← Акыда

Акыда · id 5367

التصوف - المنشأ والمصادر

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (291 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة لئلا تبطل آياته , وتدحض حججه) (١). وبمثل ذلك قال الحكيم الترمذي , وأحمد بن زرّوق: (لا تخلو الدنيا في هذه الأمة من قائم بالحجة) (٢). وقال السلمي في مقدمة طبقاته: (واتبع (الله) الأنبياء ﵈ بالأولياء , يخلفونهم في سننهم , ويحملون أمتهم على طريقتهم وسمتهم , فلم يخل وقتا من الأوقات من داع إليه بحق أو دال عليه ببيان وبرهان. وجعلهم طبقات في كل زمان , فالوليّ يخلف الوليّ ... فعلم ﷺ أن آخر أمته لا يخلو من أولياء وبدلاء , يبيّنون لأمته ظواهر شرائعه وبواطن حقائقه) (٣). وقال ابن عربي: (لا يخلو زمان عن كامل) (٤). وقال أحد أتباعه البارين علاء الدولة السمناني: (ولا بدّ في كل حين من مرشد يرشد الخلق إلى الحق , خلافة عن النبي المحق , ولابدّ للمرشد من التأييد الإلهي , ليمكن له تسخير المسترشدين , وإفادة المستفيدين , وتعليم المتعلمين ... وهو العالم , الوليّ , الشيخ. وإلى هذا أشار النبي ﵇ حيث قال: الشيخ في قومه كالنبي في أمته ... ولا يكون قطب الإرشاد في كل زمان من الأزمان إلا واحد يكون قلبه على قلب المصطفى صاحب الوراثة الكاملة) (٥). وقال صاحب الجمهرة: (قد صحت الروايات والنصوص المؤكدة الثابتة بالكتاب والسنة على أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة , ومن عارف بالحقيقة الكامنة خلف الظواهر , ومن مميّز بين اللباب والقشور , وعابد لله على الوجه الصحيح , وسائر إلى الله على بصيرة

стр. 212

صريحة , وعقيدة وضاءة إلى أن تقوم الساعة) (١). ونقل عن قطب الدين القسطلاني في كتاب له في التصوف: (أن الله بحكمته ونعمته أقام في كل عصر من جعل له لسانا معبرا عن عوارف المعارف الإلهية , مخبرا عن لطائف العواطف الربانية , يصل الله به ما أنقطع من علوم الأنبياء ومعارف الأولياء) (٢). وقال لسان الدين بن الخطيب: (ولا بدّ عندهم أن يكون في العالم شخص واصل إليه في كل زمان , وهو الخليفة المتلقي عن الله أسرار الموجودات , أما ظاهرا فنبيّ ورسول أو باطنا فقطب) (٣). وقال الشعراني نقلا عن عليّ الخواص أنه قال: (من نعم الله تعالى على عباده كونه تعالى لا يخلي الأرض من قائم له بحجة في دينه , رضية لولايته , وأختاره لمعاملته , يبين به دلالاته , يوضح به طرقاته , فطوبى لمن كان كذلك في هذا الزمان) (٤). وهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه بعد ذكر كلام الصوفية في هذا الخصوص: (وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لابدّ في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين , لا يتم الإيمان إلا به) (٥). وُجُوبُ مَعْرِفَةِ الإمَامِ وبمناسبة ما ذكرناه آنفا نريد أن نورد ههنا معتقدا شيعيا آخر مرتبطا بالعقيدة السالف ذكرها , وهو أنه يجب على الناس معرفة ذلك الإمام الذي لا تخلو الأرض منه , ومن مات ولم يعرف الإمام فقد مات ميتة جاهلية , أو ميتة كفر وضلال كما قال الشريف المرتضى الشيعي الملقب بعلم الهدى عند القوم:

стр. 213

(إن المعرفة بهم (يعني بالأئمة) كالمعرفة به تعالى , فإنها إيمان وإسلام , وأن الجهل والشك فيهم كالجهل والشك فيه فإنه كفر , وخروج من الإيمان , وهذه المنزلة ليست لأحد من البشر إلا لنبينا ﵌ والأئمة من بعده , علي وأولاده الطاهرين ... والذي يدل على أن معرفة إمامة من ذكرناه من الأئمة ﵈ من جملة الإيمان , وأن الإخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان بإجماع الإمامية) (١). وقال الطوسي الملقب بشيخ الطائفة: (دفع الإمامة كفر , كما أن دفع النبوة كفر , لأن الجهل بهما على حدّ واحد , وقد روى عن النبي ﵌ أنه قال: من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية , وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر) (٢). ولقد أورد محدثو الشيعة روايات كثيرة في هذا المعنى في أبواب مستقلة بوبوها في مصنفاتهم , مثل الكليني في كافيّه , وابن بابويه القمي في كتبه , والطوسي في شافيه , والبرقي في محاسنه , والنعماني في غيبته , والحر العاملي في فصوله , والمجلسي في بحاره , والبحراني في برهانه , وغيرهم في غيره , حتى قال محدثهم العاملي: (الآيات والروايات من طريق العامة والخاصة , والأدلة في ذلك أكثر من أن تحصى) (٣). فهذا المعتقد من المبادئ الشيعية الأساسية التي بُنى عليها مذهب القوم. والمقصود منه أنه يجب على كل شخص أن يعتقد بعدم خلو الأرض من إمام , ثم يوجب على نفسه أن يعرفه , ويجعله قدوة له , وهاديا ومرشدا ومطاعا , فيأخذ منه معالم الدين , ويهتدي بهديه , ويسلك مسلكه , وينهج بمنهجه , وبدونه وبدون إرشاده وتوجيهه يضلّ الطريق , ويهوي في المزالق والمهالك , مزالق الكفر ومهالك الجاهلية. هذا ما يعتقده الشيعة , ولم يكن غريبا أن يؤمن بهذا المبدأ , ويعتقد بهذا المعتقد مشائخ الصوفية , وكبراء التصوف , لأنهم وراءهم حذو القذة بالقذة , فقالوا:

стр. 214

من لم يكن له شيخ فإمامه الشيطان كما ذكر ذلك المتصوفة عن أبي يزيد أنه قال: (من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان) (١). ويقول لسان الدين بن الخطيب: (يكون المرتاض يعتمد على شيخ ويلقي أزمته بيده , ليهديه قبل أن تسبقه إليها يد الشيطان. كن المعزي لا المعزى به ... إن كان لا بدّ من الواحد ومما ينقل: من لم يكن له شيخ كان الشيطان شيخه) (٢). وبمثل ذلك قال ابن عربي: (اعلم أن مقام الدعوة إلى الله , وهو مقام النبوة والوراثة الكاملة , والحاصل فيه يقال له النبي في زمان النبوة , ويقال له الشيخ الوارث والأستاذ في حق العلماء بالله من غير أن يكونوا أنبياء وهو الذي قالت فيه السادة من أهل طريق الله , من لم يكن له أستاذ فإن الشيطان أستاذه) (٣). وقال الشعراني: (اعلم يا أخي أن أحدا من السالكين لم يصل إلى حالة شريفة في الطريق أبدا إلا بملاقاة الأشياخ ومعانقة الأدب معهم , والإكثار من خدمتهم , ومن ادعى الطريق بلا شيخ كان شيخه إبليس ... وقد كان الإمام أبو القاسم الجنيد ﵀ يقول: من سلك بغير شيخ ضلّ وأضلّ) (٤). وكتب في كتابه (الأخلاق المتبولية) نقلا عن علي المرصفي أنه قال: (لو أن مريدا عبد الله تعالى كما بين السماء والأرض بغير شيخه فعبادته كالهباء المنثور ... وسمعت سيدي علي الخواص رجمة الله يقول:

стр. 215

(لو أن العبد قرأ ألف كتاب في العلم ولا شيخ له فهو كمن حفظ كتب الطبّ مع جهله بالداء والدواء ... وأن كل من لم يسلك الطريق على يد شيخ حكمه حكم من يعبد الله على حرف) (١). وهذا مثل ما قاله الشيعة نقلا عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال: (إنما يعرف الله ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منّا أهل البيت , ومن لا يعرف الله ولا يعرف الإمام منّا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا) (٢). وعنه أنه قال: (كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول) وعلى ذلك يقول نيكلسون بعد نقل كلام أبي يزيد البسطامي: (من لم يكن له شيخ كان الشيطان شيخه , يقول بعده: (هي فكرة يظهر أن لها صلة بالنظرية الشيعية , الذي كان عبد الله بن سبأ أول من قال بها) (٣). الْولاَيَة وَالْوصَايَة وتشابه آخر بين الصوفية والشيعة هو أن الصوفية أضفوا على أوليائهم عين تلك الأوصاف والاختيارات التي أضفى الشيعة على أئمتهم وأوصيائهم , فإن الشيعة يقولون: (أن الأئمة ولاة أمر الله , وخزنة علم الله , وعيبة وحي الله) (٤). ويروي أبو جعفر محمد بن الحسن الصفار المتوفى ٢٩٠هـ شيخ الكليني , في بصائره , عن محمد الباقر بن علي زين العابدين أنه يقول: (نحن جنب الله ونحن صفوته ونحن خيرته ونحن مستودع مواريث الأنبياء

стр. 216

ونحن أمناء الله ونحن حجّة الله , ونحن أركان الإيمان , ونحن دعائم الإسلام , ونحن من رحمة الله على خلقه , ونحن الذين بنا يفتح الله وبنا يختم , ونحن أئمة الهدى , ونحن مصابيح الدجى , ونحن منار الهدى , ونحن السابقون , ونحن الآخرون , ونحن العلم المرفوع للخلق , من تمسك بنا لحق , ومن تخلف عنا غرق , ونحن قادة الغر المحجلين , ونحن خيرة الله , ونحن الطريق , وصراط الله المستقيم إلى الله , ونحن من نعمة الله على خلقه , ونحن المنهاج ونحن معدن النبوة , ونحن موضع الرسالة , ونحن الذين إلينا مختلف الملائكة , ونحن السراج لمن استضاء بنا , ونحن السبيل لمن اقتدى بنا , ونحن الهداة إلى الجنة , ونحن عز الإسلام , ونحن السنام الأعظم , ونحن الذين بنا نزل الرحمة وبنا تسقون الغيث , ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب , فمن عرفنا ونصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا) (١). وروى الكليني عنه أيضا أنه قال: (نحن خزان علم الله , ونحن تراجمة وحي الله , ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الأرض) (٢). ورووا عنه أيضا أنه قال: (نحن المثاني التي أعطاها الله النبي صلى الله عليه وآله , ونحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم , عرفنا من عرفنا , وجهلنا من جهلنا , من عرفنا فإمامه اليقين , ومن جهلنا فإمامه السعير) (٣). والروايات في هذا المعنى كثيرة جدا , ومن أراد الإستزادة فليرجع إلى كتبنا الأربعة في هذا الموضوع , أو كتب الشيعة كبصائر الدرجات للصفار , والكافي للكليني , وبحار الأنوار للمجلسي , والفصول المهمة للعاملي , والبرهان للبحراني وغيرها من الكتب الشيعية الكثيرة. مع العلم بأن كتاب الله القرآن الكريم , وكتب السنة النبوية المطهرة , وتراجم أصحاب النبي ﷺ خالية عن مثل هذه الخرافات والهفوات , والشركيات واليهوديات.

