← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقد فسّرها الإمام السمعاني بالدعاء (١)، لكن بعض العلماء قالوا: هو أوسع من ذلك وأشمل، يقول الرازي: " اعلم أن كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه، فقد اعتدى وتعدى، فيدخل تحت قوله: " إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " (٢). وقال ابن القيم بعد أن ذكر الخلاف في الاعتداء: " فالآية أعم من ذلك كله، وإن كان الاعتداء في الدعاء مراداً بها، فهو من جملة المراد، والله لا يحب المعتدين في كل شيء، دعاء كان أو غيره " (٣)، ولذا قال ابن عطية: " المعتدي هو: مجاوز الحد، ومرتكب الخطر " (٤). وقد ذكر الإمام السمعاني أن الاعتداء في الدعاء يكمن في عدة صور، منها: ١ - الجهر بالدعاء، وذكر عن ابن جريج قوله: الجهر بالدعاء عدوان. ٢ - أن يسأل لنفسه درجة ليس من أهلها، بأن يسأل درجة الأنبياء، وليس بنبي، ودرجة الشهداء، وليس بشهيد (٥). وذكر المفسرون صورًا أخرى للتعدي في الدعاء منها (٦). ٣ - أن يدعو باللعنة والهلاك على من لا يستحق. ٤ - ونُقل عن ابن جريج: أن الصياح في الدعاء مكروه وبدعة. ٥ - الإسهاب في الدعاء. ٦ - أن يدعو طالباً معصية وغير ذلك. ٧ - أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظا مفقرة، وكلمات مُسجَّعة، قد وجدها في كراريس لا أصل لها، ولا معوّل عليها، فيجعلها شعاره، ويترك مادعا به رسول الله ﷺ ، ذكره القرطبي في تفسيره (٧).

стр. 177

٨ - قال ابن القيم: " فالاعتداء في الدعاء، تارة: بأن يسأل ما لايجوز له سؤاله، من الإعانة على المحرمات، وتارة بأن يسأل ما لايفعله الله، مثل: يسأله تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية من الحاجة إلى الطعام والشراب, أو يسأله أن يطلعه على غيبه، أو يسأله أن يجعله من المعصومين، أو يسأله أن يهب له ولدا من غير زوجة ولا أمة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء ". ثم ذكر ابن القيم ضابطا للاعتداء في الدعاء فقال: " فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به، فهو اعتداء لايحبه الله " (١). وقد ذكر الشيخ العثيمين ضابطا آخر للاعتداء في الدعاء، فقال: " ومن الموانع الاعتداء في الدعاء، كأن يدعو بإثم أو قطيعة رحم، ومنها: أن يدعو بما لايمكن شرعاً وقدراً، فشرعا كأن يقول: اللهم اجعلني نبيا، وقدرا، بأن يدعو الله بأن يجمع بين النقيضين، وهذا أمر لايمكن، فالاعتداء في الدعاء، مانع من إجابته، وهو محرم، لقوله تعالى:" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (الأعراف ٥٥)، وهو أشبه مايكون بالاستهزاء بالله سبحانه " (٢). وخلاصة هذه العبادة العظيمة، عبادة الدعاء: ١ - أنها عبادة بدلالة الشرع، وهو مابينه السمعاني، ومما استدل به غير ماسبق. قوله تعالى:" وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا" (مريم ٤٨)، يقول السمعاني: وقوله:"وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه"، أي: تعبدون من دون الله، وقوله:" وَأَدْعُوا رَبِّي ": أي أعبد ربي، وقوله:"عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا"عسى من الله واجب، والدعاء: بمعنى العبادة، والشقاوة: الخيبة من الرحمة (٣).

