يقول الشيخ العثيمين (١): " فلا تتوهمن أن قوله: " سنفرغ ": أنه كان مشغول وسيفرغ. بل هذه جملة وعيدية، تُعبِّر بها العرب، والقرآن الكريم نزل بلغة العرب " (٢).
وقد نقل السمعاني عن الزجاج: أن الفراغ يكون على وجهين: أحدهما: افراغ من الشغل، والآخر: بمعنى القصد؛ كالرجل يقول لغيره: قد تفرغت لأذاي ومكروهي، أي أخذت في كروهي وأذاي، ويقول الرجل لغيره: اصبر حتى أتفرغ لك، أي: أقصدك وأعمدك، فمعنى قوله (سنفرغ لكم) أي: سنقصد ونعمد بالمؤاخذة والمجازاة (٣).
فالناظر إلى طريقة السمعاني في تقرير مسائل هذا الباب، يُدرك مدى موافقته لمذهب السلف، اتباعا، ومنهجا، واستدلالا، وقلما ينجو من يخوض في هذا الباب، أو يُقعد له، إلا من سلم من مناهج الفلاسفة والمتكلمين، فكم رأينا انحراف الطوائف المخالفة لأهل السنة والجماعة في هذا الباب، فقد ذهبت مذاهب مختلفة في تقرير وجود الله تعالى، يصعب على المتخصص فهمها وإدراكها، فضلا عن العامي الذي يُطالب بالنظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك، أو نحو ذلك مما يُقررونه في هذا الباب، ولذا حين خالفوا طريقة القرآن في تقرير هذه المسألة، وقعوا في إشكالات وصعوبات أدت بهم إلى الوقوع في التناقضات، وألحقوا الحرج بالمكلفين بما أوجبوه عليهم من أمور لم يوجبها الشرع عليهم.
وقد سلم الإمام السمعاني من كل هذه الإشكالات حين سار على منهج السلف القائم على التسليم لطريقة القرآن، وهو ما عبَّر عنه السمعاني بقوله:"وإنما علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانا وتصديقا، وما لم نعقله قبلناه تسليما واستسلاما، وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة، لا تعبر إلا بالتسليم (٤) ".
стр. 142
المبحث الثاني: توحيد الألوهية
المطلب الأول: تعريف الألوهية في اللغة والاصطلاح
المطلب الثاني: تعريف العبادة وأنواعها
المطلب الثالث: أدلة استحقاق الألوهية لله تعالى
المطلب الرابع: نواقض توحيد الألوهية
المطلب الخامس: شروط كلمة التوحيد
المطلب السادس: مسائل في توحيد الألوهية
стр. 143
المبحث الثاني: توحيد الألوهية:
توحيد الألوهية، هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، وأنزلت به الكتب، وصار بسببه الصراع بين الرسل وأقوامهم، ولذا فالقرآن أولاه عناية خاصة؛ فلا تكاد تقرأ في صفحة من صفحاته إلا ويقع بصرك على معنى من معانيه، ومقصد من مقاصده، مما يُبين لك أهمية هذا النوع من التوحيد، الذي هو لب التشريعات، وخلاصة الرسالات في الأديان كلها، وكل الشرائع ترجع في مجملها إلى هذا المعنى الذي أشار الله تعالى إليه بقوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) (الفاتحة ٤).
ولما كان هذا النوع بهذه الأهمية، أولاه السمعاني عناية فائقة، وقد ظهر اهتمامه بهذا النوع من التوحيد من عدة جهات:
١ - تحرير المعنى الصحيح لهذا النوع من التوحيد، وتتبع مظانه في النصوص الشرعية.
٢ - البيان الشافي لاهتمام القرآن بذكر مفردات العبادة وأنواعها وما يتعلق بها، فأشار القرآن إلى جملة من العبادات؛ كالدعاء، والسجود، والركوع، والذكر، وغيرها.
٣ - تتبع النصوص الدالة على استحقاق الله تعالى للألوهية، وتقريرها من عدة جهات.
٤ - ذكر شروط كلمة التوحيد ونواقضها.
٥ - الإشارة إلى بعض النصوص التي يتوهم تعارضها مع هذا الأصل العظيم، وإزالة الإشكالات الاردة على الذهن منها.
وتميز بحث السمعاني لهذه المسائل بالدقة والتحري، وإيراد المسائل، وحشد الدلائل لكل مسألة، مما يزيد الأمر وضوحا وبيانا.
стр. 144
المطلب الأول: تعريف توحيد الألوهية في اللغة والاصطلاح:
المسألة الأولى: تعريف توحيد الألوهية في اللغة:
أشار السمعاني إلى خلاف في لفظ (الله) هل هو مشتق أم لا؟
وذكر في ذلك قولين:
الأول: أنه اسم علم خاص لله تعالى، لا اشتقاق له، وهو كأسماء الأعلام للعباد، مثل: زيد، وعمرو، ونحوه. وهو اختيار القفال الشاشي، وجماعة من أهل العلم
والثاني: أنه اسم مشتق.
ثم ذكر الخلاف في وجه الاشتقاق، فقال: " وفي موضع الاشتقاق قولان:
أحدهما: أنه مشتق من قولهم: أله إلاهة، أي: عبد عبادة. وقرأ ابن عباس: " ويذرك وإلاهتك " أي: عبادتك. ويُقال للناسك المتعبد متأله، ومنه قول القائل: (سبحن واسترجعن من تألهي) أي: تعبدي، فيكون معناه: أنه المستحق للعبادة، إليه توجه كل العبادات، وأنه المعبود فلا يعبد غيره.
وقيل: الإله من يكون خالقاً للخلق، رازقاً لهم، مدبراً لأمورهم، مقتدراً عليهم.
والثاني: أن الله، أصله إله، وأصل الإله: ولاه، إلا أن الواو أبدلت بالهمزة، كقولهم: وشاح وإشاح، واشتقاقه من الوله، وكأن العباد يولهون الله، ويفزعون إليه، ويتضرعون، ويلجؤون إليه في الشدائد " (١).
وهذه المسألة بناء ما ذكر الإمام السمعاني، هي موطن نزاع عند العلماء، ولكن يُشار هنا إلى بعض الأمور:
١ ـ أن النقل عن العلماء في هذه المسألة مختلف فيه، فبعضهم يقول: إن المنقول عن الأكثرين هو القول الأول، وهو أنه غير مشتق (٢)، وبعضهم يعكس، فيقول: إن الأكثرين على القول الثاني، وهو أنه مشتق (٣). وبعد أن نقل الزركشي (٤) ان الأكثرين على أنه اسم علم جامد، قال بعد ذلك: " وعلى هذا لا يمتنع أن يكون الله مشتقاً من الألوهية، وهو المذهب الذي عليه الأكثر " (٥).
٢ ـ أن لكل قول احتجاجاته وأدلته في ترجيح ما يذهب إليه، إلا أن القول الراجح في هذه المسألة، أن اسم الله تعالى، مشتق، ولا يلزم على القول بالاشتقاق ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ لأنهم قالوا:
стр. 145
١ ـ ولو كان مشتقاً لكان له سمي، ، والله يقول: " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) " (مريم ٦٥)، والمشركون سموا أصنامهم آلهة.
ولكن يُقال: هذا ليس بلازم؛ لأن الذي سمى به المشركون أصنامهم، هو ما حكاه الله تعالى بقوله: " قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ " (الأعراف ١٣٨)، وقال: " فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) " (طه ٨٨). وأما اسم الله، فلام التعريف اللازمة عوض عن الهمزة، فلم يُسمَّ به غير الله.
وقوله تعالى: " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) " (مريم ٦٥)، أي هل تعلم شيئاً يُسمى الله غيره، أو هل تعلم له نظيراً في الخلق، ووجوب الإلهية (١). ولذا قال ابن كثير: " في الاستدلال بهذه الآية على كون هذا الاسم جامداً غير مشتق نظر " (٢).
٢ ـ وقالوا: إن الاشتقاق يستلزم مادة يُشتق منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق.
