← История

История · id 534

وأد الفتنة دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفين على منهج المحدثين

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (305 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بعد قتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية " (١). وأخرج البخاري عن حرملة، قال: " أرسلني أسامةُ إلى عليّ، وقال: إنّه سيسْألكَ الآنَ، فيقول: ما خلَّفَ صاحبك؟ فقل له: يقول لك: لو كنْتَ في شِدْق الأسد لأحبْبتُ أن أكون مَعَكَ فيه، ولكن هذا أمرٌ لم أره " (٢) أيْ أنّ عليّاً سيسأله عن سبب تخلّف أسامة بن زيد عن حادثتي الجمل وصفّين، ويطلب منه أن يعتذر له أنّه يحبّ أن يكون معه على السّرّاء والضّراء، لكنّه لا يرى القتال بين المسلمين. وأسامة بن زيد حبّ رسول الله ﷺ ومن آل البيت، أمّه أمّ أيمن حاضنة النَّبيِّ ﷺ ، كان النَّبيُّ ﷺ يُجلسه على فخذه ويُجلسُ الحسن على فخذه الآخر ويدعو لهما، روى البخاري عن أسامة بن زيد ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ : " أنّه كان يأْخُذُهُ والحسنَ، ويقول: اللهمّ إنّي أحبُّهما فَأحبَّهما " (٣). ومنهم سعد بن أبي وقّاص ﵁، فقد أخرج أحمد بسند صحيح عن عمر ابن سعْد عن أبيه أنّه قال: " جاءه ابنه عامر، فقال: " أيْ بُنيَّ، أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأساً؟! لا والله حتّى أُعْطَى سيفاً إن ضَرَبْتُ به مُؤمناً نَبَا عنه، وإن ضَرَبْتُ به كافراً قَتَله!! سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ اللهَ يُحبُّ الغَنيَّ الخَفيَّ التَّقيَّ " (٤). وأخرج الحاكم بإسناد صحيح عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين، قال: " قيل لسعد ابن أبي وقاص: ألا تقاتل؟ فإنّك من أهل الشّورى، وأنت أحقّ بهذا الأمر من غيرك، قال: لا أقاتل حتّى تأتوني بسيف له عينان، ولسان وشفتان، يعرف الكافر من المؤمن، قد جاهدتُ وأنا أعرفُ الجهادَ، ولا أبخع بنفسي إن كانَ رجلاً خير منّي " (٥).

стр. 212

وروى مسلم عن عامر بن سعد، قال: " كان سعد بن أبي وقّاص في إبله، فجاءه ابنه عُمَرُ فلمَّا رآه سَعْدٌ، قال: أعوذ بالله من شرّ هذا الرّاكب، فنزل، فقال له: أنَزَلْتَ في إبلك وغنمك وتركتَ النّاس يتنازعون الملك بينهم، فضرب سَعْدٌ في صَدْره، فقال: اسْكتْ سمعْتُ رسول الله يقول: " إنَّ الله يُحبُّ العبْدَ التَّقيَّ الغنيَّ الخَفيَّ " (١). ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد أخرج أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: " إنّ أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : أطع أباك ما دام حيّاً ولا تَعْصِه، فأنا معكم ولست أقاتل " (٢). وممّن اعتزل عبد الله بن عمر ﵄، أخرج البخاري عن سعيد بن جُبَيْر، قال: " خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يُحَدِّثنا حديثاً حسناً، قال: فبادَرَنَا إليه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الرّحمن، حدِّثْنا عن القتال في الفتنة، والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... (٣٩)﴾ [الأنفال] فقال: هلْ تدْري ما الفتنةُ ـ ثَكلتْكَ أمُّكَ ـ إنّما كان محمّد يُقاتلُ المشركين وكان الدُّخول في دينهم فتنة وليس كقتالكم على الملك " (٣). ولرُبَّ محتجّ يحتجُّ علينا يقول: ها هي الأحاديث صريحة في أنّهم كانوا يُقاتلون على الملك؟! قلنا: هذا الحديث لا يراد به القتال الّذي وقع في الجمل وصفّين، فابن عمر لا يعني

стр. 213

عليّاً ولا معاوية ولا حتّى يزيد، وإنّما المراد فتنة ابن الزّبير عام نزول الحجّاج به في أواخر سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وصفّين حدثت في السّابع والثّلاثين من الهجرة، وابن عمر خطابه مُوجَّهٌ لِغَير الصَّحابة. ومن تتبّع طرائق الحديث عرف مناسبته ومعناه والمراد منه، فقد أخرج البخاري عن نافع، عن ابن عمر ﵄: " أتاه رجلان في فتنة ابن الزُّبير، فقالا: إنَّ النَّاس صنعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النَّبيِّ ﷺ ، فما يمنعُكَ أن تخْرُجَ؟ فقال: يمْنَعُني أنَّ الله حرَّم دمَ أخي، فقالا: ألم يَقُل اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... (٣٩)﴾ [الأنفال] فقال: قاتلنا حتّى لم تكن فتنة وكان الدّين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتّى تكون فتنة ويكون الدّين لغير الله " (١). ومنهم أبو هريرة ﵁، فهو أحد رواة أحاديث القعود في الفتن كما تقدّم. وممّن روى أحاديث القعود في الفتن واعتزل أبو موسى الأشعري، فقد أخرج أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى عن النَّبيِّ ﷺ قال: " كسِّروا قِسِيَّكم، وقطّعوا أوتاركم ـ يعني في الفتنة ـ، والزموا أجوافَ البيوت، وكونوا فيها كالخيِّر من ابني آدم " (٢). وممّن اعتزل أبو مسعود، وهو عقبة بن عمرو الأنصاريّ، فقد روى البخاري عن عمرو أنّه سمع أبا وائل يقول: " دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمّار حيث بعثه عليّ إلى أهل الكوفة يستنفرهم، فقالا: ما رأيناك أتيتَ أمراً أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أَسْلَمتَ، فقال عمّار: ما رأيتُ منكما منذ أسلمتما أمراً أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر، وكساهما حلّة حلّة ثمّ راحوا إلى المسجد " (٣).

стр. 214

وانظر كيف جعل كلّ منهما الإبطاء والإسراع عيباً لما يعتقد من أنّ الحقّ معه، فأبو موسى الأشعري، وأبو مسعود الأنصاريّ ﵄ اعتزلا تمسكاً بالأحاديث الواردة في القعود في الفتن، وما فيها من وعيد لمن حمل السّلاح على المسلم، أمّا عمّار ﵁ فكان يرى في الإبطاء مخالفة للخليفة عليّ ﵁ في قتال النّاكثين والباغين على عثمان ﵁ وترك امتثال قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... (٩)﴾ [الحجرات] فكلا الفريقين مُتأوِّلٌ مجتهد مأجور، ولم يخرجهم ذلك عن العدالة. فالانتباهَ الانتباهَ من الوقوع في الفتن وملابستها، واللهَ اللهَ في الدّماء؛ فما أعظم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله! سبب ملابسة الفتنة واعتزالها وقد يقول قائل: ألا يترتّب على اعتزال الصّحابة للفتنة خذلان أهل الحقّ؟! والجواب أنّ الصّحابة ﵃ تنازعوا هذه المسألة، فقد كانت الأمور مشتبهة اشتباهاً شديداً، فاختلف اجتهادهم، ولم تختلف قلوبهم ولم تتباغض، فمن تبيّن له الحقّ باجتهاده مع طائفة كان معها ينصرها، لثبوت أمر الله تعالى بقتال الطّائفة الباغية، فالله تعالى يقول: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... (٩)﴾ [الحجرات] ومَنْ لم يتبيّن له الحقّ وغُمَّ عليه وتحيّر ولم يظهر له ترجيح إحدى الطّائفتين اعتزلهما، عملاً بالآيات والأحاديث الّتي تنهى عن الوقوع في الفتن وتحذّر منها، وكلّ واحد يعتقد أنّه المحقّ. والحقّ الصِرفُ حَمْلُ اجتهاد كلّ واحد من الصّحابة على الصَّواب، سواء من لابس الفتن أو اعتزل؛ لأنّهم مجتهدون متأوّلون. ومن الأحاديث الّتي كانت سبباً في اعتزال غير صحابيّ ما أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من السّاعي، منْ تَشَرَّف لها تسْتَشْرِفْهُ

стр. 215

فَمَنْ وَجَدَ فيها ملجأ أو معاذاً فليَعُذ به " (١). وما أخرجه أحمد بإسناد صحيح عن خرشة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ستكونُ من بعدي فتنةٌ النّائمُ فيها خيرٌ من اليقظان، والقاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من السّاعي، فمن أَتَتْ عليه فليمشِ بسيفه إلى صفاةٍ فليضْرِبْه بها حتّى ينكسر، ثمّ ليَضْجَع حتّى تنجلي عمّا انجلتْ " (٢). وما أخرجه أحمد بإسناد حسن عن زياد بن مُسْلِم، عن أبي الأشعث الصّنعاني قال: بعثنا يزيد بن معاوية إلى ابن الزُّبير فلمَّا قَدمتُ المدينة دخَلْتُ على فُلان سمّى زياد اسمه، فقال: " إنَّ النّاس قد صنعوا ما صنعوا فما ترى؟ فقال: أوصاني خليلي أبو القاسم ﷺ إن أدركتَ شيئاً من هذه الفتن فاعْمَدْ إلى أُحُدٍ فاكسر به حدَّ سَيْفكَ، ثمَّ اقْعُدْ في بيتك، قال: فإنْ دخَلَ عليكَ أحَدٌ إلى البيت فقم إلى المَخْدع، فإن دخل عليك المخدع فاجْثُ على ركبتيك، وقل: بُؤْ بإثمي وإثمِكَ فتكونَ من أصحاب النَّار، وذلك جزاء الظّالمين، فقد كسرتُ سيفي وقعدتُ في بيتي " (٣). أحاديث الوعيد على من حمل السّلاح على أخيه المسلم وأهل السّنّة مجمعون على تحريم الطّعن على أحد من أصحاب النَّبيِّ ﷺ بسبب ما جرى بينهم، حتّى لو عُرِف المحقّ منهم؛ لأنّهم لم يقاتلوا على الدّنيا، ولا قاتلوا عن جهل، أو اتّباع هوى، وإنّما هم مُتَأوّلون مجتهدون فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد وهو أجر الاجتهاد؛ ذلك أنّ المجتهد المتأوّل من آحاد النّاس له أجر وإن أخطأ، فما ظنّك بالصّحابة الّذين هم أكمل اجتهاداً وأحسن تأويلاً! ولذلك فإنّ مخطئهم كمصيبهم في أصل الأجر والثّواب وتحرّي الحقّ والصّواب.

