ المؤمنين، تَقْدمينَ على فَرَط صدْق على رسول الله وعلى أبي بكر " (١).
وابن عبّاس ﵁ يريد بهذه الكلمات أن يبشّرها بمنزلتها في الجنّة، وقوله لها: " على فَرَط صدق " يعني رسول الله ﷺ ، وأبا بكر؛ لأنّ قوله " رسول الله ... " بدل من فرط صدق، وأضافهما إلى الصّدق وصفاً لهما ومدحاً. والمعنى أنّك ستلحقين بالأحبّة، فقد سبقاك وهيّآ لك المنزل في الجنّة، فافرحي يا عائشة.
وهذه الشّهادة عندما تأتي من عبد الله ابن عبّاس لها دلالتها؛ لقربه من عليّ، فما كان ليشهد لها ﵁ لولا علمه بذلك!
* * *
стр. 174
المبحث الثّاني
صاحب الأجر وصاحب الأجرين
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ [الأحزاب]
عُذْرُ معاوية في التّعجيل وعذر عليّ في التّأخير
ماذا جرى في صفّين؟ وعَلامَ اختلف معاوية وعليّ؟ وهل سبب الاختلاف يجيز الاقتتال؟ وكم دام هذا الاقتتال؟ وكم كان عدد القتلى؟ وما أحقيّة معاوية في الطّلب بدم عثمان؟ وأيّ الفريقين كان معه الحقّ؟
هذه الأسئلة وغيرها عزّت إجاباتها الدّقيقة على كثير من النّاس؛ لندرة وتفرّق أخبارها الصّحيحة في كُتُب التّاريخ والتّراجم والسّير والمتون والتّخريج والعلل والسؤالات والشّروح والفقه والتّراجم والطّبقات والبلدان والأنساب ... ولا أدّعي أنّني أحطتُ بما لم يُحط به أحد من الباحثين، وإنّما هو ما تيسّر من التّقدير وتقدّر من التّيسير، والفضل كلّه لله تعالى الّذي نسأله أن يهدينا لما اختلف فيه النّاس من الحقّ بإذنه، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾ [النّور].
أمّا ما جرى في صفّين، فقد جرى بين فريقين مُتَأوّلين مجتهدين: فريق معاوية ﵁ صاحب الأجر، وفريق علي ﵁ صاحب الأجرين.
وكان معاوية يطلب بدم ابن عمه عثمان ﵁، وينكر على عليّ ـ منعه من اقتضاء حقّه من قتلة عثمان، والتّعجيل في تعقّبهم والاقتصاص منهم؛ إقامة لحدود الله لا سيّما أنّ له شوكة عليهم.
وكان عليّ يرى أنّ إقامة القصاص على قتلة عثمان ﵁ وعلى مَنْ مَالأَ على دمه حقّ واجب، لكنّ أخذ البيعة من معاوية مُقَدَّمٌ عليه لا سيّما وأنّه عامل على بلاد الشّام
стр. 175
من عهد أبي بكر وعثمان، أفلا يكون له من الطّاعة ما كان للخلفاء من قبله!
ولذلك كان عليّ يرى أنّ على معاوية وأولياء دم عثمان ﵁ أن يتحاكموا إليه بعد أن يتوطّد الأمر له، فإذا ثبت على أحد بعينه أنّه ممّن قتل الخليفة عثمان ﵁ أو مَالأَ على دمه، أو أعان عليه اقتصَّ منه.
وعُذْرُ عليّ ﵁ في تأخيره لإقامة الحدود على هؤلاء البغاة مَردُّه إلى أمرين:
الأوّل: أنّه لم يكن يومها من السّهل عليه أن يتبيّن هؤلاء البُغَاة، بعد أن تفرّقوا في الأمْصَار. فالّذين شغبوا على عثمان ﵁ من المنافقين والغوغَاء والعامّة والموتورين وأتباع ابن سبأ، جاؤوا من أمصار مختلفة، وكانوا كثرة كاثرة، ولهم قبائل وطوائف تتعصّب لهم وتنتصر لهم، وإقامة الحدود عليهم لا تكون خَبْط عَشْواء، فهناك من يُتّهم بقتل الخليفة، وهناك من أعان على دمه، وهناك من ضَلّ وغوى، وهناك جاهل مغرّر به لا هو في العير ولا في النّفير، وهذا يحتاج إلى تحقيق وتدقيق وتروٍّ.