стр. 178

٢ - والدعاء هو الكلم الطيب الذي يصعد إلى الله تعالى، ويقبله، يقول تعالى:" إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ" (فاطر ١٠)، يقول السمعاني: "وقيل: الكلم الطيب: هو الدعاء من العباد" (١). ولذا أمر الله جل وعز به، فقال:"فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب" (الشرح ٧ - ٨)، يقول السمعاني:" فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ" قال مجاهد وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة فانصب للدعاء، وارغب إلى الله في المسألة، وقوله:" وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب" هو الحث على الدعاء والمسألة" (٢). ٢ ـ السجود: وناقش السمعاني في السجود ست مسائل: ١ - كون السجود عبادة محضة لله تعالى، لا يجوز صرفها لغيره. ٢ - أشار إلى بعض ما يُشكل على القاعدة السابقة من واقع بعض النصوص، وأبان الحقيقة المرادة منها، وهي في: أ: سجود الملائكة لآدم ﵇. ب: سجود إخوة يوسف ليوسف ﵇. ٣ - تحقيق معنى السجود. ٤ - تتبع ما حكاه القرآن من سجود المخلوقات، وأبان عن بعض مغازيه وحقائقه؛ كسجود الملائكة، وسجود الجمادات، وسجود بني إسرائيل، وسجود السحرة. ٥ - أشار إلى مكانة السجود، وذكر بعض فضائله. ٦ - أن الركوع عبادة، يجمع بينه وبين السجود: انحناء وخضوع. المسألة الأولى: السجود لله جل وعلا، من أجل العبادات، وأعظم الطاعات، والسجود يأتي مقرونا بالصلاة، وإنما يُعبِّر بالسجود عن الصلاة؛ لأنه أعظم أركانها، وأخص أوجه الخضوع والتذلل فيها. وقد قرر السمعاني في تفسيره كون السجود محض عبادة لله جل وعلا، لا تجوز لأحد سواه على وجه الخضوع والتذلل والتعظيم، فقال في تفسير قوله تعالى: " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ فَسَجَدُوا ... " (البقرة ٣٤)؛ "والسجود عبادة مع التواضع، والخشوع، والخضوع، ومنه شجرة ساجدة، إذ ماتت من كثرة حملها" (٣).

стр. 179

وعلى هذا لايكون السجود إلا لله جل وعلا، ونقل السمعاني عن عكرمة في تفسير قوله تعالى: " وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ " (آل عمران ٦٤)،"أي: لايسجد بعضنا لبعض، فإن من سجد لغيره فقد اتخذه ربا" (١). ولذا كان السجود من خصائص الإلهية، يقول المقريزي: "ومن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره، فقد شبهه به" (٢)، ويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب (٣): "والعبادة أنواع كثيرة، لكني أمثلها بأنواع كثيرة لاتُنكر: من ذلك السجود، فلا يجوز لعبد أن يضع وجهه على الأرض ساجداً، إلا لله وحده لاشريك له، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا لولي" (٤). فالسجود بجميع أنواعه لايجوز إلا لله جل وعز، يقول الإمام ابن تيمية: أما السجود لغير الله وعبادته فهو محرم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال :"وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ" (الزخرف ٤٥) (٥). ويقول الإمام المقريزي: وأما السجود لغير الله فقد قال ﵊: (لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله) (٦)، ولا ينبغي في كلام الله ورسوله ﷺ : إنما يستعمل للذي هو في غاية الامتناع" (٧).

