← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فالسابقون من المتكلمين حين فسروا توحيد الإلهية بالربوبية، وقالوا: الإله هو القادر على الاختراع، فجعلوا نوعي التوحيد المتلازمين نوعا واحدا، فتبعهم على هذا المتأخرون منهم؛ وحين حصروا مفهوم الإيمان في التصديق فقط مجردا عن القول والعمل، وأيدوا مذاهبهم الفاسدة ببعض الدلائل القرآنية والأحاديث النبوية، وردوا أن يكون شرك المشركين واقعا في الألوهية، وإنما هو في الربوبية، مخالفين بذلك ظواهر النصوص وإجماعات السلف = فقد أحدثوا شرخا عقائديا كبيرا في الأمة، وفسادا في التصور الصحيح، كانت آثاره السيئة بادية للعيان، ولذا قام السمعاني مقاما جليلا في الأمة، ذب عن جناب القرآن، وحَمى حِمى التوحيد، ورد على أمثال هؤلاء ردا مؤصلا، مستقى من نصوص الوحيين، مؤيدا بكلام السلف. المطلب الرابع: مُدَّعو الربوبية، وأقوال الناس في الرب : المسألة الأولى: مُدَّعو الربوبية: تبيَّن مما سبق، أن توحيد الربوبية توحيد فطري، مغروس في النفس، " بل القلوب مفطورة على الإقرار به، أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات ". (١) وحتى البهائم مفطورة على معرفة خالقها، فقد نقل الإمام السمعاني عن بعض الناس قولهم: " ورُوي عن ابن سابط أنه قال: أُبهمت البهائم إلا عن أربع: تعرف خالقها، وتطلب رزقها، وتدفع عن نفسها، وتعرف كيف تأتي أنثاه ". (٢) ولما كان هذا النوع من التوحيد فطرياً، " لم يُعرف عن أحد من طوائف العالم أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال ". (٣)

стр. 107

ومن نُقل عنه أنه أدعى الربوبية، فهو يعلم حقارة نفسه، وضعفه في ذاته وصفاته، وميله إلى من يُقيم له حاجاته، ويُؤمن له رغباته، وهذا يُبين حقيقة مدعيي الربوبية؛ ففرعون الذي أدَّعى الربوبية، وتلَبَّس بالألوهية، كان يعبد بقرة، فقد نقل السمعاني في تفسيره عن سليمان التيمي (١)، أن فرعون كان يعبد البقر، ونقل عن السُّدي (٢): أنه اتخذ أصناماً، وقال لقومه: هذه آلهتكم، وإنا إله الآلهة، ونقل عن الحسن: أن فرعون كان قد عَلَّق صليباً على عنقه، كان يعبده. (٣) وقد ظهرت مواطن الضعف والهزيمة في حياة فرعون، حكاها القرآن، وبيَّنها أكبر بيان؛ لتكون رداً مفحماً لكل من تجاسر على خصائص الرب، وتعالى على الإله. فأظهرت هذه المواطن شدة الضعف، والرهبة والخوف، التي تنافي دعوى الربوبية، فدَلَّت على عدم استحقاقه لما زعم.

стр. 108

أولى تلك المواطن، قوله تعالى حكاية عنه: " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) " (القصص ٣٨)، وقوله جل وعلا: " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا " (غافر ٣٦ - ٣٧): معلوم أن الإله الحق، كامل الصفات، عالم بما كان وبما سيكون، لا يخفى عليه شيء، ولذا هُنا عَبَّر فرعون بلفظ الظن، الذي محتواه شك ووهم، ويتنزه عنه الإله، فلو كان فرعون إلها حقاً، لعلم علماً يقينياً، ولكن هذا شأن الدجالين، الذين تقوم عقائدهم على التخيل الفاسد. وكذا لما لم يقطع بالنفي، دَلَّ على جهله المطبق الذي يتنزه عنه الإله الحق المبين. والموطن الثاني: قوله تعالى: " وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) " (غافر ٢٦): هنا يُظهر فرعون الدَّعي، مكنون ضعفه، وشدة عجزه، وخوفه وإشفاقه، من أن يبدل موسى دينه، أو أن يظهر في الأرض الفساد على زعمه. ألست تزعم أنك رب وإله! فلِمَ الخوف والخشية، والحيطة والحذر، لذا حكى الله جل وعز عنه قوله: " فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) " (الشعراء ٥٣ - ٥٦): يقول الرازي: " والغرض من هذه المعاذير، أن لا يتوهم أهل المدائن، أنه منكسر من قوم موسى، أو خائف منهم " (١)، والحال أنه متناقض في نفسه، ففيه ما يناقض دعواه.

стр. 109

فقد نقل السمعاني في تفسيره عن سعيد بن جبير أنه قال: كان موسى يخاف من فرعون خوفاً شديداً، وكان إذا دخل عليه قال: اللهم إني أعوذ بك من شره، وأدرأك في نحره، فحول الله تعالى ذلك الخوف إلى فرعون، فكان إذا رأى موسى بال في ثيابه كما يبول الحمار. (١) والموطن الثالث: قوله تعالى: " حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) " (يونس ٩٠): هنا أصابت فرعون الطاغية، الساعة الرهيبة، واللحظة العصيبة، التي لا مفر منها ولا مهرب، فقد ألجمه الماء وأغرقه، وبلغه الموت وأهلكه. مع أنه قد حملته العزة في أول الأمر، على تقحم البحر على إثر موسى وقومه، ولما تحقق الهلاك، عرف حقارة نفسه، وسفاهة أمره، والتجأ بعد انتهاء المهلة، وانقضاء الفرصة، فظهر عدم استحقاقه لما زعم. وممن يدَّعي الربوبية، المسيح الدجال حين يخرج في آخر الزمان، لكن هل ورد ذكر الدجال في القرآن أم لم يرد؟ قيل: إنه مذكور في قوله تعالى: " لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ " (غافر ٥٧)، وقد ورد عن أبي العالية (٢)، أنه قال: " أي: أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود ". (٣)

стр. 110

وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر (١): " وقد وقع في تفسير البغوي: أن الدجال مذكور في القرآن، في قوله تعالى: " لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ " (غافر ٥٧)، وأن المراد بالناس هنا: الدجال، من إطلاق الكل على البعض. وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه، والعلم عند الله ". (٢) ونقل هذا القول الإمام السمعاني في تفسيره، فقال: " ويُقال: لخلق السموات والارض أكبر من قتل الدجال واحداً وإحيائه، فالناس هاهنا: هو الدجال على هذا القول ". (٣) وممن ادعى الربوبية: النمروذ، قال الإمام السمعاني: " وهو أول من تجبَّر في الأرض، و أدعى الربوبية " (٤)، فطغى وتجبَّر وتكبر، فأرسل الله تعالى عليه وقومه البعوض، فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، ودخلت بعوضة في رأس نمروذ حتى أهلكته، ذكره مقاتل وغيره. (٥) المسألة الثانية: أقوال الناس في الرب جَلَّ وعلا: تعالى الله وتعاظم، عن كل ما يصفه به الواصفون المشركون، وينسبه إليه الكافرون من الشريك والولد، ولذا نزه نفسه، فقال: " سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) " (الصافات ١٨٠). فكلما حكى جل وعز، أقوالا عن المشركين، نزه نفسه سبحانه عن هذه الأقوال الشنيعة المنكرة. ـ فقال : " وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) " (الأنعام ١٠٠).