стр. 217

ولكن الصوفية استقوا مبادئهم وأفكارهم ومعتقداتهم من التشيع والشيعة , بدل الكتاب والسنة , فقالوا في أوليائهم ومتصوفيهم نفس ما قاله الشيعة في أئمتهم وأوصيائهم , فانظر ما كتبه أعظم مؤرخ صوفي في التاريخ القديم والحديث أبو نصر السراج الطوسي - حسب ما قاله طه عبد الباقي , والدكتور عبد الحليم محمود - ولاحظ التوافق الكامل والتشابه التام بين ألفاظه وعبارته وبين عبارة الشيعة وألفاظهم فهو ينبئ عن المصدر الأصلي , والمأخذ الحقيقي , والمنبع الأصيل , فيكتب: (أن هذه العصابة أعني الصوفية هم أمناء الله في أرضه , وخزنة أسراره وعلمه وصفوته من خلقه , فهم عباده المخلصون , وأولياءه المتقون , وأحباءه الصادقون الصالحون , منهم الأخيار والسابقون , والأبرار والمقربون , والبدلاء والصديقون , هم الذين أحيا الله بمعرفته قلوبهم , وزيّن بمعرفته جوارحهم , وألهج بذكره ألسنتهم , وطهر بمراقبته أسرارهم , سبق لهم منه الحسنى بحسن الرعاية ودوام العناية , فتوجهم بتاج الولاية , وألبسهم حلل الهداية , وأقبل بقلوبهم عليه تعطفاً , وجمعهم بين يديه تلطفاً , فاستغنوا به عما سواه , , وآثروا على ما دونه , وانقطعوا إليه , وتوكلوا عليه , وعكفوا ببابه , ورضوا بقضائه , وصبروا على بلائه , وفارقوا فيه الأوطان , وهجروا له الإخوان , وتركوا من أجله الأنساب , وقطعوا فيه العلائق , وهربوا من الخلائق , مستأنسين به مستوحشين مما سواه: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ الآية: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ الآية: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾) (١). ونقلوا عن ذي النون المصري أنه قال: (هم حجج الله تعالى على خلقه , ألبسهم النور الساطع عن محبّته , ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته , وأقامهم مقام الأبطال لإرادته , وأفرغ عليهم الصبر عن مخالفته , وطهر أبدانهم بمراقبته , وطيبهم بطيب أهل مجاملته , وكساهم حالا من نسج مودّته , ووضع على رؤوسهم تيجان مسرته , ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب , فهي معلقة بمواصلته , فهمومهم إليه ثائرة , وأعينهم إليه بالغيب ناظرة , قد أقامهم على باب النظر من قربه , وأجلسهم على كرسي أطباء أهل معرفته) (٢). وأيضا: (هم خرس فصحاء , وعمي بصراء , عنهم تقصر الصفات , وبهم

стр. 218

تدفع النقمات , وعليهم تنزل البركات , فهم أحلى الناس منقطعا ومذاقا , وأوفى الناس عهدا وميثاقا , سراج العباد , ومنار البلاد , ومصابيح الدجى , معادن الرحمة , ومنابع الحكمة) (١). وقال ابن عجيبة: (هم باب الله الأعظم , ويد الله الآخذة بالداخلين إلى حضرة الله , فمن مدحهم فقد مدح الله , ومن ذمّهم فقد ذمّ الله) (٢). وقال ابن قضيب البان: (القطب فاروق الوقت , وقاسم الفيض , وإليه مفوّض أزمّة الأمور , وقلب قطب خزانة أرواح الأنبياء , وله بكل وجه وجه , وأرواح الأنبياء خزائن أسرار الحق .... الكون كله صورة القطب ... وهو الباب الذي لا دخول ولا خروج إلا منه ... وفؤاد القطب شمعة نصبت لفراش أرواح العالم , ونطقه شهد حقائق المعارف , الذي فيه شفاء أسرار المقربين , وصلاح مشاهد العارفين , وغذاء أفئدة الواصلين ... نفس القطب صور برزخ الشئون الصفاتية , وعقله اسرافيله , ومن نفسه قيام عمود السموات الروحية والأرضين الجسمية , وإرادته المأثرة فيهما , ومن إختياره همم أهل زمانه ... القطب الفرد الواحد في كل زمان الحقيقة المحمدية , ولكل زمان قطب منها , وهو خطيب سر الولاء بكلمة: بلى) (٣). هذا وأن ابن عربي قال بصراحة ووضوح بدون إبهام ولا إيهام: (أنا القرآن والسبع المثاني ... وروح الروح لا روح الأواني فؤادي عند معلومي مقيم ... يشاهده وعندكم لساني) (٤). ويعتقد الشيعة أن أئمتهم يعرفون جميع الألسن واللغات , وحتى لغات الطيور والوحوش. فيذكر الصفار في بصائره العناوين الأربعة لبيان علوم أئمته: (باب في الأئمة ﵈ أنهم يعرفون الألسن كلها). (باب في الأئمة أنهم يتكلمون الألسن كلها).

стр. 219

(باب في الأئمة أنهم يعرفون منطق الطير). (باب في الأئمة ﵈ أنهم يعرفون منطق البهائم , ويعرفونهم , ويجيبونهم إذا دعوهم) (١). ثم يورد تحتها روايات كثيرة تنبئ وتدل على كل ما ذكره في العناوين. فمثلا يروي عن جعفر بن الباقر أنه قال: (قال الحسن بن علي ﵇: إن لله مدينتين , إحداهما بالمشرق , والأخرى بالمغرب , عليهما سوران من حديد , وعلى كل مدينة ألف ألف مصراع من ذهب , وفيها سبعون ألف ألف لغة يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبه , وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجة غيري والحسين أخي) (٢). ويروي عن محمد الباقر أنه قال: (علمنا منطق الطير , وأوتينا من كل شيء) (٣). وغير ذلك من الروايات الكثيرة , وأورد مثلها كل من الكليني في كافيّه , والحرّ العاملي في الفصول المهمة. ومثل ذلك ذكر المتصوفة في كتبهم عن أوليائهم ومشائخهم , فيقول الشعراني في طبقاته عن إبراهيم الدسوقي: (وكان ﵁ يتكلم بالعجمي والسرياني والعبراني والزنجي , وسائر لغات الطيور والوحوش) (٤). وقال عماد الدين الأموي: (العارفون يفهمون كلام المخلوقين من الحيوانات والجمادات) (٥). وكتب الشعراني في كتابه (الأنوار المقدسية):

стр. 220

(الولي يعطيه الله تعالى معرفة سائر الألسن الخاصة بالإنس والجن , فلا يخفى عليه فهم كلام أحد منهم) (١). وذكر القوم حكايات كثيرة عن متصوفيهم تشتمل على تكلمهم مع السباع والطيور وغيرها , سنذكرها في الجزء الثاني من هذا الكتاب في باب مستقل إن شاء الله. ولكن للطرافة نذكر حكاية واحدة ذكرها الشعراني في طبقاته الكبرى , فيقول: (أقام الشيخ أبو يعزي في بدايته خمس عشرة سنة في البر , لا يأكل إلا من حبّ الشجر في البادية , وكانت الأسد تأوي إليه والطير يعكف عليه. وكان إذا قال للأسد: لا تسكني هنا , تأخذ أشبالها وتخرج بأجمعها. قال الشيخ أبو مدين ﵁: زرته مرة في الصحراء وحوله الأسد والوحوش والطير , تشاوره على أحوالها , وكان الوقت وقت غداء , فكان يقول لذلك الوحش: اذهب إلى مكان كذا وكذا , فهناك قوتك , ويقول للطير مثل ذلك فتنقاد لأمره. ثم قال: يا شعيب , إن هذه الوحوش والطيور أحبت جواري فتحملت ألأم الجوع لأجلي , ﵁ (٢). فهذا هو التطابق الكلي بين الشيعة والصوفية في هذه القضية. الْحُلُولُ والتَّناسخ وإن فرقا من الشيعة يعتقدون في أئمتهم بأنهم هم الذين ظهروا في مختلف الصور في الأزمنة المتعددة , والأمكنة المختلفة , وهم الذين ظهروا في أيام آدم بصورة آدم , وفي دور نوح بنوح , وكذلك شيث وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم في زمانهم , وأن أئمتهم هم الذين نجّوا نوحا , وأغرقوا الخلق في عهد نوح , وخرقوا السفينة , وقتلوا الغلام وغير ذلك.

