عصمته من الأذى بالكليّة، فقد ثبت في الصّحيحين أنّه ﷺ أوذي وأُصيب بجراحات ليعظم له الأجر، وليتأسَّى به أتباعه في الصّبر على الأذى والشِّدَّة، وكانت فاطمة ﵂ يومها تغسل جرحه وعليّ ﵁ يسكب الماء، ثمّ أخذت فاطمة قطعة من حصير فأحرقته حتّى صار رماداً وكمّدته به حتّى لصق بالجرح فاستمسك الدم، فعن سهْل بن سعْد ﵁ أنّه سُئل عن جُرح النّبيّ ﷺ يوْم أحد فقال:
" جُرحَ وجْه النّبيّ وكسِرتْ رَباعِيَتُه وهُشِمَتْ البيْضَة على رأسه فكانت فاطمة ﵍ تغْسِل الدّم وعليّ ﵁ يُمْسكُ، فلمّا رأتْ أنّ الدَّم لا يزيد إلاّ كثرة أخذتْ حصيراً فأحرقته حتّى صار رماداً ثمّ ألزقتْه فاستمسك الدَّمُ " (١).
وقد شهد أبو سفيان (صخر بن حرب بن أميّة) مع النَّبيِّ ﷺ غزوة الطّائف، ورُمِي يومئذ وفُقِئتْ عينُه في سبيل الله تعالى بسهم، وشهد يوم خيبر، وشهد اليرموك فذهبت عينُه الأخرى يومها في قتال الرُّوم (٢).
قال الشّاعر أحمد محرّم:
حملْتَ أبا سفيانَ عينَكَ في يد ... بها الخيرُ في كلّ المواطنِ مَقرونُ
وجئتَ رسولَ الله لا الوجهُ شاحبٌ ... ولا العِطفُ مُزْوَرٌّ ولا القلبُ مَحزونُ
تقول له ... عيني الّتي أنتَ ناظرٌ ... مَضَتْ في سبيل الله والحافزُ الدِّينُ
فقال إذا أحببتَ فالردُّ مُمكنٌ ... بِقُدرة ربّ أمرُهُ الكافُ والنُّونُ
وإلاّ فأخرى عنده إن لقيتَهُ ... وذلك وَعْدٌ عنْدَ ربّكَ مَضمونُ
стр. 247
فآثرتَ هَذِي ثمَّ ألقيْتَ بالّتي ... حَمَلْتَ وما في الحقّ أن يُؤثَرَ الدُّونُ
سَتَتْبَعُها في وقعة الرُّوم أختُها ... إذا حانَ منها بعد ذلكمُ الحينُ
فخيرٌ على خيرٍ ونُعمى تزيدها ... من الله نُعمى سِرُّها عنك مَكنونُ
هنيئاً أبا سفيانَ لا الرُّمحُ آسفٌ ... ولا السّيفُ مكروبٌ ولا العزمُ موهونُ
عطاؤكَ في الهيجاءِ لم يُعْط مثلَهُ ... من النّاسِ إلا صادقُ البأسِ مأمونُ (١)
وقد روى ابن سعد بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيّب عن أبيه، قال " خَمَدَت الأصواتُ يوم اليرموك والمسلمون يقاتلون الرّوم، إلاّ صوت رجل يقول: يا نَصَرَ الله اقترب، يا نصر الله اقترب، فرفعتُ رأسي أنظر فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان" (٢).
وقد عاش أبو سفيان بعد ذلك صابراً محتسباً بعد أن ابتلاه الله بحبيبتيه، قال الحافظ: "روى البغوي بإسناد صحيح عن أنس أنّ أبا سفيان دخل على عثمان بعدما عمي وغلامه يقوده " (٣).
ولا يخفى أنّ الله تعالى إذا ابتلى عبده بحبيبتيه فصبر فليس له جزاء إلاّ الجنّة، فقد قال النَّبيُّ ﷺ : " إنّ الله تعالى قال: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه فصبر عوّضتُهُ الجنّة، يُريد عينيه " (٤).
ومات أبو سفيان ﵁ في خلافة عثمان ﵁، وقيل: مات في أواخرها، وقيل غير ذلك.
وأمّا زوجه هند ﵂ آكلةُ الأكباد بوصفهم، فما زال أقوام يثلبونها بما كان
стр. 248
منها قبل إسلامها، كونها شهدت أحداً وحرّضت على قتل حمزةَ عمِّ النَّبيِّ ﷺ بعد أن شَقَّ عليها قَتلُ أخيها الوليد في وقعة بدر، وبعد أن أفجعها حمزة ﵁ بقتل عمّها شيبة، فضلاً عن مشاركته في قتل أبيها عتبة.
فأمّا هند ﵂ فأسلمت ليلة الفتح، وبايعت النَّبيَّ ﷺ واستغفر لها فلم يَضُرَّها ما سَلَفَ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة] فيوم الفتح بايعت هند النَّبيَّ ﷺ على ما تقدّم في الآية الكريمة، وهي القائلة للنَّبيِّ ﷺ لمّا شَرَطَ على النّساء المبايعة وقال: " ولا يسرقن ولا يزنين، قالت هند: وهل تزني الحرّة؟! " (١).
وكانت هند ﵂ من عقلاء النّساء، وحديثها مع النَّبيِّ ﷺ يُفهم منه ذلك، ومن مناقبها ما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂، قالت: " جاءتْ هنْدُ بِنْتُ عُتْبةَ، قالت: يا رسولَ الله، ما كان على ظهر الأرض من أهلِ خِبَاءٍ أحَبَّ إليَّ أن يذلّوا من أهل خِبائكَ، ثمّ ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهلُ خباءٍ أحبَّ إليّ أنْ يَعِزُّوا من أهل خِبائك. قالتْ: وأيضاً والّذي نفسي بيده قالت: يا رسولَ الله، إنّ أبا سُفيانَ رجُلٌ مِسّيكٌ (٢)؛ فهل عليّ حرج أن أُطْعِمَ من الّذي له عِيالَنا؟ قال: لا أراه إلاّ بالمعروف " (٣).
قال ابن حجر: " وقد كانت هند في منزلة أمّهات نساء النَّبيِّ ﷺ لأَنَّ أمّ حبيبة إحدى زوجاته بنت زوجها أبي سفيان " (٤).
стр. 249
قلتُ: والّذين ينالون من الصّحابة ليسوا من ﴿الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر] ولا من الّذين ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... (٩)﴾ [الحشر] ولا من ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ... (٢٨)﴾ [الكهف] ولا حتّى من الّذين ﴿جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ... (١٠)﴾ [الحشر] ولا من الّذين ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ... (١٠٢)﴾ [التّوبة]، وإنّما هم بين غُلاةٍ وقُلاة في كلِّ عصر، وجدوا أنفسهم عاجزين عن إصلاح حاضرهم فضلاً عن مستقبلهم، فلم يجدوا سبيلاً إلى تبرير قصورهم إلاّ ازدراء ماضيهم، وتحميله تبعة تخلّفهم عن مواكبة الأمم.
قال أحمد محرّم في إسلام هند بنت عتبة زوج أبي سفيان:
يا هندُ حسبكِ مغنماً وكفاك ... أنّ الّذي يَهدي النُّفوسَ هداك
أقبلت تُرخينَ القناعَ حَييّةً ... تُخفينَ نفسَك والنّبيُّ يراك
أولستِ هنداً؟ قلتِ في خجلٍ: بلى ... لا تخجلي فالله قد عافاك
بايعتِ أهدى العالمين طريقةً ... ورضيتِ منه مُهَذّباً يرضاك
مهما تَنَلْهُ المُحفِظَاتُ من الأُلى ... جَهِلوا فليس بعاتبٍ أو شاك
أعَجِبْت إذ ذَكرَ الفواحشَ هادياً ... فَنَهى اللواتي جِئنَهُ ونَهاك
إن تَعْجَبي لِلْعِرضِ يُبْذَلُ هَيّناً ... وهو الحياةُ بأسرها فكذاك
يا هنْدُ إنَّ الله أمضى حُكمَهُ ... فكفاكِ سُوءَ عذابهِ وَوَقاك
стр. 250
أُوتيتِ زَادَكِ من تُقىً وهدايةٍ ... فَتَزوّدِي سُبحان من نَجّاكِ (١)
عمرو بن العاص ﵁ نُتَف من مآثره وطرف من مناقبه
أسْلَم ﵁ قبل الفتح سنة ثمان، روى عن رسول الله ﷺ ، فنال شرف الصُّحبة والرِّواية، ولاّه رسول الله ﷺ على جيش ذات السّلاسل وأمدَّه بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة ﵃، ثمّ استعمله على عمان فمات ﷺ وهو أميرها. وكان عمرو ﵁ شديدَ الحياءِ من رسُول الله ﷺ كما سيأتي بعد سطور، فلم يكن يطيق أن يرفع طرفه إليه ﷺ حياءً منه.
وهو الّذي قاتل المرتدّين، فقد وجَّهه أبو بكر ﵁ إلى قبيلة قضاعة فأخْضَعها، وهو الّذي افتتح قنسرين، وافتتح مصْر زمن الخليفة أبي بكر الصّدّيق ﵁ وفتح بَلْبيس وحصنَ بابليون، والإسكندريّة سنة عشرين للهجرة، وبنى مدينة الفُسطاط وجعلها مركزاً لقوّاته.