стр. 216

أمّا مَنْ يردُّ هذا الكلام بما أخرجه الشّيخان عن الأحنف بن قيس، قال: " ذهبْتُ لأنصُرَ هذا الرّجل (يعني عليّاً)، فلقيني أبو بَكْرة، فقال: أينَ تُريدُ؟ قلتُ: أنْصُرُ هذا الرّجلَ، قال: ارجعْ فإنّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتلُ والمَقْتُولُ في النّار، قُلْتُ: يا رسولَ الله، هذا القاتلُ فما بالُ المقتولِ؟ قال: إنّه كان حريصاً على قَتْلِ صاحبه " (١). فإنّ الردّ على هذا الّذي أخلد إلى الأرض أنّ هذا الحديث الشّريف الّذي فيه أنّ القاتل والمقتول في النّار محمول على من قاتل بغير تأويل سائغ، ويكون قتالهما عن جهل، أو هوى، أو على دنيا، أو مُلْكٍ، أو نحو ذلك. ولعلّ ما يؤيّد ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " والّذي نفسي بيده، لا تذهَبُ الدّنيا حتّى يأتي على النّاس يومٌ لا يدري القاتلُ ولا المقتول فيمَ قُتِلَ! فقيل: كيف يكون ذلك؟! قال: الهَرْجُ، القاتلُ والمقتولُ في النّار " (٢) فبيّن هذا الحديث علّة ذلك الحديث، وهو إذا كان القتال عن جهل وعصبيّة فهو المراد بقوله: "فالقاتلُ والمَقْتُولُ في النّار ". فإن احتجّوا عليهم لما جرى بينهم بقول النَّبيِّ ﷺ : " لا ترجعوا بعدي كُفَّاراً يضربُ بعضُكُم رقاب بعض " (٣). فإنّنا نقول لهم: هل وصلكم هذا الحديث الشّريف، ولم يصل إليهم؟! أم أنتم أعلم بالحديث الشّريف من عائشة وعلي ومعاوية وسائر الصّحابة ﵃ الّذين رووا الحديث عن رسول الله ﷺ ونقلوه إلينا؟! ثمّ كيف تحتجّون عليهم بأحاديث بلغتهم قبل أن

стр. 217

تبلغكم، ولا تعظّمون حرمتهم، ولا تعرفون سابقتهم، وتستطيلون عليهم وأنتم دونهم؟! وهذا الحديث لا ينطبق على الصّحابة. وكلّ الأحاديث الّتي بهذا المعنى لها تأويل مبسوط في كتب شروح الحديث، ومنها، قول النَّبيِّ ﷺ : " سِبَابُ المُسْلم فسوقٌ وقتالهُ كُفْرٌ " (١). والمراد بالكفر كُفْرُ الإحسان وأخوّة الإسلام، لا كفْر الجحود والنكران المُخْرج من الملَّةِ بالتَّمام، فكفرٌ دون كفر، وفسوق دون فسوق، ويكفي لتأكيد ذلك أن تتدبّر قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ... (١٩٧)﴾ [البقرة] فإنّ هذا النّوع من الفسوق يختلف عن الفسوق في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة] فالفسوق درجات كما الكفر درجات. وفي تأويل هذا الحديث أقوال أُخَر، منها: أنّه في المستحلّ، ومنها أنّه على سبيل التّشبيه لأنّ هذا الفعل يشبه فعل الكفّار، وقيل: إنّ أحاديث النّهي مخصوصة بآخر الزّمان، حيث تتحقق المقاتلة في طلب الملك، فقد وقع في حديث أبي موسى الأشعري أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: " إنّ بين يدي السّاعة أيّاماً يُرفَعُ فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج، والهرجُ القتل " (٢). وهناك أقوال أُخَر يضيق المقام عن ذكرها، ولعلّ أقوى هذه الأقوال أنّ إطلاق الكفرعلى قتال المؤمن للمبالغة في تّحذير السّامع؛ لينزجر ويرتدع عن الإقدام على القتال، ولذلك فقد توقَّفَ غير عالم عن تأويل أحاديث الوعيد لتكون أكثرَ زجراً، وأشدَّ ردعاً. والحقّ الّذي عليه السّلف والخلف أنّنا يجب أن نمسك عمّا جرى بينهم، ولا نذكرهم إلاّ بما ذكرهم الله في كتابه، والنَّبيُّ ﷺ في سنّته.

стр. 218

اجتماع الحكمين ما حقيقة ما جرى في التّحكيم؟ وما الأمر الّذي اجتمع لأجله الحكمان؟ وعلام اتّفقا؟ وما نتائج التّحكيم؟ تَقَدَّمَ أنّ حاصل الخلاف بين عليّ ومعاوية أنّ معاوية كان يعتقد بوجود قتلة عثمان ﵁ في الجانب العراقي، فاعتلّ بأنّ عثمان قُتِلَ مظلوماً، وهو وليّ دمه، وتجب المبادرة إلى الأخذ على يد قَتلتِه، وأنّ له شوكة على ذلك، فالتمس من عليّ ﵁ أن يأخذ له حقّه في حينه وفي وقته، أو يسلّمه إيّاهم ويمكّنه منهم؛ ليأخذهم بعثمان ﵁ ثمّ يسلّم له، أمّا عليّ ﵁ فكان يرى تأخير ذلك حتّى يتوطَّدَ الأمرُ له ويُخْضِعَ البلاد، وأنّه هو الخليفة الواجب طاعته، وليس على معاوية إلاّ السّمع والطّاعة، وأنّ الله تعالى أَذِنَ بقتال الفئة الباغية حتّى ترجع إلى الحقّ. ولذلك فإنّ اجتماع الحكمين كان للنظر في قضية مقتل عثمان ﵁، والنّظر في الخلاف الّذي نشأ عن ذلك بين معاوية وعليّ ﵄: معاوية الّذي يرى أنّ له الحقّ في الطلب بدم عثمان ﵁ ومحاسبة قتلته، وعليّ ﵁ الّذي يرى الاجتماع على الطّاعة ووحدة الجماعة، ليقوى على وضع الحقّ مواضعه، ثمّ يطلب منه أولياء الدّم بعد ذلك القصاص ممّن يثبت عليه قتل عثمان أو الممالأة على دمه. فاجتمَعَ الحكمان للنظر في رأي من يستحقّ أن يُقَدّم على الآخر، وكيف السّبيل إلى الخروج من هذه الشّدّة، ولم يجتمعا للنّظر في عزلِ أحدٍ، وما كان لأبي موسى وعمرو بن العاص ﵄ أن يخلعا خليفة انعقدت له البيعة من أهل الحلّ والعقد! وليس في كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ما يُوجِبُ خلعَ عليّ ﵁ فلم يظهر منه ما يوجب خلعه. قال محمّد بن حبّان: " فلما دخلت السنة الثامنة والثلاثون اجتمعوا لميعادهم مع الحكمين ولم يخرج عليّ بنفسه ووافى معاوية في أهل الشام وكان بينه وبين أبي موسى الأشعري

стр. 219

ما كان وافترق النّاس ورجعوا إلى أوطانهم " (١). وأَصَحُّ ما روي في هذا الشّأن ما ذكره ابن عساكر عن حضين بن المنذر، وهو أحد قادة جيش عليّ، ومن كبار التّابعين الثّقات، فقد أرسل إليه يومها معاوية، وكان قد بلغه ما يكره من أمر الحكمين، وهذا يدلّك على أنّ تلفيق الأخبار وإثارة الشّائعات حول حقيقة قرار الحكمين قد بدأ مبكّراً وأنّه دُبِّر بليل. قال معاوية: " إنَّه بلغني عن عمرو بعض ما أكره، فَائْتِه فاسأله عن الأمر الّذي اجتمع هو وأبو موسى فيه، كيف صنعا؟ قال: فأتيته، فقلت: أخبرني عن الأمر الّذي اجتمعتما فيه أنتَ وأبو موسى كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال النّاس، والله ما كان ما قالوا، ولكن لمّا اجتمعْتُ أنا وأبو موسى قلتُ له: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنّه في النَّفر الّذي توفِّيَ رسولُ الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، قال: فقلتُ: أين تجعلني من هذا الأمر أنا ومعاوية؟ وقال: إنْ يُسْتعن بكما ففيكما معونة، وإن يُسْتَغْنى عنكما فطالما استغنى أمرُ الله عنكما " (٢). هذا هو قرار الحكمين: رَدُّ الخلاف الّذي بين عليّ ومعاوية إلى أهل الشّورى الّذين توفِّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فهم أجدر ببحثه، ورأيهم أدعى للقبول. وأهل الشّورى الّذين نَصَّ عليهم عمر لمّا حضرته الوفاة ستة نفر، قال عمر ﵁: " ما أجد أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النّفر أو الرّهط الّذين توفِّيَ رسول الله وهو عنهم راض، فسمّى: عليّا، وعثمان، والزّبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرّحمن، وقال: يشهدُكم عبد الله بن عمر (٣)، وليس له من الأمر شيء " (٤).

стр. 220

ولم يكن يوم التّحكيم من هؤلاء غير عليّ، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، فأمّا عبد الرّحمن بن عوف فمات في خلافة عثمان، وأمّا عثمان وطلحة والزّبير فقُتِلوا ظلماً وعدواناً. ويظهر أنّ الحكمين قد اجتهدا في الأمر وأدركا بثاقب فكرهما، وصائب رأيهما ألَّا يعجلا في الأمر، وأن يشاركهما الرّأي كِبَارُ الصّحابة وأعيانهم من أمثال سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر شقيق حفصة أمّ المؤمنين، وهما عظيما القدر؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ... (٣٨)﴾ [الشّورى] فضلاً عن خشية الحكمين أن يستغلّ مرضى القلوب قرار التّحكيم إن لم يكن مرضياً لأحد الفريقين في تجديد الخلاف وإيقاع الفتنة، خاصة وأنّ كلا الفريقين ظل يظنّ أنّه على الحقّ وأنّ الحقّ معه. فهذا معاوية ﵁ ظلّ معتقداً أنّه على الحقّ حتى بعد التحكيم، ويعذر بهذا؛ لأنّه لو كان يرى أنَّ الحقَّ مع عليٍّ فلا معنى لمخالفته له، أخرج البخاري عن ابن عمر، قال: " دخَلتُ على حفصة، ونوساتُها تنْطفُ (١)، قلتُ: قد كان من أمر النّاس ما ترين، فَلم يُجْعَلْ لي من الأمر شيءٌ، فقالتْ: الحَقْ، فَإنّهم ينتظرونكَ وأخشى أنْ يكون في احتباسك عنهم فُرْقَة، فلم تَدَعْه حتّى ذهب، فلمّا تفرّق النّاسُ خطب مُعاوية، قال: مَنْ كان يُريدُ أن يَتَكلّمَ في هذا الأمر فَلْيُطلعْ لنا قَرْنَه، فلنَحْنُ أحقُّ به منه ومن أبيه، قال حبيب بن مَسْلمة: فَهَلاّ أجبْتَهُ، قال: عبد الله: فَحَللتُ حُبْوتي وهممتُ أن أقول: أحقُّ بهذا الأمر منك مَنْ قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيتُ أن أقول كلمةً تُفَرّقُ بين الجمع وتسفكُ الدّمَ ويُحْملُ عنّي غيرُ ذلك، فذكرتُ ما أعدَّ اللهُ في الجِنان، قال حبيبٌ: حُفِظتَ وَعُصِمتَ " (٢). وتقدير الكلام أنّ عبد الله بن عمر دخل على أخته حفصه (أمّ المؤمنين) وكانت