وهنا يُقال: " ولاريب أنه إن أُريد بالاشتقاق هذا المعنى، وأنه مستمد من أصل آخر، فهو باطل، ولكن الذين قالوا بالاشتقاق، لم يريدوا هذا المعنى، ولا ألَمَّ بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم، والقدير، والغفور، والرحيم، والسميع، والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها، بلا ريب، وهي قديمة، والقديم لا مادة له. فما كان جوابكم عن هذه الأسماء، فهو جواب القائلين باشتقاق اسم الله " (٣).
стр. 146
وقد رد الإمام الطبري على من ذهب إلى عدم الاشتقاق، فقال: " فإن قال لنا قائل: فهل لذلك في " فعل ويفعل " أصل كان منه بناء هذا الاسم؟ قيل: أما سماعاً من العرب فلا، ولكن استدلالاً. فإن قال: وما دَلَّ على أن الألوهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلاً في " فعل ويفعل "؟ قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم، لقول القائل يصف رجلاً بعبادة، وبطلب مما عند الله جل ذكره " تأله فلان "، بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن الحجاج:
لله در الغانيات المُدَّهِ ... سبَّحن واسترجعن من تألهي
يعني: من تعبدي، وطلبي الله بعملي. ولا شك في أن التأله: التفعل من: أله يأله، وأن معنى أله: إذا نطق به: عَبَدَ الله ـ وقد جاء منه مصدر، يدل على أن العرب قد نطقت منه بفعل يفعل، بغير زيادة ". (١)
٣ ـ أن أدلة القائلين بالاشتقاق مؤيدة بالنصوص، منها:
أ ـ قوله تعالى: " وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ " (الأنعام ٣)، أي: المعبود في السموات والارض، كما قال تعالى: " وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ " الزخرف ٨٤، (٢) يقول السمعاني: " قال ابن الانباري: معناه: هو الله المعبود في السماوات وفي الارض " (٣).
وقال في معنى الآية الأخرى: " وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ " (الزخرف ٨٤): " أي: معبود في السماء والأرض " (٤).
ب ـ ما ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ " ويذرك وإلاهتك " فقال: عبادتك (٥)، ففسرها بالعبادة، ولذا فسَّر ابن عباس معنى لفظ الجلالة (الله): ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمين (٦).
стр. 147
وكذا ورد عن مجاهد في تفسيره، قال: " وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ": ويذرك وعبادتك " (١)
وذكر السمعاني قراءة عن ابن عباس، ثم قال:" والمعروف:" وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ "،
قال سليمان التيمي: وكان فرعون يعبد البقر ... " (٢).
لكن لا مانع إن صحت القراءة عن ابن عباس، أن تكون تفسيراً للآية، مؤيدة للقول بالاشتقاق.
- مع أنه نقل عن بعض العلماء أنه قال: " الصحيح عندي: أنه كان مشتقاً، ثم صار علماً، وهذا جمع بين القولين ". (٣)
٤ ـ أن اشتقاق لفظ الجلالة (الله): من أله يأله إلاهة، بمعنى: عبد عبادة، فيكون هو المستحق للعبادة دون غيره، هو أقرب الأوجه في الاشتقاق.
ومن أوجه الاشتقاق التي ذُكرت (٤):
أ ـ من وَلَه إذا تحيَّر، فالله تعالى تتحير أولو الألباب والفكر في حقائق صفاته.
ب ـ من ألهت إلى فلان، أي سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره تعالى، ولا تفرح إلا بمعرفته.
ج ـ من لاه يلوه، إذا احتجب.
د ـ من أله الفصيل، إذا ولع بأمه، والمعنى: أن العباد مألوهون مولوعون بالتضرع إليه في كل الأحوال.
هـ ـ من أله الرجل يأله، إذا فزع من أمر نزل به فألهه، أي أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار، هو الله .
٥ ـ ذكر الماوردي خلافاً بين العلماء: هل اشتق اسم الإله من فعل العبادة، أو من استحقاقها، على قولين: (٥)
أحدهما: أنه مشتق من فعل العبادة، فعلى هذا، لا يكون ذلك صفة لازمة قديمة لذاته، لحدوث عبادته بعد خلقه، ومن قال بهذا، منع من أن يكون الله تعالى إلهاً لم يزل؛ لأنه قد كان قبل خلقه غير معبود.
стр. 148
والقول الثاني: أنه مشتق من استحقاق العبادة، فعلى هذا يكون صفة لازمة لذاته؛ لأنه لم يزل مستحقاً للعبادة، فلم يزل إلهاً، وهذا أصح القولين؛ لأنه لو كان مشتقاً من فعل العبادة لا من استحقاقها، للزم تسمية عيسى ﵇ إلهاً، لعبادة النصارى له، وتسمية الأصنام آلهة، لعبادة أهلها لها، وفي بطلان هذا، دليل على اشتقاقه عن استحقاق العبادة،
لا من فعلها. فصار قولنا (إله) على هذا القول، صفة من صفات الذات، وعلى القول الأول من صفات الفعل. (١)
٦ ـ نبه الإمام ابن القيم إلى أن النزاع في الإله، هو نزاع في الاشتقاق لا في المعنى، فقال: "فإن جميع أهل الأرض، علماءهم، وجهلاءهم، ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه، وعربهم وعجمهم، يعلمون أن (الله) اسم لرب العالمين، خالق السموات والأرض، الذي يحيي ويميت، وهو رب كل شيء ومليكه، فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به هذا المسمى، وهو أظهر عندهم، وأعرف، وأشهر من كل اسم وُضع كل مسمى، وإن كان الناس متنازعين في اشتقاقه، فليس ذلك بنزاع منهم في معناه " (٢).
стр. 149
المسألة الثانية: تعريف توحيد الألوهية في الاصطلاح:
لقد قرَّر القرآن الكريم في سوره وآياته، هذا النوع من التوحيد، وبيَّن لنا قصة الصراع الطويلة بين الأنبياء وأممهم، وبيَّن لنا العناد والاستكبار الذي كان عليه أعداء الرسالات. ومما هو معلوم أن الأنبياء لم يبعثهم الله تعالى للدعوة إلى توحيد الربوبية، ولو كان كذلك لما جرى الصراع، ولما تعرَّض بعض الأنبياء للقتل، وبعضهم للأذى، وبعضهم للطرد، فإنهم جميعاً كانوا يقرون بربوبية الله تعالى، كما بينا في أول البحث، أن القلوب مفطورة على التوحيد، ولذا بيَّنا أن طريقة القرآن المعهودة إلزام المشركين بما ينكرون على مايقرون، فهم يقرون بتوحيد الربوبية ولذا لزمهم صرف العبادة لمن بيده الضر والنفع، يقول المقريزي عن هذا النوع من التوحيد: " وهو الذي كان ينكره المشركون، ويحتج الرب عليهم بتوحيدهم ربوبيته، على توحيد ألوهيته، كما قال تعالى: " قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) " (النمل ٥٩ - ٦٠)، وكلما ذكر تعالى من آياته جملة من الجمل، قال عقبها: " أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ "، فأبان بذلك، أن المشركين إنما كانوا يتوقفون في إثبات توحيد الإلهية لا الربوبية، على أن منهم من أشرك في الربوبية. وبالجملة فهو تعالى يحتج على منكري الإلهية، بإثباتهم الربوبية " (١).
стр. 150
وتوحيد الألوهية: هو توحيد العبادة، وهو المروي عن ابن عباس ﵄، يقول الله تعالى: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) " (الذاريات ٥٦)، قال ابن عباس: إلا ليقروا بالعبودية طوعاً وكرهاً، ورجح هذا القول الطبري في تفسيره، وقال: " وأولى القولين بالصواب، القول الذي ذكرنا عن ابن عباس، وهو: ما خلقت الجن والإنس إلا لعبادتنا، والتذلل لأمرنا " (١).