стр. 111

ـ وقال جل وعلا: " لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) " (الانبياء ٢٢)، قال الإمام السمعاني: " نزه نفسه عما يصفه به المشركون من الشريك والولد ". (١) ـ وقال : " مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) " (المؤمنون ٩١) ـ وقال جل وعلا: " وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) " (الصافات ١٥٨ - ١٥٩)، يقول الإمام السمعاني: " نزه نفسه عما وصفوه به من هذا القول الشنيع " (٢) ـ وقال : " قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) " (الزخرف ٨١ - ٨٢) وقد ذكر الإمام السمعاني أقوال الناس في الرب جل في علاه، وهذا يُبين حرص السمعاني على تتبع أقوال المخالفين وتفنيدها، ودحض افتراءتهم، وتنزيه رب العالمين عن هذه الفِرى العظيمة: ١ ـ قول اليهود: ذكر الله مقالة اليهود الآثمة ـ: " وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ " (التوبة ٣٠)، وذكر السمعاني في هذا المقام ثلاث مسائل: الأولى: هل هذه المقالة عامة شاملة كل اليهود؟! فذكر السمعاني قولين: الأول: أن هذا في قوم بأعيانهم كانوا بالمدينة أفناهم السيف، منهم: سلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، وفنحاص اليهودي. الثاني: أن القائلين لهذه المقالة، قوم من سلفهم ومتقدميهم. (٣)

стр. 112

وذكر الإمام الماوردي قولاً، نسبه إلى ابن عباس ﵁، أنهم جميع بني إسرائيل. (١) ورجح الإمام القرطبي، أنه هذا لفظ خرج على العموم، ومعناه الخصوص؛ لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك. (٢) ونسب بعض العلماء القول بأن عزيراً ابن الله، إلى فرقة الصدوقيين من اليهود (٣)، وذكر صاحب المواعظ والاعتبار، أن يهود فلسطين زعموا عزيراً ابن الله، قال: وأنكر أكثر اليهود هذا القول (٤). ويؤكد هذا القول الدكتور المسيري (٥) فيقول: " ومنذ ظهور اليهودية الحاخامية، لم يَعُد هناك أثر للإيمان بعقيدة ابن الإله " (٦) الثانية: هل بقي أحد يقول بهذه المقالة؟ فأجاب الإمام السمعاني عن هذا، بأنه الآن لا يقول أحد منهم بهذه المقالة (٧)، وهذا ما أشرنا إليه في المسألة السابقة. الثالثة: ما سبب قول هذه المقولة؟! ذكر الإمام السمعاني سببين في ذكر هذه المقولة: السبب الأول: أن اليهود لما بدَّلوا وخالفوا شريعة التوراة، نسخ الله تعالى التوراة من صدورهم، فخرج عُزير يسيح في الأرض يطلب العلم، فلقيه جبريل ﵇ فعلمه التوراة. السبب الثاني: أنه نزل نور فدخل جوفه، فقرأ التوراة عن ظهر قلب، فرجع وأملى التوراة على اليهود، فقال جماعة منهم هذه المقالة. (٨)

стр. 113

وما ذكره السمعاني، نقله الإمام الطبري في تفسيره عن ابن عباس والسُّدي، وجاء فيها أن اليهود قالوا حين عارضوا التوراة، بتوراة عزير فوجدوها مثلها: " ما أعطاك الله هذا إلا لأنك ابنه ". (١) ٢ ـ قول النصارى: وذكر الله قولهم الشنيع فقال : " وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ " (التوبة ٣٠)، وذكر الإمام السمعاني أن هذه المقالة باقية ولاتزال في طوائف النصارى (٢)، وأشار في مقام آخر إلى أقوال النصارى في الإله، وقسمهم إلى أقسام ثلاثة: ١ ـ اليعقوبية (٣): وقالوا: المسيح إله، وقيل: إنهم لما قالوا: المسيح ابن الله، وابن كل أحد يكون من جنسه، فكأنهم قالوا: المسيح هو الله. (٤) وفسَّر السمعاني قولهم في مقام آخر فقال: " وقول " ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ " هو قولهم: أب، وابن، وروح القدس، وهذا قول اليعقوبية منهم، وقالوا: روح القدس لا هو ولا غيره، وكذلك الابن، والله مجموع الكل ". (٥) وقال في موطن آخر عن قولهم: " وسألوهم عن عيسى، فقال أحدهم: كان هو الله، نزل من السماء، وصار في بطن مريم، وأحيا وأمات، ثم صعد إلى السماء، وهذا قول اليعقوبية من النصارى ". (٦)

стр. 114

ويقول الإمام ابن حزم عن قولهم: " وقالت اليعقوبية: إن المسيح هو الله تعالى نفسه، وأن الله تعالى عن عظيم كفرهم، مات وصلب وقتل، وأن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، والفلك بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان، وأن الله تعالى عاد محدثاً، وأن المحدث عاد قديماً "، وقال راداً عليهم: " وأما اليعقوبية، فإنهم ينسبون إلى يعقوب الرذعاني، وكان راهباً بالقسطنطينية، وهم فرقة نافرت العقل والحس منافرة وحشية تامة ". (١) ٢ ـ النسطورية (٢): وذكر الإمام السمعاني عنهم مقولتين: الأولى: أن المسيح ابن الله. (٣) الثانية: أن المسيح هو الله، نزل إلى الأرض، ثم رفع إلى السماء. (٤) وأشار الإمام ابن حزم إلى قولهم فقال: إن الله تعالى عبارة عن قولهم: ثلاثة أسباب: أب وابن وروح القدس، كلها لم تزل، وأن عيسى ﵇ إله تام، وإنسان تام كله، ليس أحدهما غير الآخر، وأن الإنسان منه، هو الذي صُلب وقُتل، وأن الإله منه لم ينله شيء من ذلك. وقالوا: إن مريم لم تلد الإله، وإنما ولدت الإنسان، وأن الله تعالى لم يلد الإنسان، وإنما ولد الإله، تعالى الله عن كفرهم. (٥)

стр. 115

٣ ـ الملكانية (١): ذكر الإمام السمعاني مقالتهم، وأنهم كانوا يقولون: إن عيسى أحد الأقانيم الثلاثة، الله ومريم وعيسى. فهؤلاء ثلاثة أقانيم قديمة، وعيسى أحد هذه الثلاثة. وهذا الذي عليه أكثر النصارى. (٢) ويقول الإمام ابن حزم عن هذه الفرقة، إنها أعظم الفِرق الثلاث؛ " وهي مذهب جميع الملوك النصارى حيث كانوا، حاشا الحبشة والنوبة، ومذهب عامة أهل كل مملكة النصارى، ومذهب جميع نصارى إفريقية، وصقلية، والأندلس، وجمهور الشام، وقولهم: إن الله تعالى عبارة عن قولهم ثلاثة أسباب: أب وابن وروح القدس، كله لم تزل، وأن عيسى ﵇ إله تام كله، والإنسان تام كله، ليس أحدهما غير الآخر، وأن الإنسان منه هوالذي صُلب وقُتل، وأن الإله منه لم ينله شيء من ذلك. وأن مريم ولدت الإله والإنسان، وأنهما معاً شيء واحد، ابن الله، تعالى الله عن كفرهم ". (٣) والنصارى بالجملة انقسمت إلى طوائف عدة: الطائفة الأولى: القائلون بالطبيعة الواحدة للمسيح، وهم من أخذ بقرار مجمع أفسس، وهذا المجمع انعقد لمواجهة قول نسطور، الذي كان يقول بأن المسيح له طبيعتان: إلهية وإنسانية بشرية، وأن مريم والدة الإنسان دون الإله. وتمخض عن هذا الاجتماع، القرار بأن المسيح إله وإنسان ذو طبيعة واحدة، وأقنوم واحد، وأن مريم أم إلههم، وحُكِم على نسطور بالطرد من الكنيسة.