стр. 221

نوساتها تقطر بللاً ـ كأنّها كانت اغتسلت ـ فشاورها فيما كان بين معاوية وعليّ واجتماع النّاس على التّحكيم للنظر فيما اختلفا فيه، وكانوا قد تواعدوا على الاجتماع في دومة الجندل، وسألها إن كان الخير في أن يقعد أو يلحق بهم، فأشارت عليه أنّه لا يَجملُ به أن يتخلَّف عن صلح بين أُمَّة محمّد ﷺ ، وهو صهر رسول الله ﷺ وابن عمر بن الخطّاب، وألحَّت عليه حتّى ذهب ووافاهم هناك. فلمّا تفرّق النّاس، قال معاوية ﵁ كلمةً تُعبّر عن قناعته أنّه على الحقّ، قال: " من كان يُريدُ أن يَتَكلّمَ في هذا الأمر فَلْيُطلعْ لنا قَرْنَه، فلنَحْنُ أحقُّ به منه ومن أبيه " وقد فسّر الحافظ في الفتح قوله " هذا الأمر " وقال: " أي بالخلافة " (١). قلتُ: وفيه بُعْدٌ؛ لأنّ الخلاف بينهما لم يكن على الخلافة كما تقدّم، والمراد من الأمر الطّلب بدم عثمان ﵁ والله أعلم. وهناك من حَمَلَ هذا الحديث على أنّه كان في زمن معاوية لمّا أراد أن يَعْهَدَ ليزيد، وأنّ ابن عمر كان يرى أنّه أحقُّ بالخلافة ويطمع فيها، وأنّ معاوية كان لا يرى أحداً أحقّ بالخلافة من يزيد، وهذا لا يصحّ، وقد وجّه ابن حجر هذا الحديث بما يفيد أن هذه القصّة كانت في التَّحكيم بعد صفِّين، فقد ذكر طريقاً آخر للحديث من رواية عبد الرّزاق عن معمر، قال: "فلم تدعه حتّى يذهب، فلمّا تفرّق الحكمان، خطب معاوية ... " (٢) وقال ابن حجر: وهو يفسّر المراد ويعيّن أنّ القصّة كانت بصفّين " (٣) وقيل غير ما تقدّم، وأيّاً كان سبب ومناسبة هذا الحديث فالظّن بمعاوية لا يكونُ إلَّا خيراً. فإن قال قائل: فقد شهد التّحكيم من شهد من كِبَار الصَّحابة من أمثال عبد الله بن عمر، وعبد الرّحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزّبير، والمغيرة بن شعبة، وسعد بن أبي وقّاص على خلافٍ فيه، فأيّ فائدة من هذا القرار الّذي خرجا به؟!

стр. 222

فالجواب أنّ من شهد لم يكن له من الأمر شيء، وإنّما الأمرُ أمرُ الحكَمين، وأي قرار عنهما يتحمّلان تبعته وحدهما، وقرار خلع عليّ وإثبات معاوية يستحيل أن يصدر عنهما، وهما أتقى لله من أن يفعلا ذلك؛ لما في ذلك من مخالفة للكتاب والسُّنَّة، ولما ينشأ عن هذا القرار من فساد وفرقة، وهذا خلاف الّذي اجتمعا لأجله، ثمّ إنّ سعد بن أبي وقّاص هناك خلاف على حضوره. وتأجيل الحكومة من قبل الحكمين لم يخرج عمّا جاء في كتاب الصُّلح، فلهما أنْ يؤجّلا الأمر إذا اقتضت المصلحة ذلك كما يفهم من كتاب الصُّلح. وأيًّا كان الأمر فلا بدَّ أنّ للصحابة ﵃ فيما شَجَرَ بينهم أعذاراً تخفى علينا. وهذا التّحكيم كان من نتائجه ظهور المحقّ من المبطل، فقد ظهر أنّ عليّاً ومعاوية كانا مُحِقَّين في غايتهما لكنّ عليّاً كان الأدنى إلى الحقّ، وظهر أنّ المبطل هم الخوارج الّذين خرجوا على عليّ ﵁ يوم علموا أنّ الحرب الّتي أشعلوها قد وضعت أوزارها، فلم يَرْضَ هؤلاء بالاحتكام إلى كتاب الله لحقن دماء المسلمين، ولا رضوا بقرار التّحكيم، فقاتلهم عليّ بعد ذلك لما ظهر منهم، وكان له أجرٌ على قتاله لهم، ويشهد لذلك ما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " تكون في أمّتي فرقتان، فتخرجُ من بينهما مارقة يلي قَتْلهم أولاهُم بالحقّ " (١). ذِكْرُنا لما شَجَر بين الصّحابة لا ينافي أمر النَّبيِّ ﷺ بالإمساك عن ذكرهم هذا مجمل تلك الأحداث ولها بسط في كتب التّاريخ لا يسرُّ النّاظرين، على أن الإيجاز في هذا المقام هو الأولى واللائق، والاقتصار على الصّحيح هو الحقّ والواجب، فقد قال ﷺ : " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا " (٢) فكثرة المقالة في هذا الموضوع قد تكون عثرة غير مُقالة، كما

стр. 223

أنّ الواجب إذا صحّ شيء عن الصّحابة ﵃ أن نحمله على أحسن تأويل إذ هم أهل لذلك بصريح القرآن والسُّنَّة. وَذِكْرُنا لما جرى بين أصحاب النَّبيِّ ﷺ لا ينافي أمر النَّبيِّ ﷺ بالإمساك عن الحديث عن أصحابه؛ لأنّ ما ذكرناه هو الحقّ الّذي لا بدّ من بيانه من عدالة الصّحابة خلافاً لما يذكره المبطلون من أخبار كاذبة يتّخذونها مدخلاً للطّعن على أصحاب النَّبيِّ ﷺ ليوقعوا العامّة في بُغْضِهم. فالإمساك الّذي أمر ﷺ به هو الإمساك عن الكلام عنهم إذا كان فيه تنقيص لهم، أو وضع منهم، أو إزراء بهم، أمّا ذكرهم للذّبِّ عنهم وبيان فضائلهم والاقتداء بهم فلا يُفهم ذلك من الحديث، فلو أمسكنا عن الحديث كيف سيفهم الجاهل الحقَّ من الباطل، ومتى سيعرف المؤمنُ الصّحيحَ من السَّقيم؟! ومن الأقوال السّائرة عند العرب: " اعْقِل لسانَك إلاّ في أربعة: حقٍّ توضِّحه، وباطلٍ تدحضه، ونعمةٍ تشكرها، وحكمة تظهرها " (١). وقد بلغ من جهل الجهلاء أن وصفوا من يُحِقِّق فيما جرى بين أصحاب النَّبيِّ ﷺ بمن يعبث بأكفان الموتى، أو بمن شَغَلَ نفسه بنبش قبور الموتى، وهذا أعجب ما سمعت؛ إذ أباحوا لأنفسهم كتابة الأباطيل، وعابوا على غيرهم بيان زيفها! فهم لا يريدون أن نعرف من تاريخنا الإسلامي إلاّ ما أرادوه لنا! ولا عجب أن يسخر أقوام ممّن غايته بيان عُذْر أصحاب رسول الله ﷺ وتنزيه الصّحابة وإظهار قدرهم؛ فأعجب من ذلك أنّهم ما قدروا الصّحابة أنفسهم، وهذا يذكّر بقول الله تعالى خطاباً لنبيّه ﷺ : ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ [الصّافات]. وهذا البلاء ليس باستطاعة معاوية ﵁ دفعه، فالله تعالى إذا أراد شيئاً أصابه، فقد قال له النَّبيُّ ﷺ ذات يوم: " يا معاوية، إن وُلِّيتَ أمراً فاتق الله

стр. 224

واعدِلْ. قال: فما زلتُ أظنّ أنّي مبتلى بعمل لقول النَّبيِّ ﷺ حتّى ابْتُليت" (١). فمن أراد النّجاة فليُعرض عن هواة التّرّهات وعشّاق الجدل الّذين يخاصمون في الصّحابة بالباطل، فقد ذمّ الله تعالى الجدل لغير إحقاقِ حقٍّ وإبطال باطل، فقال: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزّخرف] فأنا أعلم أنّ من النّاس ناساً مهما جئتهم بآية وبيّنة لا يؤمنون بها اقتداء بكفّار قريش الّذين لم تنفع فيهم معجزة ولا آية، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ [الحجر] وفي الحديث الشّريف عن أبي أمامة قال رسول الله ﷺ : " ما ضلّ قومٌ بعد هُدىً كانوا عليه إلاّ أُوتوا الجدل ثمّ تلا هذه الآية ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف] " (٢). مناظرة ابن عبّاس الخوارج فيما نقموه على عليّ من هم القُرّاء؟ ولماذا خرجوا على عليّ؟ ولماذا سمّوا بالحروريّة؟ وماذا قال لهم ابن عبّاس في مناظرته لهم فيما أنكروه على عليّ حتّى يرجع منهم ألفان؟ أمّا مَنْ أنكر على عليّ ﵁ التّحكيم في صفّين، وادَّعى أنّ عليّاً حكّم الرّجال في دين الله تعالى، وذلك حرام بدليل قوله تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ... (٥٧)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ... (١٠)﴾ [الشورى]. فإنّ الّذين أنكروا عليه ذلك هم الخوارج، وكانوا يُسمَّون قبل ذلك بالقُرّاء لكثرة اجتهادهم في تلاوة القرآن الكريم، إلاّ أنّهم كانوا يتأوّلون بعض آياته على غير مراد الله منه ويتَعنَّتون برأيهم. وسُمُّوا بالخوارج بعد حادثة التّحكيم لأنّ طائفة منهم ابتدعت وخرجت

