سبب تشدّد معاوية في الطّلب بدم عثمان
وقد يسأل سائل: ما الحكمة من إصرار معاوية على الاقتصاص من قتلة عثمان في الحال؟! أما وسعه أن يطيع أمر الخليفة الّذي يرى أنَّ التَّريُّثَ هو السّبيل إلى النّيل من قتلة عثمان؟! أم أنّ لمعاوية مآرب أخرى؟
قد يتوهّم متوهّم أنّ العصبيّة وراء تشدّد معاوية، فهو يطلب بدم ابن عمّه، أو أنّ وراء ذلك طلب السّيادة والملك.
أمّا العصبيّة فلا، فدعوى الجاهليّة عند الصّحابة موضوعة؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ خطب فيهم يوم عرفة، وقال: " ألا كُلُّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمَيَّ موضوع" (١) وما وَضَعَهُ النَّبيُّ ﷺ وضعه الصّحابة ﵃، لكنّه ﵁ كان يرى أنّ له سلطاناً، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ... (٣٣)﴾ [الإسراء].
وأمّا المُلْك فلا؛ لأنّ معاوية لا يَسْأل الإمارة، فهو يعرف قول النَّبيِّ ﷺ لمّا خاطب عبد الرّحمن بن سمرة، وقال له: " لا تسأل الإمارة فإن أعطيتها عن مسألة وكِلت إليها " (٢) والصّحابة لا يُؤَمِّرون أحداً يسأل الإمارة أو يحرص عليها، لقوله ﷺ لرجلين من قوم أبي موسى ﵁: " إنّا لا نولّي هذا مَنْ سأله ولا من حرص عليه " (٣).
ولكنَّ وراء تشدّده أَمْرَين فيما نعتقد: ظاهر، وخفيّ. أمّا الأمر الظّاهر فهو أنّ البغاة على الخليفة عثمان ﵁ اجترؤوا على رأس الدّولة، وهو خير من طلعت عليه الشّمس بعد النَّبيِّ ﷺ وخليفتيه، فكأنّ معاوية ﵁ لا يرى لنفسه عذراً أمام الله إن تهاون بالطّلب في دم عثمان، والبغاة يرتعون ويلعبون في أرض الهجرة وقبّة الإسلام ودار الإيمان، لا سيّما وأنّ له شوكة عليهم.
стр. 177
أمّا الخفيّ الّذي عَزَّ معرفته على الكثير ممّن يُنَقِّبونَ عن المثالب ولا تعنيهم المناقب فهو أنّ معاوية كان يخشى من تأخير محاسبتهم أن يستطير شرُّهم، وأن يكثر عليهم أمثالُهم من المنافقين وأراذل النّاس، فيصيب عليّاً ما أصاب عثمان، ويستبيحوا بَيْضَةَ الإسلام مرّتين!
نعم كان يخشى على عليّ منهم، قال الطحاوي: " ثمّ جرت فتنة صِفِّين لرأي، وهو أن أهل الشّام لم يعدل عليهم، أو لا يتمكّن من العدل عليهم ـ وهم كافّون، حتّى يجتمع أمر الأمّة، وأنّهم يخافون طُغْيانَ مَنْ في العسكر، كما طَغُوا على الشَّهيد المظلوم " (١).
ولو شاء الله أن يجتمع عليّ ومعاوية على هؤلاء البغاة ما وقعت حادثة الجمل ولا صفّين ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ... (٤٢)﴾ [الأنفال].
وعلى ذلك فإنّ معاوية محقّ في طلبه، سليم في نيّته، لكن عظيم مصابه في عثمان ﵁ جعله يتشدّد في طريقة الطّلب بدمه، إلى حَدٍّ طلب فيه حقّاً وقاتل عليه.
من الأدلّة على أنّ عليّاً ومن معه أولى بالحّق من معاوية وصحبه
نحن نعلم أنّنا أقلُّ من أنْ نتكلّم فيما جرى بين الصّحابة ﵃، فالصَّحابة زَكَّاهم الله تعالى، ومن زكّاه الله فقد أغناه عن تزكية أحد. ولذلك لا يحتاج واحد منهم إلى الدِّفاع عنه، لكن كثرة الرّوايات الباطلة دفعتنا إلى الكشف عن الحقّ من بين ركام الزَّيْف، فالرّوايات لها زيف مثل زيف الدّراهم، تحتاج إلى نقد وتمييز.
وحتّى لا نُتَّهَمُ بالميل إلى معاوية دون وجه حقّ نقول: هناك أدلّة قاطعة على أنّ عليّاً ومن معه أولى بالحقّ من معاوية وأصحابه، منها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: " تَمْرُقُ مارقة عند فُرْقة من المسلمين يقتلهما أولى الطّائفتين بالحقّ " (٢) والمارقة هم الخوارج، وقد وَلِي قتلهم عليّ ﵁ ومن معه، فدلّ هذا الحديث على أنّ عليّاً ومعاوية متعلّقان بالحقّ ولكنّ عليّاً الأقرب إليه.
стр. 178
ومن الأدلّة: قول النَّبيِّ ﷺ لعمّار: " وَيْحَ عمَّار تقتُله الفئة الباغية" (١) وعمّار ﵁ كان في صفّ عليّ ﵁ ولم يكن في صفّ معاوية ﵁.
بطلان خبر رفع المصاحف على الرّماح
وما حدث بين عليّ ﵁ بعد أن بويع بالخلافة، وبين معاوية ﵁ الّذي كان يومها عاملاً على دمشق ممّا لا يمكن العلم بدقيقه وصغيره، والقول المفصّل فيه قول بلا علم، لأنّ الأخبار الصّحيحة شحيحة.
فخبر الاقتتال على الماء، وخبر دعاء عليّ معاوية إلى الطّاعة والجماعة، وخبر رفع المصاحف على الرِّماح والدُّعاء إلى الحكومة (الاحتكام)، جُلُّ هذه الأخبار لا تصحُّ؛ فقد أخرجها الطّبري من طريق أبي مخنف، وأبو مخنف لا يوثق به، وستأتي ترجمته، وأخرج طرفاً من هذه الأخبار من طريق الزّهري، والزّهري لم يدرك هذه الأحداث.
وسأجتزئ بعض هذه الأخبار المفضوح كذبها لدراستها، بعد أن أذاعها مَنْ أذاعها، وصدّقها من صدّقها، فَضَلَّ مَنْ ضَلَّ، وخَسِرَ من خسر! ثمّ أسوق بعد ذلك ما صحّ من الأخبار وما يطمئنّ له القلب من الآثار؛ لأعارض تلك الأخبار وأَرُدَّها.
فقد أخرج الطّبري من طريق أبي مخنف، أنّ عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يرفعوا المصاحف على الرّماح ليوقعوا الفرقة في جيش عليّ، قال أبو مخنف:
" فلمّا رأى عمرو بن العاص أنّ أمر أهل العراق قد اشتدّ، وخاف في ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعاً ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم، قال: نرفع المصاحف، ثمّ نقول: ما فيها حكم بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: بلى ينبغي أن نقبل، فتكون فرقة تقع بينهم، وإن قالوا: بلى نقبل ما فيها رفعنا هذا القتال عنّا، وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين فرفعوا المصاحف بالرّماح،
стр. 179
وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم " (١).
وهذه الرِّواية باطلة سنداً لأنّها من طريق أبي مخنف، وهو أخباريّ تالف، وباطلة متناً من وجوه:
أحدها: تزعم الرّواية أنّ عليّاً كان كارهاً للتحكيم وينهى عنه، وهذا خلاف الثّابت، فإنّ عليّاً ﵁ لمّا بلغه طلب معاوية التّحكيم، قال: " نَعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتابُ الله " (٢) وسيأتي ذلك في موضعه.
الثّاني: أنّ كلمة (بلى) الواردة في الرّواية وهي حرف جواب مختصّة بالنّفي، لا تقع إلاّ بعد نفي في اللفظ أو في المعنى، سواء اقترنت به أداة استفهام أو لا، فإن اقترنت به أداة استفهام وكان الاستفهام منفياً وأردت الإثبات قلت: بلى، وإن أردت النّفي، قلت: نعم. وقد اسْتُخْدِم حرف الجواب (بلى) في الرّواية مرّتين استخداماً خاطئاً، وهذا من علامات الوَضْع، إذ أنّ الصّحابة ﵃ أهل الفصاحة والبلاغة، وهذا كلام يحتاج أن ترشد صاحبه الّذي وضعه، فقد ضَلَّ.
الثّالث: تزعم الرّواية أنّهم لمّا طلبوا الاحتكام إلى كتاب الله تعالى رفعوا المصاحف على الرّماح، وهذا خلاف الثّابت، فقد صحّ أنّ عمرو بن العاص أشار على معاوية أن يرسل إلى عليّ بمصحف مع أحد رجاله يدعوه إلى كتاب الله، ففي رواية أحمد: " فجاء به رجل، فقال بيننا وبينكم كتاب الله " (٣).
وهذا هو اللائق والأولى، فرواية الطّبري تُوهِمُ أنّ عشرات بل مئات المصاحف رفعت على الرّماح، ونحن نعلم أنّ المصاحف يومها كانت قليلة، فالخليفة عثمان ﵁ هو الّذي جمع النّاس على مصحف واحد وأَمَرَ نفراً من الصّحابة بكتابة المصاحف،
стр. 180
وأرسل لكلّ مصر مصحفاً، فمن أين جاؤوا بهذه المصاحف كلّها، ثمّ إنّ الأولى أن يُحمل كتابُ الله بالأيدي لا أن يحمل على الرّماح!
الرّابع: لا يصدّق أنّ الصّحابة تخدع بعضها في الله، فلا يُعْقَلُ أن يُظْهِرَ معاوية وعمرو للخليفة عليّ أمراً ويضْمِرا خلافه، ويخدعانه بماذا؟ يخدعانه بكتاب الله! هذا قطعاً ليس من أخلاق الصّحابة، أمّا من ذهب إلى جواز ذلك واستدلّ بقوله: "الحرْب خَدْعة" (١) فإنّ الحديث لا يفهم منه جواز ذلك، وإنّما يفهم منه جواز خداع الكفّار في الحرب، إلاّ أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز. والصّحابة لا يخدعون ولا يغدرون بعضهم في الصّلح ولا في غيره.