وذهب السمعاني إلى أن هذه الآية، من العام الذي أريد به الخاص، وأن المخاطب بها المؤمنون، ونقله عن الضحاك واختاره (٢). وقد نقل عن ابن عباس: كل ما ورد في القرآن من العبادة، فهو بمعنى التوحيد (٣)، فدل على أن التوحيد الذي أُمر به، ودُعِي إليه، هو توحيد العبادة؛ لأنه لم يبق بعد اعترافهم بالخالقية، إلا العبادة، ولذا قال تعالى: " يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) " (البقرة ٢١): فقوله: (اعبدوا) بمعنى: وحدوا الله الذي خلقكم، وإنما خاطبهم به؛ لأن الكفار مقرون أن الله خالقهم، (والذين من قبلكم) أي: وخلق الذين من قبلكم. فإن قيل: أي فائدة من قوله (والذين من قبلكم)، فإن من عرف أن الله خالقه، فقد عرف أنه خالق غيره من قبله؟ قيل: فائدته المبالغة في البيان، أو يقال: فائدته المبالغة في الدعوة، يعني: إذا كان الله خالقكم، وخالق من قبلكم، فلا تعبدوا إلا إياه " (٤).
стр. 151
وبعد أن ذكر الله جل وعلا دلائل ربوبيته، ألزمهم بتوحيده في عبادته فقال: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِيمِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) " (البقرة ٢٢)، قوله: " وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ": أي: فلا تعبدوا غيره، وأنتم تعلمون أنه خالقكم، وخالق السموات والأرض " (١).
إذن: الإله في الشرع بمعنى: المعبود، المألوه، قال السمعاني في قوله تعالى: " مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ " (الأعراف ٥٩): " أي: مالكم من معبود غيره " (٢)، يقول الإمام ابن تيمية: " والإله: هو الذي يستحق أن تألهه القلوب بالحب والتعظيم، والإجلال والإكرام، والخوف والرجاء، فهو بمعنى المألوه وهو المعبود الذي يستحق أن يكون كذلك " (٣). ويقول: " فإن الإله: هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يُعبد، وكونه يستحق أن يعبد، هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل " (٤)
وقد تتبع السمعاني الآيات الواردة في هذا النوع من التوحيد، فأشار إليها وبينها:
١ ـ ففسر العبادة بالتوحيد في قوله تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّانُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) " (الأنبياء ٢٥): أي: وَحِّدون (٥).
وقوله تعالى: " فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (٢) " (الزمر ٢): الإخلاص هو التوحيد " (٦).
стр. 152
٢ ـ وفَسَّر كلمة التوحيد بالعبادة، في قوله تعالى: " اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) " (آل عمران ٢)، قال: " لا إله إلا هو ": " لا معبود سواه " (١)، وفي قوله تعالى: " إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي " (طه ١٤)، قال: " أي: لا أحد يستحق العبادة سواي " (٢).
٣ ـ وفَسَّر بها مضمون دعوة الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام، كما في قوله تعالى: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ " (المؤمنون ٢٣)، قال: أي: " وحدوا الله" (٣)، وقال هود ﵇ لقومه: " قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ " (هود ٥٠): أي: " وحدوا الله " (٤). وكذا قال صالح ﵇ لقومه: " قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ " (هود ٦١): أي: " وحدوا الله " (٥).
وكانت هذه دعوة كل الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ كما قال جل وعلا: " وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ " (النحل ٣٦)،: " أي: وحدوا الله، واجتنبوا الطاغوت " (٦).
٤ ـ وفَسَّر الأمر بالعبادة لكل الناس، بتوحيد الله تعالى، والالتزام بشرعه، قال تعالى: " يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) " (البقرة ٢١): " (اعبدوا) أي؛ وحدوا " (٧).
ولذا ذكر القاعدة الكلية العامة في القرآن، فقال: " وقد قيل: إن قوله: " اعبدوا الله " أي: وحدوا الله، وكل عبادة في القرآن بمعنى التوحيد " (٨).
стр. 153
٥ ـ وفسَّر الأمر بها، لخاصة المؤمنين، كما في قوله تعالى: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) " (الحج ٧٧)، يقول: "وأعبدوا ربكم ": أي وحدوا ربكم " (١).
٦ ـ وأشار إلى أن هذا النوع من التوحيد، هو الغاية الذي بعث الله تعالى لأجله الرسل، فقال: " وقوله: " أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) " (نوح ٣)، وهذا هو الذي بعث الله لأجله الرسل، فإن الله تعالى ما بعث رسولاً إلا ليعبدوه، ويتقوه، ويطيعوا رسوله " (٢)، وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: " وليس المراد بالإله، هو القادر على الاختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره، فقد شهد أنه لا إله إلى هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون ... بل الإله الحق هو الذي يُستحق أن يُعبد، فهو إله بمعنى مألوه، لا إله بمعنى آلِه. والتوحيد: أن يُعبد الله وحده لاشريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهاً آخر" (٣).
ولا يكون التوحيد إلا مع الإخلاص، كما قال جلَّ وعلا: " فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤) " (غافر ١٤)، يقول السمعاني: "أي مخلصين له التوحيد، ومعناه: وحدوا الله، ولا تُشركوا به شيئاً " (٤)
٧ ـ وقد ذكر الإمام السمعاني، أن كلمة التوحيد، فيها ثناء بالغ، فقال: " قوله تعالى:" اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ "، ذكره مبالغة في الثناء، وهو مثل قولهم: لا كريم إلا فلان، أبلغ من قولهم: فلان كريم " (٥).
стр. 154
ـ فهذا النوع من التوحيد، يقصد إلى إفراد الله جل وعلا، في عبادته، في السر والعلن، وبالقلب والجوارح، فلا يخضع، ولايذل، ولا يرجو، ولايخاف خوف عبادة إلا من الله جل وعلا.
وهذا التوحيد يُعبِّر عن تمام القصد، وتمام الحاجة، وتمام الفقر والطلب من الله الغني الحميد، فلا يكون قصد القلب، ولا استعانته، ولا توكله إلا على الله تعالى، ولا تسجد هذه الجوارح، ولا تخضع إلا لله تعالى، ولا يكون طلب الحاجات، وتفريج الكربات إلا من الله جل في علاه.
وأما المتكلمون الذين جعلوا من لفظ الإله صفة فعلية، بنوا عليها مذهبهم في حقيقة الإله، فقالوا: هو القادر على الاختراع، فهذا القول مخالف للمشهور المعلوم، وجوابه من وجهين:
١ ـ أن هذا القول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء، ولا من أئمة اللغة.
٢ ـ على تقدير تسليمه، فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له أن يكون خالقاً قادراً على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك فليس بإله، وإن سُمِّي إلهاً، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع، فقد دخل في الإسلام وأتي بتحقيق المرام من مفتاح دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد؛ لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين. ولو قُدِّر أن بعض المتأخرين أرادوا ذلك، فهو مخطئ، يُرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية. (١)
стр. 155
وبهذا يقرر السمعاني ما جاء به القرآن على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام، من أن دعوة القرآن متسقة مع دعوات الأنبياء لأقوامهم، إنما جاءوا لتوحيد الله تعالى في إلهيته، فقال تعالى مع أول الرسل: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم)، قال السمعاني: معناه: آمركم ألا تعبدوا إلا إياه، والعبادة التوحيد، وإنما بدأ به؛ لأنه من أهم الأمور (١)، وهذا هو دين الأنبياء جميعا، يقول السمعاني: واعلم أن الشرائع مختلفة، ولكل قوم شريعة ... وأما الدين في الكل واحد، وهو التوحيد (٢).
والمتتبع دعوات الأنبياء جميعا، يجد أنهم كانوا على مسار واحد في النوع، كما قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ حين كلمته خديجة: هذا النتموس الذي جاء موسى، وهو ما يسميه شيخ الإسلام بالمسلك النوعي الذي يجمع دعوات الرسل. ولذا أمر الله تعالى أنبياءه ورسله بالثبات على التوحيد، فقال سبحانه: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ... أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، يقول السمعاني: أي: اثبتوا على التوحيد (٣)، وقال لنبيه ﷺ : (ولا تكونن من المشركين)، يقول السمعاني: أي: اثبت على التوحيد (٤).
وهذه المسائل الكبرى مما لايصح فيها الاختلاف، حتى قال السمعاني عن الاختلاف في التوحيد: من خالف أصله كان كافرا، وعلى المسلمين مفارقته والتبرء منه؛ وذلك لأن أدلة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة، قد طبقت العالم وعمَّ وجودها في كل مصنوع، فلم يُعذر أحد بالذهاب عنها (٥).