стр. 221

فهاهم يكذبون على علي ﵁ أنه قال: (أنا ومحمد نور واحد من نور الله ... أنا صاحب الرجفة , صاحب الآيات ... أنا أهلكت القرون الأولى , وأنا النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ... أنا الكتاب ... أنا اللوح المحفوظ ... أنا القرآن الحكيم ... أنا محمد ومحمد أنا ... إن ميتنا لم يمت , وقتيلنا لم يقتل , ولا نلد ولا نولد ... وأنا الذي نجّيت نوحا ... ونطقت على لسان عيسى بن مريم في المهد , فآدم وشيث ونوح وسام وإبراهيم وإسماعيل وموسى ويوشع وعيسى وشمعون ومحمد وأنا كلنا واحد ... أنا أحيي وأميت ... وكذلك الأئمة المحقون من ولدي , لأنا كلنا شيء واحد يظهر في كل زمان) (١). ورروا عنه أيضا أنه قال لسلمان: (أنا أحيي الموتى , وأعلم ما في السماوات والأرض , وأنا الكتاب المبين , يا سلمان , محمد مقيم الحجة , وأنا حجة الحق على الخلق , وبذلك الروح عرج به إلى السماء , أنا حملت نوحا في السفينة , أنا صاحب يونس في بطن الحوت , وأنا الذي حاورت موسى في البحر , وأهلكت القرون الأولى , أعطيت علم الأنبياء والأوصياء , وفصل الخطاب , وبي تمت نبوة محمد , أنا أجريت الأنهار والبحار , وفجرت الأرض عيونا , أنا كاب الدنيا لوجهها , أنا عذاب يوم الظلمة , أنا الخضر معلم موسى , أنا معلم داود وسليمان , أنا ذو القرنين , أنا الذي دفعت سمكها بإذن الله , أنا دحوت أرضها , أنا عذاب يوم الظلمة , أنا النادي من مكان بعيد , أنا دابة الأرض , أنا كما يقول لي رسول الله (ص): أنت يا علي ذو قرنيها , وكلا طرفيها, ولك الآخرة والأولى , يا سلمان إن ميتنا إذا مات لم يمت , ومقتولنا لم يقتل , وغائبنا لم يغب , ولا نلد ولا نولد في البطون , ولا يقاس بنا أحد من الناس , أنا تكلمت على لسان عيسى في المهد , أنا نوح , أنا إبراهيم , أنا صاحب الناقة , أنا صاحب الرجفة , أنا صاحب الزلزلة , أنا اللوح المحفوظ , إليّ إنتهى علم ما فيه , أنا أنقلب في الصور كيف شاء الله , من رآهم فقد رآني , ومن رآني فقد رآهم , ونحن في الحقيقة نور الله الذي لا يزول ولا يتغيّر) (٢). ورووا عن جعفر بن الباقر أنه قال:

стр. 222

(أنا من نور الله , نطقت على لسان عيسى بن مريم في المهد , فآدم وشيث ونوح وسام وإبراهيم وإسماعيل وموسى ويوشع وعيسى وشمعون ومحمد كلنا واحد , من رآنا فقد رآهم ... أنا أحيي وأميت وأخلق وأرزق, وأبرئ الأكمه والأبرص , وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم بإذن ربي , وكذلك الأئمة المحقون من ولدي لأنا كلنا شيء واحد) (١). وذكروا عن راشد الدين بن سنان السوري الداعي الإسماعيلي أنه قال: (ظهرت بدرو نوح فغرقت الخلائق ... وظهرت في دور إبراهيم على ثلاث مقالات ... خرقت السفينة , وقتلت الغلام , وأقمت الجدار , .. ثم ظهرت بالسيد المسيح , فمسحت بيدي الكريمة عن أولادي الذنوب , وكنت بالظاهر شمعون - إلى آخر الهفوات والخرافات) (٢). فهذه الروايات تدل صراحة على إعتقاد القوم بالحلول والتناسخ , وأن أئمتهم خلقوا من نور الله الذي لم يتغير ولم يتبدل , ولكن هذا النور كان يحل في أجسام مختلفة في أزمنة مختلفة , وكان يلبس ألبسة متنوعة متفرقة , فبذلك الجسد واللباس كان يسمّى بتلك الأسماء , فتارة بآدم , وتارة بنوح , وتارة بإبراهيم , وتارة بموسى , وتارة بعيسى , وتارة بمحمد , مع أن هذا النور كان بجوهره واحدا. فهذا عين ما قالته الصوفية حيث سمّوا ذلك النور الأزلي , والجوهر الأصلي الحقيقة المحمدية والصورة المحمدية , فهذه الحقيقة هي التي كانت تتجلى في أجسام مختلفة , وتنادي بذلك الاسم , فاختلف أسماؤها حسب الزمان والأجساد , مع أنها كانت واحدة , كما يقول الجيلي: (أعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره , وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين , ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس , فيسمى به باعتبار لباس , ولا يسمى به باعتبار لباس آخر , فاسمه الأصلي الذي هو له محمد , وكنيته أبو القاسم , ووصفه عبد الله , ولقبه شمس الدين , ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام , وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في

стр. 223

ذلك الزمان , فقد اجتمعت به ﷺ وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين إسماعيل الجبرتي , ولست أعلم أنه النبي ﷺ , وكنت أعلم أنه الشيخ , وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة , وسر هذا الأمر تمكنه ﷺ من التصور بكل صورة , فالأديب إذا رآه في الصور المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه , وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد , فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة , ثم لا يوقع ذلك الاسم إلا على الحقيقة المحمدية , ألا تراه ﷺ لما ظهر في صورة الشبلي ﵁ قال الشبلي لتلميذه: أشهد أني رسول الله , وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه , فقال: أشهد أنك رسول الله , وهذا أمر غير منكور , وهو كما يرى النائم فلانا في صورة فلان. وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به في النوم , لكن بين النوم والكشف فرق , وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد ﷺ في النوم ولا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة في اليقظة , بخلاف الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة أنها متجلية في صورة من صور الآدميين , فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد ﷺ , لما أعطاك الكشف أن محمدا ﷺ متصور بتلك الصورة , فلا يجوز ذلك بعد شهود محمد ﷺ فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل , ثم إياك أن تتوهم شيئا في قولي من مذهب التناسخ , حاشا لله وحاشا رسول الله ﷺ أن يكون ذلك مرادي , بل إن رسول الله ﷺ له من التمكين في التصور بكل صورة يتجلى في هذه الصورة , وقد جرت سنته ﷺ أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم , فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم) (١). وهذا ما قاله الدكتور أبو العلاء العفيفي معلقا على الفصّ السابع والعشرين (فصّ حكمة فردية في كلمة محمدية) من فصوص ابن عربي , فقال: (شاع من أوائل عهد الإسلام القول بأزلية محمد ﵇ , أو بعبارة أدق بأزلية (النور المحمدي). وهو قول ظهر بين الشيعة أولاً ولم يلبث أهل السنة أن أخذوا به , واستند الكل في دعواهم إلى أحاديث يظهر أن أكثرها موضوع. من ذلك أن النبي ﷺ قال: (أنا أول الناس في الخلق) ومنها: (أول ما خلق الله نوري) , ومنها:

стр. 224

(كنت نبيا وآدم بين الماء والطين) وغير ذلك من الأحاديث التي استنتجوا منها أنه كان لمحمد ﵇ وجود قبل وجود الخلق , وقبل وجوده الزماني في صورة النبي المرسل , وأن هذا الوجود قديم غير حادث , وعبروا عنه بالنور المحمدي. وقد أفاضت الشيعة في وصف هذا النور المحمدي , فقالوا أنه ينتقل في الزمان من جيل إلى جيل , وأنه هو الذي ظهر بصورة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الأنبياء , ثم ظهر أخيرا بصورة خاتم النبيين محمد ﵇. وبهذا أرجعو جميع الأنبياء من آدم إلى محمد , وكذلك ورثة محمد إلى أصل واحد. وهو قول نجد له صدى في الغنوصية المسيحية. يقول الأب كليمنت الإسكندري: (ليس في الوجود إلا نبي واحد وهو الإنسان الذي خلقه الله على صورته , والذي يحل فيه روح القدس , والذي يظهر منذ الأزل في كل مكان وزمان بصورة جديدة). نجد لكل هذا الكلام نظيرا في كتب ابن عربي فيما يسميه الكلمة المحمدية أو الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي. فهو لا يقصد بالكلمة المحمدية في هذا الفص محمداً الرسول , وإنما يقصد الحقيقة المحمدية التي يعتبرها أكمل مجلى خلقي ظهر فيه الحق , بل يعتبره الإنسان الكامل والخليفة الكامل بأخص معانيه. وإذا كان كل واحد من الموجودات مجلى خاص لبعض الأسماء الإلهية التي هي أرباب له , فإن محمدا قد انفرد بانه مجلى للاسم الجامع لجميع تلك الأسماء , وهو الاسم الأعظم الذي هو (الله). ولهذا كانت له مرتبة الجمعية المطلقة , ومرتبة التعين الأول والذي تعينت به الذات الأحدية , إذ ليس فوقه إلا هذه الذات المنزهة في نفسها عن كل تعين وكل صفة واسم ورسم. ولهذه الحقيقة المحمدية التي هي أول التعينات - وإن شئت فقل أول المخلوقات - وظائف أخرى ينسبها إليها ابن عربي. فهي من ناحية صلتها بالعالم مبدأ خلق العالم , إذ هي النور الذي خلقه الله قبل كل شيء وخلق منه كل شيء. أو هي العقل الإلهي الذي تجلى الحق فيه لنفسه في حالة الأحدية المطلقة , فكان هذا التجلي بمثابة أول مرحلة من مراحل التنزل الإلهي في صور الوجود. فلما انكشفت له حقيقة ذاته وكمالاتها , وما فيها من أعيان الممكنات التي لا تحصى , أحب إظهار كمالاته في صور تكون له بمثابة المرايا التي يرى فيها نفسه , فكانت أعيان الممكنات الخارجية تلك المرايا. ومن ناحية صلة الحقيقة المحمدية بالإنسان , يعتبرها ابن عربي صورة كاملة