стр. 116

والطائفة الثانية: القائلون بأن المسيح له طبيعتان: إلهية وبشرية بلا اختلاط، ولا تحوُّل، ولا انقسام، ولا انفصال. وهؤلاء هم الملكانية، نسبة إلى الملك، وهو الإمبراطور الروماني البيزنطي، وهؤلاء انقسموا لثلاث طوائف كبيرة، هي: الكاثوليك، والأرثوذكس، والبروتستانت. (١) ٣ ـ قول المشركين: كان المشركون يقولون: إن الملائكة بنات الله، تعالى عما يقولون علواً كبيراً، وقد حكى ذلك عنهم في كتابه العزيز فقال : " فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) " (الصافات ١٤٩ - ١٥٨): يقول الإمام السمعاني: "وقد كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله. قال أهل التفسير: ولم يكن يزعم هذا جميع قريش، وإنما قال هذا بعض قريش، وقوم من بني كِنانة، وهم بنو مدلج " (٢)، وقال: " وقوله تعالى: " وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا " الجِنَّة: هاهنا هم الملائكة، وفي قول أكثر المفسرين " (٣)، وهذا القول مروي عن مجاهد وقتادة، والسُّدي. (٤)

стр. 117

وقد أشار صاحب الملل والنِّحل إلى ديانات العرب، فقال: " ومن العرب من كان يميل إلى اليهودية، ومنهم من كان يميل إلى النصرانية، ومنهم من كان يصبو إلى الصابئة، ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات، حتى لا يتحرك ولا يسكن، ولا يسافر، ولا يقيم، إلا بنوء من الأنواء، ويقول: مطرنا بنوء كذا. ومنهم من كان يصبوا إلى الملائكة، بل كانوا يعبدون الجن , ويعتقدون فيهم أنهم بنات الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ". (١) وذكر الإمام السمعاني عن المشركين، أنهم كانوا يقولون: اللات والعزى بنات الله. (٢) وكذا ذكر الإمام الطبري في تفسيره فقال: " سمَّى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه، فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العُزى، وزعموا أنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون وافتروا ". (٣) وقد أنكر الله جل وعلا عليهم هذا الافتراء، فقال منكراً عليهم: "أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) " (الإسراء ٤٠): أي: قولاً فظيعاً كبيراً. (٤) وقال سبحانه جل في علاه: " فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ " (الزمر ٣٢): قال مجاهد وقتادة: كذبهم على الله: زعم اليهود أن عزيراً ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله. وقال السدي: هو الشرك، وزعم قريش أن الملائكة بنات الله. (٥)

стр. 118

وقال : " وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) " (الزخرف ١٩)، قال السمعاني: " سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ " يعنى: أنهم يجازون بشهادتهم الكاذبة، ويسألون عن شهادتهم يوم القيامة " (١)، وأتبعه جل وعلا بالإنكار الشديد، فقال: " وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) " (الزخرف ٢٠): قال السمعاني: " أي: مالهم بقولهم: إن الملائكة بنات الله من علم، إن هم إلا يخرصون ". (٢) وكذا رد الله تعالى عليهم قولهم الآثم فقال سبحانه: " أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (٢١) " (النجم ٢١): يقول السمعاني: " وهذا على طريق الإنكار عليهم؛ لأنهم كانوا يقولون: هذه الأصنام على صور الملائكة، والملائكة بنات الله، وهذا قول بعضهم ". (٣) وأنكر الله جل وعلا على كل الخراصين الأفاكين، فقال: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) " (الصمد ١ - ٤): يقول السمعاني: قوله: " لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ": نفي لقول اليهود والنصارى: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، ونفي لقول المشركين: أن الملائكة بنات الله. وقوله " وَلَمْ يُولَدْ ": فيه نفي لقول النصارى: إن مريم ﵍ ولدت إلهاً، وهو المسيح " (٤) وأما نسبة الولد إلى الله تعالى، فقد تتبعها القرآن وفنَّدها، وبين عوارها، وكذب قائليها، وافتراءهم على الله تعالى، ورد عليهم بالدلائل العقلية والنقلية، ومن الردود القرآنية على هذه الفرية، ما يلي:

стр. 119

١ ـ قال جل وعلا: " قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) " (الزخرف ٨١): وقد ذكر الإمام السمعاني في توجيه هذه الآية أربعة أقوال: الأول: هو قول مجاهد: ومعناه: قل إن كان للرحمن ولد على زعمكم، فأنا أول العابدين، أنه إله لا ولد له، ولا شريك له، وأن ما قلتموه باطل وكذب. قال السمعاني: " وهذا أحسن الأقاويل ". (١) الثاني: أن " إن " هاهنا بمعنى " ما "، ومعناه: قل ما كان للرحمن ولد، وتم الكلام، ثم قال: فأنا أول العابدين. قال: " وأهل النحو يستبعدون هذا ". (٢) الثالث: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، أي: الآنفين. الرابع: أن هذا على النفي من الجانبين بمعنى: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، وليس له ولد، ولا أنا أول عابد. (٣) وبذا فنَّد الإمام السمعاني كل ما يمكن أن يتعلق به متعلق، فالآية بكل توجهاتها رد لمثل هذا القول الشنيع. (٤) ٢ ـ قال : " مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٣٥) " (مريم ٣٥): يقول الإمام السمعاني: " معناه: ما يصلح لله، وما ينبغي أن يتخذ من ولد. فإن قيل: هلا قال ولداً؟ قلنا: قال من ولد للمبالغة؛ فإن الرجل قد يقول: ما اتخذ فلان فرساً، يريد العدد، وإن كان قد اتخذ واحداً، فإذا قال: ما اتخذ فلان من فرس، يكون ذلك نفياً للواحد والعدد. وقد بيَّنا أن الولد يكون من جنس الوالد، والله لا جنس له ". (٥)

стр. 120

٣ ـ قال تعالى: " وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) " (مريم ٨٨ - ٩٢): فهؤلاء جاؤوا بقول منكر عظيم، تقرب السماء أن تسقط عليهم، والأرض أن تخسف بهم، والجبال أن تطبق عليهم؛ لقبح ما قالوه، وتفوهوه، ثم قال : " إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) " (مريم ١٩٣): وهذا يفيد امتناع ما قالوه؛ لأنه قد " أجمع أهل العلم، أن البنوة مع العبودية لا يجتمعان، ومن اشترى ابنه يعتق عليه؛ لأنه لا يصلح أن يكون ابنا وعبداً ". (١) ٤ ـ ويقول الله جل وعلا: " بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) " (الأنعام ١٠١): يقول السمعاني: "وفيه دليل أيضاً على أن لا ولد له؛ لأنه إذا كان خلق كل شيء، لم يصلح أن يكون له ولد؛ إذ المخلوق لا يصلح ولداً للخالق؛ فإن ولد كل أحد، يكون من جنسه ". (٢)، وكذا لا يكون الولد إلا من الصاحبة، وهي منفية عن الباري جل وعلا. وإذا لم يجز لله أن يتخذ ولداً، فكذلك لا يجوز عليه التبني، يقول السمعاني: " وأعلم أن الله تعالى، كما لا يجوز له أن يتخذ ولداً، لا يجوز له التبني؛ فإن التبني إنما يكون حيث يكون به الولد، فإذاً لم يتصور لله ولد، ولم يجز عليه التبني ". (٣)

стр. 121

٥ ـ ويقول جل في علاه عن قول هذه الطوائف الآثمة: " ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) " (التوبة ٣٠)، يقول السمعاني: "معناه: أنهم قالوا هذا القول بلا حجة، ولا بيان، ولا برهان، ولا إنما كان مجرد قول بلا أصل ". (١) ٦ ـ ويقول : " مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْأيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) " (المائدة ٧٥): يقول السمعاني: " وقوله " كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ": أي يتغذيان بالطعام، ومعناه: أن من يتغذي بالطعام لا يكون إلهاً يعبد " (٢). وهذا فيه تكذيب صريح لهذه الطوائف التي ادعت في المسيح ﵇، أنه الله، أو ابن الله، وأن من كان ما كان محتاجاً إلى ما يغذوه، وبه يقيم بدنه من المطاعم والمشارب، لا يصلح أن يكون إلهاً؛ لأن قوامه بغيره، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليل واضح على عجزه. والعاجز لا يكون إلا مربوباً لا رباً ". (٣) وبهذا يظهر جهاد الإمام السمعاني بالقرآن، كما قال تعالى: " وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) " (الفرقان ٥٢)، للذوذ عن هذه الأصول، والذب عنها، وبيان الحق فيها، والكشف عن كل الشبهات، وتتبعها، وإظهار عوارها وزيفها.