стр. 156
المطلب الثاني: تعريف العبادة، وأنواعها:
ما سقناه في هذا المطلب من مسائل ولطائف، تُدلل على اهتمام السمعاني بتتبع مواطن العبادة، التي هي أس التوحيد وأصله، فسبق أن معنى الإله: هو المعبود الحق، فقرر السمعاني هذه المسائل تقريرا مستفيضا، وهو بهذا يُقرر قضيتين، ويُوجه فرقتين، ويَرد على طائفتين، ويُؤصل لقاعدتين، ويُقدم توجيهين:
فالقضيتان:
١ - أن الأعمال ركن في الإيمان، وهو ما ذكره كذلك تقريرا في مسائل الإيمان.
٢ - أن الأعمال سبب للنجاة في الاخرة، إذا استكملت شرائطها.
والفرقتان:
١ - الغالية التي خرجت عن الإسلام الوسطي المعتدل.
٢ - الجافية التي تركت العمل، وركنت إلى رحمة الله .
والطائفتان:
١ - الخوارج الذين كفروا الناس بترك آحاد العمل.
٢ - المرجئة الذين لم يُخرجوا أحدا من الإيمان مع تركهم جنس العمل.
والقاعدتان:
١ - أن العبادات توقيفية، فليس لأحد أن يُشرع شيئا لم يأذن به الله تعالى، أو يستحسن أمرا لم يرد به الشرع.
٢ - أن صحة العبادة مبني على الإخلاص والمتابعة.
والتوجيهان:
١ - أن المرء لا بد أن يسير في حياته إلى ربه بين جناحي الخوف والرجاء.
٢ - أن ينوع المرء بين الطاعات حتى لا يقع في الملل، وألا يميل إلى الترهبن وترك المباحات تعبدا، وألا ينقطع عن الدنيا تماما.
وهو بهذا يجمع شتات الموضوع، ويسدل الستار على قضاياه ومسائله، بعد البحث والتحري والتقصي والتأصيل والتقعيد، ويُشير إلى التوازن الذي ينبغي أن يكون عليه المرء في حياته.
стр. 157
المسألة الأولى: تعريف العبادة في اللغة والاصطلاح:
١ ـ العبادة في اللغة:
العبادة في اللغة هي: الطاعة مع الخضوع، ويُقال: طريق مُعبَّد، إذا كان مذللاً بكثرة الوطء، وتعبيد مُعبَّد إذا كان مطلياً بالقطران (١). وفي هذا يقول السمعاني:
" والعبادة: هي الطاعة مع التذلل والخضوع، يقال: طريق مُعَّبد، أي: مذلل " (٢). وفي المخصص (٣): " ومنه أُخذ العبد؛ لذلته لمولاه، والعبادة الخضوع، والتذلل، والاستكانة، قرائب في المعاني ... وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة.
وكل طاعة لله على جهة الخضوع والتذلل، فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع، لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة، والفهم، والسمع، والبصر، والشكر، والعبادة لا تستحق إلا بالنعمة؛ لأن العبادة تنفرد بأعلى أجناس النعم؛ لأن أقل القليل من العبادة، يكبُر عن أن يستحقه، إلا من كان له أعلى جنس من النعمة، إلا الله سبحانه، فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله ".
ويُقال: النسك، وهي العبادة، ومنه يُقال للعابد: ناسك (٤). يقول الأزهري (٥): " والنسك: العبادة، والناسك: العابد الذي يخلص عبادة الله، ولا يُشرك به " (٦). وقيل لثعلب (٧): هل يُسمَّى الصوم نسكاً؟ فقال: كل حق لله ، يُسمى نُسكاً (٨). قال أهل اللغة:
стр. 158
معنى نعبد: نخضع، ونذل، ونعترف بربوبيتك. (١)
٢ ـ العبادة في الاصطلاح:
عَرَّف الإمام السمعاني العبادة، بأنها الطاعة مقرونة بالتذلل والخضوع، وهو المراد في لغة العرب؛ لأن أصل العبودية الخضوع والتذلل (٢)، فمعنى قوله تعالى: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ " (الفاتحة ٥)، نعبدك خاضعين (٣)؛ لأن الطاعة قد تأتي بمعنى الانقياد، كقوله تعالى: " وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (٢٦) " (الروم ٢٦)، فالقنوت هنا: الطاعة، وليس المراد بها طاعة العبادة، وإنما طاعة بمعنى الانقياد. (٤)
وقد فُرِّق بين العبادة والطاعة، من جهة الخضوع والإنعام، فالفرق: " أن العبادة غاية الخضوع، ولا تستحق إلا بغاية الإنعام، ولهذا لا يجوز أن يعبد غير الله تعالى، ولاتكون العبادة إلا مع المعرفة بالمعبود. والطاعة فعل ذلك الواقع، على حسب ما أراده المريد، متى كان المريد أعلى رتبة ممن يفعل ذلك، وتكون للخالق والمخلوق، والعبادة لا تكون إلا للخالق. والطاعة في مجاز اللغة، تكون اتباع المدعو الداعي إلى ما دعاه إليه، وإن لم يقصد التبع، كالإنسان يكون مطيعاً للشيطان، وإن لم يقصد أن يطيعه، ولكنه اتبع دعاه وإراداته" (٥).
стр. 159
وقد عَرَّف الإمام ابن تيمية العبادة، بمعناها الواسع الذي يشمل كل الدين، فقال: " العبادة: هي اسم جامع كل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة " (١)، ولذا قال في مقام آخر: " فإذا أمر بعبادة الله مطلقاً، دخل في عبادته كل ما أمر الله به، فالتوكل عليه مما أمر به، والاستعانة مما أمر به " (٢).
والعبادة في حقيقتها " اسم يجمع كما الذل ونهايته، وكما الحب لله ونهايته، فالحب الخلي عن ذل، والذل الخلي عن حب، لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين، ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله " (٣).
وقيل في تعريف العبادة:
ـ " هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع، والمجاوزة لتذلل بعض العباد لبعض " (٤)
ـ " هو فعل المكلف على خِلاف هوى نفسه؛ تعظيماً لربه " (٥).
وقد ذكر أهل التفسير أن العبادة في القرآن على وجهين (٦):
١ ـ التوحيد، ومنه قوله تعالى: " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " (النساء ٣٦)، أي وحدوه، وكذلك كل ما ورد في دعاء الأنبياء قومهم.
٢ ـ الطاعة، ومنه قوله تعالى: " تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) " (القصص ٦٣)
وقد فَسَّر الإمام السمعاني العبادة بمعنى الطاعة، ففي قوله تعالى: " وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ " (العنكبوت ١٦). يقول: " إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ": أي: أطيعوا الله، واحذروا معصيته " (٧).
стр. 160
المسألة الثانية: أنواع العبادة وتفاضلها:
طَوَّف بنا السمعاني في تفسيره، وأثار عدة قضايا تتعلق بالعبودية.
والحديث في هذه المسألة ينتظم عدة أمور:
أولاً: أن عبودية الله تعالى هي الحق، وما دونها الباطل، قال جل وعلا: " وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) " (الإسراء ٨١): فالحق: عبادة الله تعالى، والباطل: عبادة الأصنام، وقد ثبت برواية ابن مسعود: " أن النبي ﷺ دخل مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها، ويقول: " جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا " (١)(٢)، والدين الحق إنما هو في تحقيق العبودية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وإنما الدين هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية، تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا، يكون نقص هذا " (٣). وهذا طريق العبودية، المتمثل في طاعة الله تعالى ورسوله ﵊، وهذه الطاعة متمثلة في الإسلام بتمامه، وهذا الإسلام متمثل في اتباع القرآن، واتباع القرآن متمثل في لزوم السنة والجماعة. (٤)
стр. 161
وهذه العبودية طريق السعادة، يقول الإمام ابن القيم: "وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ يقول: من أراد السعادة الأبدية، فليلزم عتبة العبودية، وقال بعض العارفين: لا طريق أقرب إلى الله من العبودية " (١). فعبادة الله تعالى، خير ما يحصله المرء ويسعى إليه، يقول تعالى: " وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) " (العنكبوت ١٦)، يقول الإمام السمعاني: " ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) ": أي: عبادة الله وتقواه، خير لكم إن كنتم تعلمون ". (٢)
ثانياً: أن عبادة الله جل وعلا، والأمر بها، هي الميثاق الذي أخذه الله تعالى على النبيين ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، قال تعالى: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (٧) " (الأحزاب ٧)، يقول الإمام السمعاني: " وأما معنى الميثاق، قال أهل التفسير: أخذ عليهم أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، ويصدق بعضهم بعضاً، وينصحوا الناس " (٣)، ذكر هذا مقاتل في تفسيره (٤)، ويقول الإمام نصر السمرقندي: " قوله تعالى: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ "، وهو الوحي الذي أوحى إليهم، أن يدعوا الخلق إلى عبادة الله ، وأن يصدق بعضهم بعضاً " (٥)، وبذا فسَّر الميثاق الغليظ في تتمة الآية: " وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا " قال: عهداً وثيقاً، أن يعبدوا الله تعالى، ويدلوا الخلق إلى عبادة الله ، وأن يبشر كل واحد منهم بمن بعده " (٦).