كما أخرج الطّبريّ في أمر المصاحف والتّحكيم من طريق أبي مخنف، عن عبد الرّحمن ابن جندب الأزدي، عن أبيه أنّ عليّاً، قال: " عبادَ الله امضوا على حقّكم وصدقكم قتال عدوّكم، فإنّ معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، والضّحاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتُهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شَرَّ أطفال، وشَرَّ رجال، وَيْحَكُمْ! إنّهم ما رفعوها، ثمّ لا يرفعونها، ولا يعلمون بما فيها، وما رفعوها لكم إلاّ خديعة ودهناً ومكيدة، فقالوا له: ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله!
فقال له مسعر بن فدكي، وزيد بن حصين (٢) الطّائي ثمّ السّنبسي في عصابة معهما من القرّاء الّذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا عليّ، أجب إلى كتاب الله إذا دُعِيْتَ إليه؛ وإلاّ ندفعُكَ برمّتك إلى القوم، أو نفعلُ كما فعلنا بابن عفّان ... " (٣).
وهذه الرّواية باطلة سنداً ومتناً، أمّا بطلان سندها فمردّه إلى أبي مخنف، لوط بن يحيى،
стр. 181
فهو متروك، أمّا بطلان متنها فمن وجوه:
أحدها: أنّ الرّواية تطعن في وجوه الصّحابة ﵃، فهي تطعن في عليّ كما تطعن فيمن ذُكِر من الصّحابة، فلا يصدّق أنّ معاوية ومن معه من الصّحابة ليسوا أصحاب دين وقرآن، ونحن نعلم أَنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَكْتَبَ معاوية وجعله أميناً على القرآن وخبر السّماء.
ولا يصدّق أنّ عليّاً ﵁ وهو من هو في العلم والفقه ينفي الدِّينَ عن أصحاب النَّبيِّ ﷺ لأجل أنّهم في صفِّ معاوية! فهل يخفى على عليّ عدالة الصّحابة الثّابتة بالتّواتر في كتاب الله وسنَّةِ رسوله ﷺ حتّى يتّهمهم بأنّهم ليسوا أصحاب دين، فإذا لم يكن أصحاب النَّبيِّ ﷺ أصحاب دين، فمن يكون إذاً؟!
وقد وضع العلماء قواعد لمعرفة الرّواية المختلقة، منها مخالفة الرّواية لما ثبت في الكتاب والسُّنَّة، وهذه الرّواية تخالفهما معاً؛ فهي تشكّك في عدالة الصّحابة، وعدالة الصّحابة قد نصّ عليها الكتاب والسُّنَّة.
الثّاني: الرّواية تتّهم الصّحابيّ زيد بن حصن الطّائي ثمّ السّنبسي (١) أنّه من قتلة عثمان ﵁، وأنّه من الخوارج، ونحن نعرف أنّه لا يُتَّهم أحدٌ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ في دم عثمان ﵁ وقد بيّنا ذلك في كتابنا (شهيد الدّار عثمان بن عفّان ﵁)، وليس في الخوارج أحد ممّن صحب رسول الله ﷺ فقد ثبت أنّ ابن عبّاس قال للخوارج: " أتيتكم من عند صحابة النَّبيِّ ﷺ من المهاجرين والأنصار، لأبلغكم ما يقولون فعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بالوحي منكم، وفيهم أنزل: وليس فيكم منهم أحد" (٢).
стр. 182
الثّالث: هذه الرّواية تزعم أنّ عليّاً ﵁ كان يعرف قتلة عثمان ﵁ ويُؤْويهم في جيشه منذ أن قُتل عثمان، والأمر أمرهم، وهذا باطل، فالخليفة عليّ هو من روى قول النَّبيِّ ﷺ : " المدينة حَرَمٌ ما بين عَيْر إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى مُحْدِثاً فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يُقْبَلُ منه يوم القيامة صَرْف ولا عدْلٌ " (١).
الرّابع: لا يصدّق أنّ عليّاً يُدعى إلى الاحتكام إلى كتاب الله تعالى ويأبى، وهو يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النّور].
الخامس: المشهور عند العلماء أنّ من علامات الوضع ركاكة الألفاظ وفساد المعنى، فمّما يُظهر جليّاً أنّ هذه الرّواية من وحي أهواء المبطلين أنّها اشتملت بعد ذلك على ألفاظ يعفّ قلمي عن ذكرها تقديراً لمقام أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، فكيف يسمع الصّحابة ﵃ مثل تلك الألفاظ ولا ينكرونها؟! فضلاً عن أن تجري على ألسنتهم، وقد قال الله تعالى في حقّهم: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ... ... (٢٤)﴾ [الحجّ].
وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك كثيراً من الروايات والأخبار للمؤرِّخ نصر بن مزاحم المتوفى سنة (٢١٢ هـ) في كتابه " وقعة صفّين " تقشعرّ لها الأبدان وتشيب من هولها نواصي الولدان لا تصحّ البتّة، فضلاً عن الأشعار الكثيرة في هذا الكتاب، والّتي هي مِنْ صِناعَةِ الرُّواةِ أو تَلْفِيقِ أصحاب الأخبار.
وهذه ترجمة لأبي مخنف ونصر بن مزاحم ليكون القارئ على بصيرة فلا يقع في أعراض الصّحابة، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات] فلو جاء الإنسان بكلّ معذرة
стр. 183
يعتذر بها يوم القيامة، لا ينفعه ذلك من بعد ما تبين له الحقّ، فإنّ جوارحه ستشهد عليه، كما قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ [القيامة].
ترجمة أبي مِخْنَف
ترجم له ابن الجوزي في " كتاب الضّعفاء والمتروكين " وقال: " لوط بن يحيى، أبو مخنَف، قال يحيى: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء. وقال أبو حاتم الرّازي: متروك الحديث. وقال الدراقطني: ضعيف " (١).
وترجم له الجرجاني في " الكامل " فقال: " ... حَدَّثَ بأخبار مَنْ تقدّم من السّلف والصّالحين ولا يبعد منه أن يتناولهم، وهو شاعي (شيعي) محترق صاحب أخبارهم ... له من الأخبار المكروه الّذي لا أستحبّ ذكره " (٢).
وترجم له الرّازي في " الجرح والتّعديل " ... قال: " حدّثنا عبد الرّحمن، قال: سمعت أبي يقول: أبو مخنف متروك الحديث " (٣).
وترجم له العقيلي في " كتاب الضّعفاء الكبير " فقال: " عن محمّد، عن عبّاس، قال: سمعت يحيى، قال: أبو مخنف، وأبو مريم، وعمرو بن شمر، ليسوا هم بشيء، قلت: ليحيى: هما مثل عمرو بن شمر؟ قال: هما شَرٌّ من عمرو بن شمر " (٤).
وترجم له ابن حجر في " لسان الميزان " وقال: " لوط بن يحيى، أبو مخنَف، أخباري تالف، لا يوثق به. تركه أبو حاتم وغيره. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن عدي: شيعي محترق، صاحب أخبارهم " (٥).
стр. 184
وترجم له الذّهبي في " المغني في الضّعفاء " فقال: " ساقط، تركه أبو حاتم. قال الدّارقطني: ضعيف " (١).
هذه آراء بعض الحفّاظ فيه، وعلى ذلك فكلّ من نقل عنه واهتمّ به شرقيّاً كان أم غربيّاً، فكلامه لا يُعْتَدُّ به.
ترجمة نصر بن مزاحم
ترجم له العُقَيْليّ في " كتاب الضّعفاء الكبير " فقال: " نصر بن مزاحم المنقري: كان يذهب إلى التّشيّع، وفي حديثه اضطراب وخطأ كثير" (٢).
وترجم له ابن الجوزي في " كتاب الضّعفاء والمتروكين " قال: " قال أبو خيثمة: كان كذّاباً، قال يحيى: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم الرّازي: واهي الحديث متروك الحديث. وقال الدّارقطنيّ: ضعيف. وقال إبراهيم الجوزجانيّ: كان زائغاً عن الحقّ. وقال أبو بكر الخطيب: يريد بذلك غلوّه في الرّفض. وقال صالح بن محمّد: روى عن الضّعفاء أحاديث مناكير. وقال أبو الفتح الأزدي: كان غالياً في مذهبه، غير محمود في حديثه " (٣).
وترجم له ابن حجر في " لسان الميزان " فقال: " نصر بن مزاحم الكوفيّ: رافضيٌّ جَلْدٌ، تركوه. وقال العِجْليُّ: كان رافضيّاً غالياً ليس بثقة ولا مأمون " (٤).
بطلان قِصَّة التَّحكيم المشهورة من وجوه
وأخرج الطّبري من طريق سليمان بن يونس بن يزيد، عن الزّهري، قال: " قال صعصعة بن صوحان يوم صفّين حين رأى النّاس يتبارون: ألا اسمعوا، تعلَمُنّ والله لئن
стр. 185
ظهر عليّ ليكوننّ مثل أبي بكر وعمر ﵄، وإن ظهَرَ معاوية لا يُقِرُّ لقائل بقول حقّ، قال الزّهري: فأصبح أهل الشّأم قد نشروا مصاحفهم، ودعوا إلى ما فيها؛ فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكّموا الحكمين، فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري، واختار أهل الشّأم عمرو بن العاص. فتفرّقَ أهل صفّين حين حكم الحكمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، وأن يخفضا ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمّة محمّد ﷺ ، وأنّهما يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا في العام المقبل بأذرح، فلمّا انصرف عليٌّ خالفت الحروريّة، وخرجت، وكان ذلك أوّل ما ظهرت فآذنوه بالحرب، وردّوا عليه إن حكّمَ بني آدم في حكم الله وقالوا: لا حُكْمَ إلاّ لله ـ سبحانه ـ وقاتلوا.
فلمّا اجتمع الحكمان بأذرح وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من النّاس، فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن الزّبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاوية بأهل الشّأم، وأبى عليٌّ وأهل العراق أن يوافوا ... فلمّا اجتمع الحكمان وتكلّما، قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، رأيت أوّل ما نقضي به من الحقّ أن نَقْضِيَ لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغَدْرِ بغدرهم، قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألست تعلم أنّ معاوية، وأهل الشّأم قد وَفُوا وقَدِمُوا للموعد الّذي واعدناه إيّاه؟ قال: بلى، قال عمرو: واكتبها، فكتبها أبو موسى، قال عمرو: يا أبا موسى أأنت على أن نسمّي رجلاً يلي أمر هذه الأمّة، فَسَمِّ لي، فإن أقدر على أن أتابعك، فلك عليّ أن أتابعك، وإلاّ فلي عليك أن تتابعني، قال أبو موسى: أسمّي لك عبد الله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل، قال عمرو: إنّي أسمّي لك معاوية بن أبي سفيان فلم يبرحا مجلسهما حتّى استبّا، ثمّ خرجا إلى النّاس، فقال أبو موسى: إنّي وجدت مَثَل عمرو مثل الّذين قال الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ... (١٧٥)﴾ [الأعراف] فلمّا سكت أبو موسى تكلّم عمرو، فقال: إنّي وجدتُ مَثَلَ أبي موسى كمثل الّذي قال الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ... (٥)﴾ [الجمعة] وكتب كُلُّ واحدٍ
стр. 186
منهما مثله الّذي ضربه لصاحبه إلى الأمصار ... " (١).