وقد ولي إمرة مصر زمن عمر ﵁ وصَدْراً من خلافة عثمان ﵁، ثمّ وليها زمناً من جهة معاوية ﵁، وشهد عمرو اليرموك مع خالد بن الوليد ﵁، وقادَ معركةَ أجنادين المشهورة، وافتتح طرابلس الغرب ... (٢).
وهذا الّذي يؤمِّره رسول الله ﷺ ، ويستعمله الخلفاء، ويفتح كلّ هذه البلاد، لم يسلم من الّذين لم يفتحوا إلاّ أفواههم بثلب الصَّحابة، بعد أن نبذوا قولَ النَّبيِّ ﷺ وراء ظهورهم، فقد قال ﷺ : " لا تسبُّوا أصحابي، لا تسبُّوا أصحابي فوالّذي نفسي بيده لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيْفَهُ " (٣).
стр. 251
ولكن أين يذهب هؤلاء من قول النَّبيِّ ﷺ : " ثَكِلتكَ أمُّكَ؛ وهل يَكُبُّ النّاسَ على مناخرهم في جهنَّم إلاّ حصائدُ ألسنتهم " (١).
ومن ذا الّذي يستطيع أن يقْدحَ في عمرو بن العاص بعد أن أثنى عليه رسول الله ﷺ ، فقال: " أسلم النّاسُ وآمن عمرو بن العاص " (٢) وقال ﷺ : " نِعْمَ أهل البيت أبو عبد الله، وأمّ عبد الله، وعبد الله " (٣).
وفي " المسند " عن عمرو بن العاص، قال: كان فَزَعٌ بالمدينة، فأتيْتُ على سالم مولى أبي حذيفة وهو مُحْتبٍ بحمائل سيْفه، فأخذْتُ سيْفاً فاحتبيْتُ بحمائله، فقال رسول الله ﷺ : " يا أيُّها النّاسُ، ألا كانَ مفْزَعُكم إلى الله وإلى رسوله، ثمّ قال: ألا فعَلتُم كما فعل هذان الرّجلان المؤمنان " (٤) فعبّر النَّبيُّ ﷺ الّذي لا ينطق عن الهوى عن رضاه على عمرو بن العاص، وشهد له بالإيمان! فكيف نطعن فيمن يثني عليه رسول الله ﷺ ويشهد له بالإيمان؟!
ولمّا حضرت عمرو بن العاص ﵁ الوفاة دخل عليه ابنه عبد الله مع نفر من الصّحابة وهو في النّزع الأخير، فلمّا رآهم حوّل وجهه إلى الجدار وأخذ بالبكاء، أخرج مسلم عن ابن شُمَاسَة المَهريّ، قال:
стр. 252
" حضَرْنا عمرو بن العاص وهو في سِيَاقَة الموت، فبكى طويلاً وَحَوَّل وَجْهَه إلى الجدار فجعَل ابنُهُ يَقُولُ: يا أبتاهُ، أمَا بَشَّرَكَ رسولُ الله ﷺ بكذا، أما بَشّركَ رَسُولُ الله بكذا، قال: فَأقْبلَ بوجْهِهِ، فقال: إنّ أفْضَلَ ما نُعِدُّ شهادة أنْ لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله، إنّي قد كُنْتُ على أطْباقٍ ثلاث: لقد رأيْتُني وما أحدٌ أشدَّ بُغْضاً لرسول الله منّي ولا أحَبَّ إليَّ أنْ أكونَ قد اسْتَمْكنْتُ منْهُ فَقَتَلتُهُ، فلو مُتُّ على تلك الحال لكنْتُ من أهلِ النَّار، فلمّا جَعَلَ اللهُ الإسلامَ في قلبي أتَيْتُ النّبيّ ﷺ فَقُلتُ: ابْسُط يَمِينكَ فَلأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قال: فَقَبَضْتُ يَدي، قال: مَالكَ يا عمرو؟ قال: قلْتُ أرَدْتُ أن أشْتَرط، قال: تَشْتَرطُ بماذا؟ قُلْتُ: أنْ يُغْفَرَ لي، قال: أما عَلمْتَ أنّ الإسلامَ يَهْدِمُ ما كان قَبْلَهُ، وأنّ الهجرةَ تَهْدِمُ ما كان قبْلها، وأنّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كان قَبْلَهُ.
وما كان أحَدٌ أحَبَّ إليَّ من رسول الله ﷺ ، ولا أجلَّ في عيني مِنْهُ، وما كنْتُ أُطِيْقُ أنْ أمْلأ عَيْنَيَّ مِنْهُ إجلالاً لهُ، ولو سُئلْتُ أن أصِفَهُ ما أطقْتُ؛ لأنّي لم أكنْ أملأ عَيْنَيَّ مِنْهُ، ولو مُتُّ على تلكَ الحَال لرجوْتُ أن أكونَ من أهل الجَنّة، ثمَّ وَلِينَا أشياءَ ما أدري ما حَالي فيها، فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْني نائحةٌ ولا نَارٌ، فإذا دَفَنْتُموني، فَشُنُّوا عليَّ التُّرابَ شَنّاً، ثمَّ أقيموا حَولَ قَبْري قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لحْمُها؛ حتَّى أسْتَأنِسَ بكم، وأنْظُرَ ماذا أراجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي" (١).
ما جرى بين الصَّحابة لا يؤثِّر في عدالتهم
ورغم ما جرى بين الصّحابة، فإنّ ذلك لا يؤثِّر في عدالتهم، ولا يحتاج أحدهم بعد تعديل الله ورسوله لهم إلى تعديلِ أَحَدٍ من الخلق، فقد نَصَّ النَّبيُّ ﷺ على عدالتهم، فقال: " خير أمّتي قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم ... ثم إنّ بعْدَكم قوْماً يَشْهَدون ولا
стр. 253
يُسْتَشْهَدون، ويخُونُون ولا يؤتمنُون، ويَنْذرُونَ ولا يَفُونَ، ويظْهَرُ فيهم السِّمَنُ (١) " (٢).
فشهد النَّبيُّ ﷺ بالخيْريّة لأصحابه، ثمّ للتّابعين لهم، ثمّ لتابعيهم، ولذلك فالطّبقة الأولى المشهود لها بالخيّريّة هي الصّحابة.
قلت: فانظر إلى من يطعن في الصّحابة من أيّ الطّبقات هو؟! لا هو من الصّحابة، ولا من التّابعين لهم بإحسان، ولا من تابعيهم.
فإن قال قائل: بل هو من التّابعين، فالطَّعنُ بَدَأَ من عهدهم. قلنا: بل هو خلف سوء، وليس من التّابعين لهم بإحسان، لأنّ التّابعين بإحسان شهد لهم النَّبيُّ ﷺ بالخيّريّة كما تقدّم، فهم في الطّبقة الثّانية، وقد نطق القرآن بفضلهم وقرنه بفضل الصّحابة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التّوبة].
وانظر كيف اشترط الله تعالى على التّابعين ليرضى عنهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ... (١٠٠)﴾ [التّوبة] فأخرج بذلك من لم يتّبعهم بإحسان، وانظر إلى إعجاز القرآن الكريم، فلم يشترط الله تعالى على الصّحابة ما اشترطه على التّابعين، فلم يستثنِ من الصّحابة أحداً؛ لأنّ الصّحابة كلَّهم أجمعين عدول دون استثناء، فتدبّر!
وقد أكّد النَّبيُّ ﷺ في غير حديث على فضل الصّحابة، والتّابعين، وتابعيهم، فقال ﷺ : " يأتي على النّاس زمَانٌ فيَغْزُو فِئَامٌ من النَّاس، فيقولون: فِيْكُمْ مَنْ صاحبَ رسول الله
стр. 254
- ﷺ ؟ فيقولونَ لهم: نَعَمْ؛ فَيُفْتَحُ لهُم، ثمَّ يأتي على النّاس زمانٌ فيَغْزُو فِئامٌ من النَّاس، فيُقالُ: هل فِيْكُم مَنْ صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فَيقُولونَ: نَعَمْ؛ فَيُفْتَحُ لهم، ثمَّ يأتي على النّاس زمانٌ فيَغْزُوا فِئَامٌ من النَّاس فَيُقَالُ: هلْ فيكم مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ؟ فيقولونَ: نَعم؛ فيفْتحُ لهم " (١).
والحديث فيه معجزة للنَّبيِّ ﷺ ، فقد فُتِحَ للصّحابة، ثمّ للتابعين، ثمَّ لتابعيهم؛ لفضلهم. ولذلك فإنّنا لا نقبل أن يُشَكَّكَ في عدالة الصّحابة وفضلهم، وفضل التّابعين لهم بإحسان وتابعيهم، وكلّ من يحاول أن ينال منهم، فهو مَفْضُولٌ يتطاول على فَاضِل، أو مجروح يتطاول على عدْل، أو شقيّ يتطاول على من: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ... (١٠٠)﴾ [التّوبة].
ويؤيّد الحديث المتقدّم قوله ﷺ : " خير النّاس قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم " (٢).
فلا يتقدَّم أحدٌ أيَّا كان على أصحاب رسول الله ﷺ ولو بَلَغَ من الفضل الغاية؛ ذلك أنّ شرف الصّحبة لا يعدله شرف آخر، وقد سُئل المعافى بن عمران: " أيُّهما أفضل، معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسّائل: أتجعلُ رجلاً من الصَّحابة مثل رجل من التّابعين؟! معاوية صاحبه، وصهره، وكاتبه، وأمينه على وحي الله" (٣).
وقال عبد الله بن المبارك: " تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز " (٤).