стр. 225

على الدّين وعلى عليّ أمير المؤمنين، وسمّوا بعد ذلك بالحروريّة لأنّهم فارقوا عليّاً واعتزلوه ونزلوا في مكان قرب الكوفة يسمّى حروراء، واتّفقوا هناك على قتال أهل العدل، فأرسل إليهم عليّ ابن عبّاس فناظرهم فحجّهم فرجع منهم ألفان. وما كان عليّ ﵁ ليقاتل هؤلاء إلاّ بعد أن ظهر منهم ما يوجب قتالهم، وما قاتلهم إلاّ بعد أن أقام الحجّة عليهم عملاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ... (١١٥)﴾ [التّوبة]. فقد أرسل لهم عليّ ابن عبّاس وهو حبر هذه الأمّة وترجمان القرآن، فدخل عليهم في دارٍ نصف النّهار، وسألهم عمّا نقموه على عليّ، فذكروا أموراً ثلاثة: إحداهنّ: أنّه حَكَّم الرِّجال في أمر الله، والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ... (٥٧)﴾ [الأنعام] والثّانية: أنّه قاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، والثّالثة: أنّه محا نفسه من أمير المؤمنين. فاشترط عليهم ابن عبّاس أن يرجعوا إذا قرأ عليهم من كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ ما يردّ قولهم، فوافقوا. فقرأ عليهم ردّاً على مطعنهم الأول قول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ... (٩٥)﴾ [المائدة] فقد صيَّر الله حكمه إلى الرّجال في قتل صيد الأرنب ونحوه في حالة الإحرام بحج أو عمرة، ومقتضى كلام ابن عبّاس أنّ الله تعالى لو شاءَ لحَكمَ، ولكن أَجَازَ للرّجال أن تحكم، فكأنّه يقول لهم: فأيّهما أولى وأفضل حكم الرّجال في أرنب أم في إصلاح ذات البين بين معاوية وعليّ وحقن دماء المسلمين بين الطّائفتين المؤمنتين؟ ثمّ قرأ عليهم آية أخرى تجيز حكم الرّجال في إصلاح ذات البين وذلك بين الزَّوجين، وأنّ دَمَ أمّة محمّد ﷺ أعظمُ حرمةً من امرأة ورجل مختلفين، فقرأ عليهم قول الله تعالى في امرأة ورجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ

стр. 226

أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء] فكان جوابه مُسكتاً. هذا ولا يخفى أنّ عليّاً ﵁ ما حكّم الرّجال في دين الله تعالى، وإنما حكّم كلام الله، قال عليّ ﵁: " والله ما حكّمت مخلوقاً، إنّما حكّمتُ القرآن " (١). نعم، حكّم كتاب الله لأنّ الله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ... (٥٩)﴾ [النّساء] فكيف يردُّ عليّ ﵁ هذا النِّزاع بين الطائفتين المؤمنتين إلى الله والرّسول؟ هل يترك الجميع يتكلّم بحجَّته فيكثر اللغط، ويضيع الحقّ؟! أم ينتدبُ رجلين عَدْلين مَرْضِيين من كلا الطائفتين من أهل الرأي والحِجا يحكمان لمن أوجب الله في كتابه الحكم له؟ هذا ما فعله ﵁ لا سيّما وأنّه واثق بأن الحقّ معه! وكيف يمتنع التحكيم، وهو عمل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... (٩)﴾ [الحجرات] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ... (١٠)﴾ [الحجرات] بل اللجوء إلى التّحكيم وقبوله من حسنات علي ومعاوية ﵄. وهو مِصْداق لقوله تعالى في وَصْفِ أصحاب النَّبيِّ ﷺ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... (٢٩)﴾ [الفتح]، وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ... (٥٤)﴾ [المائدة]. أمّا الأمر الثّاني الّذي احتجّوا به، وهو أنّه قاتل في الجمل وصفّين ولم يسب ولم يغنم، فبيّن لهم أنّ ذلك لا يحلّ شرعاً؛ فكيف يَسْبُون أمَّهم عائشة ويستحلّون منها ما يستحلّون من غيرها، إذ السّبايا يجوز الزّواج بهنّ، وعائشة أمّهم، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا

стр. 227

(٥٣)﴾ [الأحزاب] فإن استحلّوا ذلك فقد كفروا، وإن قالوا: ليست بأمّنا فقد كفروا لأنّ الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... (٦)﴾ [الأحزاب] فألجمهم الحجّة. وأمّا الأمر الثّالث: فهو أنّه محا نفسه من أمير المؤمنين، وذلك أنّ عليّاً ﵁ لمّا كتب وثيقة التّحكيم كتب: " هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية " ولم يكتب: هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين عليّ، وظنّوا أنّ مَحْوَهُ لفظَ أمير المؤمنين مَحَاهُ من الخلافة. فبيّن لهم ابن عبّاس أنّ النَّبيَّ ﷺ في صلح الحديبية طلب من عليّ أن يكتب: " هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله ... " ولم يكن مَحْوه نفسه ذلك محاهُ من النُّبوَّة! فلا يعني عدم كتابة عبارة (رسول الله) التّنازل عن النُّبوَّة، وطالما أنّه مسبوق بذلك بمن هو خيرٌ منه فلا معنى لإنكارهم! فرجع منهم ألفان، وقاتل من بقي منهم بعد ذلك المهاجرون والأنصار على ضلالتهم. وهذا نَصُّ المناظرة الّتي جرت بين ابن عبّاس والحروريّة، وفيها من الفوائد الشّيء الكثير لمن تدبّرها: أخرج الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: " لمّا خرجت الحرورية اجتمعوا في دار، وهم ستة آلاف، أتيتُ علياً، فقلت: يا أمير المؤمنين، أَبْرِدْ بالظهر لعلّي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: إني أخاف عليك. قلت: كَلَّا. قال ابن عباس: فخرجتُ إليهم ولبست أحسن ما يكون من حُلَلِ اليمن، قال أبو زميل: كان ابن عباس جميلاً جهيراً. قال ابن عباس: فأتيتهم، وهم مجتمعون في دارهم، قائلون، فسلّمتُ عليهم فقالوا: مرحباً بك يا بن عباس فما هذه الحُلَّة؟ قال: قلت: ما تَعيبونَ عَليَّ؟! لقد رأيتُ على رسول الله ﷺ أحسن ما يكون من الحُلَل، ونزلت: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ... (٣٢)﴾ [الأعراف] قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند

стр. 228

صحابة النَّبيِّ ﷺ من المهاجرين والأنصار، لأُبلِّغكم ما يقولون ... فعليهم نزلَ القرآن، وهم أعلم بالوحي منكم، وفيهم أنزل: وليس فيكم منهم أحد. فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشاً، فإنَّ الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزّخرف] قال ابن عباس: وأتيت قوما لم أرَ قوما قطّ أشدّ اجتهاداً منهم مسهمة وجوههم من السَّهر، كأن أيديهم وركبهم تثنى عليهم، فمضى من حضر، فقال بعضهم: لنكلمنَّه ولننظرنَّ ما يقول. قلت: أخبروني ماذا نقمتم على ابن عمّ رسول الله ﷺ ، وصهره والمهاجرين والأنصار؟ قالوا: ثلاثاً. قلت: ما هنَّ؟ قالوا: أمَّا إحداهنّ فإنه حَكَّم الرجال في أمر الله، وقال الله تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ... (٥٧)﴾ [الأنعام] وما للرجال وما للحكم؟ فقلت: هذه واحدة. قالوا: وأمَّا الأخرى فإنه قاتل، ولم يسب (١) ولم يغنم، فلئن كان الذي قَاتَلَ كفّاراً لقد حَلَّ سبيهم وغنيمتهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلَّ قتالهم. قلت: هذه اثنتان، فما الثّالثة؟ قال: إنَّه محا (٢) نفسه من أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قلت: أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. فقلت لهم: أرأيتم إن قرأتُ عليكم من كتاب الله ومن سُنَّة نبيِّه ﷺ ما يَردُّ به قولكم أترضون؟ قالوا: نعم. فقلت: أما قولكم: حكّم الرّجال في أمر الله فأنا أقرأ عليكم ما قد ردَّ حكمه إلى الرّجال في ثمن ربع درهم في أرنب ونحوها من الصَّيد، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ... (٩٥)﴾ [المائدة] فنشدتكم الله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصَّيد أفضل، أم

стр. 229

حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟ وأن تعلموا أنّ الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرّجال، وفي المرأة وزوجها قال الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ... ... (٣٥)﴾ [النّساء] فجعل الله حُكْمَ الرّجال سنَّة مأمونة، أخرجت عن هذه؟ قالوا: نعم. قال: وأمَّا قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمَّكم عائشة ثم يستحلّون منها ما يستحلّ من غيرها؟ فلئن فعلتم لقد كفرتم وهي أمُّكم، ولئن قلتم: ليست أمّنا لقد كفرتم فإنّ الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ... (٦)﴾ [الأحزاب] فأنتم تدورون بين ضلالتين أيُّهما صرتم إليها صرتم إلى ضلالة، فنظر بعضهم إلى بعض، قلت: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قال: وأما قولكم محا اسمه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمَنْ ترضون وأُريكم، قد سمعتم أَنَّ النَّبيَّ ﷺ يوم الحديبية كاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان بن حرب فقال رسول الله ﷺ لأمير المؤمنين: اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمّد رسول الله، فقال المشركون: لا والله ما نعلم إنّك رسول الله لو نعلم إنك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله ﷺ : اللهم إنّك تعلم أنّي رسول الله، اكتب يا علي: هذا ما اصطلح عليه محمّد بن عبد الله. فوالله لرسولُ الله خير من عليّ، وما أخرجه من النُّبوَّة حين محا نفسه، قال عبد الله بن عباس: فرجع من القوم ألفان، وقُتل سائرهم على ضلالة " (١). وممّا يستفاد من المناظرة أنّ على الدّاعية أن يكون عالماً بالكتاب والسّنّة فقيهاً في الدِّين عالماً بالتّأويل ...

стр. 230

إخبار النَّبيِّ ﷺ عن الحروريّة وأنّ عليّاً سيقاتلهم على التّأويل ماذا أخبر النَّبيُّ ﷺ عن الحروريّة (الخوارج)؟ وبماذا نعتهم؟ وهل في هؤلاء القوم علامة؟ وماذا صنعوا حتّى يقاتلهم عليّ ﵁ في النّهروان ويستبيح دماءَهم؟ الله ﵎ عَرَضَ على نبيّه ﷺ ما هو كائن في أمّته حتّى تقوم السّاعة، لحديث أحمد وغيره عن أمِّ حبيبة عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: " رَأَيْتُ مَا تَلْقَى أُمَّتِي بَعْدِي وَسَفْكَ بَعْضِهِمْ دِمَاءَ بَعْضٍ وَسَبَقَ ذَلِكَ مِن الله تَعَالَى كَمَا سَبَقَ فِي الأمم فسألتُه أَنْ يُوَلِّيَنِي شَفَاعَة يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيهم، ففعل " (١). وقد أخبر ﷺ بأمر الخوارج وذكر أوصافهم، وجاء نَعْتُه لهم كفلق الصّبح في عهد الخليفة الرّاشد عليّ ﵁، وذلك من دلائل وعلامات النُّبوَّة الّتي لا تعرف إلاّ بالوحي، فقد أخبر ﷺ أنّهم سيخرجون في آخر زمان خلافة النُّبوَّة، وذمّهم ﷺ في غير حديث، وحرّض على قتلهم، وأخبر أنّ في قتلهم أجراً، أخرج البخاريّ عن عليّ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: " سيخرج قومٌ في آخر الزّمان حُدّاثُ الأسنان سفهاءُ الأحلام، يقولون من خير قول البريّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السَّهمُ من الرَّميّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإنّ في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة " (٢). وأخبر ﷺ أنّهم شَرُّ الخلق، أخرج مسلم عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ : " سيكون بعدي من أمّتي قومٌ يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدّين كما