وهذه الرّواية لا تصحّ سنداً؛ لأنّ الزّهري لم يُدْرِكْ هذه الحادثة، والزّهري هو: محمّد ابن مسلم الزّهري، أبو بكر، الفقيه الحافظ متّفق على جلالته وإتقانه، ولد في آخر خلافة معاوية ﵁ وفي " سير أعلام النّبلاء " (٢) فإنّ مولده فيما قاله دحيم وأحمد بن صالح: في سنة خمسين، وفيما قاله خليفة بن خيّاط: سنة إحدى وخمسين.
وأحداث صفّين هذه كانت بدايتها سنة ست وثلاثين للهجرة، فكيف يروي الزّهري أحداثاً وقعت قبل ولادته بأربعة عشر عاماً على الأقلّ؟! فالرّواية مرسلة، ... ومراسيل الزّهري ذهبت كأدراج الرّياح عند العلماء، لا تقوم بها حُجَّةٌ، ولذلك قال أحمد بن سنان الواسطي: " كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزّهريّ وقتادة شيئاً، ويقول: هو بمنزلة الرِّيح، ثمّ يقول: هؤلاء قوم حفّاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه " (٣).
ومن العلماء والفقهاء من يرى عدم صحّة الاحتجاج بالمرسل، قال الإمام مسلم: "والمرسل من الرّوايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجّة " (٤).
ويدلّك على ضعفها أنّ الزّهري أوّل الرّواية يحدّث عن صعصعة بن صوحان، وهو من كبار التّابعين، وتوفي في خلافة معاوية، أي أن الزّهري لم يسمع منه.
стр. 187
وقد قال الزّهري ذات يوم: " يا أهل العراق، يخرج الحديث من عندنا شِبْراً، ويصير عندكم ذِراعاً " (١) قلت: وقد أحسن من قال:
وقد نقلوا عنّي الّذي لم أفُه به ... وما آفة الأخبار إلاّ رواتُها
وأخرج نحو هذه الرّواية ابن سعد في " الطّبقات الكبرى " (٢) وفي سندها ثلاثة مجروحين: ضعيف، ومتروك، ومرمي بالوضع، وقد رأيت بيان حال هذه الرّوايات درءاً لتوهّم التَّعصُّب، ودَفْعاً لمظنّة الهوى، فقد أخرجها ابن سعد من طريق محمّد بن عمر، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عمرو بن الحكم.
أمّا محمّد بن عمر، فهو الواقدي، والواقدي ضعيف باتّفاق ومتروك مع سعة علمه، وتقدّمت ترجمته، أمّا ابن أبي سبرة، فقال عنه الحافظ: " رموه بالوضع " (٣) أمّا ابن أبي فروة، فقال عنه الحافظ: "متروك " (٤).
كذلك الرّواية لا تصحّ متناً؛ لأنّ فيها اضطراب من وجوه:
أحدها: هذه الرّواية تصوّر أنّ هناك خلافاً بين عليّ ومعاوية على الخلافة، وأنّ معاوية ينازع عليّاً عليها، وهذا باطل فالخلاف بينهما ليس على الملك كما هو معلوم، ولو كان معاوية ينازع عليّاً الخلافة لما تَخَلَّفَ صحابيٌّ واحدٌ عن النّكير عليه، بل ومقاتلته من أوّل الأمر، ولمَا كانت هناك شبهة في وجوب مقاتلته، فقد قال النَّبيُّ ﷺ : "إذا بُويِعَ لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما " (٥)، وقال النَّبيُّ ﷺ : " من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجل واحد يُريد
стр. 188
أن يشقّ عَصَاكم أو يفرّق جماعتكم، فاقتلوه " (١).
وهذا ممّا لا يخفى على الصّحابة ﵃، الّذين لم يكن هناك من هو أشدّ منهم تعظيماً لأمر الله ورسوله، ولو كان ذلك كذلك لما كان معاوية ﵁ معتقداً أنّه على الحقّ ولا الصّحابة الّذين معه، ونِسْبَة ذلك إلى الصّحابة تخطئة لهم.
ثمّ إنّه لم يَرِدْ من طريق صحيح ولا ضعيف أنّ عليّاً كان يريد عزل معاوية ﵁ عن إمرة الشّام.
الثّاني: هذه الرّواية كغيرها من الرّوايات الباطلة تصوِّر الصَّحابيَّ الجليل عمرو بن العاص ﵁ أنّه مخادع وغادر، وأنّ أبا موسى الأشعريّ ﵁ مغفّل جاهل لا يعرف بالقضاء، أستغفر الله وأتوب إليه؛ فإنّ هذه الكلمات لا يطاوعني قلمي على تسجيلها، فكيف يستقيم هذا وأبو موسى كان واحداً من القضاة الفقهاء، فقد رُوي عن مسروق قوله: " القضاةُ أربعة: عمر، وعليّ، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري ﵃ " (٢).
وقال الحافظ في ترجمته لأبي موسى: " .... واسمه: عبد الله بن قيس: استعمله النَّبيُّ ﷺ على بعض اليمن، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة، افتتح الأهواز ثمّ أصبهان، ثمّ استعمله عثمان على الكوفة " (٣).
وقد فَقَّه أبو موسى الأشعريّ ﵁ أهل البصرة، وأقرأهم القرآن، حتّى قال الحسن: " ما قَدِمَ البصرة راكبٌ خير لأهلها من أبي موسى الأشعري " (٤).
فهو الفقيه العالم بالقرآن والسُّنَّةِ، حسن الصّوت بالقرآن، روى مسلم عن عبد الله ابن بُرَيْدَة عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : " إنّ عبدَ الله بن قيس أو الأشعري أُعطي
стр. 189
مِزْماراً من مزامير آل داودَ " (١) وكان النَّبيُّ ﷺ يُحِبُّ أن يستمع لقراءته، فقد قال له ذات يوم: " لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيتَ مِزْماراً من مزامير آل داودَ " (٢).
وكان عمر ﵁ إذا رآه قال: " ذَكِّرْنا ربَّنا يا أبا موسى، وفي رواية: شوّقنا إلى ربّنا، فيقرأ عنده " (٣) فمن يتكلّم على صحابيّ أشبه بنملة وَهْنَانة تحاول أنْ تزحزح جبلاً شامخاً من مكانه! أو أشبه بفم كريه يحاول أن يطفئ شمس الضّحى وهي ساطعة.
ولا تصحّ الأخبار الّتي فيها اتّهام لأبي موسى ﵁ أنّه كان ينال بعد ذلك من عليّ، فقد روى الحاكم عن ابن عبّاس، قال: قال أبو موسى الأشعري: " إنّ عليّاً أوّل من أسلم مع رسول الله ﷺ " (٤) وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه، والغرض من إخراجه براءة ساحة أبي موسى من نقص عليّ، ثمّ رواية ابن عبّاس عنه " (٥).
فليس هناك مِنْ مَكْرٍ ولا خديعة ولا تبديل ـ كما يصوّرون ـ وإنّما كان واحدهم يعرف سابقة الآخر ويدين بفضله، ولا يعرف أحدهم الغَدْرَ أبداً، روى أحمد بإسناد صحيح عن الحسن، قال: " جاء رجلٌ إلى الزّبير بن العوّام، فقال: أقتلُ لك عليّاً؟! قال: لا، وكيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: ألحق به فأفتك به، قال: لا؛ إنّ رسول الله ﷺ قال: إنّ الإيمان قَيْدُ الفَتك، لا يفتك مؤمن " (٦) والفتك هو أن يُؤْتى الإنسان من مأمن لا يرى أنّه أريد به بأس فيغدر فجأة، فهذا ليس من أخلاق الصّحابة الّذين تربّوا في مدرسة النَّبيِّ ﷺ !
الثّالث: أنّ الّذين كتبوا هذه الرّوايات عمدوا إلى الآيات الّتي أُنْزِلَتْ في الكفّار وأهل
стр. 190
الكتاب، فجعلوها على المؤمنين ـ وأصحاب النَّبيِّ الكريم ﷺ ! ألا ترى كيف ضربوا مثلاً بالكلب والحمار لصحابيين جليلين، هما أنقى من الضباب، وأطهر من ماء السّحاب!!
فهل يليق بالصّحابيّ الجليل عمرو بن العاص ﵁ أن يكون مثله، مثل من قال الله فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف] هل كذّب عمرو بن العاص ﵁ بآيات الله تعالى حتّى يكون هذا مثله! أم هل يليق أن يكون مثل أبي موسى الأشعريّ ﵁ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ... (٥)﴾ [الجمعة] وأيّ فائدة ترجى من كتابة هذه الأمثال وإرسالها إلى الأمصار! وهذا ليس غريباً من هؤلاء الّذين يلفّقون الأخبار ولا يخافون الواحد القهّار!
وهذا يدلّك على أنّ الّذين كتبوا هذه الرّوايات هم من أتباع الّذين خرجوا على عليّ وممّن يتأشّب لهم، وفي البخاري: " كان ابن عمر يراهم شرار الخلق، وقال: إنّهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفّار فجعلوها على المؤمنين " (١).
الرّابع: هذه الرّواية تجعل أمر اختيار الحكمين من فعل أهل العراق وأهل الشّام، وكأنّ عليّاً ومعاوية ليس لهما من الأمر شيء.