ذلك أنّ معاوية جمع بين شرف الصُّحبة، وشرف النَّسب، وشرف مصاهرته للنَّبيِّ
стр. 255
- ﷺ ، وشرف كتابة الوحي، وشرف الفقه بشهادة الصّحابة، وواحدة من هذه تجعله مفضّلاً على عمر بن عبد العزيز، فكيف إذا اجتمعت كلُّها؟!
وقيل لأبي عبد الله: " هل يُقاسُ بأصحاب رسول الله أحد؟ قال: معاذ الله! قيل: فمعاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز؟ قال: أي لعمري؛ قال النَّبيُّ ﷺ : خير النّاس قرني" (١).
كما نصّ القرآن الكريم على عدالة الصّحابة وطهارتهم واختيار الله لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... (١١٠)﴾ [آل عمران]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (٢) لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ... (١٤٣)﴾ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... (١٨)﴾ [الفتح]، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ... (١٠٠)﴾ [التَّوبة]، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾ [الواقعة]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال]، وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ... (٥٩)﴾ [النّمل]، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ... (٥٤)﴾ [المائدة]، وقوله تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال]، وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)
стр. 256
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر].
الدّليل على أنّ الفئة الباغية لا تخرج بالبغي عن تسمية الإسلام
فإن اعتلَّ أحدهم بما جرى بصفّين، وقال: إنّ معاوية بَغَى على عليّ، بدليل قول النَّبيِّ ﷺ لعمّار: " وَيْحَ عمَّار تقتُله الفئة الباغية، عمّارٌ يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النّار " (١) وقَاتِلُ عمار من فئة معاوية فلزم أنّهم الفئة الباغية، كما لزم خروجهم عن العدالة.
قلنا: فإنَّ هذا أقلّ من أن نردَّ عليه؛ ذلك أنَّ الله تعالى، قال ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... (٩)﴾ [الحجرات] فسمّاهم مؤمنين مع الاقتتال، وهذا صريح على بقائهم أجمعين على الإيمان.
وقال النَّبيُّ ﷺ : " إنّ ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " (٢) فَسَمَّى ﷺ الجميع مسلمين مع الاختلاف، وهذا صريح على بقائهم كلّهم أجمعين على كمال الإسلام؛ لأنّهم مجتهدون متأوّلون، فهم معذورون فيما شجر بينهم.
وقال ﷺ : " لا تقوم السّاعة حتّى تقتتل فئتان دعواهما واحدة " (٣) والفئتان هما جماعة عليّ وجماعة معاوية، والمراد بالدّعوة كما قال ابن حجر: " الإسلام على الرّاجح، وقيل المراد اعتقاد كلّ منهما أنّه على الحقّ " (٤).
قلنا: فإن كان المراد الإسلام فقد أثبت ﷺ الإسلام لهما مع الاقتتال، وإن كان المراد
стр. 257
اعتقاد كلّ منهما أنّه على الحقّ، فإنّ هذا يَنْشَأُ عنه عذرهما، فكلّ منهما معذور بتأويله لأنّه متأوّل تأويلاً سائغاً عن وجه في العلم معتقداً أنّه على الحقّ، فلا أحد منهما آثم، بل كلاهما مأجور؛ فلم يقع بينهما ما وقع إلاّ عن اجتهاد، ولذلك أخبر ﷺ أنّ دعواهما واحدة ليظهرَ عذْرُهما، فلم يكن أحدهما يقاتل الآخر وهو يظنُّ أنَّ الحقَّ ليس بيده، ولو كان ذلك كذلك ما شهد لهما ﷺ أنّ دعواهما واحدة، وهذا ينتجُ عنه عذرهما ووجوب حسن الظّن بهما.
ويؤيّد هذا ما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدريّ عن النَّبيِّ ﷺ " في حديث ذكر فيه قوما يخرجون على فُرْقة مختلفة يقتلهم أقرب الطّائفتين من الحقّ" (١).
قُلْتُ: وانظر إلى اسم التّفضيل " أقرب " وما يوحي إليه هذا اللفظ، فاسم التّفضيل يدلّك على أنّ المفضَّل والمفضَّل عليه اشتركا في صفة واحدة، وهي القرب من الحقّ، ولكن أحدهما زاد فيها على الآخر فكان الأقرب إليه، وهو عليّ وأصحابه لأنّهم قاتلوهم وأمكنهم الله منهم، فالحديث فيه تصريح بأنّ الطّائفتين تشتركان في صفة الحقّ وأنّ الطّائفتين مؤمنون لا يخرجون بما جرى بينهم عن الإيمان، بل يبقون على كمال إيمانهم وعدالتهم.
فإن قال قائل: فقد حَكَمَ عليهم النَّبيُّ ﷺ بالبغي، وأخبر أنّ عماراً يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النّار؟!
فالجواب أنّ البغي ليس اسمَ ذَمٍّ وقدح وتنقيص لهم؛ لأنّ الباغي المجتهد المتأوّل تأويلاً سائغاً غير قطعيّ البطلان معذور في اجتهاده ومأجور. ولا ريب في أنَّ الحديث حجَّة جازمة في أنَّ علياً ﵁ كان مصيباً، لكنّ الفئة الأخرى مجتهدة فلا إثم عليها، والحديث فيه معجزة للنّبيِّ ﷺ لوقوع ما أخبر به ﷺ .
وقول النَّبيِّ ﷺ لعمار بن ياسر ﵁ " تقتلك فئة باغية" (٢) لا يفهم منه أنّ فئة معاوية تتحمّل دمه؛ فما جاء مطلقا في هذا الحديث الشّريف، جاء مقيّداً في حديث آخر ـ
стр. 258
كما تقدّم ـ، فقد أخرج أحمد بإسناد حسن عن أبي غادية، قال: "قُتل عمّار بن ياسر، فَأُخْبِرَ عمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ قاتله وسالبه في النَّار. فقيل لعمرو: فإنَّكَ تقاتله؟ قال: إنّما قال: قاتله وسالبه" (١) فالّذي يتحمّل إثمه ووزره قاتله وسالبه، وليس من يُقاتله.
والفئة الّتي باشرت قتله وكانت وراء قتله هي الفئة الباغية، وهي الفئة نفسها الّتي كانت وراء إثارة الفتنة في الجمل وصفين، ووراء كلِّ شرٍّ وبلاء. أمّا قوله ﷺ : " ويدعونه إلى النّار " فإنّ الضمير لم يُسَمَّ فاعله، والمراد قتلته.
العفو عمّن قاتل من الصّحابة في الجمل وصفّين
ممّا لا ريب فيه أنّ للصّحابة ﵃ فيما جرى بينهم عذر يخفى علينا، فإن غمّ علينا معرفَتُه فإنّه يسعنا قول أبي هريرة ﵁: " إنَّ هذه الأمّة أمّة مرحومة، لا عذاب عليها إلاّ ما عذَّبَتْ هي أنفسها، قال: قلت: وكيف تعذّب نفسها؟ قال: أما كان يوم الجمل عذاب؟ أما كان يوم صفّين عذاب؟ أما كان يوم النّهر عذاب؟ " (٢).
وقول أبي هريرة ﵁ مأخوذ من حديث النَّبيِّ ﷺ الّذي أخرجه أحمد بسند صحيح عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ أمّتي أمّة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذاب إنّما عذابها في الدُّنيا: القتل والبلابل والزّلازل " (٣).
وعن أمّ حبيبة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: " أُريت ما يلقى أمّتي بعدي، وسفك بعضهم دماء
стр. 259
بعض، وسبق ذلك من الله كما سبق في الأمم قبلهم، فسألته أن يوليني يوم القيامة شفاعة فيهم، ففعل " (١).
والمعنى أنّ الله تعالى أَطْلَع نبيَّه ﷺ على ما ينوبُ أُمَّته بعده من نوائب وفتن ونواكب، وأنّه مع كلّ ذلك شافعٌ مشفَّع فيهم. فإذا كان الله سيولّيه شفاعة في أمّته، فما ظنّك بخير هذه الأمّة أصحابه ﵃!
أقوال بعض التّابعين فيما شَجَرَ بين الصّحابة
قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة] من هداية الآية الكريمة أنَّ الأمم السَّابقة الّتي مضت إلى الدَّار الآخرة لها أعمالها ولنا أعمالنا، وسنَّة الله أنْ يُسْألَ كلٌّ عن عمله لا عن عمل غيره، ولذلك لا ينبغي لأحد من التَّابعين إذا سُئِل عن أصحاب رسول الله ﷺ المشهود لهم بالخيريَّة في القرآن والسُّنَّة أن يقول فيهم إلاّ خيراً.
قال يزيد بن بشر: " سُئل عمر بن عبد العزيز عن عليّ وعثمان والجمل وصفّين وما كان بينهم؟ فقال: تلك دماء كفَّ الله يدي عنها، وأنا أكره أن أغمس لساني فيها " (٢).
وسُئل ابن المبارك عن معاوية، فقال: " ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ : سمع الله لمن حمده، فقال خَلْفَهُ: رَبَّنا ولك الحمد " (٣).
وقيل لأحمد بن حنبل ما تقول فيما كان بين عليّ ومعاوية؟ فقال أبو عبد الله: " ما أقول فيهم إلاّ الحسنى " (٤).
стр. 260
وذُكرَ لأحمد بن حنبل أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: " ﵏ أجمعين! ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والمغيرة كلّهم وصفهم الله تعالى في كتابه، فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ... (٢٩)﴾ [الفتح] " (١).