واختلف المفسرون في هذا الميثاق على قولين:
стр. 162
١ ـ فقيل: هو الميثاق الأول، حين أُخرجوا من ظهر آدم كالذر، قال أبي بن كعب: لما أخذ ميثاق الخلق خص النبيين بميثاق آخر (١). وهو القول المنقول عن مجاهد (٢).
٢ ـ وقيل: هذا الميثاق والعهد الذي أُخذ عليهم بعد إرسالهم، فهو الميثاق بتبليغ الرسالة، والقيام بالشرائع (٣). ورجحه ابن جزي وقال: " لأنه هو المختص بالأنبياء " (٤).
ثالثاً: قررت الآيات القرآنية، أن الإنسان لا يستغني عن ربه طرفة عين، فهو بحاجة إليه جل وعلا. يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أن الإنسان غير غني عن ربه في سائر أوقاته، وعلى الرغبة إليه في المعونة على سائر ما أمر به، ممتثلين لما أمرهم به في قوله تعالى: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ". (الفاتحة ٥)، فلم يفرق بين العبادة وبين الاستعانة " (٥).
стр. 163
والسبيل الموصل إليه طاعته وعبادته، ولذا أمر الله تعالى أن يديم الطاعة، ويستمر على العبادة، حتى يلقى الله تعالى بها، كما قال تعالى: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢) " (آل عمران ١٠٢)، يقول الإمام السمعاني: " معناه: داوموا على الإسلام، حتى إذا وافاكم الموت، الفاكم على الإسلام " (١)، ويُؤيده ويعضده قوله جل في علاه: " وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) " (الحجر ٩٩)، يقول الإمام السمعاني: " أي الموت، فإن قال قائل: أما كان يكفي قوله: " وَاعْبُدْ رَبَّكَ "، فما فائدة قوله: " حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ "؟ قلنا: لو اقتصر على قوله: " وَاعْبُدْ رَبَّكَ " لكان إذا عبد مرة، خرج عن موجب الأمر، فقال: " حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ "؛ ليدوم عليها إلى أن يموت " (٢)
وهذا فيه رد على طوائف غلت في العبادة إفراطاً وتفريطاً، فأصبحوا طرفي نقيض، وأهل السنة وسط بينهم بين الغالي والجافي، وبين المتنطع والمضيع، وبين المبتدع والمشرع والمتبع، وكما جاء في الأثر: (خير الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين)، يعني: أن الغلو في العبادة سيئة، والتقصير سيئة، والاقتصاد بينهما حسنة (٣).
وقد عَرَّف السمعاني الغلو فقال: " الغلو: مجاوزة الحد، وهو مذموم، وكذلك التقصير، ودين الله بين الغلو والتقصير " (٤).
وقد ذكر العلماء أخباراً عن أقوام لَبَّس عليهم الشيطان، حتى أضلهم عن الصراط المستقيم، وأخرجهم عن الطريق القويم.
стр. 164
يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: " وفي النُسَّاك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم، من الزنا وغيره، مباحات لهم. وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم أن يروا الله سبحانه، ويأكلوا من ثمار الجنة، ويعانقوا الحور العين في الدنيا، ويحاربوا الشياطين. ومنهم من يزعم أن العبادة، تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين " (١).
ونُقِلَ عن الباطنية زعمهم: " أن من عرف معنى العبادة، سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله: " وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) " (الحجر ٩٩)، وحملوا اليقين، على معرفة التأويل " (٢).
ونُقِلَ عن الصابئين غلو مقيت، " فإنه يبلغ الأمر بهم، إلى أن يخصي الواحد نفسه، ويسمل عيني نفسه؛ اجتهاداً في العبادة. والذي عند الهنود أكثر من هذا كله، فإنهم لا يزالون يحرقون أنفسهم في النار؛ تقرباً إلى البد، ولا يزالون يرمون أنفسهم من أعالي الجبال كذلك، وعباد الهند لا يمشون إلا عراة " (٣).
وقد نُقل عن النسطورية ـ إحدى فرق النصارى ـ في غلوهم، " أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة، وترك التغذي باللحم، والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية، تصفى جوهره، حتى يبلغ ملكوت السموات، ويرى الله جهرة، وينكشف له ما في الغيب، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء " (٤).
ولا يزال الغلو ونقيضه في العبادة، موجوداً في هذه الأمة، فإنه كما وُجد في الأمم السابقة، وفي الديانات والملل اللاحقة، فوجوده في هذه الأمة نذير شر، فإن الله تعالى حذر أهل الكتاب منه فقال: " يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ " (النساء ١٧١)
стр. 165
قال الحسن: يجوز أن تكون في اليهود والنصارى، فإنهم غلوا في أمر عيسى، أما اليهود بالتقصير في حقه، وأما النصارى بمجاوزة الحد فيه. وعقب عليه الإمام السمعاني بقوله: " الغلو غير محمود في الدين، روى ابن عباس عن النبي ﷺ ، أنه قال: " إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو " (١) " (٢)
والنبي ﷺ ، حث على التزام سنته، والتمسك بهديه، حين جاءه الرهط الثلاثة الذين كأنهم تقالوا عبادة النبي ﷺ ، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ إليهم، فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " (٣)
والاعتدال والتوسط مطلوب في كل الأمور. وهنا أُشير إلى أنه يجب أن تكون العبادة مسايرة للشرع، والله جل وعلا يقول: " فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) " (الكهف ١١٠)، " والعمل الصالح: ما كان خالياً من الرياء، مقيداً بالسنة " (٤). وقال ابن عباس ﵁: " وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ": لا يُرائي. (٥)
стр. 166
ولذا كانت آفة العبادة، التي تخالف غايتها ومقصودها، ويبتلى بها كثير من أهلها الشرك، وفُسِّر بالرياء، والرياء: أن يعمل الإنسان ما يعمل، مراءاة للناس، لا اتباعاً لأمر الله تعالى. (١) وقد ذكر الإمام السمعاني، أن الإخلاص في الأعمال هو من المجاهدة، يقول في تفسير قوله تعالى: " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) " (العنكبوت ٦٩): " ويُقال: تحقيق الإخلاص في الأعمال، وهو حقيقة قوله تعالى: " فِينَا " (٢). وقال في موطن آخر: " الإخلاص هو التوحيد، ويُقال: الإخلاص تصفية النية في طاعة الله تعالى ". (٣)
ولذا كان الواجب على المسلم، أن يكون في سيره إلى الله جل وعلا، موافقاً للشرع، لأن كثرة العبادة ليست معياراً للصلاح، فالخوارج معروفون بتعبدهم، ومع ذلك مشهورون بزيغهم وانحرافهم، ولذا قال الله جل وعز: " لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا " (الملك ٢)، ولم يقل: أكثر عملا؛ لأن الكثرة ليست ميزاناً، بل الميزان في الورع عن المحارم، والإخلاص في العمل، والزهد في الدنيا، والبصر بعيوب النفس. (٤)
ومن هنا نفهم السِّر في ختم آية الأمر بالعبادة بالتقوى: " يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) " (البقرة ٢١)، يقول الإمام السمعاني: " معناه: اعبدوا وكونوا على حذر منه، وهذا دأب العابد، أن يعبد الله ويكون على حذر منه ". (٥)
رابعاً: العبادة تختلف من جهة: تفاضلها، وتمايزها، وأقسامها.