стр. 180

فالسجود لله تعالى أعظم شعائر العبادة، فلا تجوز لمخلوق، يقول الله تعالى:"لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" (فصلت ٣٧)، يقول السمعاني: أي توحدون (١). المسألة الثانية: هل من هذا الباب سجود الملائكة لآدم، وسجود إخوة يوسف له؟! أولا: مايتعلق بالسجود لآدم ﵇، فقد ذكر العلماء توجيهات لها، ولكن بعد أن اتفقوا أن السجود هنا ليس سجود عبادة؛ لأن سجود العبادة لغير الله كفر، والأمر لايرد بالكفر، وحكى الإجماع على ذلك الإمام الرازي (٢)، والقرطبي (٣)،وجماعة ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال، حكى الإمام السمعاني منها قولين: الأول: بمعنى السجود إلى آدم ﵇، فيكون آدم كالقبلة، والسجود لله تعالى، وقد تعقب هذا القول الإمام الرازي وضعفه (٤)، ووافقه الإمام ابن كثير في تفسيره (٥). الثاني: أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله تعالى بامتثال أمره فيه، فعلى هذا يكون السجود لآدم على سبيل التحية له، ورجح هذا القول الإمام السمعاني، وقال: والأصح: أن السجود كان لآدم على الحقيقة ... (٦). ورجحه الإمام الرازي (٧)، وتبعه الإمام ابن كثير (٨)، وذكره الإمام الطبري عن قتادة، فقال: "وكان سجود الملائكة لآدم، تكرمة لآدم، وطاعة لله، لاعبادة لآدم، عن قتادة: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ":فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم، أن أسجد له ملائكته" (٩).

стр. 181

الثالث: أن السجود محمول على أصل اللغة، بمعنى الانقياد والخضوع، وضعّف هذا القول الإمام الرازي، قال عن هذا القول ضعيف؛ "لأن السجود لا شك أنه في عُرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك" (١). وهذا الذي ذكره الرازي مما جرى فيه الخلاف: هل سجود الملائكة كان على صفة سجود الصلاة، أم هو مجرد انحناء وميل؟! فقيل: إنه على صفة سجود الصلاة، ورجحه الإمام ابن الجوزي (٢). وقيل: إنه الانحناء والميل المساوي للركوع. وقيل: هو ماكان في أصل اللغة من التذلل والانقياد، بمعنى: اخضعوا لآدم، وأقروا له بالفضل (٣). ثانياً: ما يتعلق بسجود إخوة يوسف ليوسف: ١: قال الإمام القرطبي: "وأجمع المفسرون أن السجود على أي وجه كان، فإنما كان تحية لاعبادة" (٤). ٢: اختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله تعالى:" وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا " فقيل: (له) يعود إلى الله جل وعلا، فيكون المعنى: وخروا لله سُجَّدا"أي: أنهم سجدوا شكرا لله، إذ جمعهم سويا. وهذا القول مروي عن ابن عباس. وحكى هذا القول الإمام السمعاني فقال: "وقال بعضهم: أنهم سجدوا لله لا ليوسف، وإنما خروا له سجدا؛ لأنه كان قدامهم، فحصل سجودهم إليه، كما يسجد إلى المحراب والجدار" (٥). قال ابن عطية:" ورُدَّ على هذا القول" (٦). وقال الشوكاني: "وهو بعيد جدا" (٧)، وقيل: (له) يعود إلى يوسف ﵇ ورجحه الإمام السمعاني، واختلفوا في معناه على أقوال:

стр. 182

الأول: أنها كانت سجدة حقيقية، هو مثل سجود الملائكة لآدم ﵇، وهي سجدة محبة لا سجدة عبادة، وكان ذلك جائزاً في الأمم السالفة، ثم نسخ الله تعالى ذلك في هذه الشريعة، وأُبدل بالسلام، وقال السمعاني: وعليه الأكثرون (١). الثاني: قيل إنه ليس مثل السجود المعهود إنما هو انحناء الركوع، ولم يكن خرورا على الأرض، وهكذا كان سلامهم بالتكفي والانحناء. الثالث: قيل: لم يكن سجودا، لكنه سُنة كانت فيهم، يُومئون برؤوسهم إيماء (٢). الرابع: وقيل: السجود هاهنا: الخضوع والتذلل (٣).وبعد أن ذكر السمعاني الخلاف في المسألة، أورد تساؤلا بناء على القول بالسجود ليوسف مفاده:"فإن قال قائل: كيف جاز السجود لغير الله؟ وإذا جاز السجود لغير الله، فلم لايجوز العبادة لغير الله؟ والجواب: أن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لاتجوز إلا لله، وأما السجود: نوع تذلل وخضوع بوضع الخد على الأرض، وهو دون العبادة، فلم يمتنع جوازه للبشر كالانحناء" (٤). المسألة الثالثة: تعريف السجود وأصله: يقول الإمام السمعاني: "وأصل السجود: الخضوع، وفي الركوع خضوع، وقال الشاعر: (بجَمْع تضلُّ الَبلْقُ في حُجراته: ترى الأكم فيه سُجداً للحوافر)، أي: ركعا خضعا" (٥).