وقال ابن كثير: " وأمّا ما شجر بينهم بعده ﵊، فمنه ما وقع عن غير قصد، كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفّين. والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ، ومأجور أيضاً، وأمّا المصيب فله أجران اثنان، وكان عليّ وأصحابه أقرب إلى الحقّ من معاوية وأصحابه ﵃ أجمعين ـ " (٢).
وقال ابن حجر: " واتَّفق أهل السُّنَّة على وجوب منع الطّعن على أحد من الصّحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عُرِف المحقُّ منهم؛ لأنّهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلاّ عن اجتهاد، وقد عفا الله عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنّه يؤجر أجراً واحداً، وأنّ المصيب يؤجر أجرين " (٣).
وقال أبو زرعة: " إذا رأيتَ الرّجل ينتقصُ أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاعلم أنّه زنديق، وذلك أنّ الرّسول ﷺ عندنا حقّ، والقرآن حقّ، وإنّما أدّى إلينا هذا القرآن والسّنن أصحابُ رسول الله ﷺ ، وإنّما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسّنّة، والجرحُ بهم أولى، وهم زنادقة" (٤).
وقال رجل لأبي زرعة: " يا أبا زُرْعة، أنا أبغض مُعاوية، قال: لمَ؟ قال: لأنّه قاتل عليّ بن أبي طالب، قال: فقال له: إنَّ ربَّ معاوية ربٌّ رحيم، وخصم معاوية خصم كريم،
стр. 261
فأيش (١) دخولك أنت بينهما ﵃ أجمعين ـ " (٢).
ويُذْكَرُ عن مالك بن أنس أنّه قال: " من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ... (٢٩)﴾ [الفتح] " (٣).
حكم البغاة من هذه الأمّة
عَرَفَ الفقهاءُ أحكام البغاة من هذه الأمّة ممّا شجر بين المسلمين، كما عرفوا أحكام الخوارج والمحاربين، عن أبي أمامة ﵁، قال: " شهدتُ صفّين فكانوا لا يجهزون على جريح ولا يقتلون مولّيا ولا يسلبون قتيلاً " (٤).
* * *
стр. 262
القسم الخامس
المبحث الأوّل
دفع بعض الشّبهات والطّعون عن معاوية ويزيد
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة]
دعوى أنّ معاوية نازع الحسن الخلافة
معاوية ﵁ بَحْرٌ عذبُ الفُراتِ لا تكدِّرُه الدِّلاء، واتّهامه ﵁ بأنّه نازع الحسن بن عليّ ﵄ الخلافة إن هي إلاّ دعوى، وما أكثر الدّعاوى الّتي ظاهرها الرّحمة وباطنها العذاب!
وأظهر ما يَردُّ هذه الدّعوى أنّ معاوية ﵁ لمّا قُتل عليّ ﵁ واسْتُخْلِفَ الحسنُ بن عليّ ﵄ سار إليه الحسنُ بكتائب لا يُرى لها طرف لعظمها وكثرتها، فأرسل له معاوية ﵁ رجلين من قُريش يطلُبُ منه الصّلح وحقن دماء المسلمين، وهذا يؤكد نزعة الخير في نفس معاوية وشفقته على المسلمين، وهذان الرّجلان هما: عبد الله بن عامر، وعبد الرّحمن بن سَمُرة. وطلب منهما أن يُفَوِّضا الأمر إلى الحسن، وأن يبذلا له النّصح، وما شاء من مال وغيره، ويرغّبانه بما يريد لرفع السّيف، ويذكّرانه بوصيَّة جَدِّه النَّبيِّ ﷺ ، فقد قال ﷺ : " إنّ ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " (١).
وطلب معاوية ﵁ الصّلح يدلّ على قوة نظره في تدبير أمور المسلمين، فهو يعلم عواقب الأمور، ويعلم خطر هذا المسير، فقد كان أهل الشّام يريدون أن يَسُودَهم معاوية ﵁، وأهل العراق يريدون الحسن بن عليّ ﵄.
стр. 263
وقد تحقّق ما رجاه معاوية من مراسلته الحسن من وأد الفتنة، فقد ترك الحسنُ حقّه في الخلافة تحقيقاً لقول النَّبيِّ ﷺ : " ابني هذا سيّد ... " ولما لفضيلة الإصلاح وحقن الدّماء وتسكين الفتنة من الأجر والمثوبة عند الله تعالى. ولو كان معاوية كما يتقوّل عليه المتقوِّلون ما تنازل له عن الخلافة رَجُلٌ مثل الحسن، رَجُلٌ يحمل بين جنبيه نفساً كريمة، رجل وصفه رسول الله ﷺ بأنّه سيِّد لأنّ الصُّلح سيقع على يديه.
ولذلك صالح الحسنُ معاوية على ما صالح عليه، واشترط على معاوية ما اشترط عليه، فوافقاه على ما شرط، وضمنا له الوفاء من معاوية، فاجتمع النَّاسُ على معاوية وسمِّي ذلك العام عام الجماعة.
فقد أخرج البخاري عن أبي موسى قال: سمعتُ الحسنَ يقول: " استقبل والله الحسنُ ابنُ عليّ معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاصي: إنّي لأرى كتائب لا تولّي حتّى تَقْتُلَ أقرانها! فقال له معاوية، وكان والله خيْرَ الرّجلين: أي عمرو، إن قَتَلَ هؤُلاء هؤُلاء، وهؤُلاء هؤُلاء، مَنْ لي بأمور النّاس؟ مَن لي بنسائهم؟ مَنْ لي بضيعَتِهم؟ فبعثَ إليه رجلين من قُريش من بني عَبْد شمس: عبدَ الرّحمن بنَ سمُرَةَ، وعبدَ الله بنَ عامر بن كُريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرّجُلِ، فاعْرِضا عليه، وقولا له، واطلُبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه، فتكلّما، وقالا له، وطَلَبا إليه، فقال لهما الحسنُ بنُ عليّ: إنّا بنو عبد المطّلب قد أصبنا من هذا المال، وإنّ هذه الأمّة قد عاثتْ في دمائها.
قالا: فإنّه يعرضُ عليك كذا وكذا، ويطلُبُ إليك وَيَسْألك، قال: فَمَن لي بهذا؟ قالا: نحنُ لك به. فما سألهما شيئا إلاّ قالا: نحنُ لك به، فصالحه.
فقال الحسنُ: ولقد سمعتُ أبا بكرة يقول: رأيتُ رسول الله ﷺ على المنبر والحسنُ بنُ عليّ إلى جَنْبه، وهو يُقْبلُ على النّاس مرّة وعليه أخرى، ويقولُ: إنّ ابْني هذا سيّدٌ، ولعلّ الله أن يُصْلحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (١).
стр. 264
وهذا الخبر فيه أنّ الحسن كان معه من العدّة والعدد ما يحقّق له الغَلبَة، وبذلك يعرف فساد دعوى من زعم أنّ الحسن تنازل عن الخلافة عن ضَعْف وقهر، ولم يتنازل عنها اختياراً؛ لعلمه ـ بزعمهم ـ أنّ معاوية سيقاتله على الخلافة كما قاتل أباه.
كما أنّ هذه القصّة عَلَم من أعلام النُّبوَّة لإخبار الصّادق الأمين ﷺ عنها قبل وقوعها، وتحقّق ما أخبر به، وفيها منقبة للحسن ﵁ فقد ترك الخلافة لا عن عجز ولا عن قِلَّة، وإنّما تركها لمن هو أَسْوَدُ منه رغبةً فيما عند الله تعالى ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾ [القصص] أخرج أبو بكر الخلاّل بسند صحيح عن جبلة بن سحيم، قال: سمعتُ ابن عمر يقول: " ما رأيتُ بعد رسول الله ﷺ أَسْوَدَ (مِن السِّيادة) من معاوية، فقيل: ولا أبوك؟ قال: أبي عمر ﵀ خير من معاوية، وكان معاوية أسود منه " (١).
كذلك ترجِّي النّبيّ ﷺ للإصلاح من الحسن فيه دلالة على صِحَّة نزول الحسن عن الخلافة لمعاوية، فما نَزَلَ عنها الحسن ﵁ إلاّ ببرهان، وما فعل إلاّ ما أحبَّه الله ورسوله. وهذا فيه دلالة واضحة على صحّة خلافة معاوية إذ تنازل عنها الحسن تحقيقاً لرجاء النَّبيِّ ﷺ .
والرّغبة في الصّلح لم تكن عند معاوية وحده، فقد مهّد الحسن بن عليّ للصّلح منذ أن بويع بالخلافة، فقد اشترط عليهم قبل أن يبايعوه أن يسالموا مَنْ يُسالم، أخرج الحاكم عن حارثة بن مضرب، قال: سمعتُ الحسن بن عليّ يقول: " والله لا أبايعكم إلاّ على ما أقول لكم. قالوا: ما هي؟ قال: تسالمونَ من سالمت، وتحاربون من حاربت " (٢).
وبعد أن صالح الحسن معاوية خطبهم، فقال: " ... وإنّ هذا الأمرَ الّذي اخْتَلفْتُ فيه
стр. 265
أنا ومعاوية حقٌّ لامرئ وكان أحقَّ بحقِّه منِّي، أو حقٌّ لي فتركتُه لمعاوية إرادة استضلاع المسلمين وحقن دمائهم، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾ [الأنبياء] " (١).