стр. 231

يخرجُ السّهمُ من الرَّمِيَّة، ثمّ لا يعودون فيه، هم شَرُّ الخَلق والخليقة " (١). ومن العلامات الّتي نَعَتَهُم بها ﷺ أنّهم مَهَرَةٌ في قراءة القرآن، لكنّهم يتأوّلونه خطأ، وأنّ فيهم المُخْدَج وهو ناقص اليد، ويده مثل ثدي المرأة، أخرج مسلم عن زيد بن وهْب الجُهَنيُّ أنّه كان في الجيش الّذين كانوا مع عليّ ﵁ الّذين سَارُوا إلى الخوارج، فقال عليّ ﵁: " أيُّها النّاس، إنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: يَخْرُجُ قومٌ من أمّتي يقرؤون القرآن ليس قراءتُكم إلى قراءَتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنّه لهم وهو عليهم، لا تُجَاوزُ صلاتُهم تراقيَهُم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السَّهْمُ من الرَّمِيَّة، لو يعلم الجيشُ الّذين يُصيبونهم ما قُضي لهم على لسان نبيِّهم ﷺ لاتَّكَلُوا عن العمل، وآيةُ ذلك أنَّ فيهم رجلاً له عَضُدٌ وليس له ذراع، على رأس عَضده مِثْلُ حَلمَة الثَّدي عليه شَعَرَاتٌ بِيضٌ. فَتذْهبونَ إلى معاوية وأهل الشَّام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريِّكم وأموالكم؟! والله إنّي لأَرْجُو أن يكونوا هؤلاء القوم؛ فإنّهم قد سفكوا الدَّم الحرام، وأغاروا في سَرْح النّاس، فسيروا على اسم الله. قال سلمة بن كُهَيْل: فَنَزَّلنِي زيد بن وهْب منزلاً حتَّى قال: مررنا على قَنْطرة فلمّا التقينا وَعَلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الرَّاسبي، فقال لهم: ألقُوا الرِّماح وسُلّوا سيوفَكم من جُفُونها فإني أخافُ أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حَرُوراء، فرجعوا فَوَحَّشُوا برماحهم وسَلُّوا السيوفَ وشَجَرَهُم النَّاس برماحهم، قال: وقُتِل بعضُهم على بَعْضٍ وما أصيب من النَّاس يومئذ إلا رجلان، فقال علي ﵁: التمِسُوا فيهم المُخْدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناساً قد قُتِل بعضُهم على بعض، قال: أخّرُوهم فوجدوه ممّا يلي الأرض، فكبّر ثمّ قال: صدق الله وبلّغ رسُولُه، قال: فقام إليه عبيدة السَّلمانيُّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، اللهَ الذي لا إله إلا هو لسَمِعْتَ هذا الحديث من رسول الله ﷺ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو حتّى استحلفه ثلاثاً وهو

стр. 232

يحلف له " (١). ومن دلالات الحديث أنّ عليّاً ﵁ كان عنده عِلْمٌ من النَّبيِّ ﷺ فيما يتعلّق بقتال الخوارج وعلاماتهم، وكان عنده علم بأنّه مقتول وأنّ قاتله أشقى القوم. وفي الحديث الكَفُّ عن قتال من يعتقد الخروج على الإمام ما لم يناصبه القتال، وما لم يسفك الدّم الحرام، لقول عليّ: " فإنّهم قد سفكوا الدَّم الحرام " وفيه كراهة عليّ لقتال أهل الشّام ورغبته في قتال الحروريّة لأنّهم وراء كُلِّ شَرٍّ، فلا يستبعد أن يكون لهم يد في قتل عثمان، وإيقاع الفتنة في الجمل وصفّين، وآية ذلك رفضهم التّحكيم في صفّين الّذي فيه حقن لدماء المسلمين، وإصرارهم على مواصلة قتال أهل الشّام خشية أن يصطلح الفريقان على دمائهم، بعد أن فُضِحَ أمرُهم وظهر من أفعالهم وأقوالهم ما أخبر به النَّبيُّ ﷺ . وورد في علاماتهم الّتي يُعْرفون بها أنّهم قوم يحلقون رؤوسَهم ويتيهون عن الصَّواب ولا يهتدون الطّريق الحقَّ، أخرج مسلم عن سهل بن حُنَيْف عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: " يتيهُ قومٌ قِبَلَ المشرق مُحَلَّقَةٌ رؤوسُهم " (٢). وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ في حياته أنّ عليّاً سيقاتلهم، أخرج أحمد بسند صحيح عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قال: قال رسول الله ﷺ : " إنّ منكم مَنْ يُقاتل على تأويله كما قاتلتُ على تنزيله، قال: فقام أبو بكر وعمر، فقال: لا، ولكن خاصفُ النَّعل، وعليّ يخصف نعله " (٣). ووردت لهم علامات أُخَر، والكتاب ليس موضوعاً لاستقصائها، أمّا الّذي أحدثه هؤلاء حتّى قاتلهم عليّ، فزيادة على ما تقدّم ذكره ذهبوا إلى إكْفَارِ الصحابة وإكفارِ من لا يعتقد معتقدهم وأنّه مباح الدّم والمال، وأنّه خالد مخلّد في النّار، وانتقلوا من القول إلى الفعل فقتلوا الصَّحابيَّ الجليلَ عبد الله بن خبّاب بن الأرتّ، وكان والياً للخليفة عليّ على بعض

стр. 233

تلك البلاد، وقتلوا معه سريّته (امرأته) وهي حُبْلى بعد أن بقروا بطنها عن ولد لها، فقد أخرج أحمد عن حُمَيْدِ بْن هلال عَنْ رَجُل مِنْ عَبْدِ القيس كَانَ مَعَ الْخَوَارِجِ ثُمَّ فَارَقَهُمْ قَالَ: "دَخَلوا قَرْيَةً فَخَرَجَ عَبْدُ الله بْنُ خَبَّاب ذَعِرًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، فَقَالوا: لَمْ تُرَعْ؟ قَالَ: وَالله لَقَدْ رُعْتُمُونِي، قالوا: أَنْتَ عَبْدُ الله بْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ حَدِيثاً يُحَدِّثهُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ تُحَدِّثنَاهُ؟ قَالَ: نَعَم سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ فتنة الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ القائم، وَالقائم فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الماشي، والماشي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، قَالَ: فَإِنْ أَدْرَكتَ ذاك فَكُنْ عَبْدَ الله المَقْتُولَ، قَالَ أَيُّوبُ: ولا أعلمه إلا قَالَ: ولا تَكُنْ عَبْدَ الله الْقَاتِلَ، قالوا: أأنتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ أَبِيكَ يُحَدِّثه عَنْ رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَدَّمُوهُ عَلَى ضَفَّةِ النَّهَر؛ فَضَرَبُوا عُنقه فَسَالَ دَمُهُ كَأَنَّهُ شِرَاكُ نَعْل مَا ابْذَقَرَّ (١)، وَبَقَرُوا أُمَّ ولده عَمّا فِي بَطْنِهَا " (٢). وهذا أوّل أمرهم، فطلب منهم عليّ أن يسلّموه قتلة عبد الله بن خبَّاب فأبوا، وقالوا: كلّنا قتله، فأرسل إليهم يناشدهم فلم تزل رُسُلُه تختلف إليهم حتّى قتلوا رسوله، فقاتلهم عليٌّ ﵁ فقتلهم، ثمّ اختفوا في خلافته وأضمروا أن يقتلوه سرّاً، فأرسلوا إليه رجلاً من شرّ ما أظلّته السّماء وأقلّته الغبراء، وهو عبد الرّحمن بن ملجم أشقى النّاس، فكان أن قتله وهو يصلّي الفجر. فلمّا آلت الخلافة إلى الحسن وصالح بعد ذلك معاوية ثارت منهم جماعة فأوقع بهم معاوية ﵁ بجيشه في النّجيلة، فظلّوا مختفين في زمان معاوية وابنه يزيد، ثمّ توسَّعُوا بعد ذلك في معتقدهم الفاسد، فحكموا بكفر من يعتقد معتقدهم إذا لم يخرج لمقاتلة المسلمين وسبيهم ونهبهم، وأبطلوا رجم المحصن، وقالوا بقطع يد السّارق من الإبط، وأوجبوا الصّلاة على الحائض في حال حيضها ...

стр. 234

قَاتِلُ عليّ ﵁ الأشقى! مرض أمير المؤمنين عليّ ﵁ ذات يوم، فجاءه أبو سنان الدّؤلي يعوده وقد تخوّف عليه، لكنّ الخليفة لم يتخوّف على نفسه؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ أخبره بأنّه سيقتل مظلوماً، وأنّ قاتله أشقى النّاس، فقد أخرج الحاكم عن زيد بن أسلم، أنّ أبا سنان الدّؤلي حدّثه، أنّه عاد عليّاً ﵁ في شكوى له أشكاها، قال: " فقلتُ له: لقد تخوّفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه، فقال: لكنّي والله ما تخوّفتُ على نفسي منه، لأنّي سمعتُ رسول الله ﷺ الصّادق المصدوق، يقول: إنّك ستُضْربُ ضربة ها هنا، وضربة ها هنا ـ وأشار إلى صدغيه (١) ـ فيسيل دمها حتّى تختضب لحيتُك، ويكون صاحبها أشقاها، كما كان عاقر النّاقة أشقى ثمود " (٢). وأخرج أحمد بسند صحيح عن زيد بن وهب، قال: " قدم عليٌّ على قوم من أهل البصرة من الخوارج، فيهم رجلٌ يُقالُ له الجَعْد بن بَعْجَة، فقال له: اتّق الله يا عليّ، فإنّكَ ميّت، فقال عليٌّ: بل مقْتُولٌ، ضربةٌ على هذا تَخْضِبُ هذه (٣) عَهدٌ معهود، وقضاء مَقْضيّ، وقد خاب من افترى، وعاتبه في لباسه، فقال: ما لكم وللّباس؟ هو أبعدُ من الكِبْر، وأجْدر أن يَقْتدي بي المسلم " (٤). ولمّا ضرب ابن ملجم عليّاً الضّربة بالكوفة سنة أربعين، قال عليّ: " افعلوا به كما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل برجل أراد قتله، فقال: اقتلوه ثمّ حَرِّقُوه " (٥).