رواية التّحكيم من طريق آخر
وأخرج الطّبري قصّة التّحكيم من طريق آخر، وفيها أنّ عبد الله بن عبّاس نَصَحَ لأبي موسى ألاّ يتكلّم أوّلاً وحذّره حتّى لا يغْدُرَ به عمرو بن العاص، وساق قصّة التّحكيم، وزاد في آخرها أنّ عليّاً كان إذا صلّى قَنَتَ ولَعَنَ معاوية ومن معه، ومعاوية كان إذا قنت لعن
стр. 191
عليّاً والحسن والحسين، وهو محض كذب، فقد أخرجها من طريق أبي مخنف، قال: حدّثني أبو جناب الكلبي:
" فقال له ابن عبّاس: ... ثمّ تكلّم أنت بعد؛ فإنّ عَمْراً رجل غادر ... وكان أبو موسى مغفّلاً، فقال له: إنّا قد اتّفقنا، فتقدّم أبو موسى، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: يا أيّها النّاس، إنّا قد نظرنا في أمر هذه الأمّة، فلم نرَ أصلح لأمرها ولا ألمّ لشعثها من أمر قد جمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليّاً ومعاوية، وتستقبل هذه الأمّة هذا الأمر فيولّوا منهم مَنْ أحبُّوا عليهم، وإنّي قد خلعتُ عليّاً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولّوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً، ثمّ تنحّى وأقبل عمرو بن العاص، فقام مقامه، فحمد الله وأثنى عليه، وقال إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية ... فكان أبو موسى يقول: حذّرني ابن عبّاس غدْرَة الفاسق، ولكنّي اطمأننت إليه وظننتُ أنّه لن يُؤْثِرَ شيئاً على نصيحة الأمّة، ثمّ انصرف عمرو وأهل الشّأم إلى معاوية وسلّموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عبّاس وشريح بن هانئ إلى عليّ، وكان إذا صلّى الغداة يَقنت، فيقول: اللهمّ العن معاوية وعَمْراً وأبا الأعور السّلمي وحبيباً وعبد الرّحمن بن خالد والضّحاك بن قيس والوليد، فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لَعَنَ عليّاً وابن عبّاس والأشتر وحسناً وحسيناً " (١).
وهذه الرّواية في سندها مجروحان أبو مخنف، وهو أخباريّ تالف، وتقدّمت ترجمته، وأبو جناب الكلبي، وهو يحيى بن أبي حيّة مُدَلِّس، وستأتي ترجمته بعد أَسْطَار. أمّا مَتْنُها فكنت أحببت أن أُنزِّه كتابي منه، ولكن لكثرة من يتعلّق بهذا الكلام الباطل ذكرته لأنبّه على بطلانه؛ فكيف يُصَدَّقُ أنَّ الصّحابة يلعن بعضهم بعضاً، والنَّبيُّ ﷺ يّقُولُ: " لَعْنُ المؤمن كقتله " (٢).
وكيف يُصَدَّق أنّ ابن عبّاس وأبا موسى يتّهمان عمرو بن العاص بالغدر والفسق، والصّحابة ﵃ لا يَعْرِفون الغدر ولا يُوْصَفُون بالفسق، وإنّما الفاسق من قال
стр. 192
الله تعالى فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات] والصّحابة لا توصف بالفسق لأنّ الله تعالى حبّب إليهم الإيمان وكرّه لهم الكفر والفسوق والعصيان، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ... (٧)﴾ [الحجرات] فهل يجهل ابن عبّاس ﵁ ذلك وهو ترجمان القرآن وحبر هذه الأمّة؟! فهذه الرّواية تطعن في ابن عبّاس وأبي موسى وعمرو بن العاص معاً.
وقد تعرّض الهيثمي بالنّقد لهذا الخبر بعد أن ساقه من رواية الطّبراني عن عبد الله بن مسعود، قال: " ... ولا قَنَتَ عليّ حتّى حارب أهل الشّام، وكان يقنت في الصلوات كلّهنّ، وكان معاوية يدعو عليه أيضاً يدعو كلّ واحد منهما على الآخر " (١) قال الهيثمي: " رواه الطّبراني في الأوسط، وفيه شيء مُدْرَك عن غير ابن مسعود بيقين هو قنوت عليّ ومعاوية في حال حربهما؛ فإنَّ ابن مسعود مات في زمن عثمان، وفيه محمّد بن جابر اليمامي، وهو صدوق ولكنّه كان أعمى واختلط عليه حديثه وكان يُلقَّن " (٢).
وأمّا الرّد على من جوَّزَ وقوع التَّلاعن بينهما وأنّ هذا لا يستبعد وقوعه بدعوى أنّه دون القتل الّذي وقع بينهما، وأنّ القتال أعظم منه.
فهذا كلام منقول عمّن صنعته إِحْدَاثُ الأَحْدَاث، ومن ذهب إلى هذا يحتاج إلى دليل إِثْبَاتٍ عن أَثْبَاتٍ ليس فيه عِلَّة، وحتّى يأتينا هذا الدّليل يظلّ كلامه دعوى مجرّدة من البرهان، أمّا قوله التّلاعن دون القتل، فقد ساوى النَّبيُّ ﷺ بين لعن المؤمن وقتله في غير حديث للدّلالة على شناعة هذا الجرم، فقد صَحَّ عنه ﷺ أنّه قال: " ومن لعن مؤمناً فهو كقتله " (٣).
وهذا ممّا لا يجهله الصّحابة، فضلاً عن أن يجهلوا تحريم سبّ الصّحابة الّذي ثبت عن
стр. 193
النَّبيِّ ﷺ فيما رواه الشّيخان: " لا تسبّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي ... " (١) وأيُّ سَبٍّ أكثر من لعنهم! فإذا كان النّبيُّ ﷺ نهى عن سبِّهم فمن باب أولى النَّهي عن لعنهم.
وقد صَحَّ عن أمّ سلمة أنّها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من سبّ عليّاً فقد سبّني " (٢).
ولا يخفى أنّ من الّذين يجوِّزون وقوع التّلاعن بين الصّحابة من غايته إباحة ذلك وإِيجاد عُذْر لمن يقع في أعراضهم من جهلة القوم، فكأنّه يقول لهم: طالما حدث منهم ذلك فسنظلّ على آثارهم مقتفين! ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النّور] فهؤلاء ليس عندهم دليل على جواز ذلك، ولا أَثَارَة من علم! بل إنّ الله تعالى نهى عن سَبِّ ما يعبده المشركون مخافة أن يحملهم الجهل على سَبِّ الله سبحانه، فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام] فإذا كُنَّا نُهينا عن سَبِّ الأصنام، فهل يجوز سَبُّ الصّحابة الكرام ﵃!
ونحن لا ننكر أنّه كان بين عليّ ومعاوية ما كان ممّا يكون بين البشر، ولكن كان يكتنفه تقوى الله وخَشْيته؛ فقد كان الخلفاء والأمراء والعلماء يتدثّرون بالدِّين الّذي كان يومها ظاهراً.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: " سألت أبي عن رجل يشتم رجلاً من أصحاب رسول الله؟ قال: ما أراه على الإسلام " (٣).
وقال بعض السّلف: " لحوم العلماء مسمومة وعادة الله فيمن آذاهم أبداً معلومة "
стр. 194
قلت: فإذا كانت لحوم العلماء مسمومة، فما ظنّك بلحوم الصّحابة! وما بالك بمن شبعوا من لحومهم! أليس عادة الله في هتك منتقصهم معلومة؟! ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ... (١٢)﴾ [الحجرات].
ترجمة أبي جناب الكلبي
ترجم له الذّهبيّ في " المغني في الضّعفاء " وقال: " يحيى بن أبي حيّة، أبو جناب الكلبي. قال أبو زرعة: مدلّس. وقال النّسائيّ والدّارقطنيّ: ضعيف. وقال يحيى بن سعيد القطّان: لا أستحلّ أن أروي عنه " (١).
ورتبته عند ابن حجر ضعيف لكثرة تدليسه، فقد ترجم له في " تقريب التّهذيب " وقال: " يحيى بن أبي حيّة، أبو جَنَاب، ضعّفوه لكثرة تدليسه " (٢).
انخداع غير كاتب وقارئ بالرّوايات الموضوعة
ولكن الغريب أن ينخدع بهذه الرّوايات كثير من الكتّاب، فهذا أحدهم يقول: "ويلوح من جملة أخبار عمرو مع معاوية أنّهما كانا يُؤْثِران اللعبَ على المكشوف، ولا يضيّعان الوقت في مِراءٍ يعرفانه ولا يجهلانه، وقد كانت مساومة عمرو لمعاوية صريحة لا مداجاة فيها، فقال له: أترى أنّنا خالفنا عليّاً لفضل منّا عليه؟ لا والله! إن هي إلاّ الدّنيا نتكالب عليها، وايم الله لَتقطعَنَّ لي قطعة من دنياك أو لأنابذنّكَ ... " (٣).
وقال أيضاً: " وأخذ معاوية يذكر ممالأة عليّ على قتل عثمان " (٤) وخلص إلى أنّه أخذ
стр. 195
يستميل عمرو بن العاص حتّى قال له عمرو: " اجعل لي مصر طُعْمة ما دامت لك ولاية " (١) وظلّ يصوّر عمرو بن العاص أنّه كان يطمع في ولاية مصر جامعة موروثة في عقبه ...
ثمّ ذهب إلى أعجب من ذلك، فقال: " وليقل النّاقدون ما بدا لهم أن يقولوا في صدق هذا الحوار، وصحّة هذه الكلمات، وما ثبت نقله وما لم يثبت منه سنده ولا نصّه، فالّذي لا ريب فيه، ولو اجتمعت التّواريخ قاطبة على نقضه، إنّ الاتّفاق بين الرّجلين كان اتّفاق مساومة ومعاونة على الملك والولاية ... " (٢).
قلت: ولا أدري كيف يأخذ أَعْجازاً ليس لها صُدُورٌ، وأحاديث ليس لها خُطُم ولا أَزِمَّة! أليس من الخطأ أن يتعصّب إنسانٌ إلى رأيه المجرَّد الّذي لا يستندُ إلى البراهين، ثمّ يقول: إنّه لن يطيع أحداً من العالمين؟! إلاّ إذا كان يخشى أن يجادله أحد بالسنّة، فيفلجه بالجواب المسكت.
فلتكن لنا قُدْوةٌ بما كان عليه الأئمة المجتهدون، الّذين يُسَرُّ الواحدُ منهم إذا ظهر الحقّ ولو على يد غيره، فقد أُثِرَ عن غير واحد منهم أنّه كان يقول: " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصّواب ".
فإذا لم يكن هناك إجماع على مسألة فلا ينبغي لباحث التَّعصُّبُ لرأيه، وعليه أن يحيط بجملة علوم، منها: علم الجرح والتّعديل، وقواعد أصول الفقه قبل أن يتعصّب للدليل الّذي معه إنْ كان معه دليل، ومن هذه القواعد الّتي ينبغي الالتفات لها أنّ " الدّليل إذا تطرّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال ".