حتّى قيس بن سعد، وهو أحد قادة كتائب الحسن لمَّا تناهى إلى سمعه خبر الصُّلح وتنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية سرَّه ذلك، وخطب في أصحابه، ورجعوا بعد ذلك فبايعوا معاوية جميعاً، ففي " المطالب العالية " بإسناد صحيح عن حبيب بن أبي ثابت قال:
" ... واستخلف النّاسُ الحسن بن عليّ ﵁ فبعث الحسن بالبيعة إلى معاوية ﵁ وكتب بذلك الحسن إلى قيس بن سعد ﵄ فقام قيس ابن سعد في أصحابه، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، أتاكم أمران، لا بُدَّ لكم من أحدهما دخول في الفتنة، أو قَتْلٌ مع غير إمام، فقال النَّاس: ما هذا؟ فقال: الحسن بن عليّ قد أعطى البيعة معاوية، فرجع النّاس، فبايعوا معاوية " (٢).
والحسن ﵁ لم يكن يرغب في الخلافة أصلاً، فقد أخرج أحمد بسند صحيح عن صدقة بن المثنى، قال حدّثني جدّي أنّ النّاس اجتمعوا إلى الحسن بن عليّ في المدائن، فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: " ... وإنّي والله ما أحببت أن أَلِي من أمر أمّة محمّد بما يزن مثقال حبّة خردل يُهراق فيها مِحْجَمَة من دمٍ " (٣).
أمّا من قال: إنّ عهد الخلافة الرّاشدة انتهى بتنازل الحسن عن الخلافة إلى معاوية ﵁ من أهل الحلّ والعقد، إلى عهد المُلك العَاضّ بدليل ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن النّعمان بن بشير، قال: ... فقال حذيفة: قال رسول ﷺ : " تكونُ النُّبوَّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعُها إذا شاء أن يرفعها، ثمّ تكون خلافة على منهاج النُّبوَّة فتكون ما شاء الله أن تكون ثمّ يرفعُها إذا شاء الله أن يرفعها، ثمّ تكون ملكاً عَاضّاً فيكون ما شاء
стр. 266
الله أن يكون، ثمّ يرفعُها إذا شاء أن يرفعها، ثمّ تكون مُلْكاً جبريّة فتكون ما شاء الله أن تكون ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعَها، ثمّ تكون خلافة على منهاج النُّبوَّة" (١).
فالجواب: أنّ الملك العاضّ ليس المراد به الملك العاضّ على الإمارة والحريص عليها كما فهم البعض، وإنّما هو الملك العاضُّ على الكتاب والسُّنَّة المتمسّك بهما، فهو وصف مدح لا وصف ذمّ وقَدْح.
دعوى أنّ معاوية كان من المسرفين
كلّ ما يُتَعَلّق به على معاوية لا يصحُّ، ومن ذلك قولهم السَّقيم ورأيهم غير المستقيم بأنَّ معاوية كان من المبذّرين المسرفين ... وهذه الدّعوى يردّها ما أخرجه أحمد في " كتاب الزّهد " عن عليّ بن أبي حملة، عن أبيه، قال: " رأيتُ معاوية على المنبر بدمشقَ يخطب النّاسَ وعليه قميص مرقوع " (٢) ولولا أنّه ﵁ كان رأساً في الزُّهد ما ذكره أحمد في كتاب الزُّهد ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النّساء].
وعليّ ﵁ كان زاهداً أيضاً، أخرج أحمد بسند صحيح عن عمرو بن قيس، قال: " رُئيَ على عليّ ثوبٌ مرقوع، فعُوتِبَ في لباسه، فقال: يقتدي المؤمن ويخشع القلب" (٣).
فمعاوية أو عليّ ﵄ كانا طالبي دِيْن لا دنيا فانية، وإذا كانت لمعاوية هفوات، فنحن لا نعتقد العصمة لأحد بعد النَّبيِّ ﷺ ، وهفواته إن وجدت فهي مغمورة في بحر فضائله ومحيط مناقبه.
стр. 267
دعوى أنّ معاوية هَمَّ بنقل منبر الرّسول ﷺ من المدينة إلى الشّام
أخرج الطّبري عن محمّد بن عمر، عن يحيى بن سعيد بن دينار، عن أبيه، قال: "قال معاوية: إنّي رأيتُ أنّ منبر رسول الله وعصاه لا يتركان بالمدينة وهم قتلةُ أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه ... " (١).
وهذه الرّواية باطلة سنداً، لأنّ محمّد بن عمر، الواقدي يضع الحديث وهو متروك، أمّا متنها فَمُنْكر، ففيه اتّهام لأهل المدينة بأنّهم قتلة عثمان وأعداؤه، وفيه اتّهام لمعاوية أنّه يُبْغِضُ الأنصار.
ومعاوية لو كان يبغض الأنصار ما ولّى أحداً منهم، فقد ولَّى معاويةُ فضالة بن عبيد الأنصاري القضاء والبحر بمصر (٢)، وأقرّ رويفع بن ثابت بن سكن الأنصاري على طرابلس (٣)، وعيّن النّعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة (٤).
ومعاوية لا يُصَدَّقُ أنّه يفكّر في نقل منبر رسول الله ﷺ وهو يعلم فضل ما بين بيته ومنبره ﷺ ، فقد ثبت في الصّحيحين قوله ﷺ : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي" (٥).
دعوى أنّ معاوية حَرَّك منبر رسول الله ﷺ فكسفت الشّمس
دعوى أنّ الشّمس كسفت لأنّ معاوية حرّك منبر رسول الله ﷺ دعوى باطلة، أخرج ذلك الطّبري بسند فيه ثلاثة مجروحين، عن محمّد بن عمر، عن سويد بن عبد العزيز،
стр. 268
عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح عن قبيصة بن ذؤيب، قال: " كان عبد الملك قد هَمَّ بالمنبر، فقال له قبيصة: أذكّرك الله أن تفعل هذا وأن تحوِّلَه؛ إنّ أمير المؤمنين معاوية حرّكه فكسفت الشّمس " (١).
فأمّا محمّد بن عمر، فهو الواقدي: متروك. وسويد بن عبد العزيز، قال عنه الحافظ: ضعيف (٢). وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، قال عنه الحافظ: متروك (٣).
والمتن لا يصحُّ؛ فقد ثبت في الصّحيحين قولُ النَّبيِّ ﷺ : " إنّ الشّمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد من النّاس، ولكنّهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فقوموا فصلّوا " (٤).
دعوى أنّ معاوية دَسَّ السُّمَّ للحسن
أمّا الأخبار الّتي فيها اتّهام لمعاوية بدم الحسن ﵁ فلا تصحّ، ومنها قول الواقدي: " وقد سمعت بعض من يقول: كان معاوية قد تلطّف لبعض خدمه أن يسقيه سمّاً" (٥).
ولا يعتبر نقل الذَّهبيّ والسّيوطيّ وابن حجر وغيرهم من أئمة أهل السُّنَّة عن الواقديّ مبرراً لأن نعتمد روايته؛ لأنّهم نقلوا عنه في كتب ليست بمظنّة الحِجَاج والتّعليل، ولهم أقوال صريحة وصحيحة فيه في كتب التّراجم والجرح والتّعديل، وهي المعتمدة عند
стр. 269
الدّراسة والاستقصاء والتّحقيق.
ولا يُصدَّق أنّ صحابيّاً يأمر بقتل أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فما بالك إذا كان هذا الصَّحابيُّ من آل البيت الّذين افترض الله مودّتهم وأوجب احترامهم على كلّ مسلم، بقوله تعالى خطاباً لنبيّه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ... (٢٣)﴾ [الشّورى] فالله تعالى جعل أَجْرَ النَّبيِّ ﷺ على ما جاءهم به من الهدى المودّة في أهل بيته، وهذا المعنى لا يخفى علينا حتّى يخفى على معاوية.
كما لا يخفى على معاوية عظيم قدر آل البيت، فقد أمر النَّبيُّ ﷺ بالصّلاة والسّلام عليه وعلى آل بيته، روى مسلم عن كَعْب بن عُجْرَة قال:
" خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقلنا: قد عرفنا كيفَ نُسلّمُ عليك، فكيف نُصلّي عليك؟ قال: قولوا: اللهُمَّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على آل إبراهيم إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ، اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد " (١) فأقام ﷺ أهل بيته في الصّلاة والسّلام بعد التَّشهُّد مقام نفسه.
وهذا أبو بكر ﵁ يوصي النّاس بالمحافظة على الحسن والحسين وألاّ يؤذيهم أحد، فيقول: " ارقبوا محمَّداً ﷺ في أهل بيته" (٢) بمثل هذا كان يتواصى الصّحابة ﵃، فأصحاب النَّبيُّ ﷺ خيرُ من كان يعلم فضائل آل البيت، وفضائل آل البيت والوصايا بهم كثيرة لا يجحدها مسلم.
ولعلّ أظهر ما يردّ هذه التّهمة الباطلة قول ابن خلدون: " وما ينقل من أنّ معاوية دسَّ إليه السُّمَّ مع زوجته جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشّيعة، وحاشا لمعاوية من ذلك " (٣).
стр. 270
وقول ابن تيمية في معرض ردّه على قول من قال إنّ معاوية سَمَّ الحسن: " ولم يثبت ذلك ببيّنة شرعيّة، أو إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به. وهذا ممّا لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم " (١).
دعوى أنّ معاوية أكره النّاس على مبايعة يزيد
وممَّن لم ينصفهم المؤرِّخون نتيجة ما نقلوه عن الوضَّاعين يزيد بن معاوية، الّذي قال النَّبيُّ ﷺ في حقّه: " أوّل جيشٍ من أمّتي يغزون مدينة قيصر مغفورٌ لهم " (٢) فكان أوّل جيش غزى مدينة قيصر بقيادة يزيد بن معاوية ﵁ وإذا كان الجيش مغفوراً له، فما بالك بقائد هذا الجيش!