стр. 183

وفي ذكره لأحد الأقوال في تفسير قوله تعالى:" وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ" (الجن ١٨)، قال: (إنها بمعنى السجود، وهي جمع مسجد، يقال: سجدت سجودا ومسجدا، والمعنى: أن السجود لله يعني: هو المستحق للسجود" (١). وهذا هو المعنى المعروف في لغة العرب: يقول ابن الأنباري: "وقولهم: قد سجد الرجل، معناه: قد انحني وتطامن، ومال إلى الأرض، ومن قول العرب: قد سجدت الدابة، وأسجدت، إذا خفضت رأسها لتركب، ويقال: قد سجدت النخلة، إذا مالت، ويكون السجود على جهة الخشوع والتواضع، والتذلل لله، ويكون السجود على معنى التحية" (٢). ويقول أبو نصر الجوهري: "سجد: خضع، ومنه سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض، والاسم السِجدة بالكسر" (٣). ويقول الإمام الطبري: "وأصل السجود: الانحناء لمن سُجد له معظما بذلك، فكل منحن لشيء تعظيما له، فهو ساجد" (٤)، ويقول الإمام ابن تيمية: "ولفظ السجود: يستعمل في اللغة: لخضوع الجمادات وغيرها، كالبيت المعروف: بجيش تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر قال ابن قتيبة: حجراته: جوانبه، يُريد أن حوافر الخيل قد بلغت الأكم ووطئتها، حتى خشعت وانخفضت" (٥). المسألة الرابعة: ذكر الإمام السمعاني هذه العبادة العظيمة (السجود) عن المخلوقات في عدة مواطن وهي كالآتي: أ ـ سجود الملائكة، وعلة امتناع ابليس من السجود لآدم: قد حكى القرآن الكريم هذا المشهد في أكثر من موضع، والقارئ حين يقرأ تلك المواضع، يشاهد مدى الحسد الذي ملأ الشيطان، والكبر الذي منعه من امتثال أمر الله تعالى، فالله جل وعز يقول:

стр. 184

-" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) " (البقرة ٣٤)، فبينت هذه الآية الكريمة، أن ابليس أبى وامتنع وأنف من السجود لآدم، حيث ظن أنه خير من آدم (١)، وفي مقام آخر يقول الباري جل وعلا: "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ" (الأعراف ١٢)، يقول السمعاني: "فإن قيل: لم يكن هذا منه جوابا عما سئل عنه؟ قيل: تقديره قال: لم أسجد لأني خير منه، وقيل: السؤال مقدر فيه، كأنه قيل له أنت خير أم هو؟ فقال: أنا خير منه" (٢)، وقال الله تعالى في مقام آخر: -" قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ" (الحجر ٣٢ - ٣٣)، فهنا ابليس تفاخر وتعاظم وقال: "إني أفضل منه؛ لأنه طيني وأنا ناري، والنار تأكل الطين " (٣)، وبين الله المقام وضوحاً، فقال: ـ" وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِأدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا" (الإسراء ٦١)، "ومعناه: أأسجد لمن خلقته من طين، وخلقتني من نار، وللنار فضل على الطين، فإن النار تأكل الطين، ولم يعلم الخبيث أن الجواهر كلها من جنس واحد، والفضل لما فضله الله تعالى، وفي الطين من المنافع ما يقاوم منافع النار، أو يرقى عليها، وللطين من كرم الطبع ماليس للنار" (٤). إذن سبب قول إبليس، هو ما أشار إليه ابن عباس،: كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان خازن الجنان، وأمين السماء الدنيا، فأعجبته نفسه، ورأى أن له فضلا على غيره، فلما أمره الله تعالى بالسجود لآدم، امتنع لذلك الذي كان في نفسه (٥).