стр. 122

وفي هذا المقام لم يُغفل السمعاني الرد على الطبائعيين، الذين يسندون أمر هذا الكون إلى الطبيعة أو الصدفة. وهذا أمر عجيب، وشأن غريب؛ لأنهم لو أمعنوا النظر، وتأملوا قليلاً بالفكر، لتوصلوا إلى النتيجة التي توصل إليها العامة، وعرفها الخاصة، إن هذا الكون بيد الله جل وعلا، ولكن من لم يجعل الله له نوراً فماله من نور. وهنا نتساءل: هل في إمكان الطبيعة التمييز بين خلق الضار والنافع، وهل باستطاعتها التفريق في الأشكال والألوان والأصوات في الأجناس، فضلاً عن الجنس الواحد، وهل في مقدرتها خرق العادة، وإبطال الأسباب. وهذا الإحكام المتقن، والخلق المبدع، والتدبير الكامل، والتصرف الشامل، هل يمكن أن يكون مثله في وسع الطبيعة. كيف يتجمع المطر، وكيف ينزل؟ ولم ينزل بهذا القدر في مكان دون آخر؟ تأمل في نفسك، وتفكر في مراحل نموك: أين الطبيعة عند كونك نطفة ... في البطن إذ مشجت به الماءان أين الطبيعة حين عدت عليقة ... في أربعين وأربعين ثواني أين الطبيعة عند كونك نطفة ... في أربعين وقد مضى العددان أترى الطبيعة صورتك مصوراً ... مسامع ونواظر وبنان أترى الطبيعة أخرجتك منكساً ... من بطن أمك واهي الأركان أم فجرت لك باللبان ثديها ... فرضعتها حتى مضى حولان أم صَيَّرت في والديك محبة ... فهما بما يرضيك مغتبطان يا فيلسوف لقد شغلت عن الهدى ... بالمنطق الرومي واليوناني (١)

стр. 123

وقد رد العلماء قديماً وحديثاً على هذا المذهب الفاسد من كل جهة، حين قالوا: إن هذه المخلوقات البديعة الخلق، والعجيبة الفرق، من فعل الطبيعة، وبذا ناقضوا الفطرة، وخالفوا العلم، وناكفوا العقل، ولذا يقول الشيخ الشنقيطي: " أن اختلاف ألوان الآدميين، واختلاف ألوان الجبال، والثمار، والدواب، والأنعام، كل ذلك من آياته الدالة على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده، قال تعالى: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ " (فاطر ٢٧ - ٢٨)، واختلاف الألوان المذكورة، من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة، على أنه هو المؤثر جل وعلا، وأن إسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال ". (١) وقد ساهم الإمام السمعاني في رد هذا الهراء، وكشف هذا الافتراء، فقال في تفسير قوله تعالى: " وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) " (الرعد ٤): " وقوله " يسقى بماء واحد " ... وفي الآية رد على أصحاب الطبيعة، فإن الماء واحد، والهواء واحد، والتراب واحد، والحرارة واحدة، والثمار مختلفة في اللون والطعم، وقلة الرَّيع، وكثرة الرَّيع، والطبيعة واحدة يستحيل أن توجب شيئين مختلفين؛ فدل هذا أن الجميع من الله تعالى ". (٢) وقد رد الإمام الرازي على هذا المذهب في تفسيره، من جهات متعددة، فرده من جهة: ـ حدوث التغيُّرات والتبدلات، وأنها لا بُدَّ لها من سبب. (٣)

стр. 124

ـ حركة الريح، وأنه هواء متحرك، وكونه متحركاً ليس لذاته، ولا للوازم ذاته، وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته، فلا بُدَّ وأن يكون لتحريك الفاعل المختار، وهو الله ﷻ (١) ـ الاستدلال بوجود الجبال، على وجود الصانع القدير الحكيم، وذلك: أن طبيعة الأرض طبيعة واحدة، فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض، لا بُدَّ وأن يكون بتخليق القادر الحكيم. (٢) ـ الاستدلال بالنبات، وأفاض في ذكر دلالته على المدبِّر الحكيم جل في علاه. (٣) ـ الاستدلال بالبرق، والسحاب، والرعد، والصواعق، على تخصيص الفاعل المختار، دون العلة والطبيعة. (٤) ـ الاستدلال بتعاقب الليل والنهار على الدوام، فإن كل منهما مضاد للآخر، مغاير له، مع كونهما متعاقبين على الدوام، من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتهما، بل لا بُدَّ لهما من فاعل يدبرهما، ويقدرهما بالمقادير المخصوصة. (٥) ومن جميل ما استدل به الإمام الرازي، على كمال قدرة الله وحكمته، ورد به على القائلين بالطبع: " وأعلم أن في ذكر الطَّري مزيد فائدة، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحاً، لما عُرف به من قدرة الله تعالى ما يُعرف بالطري، فإنه مما خرج من البحر الزعاق، الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، عُلِمَ أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة، بل بقدرة الله وحكمته، حيث أظهر الضد من الضد ". (٦) وبهذا البيان الناصع، المستقى من النصوص، والمُؤيد بالعقول السليمة والفِطر المستقيمة، يأتي السمعاني على بُنيان القوم، فينقضه حجرا حجرا؛ لأنه في أصله ضعيف متهالك.

стр. 125

المطلب الخامس: مسائل في الربوبية: لم يُغفل السمعاني بعض المسائل المتعلقة بالربوبية، من جهة ما يتعلق بها من قضايا تُعمق هذه العقيدة في القلب، أو ما قد يرد عليها من التساؤلات والإشكالات، وقد عالجها بطريقته المعهودة، بذكر بعض الأوجه التي تُقرب المسائل وتحل إشكالاتها. المسألة الأولى: خضوع الجمادات لله تعالى، وتسبيحها له جل وعلا: بيَّن القرآن الكريم، أن كل ما في هذا الكون خاضع لله تعالى، يسجد له، ويسبح بحمده. فمن مَيَّزه الله ، وفضله على بقية المخلوقات، وشَرَّفه بالعقل، والفهم، والإدراك، فهو يخضع وينقاد لله تعالى إما طوعاً، وإما كرهاً، يقول :" أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) " ... (آل عمران ٨٣): يقول مجاهد: " سجود المؤمن طائعاً، وسجود الكافر وهو كاره ". (١) وقال تعالى: " وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْأصَالِ (١٥) " (الرعد ١٥)، قال قتادة: " فأما المؤمن فيسجد طائعاً، وأما الكافر فيسجد كارهاً " (٢). وقال السُّدي: " إذا سجد الأشياء، سجد ظله معه ". (٣) وهذا هو القول الذي نقله الإمام السمعاني في تفسير الآية، فقال: " يعني: يسجد من في السموات طوعاً، ويسجد من في الأرض، بعضهم طوعاً، وبعضهم كرهاً. والسجود هوالخضوع بالتذلل ... ، وقوله " وَظِلَالُهُم ": قالوا: ظل الكافر يسجد طوعاً، والكافر يسجد كرهاً، وظل المؤمن يسجد طوعاً، وكذا المؤمن يسجد طوعاً، هذا هو القول المنقول عن السلف ". (٤)

стр. 126

وأخبر القرآن أن كل مافي السموات ومافي الأرض مطيع لله جل وعلا، فقال سبحانه:"وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (١١٦) " (البقرة ١١٦)، والقانت المطيع، ومعنى قوله: " كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ"أي: قائمون بالعبودية (١)، وقال مجاهد: كل له مطيعون، فطاعة الكافر في سجود ظله (٢). وذكر السمعاني خلافا عند المفسرين في معنى قوله تعالى:" كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ"فقال: وفي معناه أقوال: أحدها: قال ابن عباس: هو عام بمعنى الخصوص، والمراد به المسلمون، وبه قال الفراء، ولم يرضه من الفراء نحاة البصرة، وقالوا: الكل يقتضي الإحاطة بالشيء، بحيث لايشذ منه شيء، ومعناه: كل العباد قانتون، فالمسلم يسجد طوعا، والكافر يسجد ظله سريعا. والقول الثاني: معناه: مذللون مسخرون لما خلقوا له. والقول الثالث: يعني في القيامة (٣). هذا فيما يتعلق بالإنسان، أما فيما يخص الحيوان والجماد والأموات، فقد أخبر القرآن الكريم بسجودها، وخضوعها، ونطقها بالتسبيح، ومن موارده في القرآن الكريم قوله تعالى:" أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) (النحل ٤٨ - ٤٩). -" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ... " (الحج ١٨). -" تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) (الإسراء ٤٤).