стр. 225

للإنسان الكامل الذي يجمع في نفسه جميع حقائق الوجود , ولذلك يسميها آدم الحقيقي , والحقيقة الإنسانية. ويعدها من الناحية الصوفية مصدر العلم الباطن , ومنبعه , وقطب الأقطاب. في هذا الوصف الإجمالي لما يسميه ابن عربي (الكلمة المحمدية) , أو الحقيقة المحمدية , عناصر مختلفة مستمدة من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة , والفلسفة المسيحية واليهودية , مضافاً إلى ذلك بعض أفكار من مذهب الإسماعيلية الباطنية والقرامطة. مزج جميع تلك العناصر على طريقته الخاصة , فضيع بذلك معالم الأصول التي أخذ عنها , وخرج على العالم بنظرية في طبيعة الحقيقة المحمدية , لا تقل في خطرها وأهميتها في تاريخ الأديان عن النظريات التي وضعها المسيحيون في طبيعة المسيح , أو النظريات اليهودية أو الرواقية , أو اليونانية التي تأثرت بها في النظرية المسيحية) (١). وبمثل ذلك قال الفرغاني: (وكل نبي من آدم ﵇ إلى محمد ﷺ مظهر من مظاهر نبوة الروح الأعظم. فنبوته ذاتية دائمة , ونبوة المظاهر عرضية منصرمة , إلا نبوة محمد ﷺ , فإنها دائمة غير منصرمة , إذ حقيقته حقيقة الروح الأعظم , وصورته صورة الحقيقة التي ظهر فيها بجميع أسمائها وصفاتها. وسائر الأنبياء مظاهرها ببعض الأسماء والصفات. تجلت في المظهر المحمدي بذاتها وجميع صفاتها , وختم به النبوة , فكان الرسول ﷺ سابقا على جميع الأنبياء من حيث الحقيقة , متأخرا عنهم من حيث الصورة , كما قال: نحن الآخرون السابقون , وقال: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين: وفي رواية أخرى: بين الروح والجسد: أي لا روحا ولا جسدا) (٢). ويدل أيضا على إعتقاد الصوفية بالتناسخ ما ذكره الدباغ في الإبريز بأن روح الولي تقدر على أن تخرج من ذات الولي وتتصور بصورة غير صورته (٣). وأيضا ما ذكره الشعراني عن صوفي أنه (ظهر لأعدائه في هيئة أسد عظيم) (٤).

стр. 226

وكذلك ذكر المنوفي في جمهرته صوفيا (كان يظهر في مظهر السباع والفيلة) (١). فالحاصل أن الصوفية اقتبسوا من الشيعة هذه الأفكار , وأخذوا منهم هذه العقائد الزائفة الزائغة الباطلة , وقالوا عن أوليائهم مثل ذلك , بل زادوا عليهم في غلوائهم وغيّهم وضلالهم , حيث قالوا نقلا عن إبراهيم الدسوقي أنه قال عن نفسه في أبياته: (أنا ذلك القطب المبارك أمره ... فإن مدار الكل من حول ذروتي أنا شمس إشراق العقول ولم أفل ... ولا غبت إلا عن قلوب عمية يروني في المرآة وهي صدية ... وليس يروني بالمرآة الصقيلة وبي قامت الأنباء في كل أمة ... بمختلف الآراء والكل أمتي ولا جامع إلا ولي فيه منبر ... وفي حضرة المختار فزت ببغيتي بذاتي تقوم الذات في كل ذروة ... أجدد فيها حلة بعد حلة فليلى وهند والرباب وزينب ... وعلوى وسلمى بعدها وبثينة عبارات أسماء بغير حقيقة ... وما لوحوا بالقصد إلا لصورتي نعم نشأتي في الحب من قبل آدم ... وسرى في الأكوان من قبل نشأتي أنا كنت في العلياء مع نور أحمد ... على الدرة البيضاء في خلويتي أنا كنت في رؤيا الذبيح فداءه ... بلطف عنايات وعين حقيقة أنا كنت مع إدريس لما أتى العلا ... وأسكن الفردوس أنعم بقعة أنا كنت مع عيسى على المهد ناطقا ... وأعطيت داودا حلاوة نغمة أنا كنت مع نوح بما شهد الورى ... بحارا وطوفانا على كف قدرة أنا القطب شيخ الوقت في كل حالة ... أنا العبد إبراهيم شيخ الطريقة) (٢). ورووا عن أحد المتصوفة البارزين أنه كان يقول: (أنا موسى الكليم في مناجاته , أنا عليّ في حملاته , أنا كل وليّ في الأرض خلقته بيدي , ألبس منهم من شئت , أنا في السماء شاهدت ربي , وعلى الكرسي خاطبته , أنا بيدي أبواب النار إن أغلقتها أغلقها بيدي , وبيدي جنة الفردوس إن فتحتها أفتحها , ومن زارني أدخلته جنة الفردوس) (٣).

стр. 227

وقال فتح الله بوراس: (أنا كل ولي في الأرض قد أوليته ... أنا كل حكيم من أهل السماء قد علمته وأيوب من جميع الأمراض قد أشفيه ... وبصر يعقوب أنا الذي قد رددته وابنه يوسف من الجبّ الغريق قد أظهرته ... ويونس من بطن الحوت بالعراء قد نبذته ونوح من بحر الطوفان أنا الذي أنجيته ... وفي السماء السابعة شاهدت ربيّ وكلّمته وبيدي باب الجنان قد فتحته ودخلته ... وما فيه من الحور العين قد رأيته وحصيته ومن رآني ورأى من رآني وحضر مجلسي ... في جنة عدن وبستانها قد أسكنته) (١). وذكر فريد الدين العطار عن أبي يزيد البسطامي أنه سئل عن العرش والكرسي فقال: (أنا العرش والكرسي , وقال: أنا إبراهيم , وأنا موسى , وأنا محمد) (٢). وهذا عين مارواه الشيعة أنفسهم عن عليّ ﵁ أنه قال: (أنا اللوح , وأنا القلم , وأنا العرش , وأنا الكرسي , وأنا السماوات السبع , وأنا الأسماء الحسنى , والكلمات العليا) (٣). والجدير بالذكر أن الصوفية ينقلون لبيان معتقداتهم نفس الروايات الموضوعة المكذوبة التي يرويها الشيعة عن عليّ ﵁ وأولاده. فمثلا يروي الشعراني ومحمد الرفاعي وغيرهما عنه ﵁ أنه كان يقول في خطبته على رؤوس الأشهاد: (أنا نقطة بسم الله , أنا جنب الله , الذي فرطتم فيه , أنا القلم وأنا اللوح المحفوظ , وأنا العرش وأنا الكرسي , وأنا السماوات السبع والأرضون) (٤).

стр. 228

مَرَاتِبُ الصّوفيَّة وأما مراتب الصوفية , التي وضعوها لبيان طبقات المتصوفة ومكانتهم , وقدرتهم واختيارهم على الخلق , وأعدادهم , وهم حسب كلام لسان الدين بن الخطيب: (خواصّ الله في أرضه , ورحمة الله في بلاده على عباده: الأبدال , والأقطاب , والأوتاد , والعرفاء , والنجباء , والنقباء , وسيدهم الغوث) (١). ولدى الهجويري هم: (أهل الحل والعقد , وقادة حضرة الحق ﷻ , فثلاثمائة يدعون الأخيار , وأربعون آخرون يسمون الأبدال , وسبعة آخرون يقال لهم: الأبرار , وأربعة يسمون الأوتاد , وثلاثة آخرون يقال لهم: النقباء , وواحد يسمى القطب والغوث. وهؤلاء جميعا يعرفون أحدهم الآخر , ويحتاجون في الأمور لإذن بعضهم البعض) (٢). ومثل ذلك ذكرهم الجرجاني في تعريفاته: (القطب , وهو الغوث: عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان ومكان , وهو على قلب إسرائيل ﵇. الإمامان: هما شخصان , أحدهما عن يمين الغوث ونظره في الملكوت , والآخر عن يساره , ونظره في الملك , وهو أعلى من صاحبه , وهو الذي يخلف الغوث. الأوتاد: عبارة عن أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة أركان من العالم: شرق وغرب وشمال وجنوب , مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة. البدلاء: هم سبعة , ومن سافر من القوم من موضعه وترك جسدا على صورته حتى لا يعرف أحد أنه فقد , فذلك هو البدل لا غير , وهم على قلب إبراهيم ﵇. النجباء: أربعون , وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق فلا يترفون إلا في حق الغير.

стр. 229

النقباء: هم الذين استخرجوا خبايا النفوس , وهم ثلاثمائة) (١). وهذا الترتيب مأخوذ عن ابن عربي في فتوحاته كما قال: (والمجمع عليه من أهل الطريق أنهم على ست طبقات أمهات: أقطاب , وأئمة , وأوتاد , وأبدال , ونقباء , ونجباء) (٢). ومثل ذلك ورد في (الوصية الكبرى) لشيخ العروسية عبد السلام الفيتوري (٣). وفي (جامع الأصول في الأولياء) للكمشخانوي (٤). وفي (طبقات السلمي) للسلمي (٥). ولا بأس في إيراد عبارة داود بن محمود القيصري ههنا , لما فيها من زيادة توضيح لها الأمر , فيقول: (ولهم مراتب. الأولى مرتبة القطبية , ولا يكون فيها أبداً إلا واحد بعد واحد , ويسمى غوثا , لكونه مغيثاً للخلق في أحوالهم. ثم مرتبة الإمامين , وهما كالوزيرين للسلطان. أحدهما صاحب اليمين , وهو المتصرف بإذن القطب في عالم الملكوت والغيب , وثانيهما صاحب اليسار , وهو المتصرف في عالم الملك والشهادة. وعند إرتحال القطب إلى الآخرة , لا يقوم مقامه , منهما وإلا صاحب اليسار , لكونه أكمل في السير من صاحب اليمين: لأنه , بَعْدُ , ما نزل في السير من عالم الملكوت إلى عالم الملك , وصاحب اليسار نزل إليه , وكملت دايرته في السير والوجود. ثم مرتبة الأربعة , كالأربعة من الصحابة , رصي اله عنهم أجمعين! ثم مرتبة البدلاء السبعة , الحافظين للأقاليم السبعة. وكل منهم قطب للإقليم الخاص به. ثم مراتب الأولياء العشرة , كالعشرة المبشرة. ثم مراتب الإثني عشر , الحاكمين على البروج الإثني عشر , وما يتعلق بها ويلزمها من حوادث الأكوان. ثم العشرين والأربعين والتسعة والتسعين , مظاهر الأسماء الحسنى , إلى الثلاثمائة والستين. وهؤلاء قايمون في العالم على سبيل البدل , في كل زمان , ولا يزيد عددهم ولا