الثّاني: أنّ البلاد انتقضت وانتفضت بعد مقتل عثمان ﵁ فالأمر لم يكن قد توطّد له بعد، فهو يحتاج إلى قُوَّة تعينه على أمره، ولو كان له قوّة ما تأخّر في إخضاع البلاد ومحاسبة البغاة على عثمان ﵁. ولا يخفى أنّ للخليفة أن يُؤَخِّر الأحكام إذا كانت المصلحة في ذلك، هذا عذره ﵁.
ولربّ قائل يقول: ألم يكن لعثمان من هو أولى بالطّلب بدمه من معاوية؟!
والجواب: بلى، كان هناك ولده أبان بن عثمان، ولكن لم تكن له شُوكَةٌ كما كانت لمعاوية ﵁ ولذلك أقام معاوية نفسه مقام وليّ الدّم، وهو ابن عمّه، وقُتل ظلماً وعدواناً، وعثمان يومها مقدّم في الفضل على سائر الصّحابة، فكيف يقعد معاوية عن نصرته وله قوَّةٌ على ذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ... (٣٣)﴾ [الإسراء] هذا عذره ﵁.
стр. 176
سبب تشدّد معاوية في الطّلب بدم عثمان
وقد يسأل سائل: ما الحكمة من إصرار معاوية على الاقتصاص من قتلة عثمان في الحال؟! أما وسعه أن يطيع أمر الخليفة الّذي يرى أنَّ التَّريُّثَ هو السّبيل إلى النّيل من قتلة عثمان؟! أم أنّ لمعاوية مآرب أخرى؟
قد يتوهّم متوهّم أنّ العصبيّة وراء تشدّد معاوية، فهو يطلب بدم ابن عمّه، أو أنّ وراء ذلك طلب السّيادة والملك.
أمّا العصبيّة فلا، فدعوى الجاهليّة عند الصّحابة موضوعة؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ خطب فيهم يوم عرفة، وقال: " ألا كُلُّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمَيَّ موضوع" (١) وما وَضَعَهُ النَّبيُّ ﷺ وضعه الصّحابة ﵃، لكنّه ﵁ كان يرى أنّ له سلطاناً، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ... (٣٣)﴾ [الإسراء].
وأمّا المُلْك فلا؛ لأنّ معاوية لا يَسْأل الإمارة، فهو يعرف قول النَّبيِّ ﷺ لمّا خاطب عبد الرّحمن بن سمرة، وقال له: " لا تسأل الإمارة فإن أعطيتها عن مسألة وكِلت إليها " (٢) والصّحابة لا يُؤَمِّرون أحداً يسأل الإمارة أو يحرص عليها، لقوله ﷺ لرجلين من قوم أبي موسى ﵁: " إنّا لا نولّي هذا مَنْ سأله ولا من حرص عليه " (٣).
ولكنَّ وراء تشدّده أَمْرَين فيما نعتقد: ظاهر، وخفيّ. أمّا الأمر الظّاهر فهو أنّ البغاة على الخليفة عثمان ﵁ اجترؤوا على رأس الدّولة، وهو خير من طلعت عليه الشّمس بعد النَّبيِّ ﷺ وخليفتيه، فكأنّ معاوية ﵁ لا يرى لنفسه عذراً أمام الله إن تهاون بالطّلب في دم عثمان، والبغاة يرتعون ويلعبون في أرض الهجرة وقبّة الإسلام ودار الإيمان، لا سيّما وأنّ له شوكة عليهم.
стр. 177
أمّا الخفيّ الّذي عَزَّ معرفته على الكثير ممّن يُنَقِّبونَ عن المثالب ولا تعنيهم المناقب فهو أنّ معاوية كان يخشى من تأخير محاسبتهم أن يستطير شرُّهم، وأن يكثر عليهم أمثالُهم من المنافقين وأراذل النّاس، فيصيب عليّاً ما أصاب عثمان، ويستبيحوا بَيْضَةَ الإسلام مرّتين!
نعم كان يخشى على عليّ منهم، قال الطحاوي: " ثمّ جرت فتنة صِفِّين لرأي، وهو أن أهل الشّام لم يعدل عليهم، أو لا يتمكّن من العدل عليهم ـ وهم كافّون، حتّى يجتمع أمر الأمّة، وأنّهم يخافون طُغْيانَ مَنْ في العسكر، كما طَغُوا على الشَّهيد المظلوم " (١).