стр. 127

-" ... وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) " (الأنبياء ٧٩). -" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) (النور ٤٢). -" وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) " (الرحمن ٦). -" يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" (الجمعة ١١). اختلف العلماء في مقتضى ماتتضمنه هذه الآيات وغيرها، التي تفيد سجود الحيوان والموات، وتسبيحه، ونطقه، إلى أقوال: القول الأول: أن التسبيح حقيقة، وكل شيء يُسبح تسبيحاً لا يسمعه البشر ولا يفقهه، وهذا قول إبراهيم النخعي، وعكرمة، ومجاهد، ورجحه الزجاج (١)، والقرطبي (٢)، ونصره الإمام السمعاني في تفسيره (٣)، وهو مروي عن علي وابن عباس ﵄، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: ١ - (عن ابن عمر ﵄-كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه)، وفي رواية: (فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العِشار، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكنت) (٤). يقول الإمام القرطبي: "وإذا ثبت ذلك في جماد واحد، جاز في جميع الجمادات، ولا استحالة في شيء من ذلك" (٥) ٢ - عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : (وإني لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن) (٦).

стр. 128

٣ - عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: (لايسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس، ولاشيء، إلا شهد له يوم القيامة) (١). ٤ - عن عبدالله بن مسعود قال: ( .. فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل) (٢) ٥ - عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا ﵇ قال لابنه: يابني: آمرك أن تقول:"سبحان الله"فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق، قال تعالى:" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي" (٣) ٦ - وقال عكرمة: لايعيبَّن أحدكم ودابته ولا ثوبه، فإن كل شيء يسبح بحمده. وقال: الشجرة تُسبح، والأسطوانة تُسبح (٤). ٧ - وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله، حيا كان أو جمادًا أو تسبيحها: سبحان الله وبحمده (٥). ٨ - وقال إبراهيم النخعي: الطعام يُسبح (٦). وقال: وإن من شيء جماد أو حي إلا يسبح بحمده، حتى صرير الباب، ونقيض السقف (٧). وقد نصر الإمام السمعاني هذا القول، وأيده بقوة، وجعله هو قول أهل السنة، فقال في أكثر من موطن: -" وأعلم أن لله في الجماد علما لايعلمه غيره، ولايقف عليه غيره، فينبغي أن يوكل علمه إليه" (٨) -" قد قال أهل السنة: إن لله علما في الموات لايعلمه غيره، وقيل: إن الله تعالى يفهمهم ويلهمهم ذلك فيخشونه بإلهامه، وبمثل هذا وردت الأخبار" (٩).

стр. 129

-" فإن من اعتقاد أهل السنة، أن الحيوان والموات، مطيع كله لله تعالى " (١). -" وسجود الموات ثابت بنص الكتاب، وهو على ما أراد الله تعالى، والعلم بحقيقة ذلك موكول إليه، وهو مذهب أهل السنة " (٢). ولذا قال في قصة سليمان مع النمل: " فإن قيل: كيف يصح أن يثبت للنمل مثل هذا العلم؟ والجواب عنه: يجوز أن يخلق الله تعالى فيه هذا النوع من الفهم والعلم " (٣). وقد أيد قوله برأي علي وابن عباس، قال علي: لاتضربوا الدواب على رؤوسها فإنها تسبح لله، وقال ابن عباس: إن تسبيح هذه الأشياء ياحليم ياغفور (٤). القول الثاني: إن التسبيح خاص بالأحياء فقط، وما ليس بحي فلا، وعليه: فلا يدخل فيه الجمادات: وإنما يسبح ما كان فيه روح، من حيوان أو نبات، وهذا مروي عن الحسن والضحاك وقتادة، واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لايستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يارسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما مالم ييبسا) (٥)، يقول الإمام القرطبي: فقوله ﷺ :" مالم ييبسا" إشارة إلى أنهما ماداما رطبين يسبحان، فإذا يبسا صارا جمادا (٦) ٢ - قال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام، وقد قدم الخوان: (أيُسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مرة، يقول الإمام القرطبي: (يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تسبح، وإنما الآن فقد صار خوانا مدهونا (٧).

стр. 130

٣ - قال قتادة: قوله تعالى: " وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ": كل شيء فيه الروح يُسبح، من شجر، أو شيء فيه " (١) ٤ - قال الضحاك: في قوله:" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي": كل شيء فيه الروح (٢). القول الثالث: أن تسبيح السماوات والأرض والجمادات، وسائر الحيوانات سوى العقلاء، هو مادلت بلطيف تركيبها، وعجيب هيئاتها على خالقها، فيصير ذلك بمنزلة التسبيح منها (٣)، فالمقصود من تسبيح الجمادات على هذا القول: أنها تدعو الناظر إليها أن يقول: سبحان الله، لعدم الإدراك منها، فلطيف الصنعة، وبديع القدرة، توجب على من رآها تسبيح الله وتقديسه. ووهن الإمام السمعاني هذا القول، وقال: " وقال بعضهم: إن سجود الحجارة هو بظهور أثر الصنع فيه، على معنى أنه يحمل السجود والخضوع لمن تأمله وتدبر فيه، وهذا قول فاسد، والصحيح ماقدمنا، والدليل عليه أن الله وصف الحجارة بالخشية، فقال:" وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ " ولا يستقيم حمل الخشية على ظهورأثر القدرة عليه، وأيضاً فإن الله تعالى قال:" يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ" أوبي معه: أي سبحي معه، ولو كان المراد ظهور أثر الصنع فيه. لم يكن لقوله: " مع داود" معنى؛ لأن داود وغيره في رؤية أثر الصنع سواء، وأيضا فإن الله تعالى قال:" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي" أي يطيع الله بتسبيحه،"وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " ولو كان المراد بالتسبيح ظهور أثر الصنع فيه، لم يستقم قوله: " وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " (٤). والخلاصة أن الإمام السمعاني قرر في هذه المسألة مايلي: ١ - أن لله تعالى علما في الموات لايعلمه غيره، ولايقف عليه الناس (٥).

стр. 131

٢ - أن اعتقاد أهل السنه أن الحيوان والموات مطيع كله لله تعالى (١) وأن كل الأشياء ساجدة لله تعالى مطيعة من حيوان وجماد وهو المحكي عن أكثر السلف (٢). ٣ - قال السمعاني: " إن سجود الموات ثابت بنص الكتاب وهو على ما أراد الله تعالى (٣)، والعلم بحقيقته موكول إليه، وهو مذهب أهل السنة (٤). ٤ - نقل السمعاني عن الإمام الثوري أنه قال: كل شيء يسبح إلا الحمار، فلذا جعل صوته أنكر الأصوات. وقد نقل هذا عن سفيان، الإمام ابن أبي حاتم في تفسيره فقال: " عن سفيان الثوري ﵁ قال صياح كل شيء تسبيحة إلا الحمار " (٥)، وزاد الماوردي في نقله عن سفيان قوله:" فإنه يصيح لرؤية الشيطان " (٦) وأخرج أبو الشيخ (٧) في كتاب العظمة , عن ابن عباس ﵄ -قال: كل شيء يسبح إلا الحمار والكلب " (٨) وتعقب هذا صاحب روح المعاني فقال: " ولا أرى لاستثناء ماذكر وجها، وفي القلب من صحة الرواية عن الخبر شيء، وكذا للتقييد بعد أن لم تكن الجمادية مانعة عن التسبيح، والأخبار الظاهرة في عدم التسبيح أكثر، ولا أظن أن لما يخالفها امتيازا عليها في الصحة " (٩). إن اجتهاد السمعاني وجزمه القول في هذه المسألة، مبني على تتبع النصوص، والأخذ بالظواهر المؤيدة بفهم السلف، وهذا منهجه العام الذي سار عليه في بناء الأحكام.