стр. 167
وإذا أُطلق لفظ العبادة دخل فيها، عبادة القلب، وعبادة الجوارح، يقول الإمام ابن تيمية: " ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب، فلا يُتقى غيره، ولا يُخاف غيره، ولا يُتوكل على غيره، ولا يُدعى غيره، ولا يُصلى لغيره، ولايُصام لغيره، ولا يُتصدق إلا له، ولا يُحج إلا إلى بيته " (١).
وقد ذهب الناس مذاهب في تفاضل العبادات وتمايزها، وأيها أولى بالإيثار والتخصيص (٢):
فالصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها: أشقها على النفوس وأصعبها.
والصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات التجرد، والزهد في الدنيا، والتقلل منها غاية الإمكان.
والصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نفع متعد.
والصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة، العمل على مرضاة الرب، في كل وقتٍ بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق.
وقد أشار السمعاني إلى جملة من العبادات التي تتفاضل فيما بينها زماناً ومكاناً.
ونذكر في هذا المقام قضيتين:
الأولى: بعض أنواع العبادات،
والثانية: التفاضل في الطاعات.
القضية الأولى: بعض أنواع العبادات:
اشتمل القرآن الكريم على جملة كثيرة من العبادات القلبية والبدنية، والعبادات القولية والفعلية، والعبادات القاصرة والمتعدية، ولم يألوا السمعاني جهدا في بيان هذه العبادات والاستدلال بها وعليها، وقد أفاض السمعاني في ذكرها، وتفصيل مسائلها، حتى إنه يمكن للمرء أن يستخرج مصنفا خاصا في هذا الباب من كلامه، مع أنه لم يرد التقصي التام لهذه المسائل، بل كلما سنحت له فرصة بيَّن ووضح. والسمعاني سار في تقرير هذه المسائل على المنهج القرآني، فحيث يُثبت القرآن عبادة، يُثبتها ويسير في فلكها، ويغوص في أعماقها، ويستنبط بعض جلائل معانيها.
وبالتأمل في صنيع السمعاني في هذه المسائل، يتلخص منهجه في الآتي:
١ - الاستدلال على كون هذه الأعمال من العبادة؛ كما في الدعاء والسجود.
стр. 168
٢ - ذكر بعض الفضائل المتعلقة ببعضها؛ كما في السجود مثلا.
٣ - إيراد بعض الإشكالات الواردة على بعضها.
وتقرير السمعاني يسير في فلك الجو القرآني، ولذا يُعد تقريره بمثابة التأصيل للمسائل، والرد على المخالف؛ فحين يُثبت ما أثبته القرآن من كون الدعاء عبادة، يردفه ببيان خطورة صرف العبادة لغير الله تعالى؛ لأنها محض حق له جل وعلا، فهو بهذا يرد على الطوائف الغالية في هذا الباب، الذين يصرفون الدعاء وغيره لغير الله تعالى، ويتقربون به لغيره، فهو وإن لم يصرح به، لكن إثبات أصله يُعد ردا ضمنيا على ما خالفه.
ومن العبادات التي أولاها السمعاني اهتمامابالغا: الدعاء، والسجود، والذكر.
١ ـ الدعاء (١):
ناقش السمعاني في الدعاء أربع مسائل:
١ - كون الدعاء عبادة، وأنه لا يجوز صرفه لغير الله تعالى.
٢ - الإجابة عن تساؤل يعرض للذهن: كيف لا يُستجاب الدعاء، مع وعد الله تعالى بالإجابة؟
٣ - جواب عن استشكال: لو قال قائل في قوله تعالى: (وآتاكم من كل ما سألتموه)، نحن نسأله أشياء ولا يُعطينا؟
٤ - آداب الدعاء.
المسألة الأولى:
دلت الدلائل الشرعية، على كون الدعاء عبادة، بنوعيه، دعاء العبادة، ودعاء المسألة. قال تعالى: " ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) " (الأعراف ٥٥)، قال ابن عطية: " وهذا أمر بالدعاء وتعبد به " (٢).
стр. 169
وقد استدل السمعاني على ذلك بقوله تعالى: " وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) " (غافر ٦٠)، فقال: " قد ثبت برواية نعمان بن بشير، أن النبي ﷺ قال: " الدعاء هو العبادة، وقرأ هذه الآية (١).
وعن ثابت قال: قلت لأنس: الدعاء نصف العبادة، قال: هو كل العبادة.
وقوله: " إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي " أي: عن دعائي، ويُقال: عن توحيدي " (٢).
فالدعاء عبادة لا يجوز صرفه لغير الله جل وعلا، ومما يدل على كونه عبادة، أن الله تعالى عاب على الأصنام التي تُعبد من دون الله تعالى، أنها لا تسمع الدعاء، بخلاف الباري جل وعلا، فإنه أثنى على نفسه بقوله: " إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى " (طه ٤٦)، أما الأصنام فقال عنها: " إِن تَدْعُوهُمْ لَايَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) " (فاطر ١٤)، يقول السمعاني: " يعني: إن تدعوا الأصنام لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم " أي: ما أجابوكم" (٣).
وقال تعالى: " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً " (البقرة ١٧١): يقول السمعاني: " وقيل معناه: مثل الكفار، في دعاء الأصنام " (٤).
стр. 170
وقال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) " (الأعراف ١٩٤)، يقول السمعاني: " وهذا لبيان عجزهم، ثم أكدَّه فقال: " أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا " (الأعراف ١٩٥)، وذلك أن قدرة المخلوقين تكون بتلك الآلات والجوارح، وليست لهم تلك الآلات، بل أنتم أكبر قدرة منهم لوجود هذه الأشياء فيكم " (١)
وهذا الدعاء لا يجوز بحال، قال تعالى: " وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) " (يونس ١٠٦)، يقول السمعاني: " الدعاء يكون بمعنيين: أحدهما: بمعنى النداء، كقولك: يا زيد، يا عمرو، والآخر: بمعنى الطلب " (٢).
المسألة الثانية:
قول الله جل وعلا: " أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ " (البقرة ١٨٦)، وقوله تعالى " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " (غافر ٦٠)، وقد يُدعى فلا يستجيب، فما وجه هاتين الآيتين؟! قيل: إن جواب القائل: كيف لا يُستجاب الدعاء مع وعد الله بالاستجابة يظهر من عدة أوجه (٣):
١ ـ قيل: أن يكون معنى الدعاء الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب، كأنه قال: أُجيب دعوة الداعي بالثواب إذا أطاعني. وهو معنى قول الإمام الطبري، في أحد وجهي إجابته عن هذا التساؤل، فقال: " أن يكون معنياً بالدعوة: العمل بما ندب الله إليه وأمر به، فيكون تأويل الكلام: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ممن أطاعني، وعمل بما أمرته به، أُجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني " (٤).
стр. 171
٢ ـ وقيل: معنى الآيتين خاص، وإن كان لفظهما عاماً، تقديرهما: أُجيب دعوة الداعي إن شئت، وأُجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء، أو أجيبه إن كانت الإجابة خيراً له، أو أجيبه إن لم يسأل محالاً.
٣ ـ وقيل: هو عام، ومعنى قوله: أُجيب، أي: أسمع.
٤ ـ وقيل: إن معنى الآية: أنه لا يخيب من دعاه، فإن قُدِّر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدر له، ادخر له الثواب في الآخرة، أو كف عنه به سوءاً في الدنيا.
٥ ـ وقيل: إن الله تعالى يُجيب دعاء المؤمن في الوقت، ويُؤخر إعطاء من يُحب مراده؛ ليدعوه فيسمع صوته، ويعجل إعطاء من لا يُحبه؛ لأنه يبغض صوته.
٦ ـ وقيل: إن للدعاء آداباً وشرائط، وهي أسباب الإجابة، فمن أستكملها، كان من أهل الإجابة، ومن أخلَّ بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء، فلا يستحق الإجابة.
وقد ذكر الإمام السمعاني في تفسيره ثلاثة أجوبة (١):
١ ـ تعليقه بالمشيئة؛ يعني: تعليق إجابة الدعاء بالمشيئة.