ووالله الّذي لا إله غيره إنّ ما صحّ من الأحاديث والأخبار موجود عند أعلام أهل الحديث والآثار؛ فهم الّذين مع الحقّ، والحقّ معهم؛ لأنّهم أخذوا دينهم وتاريخهم وعقائدهم خلفاً عن سلف، وقرناً عن قرن، وجيلاً عن جيل، وتابعاً عن تابع، وعدلاً عن
стр. 196
عدل حتّى انتهوا إلى أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، الّذين نقلوا بدورهم عن الّذي لا ينطق عن الهوى، متحرّين الأمانة والصّدق.
فلا ريب أنّ الحقَّ مع أهل الحديث وأنّهم الفرقة النّاجية، ويشهد لذلك، ما رواه البخاري عن حُمَيْد، قال: سمعتُ معاوية بن أبي سفيان ﵄ يخطُبُ، قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: " منْ يُرِدِ اللهُ به خيراً يفقّهْهُ في الدّين، وإنّما أنا قاسم ويُعْطِي اللهُ، ولن يزالَ أمرُ هذه الأمّةِ مُسْتَقيماً حتّى تَقُومَ السّاعةُ، أو حتّى يأتي أمرُ الله" (١).
فقد أخرج هذا الحديث البخاري في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسّنّة)، وعنون له تحت باب (قول النَّبيِّ ﷺ : لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ يقاتلون، وهم أهل العلم) وأخرج الحاكم بسند صحيح عن أحمد بن حنبل قال: " إن لم تكن هذه الطّائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم " (٢) ولذلك سيظلّ أهل العلم من هذه الأمّة ظاهرين على الحقّ إلى يوم القيامة، لا يضرّهم من خالفهم.
ولو تَتَبَّعْتُ الّذين نقلوا هذه الأباطيل، لاحتجت إلى مصنّفات، وإنّما نقلت منها شيئاً يسيراً؛ لأعارضها بصحيح السّيرة، وليكون القارئ على بصيرة، فمثل هذه الأخبار سَوَّدَ بها هؤلاء الكتب الطّوال، وصفحات الأعمال! وإنَّ الحليم مِنَّا ليقف حيرانَ من هَوْلِ ما يجد مسطوراً في كتبهم!
والّذين أجهدوا أنفسهم في تعقّب أخبار الصّحابة ﵃ من كتب التّاريخ الّتي فيها الغثّ والسّمين، وأعدّوا المصنّفات دون تمييز الصّحيح من الدّخيل، وظلّوا على آثار هؤلاء المؤرِّخين يهرعون، كان الواجب عليهم أن يُعِدّوا عند الله عذرًا! قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ... (١٢)﴾ [يس] الَّتي تركوها وَرَاءَ ظهورهم، وقد أصَابَ مَنْ قال:
стр. 197
وما مِنْ كاتبٍ إلَاّ ستبقى ... كتابتُه وإن فَنِيَت يَدَاهُ
فلا تكتُب يمينُكَ غيرَ شيءٍ ... يَسُرُّكَ في القيامةِ أن تراهُ
ولا أدري ما عذرهم، وكتب الجرح والتّعديل لم تترك لمتعلّل منهم عذراً يتعلّل به؟!
ولم ينشغل الصّحابة ﵃ بتأليف الكتب ونشرها، وإنّما انشغلوا بتأليف القلوب ونشر الإسلام، فشتّان بين مقاصد الدّنيا ومقاصد الدّين!
وقد جمعت أسماء بعض الكتّاب والمحقّقين الّذين ساهموا في نشر كثير من الرّوايات الّتي لا تصحّ سنداً ولا متناً، وأحصيت كتبهم، ثمّ رأيت أن أنزّه كتابي عنهم؛ فذلك أزكى وأطهر من أن أذكر عُجَرَهم وبُجَرَهم.
ومّما يبعث الأسى أنّه يكاد لا يخلو بيت من بيوت المسلمين في هذه الأزمان من أشباه ونظائر هذه الكتب! فالحذر الحذر؛ فالتّاريخ الإسلاميّ إذا لم ينظر فيه مُحدِّثٌ فعظَّمَ الله أجركَ فيه! فمن أراد السّلامة فليأخذ التاريخ من كلام حافظ محدّث من أهل السّنّة والجماعة، يكون حجّة في علم الرّواية والدّراية، وقد حكم على الأخبار صحيحها وضعيفها وموضوعها، فمن فعل ذلك فقد استبرأ لدينه وعرضه وتقواه، ولم يغلبه تعصّبه وجهله وهواه.
ولو أنّ هؤلاء الكتّاب تدبّروا كلام الله لانتهوا، فالله تعالى يقول: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النّحل]، فكم هم الّذين وقعوا في عرض الصّحابة وَهُمْ مَنْ هُمْ، وأغروا العوامّ على ثَلْبِهم! وكم هم الّذين انخدعوا وغُرِّروا بهذه الرّوايات، فنقموا لأجل ذلك على الصّحابة الأجلاّء الّذين لم يُحْفَظ الدّين إلاّ بهم! فهم الّذين نقلوا إلينا كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ بالرّواية، وبيّنوا لنا من الأحكام والأركان ما لا يحيط بعلمه أحد لتفرّدهم بالبرهان، وتميّزهم بمعاينة النَّبيِّ ﷺ والحديث معه باللسان، فهم الّذين عاصروا التّنزيل، وأخذوا دينهم عن البشير النّذير الّذي أرسله الله رحمة للعالمين، أفلا نطيعُ أمرَ الله فنقابل الإحسان بالإحسان كما
стр. 198
أمر الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن].
ولكن ليعلم الكاتب والقارئ أنّه ما مِنْ أَحَدٍ أَحْدَثَ في التّاريخ شيئاً إلاّ سُئلَ عنه يوم القيامة! وما من شكّ أنّ من ينطق بأخبار الوضّاعين، ويتابعهم، ويتحدّث بلسانهم يعتبر امتداداً لهم، وشريكاً لهم بالإثم!
تنبيه المؤرّخين إلى روايات الوضّاعين
وقد حذّر المؤرّخون القدماء من روايات الوضّاعين، ونبّهوا إلى حدوث التّحريف والتّغيير في التّاريخ؛ ليحترز النّاس فلا يقبلوا إلاّ ما صحّ من الأخبار والآثار سنداً ومتناً، قال ابن الأثير:
" لم أذكر في موقعة الجمل إلاّ ما ذكره أبو جعفر (الطّبري) إذ كان أوثق مَنْ نَقَلَ التّاريخ، فإنّ النّاس قد حشوا تواريخهم بمقتضى أهوائهم" (١).
وقال ابن العربي: " ولا تقبلوا رواية إلاّ عن أئمّة الحديث، ولا تسمعوا لمؤرّخ كلاماً إلاّ للطَّبري، وغير ذلك هو الموت الأحمر، والدّاء الأكبر، فإنّهم ينشئون أحاديث فيها استحقار الصّحابة والسّلف، والاستخفاف بهم " (٢).
وابن العربي يعرفُ أنّ تاريخ الطّبري مشحون بالرّوايات الباطلة، لكنّه أثنى عليه لأنّه أخرج الرّوايات مُعْنعنةً، وأسندها إلى أصحابها؛ ليكون القارئ على بيّنة، فقد قال الطّبري في مقدّمة كتابه: " فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين ممّا يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنّه لم يعرف له وجهاً في الصّحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنّه لم يُؤْتَ في ذلك من قِبلنا، وإنّما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنّا إنّما أدّينا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا " (٣).
стр. 199
وقال ابن خلدون: " ... فكثيراً ما يوجد في كلام المؤرّخين أخبار فيها مطاعن وشُبَه في حقّهم أكثرها من أهل الأهواء فلا ينبغي أن تسوّد فيها الصّحف " (١).
الدّليل على أنّ الخلاف لم يكن على الملك كما زعموا
قال ابن خلدون: " كان طريقهم فيها الحقّ والاجتهاد ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيويّ أو لإيثار باطل أو لاستشعار حقد كما قد يتوهّمه متوهّمٌ وينزع إليه مُلحد، وإنّما اختلف اجتهادُهم في الحقّ فاقتتلوا عليه " (٢).
وقال ابن حزم: " كانوا عدداً ضخماً جمّاً لا طاقة له عليهم، فقد سقط عن عليّ ﵁ ما لا يستطيع عليه، كما سقط عنه وعن كلّ مسلم ما عجز عنه من قيام بالصّلاة، والصّوم، والحجّ، ولا فرق، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... (٢٨٦)﴾ [البقرة] " (٣).
قلت: ومّما يشهد أنّ الخلاف لم يكن على الملك كما يُصَوِّرُ المبطلون ما أخرجه يحيى بن سليمان الجعفي بسند جيّد عن يعلى بن عُبيد، عن أبيه، قال: " جاء أبو مسلم الخولاني وأناسٌ إلى معاوية، وقالوا: أنتَ تنازعُ عليّاً، أم أنتَ مثلُه؟ فقال: لا والله، إنّي لأعلمُ أنّهُ أفضلُ منّي وأحقُّ بالأمر منّي، ولكن ألستم تعلمونَ أنّ عثمان قُتِلَ مظلوماً، وأنا ابن عمّه، والطّالب بدمه، فَأْتُوه، فقولوا له، فليدْفَعْ إليّ قَتلةَ عُثمان وَأُسلم له، فَأتوا عليّاً، فكلّموه، فلمْ يدفعْهم إليه " (٤).
وكلّ الأخبار الّتي تصوّر عمراً ومعاوية ﵄ أنّهما كانا يريدان الدّنيا
стр. 200
والملك لا تصحّ، ومن جملة هذه الأخبار ما أخرجه الطّبري معلولاً عن أحمد، عن عليّ بن عبد الله وهشام بن سعد، عن عبد الملك بن عمير، قال: " أَغلظَ رجلٌ لمعاوية، فأكثرَ، فقيل له: أتحلمُ عن هذا؟ فقال: إنّي لا أحول بين النّاس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا" (١).
فهذه الرّواية تزعم أنّ معاوية ﵁ لا يغضب إلاّ إذا نازعه أحد الملك، وفيها اتّهام صريح لمعاوية أنّه كان يرى أنّ الخلافة ملك لبني أميّة لا ينبغي لأحد أن ينازعه عليها! وهذا الكذب على معاوية ﵁ لا يُسْتغرب فالشّياطين توحي لأوليائها ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ... (١٢١)﴾ [الأنعام].