ومن هذه الأباطيل الّتي يُتَجنَّى بها على يزيد أنّ معاوية أكره النَّاس على مبايعة يزيد، وأنّ بيعته غير صحيحة، وأنّ أهل المدينة خلعوه لِمَا بَلَغَهُم عنه من شُرْب الخمر وغير ذلك من الأباطيل الّتي لو صحَّ منها شيءٌ ما وقف الصَّحابيُّ الجليل عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄ يومها يدافع عنه ويقرِّرُ صِحَّةَ ولايته، ويكذّب ما بلغهم عنه، فقد أخرج البخاري عن نافع، قال:
" لمّا خلع أهلُ المدينة يزيدَ بن معاوية جمع ابنُ عمر حَشَمَه وولده، فقال: إنّي سمعتُ النّبيّ ﷺ يقولُ: يُنْصَبُ لكلِّ غادر لواءٌ يومَ القيامة، وإنّا قد بايعنا هذا الرّجل على بيع الله ورسوله، وإنّي لا أعلمُ غَدْراً أعظمَ من أن يُبايعَ رجلٌ على بيع الله ورسوله، ثمّ يُنْصَبُ له القتالُ، وإنّي لا أعلَمُ أحداً منكم خَلَعَه ولا بايع في هذا الأمر إلاّ كانت الفيصل بيني وبينه" (٣).
وهذا الحديث يكذّب أيضاً دعوى أنّ عبد الله بن عمر ﵄ كان يطمع
стр. 271
في الخلافة؛ فهو يرى أنّ البيعة قد انعقدت ليزيد، ولا يرى ما يوجب نقض بيعته، فلو كان يطمع في الدّنيا كما يتقوَّلون ما قال عبد الله ذلك. وهذا الكلام أسوقه ليعلم القارئ أنّ أحداً من أصحاب النَّبيِّ ﷺ لم يسلم من النّقد والتّجريح من الوضّاعين حتّى يسلم يزيد وهو من كبار التّابعين!
ويزيد بن معاوية عنده من تقوى الله ما لو وُزِّع على عُدَاته لكفاهم، فهذا معاوية ﵁ يقول ليزيد: " كيف تراك فاعلاً إن وليت؟ قال: يمتع الله بك يا أمير المؤمنين، قال: لتخبرني. قال: كنْتُ والله يا أبة عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطّاب، فقال معاوية: سبحان الله يابنيّ، والله لقد جهدتُ على سيرة عثمان بن عفّان فما أطقْتُها، فكيف بك وسيرة عمر؟! " (١).
وقد صدق معاوية ﵁؛ فإنّ عمر بن الخطّاب ﵁ قد أعجز بسيرته من كان بعده! ولا يتقدّم عليه بالفضل إلاّ أبو بكر ﵁، وهذا عثمان بن عفّان ﵁ لمّا جفاه عبد الرّحمن بن عوف ﵁ لأسباب منها تَرْكُه سنّة عمر ﵁ بيّن له عثمان أنَّ سُنَّةَ عمر لا يطيقها عثمان ولا يقدر عليها عبد الرّحمن ابن عوف ولا غيره ﵃ جميعا ـ، أخرج أحمد بسند صحيح عن عاصم عن شقيق، قال:
" لقي عبد الرّحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: مالي أراك قدْ جفَوْتَ أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبْلغه أنّي لم أفِرَّ يوم عينين، قال عاصم: يقول يوم أحد، ولم أتَخَلَّفْ يوم بدر، ولم أترك سنّة عُمر، قال: فانْطلق فخبَّرَ ذلك عُثْمان، قال: فقال: أمَّا قوله إنّي لم أفرَّ يوم عينين فكيف يُعيّرني بذنب وقد عفا الله عنه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ... ... (١٥٥)﴾ [آل عمران] وأمّا قوله إنّي تخلّفتُ يوم بدر فإنّي كنْتُ أمرِّضُ رقيّة بنت
стр. 272
رسول الله ﷺ حين ماتت، وقد ضَرَبَ لي رسول الله ﷺ بسهمي، ومن ضرب رسول الله ﷺ بسهمه فقد شهد، وأمَّا قوله إنّي لم أتركْ سنَّة عُمر فإنِّي لا أطيقها ولا هو، فَأْتِه فحدِّثه بذلك " (١).
وإذا كان كبار الصّحابة لا يستطيعون سنّة عمر، فكيف لهم بسُنَّة النَّبيِّ ﷺ الّذي كان يُعْصَمُ بالوحي!
معاوية ستر للصّحابة ﵃ ـ
وحُبُّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ الميزان فيه حُبُّ معاوية ﵁ فلا تنفع محبة للصّحابة تنقصها محبّة أحد من أصحابه ﷺ ، ومن جرح واحداً من الصّحابة فهو المجروح دونهم!
قال أبو توبة الرّبيع بن نافع الحلبيّ: " معاوية ستر لأصحاب محمّد ﷺ ، فإذا كَشَفَ الرّجلُ السّترَ اجترأ على ما وراءه" (٢) فهناك من يتجرّأ على معاوية ليجعل من ذلك مدخلاً للطّعن على غيره من الصّحابة ﵃.
وقال الميمونيّ: قال لي أحمد بن حنبل: " يا أبا الحسن، إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصّحابة بسوء فاتَّهِمْهُ على الإسلام " (٣).
دعوى أنّ يزيد لم يسلم من دم الحسن والحسين
أمّا الأخبار الّتي فيها اتّهام ليزيد بدم الحسن فلا تَصِحُّ، فقد ورد أنّ الحسن ﵁ لم يكن متيقِّناً من قاتله، فإنّه لمّا أشرف الحسن ﵁ على الموت دخل عليه الحسينُ فوجده يجود بأنفاسه الأخيرة، فسأله عن قاتله، فامتنع عن إخباره، فقد ورد أنّ
стр. 273
الحسين جاءه وهو يسوق (١) فقال: " أي أخي، أنبئني من سقاك؟! قال: لمَ؟ لتقتله؟ قال: نعم. قال: ما أنا مُحَدّثُكَ شيئاً، إن يكن صاحبي الّذي أظنُّ، فالله أشدُّ نقمةً، وإلاّ فوالله لا يُقْتَل بي بريء " (٢).
وعن قتادة: " قال الحسن للحسين: قد سُقيتُ السُّمَّ غير مرّة، ولم أُسْقَ مثل هذه، إنّي لأضعُ كبدي، فقال: مَنْ فعله؟ فأبى أن يُخبره " (٣).
وأظهر ما يردُّ هذه الدَّعوى ما رواه المدائني: " أنّ عبد الله بن عبّاس وفد إلى معاوية، فأمر معاوية ابنه يزيد أن يأتيه فيعزّيه في الحسن بن عليّ، فلمّا دخل على ابن عبّاس رحّب به وأكرمه، وجلس عنده بين يديه، فأراد ابن عبّاس أن يرفع مجلسه فأبى، وقال: إنّما أجلس مجلس المعزّي لا المهنّي، ثمّ ذكر الحسن، فقال: رحم الله أبا محمّد أوسع الرّحمة وأفسحها، وأعظم اللهُ أجْرَكَ وأحسَنَ عزاءك، وعوّضك من مصابك ما هو خيرٌ لكَ ثواباً وخير عقبى. فلمّا نهض يَزِيدُ من عنده، قال ابن عبّاس: إذا ذهب بنو حرب ذهبَ علماءُ النّاس " (٤).
وقد توفيّ الحسن ﵁ في عهد معاوية، قال البخاريّ: " توفيّ الحسن بن عليّ بعد ما مضى من إمارة معاوية عشرُ سنين " (٥).
أمّا اتّهام يزيد بدم الحسين، فباطل من وجوه، أظهرها ما رواه البخاري عن عبد الله ابن عمر ﵄ قال لرجل من أهل العراق يسأله عن مُحْرِمٍ قتل ذباباً ماذا يلزمه؟ فقال ﵁: " أهلُ العراق يسْألونَ عن الذّباب! وقد قَتَلوا ابنَ ابنة رسول الله
стр. 274
- ﷺ ، وقال النَّبيُّ ﷺ : هما ريحانتاي من الدُّنيا " (١) فهذا ابن عمر ﵄ يصرِّحُ بأنّ قتلة الحسين هم أهل العراق الّذين يسألون عن الشيء اليسير وقد فرَّطوا بالشيء الجليل! ولم يَقُلْ قتله أهل الشّام.
وأخرج نحوه أحمد بسند صحيح عن ابن أبي نعم، قال: " كنْتُ عند ابن عمر، فسأله رجلٌ عن دَمِ البعوض، فقال: ممّن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا يسألُني عن دَم البعوض وقد قتلوا ابنَ رسول الله ﷺ ، وقد سَمعْتُ رَسُولَ الله يقول: هما ريحانتي من الدُّنيا ﵄ " (٢).
أمَّا خبر جعدة فلا يصحُّ، وقد أنكره ابن كثير، فقال: " وروى بعضهم أنّ يزيد بن معاوية بعث إلى جعْدة بنت الأشعث أنْ سمِّي الحسن وأنا أتزوجك بعده، ففعلت؛ فلمّا مات الحسن بعثتْ إليه، فقال: إنّا والله لم نرضك للحسن أفنرضَاكِ لأنفسنا؟ وعندي أنّ هذا ليس بصحيح، وعدم صحّته عن أبيه معاوية بطريق الأَوْلَى والأحرى " (٣).