٢ ـ بمعنى السماع؛ أراد بالإجابة السماع، أي أسمع دعوة الداعي.
٣ ـ هو على حقيقته، وهو الوجه الرابع الذي ذكرناه، أي أنه لا يخيب من دعاه، فإنه إذا دعاه بما قُدر له أعطى، وإن دعاه بما لم يُقدر له، يُدخر له الثواب في الآخرة، فلا يخيب دعاءه.
стр. 172
وقد وردت السنة النبوية المطهرة، مؤيدة القول الثالث الذي ذكره السمعاني، فعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: " ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة، إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم " (١). وكأن السمعاني يميل ـ والله أعلم ـ إلى القول الأول؛ لأنه قال في موطن آخر: " فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ " (الأنعام ٤١)، قَيَّد الإجابة بالمشيئة هاهنا، وأطلقها في قوله: " " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ "" قال أهل العلم: وذلك مقيد بالمشيئة أيضاً، بدليل هذه الآية " (٢)
المسألة الثالثة:
قوله تعالى: " وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ " (إبراهيم ٣٤): يقول الإمام السمعاني: " يعني: من كل الذي سألتموه " (٣)، ولكن إن قال قائل: نحن نسأله أشياء ولا يُعطينا، فما الجواب؟! قيل في الجواب:
١ ـ إما أن يكون في الآية إضمار شيء، فيكون المعنى: آتاكم من كل شيء سألتموه شيئاً، وهذا الإضمار، كقوله تعالى: " وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ" (النمل ٢٣)، أي: أوتيت من كل شيء في زمانها شيئاً.
٢ ـ وقيل: هو محمول على التكثير، كقولك: هو يعلم كل شيء، وأتاه كل الناس، وهو يعني بعضهم.
٣ ـ وقيل: محمول على سؤال الجميع، بمعنى: " ليس من شيء إلا وقد سأله بعض الناس، فقال: " وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ "، أي: من كل ماسألتموه، قد آتي بعضكم منه شيئاً، وآتي آخر شيئاً مما قد سأل " (٤).
٤ ـ وقيل: إن (ما) نافية، وهذا على قراءة الحسن بتنوين (كلٍ)، فيكون المعنى: من كل ما لم تسألوه، يعني: أعطاكم أشياء ما طلبتموها، ولا سألتموها.
стр. 173
٥ ـ وقيل: إن المعنى: وآتاكم من كل ما سألتموه، ولو سألتموه، وهو مروي عن الفراء (١).
وأما الإمام السمعاني فقد أجاب بجوابين: (٢)
الأول: أن جنسه يُعطى الآدميين، وإن لم يُعطه على التعيين، فاستقام الكلام بهذا.
الثاني: قيل معناه: من كل ماسألتموه، ولم تسألوه.
ثم أشار إلى قراءة التنوين، حيث تكون (ما) نافية، فقال: " وأما القراءة الثانية، فمعنى (ما) هو النفي، ومعناه: أعطاكم أشياء لم تسألوها، فإن الله تعالى أعطانا الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والرياح، وما أشبه ذلك، ولم نسأله شيئاً منها ". (٣)
وقد رد الطبري هذه القراءة، ورجح الجواب الأول فقال: " والصواب من القول في ذلك عندنا: القراءة التي عليها قراء الأمصار، وذلك إضافة (كل) إلى (ما)، معنى: وآتاكم من سؤلكم شيئاً، على ما بينا من قبل؛ لإجماع الحجة من القراء عليها، ورفض القراءة الأخرى" (٤).
المسألة الرابعة:
قال الله تعالى: " ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) " (الأعراف ٥٥): تضمنت هذه الآية شيئين:
أحدهما: محبوب للرب ﵎، مرضي له، وهو الدعاء تضرعاً وخفية.
والثاني: مكروه له، مبغوض، مسخوط، وهو الاعتداء، فأمر الله بما يحبه، وندب إليه، وحذر مما يبغضه وزجر عنه، بما هو أبلغ طرق الزجر والتحذير، وهو أنه لا يحب فاعله، ومن لم يحبه الله فأي خير يناله. (٥)
ففي الآية الكريمة أدبين من آداب الذكر والدعاء:
стр. 174
الأدب الأول: أن يكون الدعاء ممزوجا بالتضرع، والتذلل والخضوع لله جل وعلا، يقول السمعاني: أي: ضارعين متذللين خاشعين، وخفية أي سرا (١)، وقد بيَّن السمعاني المعنى ووضحه عند تفسير قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية) فقال: أي: علانية وسرا، وقيل: أن يكون السر مع الجهر في الدعاء، بحيث يدعو باللسان وسره معه (٢) ويكون في حال السر، فخير الدعاء الخفي. وهنا سؤالان:
الأول: لِمَ كان الإخفاء معتبرا في الدعاء؟
الثاني: ما السِّر في إخفاء زكريا ﵇ دعاءه، كما في قوله تعالى: " إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا " (مريم ٣)؟
والجواب عن الأول يُقال: إن الإخفاء معتبر في الدعاء لأمور:
١ ـ الأمر به في هذه الآية الكريمة، والأمر دائر بين الوجوب والاستحباب، فَدَّل على اعتباره.
٢ ـ أن الله تعالى أثني على زكريا ﵇ فقال: " إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا " (مريم ٣)، أي: أخفاه عن العباد، وأخلصه لله تعالى، وانقطع به إليه.
٣ ـ أن النبي ﷺ ، قال للصحابة لما رفعوا أصواتهم بالتكبير: " أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً " (٣)
٤ ـ أن النفس شديدة الميل، عظيمة الرغبة في الرياء والسمعة، فإذا رفع صوته في الدعاء، امتزج الرياء بذلك الدعاء، فلا يبقى فيه فائدة البتة، فكان الأولى إخفاء الدعاء؛ ليكون مصونا عن الرياء. (٤)
٥ ـ وأن ذلك أدعى لإجابة الدعاء. (٥)
٦ ـ وأنه أعظم إيماناً؛ لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى، يسمع دعاءه الخفي.
٧ ـ وأنه أعظم في الأدب والتعظيم.
٨ ـ وهو أبلغ في التضرع والخشوع، الذي هو روح الدعاء، ولبه، ومقصوده.
стр. 175
٩ ـ وهو أبلغ في جمعية القلب على الله في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرقه ويشتته. (١)
١٠ ـ أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته، فإنه قد يكل لسانه، وتضعف بعض قواه.
١١ ـ أن إخفاء الدعاء، أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات. (٢)
١٢ ـ " وحسبك في تعيّن الإسرار في الدعاء، اقترانه بالتضرع في الآية، فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع فيه، ولا خُشوع فيه لقليل الجدوى، فكذلك دعاء لا خفية ولا وقار يصحبه " (٣).
١٣ ـ ويقول الحسن: إن الله يعلم القلب التقي، والدعاء الخفي (٤).
وقد أجاب السمعاني على التساؤل الآخر بما يلي: (٥)
١ ـ إنما أخفى زكريا ﵇ دعاءه؛ لأنه أفضل، كما بُيَّن في الجواب السابق.
٢ ـ قيل: لأنه استحيا من الناس، أن يدعو جهراً، فيقولون: انظروا إلى هذا الشيخ يسأل على كبره الولد.
٣ ـ ويُقال: إنه أخفى؛ لأنه دعاء في جوف الليل، وهو ساجد.
الأدب الثاني: عدم الاعتداء في الدعاء:
قال تعالى: " ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) " (الأعراف ٥٥): هنا ذكر السمعاني، بعض الأخبار التي فيها النهي عن الاعتداء في الدعاء، وبعض أوجه هذا التعدي.
إلا أن المفسرين اختلفوا في المراد بهذا الاعتداء في الآية على قولين:
الأول: أن المراد به: الاعتداء في الدعاء، وإن كان اللفظ عاما (٦).
الثاني: أن المراد به: المجاوزون ما أمر الله تعالى به، ذكره الزجاج (٧).
стр. 176
وقد فسّرها الإمام السمعاني بالدعاء (١)، لكن بعض العلماء قالوا: هو أوسع من ذلك وأشمل، يقول الرازي: " اعلم أن كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه، فقد اعتدى وتعدى، فيدخل تحت قوله: " إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " (٢).