стр. 230

ينقص إلى يوم القيامة. وغيرهم من الأولياء يزيدون وينقصون , بحسب ظهور التجلي الإلهي وخفائه. وبعدهم: مرتبة الزهاد والعبّاد والعلماء من المؤمنين , الكائنين في كل زمان إلى يوم الدين. وجميع هؤلاء المذكورين , داخلون في حكم القطب. والأفراد الكمّل , الذين تعادل مرتبتهم مرتبة القطب إلا في الخلافة , هم الخارجون من حكمه. فإنهم يأخذون من الله , سبحانه , ما يأخذون من المعاني والأسرار الإلهية بخلاف الداخلون في حكمه , فإنهم لا يأخذون شيئا إلا منه) (١). وقد ذكرهم المستشرق الفرنساوي ماسينيون بقوله: (ويزعم الصوفية أن العالم يدوم بقاؤه بفضل تدخل طبقة من الأولياء المستورين عددهم محدود , وكلما قبض منهم واحد خلفه غيره , ورجال الغيب هم: ثلاثمائة من النقباء , وأربعون من الأبدال , وسبعة أمناء , وأربعة عمد , ثم القطب , وهو الغوث) (٢). فهذه المراتب والترتيب والأعداد لم يأخذها المتصوفة إلا من الشيعة أيضا , وخاصة من الشيعة الإسماعيلية والنصيرية كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رسائله وفتاواه: (وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة , والأوتاد الأربعة , والأقطاب السبعة , والأبدال الأربعين , والنجباء الثلاثمائة , فهذه الأسماء ليست موجودة في كتاب الله , ولا هي أيضا مأثورة عن النبي ﷺ بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل , إلا لفظ الأبدال فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قال: إن فيهم - يعني أهل الشام - الأبدال أربعين رجلا , كلما مات رجل أبدله الله مكانه رجلا: ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذه الترتيب .... وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به , ثم مع هذا يقولون: أنه كان صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة , ولا يعرف له عين ولا أثر , ولا يدرك له حس ولا خبر.

стр. 231

وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجود , بل هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والحدّ وغير ذلك من الترتيب الذي ما أنزل الله به من سلطان) (١). وبذلك قال ابن خلدون في هذا الخصوص , والمسائل الأخرى التي ذكرناها بأن المتصوفة أخذوها من التشيع , فيقول: (إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه وملأوا الصحف من مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهباً لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول في القطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فضول التصوف منها فقال جل جناب الحق أن يكون شرعه لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء) (٢). هذا وقد اقر بذلك أحمد أمين المصري , فكتب: (أن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصالاً وثيقاً , وأخذت فيما أخذت عنه فكرة المهدي , وصاغتها صياغة جديدة وسمته (قطبا) , وكونت مملكة من الأرواح على نمط مملكة الأشباح , وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب , وهو نظير الإمام أو المهدي في التشيع , والقطب هو الذي (يدبر الأمر في كل عصر , وهو عماد السماء , ولولاه لوقعت على الأرض) , ويلي القطب النجباء , قال ابن عربي في الفتوحات المكية: (وهم اثنا عشر نقيباً في كل زمان , لا يزيدون ولا

стр. 232

ينقصون , على عدد بروج الفلك الاثني عشر , كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات ... وأعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة , ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها , ومعرفة مكرهات وخداعها , وإبليس مكشوف عندهم , يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه , وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقيّ مثل العلماء بالآثار والقيافة) (١). وأما من أراد مقارنة هذه المراتب بالمراتب الإسماعيلية فليرجع إلى كتابنا (الإسماعيلية القدامى تاريخ وعقائد) الباب السابع منه (ماهية الدعوة الإسماعيلية ونظامها). ولا بأس من إيراد عبارة عن القاضي الإسماعيلي النعمان بن محمد المغربي , ذكر فيها أصحاب المراتب العليا , فيقول: (والحدود السفلية هم: الأسس , الأئمة , والحجج , والنقباء , والأجنحة) (٢). ومثل ذلك ذكر الداعي الإسماعيلي حميد الدين الكرماني في كتابه راحة العقل (٣). وإبراهيم بن الحسين الحامدي (٤). فهذه هي العقيدة الشيعية الأخرى التي تسربت إلى التصوف , وتحكمت فيهم , وسنوضح معاني هذه المصطلحات مع القضايا الأخرى في جزء مستقل من هذا الكتاب إن شاء الله.

стр. 233

التقيَة من أهم المبادئ الشيعية وأسسهم ومعتقداتهم الإخفاء والكتمان , وإظهار ما لا يعتقدونه في السر , وإعلان ما يبطنون خلافه , وهذا من أخطر ما يؤمن به الشيعة , ويميزهم من الطوائف المسلمة الأخرى , ويحول بينهم وبين الالتقاء بهم , لأنه لا يعلم ظاهرهم من باطنهم , وكذبهم من صدقهم , كما قال السيد محب الدين الخطيب: (وأول موانع التجاوب الصادق بالإخلاص بيننا وبينهم ما يسمونه التقية , فإنها عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر لنا بغير ما يبطنون , فينخدع سليم القلب منا بما يتظاهرون له به من رغبتهم في التفاهم والتقارب , وهم لا يريدون ذلك ولا يرضون به ولا يعملون له) (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (النفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف , بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق , فإن أساس النفاق الذي بني عليه الكذب , وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه كما أخبر الله تعالى عن المنافقين: أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية , وتحكي هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك حتى يحكوا ذلك عن جعفر الصادق أنه قال: التقية ديني ودين آبائي , وقد نزّه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم عن ذلك , بل كانوا من أعظم الناس صدقا وتحقيقا للإيمان , وكان دينهم التقوى , لا التقية) (٢). فهناك روايات كثيرة فوق الحصر , التي أوردها الشيعة في كتبهم لاعتناق هذه العقيدة من أئمتهم المعصومين , ونحن أوردنا العديد منها في كتابنا الشيعة والسنة , وخصصنا بابا مستقلا لبيان هذا المبدأ وأهميته عند القوم , كما عقدنا فصلا مستقلا في كتابنا الجديد (بين الشيعة وأهل السنة) لهذا الموضوع , فمن أراد التعمق والتفصيل فليرجع إليهما , ولكن نذكر هنا روايتين عن القوم:

стр. 234

روى الكشي عن حسين بن معاذ بن مسلم النحوي: (عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال لي (أبو عبد الله): بلغني أنك تقعد في الجامع , فتفتي الناس؟ قال: قلت: نعم , وقد أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج أني أقعد في الجامع , فيجيء الرجل , فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف أخبرته بما يقولون ... قال (أي معاذ بن مسلم) فقال لي (أبو عبد الله): اصنع كذا , فإني اصنع كذا) (١) ز ورواية أخرى رواها الكليني عن جعفر أنه قال لأصحابه معلى بن خنيس: (يا معلى , أكتم لأمرنا ولا تذعه , فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا , وجعله نورا بين عينيه في الآخرة , يقوده في الجنة. يا معلىّ , من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا , ونزع النور من بين عينيه في الآخرة , وجعله ظلمة تقوده إلى النار. يا معلى , إن التقية من ديني ودين آبائي , ولا دين لمن لا تقية له) (٢). وعلى ذلك قال صدوقهم ابن بابويه القمي: (اعتقادنا في التقية أنها واجبة , لا يجوز رفعها إلى أن يقوم القائم , ومن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الإمامية , وخالف الله ورسوله والأئمة) (٣). وقال مفيدهم: (التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه , ومكاتمة المخالفين , وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين أو الدنيا , وفرض ذلك إذن علم بالضرورة أو قوي في الظن) (٤). فهذا هو معتقد الشيعة ومبدؤهم الذي اشتهروا به , وعيّروا عليه , وطعنوا فيه. ولكن المتصوفة أخذوه بكامله عنهم , وزادوا عليهم حيث اتهموا رسول الله بتهمة برّأ الله ساحته عنها بقوله: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ (٥).

стр. 235

واستندوا بحديث مكذوب على رسول الله ﷺ مع علمهم بأنه هو القائل: (من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (١). فقالوا: (أمر الله نبينا محمدا ﷺ بكتم أشياء مما لا يسعه غيره للحديث المروي عنه ﷺ أنه قال: أوتيت ليلة أسري بي ثلاثة علوم , فعلم أخذ عليّ في كتمه , وعلم خيّرت في تبليغه , وعلم أمرت بتبليغه. فالعلم الذي أمر بتبليغه هو علم الشرائع , والعلم الذي خيّر في تبليغه هو علم الحقائق , والعلم الذي أخذ عليه في كتمه هو الأسرار الإلهية ولقد أودع الله جميع ذلك في القرآن. فالذي أمر بتبليغه ظاهر. والذي خيّر في تبليغه باطن لقوله (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) وقوله (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق) وقوله (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) وقوله (ونفخت فيه من روحي) فإن جميع ذلك له وجه يدلّ على الحقائق ووجه يتعلق بالشرائع , فهو كالتخير , فمن كان فهمه إلهيا فقد بلغ ذلك , ومن لم يكن فهمه ذلك الفهم وكان مما لو فوجئ بالحقائق أنكرها , فإنه ما بلغ إليه ذلك لئلا يؤدي ذلك إلى ضلالته وشقاوته. والعلم الذي أخذ عليه في كتمه فإنه مودع في القرآن بطريق التأويل لغموض الكتم , فلا يعلم ذلك إلا من أشرف على نفس العلم أولا , وبطريق الكشف الإلهي , ثم سمع القرآن بعد ذلك , فإنه يعلم المحلّ الذي أودع الله فيه شيئا من العلم المأخوذ على النبي ﷺ في كتمه وإليه الإشارة بقوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله) على قراءة من وقف هنا , فالذي يطلع تأويله في نفسه هو المسمى بالله فافهم) (٢). ويقول أبو نصر السراج الطوسي: (إن حقائق رسالة محمد ﷺ وما خصّه الله تعالى به من العلم , لو وضعت على الجبال لذابت إلا أنه كان يظهرها لهم على مقاديرهم) (٣). أي لم يظهر النبي ﷺ جميع العلوم التي كان قد خصه الله بها - حسب زعمهم - وذلك لأجل أن الناس لم يكونوا يقدرون على حملها ومعرفتها.