стр. 132

المسألة الثانية: ما تأويل قوله جل وعلا:" إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" (المائدة ٣٣): وهل بقدرة أحد من البشر محاربة الله جل وعلا، الذي بيده ملك كل شيء، وكل شيء تحت قبضته، والخلق مقهورون بقدرته؟! أجاب العلماء عن هذه بأجوبة: ١ - أنه محمول على حذف المضاف، أي: محاربون أولياء الله ورسوله، قال السمين الحلبي (١): كذا قدره الجمهور (٢)، فتقدير المضاف، غير الله ورسوله، وهم عباد الله تعالى، ولذا قال ابن جُزي (٣): "وهو أحسن" (٤)،ورجحه القرطبي فقال: "استعارة ومجاز؛ إذ الله لايحارب، ولايغالب؛ لما هو عليه من صفات الكمال، ولما وجب من التنزيه عن الأضداد والأنداد، والمعنى: يحاربون أولياء الله، فعبَّر بنفسه العزيزه عن أوليائه إكبارًا لإذايتهم " (٥) وهذا هو القول الأول الذي أشار إليه السمعاني في توجيه هذه الآية (٦). ٢ - أنه محمول على حذف المضاف، لكن تقديره: يحاربون رسول الله ﷺ ، وبه قدره الزمخشري في تفسيره (٧)، وضعفه ابن جُزي، وقال: " وقال بعضهم: تقديره: يحاربون رسول الله ﷺ ، وذلك ضعيف؛ لأن الرسول ﷺ ذكر بعد ذلك " (٨)، وبين السمين الحلبي هذا المعنى فقال: يعني: أن المقصود أن يخبر بأنهم يحاربون رسول الله، وإنما ذكر اسم الله ﵎؛ تعظيما وتفخيما لمن يُحارب " (٩).

стр. 133

٣ - أن تحمل المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف، ويكون التقدير: إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله، وأحكام رسوله، ويسعون في الأرض فسادا كذا وكذا (١)، وبهذا حملها الإمام ابن كثير فقال: " المحاربة: هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل " (٢)، وقال الواحدي (٣) في تفسيره: " ومعنى يحاربون الله ورسوله، يعصونهما ولايطيعونهما، وكل من عصاك فهو حرب لك " (٤)، وهذا هو القول الثاني الذي حكاه السمعاني في تفسيره، وقال: " وقيل: هو صحيح في العربية، فإن من عصى غيره فقد حاربه، فهؤلاء إذا عصوا الله ورسوله، فكأنهم حاربوا الله ورسوله، ويدخل في جملتهم كل العاصين، وقطاع الطرق، وغيرهم " (٥). ٤ - وفسرها مقاتل بن سليمان (٦) بالشرك، فقال: " يعني بمحاربة الشرك، نظيرها في براءة، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله " (٧)، ونقله أبو حيان في تفسيره عن ابن عباس- ﵄ (٨). ٥ - ونُقل عن سعيد بن جبير أنه قال: أراد بالمحاربة لله ورسوله: الكفر بعد الإسلام (٩)، ونقله أبو حيان عن عروة، فقال: " وقول ابن عباس: المحاربة هنا الشرك، وقول عروة الارتداد، غير صحيح عند الجمهور " (١٠).

стр. 134

والخلاصة: أن لفظ (المحاربة لله ورسوله) قد يدخلها الحقيقة والمجاز، المجاز من لفظ الباري جل وعلا، وذلك أن حربه جل وعلا غير ممكنة، وعليه فتؤول بالمعصية، ومخالفة أمره، كما فسره بها الطبري في قوله تعالى: " وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ " (التوبة ١٠٧)، فيقول: "وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ" يقول: وإعدادًا له، لأبي عامر الكافر، الذي خالف الله ورسول وكفر بهما، وقاتل رسول الله (١)، وأشار الماوردي في تفسيره إلى هذا المعنى فقال: " وفي محاربة الله تعالى ورسوله وجهان: أحدهما مخالفتهما، والثاني: عداوتهما " (٢). والحقيقة من جهة النبي ﷺ : يقول السمين الحلبي: " تُحمل محاربتهم لله تعالى على معنى يليق بها، وهي المخالفة مجازا، ومحاربتهم لرسول الله على المقاتلة حقيقة " (٣). فالسمعاني حكى في المسألة قولين: قول على حذف المضاف، وقول على الحمل على ظاهر اللفظ، وإرادة معنى آخر، ولم يُرجح بينهما، والآية محتملة لكلا المعنيين، ولا تنافي بينهما؛ لنفي المعنى الباطل المتوهم.

стр. 135

المسألة الثالثة: في قوله تعالى:"فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَاالْحَدِيثِ " (القلم ٤٤)،"وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ" (المزمل ١١)، " ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا" (المدثر ١١)، مامعنى ذرني في هذا المقام: مع أنه لا حائل يحول دونهم؟! أجاب العلماء عن هذا التساؤل بجوابين: الأول: أن هذا خرج مخرج التهديد والوعيد للمشركين، والمعنى لاتهتم بهم، فإني أكفيكهم (١)، فهو بمعنى الإبلاغ للنبي ﷺ ، بمعنى لاتشغل بهم فكرا، وكِلْهُم إليَّ (٢)، فأنتقم منهم، وإن أمهلتهم فلا أهملهم (٣)، وأشار إليه السمعاني في تفسيره (٤). والثاني: أن العرب تقول ذلك، وإن لم يكن ثَمَّ حائل (٥)،وبهذا أجاب الزجاج فقال: "فالجواب في ذلك: أن العرب إذا أرادت أن تأمر الإنسان, بأن له همة بأمر، أو بإنسان تقول: دعني وزيداً، ليس أن حال بينه وبين زيد أحد، ولكن تأويله: لاتهتم بزيد، فإني أكفيكه " (٦). ويقول السمرقندي في تفسيره: هذا كلام على ماجرت به عادات الناس؛ لأن الله تعالى لايحول وبين إرادته أحد، ولكن معناه: فوض أمورهم إليّ (٧)، وأن العرب تقول مثل هذا القول، وإن لم يكن هناك أحد يمنعه منه، ويرى السمعاني أن المعنى الثاني يرجع إلى الأول.

стр. 136

المسألة الرابعة: معنى قوله تعالى:"وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " (آل عمران ١٨٠)،من مقتضيات ربوبية الله جل وعلا، تمام الملك وكماله وشموله، فما معنى أن له سبحانه الميراث، وهو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، والله جل وعلا له الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟! الآية الكريمة فيها بيان معنى اسم الله الوارث، كما جاء إثباته في مواطن أخرى، قال جل وعلا:" إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ" (مريم ٤٠)، وقوله تعالى:" وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ" (الحجر ٢٣)، وغيرها من هذه الآيات المثبتة لهذا الاسم الكريم لله تعالى. وقد نص بعض الأئمة على إثبات هذه الصفة لله تعالى، يقول الإمام البيهقي: ومنها: الوارث، ومعناه: الباقي بعد ذهاب غيره، وربنا جل ثناؤه بهذه الصفة؛ لأنه يبقى بعد ذهاب المُلاك، الذين أمتعهم في هذه الدنيا بما أتاهم؛ لأن وجودهم ووجود الأملاك كان به، ووجوده ليس بغيره، وهذا الاسم مما يؤثر عن رسول الله ﷺ في خبر الأسامي، وقال الله :"وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ" (١) (الحجر ٢٣). وقد فسر الإمام السمعاني معنى هذا الاسم الجليل فقال: "والوارث في صفات الله: أنه الباقي بعد ملاك الخلق أجمعين، وقيل معناه: أن مصير الخلق إليه " (٢). وقال في موطن آخر في تفسير قوله تعالى:" إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ" (مريم ٤٠)، معناه: "إن نميت سكان الأرض ونهلكهم، فتكون الأرض ومن عليها لنا، وفي حكمنا. ومعنى الإرث: هو أنه لايبقى لأحد ملك، ولا سبب سوى الله" (٣).