وقال ابن القيم بعد أن ذكر الخلاف في الاعتداء: " فالآية أعم من ذلك كله، وإن كان الاعتداء في الدعاء مراداً بها، فهو من جملة المراد، والله لا يحب المعتدين في كل شيء، دعاء كان أو غيره " (٣)، ولذا قال ابن عطية: " المعتدي هو: مجاوز الحد، ومرتكب الخطر " (٤).
وقد ذكر الإمام السمعاني أن الاعتداء في الدعاء يكمن في عدة صور، منها:
١ - الجهر بالدعاء، وذكر عن ابن جريج قوله: الجهر بالدعاء عدوان.
٢ - أن يسأل لنفسه درجة ليس من أهلها، بأن يسأل درجة الأنبياء، وليس بنبي، ودرجة الشهداء، وليس بشهيد (٥).
وذكر المفسرون صورًا أخرى للتعدي في الدعاء منها (٦).
٣ - أن يدعو باللعنة والهلاك على من لا يستحق.
٤ - ونُقل عن ابن جريج: أن الصياح في الدعاء مكروه وبدعة.
٥ - الإسهاب في الدعاء.
٦ - أن يدعو طالباً معصية وغير ذلك.
٧ - أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظا مفقرة، وكلمات مُسجَّعة، قد وجدها في كراريس لا أصل لها، ولا معوّل عليها، فيجعلها شعاره، ويترك مادعا به رسول الله ﷺ ، ذكره القرطبي في تفسيره (٧).
стр. 177
٨ - قال ابن القيم: " فالاعتداء في الدعاء، تارة: بأن يسأل ما لايجوز له سؤاله، من الإعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لايفعله الله، مثل: يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب, أو يسأله أن يطلعه على غيبه، أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء ".
ثم ذكر ابن القيم ضابطا للاعتداء في الدعاء فقال: " فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به، فهو اعتداء لايحبه الله " (١).
وقد ذكر الشيخ العثيمين ضابطا آخر للاعتداء في الدعاء، فقال: " ومن الموانع الاعتداء في الدعاء، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم، ومنها: أن يدعو بما لايمكن شرعاً وقدراً، فشرعا كأن يقول: اللهم اجعلني نبيا، وقدرا، بأن يدعو الله بأن يجمع بين النقيضين، وهذا أمر لايمكن، فالاعتداء في الدعاء، مانع من إجابته، وهو محرم، لقوله تعالى:" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (الأعراف ٥٥)، وهو أشبه مايكون بالاستهزاء بالله سبحانه " (٢).
وخلاصة هذه العبادة العظيمة، عبادة الدعاء:
١ - أنها عبادة بدلالة الشرع، وهو مابينه السمعاني، ومما استدل به غير ماسبق.
قوله تعالى:" وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلَّا
أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا" (مريم ٤٨)، يقول السمعاني: وقوله:"وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه"، أي: تعبدون من دون الله، وقوله:" وَأَدْعُوا رَبِّي ": أي أعبد ربي، وقوله:"عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا"عسى من الله واجب، والدعاء: بمعنى العبادة، والشقاوة: الخيبة من الرحمة (٣).
стр. 178
٢ - والدعاء هو الكلم الطيب الذي يصعد إلى الله تعالى، ويقبله، يقول تعالى:" إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ" (فاطر ١٠)، يقول السمعاني: "وقيل: الكلم الطيب: هو الدعاء من العباد" (١).
ولذا أمر الله جل وعز به، فقال:"فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب" (الشرح ٧ - ٨)، يقول السمعاني:" فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ" قال مجاهد وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة فانصب للدعاء، وارغب إلى الله في المسألة، وقوله:" وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب" هو الحث على الدعاء والمسألة" (٢).
٢ ـ السجود:
وناقش السمعاني في السجود ست مسائل:
١ - كون السجود عبادة محضة لله تعالى، لا يجوز صرفها لغيره.
٢ - أشار إلى بعض ما يُشكل على القاعدة السابقة من واقع بعض النصوص، وأبان الحقيقة المرادة منها، وهي في:
أ: سجود الملائكة لآدم ﵇.
ب: سجود إخوة يوسف ليوسف ﵇.
٣ - تحقيق معنى السجود.
٤ - تتبع ما حكاه القرآن من سجود المخلوقات، وأبان عن بعض مغازيه وحقائقه؛ كسجود الملائكة، وسجود الجمادات، وسجود بني إسرائيل، وسجود السحرة.
٥ - أشار إلى مكانة السجود، وذكر بعض فضائله.
٦ - أن الركوع عبادة، يجمع بينه وبين السجود: انحناء وخضوع.
المسألة الأولى:
السجود لله جل وعلا، من أجل العبادات، وأعظم الطاعات، والسجود يأتي مقرونا بالصلاة، وإنما يُعبِّر بالسجود عن الصلاة؛ لأنه أعظم أركانها، وأخص أوجه الخضوع والتذلل فيها.
وقد قرر السمعاني في تفسيره كون السجود محض عبادة لله جل وعلا، لا تجوز لأحد سواه على وجه الخضوع والتذلل والتعظيم، فقال في تفسير قوله تعالى:
" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ فَسَجَدُوا ... " (البقرة ٣٤)؛ "والسجود عبادة مع التواضع، والخشوع، والخضوع، ومنه شجرة ساجدة، إذ ماتت من كثرة حملها" (٣).
стр. 179
وعلى هذا لايكون السجود إلا لله جل وعلا، ونقل السمعاني عن عكرمة في تفسير قوله تعالى: " وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ " (آل عمران ٦٤)،"أي: لايسجد بعضنا لبعض، فإن من سجد لغيره فقد اتخذه ربا" (١).
ولذا كان السجود من خصائص الإلهية، يقول المقريزي: "ومن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره، فقد شبهه به" (٢)، ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب (٣): "والعبادة أنواع كثيرة، لكني أمثلها بأنواع كثيرة لاتُنكر: من ذلك السجود، فلا يجوز لعبد أن يضع وجهه على الأرض ساجداً، إلا لله وحده لاشريك له، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لولي" (٤).
فالسجود بجميع أنواعه لايجوز إلا لله جل وعز، يقول الإمام ابن تيمية: أما السجود لغير الله وعبادته فهو محرم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال :"وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ" (الزخرف ٤٥) (٥).
ويقول الإمام المقريزي: وأما السجود لغير الله فقد قال ﵊: (لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله) (٦)، ولا ينبغي في كلام الله ورسوله ﷺ : إنما يستعمل للذي هو في غاية الامتناع" (٧).
стр. 180
فالسجود لله تعالى أعظم شعائر العبادة، فلا تجوز لمخلوق، يقول الله تعالى:"لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" (فصلت ٣٧)، يقول السمعاني: أي توحدون (١).
المسألة الثانية:
هل من هذا الباب سجود الملائكة لآدم، وسجود إخوة يوسف له؟!
أولا: مايتعلق بالسجود لآدم ﵇، فقد ذكر العلماء توجيهات لها، ولكن بعد أن اتفقوا أن السجود هنا ليس سجود عبادة؛ لأن سجود العبادة لغير الله كفر، والأمر لايرد بالكفر، وحكى الإجماع على ذلك الإمام الرازي (٢)، والقرطبي (٣)،وجماعة ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال، حكى الإمام السمعاني منها قولين:
الأول: بمعنى السجود إلى آدم ﵇، فيكون آدم كالقبلة، والسجود لله تعالى، وقد تعقب هذا القول الإمام الرازي وضعفه (٤)، ووافقه الإمام ابن كثير في تفسيره (٥).
الثاني: أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله تعالى بامتثال أمره فيه، فعلى هذا يكون السجود لآدم على سبيل التحية له، ورجح هذا القول الإمام السمعاني، وقال: والأصح: أن السجود كان لآدم على الحقيقة ... (٦). ورجحه الإمام الرازي (٧)، وتبعه الإمام ابن كثير (٨)، وذكره الإمام الطبري عن قتادة، فقال: "وكان سجود الملائكة لآدم، تكرمة لآدم، وطاعة لله، لاعبادة لآدم، عن قتادة: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ":فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم، أن أسجد له ملائكته" (٩).