стр. 235

وعبد الرحمن بن ملجم المرادي، قاتل عليّ، كان مع عليّ في صفّين، ثمّ كان منه ما كان، وفعل ما فعل، فعليه من الله ما يستحقّ! عليّ ﵁ شذرات من مناقبه عليّ بن أبي طالب القُرشيّ الهاشميّ، أبو الحسن، جَمُّ المناقب، وُلِد قبل البعثة بعشر سنين، وتربّى في حجر النَّبيِّ ﷺ ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد كلّها إلاّ غزوة تبوك فقد استخلفه (١) ﷺ في المدينة، وقد ثبت في الصّحيحين أنّ النَّبيَّ ﷺ قال له بسبب ذلك: " أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى " (٢). وقد استدلّ أقوام بهذا الحديث على إثبات الخلافة لعليّ واستحقاقه لها بعد النَّبيِّ ﷺ دون غيره من سائر الصّحابة، ولا حجّة لهم في هذا الحديث في إثبات شيء من هذا، لأنّ هارون المشبّه به كان خليفة لموسى ﵇ في حياته لا بعد مماته، فقد مات هارون قبل موسى بسنين مدداً باتّفاق، وإنّما قال له ﷺ ذلك بعد أن كره عليّ أنْ يخلف النَّبيَّ في النّساء والصّبيان، وقال ﵁ للنَّبيِّ ﷺ : " تخلّفني في النّساء والصّبيان؟! فقال ﷺ : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبيّ بعدي " (٣). والحديث ليس فيه إلاّ مَنقبةٌ لعليّ ﵁ فقد جعله بمنزلة هارون من موسى في الخلافة في حياته. وقد وَلَّد المولّدون لعليّ ﵁ من المناقب ما هو في غنى عنها، وأوَّلوا ما صحّ من مناقبه تأويلاً غير سائغ خالفوا فيه الكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة. وقد صحَّ إيماء النَّبيِّ ﷺ إلى خلافة أبي بكر في غير حديث، منها ما رواه الحاكم عن

стр. 236

عبد الرّحمن بن أبي بكر، قال: قال رسول الله ﷺ : " ... يأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر " (١). وأوضح من ذلك قول النَّبيِّ ﷺ لعائشة ﵂: " بل أنا وارأساه! لقد همَمْتُ أو أردت أن أُرْسلَ إلى أبي بكر وابنه فأعْهَدَ أن يقول القائلون أو يَتَمنَّى المتمنّون، ثمّ قلتُ يأبى الله ويدْفَعُ المؤمنون أو يدْفعُ الله ويأبى المؤمنون " (٢). وبهذا الحديث الشّريف يُعْرف فضل الصِّدِّيق والصِّدِّيقة، فقد أراد النَّبيُّ ﷺ أن يستميل قلبها ببيان عزمه على أن يعهد بالخلافة لأبيها خشية تمني المتمنين، والحديث من دلائل النُّبوَّة؛ فقد وقع ما أخبر به ﷺ من أنّ الله يأبى إلاّ خلافة أبي بكر، ويدفع المؤمنون خلافة غيره. ومثله ما أخرج مسلم عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه: " ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتّى أكتب كتاباً فإنّي أخاف أن يتمنّى مُتمنٍ، ويقول قائل: أنا أَوْلى ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر " (٣). ومن صحيح مناقب عليّ ﵁ قوله ﷺ يوم خيبر: "لأعطينّ هذه الرّاية رجلا يحبُّ الله ورسوله " (٤) فأعطاه إيّاها، فثبتت بذلك محبَّةُ الله تعالى له ومحبَّةُ رسوله ﷺ . وقد أفرد النّسائي ﵀ كتاباً في مناقب عليّ ﵁ سمّاه " خصائص أمير المؤمنين عليّ " وقد حقّق هذا الكتاب العلاّمة أبو إسحاق الحويني وغيره، وحكم على صحيحه وضعيفه. ويكفي علياً ﵁ أنّ النَّبيَّ ﷺ توفّي وهو راض عنه، وهو زوج ابنته فاطمة

стр. 237

ـ ﵂، وأحد كتَّاب الوحي، وأحد العشرة المبشرين بالجنّة، وأحد السِّتَّة أصحاب الشّورى، ورابع الخلفاء الرّاشدين ﵃ جميعاً ـ. معاوية ﵁ نُبَذ من مآثره وغُرَر من فضائله معاوية بن أبي سفيان: صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس، أسلم قبل الفتح، وأسلم أبوه بعده، وولي أمرة دمشق عن عُمَرَ بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان سنة تسع عشرة، واستمرّ عليها بعد ذلك، فقد أقرّه عثمان ﵁، وحسبك بمن يؤمّره عمر ويقرّه عثمان! وظلّ عليها زمان خلافة عَليٍّ ﵁، ثمّ اجتمع عليه النّاس في سنة إحدى وأربعين إلى أن مات سنة ستين، وكان مُلْكُه على الحرمين ومصر والشّام، والعراق، وخراسان، وفارس، والجزيرة، واليمن، والمغرب ... فَحَكَمَ العربَ والعجم، ودام حكمه بين إمارة وخلافة أكثر من أربعين سنة متّصلة، وعاش قرابة نصف قرن في خدمة الإسلام وأهله. وهو أقرب النّاس إلى رسول الله ﷺ نسباً بعد بني هاشم، فهو يلتقي مع رسول الله ﷺ في عبد مناف. ويكفي معاوية ﵁ أنّه فاز بشرف صحبة النَّبيِّ ﷺ ، وروى عنه الحديث الشّريف، وكتب له الوحي فكان أميناً على خبر السّماء، أخرج مسلم عن أبي زُمَيل، وهو سماك بن الوليد، عن ابن عبّاس، قال: " كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يُقاعدونه، فقال للنَّبيِّ ﷺ ثلاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ، قال: نعم، قال: عندي أحسنُ العرب وأجملُهُ أمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيان أُزَوّجُكها، قال: نعم، قال: ومعاويةُ تجْعَلُهُ كاتباً بين يديك، قال نعم، قال: وتُؤَمِّرُني حتّى أُقاتِلَ الكفّارَ كما كنتُ أُقاتلُ المسلمين، قال: نعم. قال أبو زميل: ولولا أنّه طلب ذلك من النَّبيِّ ﷺ ما أعطاه ذلك لأنّه لم يكن يُسْألُ شيئاً إلاّ قال نعم " (١).

стр. 238

أي أنّ أبا سفيان ﵁ طلب من النَّبيِّ ﷺ أن يجعل معاوية كاتباً له، فوافق ﷺ ، ولذلك فإنّ قلم معاوية الّذي سطر به القرآن للنَّبيِّ ﷺ من أشرف الأقلام، فأبو سفيان ومعاوية يعلمان شرف الكتابة، فهما يقرآن قول الله تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ [العلق] وقوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم] فانظروا ماذا سطر معاوية، وماذا سطر هؤلاء الّذين يجهلون على معاوية! ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ [المجادلة].طُوبَى لِيَد مُعاوية الَّتي كَتَبَتْ الوحيَ لرسولِ الله ﷺ ، وطوبى لِعَيْنَيهِ اللَّتين رأَتا رسولَ الله ﷺ مُسْلمتين! ويكفي معاوية ﵁ شرفاً أنّه قاتل مع النَّبيِّ ﷺ في غزوة حنين، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ... (٢٦)﴾ [التّوبة] ومعاوية ﵁ من المؤمنين الّذين أنزل الله سكينته عليهم مع النّبيّ الأمين ﷺ . ويكفيه أنّه ممّن أنفق من قبل الفتح في حنين والطّائف وقاتل فيهما، فاستحقّ وعد الله الجنّة، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ... (١٠)﴾ [الحديد]. ويكفيه فخراً أنّه قاتل في عهد أبي بكر ﵁ المرتدّين، وأنَّه وَلي إمرة دمشق عن عمر بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان، وأنّه أوّل من غزا في البحر، ففتح قبرس سنة ثمان وعشرين في خلافة عثمان ﵁ وكان يومئذ أميراً له على الشّام، أخرج البخاري عن أنس بن مالك عن خالته أمّ حرام بنت مِلْحانَ، قالت: " نام النَّبيُّ ﷺ يوماً قريباً منّي، ثمّ استيقظ يتبسّم، فقلتُ: ما أضْحَككَ؟ قال: أُناسٌ من أُمّتي عُرِضُوا عليّ يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرّة، قالت: فادعُ الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثمّ نامَ الثّانية، فَفَعَلَ مِثْلها، فقالت مِثْلَ قوْلها، فأجَابَها مثلها، فقالت: ادْعُ الله أن يجْعَلني منهم، فقالَ: أنتِ من الأوّلين، فخرجت مع زوجها عُبادة بن الصّامت غازياً أوّلَ ما رَكِبَ المسلمون البحْرَ مَعَ مُعاويَةَ، فلمّا انصرفوا من غزْوههِم قافلينَ،

стр. 239

فنزلوا الشّأمَ، فَقُرِّبتْ إليها دابّةٌ لتركبها، فَصَرَعَتْها؛ فماتتْ " (١). ويكفي معاوية ﵁ أنّ سيرته في الجهاد في عهد ابن عمّه عثمان ﵁ وعهد من قبله ﵃ جميعاً ـ ذائعة مشهورة، فقد غزا الرّوم غير مرّة، وهذا يبين كذب من زعم أنّ عثمان ﵁ كان يحابي قرابته، أو أنّه كان يولّي قرابته؛ فالّذي استعمل معاوية ﵁ على دمشق هو الفاروق عمر ﵁، فلمّا آل الأمر إليه أقرّه عثمان ﵁ لعلمه بفضله. أمّا الحديث الّذي يتعلّقون به على عثمان ﵁ أنّه قال: " لو أنّ بيدي مفاتيح الجنّة لأعطيتها بني أميّة حتّى يدخلوا من عند آخرهم" (٢) فهذا الحديث إسناده ضعيف لانقطاعه. ومن أبرز أعمال معاوية ﵁ إنشاء ديوان الخاتم، واستحداث البريد، وتنظيم الصّوائف والشّواتي (٣)، وإنشاء مراكز لصناعة السّفن البحريّة، والتَّصدّي لثورات الخوارج، ونشر العدل والاستقرار في الولايات الإسلاميّة ... وكان معاوية ﵁ محبوباً في إمارته، لعلم رعيّته بفضله وعلمه وحلمه وجهاده وعدله ... ولما كانوا ينعمون به من الرَّخاء في عهده، فهذا كلّه جعل منه أميراً محبوباً للنّاس ومحبّاً لهم، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : " خيار أئمّتكم الّذين تحبّونهم ويُحبُّونكم، وتصلُّونَ عليهم وَيُصَلُّونَ عليكم، وشرار أئمّتكم الّذين تُبْغِضونهم ويبغضونَكم وتَلْعَنُونَهُم ويلْعَنُونكم " (٤).