ويدلّك على بطلان متنها فساد سندها، فإنّ عبد الله بن صالح بن محمّد (٢) لم يدرك عبد الملك بن عمير (٣)، فقد تُوفِّي عبد الملك بن عمير بن سويد اللّخمي سنة مائة وست وثلاثين للهجرة، وعبد الله بن صالح لم يولد بعد، وإنّما ولد سنة مئة وسبع وثلاثين للهجرة، أي بعد وفاة عبد الله بن عمير بسنة، كذلك الرّواية في سندها علّة أخرى، وهي هشام بن سعد المدني المرميّ بالتّشيّع، قال عنه ابن حجر: " صدوق له أوهام ورمي بالتّشيّع " (٤).
وجملة القول أنّ عليّاً ومعاوية ﵄ كانا مُحِقَّين في غايتهما سليمين في نيتهما، ولو كانا يعرفان أنّ الأمر سيفضي بهما إلى الاقتتال لتوقّفا من أوّل الأمر، وآية ذلك رغبتهما في التّحكيم وحرصهما عليه، فقد أمكنهما وقف الاقتتال بعد ثلاثة أو أربعة أيّام من نشوبه، وجنحا إلى السّلم والتّحكيم، وانتهى الأمر، فلم يكن في نيّة أحدهما هزيمة الآخر لتحقيق مطلبه.
стр. 201
معاوية يرسل بمصحف إلى عليّ ليحتكموا إليه
ثبت في الحديث الصّحيح أنّ معاوية ﵁ لمّا استحَرَّ القتل آوى بجيشه إلى تلّ يعصمه منَ القتال، فأشارَ عليه عمرو بن العاص ﵁ أن يرسلَ بمصحف مع رجل إلى عليّ ليحتكموا إلى كتاب الله، فإنّ عليّاً لن يأبى عليه!
قلتُ: وانظر حسنَ الظَّنِّ، فهو لا يظنّ بعليّ إلاّ خيراً، ثمّ انظر كيف كان القرآن في حياتهم شعاراً والسّنّة دثاراً.
فلمّا جاء الرّجل عليّا بالمصحف، رأى عليٌّ ﵁ أنّه الأولى بطلب التّحكيم وبالمبادرة نزولاً عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ... (٥٩)﴾ [النّساء] وعملاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ... (١٠)﴾ [الشّورى] فقد كان ﵁ وَقَّافاً عند حدود الله.
وبينما هو كذلك جاءه القُرَّاءُ الّذين سُمُّوا بعد ذلك بالخوارج يستأذنونه باستئناف قتال جيش معاوية المعتصم بالتّل، فقام الصّحابيّ الجليل سهْل بن حنيف فيهم خطيباً يذكّرهم بصلح الحديبية، وكيف أنّ بعض المسلمين كانوا كارهين للصلح، لكن أعقبه خيرٌ عظيم.
أخرج أحمد بسند صحيح عن حبيب بن أبي ثابت، قال: " أتيتُ أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الّذين قتَلهم عليٌّ بالنَّهروان، ففيما استجابوا له، وفيما فارقوه، وفيما استحلَّ قتالهم، قال:
كنَّا بصفِّين، فلمّا استحرَّ القتْلُ بأهل الشَّام اعتصموا بِتَلٍّ، فقال عمرو بن العاص لمعاويةَ: أرسل إلى عليّ بمصحف وادْعُهُ إلى كتاب الله؛ فإنّه لن يأبى عليك، فجاء به رجلٌ، فقال: بيننا وبينكم كتابُ الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [آل عمران].
стр. 202
فقال عليّ: نَعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله. قال: فجاءته الخوارج ـ ونحنُ ندعوهم يومئذ القُرَّاء ـ وسُيُوفُهم على عواتقهم، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، ما تنْتَظرُ بهؤلاء القوم الّذين على التَّلِّ؟ ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتّى يحكم اللهُ بيننا وبينهم؟ فتكلَّمَ سهلُ بن حنيف، فقال:
يا أيُّها النَّاسُ، اتَّهموا أنْفسَكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية ـ يعني الصّلح الّذي كان بين رسول الله وبين المشركين ـ ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله ألسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ أليس قَتْلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى، قال: ففيم نُعطي الدّنيةَ في ديننا ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبينهم، فقال: يا بن الخطّاب إنّي رسول الله ولن يضيعني أبداً ... " (١).
نعم، هذا ما حدث، لمّا رأى سَهْل بن حُنَيف كراهة أصحاب عليّ التّحكيم، وليس كراهة عليّ للتحكيم كما يزعمون، خطبهم ووعظهم بأن يتّقوا الرّأي في دينهم، وأعلمهم بما جرى في صلح الحديبية من كراهة أكثر النّاس الصّلح، ومع هذا أعقب هذا الصّلح خيرٌ عظيمٌ.
وروى مسلم عن أبي وائل، قال: " قام سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ يوم صفّين، فقال: " أيّها النّاس، اتّهموا أنْفُسَكُم، لقد كُنّا مع رسول الله ﷺ يوم الحُديبيَة، ولو نرى قتالاً لَقاتَلْنا، وذلك في الصُّلح الّذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين ... " (٢).
فالحديث يُفهم منه أنَّ معاوية وعليّاً ﵄ كانا يرغبان في التّحكيم والصّلح لما سَيُفضي إليه الصّلح من خير، لكنّ بعض أصحاب عليّ ﵁ كرهوا ذلك، وهم الخوارج.
стр. 203
وأخرج البخاري عن الأعمش، عن أبي وائلٍ قال: " قال سَهْلُ بنُ حُنيف: يا أيّها النّاس، اتّهموا رأيَكُم (١) على دينكم، لقد رَأيتُني يوم أبي جَنْدلٍ (٢) ولو أستطيعُ أنّ أردّ أمرَ رسول الله ﷺ لرددْتُهُ، وما وضعْنا سُيُوفَنا على عواتقنا إلى أمر يُفظعُنا إلاّ أسْهَلْنَ (٣) بنا إلى أمرٍ نعرفُهُ غيرَ هذا الأمرِ " (٤) أي أنّ السّيوف يفضين بهم إلى أمر سَهْل فيه الخير إلاّ هذا الأمر وهذه المقاتلة، واستثنى صِفِّين؛ لقوّة حجج الطّائفتين وعظم الشّبهة: إذ حُجَّة عليّ ومن معه قتال الطّائفة الباغية حتّى تعود إلى الحقّ، وحُجَّة معاوية قتل الخليفة عثمان ظلماً وعدواناً ووجود قتلته بأعيانهم في الجانب العراقيّ.
وكيف لا يرغب عليّ ﵁ في الصُّلح وقد رَغَّبه النَّبيُّ ﷺ فيه؟! فقد أخرج أحمد بسند صحيح عن إياس بن عمرو الأسلميّ عن عليّ، قال: قال رسول الله ﷺ : " إنّه سيكون بعدي اختلافٌ أو أمر، فإن استطعتَ أن تكون السَّلْم (٥) فافعلْ " (٦).
ولذلك كتب عليّ بينه وبين معاوية كتاب الصّلح أو ما يسمّى بوثيقة التّحكيم، أو كتاب الحكومة كما جاء في غير مصدر، ثمّ انفصل الفريقان على أن يجتمع الحكمان أبو موسى من جهة عليّ، وعمرو بن العاص من جهة معاوية في العام القابل في دومة الجندل، وقيل في أذرح والأوّل أظهر، ورجع الفريقان: رجع معاوية إلى الشّام، وعليّ إلى الكوفة.
стр. 204
نص كتاب الصّلح (وثيقة التّحكيم) كما في " كتاب الثّقات "
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان: قاضى عليٌّ على أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المسلمين، أنَّا ننزل على حكم الله وكتابه، فما وجد الحكمان في كتاب الله فهما يتبعانه، وما لم يجدا في كتاب الله فالسُّنَّة العادلة تجمعهما. وهما آمنان على أموالهما وأنفسهما وأهاليهما، والأمَّةُ أنصار لهما على الذي يقضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين.
والطائفتان كلتاهما عليهما عَهْدُ الله وميثاقه أن يَفِيَا بما في هذه الصحيفة على أن بين المسلمين الأمنُ ووضع السِّلاح وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ليحكما بين الناس بما في هذه الصحيفة على أن الفريقين جميعاً يرجعان سنةً، فإذا انقضت السنة إن أحبّا أن يرُدَّا ذلك رَدّا، وإن أَحَبَّا زادا فيهما ما شاء الله، اللهمَّ إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة " (١).
عدد القتلى في صفّين وزمن القتال
اضطربت الرّوايات في كتب التّاريخ في عدد القتلى من الفريقين في صفّين، بين مُكْثر ومُقِلّ، وهذا الاضطراب وحده في عدد القتلى يضعف تلك الرّوايات ويجعلها غير مقبولة.
ومن جملة ذلك ما ذكر المسعودي عن أحمد الدّورقي، عن يحيى بن معين " أن عدد من قتل بصفّين من الفريقين في مائة يوم وعشرة أيّام مائة ألف وعشرة آلاف من النّاس: من أهل الشّام تسعون ألفاً، ومن أهل العراق عشرون ألفاً " (٢).
أي أنّه كان يُقْتَلُ بمعدّل ألف كلّ يوم، ونسبة هذا الكلام ليحيى بن معين لا تصحّ؛
стр. 205
لأنّ يحيى بن معين من كبار الآخذين عن تَبَعِ الأتباع، وهو ثقة حافظ إمام الجرح والتّعديل، روى له البخاري، ومسلم وغيرهما. وقال محمّد بن هارون الفلاس: " إذا رأيت الرّجل يقع في يحيى بن معين فاعلم أنّه كذّاب يضع الحديث، وإنّما يبغضه لما يبيّن من أمر الكذّابين " (١).
فلا يُصدّق أن هذا العالِم الّذي كان ينفي الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ويبيّن أمر الكذّابين يُحدِّث بمثل هذه الأخبار وهو لم يدركها، فقد ولد سنة (١٥٨ هـ) وصفّين كانت سنة (٣٧ هـ).
ثمّ كيف للمسعودي المتوفى سنة (٣٤٦ هـ) أن يُحدِّث عن أحمد الدّورقي المتوفى سنة (٢٤٦ هـ) فالخبر مُعضِل أو مُنْقَطِع لأنّه سقط من إسناده اثنان أو واحد، ومثل هذا الإسناد غير المتّصل من طرفيه لا تقوم به حُجَّة، والدّورقي ترجم له الحافظ في " تقريب التّهذيب " (٢) ورتبته ثقة، فلا يصحّ نسبة هذه الأخبار له.