стр. 236

وبمثل ذلك نقل الشعراني عن سيده محمد الحنفي أنه قال: (وههنا كلام لو أبديناه لكم لخرجتم مجانين لكن نطويه عمن ليس من أهله) (١). وهذا عين ما ذكره الشيعة عن جعفر بن الباقر أنه قال: (إن عندنا والله سرا من سرّ الله , وعلما من علم الله , أمرنا الله بتبليغه , فبلّغنا من الله ما أمرنا بتبليغه , فلم نجد له موضعا ولا أهلا ولا حمالة يحتملونه) (٢). ونسبوا إلى علي ﵁ أنه قال: (إن أمرنا صعب مستصعب لا يحمله إلا عبد امتحن الله قلبه للإيمان , ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة , وأحلام رزينة) (٣). أيضا (لا يحتمله ملك مقرب , ولا نبي مرسل , ولا مؤمن أمتحن الله قلبه للإيمان) (٤). هذا وأن الصوفية اتهموا أبا هريرة ﵁ أنه قال: (حفظت من رسول الله ﷺ جرابين من العلم: أما أحدهما فبثثته في الناس , وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم) (٥). كما كذبوا على عليّ بن الحسين زين العابدين أنه قال: (يا ربّ جوهر علم لو أبوح به ... لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي ... يرون أقبح ما يأتونه حسنا إني لأكتم من علمي جواهره ... كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتننا) (٦).

стр. 237

وقال النفزي الرندي: (في قلوب الأحرار قبور الأسرار , والسر أمانة الله تعالى عند العبد , فافشى بالتعبير عنه خيانة , والله تعالى لا يحب الخائنين , وأيضا فإن الأمور المشهودة لا يستعمل فيها إلا الإشارة والإيماء , واستعمال العبارات فيها إفصاح بها وإشهار لها , وفي ذلك ابتذالها وإذاعتها , ثم إن العبارة عنها لا تزيدها إلا غموضا وانغلاقا , لأن الأمور الذوقية يستحيل إدراك حقائقها بالعبارات النطقية , فيؤدي ذلك إلى الإنكار والقدح في علوم السادة الأخيار. قال أبو علي الروذباري رضي الله تعالى عنه: علمنا هذا إشارة , فإذا صار عبارة خفي) (١). وأما لسان الدين بن الخطيب فقال: (حملة علم النبوة هم الذين عناهم رسول الله ﷺ بقوله: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل , قالوا: وهذا العلم هو الذي لا يجوز كشفه , ولا إذاعته ولا ادعاؤه , ومن كشفه وأذاعه وجب قتله واستحل دمه وينسبون في ذلك إلى خواص النبوة وخلفائها كثيرا كقوله: يا ربّ جوهر علم لو أبوح به ... لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي ... يرون أقبح ما يأتونه حسنا) (٢) ز وكان كبار المتصوفة يعملون بهذا المبدأ , ولم يكونوا يظهرون للناس علومهم وأفكارهم كما روى الكلاباذي عن الجنيد أنه قال للشبلي: (نحن حبّرنا هذا العلم تحبيرا , ثم خبأناه في السراديب , فجئت أنت , فأظهرته على رؤوس الملأ. فقال: أنا أقول وأنا أسمع , فهل في الجارين غيري) (٣). ونقل الشعراني كذلك عن الجنيد أنه (كان يستر كلام أهل الطريق عمن ليس

стр. 238

منهم , وكان يستتر بالفقه والإفتاء على مذهب أبي ثور , وكان إذا تكلم في علوم القوم أغلق باب داره , وجعل مفتاحه تحت وركه) (١). وأيضا روى عن الشاذلي أنه كان يقول: (امتنعت عني الرؤيا لرسول الله ﷺ , ثم رأيته , فقلت: يا رسول الله , ماذ نبي؟ فقال: إنك لست بأهل لرؤيتنا لأنك تطلع الناس على أسرارنا) (٢). والصوفية يكتمون آراءهم ومعتقداتهم عن غيرهم , ويوصون مريديهم في كتبهم ومؤلفاتهم التي كتبت للخاصة وخاصة الخاصة , فالصوفي الشهير عبد السلام الفيتوري يكتب في كتابه (الوصية الكبرى): (إخواني , وسنذكر لكم كلاما في المغيبات لكن يجب الإمساك عنها إلا لأهله الذين يكتمونه , ولا ينبغي إظهاره للسفهاء الذين يلحقون به إلى الأمراء والجبابرة وأهل الدنيا) (٣). وهناك نص مهم جدا ذكره الشعراني يقطع في هذا الموضوع فيقول: وكان بعض العارفين يقول (نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقتنا , وكذلك لا يجوز لأحد أن ينقل كلامنا إلا لمن يؤمن به , فمن نقله إلى من لا يؤمن به دخل هو والمنقول إليه جهنم الإنكار , وقد صرح بذلك أهل الله تعالى على رؤوس الأشهاد وقالوا: من باح بالسرّ استحق القتل) (٤). وقد ذكر الدباغ حكايات كثيرة عن الذين لم يكتموا السرّ فابتلاهم الله ببلايا عديدة , من القتل والصلب والحرق والعمى وغير ذلك (٥). وكان منهم الحلاج , لأنه لم يقتل إلا لإفشاء سرّه (٦). وكما يروون أن الخضر عبر على الحلاج وهو مصلوب , فقال له الحلاج: (هذا جزاء أولياء الله؟

стр. 239

فقال له الخضر: نحن كتمنا فسلمنا , وأنت بحت فمتّ) (١). وكما رووا عن أبي بكر الشبلي أنه قال: (كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت) (٢). وننقل أخيرا أن أحمد بن زروق , وابن عجيبة ذكرا عن الجنيد أنه كان يجيب عن المسألة الواحدة بجوابين مختلفين , فكان يجيب هذا بخلاف ما يجيب ذاك (٣). هذا عين ما رواه الشيعة على محمد الباقر كما ذكر الكليني عن زرارة بن أعين أنه قال: (سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني , ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني. ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي , فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله , رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة , إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم , ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم الناس علينا , ولكان أقل لبقائنا وبقائكم. قال: ثم قلت لأبي عبد الله ﵇: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين , قال: فأجابني بمثل جواب أبيه) (٤). فهذا هو المبدأ الخطير الآخر الذي أخذه المتصوفة من الشيعة ليكونوا حزبا سرّيا يعمل في الخفاء لهدم مبادئ الإسلام وتعاليمه , ولتأسيس ديانة جديدة تعمل لتوهين القوى الإسلامية ونشاط المسلمين لنشر الكتاب والسنة , والتقاعد عن الجهاد والغزوات , وبناء المجتمع الإسلامي على أسس كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وقد وضعناه أمام الباحثين والقراء مع المقارنة بين أفكار الآخذين والذين أخذ عنهم , معتمدين على أوثق الكتب وأثبتها وأهمها لدى الطرفين.

стр. 240

الظّاهِرُ وَالبَاطِنُ وأما الفكرة الأخرى التي تسربت إلى التصوف من التشيع , واعتنقها الصوفية بتمامها هي فكرة تقسيم الشريعة إلى الظاهر والباطن , والعام والخاص. ومنها تدرّجت وتطرقت إلى التأويل الباطني والتفسير المعنوي , وتفريق المسلمين بين العامة والخاصة , فإن الشيعة بجميع فرقها , وخاصة الإسماعيلية منهم يعتقدون أن لكل ظاهر باطنا , وقد اختص بمعرفة الباطن عليّ ﵁ , وأولاده أي أئمتهم المعصومون حسب زعمهم , فسمّوا الموالين لهم بالخاصة , وغير المؤمنين بهذه الفكرة بالعامة. فلقد قالوا: (لا بدّ لكل محسوس من ظاهر وباطن , فظاهره ما تقع الحواسّ عليه , وباطنه يحويه ويحيط العلم به بأنه فيه , وظاهره مشتمل عليه) (١). وكذبوا على رسول الله ﷺ أنه قال: (ما نزلت عليّ آية إلا ولها ظهر وبطن , ولكل حرف حدّ , ولكل حدّ مطلع) (٢). ثم قسموا الظاهر والباطن بين النبي والوصيّ حيث قالوا: (كانت الدعوة الظاهرة قسط الرسول صلوات الله وسلامه عليه , والدعوة الباطنة قسط وصيّه الذي فاض منه جزيل الإنعام) (٣). ثم قالوا: (إن الظاهر هو الشريعة , والباطن هو الحقيقة , وصاحب الشريعة هو الرسول محمد صلوات الله عليه , وصاحب الحقيقة هو الوصيّ عليّ بن أبي طالب) (٤). هذا ولقد فصلنا القول في ذلك في كتابنا (الإسماعيلية القدامى تاريخ وعقائد)

стр. 241

حيث بوبنا بابا مستقلا لبيان هذه العقيدة الخطرة للتلاعب بنصوص القرآن والسنة فمن أراد الإستزادة فليرجع إليه. وأن الشيعة الآخرين كالشيعة الإثني عشرية يقولون بهذا القول كما روى كلينيهم في كافيّه عن موسى الكاظم - الإمام السابع عندهم - أنه قال: (إن القرآن له ظهر وبطن) (١). وأيضا ما رواه ابن بابويه القمي عن علي بن أبي طالب ﵁ في حديث طويل أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله علمني ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب , ولم يعلم ذلك أحد غيري) (٢). ويقولون: أن هذه العلوم توارثها أئمتهم بعده , فعلى ذلك يقول الكليني محدّث الشيعة في خطبه كتابه: (فأوضح الله بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله عن دينه , وأبلج بهم عن سبيل مناهجه , وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه , وجعلهم مسالك لمعرفته , ومعالم لدينه , وحجّابا بينه وبين خلقه , والباب المؤدي إلى معرفة حقه , وأطلعهم على المكنون من غيب سره. كلّما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماما بيّنا , وهاديا نيّرا , وإماما قيّما , يهدون بالحق وبه يعدلون) (٣). والجدير بالذكر أن التفريق بين الشريعة والحقيقة , وبين الظاهر والباطن من خواص التشيع إلا أنه لا توجد طائفة شيعية إلا وتؤمن بذلك , وكتب الفرق والكلام شاهدة على هذا , بل أنهم لم يختلفوا فيما بينهم في تعيين الإمام إلا بناء على هذا المبدأ , حيث أنهم اختلفوا: (إلى من أفضى الإمام الراحل أسرار العلوم واطلاعه على مناهج تطبيق الآفاق على الأنفس , وتقدير التنزيل على التأويل , وتصوير الظاهر على الباطن , لأنهم كلهم مؤمنون بأن لكل ظاهر باطنا , ولكل شخص