стр. 240

ومما يشهد بحسن سياسته مع رعيّته مقولته المشهورة: " لا أضعُ سيفي حيث يَكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أنّ بيني وبين النّاس شعرة ما انقطعت. قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنْتُ إذا مَدُّوها خلَّيْتُها، وإذا خلُّوها مددتُها " (١). ومّما يشهد بعدله وإنصافه أنّ قوماً كانوا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: " فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمّد، يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بَلْ في عدله " (٢). وقد ثبت عن الزّهري أنّه قال: " عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطّاب سنين لا يَخْرم منها شيئاً " (٣) فيا ليت لنا رجالاً ملء الأرض من أمثال معاوية ﵁ ولكن: هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إنَّ الزمان بمثله لبخيل! وممَّا يشهد بعلمه وفقهه، ما أخرج البخاري عن ابن أبي مُليْكة، قال: " أوتَرَ مُعاوية بعد العِشاء بركعة وعنده مولى لابن عبّاس، فأتى ابنَ عبّاس، فقال: دعْه فإنّه قد صحبَ رسولَ الله ﷺ " (٤). وما أخرجه البخاري عن ابن أبي مُليْكة، قيل لابن عبّاس: " هل لكَ في أمير المؤمنين مُعاوية، فإنّه ما أوتر إلاّ بواحدة، قال: إنّه فقيه " (٥) وحَسْبُ مُعاوية شهادة ابن عبّاس له بالصّحبة والفقه، ولله درّ القائل: عاب التّفقّه قومٌ لا عقولَ لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضَرَر ما ضرّ شمس الضّحى والشّمس طالعة ... أن لا يَرى ضوءها مَنْ كان ذا بصر

стр. 241

وانظر إلى هذه الفوائد في الحديثين السّابقين، ففيهما وصف لمعاوية بالفقه والصّحبة، وفيهما زجر للمُنْكِرِ على معاوية في اجتهاده، فلا مسوّغ للإنكار عليه إذ لا يفعل شيئاً إلا بمستند وبرهان فهو أهل للاجتهاد. وبهذا يُعرف عذر معاوية في صفّين إذ أنّه من أهل الفقه والاجتهاد، وقد وافقه جمع من الصَّحابة ﵃ وتابعوه في اجتهاده ووقفوا معه، فهو أعلم بحُكْمِ الله تعالى فيما جرى، وينتج عن ذلك عذرُه كما تقرّر. أمّا الفائدة الّتي عَزَّ على كثير التنبّه إليها وقَلَّ مَنْ يلحظها، فهي أنّ هذه الشّهادة جاءت من حبر هذه الأمّة وترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس، الّذي لا يُتَّهم بمحاباة معاوية، فهو من أهل البيت والتّابعين للخليفة عليّ ﵁ فهو ابن عمّه، والقائم على نصرته في حياته وبعد استشهاده، لكنّ ذلك كلّه لم يمنعه من قول الحقّ الّذي تَربَّى عليه في مدرسة النَّبيِّ محمّد ﷺ . وتأمّل هذا الدّعاء من النَّبيِّ ﷺ لمعاوية ﵁، فقد أخرج أحمد بسند صحيح عن عبد الرّحمن بن أبي عميرة الأزدي، عن النَّبيِّ ﷺ أنّه ذَكرَ معاوية، وقال " اللهمّ اجعله هادياً مهديّاً، واهْدِ به " (١). وروي عن أبي الدّرداء ﵁، قال: " ما رأيتُ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من أميركم هذا، يعني معاوية " (٢). ويكفي الّذين يلمزونه إثماً أنّهم يردّون كلام الله؛ لأنّ الله تعالى أثنى عليه فيمن أثنى عليهم، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... (٢٩)﴾ [الفتح] فالصّحابة ﵃ هم المُثنى عليهم في التّوراة والإنجيل والقرآن، ومعاوية ـ رضي

стр. 242

الله عنه ـ واحد منهم، فمن حقّه علينا ﵁ أن نذكره كما ذكره الله في كتابه، وأن نثني عليه كما أثنى الله على أصحاب نبيّه محمّد ﷺ ، والآيات في الثّناء عليه وعلى سائر الصّحابة ﵃ كثيرة، وليس هذا موضع إحصائها ولا مكان استقصائها. ومعاوية ﵁ خال المؤمنين، فأخته أمّ المؤمنين رملة بنت أبي سفيان (أمّ حبيبة) فهو أخو أمّ حبيبة زوج النَّبيِّ ﷺ ، والّذي لا يعرف فضل معاوية ﵁ وقدره، فذلك عيبٌ فيه لا في معاوية ﵁، ولعمري قد أحسن من قال: والنّجمُ تستصْغرُ الأبْصَارُ رُؤيَتَهُ ... والذّنبُ للطرفِ لا للنّجمِ في الصِّغَرِ إحياء معاوية للسُّنن كان معاوية ﵁ حريصاً على إقامة سُنَن الإسلام وشرائعه وشعائره، فمن ذلك أنَّه قدم المدينة المنوَّرة، ويظهر أنّه سمع اختلافاً على صوم يوم عاشوراء، فخطب في جمعهم، وأعلمهم بسنَّة النَّبيِّ ﷺ وأنَّ صيامه ليس واجباً ولا محرَّماً، ولا مكروهاً، ولم يُنْكر عليه أحد: أخرج البخاري عن حُمَيْد بن عبد الرَّحمن أنَّه سمع معاوية بن أبي سفيان ﵄ يوم عاشُوراء عام حجَّ (١) على المنبر يقول: " يا أهل المدينة أين علماؤُكم؟! سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: هذا يومُ عاشُوراءَ ولم يُكتَبْ عليكم صيامُه وأنا صائم فمن شاء فَليصُمْ، ومن شَاءَ فليُفْطِرْ " (٢). إنكار معاوية للمنكر ومحاربته للبدع كان معاوية كغيره من ولاة الأمر من قبله في عنايته بإنكار المنكر والحضّ على إزالته، دخل ﵁ المدينة في آخر حجّة حجَّها سنة إحدى وخمسين، فأنكر على علمائهم

стр. 243

غفلتهم عن تحريم فِعْلِ الواصِلَةِ والمستوصلة، ووقف على المنبر خطيباً وأخذ من غلام له كبَّة من شعر، وأعلمهم بأنّه يحرم على نسائهم تقليد نساء اليهود في وصل الشَّعر: أخرج الشّيخان عن حُمَيْد بن عبد الرَّحمن أنَّه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حجَّ، وهو على المنبر، وتناول قُصَّة من شَعْر كانت بيد حَرَسيّ يقول: " يا أهل المدينة، أيْن علماؤكم سمعْتُ رسول الله ينهى عن مثل هذه، ويقول: إنّما هلكت بنو إسرائيلَ حيْن اتَّخذ هذا نساؤُهُم " (١). وأخرج مسلم عن سعيد بن المُسَيَّب، قال: " قَدِمَ معاوية المدينة فخطبنا وأخرج كُبَّةً من شَعَر، فقال: ما كنْتُ أرى أنَّ أحداً يفْعَله إلاّ اليهود، إنَّ رسول الله ﷺ بلغَه فسَمَّاه الزُّورَ " (٢). معاوية يُجرِّئ النَّاس على التَّواصي بالحقِّ كان معاوية ﵁ يتمثّل أخلاق الخلفاء الرّاشدين من قبله، ومن ذلك تشجيعه الرَّعيَّة على قَوْلِ الحقِّ وقبوله، وتقويم الاعوجاج، ولو كان في مواجهة الخليفة عينه، فقد خَطَبَ معاوية يوم جمعة فتكلّم بشيء ممَّا ينكره النَّاس فردَّ عليه أحدهم فسرَّه ذلك، ويشهد لذلك ما روي عن أبي قبيل، عن معاوية بن أبي سفيان أنّه صعد المنبر يوم القيامة، فقال عند خطبته: " إنَّما المالُ مالنا، والفيءُ فيئنا، فمن شِئْنا أعطيناه، ومن شِئْنا منعناه! فلم يُجبْه أحد! فلمَّا كانَ في الجمعة الثَّانية، قال مثل ذلك فلم يُجِبْه أحد! فلمّا كان في الجمعة الثَّالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجلٌ ممَّن حَضَرَ المسجد، فقال: كلاّ، إنَّما المالُ مالنا، والفيء فيئنا، فمن حَالَ بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا! فنزلَ معاوية، فأرسل إلى الرَّجل، فأدخله، فقال القومُ: هلك الرَّجل! ثمَّ دخل النَّاس، فوجدوا الرَّجلَ معه على السَّرير! فقال معاوية

стр. 244

للنَّاس: إنَّ هذا أحياني أحياه اللهُ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: سيكون بعدي أمراء، يقولون ولا يُرَدُّ عليهم يتقاحمون في النَّار .. . الحديث (١). وإنِّي تكلَّمتُ أوَّل جمعة، فلم يَرُدَّ عليَّ أحدٌ، فخشيتُ أن أكون منهم، ثمَّ تكلَّمتُ في الجمعة الثَّانية، فلم يردَّ عليَّ أحد، فقلتُ في نفسي إنِّي من القوم! ثمَّ تكلَّمتُ في الجمعة الثَّالثة، فقام هذا الرَّجلُ، فردَّ عليَّ، فأحياني، أحياه اللهُ " (٢). وهذا يذكِّر بقول النَّبيِّ ﷺ لمّا جاءه رجل يتقاضاه فأغلظ له فهمَّ به أصحابه، فقال النَّبيُّ ﷺ : " دعُوهُ؛ فإنَّ لصاحب الحقِّ مقالاً " (٣). ويذكِّر بقول أبي بكر ﵁: " وإن زغتُ فقوِّموني " ويذكِّر بقول عمر بن الخطَّاب ﵁: " لا خيرَ فيكم إنْ لم تقولوها، ولا خير فينا إنْ لم نسْمَعْها " وقوله: " رحم الله امرءاً أهدى إليَّ عيوبي ". ماذا قال معاوية عند موته ؟! لمّا حضرت معاوية الوفاة سنة ستّين، قال ﵁: " ليتني كنتُ رجلاً من

стр. 245

قريش بذي طوى (١) ولم ألِ من هذا الأمر شيئاً، وكان عنده قميص رسول الله ﷺ وإزاره ورداؤه، وشيء من شعره، فقال: كَفِّنوني في قميصه، وأدرجوني في ردائه، وأزّروني بإزاره، واحشوا منخري وشدقي بشعره، وخلُّوا بيني وبين أرحم الرّاحمين" (٢). عذر أبي سفيان وزوجه هند ﵄ ـ وهناك من يتحامل على أبي سفيان ﵁ ويغري العوامّ بلمزه كونه قَاتَلَ النَّبيَّ ﷺ في بدر وأحد، فما انفكّ أقوام يقولون: رَأَسَ أبو سفيان في قريش بعد بدر، وسار بهم في أُحد، فألحق بالنَّبيِّ ﷺ ما ألحق من الأذى من جرح وجهه الشَّريف وكسر رَباعيَته وتهشيم البيضة على رأسه، ثمّ ساق الأحزاب يوم الخندق ... وقد أجاب عن ذلك علماؤنا ما حاصله: أنّ ذلك كان قبل إسلامه، وإسلامه جَبَّ ما قبله، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ... (٣٨)﴾ [الأنفال] فهذه الآية نزلت في أبي سفيان وأصحابه، وهو فيمن أنزل الله فيه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ [الممتحنة]. أمّا الأذى الّذي لحق بالنَّبيِّ ﷺ في أُحد فلم يَتَولَّ ذلك أبو سفيان بنفسه، ولم يقل أحد من الثّقات أنّ أبا سفيان باشر ذلك، وإنّما قال ابن الجوزي: " وكان الّذي تولَّى أذاه ﷺ عمرو بن قَمِئة، وعتبة بن أبي وقّاص، وقيل: إنّ عبد الله بن شهاب الزّهريّ، عمّ محمّد بن مسلم بن شهاب الزّهريّ، هو الّذي شَجَّهُ " (٣). وما أصابه ﷺ من الأذى لا يُعارض قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ... (٦٧)﴾ [المائدة] إذ أنّ العصمة الّتي وُعِدَ بها النَّبيُّ ﷺ عصمةُ النّفس من القتل لا