خاب وخَسِر من افترى الكذب على دولة بني أميّة
لا معنى لكلام من يطعن في دولة بني أميَّة؛ فقد جمعت دولتهم خير النَّاس: الصَّحابة، والتَّابعين، وأتباع التَّابعين، فحظيت بقول النَّبيِّ ﷺ : " خير النّاس قرني (٤)، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم " (٥).
стр. 275
وقد بدأت دولة بني أميَّة سنة إحدى وأربعين من الهجرة بعد تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، واستمرّت إلى سنة مائة واثنتين وثلاثين من الهجرة. ومن قرأ تاريخ عهد بني أميَّة عجب من القادة الأعلام الَّذين نشروا الإسلام في طول البلاد وعرضها في ذلك الزّمان، ففي عهد الوليد بن عبد الملك وحده، فتح قتيبة بن مسلم الباهليّ: بُخارى، وسَمَرْقند، وخوارِزْمَ، وطشْقَنْد ... ونَشَرَ الإسلامَ فيها وكان يومها عاملاً على خُرسان للحجّاج بن يوسف الثَّقفيّ.
كما وجّه الحجّاج محمَّد بن القاسم إلى بلاد السِّند (باكستان وأفغنستان) فكان له فتح مَكران والدّيبل والملتان ... وتمّ في عهد الوليد أيضا فتح الأندلس، حيث فتح طارق بن زياد قُرْطُبة، وغرناطة، وطليطلة ... والتقى مع موسى بن نصير في طليطلة، فكان فتح إشبيلية، وماردة، وباجة ...
ولو لم يكن لدولة بني أميَّة سوى أنّها أنجبت عمر بن عبد العزيز لكفى!
* * *
стр. 276
المبحث الثّاني
التأليف بين الأمة مقصد عظيم
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ... (٧٨)﴾ [الحجّ]
التَّحذير من فتنة الجماعات !
ينبغي للمسلم أن يحذر من فتنة الجماعات، وألاّ يزيد في فرقة المسلمين بتعصُّبه إلى جماعة أو فرقة؛ فإنّك ترى في هذا الزّمان من يوالي ويعادي لأجل جماعته! دون فقه بعقيدة الولاء والبراء، فالواجب أن نعتصم بحبل الله جميعاً وألَّا نتفرَّق، فقد عاب الله تعالى على المشركين أنّهم فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً وجماعات، وحذّرنا أن نكون مثلهم، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الرّوم].
فهذه الفرق والجماعات على اختلاف أسمائها لم تكن في عهد النَّبيِّ ﷺ ، ولم يأمر بها؛ فإنّ الله سمَّانا المسلمين من قبل القرآن ومن بعده، وأمرنا أن نعتصم به جلّ قدره، قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ... (٧٨)﴾ [الحجّ].
كما سمّى الله تعالى المؤمنين أخوة في الدّين والولاية ولم يسْتَثْنِ أحداً، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... (١٠)﴾ [الحجرات] فالأصل أنّنا أخوة نرجع إلى أصل النَّسب آدم وحواء إذا كنّا مؤمنين بحقّ.
والولاء والبراء لا يعني أن نوالي جماعة ونتبرَّأَ من الجماعات الأخرى، بل الولاء أن توالي الله تعالى، ورسوله ﷺ ، والذّين آمنوا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
стр. 277
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة] وعن عمرو بن العاص قال سمعتُ رسول الله ﷺ جهاراً غيْر سرّ، يقول: " ألا إنّ آل أبي ـ يعني فلانا ـ ليسوا بأولياء، إنّما وليّي الله وصالح المؤمنين " (١) والبراء يكون من الكافرين، قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ... (٢٨)﴾ [آل عمران] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [التوبة].
آنَ لهذه الأمّة أن تعود إلى سالف مجدها، آنَ لهذا الخلف الّذي اتّبع الشّهوات والمتشابهات أن يعود إلى الحقّ الّذي كان عليه السّلف، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... (١١٠)﴾ [آل عمران].
وانظر ما يوحي إليه لفظ ﴿أُمَّةٍ﴾ هاهنا، أي أمّة واحدة، إلهها واحد، ودينها واحد، وكتابها واحد، وقبلتها واحدة، ولغتها واحدة، هكذا كانت هذه الأمّة وهكذا ينبغي أن تكون حتّى يرث الله الأرض ومن عليها!
فإن قال قائل: لكنّا نشهد غربة الإسلام، ونسمع عن اختلاف السّلف ونرى ونشهد فرقة الخلف، فلكلّ أمّة إمام، والجميع دون إمام! فكيف نكون خير أمّة والحال ليس كما كان عليه الصّحابة الكرام؟!
فالجواب أنّ علينا أن نكون على ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ وأصحابه، فهذا مالك بن أنس ﵁ يقول " لن يُصلِحَ آخر هذه الأمّة، إلاّ ما أصلح أوّلها" وحتّى نكون كذلك يجب أولاّ أن نعتزل هذه الفرق كلَّها، فهذا الصّحابيّ الجليل حذيفة بن اليمان ﵁ يأمره النَّبيُّ ﷺ باعتزال الفرق كلّها إذا أمدّ الله في عمره وأدرك زماناً لم يكن للأمّة
стр. 278
فيه جماعة ولا إمام، يقول ﵁:
" كان النَّاس يسألون رسولَ الله ﷺ عن الخير، وكنت أسألُه عن الشَّرِّ مخافة أن يدركَنِي، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّا كنّا في جاهليّةٍ وشرّ، فجاءنا اللهُ بهذا الخير، فهل بعد هذا الخيرِ شرٌّ؟ قال: نعم. فقلتُ: هل بعد ذلك الشّرّ من خيرٍ؟ قال: نعم. وفيه دَخَنٌ. قلتُ: وما دَخَنُهُ؟ قال: قوم يَسْتَنّونَ بغير سُنّتي، وَيَهْدونَ بغير هَدْيي، تعرفُ منهم وتُنْكرُ. فقلتُ: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال نعم، دُعَاةٌ على أبوابِ جَهنّمَ، من أجابَهُم إليها قذفوه فيها. فقلت: يا رسولَ الله، صِفْهُم لنا. قال: نعم، قومٌ من جلدتنا، ويتكلّمونَ بألسنتنا. قلتُ: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال تلزمُ جماعةَ المسلمين وإمامَهُم. فقلتُ: فإن لم تكن لهم جماعةٌ ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلّها ولو أن تَعَضّ على أصل شجرة حتّى يدركَكَ الموتُ وأنت على ذلك " (١).
فنحن نريد أن نُجمِّعَ لا أن نفرِّقَ، ونريد أن نؤلِّفَ لا أن نشتِّتَ، وممّا لا ريبَ فيه أنّ التَّأليفَ بين الأمّة ـ بعد أن انفرط عقدها ـ مقصدٌ عظيمٌ من مقاصد الشّريعة الإسلاميّة؛ فأعداؤنا منذ غابر الأزمان يريدون لهذه الأمّة أن تكون أُمَماً، ولهذه الفرق أن تظلّ فرقاً لا ريح لها، لتبقى الأمّة الإسلاميّة متفرّقة، عاجزة عن الوقوف في وجه أعدائها، الّذين اجتمعوا عليها كما اجتمعت الأكلة على قصعتها!
وقد قَصَّ الله تعالى علينا نبأ فرعون الّذي علا في الأرض بأن جعل أهلها فرقاً وجماعات، وأغرى بينهم العداوة والبغضاء؛ ليبقوا ضعفاء، ولا يقووا على دفع الظلّم عن أنفسهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ... (٤)﴾ [القصص].
وإنّما أقول هذا الكلام للمؤمنين ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ [طه] قال
стр. 279
تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام] وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ... (٧١)﴾ [التوبة].
وأنا أعلم أنّ الله تعالى قد أمضى علينا التّفرُّقَ قدراً، بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ... (١١٩)﴾ [هود] لكنّ الله أمرنا أن ندفع هذا التَّفرُّقَ، فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ... (١٠٣)﴾ [آل عمران] وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ... (١٠٥)﴾ [آل عمران] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ... (١٥٩)﴾ [الأنعام] وقال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... (١٣)﴾ [الشّورى] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فإذا كان الأمر كذلك، كيف ندفع التَّفرُّقَ شرعاً؟! الجواب، بأن نردَّه إلى الله والرّسول، وبفهم السّلف الصّالح، لا بفهم أحدنا وتأويله، فذلك خيرٌ من التَّنازع وأحْسَنُ مَآلاً.
فإن قال قائل: لكنّ الله أوجب علينا أن نبيّن الحقّ للناس وإن كان الحقُّ مرّاً قولاً ودفاعاً! بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ... (١٨٧)﴾ [آل عمران].
فالجواب، أنّ جهاد البيان والحجّة والبرهان سابق على جهاد السِّنان، قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان] أي جاهد الكفَّار بالقرآن وحججه الربّانيّة وآياته التنزيليّة، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... (١٢٥)﴾ [النّحل].
стр. 280
التّحذير من فتنة التّكفير !
كما ينبغي للمسلم أن يحذر من فتنة التّكفير، فلا يكون لأحد يؤمن بالله ورسوله أن ينجرَّ إلى التّكفير دون فقه بقواعد التأويل، فقد حَذَّر النَّبيُّ ﷺ أن يكفِّر أحدٌ أخاه من غير تأويل سَائغٍ، أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: " إذا قال الرّجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما " (١) وأخرج مسلم عن عبد الله بن دينار أنّه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : " أيّما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلاّ رجعت عليه " (٢) وقال ﷺ : " ومَن قَذَفَ مؤمنا بِكُفْرٍ فهو كقَتْلِهِ " (٣).