стр. 185

أما الملائكة فقد ذكر السمعاني بعض الآثار التي تدل على عِظم عبادة الملائكة لله جل وعلا، فقال: "وعن ابن عباس: أن لله تعالى ملائكة يبكون من خشيته من يوم خلقهم، وملائكة في الركوع، وملائكة في السجود، وملائكة في التسبيح، لايشغلهم عن ذلك شيء ". (١) - "وذكر ابن فارس في تفسيره في خبر: أن الله تعالى لما استوى على عرشه، سجد ملك، فلا يرفع رأسه من السجود إلى يوم القيامة، فإذا رفع رأسه يوم القيامة، قال: سبحانك ما عبدتك حق عبادتك، غير أني لم أشرك بك، ولم اتخذ لك ندا ". (٢) ب ـ سجود الجمادات: سبق بحث هذه المسألة، وبيان رأي الإمام السمعاني فيها، وهو يرى هذه الجمادات برمتها تسجد وتسبح لله جل وعلا، فقرر هذا المعنى عند قوله جل وعلا في ذم الكفار:" إِنْ هُمْ إِلَّاكَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" (الفرقان ٤٤)، فيقول: "وجعل الكفار أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تسجد وتسبح لله تعالى، والكفار لايسجدون ولايسبحون " (٣). خلافا لما ذهب إليه الإمام ابن حزم وقرَّره، من أن السجود من الأسماء المشتركة التي تقع على نوعيه فأكثر، فيكون معنى السجود الذي ورد في القرآن كقوله:" وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا " (الرعد ١٥)، أن هذا مفسر بقوله تعالى:" وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْأصَالِ" (الرعد ١٥)، وقوله تعالى:" أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ" (النحل ٤٨) (٤)، ولكن السمعاني في تفسيره لهذه الآية، ذكر أن أكثر السلف على أن المراد بالسجود هنا: الطاعة لله، وأن كل الأشياء ساجدة لله مطيعة من حيوان وجماد، قال: وهذا محكي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، والحسن البصري (٥)، ورجح هذا القول.

стр. 186

ونقل عن الزجاج في تفسير قوله تعالى:" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " (الحج ١٨)، قوله: "السجود هاهنا: بمعنى الطاعة، أي: يطيعه، واستحسنوا هذا القول؛ لأنه موافق للكتاب، وهو قوله تعالى:" ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" (فصلت ١١) " (١)، وذكر الإمام السمعاني في هذا المعنى، حديث سجود الشمس، كما جاء في حديث أبي ذر أنه قال: كنت عند النبي ﷺ حتى غابت الشمس، فقال: (يا أبا ذر، أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: إنها تذهب وتستأذن في السجود، وفي رواية: تذهب إلى تحت العرش وتستأذن في السجود، فيؤذن لها في السجود، فقال لها: اطلعي من حيث كنت تطلعين، وكأنها قد قيل لها يوما يا أبا ذر: اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها " (٢) (٣).

стр. 187

قال الإمام ابن بطال (١): "وأما استئذان الشمس في السجود، فالاستئذان قول لها، والله على كل شيء قدير، فيمكن أن يخلق الله فيها حياة توجد القول عندها، فتقبل الأمر والنهي؛ لأن الله قادر على إحياء الجماد والموات" (٢)، وقال غيره: يحتمل أن يكون الاستئذان أسند إليها مجازا، والمراد من هو مُوَكَّل بها من الملائكة، قال المباركفوري (٣): "قلت الظاهر هو الأول" (٤). ج ـ سجود بني إسرائيل: أمر الله تعالى بني إسرائيل أن يدخلوا بيت المقدس سجدا، كما قال جل في علاه: ... "وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ... " (البقرة ٥٨)، واختلف المفسرون في معنى السجود في هذه الآية على أقوال: الأول: قيل: هو سجود على حقيقته، قال الحسن: أراد به السجود نفسه الذي هو إلصاق الوجه بالأرض، واستبعده الرازي؛ لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود، فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك (٥).