стр. 242

روحا , ولكل تنزيل تأويلا , ولكل مثال حقيقة في هذا العالم) (١). فحاصل ما قلناه أن تقسيم الشريعة والعلوم إلى الظاهر والباطن من أهم الميزات التي تتميّز بها الشيعة بفرقها عن الآخرين من المسلمين , وهم الذين تقوّلوا بها متأثرين باليهودية التي استقوا منها أفكارهم , بوساطة عبد الله بن سبا اليهودي , المؤسس الحقيقي الأول لديانتهم ومذهبهم. ثم أخذ المتصوفة بدورهم أفكار الشيعة ومعتقداتهم , فآمنوا بها واعتقدوها , وجعلوها من الأصول والقواعد لعصابتهم , فقالوا مثل ما قاله الشيعة والفرق الباطنية: (العلوم ثلاثة: ظاهر , وباطن , وباطن الباطن , كما أن الإنسان له ظاهر , وباطن , وباطن الباطن. فعلم الشريعة ظاهر , وعلم الطريقة باطن , وعلم الحقيقة باطن الباطن) (٢). وقال الطوسي أبو نصر السراج: (إن العلم ظاهر وباطن ... ولا يستغني الظاهر عن الباطن , ولا الباطن عن الظاهر , وقد قال الله : ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم: فالمستنبط هو العلم الباطن , وهو علم أهل التصوف , لأن لهم مستنبطات من القرآن والحديث وغير ذلك ... فالعلم ظاهر وباطن , والقرآن ظاهر وباطن , وحديث رسول الله ﷺ ظاهر وباطن , والإسلام ظاهر وباطن) (٣). وذكر المتصوفة نفس تلك الرواية التي نقلها الشيعة والإسماعيلية , وهي: (لكل آية ظاهر وباطن , وحدّ ومطلع) (٤). ولم يكن التشابه والتوافق مع الشيعة , والاستفادة والاقتباس منهم منحصرا في

стр. 243

هذا فحسب , بل كان هناك تجانس وتداخل في أكثر من هذا , حيث قالوا باختصاص علي ﵁ دون الآخرين بعلم الباطن , فقال قائلهم: (إن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ أولا بالشريعة , فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة , والحكمة المرجوة من أعمال الشريعة , هي: الإيمان والإحسان , فخص رسول الله ﷺ بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض. وكان أول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي كرم الله وجهه عن رسول الله ﷺ ... ثم انتشر هذا الطريق انتشارا لا ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا) (١). وأوردوا في كتبهم تلك الرواية الشيعية بعينها , التي نحن ذكرناها منهم عن علي ﵁ أنه قال: (علمني رسول الله ﷺ سبعين بابا من العلم لم يعلم ذلك أحد غيري) (٢). وهناك روايات شيعية أخرى كثيرة أوردها المتصوفة في كتبهم ومؤلفاتهم , مؤيدين لها , مؤمنين بها , مستدلين منها , مثل هذا الحديث الموضوع: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) (٣). ومنها ما رووه عن أبي سعيد الخدري ﵁ كذبا عليه أنه قال: (كنا نمشي مع النبي ﷺ فانقطع نعله , فتناولها علي يصلحها , ثم مشى , فقال: (يا أيها الناس , إن منكم من يقاتله علي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله) (٤). ومثل ذلك ذكر عبد الرحمن الصفوري في كتابه (نزهة المجالس ومنتخب النفائس) (٥). وقال ابن الفارض في تئيته: (وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا ... عليّ بعلم ما ناله بالوصية) (٦).

стр. 244

وهذا تشيع محض بدون شك ولا شبهة. وكذلك ما قاله ابن عربي في تفسيره مفسرا قول الله : ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ ٠ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. (إنه القيامة الكبرى , ولهذا قيل: إن أمير المؤمنين علي هو النبأ العظيم , وهو فلك نوح أي الجمع والتفصيل - باعتبار الحقيقة والشريعة - لكونه جامعا لهما) (١). وعلى ذلك قال الهجويري: (علي بن أبي طالب ﵁ هو ابن عم المصطفى , وغريق بحر البلاء , وحريق نار الولاء , وقدرة الأولياء والأصفياء أبو الحسن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. وله في هذه الطريقة شأن عظيم , ودرجة رفيعة. وكان له حظ تام في دقة التعبير عن أصول الحقائق إلى حدّ أن قال الجنيد ﵀: شيخنا في الأصول والبلاء علي المرتضى ﵁. أي أن عليا ﵁ هو إمام هذه الطريقة في العلم والمعاملة , فأهل الطريقة يطلقون على علم الطريقة اسم الأصول , ويسمون تحمل البلاء فيها بالمعاملات) (٢). والطوسي قال نقلا عن أبي عليّ الروذباري أنه قال: (سمعت جنيدا ﵀ يقول: رضوان الله على أمير المؤمنين عليّ ﵁ , لولا أنه اشتغل بالحروب لأفادنا من علمنا هذا معاني كثيرة , ذاك امرؤ أعطى علم اللدنّي , والعلم اللدنّي هو العلم الذي خص به الخضر ﵇ , قال الله تعالى: وعلمناه من لدنّا علما) (٣). ثم نقل عن علي ﵁ أشياء وقال بعده: (ولعلي ﵁ أشباه في ذلك كثير من الأحوال والأخلاق والأفعال التي يتعلق بها أرباب القلوب وأهل الإشارات وأهل المواجيد من الصوفية) (٤).

стр. 245

فهذه العبارات كلها لم تكن مقتبسة منقولة من التشيع وبل إنها شيعية وصرفة. وبعد هذا كله نريد أن نبيّن توغل الصوفية في علم الباطن وعلاقتهم به , وسبب إلتجائهم إليه , فنقول: (إن الصوفية يقولون: إن علم الباطن المسمى بعلم القلب وبعلم التصوف , علم جليل شريف نفيس , وهو أجلّ العلوم وأشرفها , وهو الزبدة الممخوضة من الشريعة التي لم تبعث الأنبياء ﵈ إلا لأجلها ... وهو علم طريق الآخرة , وهو العلم الذي درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم , وهو العلم الذي لم يبعث الله الأنبياء إلا لأجله. وقد سماه الله تعالى في كتابه فقها وعلما وضياء ونورا وهدى ورشدا , وهو مستخرج من القرآن والسنة , ومدلول عليه منهما نصّا وتصريحا وتلويحا وكتابة وإشارة وغير ذلك من أصناف الدلالة. قال الغزالي: علم الباطن هو علم يقين المقربين , وثمرته الفوز برضا الله تعالى , ونيل سعادة الأبد , وبه تزكية النفس وتطهيرها , وتنوير القلب وصفاؤه بحيث ينكشف بذلك النور أمور جليلة , ويشهد أحوالا عجيبة , ويعاين ما نمت عنه بصيرة) (١). وقالوا: (هل ظاهر الشرع وعلم الباطن ... إلا كجسم فيه روح ساكن والعلم الظاهر هو علم العبودية ... والعلم الباطن هو علم الربوبية) (٢). وقالوا: (لا تجعلوا أحدا من أهل الظاهر حجة على أهل الباطن) (٣). وخلاصة هذا أن علم الباطن هو التصوف بعينه , وهو ما أشار الكلاباذي نقلا عن عبد الواحد بن زيد أنه قال: (سألت الحسن عن علم الباطن فقال: سألت حذيفة بن اليمان عن علم الباطن فقال: سألت رسول الله عن علم الباطن فقال: سألت جبريل عن علم الباطن فقال: سألت الله عن علم الباطن فقال هو سرّ من سرّي , أجعله في

стр. 246

قلب عبدي , لا يقف عليه أحد من خلقي. قال أبو الحسن بن أبي ذر قي كتابه منهاج الدين أنشدونا للشلبي: علم التصوف لا نفاذ له ... علم سنيّ سماويّ ربوبيّ فيه الفوائد للأرباب يعرفها ... أهل الجزالة والصنع الخصوصي) (١). وبالغوا في مدحه حتى قالوا: (سئل بعض العلماء عن علم الباطن: أي شيء هو؟ فقال: سرّ من سرّ الله تعالى يقذفه في قلوب عباده لم يطلع عليه ملكا ولا بشرا) (٢). و (علم الباطن سر من أسرار الله) (٣). وكذب الآخر على رسول الله ﷺ حيث نسب هذا الكلام إليه صلوات الله وسلامه عليه فقال: (علم الباطن سر من أسرار الله تعالى وحكمة من حكمته يقذفه في قلوب من يشاء من عباده) (٤). ولقد بين داود القيصري من هم أصحاب العلم الباطن , وما هي قيمتهم ومنزلتهم مقابل أصحاب الظاهر , شارحا مبيّنا الحديث الموضوع الذي ذكرنا فيما سبق , فيقول: (ولما كان للكتاب ظهر وبطن وحد ومطلع , كما قال ﵇: (إن للقرآن ظهراً وبطناً وحداً ومطلعاً) , وقال ﵇: (إن للقرآن بطناً ولبطنه بطناًً , إلى سبعة أبطن) وفي رواية (إلى سبعين بطناً) , وظهره: ما يفهم من ألفاظه ويسبق الذهن إليه. وبطنه: المفهومات اللازمة للنظر الأول. وحدّه: ما إليه ينتهي غاية إدراك الفهوم والعقول , ومطلعه: ما يدرك منه على سبيل الكشف والشهود , من الأسرار الإلهية والإشارات الربانية. والمفهوم الأول , الذي هو الظهر , للعوام والخواص. والمفهومات اللازمة له (هي) للخواص ولا مدخل فيها للعوام. والحدّ للكاملين. والمطلع لخلاصة أخص الخواص كأكابر الأولياء. وكذلك التقسيم في