والأعظم من ذلك الجزم بتكفير العموم بسبب أقوال أو أفعال من هنا أو هناك، فإنّك تجد من النّاس ناساً يكفّرون طائفة، أو جماعة، أو فرقة بقضّها وقضيضها، من ألفها إلى يائها، ويخرجونها من الإسلام، ويرمونها عن قَوْسٍ واحدة، ويقطعون أنّها في النّار؛ لأَجْل ظاهر لأفراد منها في زمن من الأزمان، وقد يكون هذا الظّاهر مخالفا حقيقةً لِواقِعٍ، ولا يغفرون لها مهما تعاقبت العصور، وتوالت الدُّهور! فهل اطّلع هؤلاء على قلوب العباد حتّى كشفوا عن سرائرهم واستيقنوا ممّا خَلَصُوا إليه؟! أم أنّهم عُيِّنوا على الّلوح المحفوظ حتّى علموا حال هؤلاء، وخواتيم أعمالهم؟!
ومَنْ تدبّر الآية الثالثة عشرة بعد المائة من سورة البقرة وجد فيها ما ينهاه عن ذلك، فقد عاب الله تعالى على المشركين العرب وغيرهم أنّهم قالوا لكلّ ذي دين ليسوا على شيء، وشبّه أخلاقهم بأخلاق اليهود والنّصارى، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ [البقرة].
стр. 281
وهذا أسامة بن زيد ﵄ لمّا بعثه رسول الله ﷺ في سريّة أدرك رجلاً من الكفّار فقتله بعد قوله لا إله إلاّ الله، يقول أسامة: " فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنَّبيِّ ﷺ فقال رسول الله ﷺ : أقال لا إله إلاّ الله وقتلته؟! قال: قلت: يا رسول الله، إنّما قالها خوفاً من السّلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتّى تعلم أقالها أم لا! فما زال يكررها حتّى تمنّيتُ أنّي أسلمتُ يومئذ " (١).
فنحن لسنا مأمورين بِنَقْب قلوب العباد، والاطّلاع عليها، للنظر إن كان ما قاله العبد معتقداً إيّاه قلبه، أم أنّ ما قاله من اللسان ولم يقصده القلب ببرهان.
وبعد، فالحديث الشّريف المتقدّم فيه مصداق للقاعدة الشَّهيرة في الفقه والأصول " أنّ الأحكام يعمل فيها بالظّواهر، والله يتولّى السَّرائر ".
والمذهب الحقّ ـ الّذي ندين الله به ـ أننا لا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب ولا بكبيرة من كبائر الذّنوب، بل لا نكفّر أحداً من أهل الأهواء والبدع ما لم يستحلّ ما هو معلوم من الدّين بالضرورة، إلاّ أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ بمكان منكور، وجهل ذلك، فَيُعرَّف، فإن لم يرجع حُكِم بكفره.
وقد أصاب الإمام الشّوكاني حين قال: " وباب التّكفير باب خطر ولا نعدل بالسّلامة شيئاً " (٢).
وهناك مقولة فاسدة عند الغلاة مفادها أنّ من كفَّرَنا كفَّرْناه، فمن كفَّر مسلما فقد كفر، وهذا فكر فاسد؛ وإلاّ فما الفرْق بين الفريقين؟!
فهذا عليّ ﵁ لمَّا سُئِل عن الخوارج إن كانوا كفَّاراً، نفى أن يكونوا كذلك، أخرج الصّنعاني عن شيخه عبد الرّزاق عن معمر، سمع الحسن، قال:
" لمّا قَتَلَ عليّ ﵁ الحروريّة، قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفّار
стр. 282
هم؟ قال: من الكفر فَرُّوا، قيل: فمنافقين؟ قال: إنّ المنافقين لا يذكرون الله إلاّ قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً، قيل فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصَمُّوا " (١) ذلك أنّ الخليفة عليّ ﵁ يقرأ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ... (٩٤)﴾ [النّساء].
ولذلك تورَّعَ أعلامُ العلماء المسلمين عن تكفير الخوارج، مع ما صَحَّ عنهم من أحاديث تصفهم بالمروق من الدِّين، وتأمر بقتلهم.
ولذلك قال النّووي: " ... وقد سبق الخلاف في تكفيرهم وأنّ الصَّحيح عدم تكفيرهم " (٢).
ومن تدبَّر الآيات والأحاديث عَلِم ما قلنا؛ فقد أثبت القرآن الأخوّة بين القاتل العمد وولي المقتول إن كان مسلماً، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ... (١٧٨)﴾ [البقرة] فكلمة أخيه تفيد بأن القتل لا يقطع أخوّة الإيمان، فالكبائر لا تنقض الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ... (٩)﴾ [الحجرات] فسمّاهم المؤمنين، بل أكّد الإيمان والأخوّة بينهما، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات].
ومن الأحاديث في هذا المعنى قوله ﷺ : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار " (٣) فسمّاهما مسلمين رغم الاقتتال.
وهذا الحديث لا ينطبق على الصّحابة الّذين شاركوا في الجمل وصفّين، فإنّهم متأوّلون
стр. 283
مجتهدون، وأهل الحقّ مجمعون على كمال عدالتهم، وعدالتهم ثابتة في القرآن والسُّنَّة.
كذلك قوله ﷺ : " وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين مِلّة كُلّهم في النّار إلاّ ملّة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي " (١).
فسمّاهم النَّبيُّ ﷺ أمّته مع الافتراق، فالأصل أنّها من أمّة محمّد ﷺ وإذا كان النَّبيُّ ﷺ قد حكم عليها أنّها في النّار فلا يخفى على من كان له قلب أنّه سَكَتَ عن خلودها في النّار، فلم يقل: كلّها خالدة مخلّدة في النّار!
وهذا الحديث لا يفهم منه أنّ النَّبيَّ ﷺ يدعو إلى الفُرْقَة، كما أنّه لا ينصّ على فرقة ناجية باسمها، وإنّما بيّن الفرقة النّاجية، وهي الَّتي على ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ وأصحابه، فمن كان على ذلك فهو ناجٍ إن شاء الله تعالى.
هذا وكلّ الشبهات التي يستند إليها الغلاة مردودة بالمحكمات البيّنات.
قلة أهل الحقّ وكثرة أهل الباطل !
لا يحزنك قلَّةُ أهل الحقّ وكثرة أهل الباطل، فأهل الحقّ قليل؛ لأنّ أمر الحقّ يصعب على أكثر من في الأرض، وقد أقسم ربُّ النّاس على خسارة النّاس، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ ثمّ استثنى منهم فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر] والغالبيّة في طرف المستثنى منه، وهو استثناء عام متّصل يدخل تحته كلّ مؤمن ومؤمنة.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... (١١٦)﴾ [الأنعام] وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف] فالكثرة الكاثرة على باطل.
стр. 284
وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ] فالقلّة القليلة شاكرة (١)، وقال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ [الواقعة] وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ... (٢٤)﴾ [ص]. و ﴿مَا﴾ في الآية زائدة للإبهام والتّعجّب من قلّتهم.
طوبى لهذه الأمّة وحسن مآب !
من ثمرات طاعة الله تعالى والرّسول واتّباع هديه وسنّته: مواكبة النّبيّين، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين في دار النّعيم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النّساء].
وكم هي الآيات والأحاديث الّتي تحمل بين طيّاتها بشرى لهذه الأمَّة، ومن ذلك ما أخرجه البخاري من طريق أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ ومعاذ رديفُهُ على الرّحل، قال: " يا معاذ بن جبل، قال: لبّيك يا رسولَ الله، وَسَعْديك ثلاثاً، قال: معاذ، قال: لبّيك يا رسولَ الله، وَسَعْديك ثلاثاً، قال: ما من أحد يَشْهَدُ أنّ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله صدقاً من قلبه، إلاّ حرّمهُ اللهُ على النّار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبرُ به النّاسَ؛ فيستبشروا. قال: إذاً يتَّكِلوا (٢). وأخبر به معاذٌ عند موته تأثُّماً (٣) " (٤).
الأوصاف الّتي شاركت بها أمتنا النَّبيَّ ﷺ -
وقد شاركت أمتنا النَّبيَّ ﷺ بأوصاف منها: أنّ الله تعالى قال للنَّبيِّ ﷺ : ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ
стр. 285
عَلَيْكَ ... (٢)﴾ [الفتح] وقال لأمّته: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ... (٣)﴾ [المائدة].
وقال للنَّبيِّ ﷺ : ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح] وقال لأمّته: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحجّ].
وقال للنَّبيِّ ﷺ : ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح] وقال لأمّته: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الرّوم].
وقال للنَّبيِّ ﷺ : ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ ... (٧٤)﴾ [الإسراء] وقال لأمّته: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ... (٢٧)﴾ [إبراهيم].
وقال للنَّبيِّ ﷺ : ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ [القلم] وقال لأمّته: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التّين].
وقال للنَّبيِّ ﷺ : ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النّساء] وقال لأمّته: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ... (١٤٣)﴾ [البقرة].
وقال للنَّبيِّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... (٥٦)﴾ [الأحزاب] وقال لأمّته: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ ... (٤٣)﴾ [الأحزاب].
كما شاركت أمّتنا سائر الأنبياء بأوصاف كثيرة، فما أعظمها من أمّة!
* * *