ولو شاء الله أن يجتمع عليّ ومعاوية على هؤلاء البغاة ما وقعت حادثة الجمل ولا صفّين ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ... (٤٢)﴾ [الأنفال].
وعلى ذلك فإنّ معاوية محقّ في طلبه، سليم في نيّته، لكن عظيم مصابه في عثمان ﵁ جعله يتشدّد في طريقة الطّلب بدمه، إلى حَدٍّ طلب فيه حقّاً وقاتل عليه.
من الأدلّة على أنّ عليّاً ومن معه أولى بالحّق من معاوية وصحبه
نحن نعلم أنّنا أقلُّ من أنْ نتكلّم فيما جرى بين الصّحابة ﵃، فالصَّحابة زَكَّاهم الله تعالى، ومن زكّاه الله فقد أغناه عن تزكية أحد. ولذلك لا يحتاج واحد منهم إلى الدِّفاع عنه، لكن كثرة الرّوايات الباطلة دفعتنا إلى الكشف عن الحقّ من بين ركام الزَّيْف، فالرّوايات لها زيف مثل زيف الدّراهم، تحتاج إلى نقد وتمييز.
وحتّى لا نُتَّهَمُ بالميل إلى معاوية دون وجه حقّ نقول: هناك أدلّة قاطعة على أنّ عليّاً ومن معه أولى بالحقّ من معاوية وأصحابه، منها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: " تَمْرُقُ مارقة عند فُرْقة من المسلمين يقتلهما أولى الطّائفتين بالحقّ " (٢) والمارقة هم الخوارج، وقد وَلِي قتلهم عليّ ﵁ ومن معه، فدلّ هذا الحديث على أنّ عليّاً ومعاوية متعلّقان بالحقّ ولكنّ عليّاً الأقرب إليه.
стр. 178
ومن الأدلّة: قول النَّبيِّ ﷺ لعمّار: " وَيْحَ عمَّار تقتُله الفئة الباغية" (١) وعمّار ﵁ كان في صفّ عليّ ﵁ ولم يكن في صفّ معاوية ﵁.
بطلان خبر رفع المصاحف على الرّماح
وما حدث بين عليّ ﵁ بعد أن بويع بالخلافة، وبين معاوية ﵁ الّذي كان يومها عاملاً على دمشق ممّا لا يمكن العلم بدقيقه وصغيره، والقول المفصّل فيه قول بلا علم، لأنّ الأخبار الصّحيحة شحيحة.
فخبر الاقتتال على الماء، وخبر دعاء عليّ معاوية إلى الطّاعة والجماعة، وخبر رفع المصاحف على الرِّماح والدُّعاء إلى الحكومة (الاحتكام)، جُلُّ هذه الأخبار لا تصحُّ؛ فقد أخرجها الطّبري من طريق أبي مخنف، وأبو مخنف لا يوثق به، وستأتي ترجمته، وأخرج طرفاً من هذه الأخبار من طريق الزّهري، والزّهري لم يدرك هذه الأحداث.
وسأجتزئ بعض هذه الأخبار المفضوح كذبها لدراستها، بعد أن أذاعها مَنْ أذاعها، وصدّقها من صدّقها، فَضَلَّ مَنْ ضَلَّ، وخَسِرَ من خسر! ثمّ أسوق بعد ذلك ما صحّ من الأخبار وما يطمئنّ له القلب من الآثار؛ لأعارض تلك الأخبار وأَرُدَّها.
فقد أخرج الطّبري من طريق أبي مخنف، أنّ عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يرفعوا المصاحف على الرّماح ليوقعوا الفرقة في جيش عليّ، قال أبو مخنف:
" فلمّا رأى عمرو بن العاص أنّ أمر أهل العراق قد اشتدّ، وخاف في ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعاً ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم، قال: نرفع المصاحف، ثمّ نقول: ما فيها حكم بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: بلى ينبغي أن نقبل، فتكون فرقة تقع بينهم، وإن قالوا: بلى نقبل ما فيها رفعنا هذا القتال عنّا، وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين فرفعوا المصاحف بالرّماح،
стр. 179
وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم " (١).