ثمّ ذهب المسعودي إلى أنّ العدد أكثر ممّا قيل، أي أنّه يُجرِّح أحمد الدّورقي وشيخه يحيى بن معين، والجرحُ به أَوْلى، والمسعودي يُرَدّ عليه ولا يُؤْخذ منه فهو يذكر الأخبار دون الاهتمام بأسانيدها، وقد انتقده ابن خلدون في مقدمته بعد الحديث عن أصناف المدركين للغيب من البشر، فقال: " وقد تكلّم عليها المسعودي في مروج الذّهب. ويظهر من كلام الرّجل أنّه كان بعيداً عن الرّسوخ في المعارف، فينقل ما سمع من أهله ومن غير أهله " (٣).
وقال المسعودي بعد ذلك: " وأمّا الهيثم بن عدي الطّائي وغيره مثل الشرقي بن القطامي وأبي مخنف فذكروا ما قدّمنا، وهو أنّ جملة من قُتِل من الفريقين جميعاً سبعون ألفاً: من أهل الشّام خمسة وأربعون ألفاً، فيهم خمسة وعشرون بدريّاً ... " (٤).
стр. 206
وهؤلاء الثّلاثة الّذين ذكرهم كلّهم تَداولتهم كتبُ الجرح والتّعديل بالتّضعيف أوّلهم عن آخرهم: فأمّا الهيثم بن عدي فقد ترجم له ابن الجوزي في " كتاب الضّعفاء والمتروكين " وقال: " الهيثم بن عدي: أصله كوفيّ يروي عن شعبة، قال يحيى: كان يكذب، ليس بثقة. وقال السعدي: ساقط، قد كُشف قناعه. وقال أبو داود: كذّاب. وقال النّسائي، والرّازي، والأزدي: متروك الحديث. وقال ابن حبّان: لا يجوز الاحتجاج به ولا الرّواية عنه إلاّ على سبيل الاعتبار" (١) وترجم له الذّهبي في " المغني في الضّعفاء " وقال: " الهيثم بن عدي الطّائي أبو عبد الرّحمن، تركوه. وقال أبو داود والسجستاني: كذّاب " (٢).
وأمّا شرقي بن قطامي فترجم له الرّازي في " الجرح والتّعديل " وقال: " شرقي بن قطامي الشاعر: ليس بقويّ الحديث، ليس عنده كثير حديث. ويقال: اسم شرقي القطامي الوليد بن الحصين بن حبيب الكلبي " (٣).
وقد ذكر غير المسعودي غير هذه الأعداد، ولو تَقَصَّيْتُ ما ذكروه بالبحث والدّراسة لاحتجتُ أن أفرد كتاباً. وكم هم الّذين شَانُوا كتبهم بما نقلوه من أباطيل ممّا تَلقَّفُوه من كلام الإخباريين وغيرهم!
ومّا يدلّك على قلة عدد القتلى أنّ القتال الحقيقيّ لم يدم أكثر من ثلاثة أو أربعة أيّام وكان يتوقّف ليلاً، قال صاحب كتاب: " الثّقات ": " فلمّا كان الغد اقتتلوا قتالاً شديداً، فحجز بينهم الليل حتّى قاتلوا ثلاثة أيّام " (٤).
وزد على ذلك أنّ هناك روايات تتحدّث عن مئات القتلى من الصّحابة، وهذا كذب لأنّ الصّحابة جُلُّهم اعتزل القتال، ويدلّك على فساد هذه الدّعوى قول الحافظ ابن كثير:
стр. 207
"ومن كان من الصّحابة مع معاوية؟ يقال: لم يكن في الفريقين مائةٌ من الصّحابة، والله أعلم، وجميعهم صحابة، فهم عدول كُلُّهُم " (١).
وقد خَسِرَ المسلمون يوم صفّين أعلاماً من الصّحابة منهم عبيد الله بن عمر بن الخطّاب وكان مع معاوية، قال الحافظ: " ولا خلاف في أنّه قُتِلَ بصفّين مع معاوية " (٢)، وقتل في أصحاب عليّ عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي (٣) وقتل أيضاً هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، المعروف بالمرقال ابن أخي سعد بن أبي وقّاص (٤) كما قُتِل الصَّحابيُّ الجليل عمّار ابن ياسر ﵃ جميعاً ـ.
براءة معاوية وعمرو من دم عمّار بن ياسر
قول النَّبيِّ ﷺ : " وَيْحَ عمَّار تقتُله الفئة الباغية " (٥).
لا يفهم منه أنّ فئة معاوية تتحمل دمه؛ فما جاء مطلقاً في هذا الحديث الشّريف، جاء مُقَيَّداً في حديث آخر، فقد أخرج أحمد بإسناد حسن عن أبي غادية، قال: " قُتل عمّار بن ياسر، فأخْبِرَ عمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ قاتله وسالبه في النَّار. فقيل لعمرو: فإنَّكَ تقاتله؟ قال: إنّما قال: قاتله وسالبه " (٦). فالّذي يتحمّل وزره قاتله وسالبه.
ولم يكن في نيّة أحد من الصّحابة أن يقتل عمّار بن ياسر، وهو يعلم أنّ قاتله في النّار! وليس أَدلَّ على ذلك من رواية أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث، قال: " إنّي
стр. 208
لأُسَايرُ عبد الله بن العاص ومعاوية، فقال عبد الله بن عمرو لعمرو: سمعتُ رسول الله يقول: تقتله الفئة الباغية ـ يعني عمّاراً ـ، فقال عمرو لمعاوية: اسْمعْ ما يقولُ هذا، فحدّثه، فقال: أنحنُ قتلناه؟! " (١) فمن قوله: " أنحنُ قتلناه؟! " يفهم أنّه لا نيّةَ لقتله (٢).
عدد من شهد الفتنة من الصّحابة ﵃ ـ
وهذه الفتنة لم يشهدها من الصّحابة إلاّ نفر قليل، خلافاً لما تُصوِّرُهُ كثير من ... الرّوايات الموضوعة الّتي توغر صدور القرّاء، فهذه الرّوايات فيها أنّ الّذين شاركوا في الجمل وصفّين من الصّحابة أكثر عدداً من الّذين توقّفوا، وما صحّ ما أخرجه عبد الرّزّاق في " المصنّف " بسند صحيح (٣) عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين، قال: " ثارت الفتنة، وأصحاب رسول الله ﷺ عشرة آلاف، لم يخفَّ منهم أربعون رجلاً " (٤) أي أن عدد الصّحابة الّذين شاركوا في الجمل وصفّين أقلّ من أربعين صحابيّاً.
وأخرج نحوه أبو بكر الخلاّل بسند صحيح عن محمّد بن سيرين، قال: " هاجت
стр. 209
الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرة آلاف فما حضر فيها مائة بل لم يبلغوا ثلاثين " (١).
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشّعبي، قال: " لم يشهد الجمل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ من المهاجرين والأنصار إلاّ عليّ، وعمّار، وطلحة، والزّبير، فإن جاؤوا بخامس فأنا كذّاب " (٢).
وأخرج أحمد ﵀ عن أميّة بن خالد (٣)، قال: قلتُ لشعبة: إنّ أبا شيبة (٤) حدّثنا عن الحكم عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى أنّه قال: " شهد صفّين من أهل بدر سبعون رجلاً، قال: كذب والله؛ لقد ذاكرت الحكم ذاك وذكرناه في بيته، فما وجدنا شهد صفّين أحد من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت " (٥).
ولا يُفْهَمُ من هذه الرّوايات تعيين العدد، فقد ذكر كُلٌّ منهم مَبْلَغَ علمه، وإنّما يستفاد منها قِلَّة عدد الصّحابة في حادثتي الجمل وصفّين، ذلك لأنّ الجمل شهدها زيادة على ما ذكر الشّعبي عبد الله بن الزّبير ذكر ذلك الحافظ في " الإصابة " (٦) وأُصِيب يومها بجراح، وشهدها الحسن بن عليّ. كذلك شهد صفّين من أهل بدر أبو فضالة الأنصاري وقُتل فيها مع عليّ، ذكر ذلك البخاري في " التّاريخ الأوسط " (٧) وابن حجر في " الإصابة ".
стр. 210
مَن اعتزل الفتنة من الصّحابة
ممَّن اعتزل الفتنة أهبان بن صيفي ﵁، فقد روى البخاري عن عديسة بنت أهبان بن صيفي، قالت: " حين قدم عليّ بن أبي طالب البصرة جاء إلى أبي، فقال أبي: إنّ خليلي وابن عمّك أمرني إذا كان قتال بين فئتين من المسلمين أن أَتَّخِذَ سيفاً من خشب، فانصرف " (١).
وممّن اعتزل المغيرة بن شعبة، كان معتزلاً بالطّائف وأرضها حتّى حكم الحكمان، قال الحافظ عنه: " ... فلمّا قُتلَ عثمان اعتزل القتال إلى أن حضر مع الحكمين، ثمّ بايع معاوية بعد أن اجتمع النّاس عليه، ثمّ ولاّه بعد ذلك الكوفة فاستمرّ على إمرتها حتّى مات " (٢).
وممّن اعتزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، قال الذّهبي: " والظّاهر أنّه اعتزل الفتنة وانزوى إلى الرّملة " (٣).
وممّن اعتزل محمّد بن مسلمة ﵁، أخرج أحمد بإسناد حسن عن سهل ابن أبي الصلت، قال: سمعتُ الحسن يقول: " أنَّ عليّاً بَعَثَ إلى مُحمَّد بن مسلمة فجيء به، فقال: ما خَلَّفَك عن هذا الأمر، قال: دفع إليَّ ابن عمِّك يَعْني النَّبيَّ ﷺ سَيْفاً، فقال: قاتلْ به ما قُوتِلَ العدوُّ، فإذا رأيت النَّاس يَقْتُلُ بعضُهم بعضاً فاعْمَدْ به إلى صخرة فاضْربْهُ بها، ثمَّ الزمْ بيتك حتّى تأتيك منيّةٌ قاضية أو يدٌ خاطئة، قال: خَلُّوا عنه " (٤).
وممّن اعتزل أسامة بن زيد الحِبُّ بن الحبّ، قال ابن حجر: " واعتزل أسامة الفتن
стр. 211
بعد قتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية " (١).