стр. 137

وقد نُقل عن ابن عباس ﵄-تفسير قوله تعالى:" وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"فقال: قال جبريل: يامحمد، لله الخلق كله، السموات كلهن، والأرضون كلهن، ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لايعلم (١)، فكل باق بعد ذاهب فهو وارث (٢)، وفي هذا يقول الغزالي: "الوارث: هو الذي يرجع إليه الأملاك، بعد فناء الملاك، وذلك هو ، إذ هو الباقي بعد فناء الخلق، وإليه مرجع كل شيء ومصيره " (٣). وجوابا عن السؤال يُقال: إن معنى الآية الكريمة:"وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"أي أن الله تعالى وصف نفسه بالبقاء، وأعلم خلقه أنه كتب عليهم الفناء، وذلك أن ملك المالك إنما يصير ميراثا بعد وفاته، وإنما قال جل ثناؤه:" وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"؛ إعلاما بذلك من عباده, أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه إذا أهلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم، لم يبق أحد يكون له ماكانوا يملكونه غيره. قاله الإمام الطبري (٤). ولذلك يحتمل في الآية الكريمة وجهان: الأول: معناه: ولله ملك السموات والأرض، والثاني: أنهما راجعان إليه، بانقباض من فيهما، كرجوع الميراث إلى المستحق (٥)، وهو ما أشار إليه السمعاني آنفا؛ بأنه لا يبقى لأحد ملك ولا سبب سوى الله تعالى.

стр. 138

فالمعنى العام للآية: " انفقوا قبل أن تفنوا، وتصير كلها ميراثا لله تعالى بعد فنائكم، وإنما ذكر لفظ الميراث؛ لأن العرب تعرف ماترك الإنسان ميراثا، فخاطبهم بما يعرفون فيما بينهم" (١)، وبهذا وجه الإمام السمعاني في هذه الآية الكريمة فقال:" العرب تسمي كل ما انتقل من أحد إلى غيره ميراثا، بأي سبب كان، فلما خلصت السموات والأرض لله تعالى بعد هلاك العباد سماه ميراثا، كأنه انتقل منهم إليه " (٢). المسألة الخامسة: هل الإعطاء والمنع لحكمة أو لا ؟! الله جل وعز هو الغني الحميد، وهو المعطي المانع، وهذه كلها من مقتضيات ربوبيته، ولاشك في أن إعطاءَه ومنعه جل وعلا منوط بالحكمة، فالله جل وعلا، مامنع إلا لأجل الابتلاء بالصبر، وما الأمر بالإنفاق إلا لأجل الابتلاء بالشكر. فلم يمنع بخلاً -وحاشاه-" بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ" (المائدة ٦٤)، ولكن اقتضت حكمة الله جل وعز أن ينزل بقدر مايشاء، كما قال سبحانه:" وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ" (الشورى ٢٧)،قال السمعاني:" إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ" أي خبير بما يصلحهم بصير بما يفعله ويطلبونه " (٣). وهذا هو الفهم الصحيح الراجح، الذي فهمه أهل السنة، فإن فضل الله تعالى على عباده، والتفاوت القائم بينهم في الدين والدنيا، مبناه العدل، وهو صاحب الفضل، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء (٤). يقول الإمام البغوي (٥): ( ... ولكن ينزل أرزاقهم بقدر مايشاء كما يشاء نظرا منه لعباده، ولحكمة اقتضتها قدرته، إنه بعباده خبير بصير) (٦).

стр. 139

ويقول الإمام ابن كثير: " ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم، وهو أعلم بذلك، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر " (١). ويقول الخطيب الشربيني (٢): فالتفاوت في أنه رب العباد، ليس لأجل بخل، بل لأجل رعاية مصلحة، لايعلم بها العبد " (٣). ويقول السعدي:" وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ": بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته " (٤). وبهذا قال الإمام السمعاني في توجيه ماقيل، ورد الخطأ في التفسير فقال: "وعن البصري قال: هذا قول اليهود، وكانو يقولون: كيف تعطيهم وقد أفقرهم الله تعالى، ولو شاء أن يعطيهم أعطاهم؟ وذكر القتيبي في كتاب المعارف: أن أبا الأسود الدؤلي كان من خلقه أغناهم، فهذا من حجة البخلاء في البخل، وهي حجة باطلة؛ لأن الله تعالى منع الدنيا من الفقراء لا بخلاً ولكن ابتلاءاً، وأمر الأغنياء بالإنفاق لابحكم الحاجة إلى أموالهم، ولكن ابتلاء شكرهم" (٥)، فالله تعالى حكيم ينزل الخير بقدر ما يشاء على وفق الحكمة. المسألة السادسة: معنى قوله تعالى:"سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ " (الرحمن ٣١)، معلوم أن من كمال ربوبية الله تعالى على خلقه، أنه لايشغله شأن عن شأن، ولا حال عن حال، فإنه يقضي الحاجات، ويسمع الدعوات، ولاتختلف عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الأصوات، ومن مقتضى تدبيره لملكوته، أنه لايعجزه شيء، وتدبيره قائم على كل الخلائق في كل زمان ومكان، فلِمَ إذن عبر جل وعلا بقوله تعالى:" سَنَفْرُغُ" والفراغ لايكون إلا عن شغل، ولايجوز الشغل على الله تعالى؟! أولًا: اختلف العلماء في معنى الآية الكريمة على أقوال (٦):

стр. 140

الأول: أنه وعيد وتهديد من الله ، كقول القائل: لأتفرغَنَّ لك، وما به شغل. وهذا قول ابن عباس والضحاك. الثاني: أن معناه: سنقصدكم بعد الترك والإمهال، ونأخذ في أمركم. الثالث: أن معناه: سنفرغ لكم مما أوعدناكم وأخبرناكم، من الجزاء والحساب، فنحاسبكم ونجازيكم، وننجز لكم ما وعدناكم، ونوصل كلا إلى ما وعدناه، فيتم ذلك ويفرغ منه، وإليه ذهب الحسن ومقاتل. ورجح الإمام السمعاني في تفسيره القول الأول، فقال: " والجواب: أن هذا على طريق التهديد والوعيد، كالإنسان يقول لغيره: سأفرغ لك، وإنه لم يكن في الحال في شغل " (١). وبهذا فسرها ابن عباس ﵄، فقال: " وعيد من الله للعباد، وليس بالله شغل، وهو فارغ " (٢)، وروى جبير عن الضحاك قال: هذا وعيد من غير شغل. (٣) وهذا الوعيد في الآخرة، وهو عبارة عن الوقت الذي قدر فيه وقضى، أن ينظر في أمو عباده، وقيل: يحتمل أن يكون التوعد بعذاب في الدنيا، قال ابن عطية: " والأول أبين " (٤)، وعلى هذا، إنما حَسُن لفظ الفراغ؛ لسبق ذكر الشأن في الآية، والمعنى: سنترك ذلك الشأن إلى هذا. (٥) إذن: فهذا مما جرى استعماله في كلام العرب (٦)، وهو مضمن للتهديد والوعيد، " فهذا اللفظ من أبلغ التهديد والوعيد، نعمة من الله للانزجار عن المعاصي، وفي إقامة الجزاء أعظم النعمة، ولو ترك لفسدت الدنيا والآخرة " (٧).