стр. 246

عصمته من الأذى بالكليّة، فقد ثبت في الصّحيحين أنّه ﷺ أوذي وأُصيب بجراحات ليعظم له الأجر، وليتأسَّى به أتباعه في الصّبر على الأذى والشِّدَّة، وكانت فاطمة ﵂ يومها تغسل جرحه وعليّ ﵁ يسكب الماء، ثمّ أخذت فاطمة قطعة من حصير فأحرقته حتّى صار رماداً وكمّدته به حتّى لصق بالجرح فاستمسك الدم، فعن سهْل بن سعْد ﵁ أنّه سُئل عن جُرح النّبيّ ﷺ يوْم أحد فقال: " جُرحَ وجْه النّبيّ وكسِرتْ رَباعِيَتُه وهُشِمَتْ البيْضَة على رأسه فكانت فاطمة ﵍ تغْسِل الدّم وعليّ ﵁ يُمْسكُ، فلمّا رأتْ أنّ الدَّم لا يزيد إلاّ كثرة أخذتْ حصيراً فأحرقته حتّى صار رماداً ثمّ ألزقتْه فاستمسك الدَّمُ " (١). وقد شهد أبو سفيان (صخر بن حرب بن أميّة) مع النَّبيِّ ﷺ غزوة الطّائف، ورُمِي يومئذ وفُقِئتْ عينُه في سبيل الله تعالى بسهم، وشهد يوم خيبر، وشهد اليرموك فذهبت عينُه الأخرى يومها في قتال الرُّوم (٢). قال الشّاعر أحمد محرّم: حملْتَ أبا سفيانَ عينَكَ في يد ... بها الخيرُ في كلّ المواطنِ مَقرونُ وجئتَ رسولَ الله لا الوجهُ شاحبٌ ... ولا العِطفُ مُزْوَرٌّ ولا القلبُ مَحزونُ تقول له ... عيني الّتي أنتَ ناظرٌ ... مَضَتْ في سبيل الله والحافزُ الدِّينُ فقال إذا أحببتَ فالردُّ مُمكنٌ ... بِقُدرة ربّ أمرُهُ الكافُ والنُّونُ وإلاّ فأخرى عنده إن لقيتَهُ ... وذلك وَعْدٌ عنْدَ ربّكَ مَضمونُ

стр. 247

فآثرتَ هَذِي ثمَّ ألقيْتَ بالّتي ... حَمَلْتَ وما في الحقّ أن يُؤثَرَ الدُّونُ سَتَتْبَعُها في وقعة الرُّوم أختُها ... إذا حانَ منها بعد ذلكمُ الحينُ فخيرٌ على خيرٍ ونُعمى تزيدها ... من الله نُعمى سِرُّها عنك مَكنونُ هنيئاً أبا سفيانَ لا الرُّمحُ آسفٌ ... ولا السّيفُ مكروبٌ ولا العزمُ موهونُ عطاؤكَ في الهيجاءِ لم يُعْط مثلَهُ ... من النّاسِ إلا صادقُ البأسِ مأمونُ (١) وقد روى ابن سعد بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيّب عن أبيه، قال " خَمَدَت الأصواتُ يوم اليرموك والمسلمون يقاتلون الرّوم، إلاّ صوت رجل يقول: يا نَصَرَ الله اقترب، يا نصر الله اقترب، فرفعتُ رأسي أنظر فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان" (٢). وقد عاش أبو سفيان بعد ذلك صابراً محتسباً بعد أن ابتلاه الله بحبيبتيه، قال الحافظ: "روى البغوي بإسناد صحيح عن أنس أنّ أبا سفيان دخل على عثمان بعدما عمي وغلامه يقوده " (٣). ولا يخفى أنّ الله تعالى إذا ابتلى عبده بحبيبتيه فصبر فليس له جزاء إلاّ الجنّة، فقد قال النَّبيُّ ﷺ : " إنّ الله تعالى قال: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه فصبر عوّضتُهُ الجنّة، يُريد عينيه " (٤). ومات أبو سفيان ﵁ في خلافة عثمان ﵁، وقيل: مات في أواخرها، وقيل غير ذلك. وأمّا زوجه هند ﵂ آكلةُ الأكباد بوصفهم، فما زال أقوام يثلبونها بما كان

стр. 248

منها قبل إسلامها، كونها شهدت أحداً وحرّضت على قتل حمزةَ عمِّ النَّبيِّ ﷺ بعد أن شَقَّ عليها قَتلُ أخيها الوليد في وقعة بدر، وبعد أن أفجعها حمزة ﵁ بقتل عمّها شيبة، فضلاً عن مشاركته في قتل أبيها عتبة. فأمّا هند ﵂ فأسلمت ليلة الفتح، وبايعت النَّبيَّ ﷺ واستغفر لها فلم يَضُرَّها ما سَلَفَ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة] فيوم الفتح بايعت هند النَّبيَّ ﷺ على ما تقدّم في الآية الكريمة، وهي القائلة للنَّبيِّ ﷺ لمّا شَرَطَ على النّساء المبايعة وقال: " ولا يسرقن ولا يزنين، قالت هند: وهل تزني الحرّة؟! " (١). وكانت هند ﵂ من عقلاء النّساء، وحديثها مع النَّبيِّ ﷺ يُفهم منه ذلك، ومن مناقبها ما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂، قالت: " جاءتْ هنْدُ بِنْتُ عُتْبةَ، قالت: يا رسولَ الله، ما كان على ظهر الأرض من أهلِ خِبَاءٍ أحَبَّ إليَّ أن يذلّوا من أهل خِبائكَ، ثمّ ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهلُ خباءٍ أحبَّ إليّ أنْ يَعِزُّوا من أهل خِبائك. قالتْ: وأيضاً والّذي نفسي بيده قالت: يا رسولَ الله، إنّ أبا سُفيانَ رجُلٌ مِسّيكٌ (٢)؛ فهل عليّ حرج أن أُطْعِمَ من الّذي له عِيالَنا؟ قال: لا أراه إلاّ بالمعروف " (٣). قال ابن حجر: " وقد كانت هند في منزلة أمّهات نساء النَّبيِّ ﷺ لأَنَّ أمّ حبيبة إحدى زوجاته بنت زوجها أبي سفيان " (٤).

стр. 249

قلتُ: والّذين ينالون من الصّحابة ليسوا من ﴿الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر] ولا من الّذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... (٩)﴾ [الحشر] ولا من ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ... (٢٨)﴾ [الكهف] ولا حتّى من الّذين ﴿جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ... (١٠)﴾ [الحشر] ولا من الّذين ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ... (١٠٢)﴾ [التّوبة]، وإنّما هم بين غُلاةٍ وقُلاة في كلِّ عصر، وجدوا أنفسهم عاجزين عن إصلاح حاضرهم فضلاً عن مستقبلهم، فلم يجدوا سبيلاً إلى تبرير قصورهم إلاّ ازدراء ماضيهم، وتحميله تبعة تخلّفهم عن مواكبة الأمم. قال أحمد محرّم في إسلام هند بنت عتبة زوج أبي سفيان: يا هندُ حسبكِ مغنماً وكفاك ... أنّ الّذي يَهدي النُّفوسَ هداك أقبلت تُرخينَ القناعَ حَييّةً ... تُخفينَ نفسَك والنّبيُّ يراك أولستِ هنداً؟ قلتِ في خجلٍ: بلى ... لا تخجلي فالله قد عافاك بايعتِ أهدى العالمين طريقةً ... ورضيتِ منه مُهَذّباً يرضاك مهما تَنَلْهُ المُحفِظَاتُ من الأُلى ... جَهِلوا فليس بعاتبٍ أو شاك أعَجِبْت إذ ذَكرَ الفواحشَ هادياً ... فَنَهى اللواتي جِئنَهُ ونَهاك إن تَعْجَبي لِلْعِرضِ يُبْذَلُ هَيّناً ... وهو الحياةُ بأسرها فكذاك يا هنْدُ إنَّ الله أمضى حُكمَهُ ... فكفاكِ سُوءَ عذابهِ وَوَقاك

стр. 250

أُوتيتِ زَادَكِ من تُقىً وهدايةٍ ... فَتَزوّدِي سُبحان من نَجّاكِ (١) عمرو بن العاص ﵁ نُتَف من مآثره وطرف من مناقبه أسْلَم ﵁ قبل الفتح سنة ثمان، روى عن رسول الله ﷺ ، فنال شرف الصُّحبة والرِّواية، ولاّه رسول الله ﷺ على جيش ذات السّلاسل وأمدَّه بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة ﵃، ثمّ استعمله على عمان فمات ﷺ وهو أميرها. وكان عمرو ﵁ شديدَ الحياءِ من رسُول الله ﷺ كما سيأتي بعد سطور، فلم يكن يطيق أن يرفع طرفه إليه ﷺ حياءً منه. وهو الّذي قاتل المرتدّين، فقد وجَّهه أبو بكر ﵁ إلى قبيلة قضاعة فأخْضَعها، وهو الّذي افتتح قنسرين، وافتتح مصْر زمن الخليفة أبي بكر الصّدّيق ﵁ وفتح بَلْبيس وحصنَ بابليون، والإسكندريّة سنة عشرين للهجرة، وبنى مدينة الفُسطاط وجعلها مركزاً لقوّاته. وقد ولي إمرة مصر زمن عمر ﵁ وصَدْراً من خلافة عثمان ﵁، ثمّ وليها زمناً من جهة معاوية ﵁، وشهد عمرو اليرموك مع خالد بن الوليد ﵁، وقادَ معركةَ أجنادين المشهورة، وافتتح طرابلس الغرب ... (٢). وهذا الّذي يؤمِّره رسول الله ﷺ ، ويستعمله الخلفاء، ويفتح كلّ هذه البلاد، لم يسلم من الّذين لم يفتحوا إلاّ أفواههم بثلب الصَّحابة، بعد أن نبذوا قولَ النَّبيِّ ﷺ وراء ظهورهم، فقد قال ﷺ : " لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي فوالّذي نفسي بيده لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيْفَهُ " (٣).
следующие страницы →