وأخرج البخاري عن حرملة، قال: " أرسلني أسامةُ إلى عليّ، وقال: إنّه سيسْألكَ الآنَ، فيقول: ما خلَّفَ صاحبك؟ فقل له: يقول لك: لو كنْتَ في شِدْق الأسد لأحبْبتُ أن أكون مَعَكَ فيه، ولكن هذا أمرٌ لم أره " (٢) أيْ أنّ عليّاً سيسأله عن سبب تخلّف أسامة بن زيد عن حادثتي الجمل وصفّين، ويطلب منه أن يعتذر له أنّه يحبّ أن يكون معه على السّرّاء والضّراء، لكنّه لا يرى القتال بين المسلمين.
وأسامة بن زيد حبّ رسول الله ﷺ ومن آل البيت، أمّه أمّ أيمن حاضنة النَّبيِّ ﷺ ، كان النَّبيُّ ﷺ يُجلسه على فخذه ويُجلسُ الحسن على فخذه الآخر ويدعو لهما، روى البخاري عن أسامة بن زيد ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ : " أنّه كان يأْخُذُهُ والحسنَ، ويقول: اللهمّ إنّي أحبُّهما فَأحبَّهما " (٣).
ومنهم سعد بن أبي وقّاص ﵁، فقد أخرج أحمد بسند صحيح عن عمر ابن سعْد عن أبيه أنّه قال: " جاءه ابنه عامر، فقال: " أيْ بُنيَّ، أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأساً؟! لا والله حتّى أُعْطَى سيفاً إن ضَرَبْتُ به مُؤمناً نَبَا عنه، وإن ضَرَبْتُ به كافراً قَتَله!! سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ اللهَ يُحبُّ الغَنيَّ الخَفيَّ التَّقيَّ " (٤).
وأخرج الحاكم بإسناد صحيح عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين، قال: " قيل لسعد ابن أبي وقاص: ألا تقاتل؟ فإنّك من أهل الشّورى، وأنت أحقّ بهذا الأمر من غيرك، قال: لا أقاتل حتّى تأتوني بسيف له عينان، ولسان وشفتان، يعرف الكافر من المؤمن، قد جاهدتُ وأنا أعرفُ الجهادَ، ولا أبخع بنفسي إن كانَ رجلاً خير منّي " (٥).
стр. 212
وروى مسلم عن عامر بن سعد، قال: " كان سعد بن أبي وقّاص في إبله، فجاءه ابنه عُمَرُ فلمَّا رآه سَعْدٌ، قال: أعوذ بالله من شرّ هذا الرّاكب، فنزل، فقال له: أنَزَلْتَ في إبلك وغنمك وتركتَ النّاس يتنازعون الملك بينهم، فضرب سَعْدٌ في صَدْره، فقال: اسْكتْ سمعْتُ رسول الله يقول: " إنَّ الله يُحبُّ العبْدَ التَّقيَّ الغنيَّ الخَفيَّ " (١).
ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد أخرج أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: " إنّ أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : أطع أباك ما دام حيّاً ولا تَعْصِه، فأنا معكم ولست أقاتل " (٢).
وممّن اعتزل عبد الله بن عمر ﵄، أخرج البخاري عن سعيد بن جُبَيْر، قال: " خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يُحَدِّثنا حديثاً حسناً، قال: فبادَرَنَا إليه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الرّحمن، حدِّثْنا عن القتال في الفتنة، والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... (٣٩)﴾ [الأنفال] فقال: هلْ تدْري ما الفتنةُ ـ ثَكلتْكَ أمُّكَ ـ إنّما كان محمّد يُقاتلُ المشركين وكان الدُّخول في دينهم فتنة وليس كقتالكم على الملك " (٣).
ولرُبَّ محتجّ يحتجُّ علينا يقول: ها هي الأحاديث صريحة في أنّهم كانوا يُقاتلون على الملك؟!
قلنا: هذا الحديث لا يراد به القتال الّذي وقع في الجمل وصفّين، فابن عمر لا يعني
стр. 213
عليّاً ولا معاوية ولا حتّى يزيد، وإنّما المراد فتنة ابن الزّبير عام نزول الحجّاج به في أواخر سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وصفّين حدثت في السّابع والثّلاثين من الهجرة، وابن عمر خطابه مُوجَّهٌ لِغَير الصَّحابة.
ومن تتبّع طرائق الحديث عرف مناسبته ومعناه والمراد منه، فقد أخرج البخاري عن نافع، عن ابن عمر ﵄: " أتاه رجلان في فتنة ابن الزُّبير، فقالا: إنَّ النَّاس صنعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النَّبيِّ ﷺ ، فما يمنعُكَ أن تخْرُجَ؟ فقال: يمْنَعُني أنَّ الله حرَّم دمَ أخي، فقالا: ألم يَقُل اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... (٣٩)﴾ [الأنفال] فقال: قاتلنا حتّى لم تكن فتنة وكان الدّين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتّى تكون فتنة ويكون الدّين لغير الله " (١).
ومنهم أبو هريرة ﵁، فهو أحد رواة أحاديث القعود في الفتن كما تقدّم. وممّن روى أحاديث القعود في الفتن واعتزل أبو موسى الأشعري، فقد أخرج أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى عن النَّبيِّ ﷺ قال: " كسِّروا قِسِيَّكم، وقطّعوا أوتاركم ـ يعني في الفتنة ـ، والزموا أجوافَ البيوت، وكونوا فيها كالخيِّر من ابني آدم " (٢).
وممّن اعتزل أبو مسعود، وهو عقبة بن عمرو الأنصاريّ، فقد روى البخاري عن عمرو أنّه سمع أبا وائل يقول: " دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمّار حيث بعثه عليّ إلى أهل الكوفة يستنفرهم، فقالا: ما رأيناك أتيتَ أمراً أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أَسْلَمتَ، فقال عمّار: ما رأيتُ منكما منذ أسلمتما أمراً أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر، وكساهما حلّة حلّة ثمّ راحوا إلى المسجد " (٣).
стр. 214
وانظر كيف جعل كلّ منهما الإبطاء والإسراع عيباً لما يعتقد من أنّ الحقّ معه، فأبو موسى الأشعري، وأبو مسعود الأنصاريّ ﵄ اعتزلا تمسكاً بالأحاديث الواردة في القعود في الفتن، وما فيها من وعيد لمن حمل السّلاح على المسلم، أمّا عمّار ﵁ فكان يرى في الإبطاء مخالفة للخليفة عليّ ﵁ في قتال النّاكثين والباغين على عثمان ﵁ وترك امتثال قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... (٩)﴾ [الحجرات] فكلا الفريقين مُتأوِّلٌ مجتهد مأجور، ولم يخرجهم ذلك عن العدالة.
فالانتباهَ الانتباهَ من الوقوع في الفتن وملابستها، واللهَ اللهَ في الدّماء؛ فما أعظم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله!
سبب ملابسة الفتنة واعتزالها
وقد يقول قائل: ألا يترتّب على اعتزال الصّحابة للفتنة خذلان أهل الحقّ؟!
والجواب أنّ الصّحابة ﵃ تنازعوا هذه المسألة، فقد كانت الأمور مشتبهة اشتباهاً شديداً، فاختلف اجتهادهم، ولم تختلف قلوبهم ولم تتباغض، فمن تبيّن له الحقّ باجتهاده مع طائفة كان معها ينصرها، لثبوت أمر الله تعالى بقتال الطّائفة الباغية، فالله تعالى يقول: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... (٩)﴾ [الحجرات] ومَنْ لم يتبيّن له الحقّ وغُمَّ عليه وتحيّر ولم يظهر له ترجيح إحدى الطّائفتين اعتزلهما، عملاً بالآيات والأحاديث الّتي تنهى عن الوقوع في الفتن وتحذّر منها، وكلّ واحد يعتقد أنّه المحقّ. والحقّ الصِرفُ حَمْلُ اجتهاد كلّ واحد من الصّحابة على الصَّواب، سواء من لابس الفتن أو اعتزل؛ لأنّهم مجتهدون متأوّلون.
ومن الأحاديث الّتي كانت سبباً في اعتزال غير صحابيّ ما أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من السّاعي، منْ تَشَرَّف لها تسْتَشْرِفْهُ
стр. 215
فَمَنْ وَجَدَ فيها ملجأ أو معاذاً فليَعُذ به " (١).
وما أخرجه أحمد بإسناد صحيح عن خرشة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ستكونُ من بعدي فتنةٌ النّائمُ فيها خيرٌ من اليقظان، والقاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من السّاعي، فمن أَتَتْ عليه فليمشِ بسيفه إلى صفاةٍ فليضْرِبْه بها حتّى ينكسر، ثمّ ليَضْجَع حتّى تنجلي عمّا انجلتْ " (٢).
وما أخرجه أحمد بإسناد حسن عن زياد بن مُسْلِم، عن أبي الأشعث الصّنعاني قال: بعثنا يزيد بن معاوية إلى ابن الزُّبير فلمَّا قَدمتُ المدينة دخَلْتُ على فُلان سمّى زياد اسمه، فقال: " إنَّ النّاس قد صنعوا ما صنعوا فما ترى؟ فقال: أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ إن أدركتَ شيئاً من هذه الفتن فاعْمَدْ إلى أُحُدٍ فاكسر به حدَّ سَيْفكَ، ثمَّ اقْعُدْ في بيتك، قال: فإنْ دخَلَ عليكَ أحَدٌ إلى البيت فقم إلى المَخْدع، فإن دخل عليك المخدع فاجْثُ على ركبتيك، وقل: بُؤْ بإثمي وإثمِكَ فتكونَ من أصحاب النَّار، وذلك جزاء الظّالمين، فقد كسرتُ سيفي وقعدتُ في بيتي " (٣).
أحاديث الوعيد على من حمل السّلاح على أخيه المسلم
وأهل السّنّة مجمعون على تحريم الطّعن على أحد من أصحاب النَّبيِّ ﷺ بسبب ما جرى بينهم، حتّى لو عُرِف المحقّ منهم؛ لأنّهم لم يقاتلوا على الدّنيا، ولا قاتلوا عن جهل، أو اتّباع هوى، وإنّما هم مُتَأوّلون مجتهدون فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد وهو أجر الاجتهاد؛ ذلك أنّ المجتهد المتأوّل من آحاد النّاس له أجر وإن أخطأ، فما ظنّك بالصّحابة الّذين هم أكمل اجتهاداً وأحسن تأويلاً! ولذلك فإنّ مخطئهم كمصيبهم في أصل الأجر والثّواب وتحرّي الحقّ والصّواب.