وهذه الرِّواية باطلة سنداً لأنّها من طريق أبي مخنف، وهو أخباريّ تالف، وباطلة متناً من وجوه:
أحدها: تزعم الرّواية أنّ عليّاً كان كارهاً للتحكيم وينهى عنه، وهذا خلاف الثّابت، فإنّ عليّاً ﵁ لمّا بلغه طلب معاوية التّحكيم، قال: " نَعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتابُ الله " (٢) وسيأتي ذلك في موضعه.
الثّاني: أنّ كلمة (بلى) الواردة في الرّواية وهي حرف جواب مختصّة بالنّفي، لا تقع إلاّ بعد نفي في اللفظ أو في المعنى، سواء اقترنت به أداة استفهام أو لا، فإن اقترنت به أداة استفهام وكان الاستفهام منفياً وأردت الإثبات قلت: بلى، وإن أردت النّفي، قلت: نعم. وقد اسْتُخْدِم حرف الجواب (بلى) في الرّواية مرّتين استخداماً خاطئاً، وهذا من علامات الوَضْع، إذ أنّ الصّحابة ﵃ أهل الفصاحة والبلاغة، وهذا كلام يحتاج أن ترشد صاحبه الّذي وضعه، فقد ضَلَّ.
الثّالث: تزعم الرّواية أنّهم لمّا طلبوا الاحتكام إلى كتاب الله تعالى رفعوا المصاحف على الرّماح، وهذا خلاف الثّابت، فقد صحّ أنّ عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يرسل إلى عليّ بمصحف مع أحد رجاله يدعوه إلى كتاب الله، ففي رواية أحمد: " فجاء به رجل، فقال بيننا وبينكم كتاب الله " (٣).
وهذا هو اللائق والأولى، فرواية الطّبري تُوهِمُ أنّ عشرات بل مئات المصاحف رفعت على الرّماح، ونحن نعلم أنّ المصاحف يومها كانت قليلة، فالخليفة عثمان ﵁ هو الّذي جمع النّاس على مصحف واحد وأَمَرَ نفراً من الصّحابة بكتابة المصاحف،
стр. 180
وأرسل لكلّ مصر مصحفاً، فمن أين جاؤوا بهذه المصاحف كلّها، ثمّ إنّ الأولى أن يُحمل كتابُ الله بالأيدي لا أن يحمل على الرّماح!
الرّابع: لا يصدّق أنّ الصّحابة تخدع بعضها في الله، فلا يُعْقَلُ أن يُظْهِرَ معاوية وعمرو للخليفة عليّ أمراً ويضْمِرا خلافه، ويخدعانه بماذا؟ يخدعانه بكتاب الله! هذا قطعاً ليس من أخلاق الصّحابة، أمّا من ذهب إلى جواز ذلك واستدلّ بقوله: "الحرْب خَدْعة" (١) فإنّ الحديث لا يفهم منه جواز ذلك، وإنّما يفهم منه جواز خداع الكفّار في الحرب، إلاّ أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز. والصّحابة لا يخدعون ولا يغدرون بعضهم في الصّلح ولا في غيره.
كما أخرج الطّبريّ في أمر المصاحف والتّحكيم من طريق أبي مخنف، عن عبد الرّحمن ابن جندب الأزدي، عن أبيه أنّ عليّاً، قال: " عبادَ الله امضوا على حقّكم وصدقكم قتال عدوّكم، فإنّ معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، والضّحاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتُهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شَرَّ أطفال، وشَرَّ رجال، وَيْحَكُمْ! إنّهم ما رفعوها، ثمّ لا يرفعونها، ولا يعلمون بما فيها، وما رفعوها لكم إلاّ خديعة ودهناً ومكيدة، فقالوا له: ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله!
فقال له مسعر بن فدكي، وزيد بن حصين (٢) الطّائي ثمّ السّنبسي في عصابة معهما من القرّاء الّذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا عليّ، أجب إلى كتاب الله إذا دُعِيْتَ إليه؛ وإلاّ ندفعُكَ برمّتك إلى القوم، أو نفعلُ كما فعلنا بابن عفّان ... " (٣).
وهذه الرّواية باطلة سنداً ومتناً، أمّا بطلان سندها فمردّه إلى أبي مخنف، لوط بن يحيى،