стр. 141

يقول الشيخ العثيمين (١): " فلا تتوهمن أن قوله: " سنفرغ ": أنه كان مشغول وسيفرغ. بل هذه جملة وعيدية، تُعبِّر بها العرب، والقرآن الكريم نزل بلغة العرب " (٢). وقد نقل السمعاني عن الزجاج: أن الفراغ يكون على وجهين: أحدهما: افراغ من الشغل، والآخر: بمعنى القصد؛ كالرجل يقول لغيره: قد تفرغت لأذاي ومكروهي، أي أخذت في كروهي وأذاي، ويقول الرجل لغيره: اصبر حتى أتفرغ لك، أي: أقصدك وأعمدك، فمعنى قوله (سنفرغ لكم) أي: سنقصد ونعمد بالمؤاخذة والمجازاة (٣). فالناظر إلى طريقة السمعاني في تقرير مسائل هذا الباب، يُدرك مدى موافقته لمذهب السلف، اتباعا، ومنهجا، واستدلالا، وقلما ينجو من يخوض في هذا الباب، أو يُقعد له، إلا من سلم من مناهج الفلاسفة والمتكلمين، فكم رأينا انحراف الطوائف المخالفة لأهل السنة والجماعة في هذا الباب، فقد ذهبت مذاهب مختلفة في تقرير وجود الله تعالى، يصعب على المتخصص فهمها وإدراكها، فضلا عن العامي الذي يُطالب بالنظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك، أو نحو ذلك مما يُقررونه في هذا الباب، ولذا حين خالفوا طريقة القرآن في تقرير هذه المسألة، وقعوا في إشكالات وصعوبات أدت بهم إلى الوقوع في التناقضات، وألحقوا الحرج بالمكلفين بما أوجبوه عليهم من أمور لم يوجبها الشرع عليهم. وقد سلم الإمام السمعاني من كل هذه الإشكالات حين سار على منهج السلف القائم على التسليم لطريقة القرآن، وهو ما عبَّر عنه السمعاني بقوله:"وإنما علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانا وتصديقا، وما لم نعقله قبلناه تسليما واستسلاما، وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة، لا تعبر إلا بالتسليم (٤) ".

стр. 142

المبحث الثاني: توحيد الألوهية المطلب الأول: تعريف الألوهية في اللغة والاصطلاح المطلب الثاني: تعريف العبادة وأنواعها المطلب الثالث: أدلة استحقاق الألوهية لله تعالى المطلب الرابع: نواقض توحيد الألوهية المطلب الخامس: شروط كلمة التوحيد المطلب السادس: مسائل في توحيد الألوهية

стр. 143

المبحث الثاني: توحيد الألوهية: توحيد الألوهية، هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وصار بسببه الصراع بين الرسل وأقوامهم، ولذا فالقرآن أولاه عناية خاصة؛ فلا تكاد تقرأ في صفحة من صفحاته إلا ويقع بصرك على معنى من معانيه، ومقصد من مقاصده، مما يُبين لك أهمية هذا النوع من التوحيد، الذي هو لب التشريعات، وخلاصة الرسالات في الأديان كلها، وكل الشرائع ترجع في مجملها إلى هذا المعنى الذي أشار الله تعالى إليه بقوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) (الفاتحة ٤). ولما كان هذا النوع بهذه الأهمية، أولاه السمعاني عناية فائقة، وقد ظهر اهتمامه بهذا النوع من التوحيد من عدة جهات: ١ - تحرير المعنى الصحيح لهذا النوع من التوحيد، وتتبع مظانه في النصوص الشرعية. ٢ - البيان الشافي لاهتمام القرآن بذكر مفردات العبادة وأنواعها وما يتعلق بها، فأشار القرآن إلى جملة من العبادات؛ كالدعاء، والسجود، والركوع، والذكر، وغيرها. ٣ - تتبع النصوص الدالة على استحقاق الله تعالى للألوهية، وتقريرها من عدة جهات. ٤ - ذكر شروط كلمة التوحيد ونواقضها. ٥ - الإشارة إلى بعض النصوص التي يتوهم تعارضها مع هذا الأصل العظيم، وإزالة الإشكالات الاردة على الذهن منها. وتميز بحث السمعاني لهذه المسائل بالدقة والتحري، وإيراد المسائل، وحشد الدلائل لكل مسألة، مما يزيد الأمر وضوحا وبيانا.

стр. 144

المطلب الأول: تعريف توحيد الألوهية في اللغة والاصطلاح: المسألة الأولى: تعريف توحيد الألوهية في اللغة: أشار السمعاني إلى خلاف في لفظ (الله) هل هو مشتق أم لا؟ وذكر في ذلك قولين: الأول: أنه اسم علم خاص لله تعالى، لا اشتقاق له، وهو كأسماء الأعلام للعباد، مثل: زيد، وعمرو، ونحوه. وهو اختيار القفال الشاشي، وجماعة من أهل العلم والثاني: أنه اسم مشتق. ثم ذكر الخلاف في وجه الاشتقاق، فقال: " وفي موضع الاشتقاق قولان: أحدهما: أنه مشتق من قولهم: أله إلاهة، أي: عبد عبادة. وقرأ ابن عباس: " ويذرك وإلاهتك " أي: عبادتك. ويُقال للناسك المتعبد متأله، ومنه قول القائل: (سبحن واسترجعن من تألهي) أي: تعبدي، فيكون معناه: أنه المستحق للعبادة، إليه توجه كل العبادات، وأنه المعبود فلا يعبد غيره. وقيل: الإله من يكون خالقاً للخلق، رازقاً لهم، مدبراً لأمورهم، مقتدراً عليهم. والثاني: أن الله، أصله إله، وأصل الإله: ولاه، إلا أن الواو أبدلت بالهمزة، كقولهم: وشاح وإشاح، واشتقاقه من الوله، وكأن العباد يولهون الله، ويفزعون إليه، ويتضرعون، ويلجؤون إليه في الشدائد " (١). وهذه المسألة بناء ما ذكر الإمام السمعاني، هي موطن نزاع عند العلماء، ولكن يُشار هنا إلى بعض الأمور: ١ ـ أن النقل عن العلماء في هذه المسألة مختلف فيه، فبعضهم يقول: إن المنقول عن الأكثرين هو القول الأول، وهو أنه غير مشتق (٢)، وبعضهم يعكس، فيقول: إن الأكثرين على القول الثاني، وهو أنه مشتق (٣). وبعد أن نقل الزركشي (٤) ان الأكثرين على أنه اسم علم جامد، قال بعد ذلك: " وعلى هذا لا يمتنع أن يكون الله مشتقاً من الألوهية، وهو المذهب الذي عليه الأكثر " (٥). ٢ ـ أن لكل قول احتجاجاته وأدلته في ترجيح ما يذهب إليه، إلا أن القول الراجح في هذه المسألة، أن اسم الله تعالى، مشتق، ولا يلزم على القول بالاشتقاق ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ لأنهم قالوا:

стр. 145

١ ـ ولو كان مشتقاً لكان له سمي، ، والله يقول: " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) " (مريم ٦٥)، والمشركون سموا أصنامهم آلهة. ولكن يُقال: هذا ليس بلازم؛ لأن الذي سمى به المشركون أصنامهم، هو ما حكاه الله تعالى بقوله: " قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ " (الأعراف ١٣٨)، وقال: " فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) " (طه ٨٨). وأما اسم الله، فلام التعريف اللازمة عوض عن الهمزة، فلم يُسمَّ به غير الله. وقوله تعالى: " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) " (مريم ٦٥)، أي هل تعلم شيئاً يُسمى الله غيره، أو هل تعلم له نظيراً في الخلق، ووجوب الإلهية (١). ولذا قال ابن كثير: " في الاستدلال بهذه الآية على كون هذا الاسم جامداً غير مشتق نظر " (٢). ٢ ـ وقالوا: إن الاشتقاق يستلزم مادة يُشتق منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق. وهنا يُقال: " ولاريب أنه إن أُريد بالاشتقاق هذا المعنى، وأنه مستمد من أصل آخر، فهو باطل، ولكن الذين قالوا بالاشتقاق، لم يريدوا هذا المعنى، ولا ألَمَّ بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم، والقدير، والغفور، والرحيم، والسميع، والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها، بلا ريب، وهي قديمة، والقديم لا مادة له. فما كان جوابكم عن هذه الأسماء، فهو جواب القائلين باشتقاق اسم الله " (٣).
следующие страницы →