стр. 247

الأحاديث القدسية والكلمات النبوية: فإن لكل من العوام والخواص وأخص الخواص فيها إنباءات رحمانية وإشارات إلهية - من اجل هذا كله - كان للشريعة ظاهر وباطن. (ومراتب العلماء أيضا فيهما متكثرة. ففيهم فاضل ومفضول , وعالم وأعلم , والذي نسبته إلى نبيه أتم وقربه من روحه أقوى , كان علمه بظاهر شريعته وباطنها أكمل. والعالم بالظاهر والباطن منه أحق أن يتبع , لغاية قربه من نبيه , وقوة علمه بربه , وأحكامه , وكشفه حقائق الأشياء , وشهوده إياها. ثم من هو دونه في المرتبة إلى أن ينزل إلى مرتبة علماء الظاهر فقط) (١). و (هو العلم المخزون والعلم اللدني الذي اختزنه عنده , فلم يؤته إلا للمخصوصين من الأولياء كما قال الله تعالى في شأن الخضر ﵇: وعلّمناه من لدنا علما ... وقال بعضهم: هي أسرار الله تعالى يبديها الله إلى أنبيائه وأوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة , وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها أحد إلا الخواص. وقال أبو بكر الواسطي ﵁ في قوله تعالى: والراسخون في العلم: وهو الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب , وفي سر السر , فعرفهم ما عرفهم , وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادة , فانكشف لهم من مذخور الخزائن والمخزون تحت كل حرف وآية من الفهم وعجائب النظر بحارا , فاستخرجوا الدرر والجوهر , ونطقوا بالحكمة) (٢). وقالوا: (أهل الظاهر هم: أهل الخبر واللسان , وعلماء الباطن هم: أرباب القلوب والعيان ... وعلم الظاهر حكم , وعلم الباطن حاكم , والحكم موقوف حتى يأتي الحاكم بحكم فيه) (٣). و (أهل الظاهر هم أهل الشريعة , وأهل الباطن هم أهل الحقيقة) (٤).

стр. 248

وأما سبب التجاء المتصوفة إلى علم الباطن , ومنه إلى التأويل هو أن الصوفية لم يجدوا في القرآن والسنة ما يمكن أن يكون سندا لهم على منهجهم ومسلكهم , ودليلا على طرقهم التي اختاروها , والمناهج التي اخترعوها للوصول إلى الله , والحصول على معرفته ورضائه , فالتجأوا إلى علم الباطن والتأويل الباطني كما قال نيكلسون: (لا يمكن أن يكون القرآن أساسا لأي مذهب صوفي , ومع ذلك استطاع الصوفية متبعين في ذلك الشيعة أن يبرهنوا بطريقة التأويل نصوص الكتاب والسنة معنى باطنا لا يكشفه الله إلا للخاصة من عباده الذين تشرق هذه المعاني في قلوبهم في أوقات جدهم. ومن هنا نستطيع أن نتصور كيف سهل على الصوفية بعد سلموا بهذا المبدأ أن يجدوا دليلا من القرآن لكل قول من أقوالهم ونظرية من نظرياتهم أيا كانت , وأن يقولوا إن التصوف ليس في الحقيقة إلا العلم الباطن الذي ورثه علي بن أبي طالب عن النبي. ويلزم من هذا المبدأ أيضا (مبدأ التأويل) أن تأويل الصوفية لتعاليم الإسلام قد يأتي على أنحاء وأشكال لا حصر لعددها , وربما أدى إلى تناقض في العبادات والمسائل العلمية. وكل ذلك مفروض صدقه في النوع لا في الدرجة , لأن معاني القرآن لا حصر لها , وهي تنكشف لكل صوفي بحسب ما منحه الله من الإستعداد الروحي. ولهذا لم تتألف من الصوفية فرقة خاصة , ولا كان لهم مذهب محدود يصح أن نسميه مذهب التصوف. بل إن التعريفات العديدة التي وضعت للفظ التصوف نفسه لتدل على تعدد وجوه النظر في فهم معناه. كذلك الحال في موقف الصوفية من الشريعة , فإن هذا الموقف يختلف بحسب حال كل صوفي. ولذلك تجد بعضهم قد قام بشعائر الدين بكل دقة بالرغم من أنهم كانوا يعتبرون أن صور العبادات ليس لها من القيمة ما لأعمال القلوب , أو أنها لا قيمة لها البتة إلا من حيث دلالتها على الحقائق الروحية. فالحج مثلا رمز للبعد عن المعاصي , والإحرام خلع الشهوات والملذات مع خلع الثياب. وهذا الأسلوب من البحث أسلوب معروف عند الإسماعيلية الباطنية , والظاهر أن الصوفية أخذوه عنهم. وآخرون منهم قالوا برفع التكاليف الدينية سواء أكانوا من الصوفية الذين تحرروا من القيود الشرعية في تفكيرهم وأعمالهم , أم من الصوفية الصادقين في تصوفهم كالملامتية الذين دفعهم الخوف من مدح الناس إلى الظهور فيهم بما

стр. 249

يستجلب الملامة والذم , أم من (العارفين) الذين لم يأبهوا بمظاهر الشرع ورسومه ولا بأخلاق هذا العالم الزائل .... وقد سبق أن ذكرنا أن الصوفية اعتبروا أنفسهم خاصة أهل الله الذين منحهم الله أسرار العلم الباطن المودع في القرآن والحديث , وأنهم استعملوا في التعبير عن هذا العلم لغة الرمز والإشارات التي لا يقوى على فهمها غيرهم من المسلمين) (١). وسبب آخر أنهم تقوّلوا بكلمات كلها كفر وإلحاد , ونقل عن الباطنية والتشيع والفرق الباطلة الأخرى , فلما سمع العلماء هذه المقولات كفروهم بها , ورموهم بالإلحاد والزندقة فلم يسعهم آنذاك إلا القول بالظاهر والباطن , والهروب إلى التأويل , وفي كتب التصوف أمثلة كثيرة مبعثرة في ذلك. فمثلا الطوسي يذكر متصوفة كثيرين رموا بالزندقة والإلحاد , ولكنه يبرّء ساحتهم من هذه التهم بهذه المقولة , فمثلا يقول عن عبد الله الحسين بن مكي الصبيحي أنه (تكلم بشيء من علم الأسماء والصفات وعلم الحروف فكفره أبو عبد الله الزبيري , وهيّج عليه العامة , فقال: إن سهل بن عبد الله قال له: نحن فتحنا للناس جراب الهلتيت فلم يصبروا علينا , فلم كلمتهم أنت بما لا يعرفون , فكان ذلك سبب خروجه من البصرة , ثم قال: وكان إذا تكلم بعلوم المعارف يدهش العالم) (٢). ومثل ذلك ذكر أبا سعيد أحمد بن عيسى الخراز فقال: (أنكر عليه جماعة من العلماء , ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صنّفه وهو: كتاب السرّ , فلم يفهموا معناه , وهو قوله: عبد رجع إلى الله , وتعلق بالذكر , وذكر في قرب الله وطالع ما أذن له من التعظيم لله , ونسي نفسه وما سوى الله , فلو قلت له: من أين أنت وأين تريد؟ لم يكن جواب غير قول (الله)) (٣). هذا , وذكر الآخرين كذلك , وقبل ذلك عللّ سبب تكفير العلماء إياهم بقوله: (فمنهم قوم لم يفهموا معاني ما أشاروا إليه في كلامهم من غامض العلم وجليل

стр. 250

الخطب , ولم يكن لهم زاجر من العقل ولا واعظ من الدين أن يستبحثوا عن المعاني التي أشكلت عليهم ويسألوا ذلك عن أهلها , وقاسوا من ذلك بما علموا من العلوم المبثوثة بين عوام الناس حتى هلكوا) (١). والأمثلة في هذا الباب كثيرة لا تعدّ ولا تحصى. وأخيرا يحسن بنا أن نورد بعض الأمثلة للتأويلات الصوفية في القرآن والحديث النبوي الشريف لتمام الفائدة وإكمال البحث. فيذكر ابن عطاء الله الإسكندري في لطائفه نقلا عن بعض مشائخه أنه فسّر الآية ﴿يهب لمن يشاء إناثا﴾ الحسنات ﴿ويهب لمن يشاء الذكور﴾ العلوم , ﴿ويجعل من يشاء عقيما﴾ لا علم ولا حسنة , كما مضى أيضا من قول الله : ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾. فقال الشيخ: بقرة كل إنسان نفسه , والله يأمرك بذبحها , وكما سيأتي إن شاء الله في تفسير الأحاديث , فذلك ليس إحالة للظاهر عن ظاهره , ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت له الآية , ودلت عليه في عرف اللسان , وثمّ أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث , لمن فتح الله على قلبه) (٢). وقال الجيلي مفسرا قول الله : ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾ يقول في تفسيره: (اتفقت العلماء على أن (هل) في هذا الموضوع بمعنى قد: يعني قد أتى الإنسان حين من الدهر , والهر هو الله , والحين تجل من تجلياته (لم يكن شيئا) يعني أن الإنسان لم يكن شيئا (مذكورا) , ولا وجود له في ذلك التجلي , لا من حيث الوجود العيني ولا من حيث العملي , لأنه لم يكن شيئا مذكورا , فلم يكن معلوما , وهذا التجلي هو أزل الحق الذي لنفسه) (٣). ثم يؤوّل الجيلي الصوم والصلاة والزكاة والحج تأويلا باطنيا محضا , كالإسماعيلية تماما , فيقول: (وأما الصلاة فإنها عبارة عن واحدية الحق تعالى , وإقامتها إشارة إلى إقامة
следующие страницы →