стр. 188

الثاني: أن المراد بالسجود هنا: الركوع؛ لأن الباب كان صغيرا ضيقا، يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء، وهذا مروي عن ابن عباس، قال الطبري: "فإن ابن عباس كان يتأوله بمعنى الركوع"، ثم قال مبينا وجه قول ابن عباس:" وأصل السجود: الانحناء لمن سُجد له معظما بذلك، فكل منحن لشيء تعظيما له، فهو ساجد ... ، فذلك تأويل ابن عباس قوله:"سجداً" ركعاً؛ لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناءً منه" (١)، وبهذا فسر الإمام السمعاني معنى السجود في هذا الموضع فقال: "سجداً: أي ركعا خضعا، وأصل السجود الخضوع، وفي الركوع خضوع، وقال الشاعر: (بجمع تضل البلق في حجراته: ترى الأكم فيه سجداً للحوافر)، أي: ركعاً خضعاً " (٢) واستبعد هذا القول الرازي أيضا وقال: "وهذا بعيد؛ لأنه لو كان ضيقاً، لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعاً، فما كان يحتاج فيه إلى الأمر" (٣). الثالث: قيل: المراد منه: متواضعين خشوعاً لا على هيئة متعينة (٤)، فالسجود هنا محمول على الخضوع؛ لتعذر حمله على حقيقته، ورجحه الرازي (٥). د ـ سجود السحرة: قصّ الله جل وعلا قصة موسى ﵇ مع سحرة فرعون، وأنهم حين رأوا مارأوا من الآيات العظيمة الباهرة التي لايمكن أن تكون من جنس تمويههم، ولاتخييلهم، عرفوا أنها من عند الله جل وعلا، فآمنوا وأقروا واعترفوا، وصبروا، وخروا لله ساجدين كما قال جل وعلا: "وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ" (الأعراف ١٢٠ - ١٢٢)، وهنا اختلف المفسرون في حقيقة هذا السجود على قولين: الأول: أنهم سجدوا لله تعالى: إقرارا بربوبيته، واستحقاقا لعبوديته، وهذا الذي عليه جماهير أهل التفسير، قال الطبري: "وأُلقي السحرة عندما عاينوا من عظيم قدرة الله، ساقطين على وجوههم، سجدا لربهم" (٦).

стр. 189

وقال الثعلبي: "وألقي السحرة ساجدين لله، حيث عرفوا أن ذلك أمر سماوي وليس سحراً" (١)، وقال البغوي: "وألقي السحرة ساجدين لله" (٢)، وهو المروي عن ابن عباس ﵄، قال: خروا لله سامعين مطيعين (٣). الثاني: أنهم سجدوا لموسى؛ تسليما له، وإيمانا به، حكاه الماوردي في تفسيره (٤). واختلف المفسرون في كيفية وقوع السجود منهم على قولين: الأول: أن الله جل وعلا ألهمهم أن يسجدوا فسجدوا. الثاني: قيل أن موسى وهارون سجدا شكرا لله تعالى، فوافقهم السحرة. وحكى هذين القولين الإمام السمعاني في تفسيره (٥). وأشار في مقام آخر في السجود الذي وقع منهم، فقال: "يجوز أن يكون معناه: وقعوا ساجدين، ويجوز أن يكون معناه: ألقاهم الحق الذي رأوه" (٦). وقال الأخفش: "من سرعة ماسجدوا كأنهم أُلقوا" (٧)، ولذا هم لم يجبروا على السجود، وإنما سجدوا باختيارهم، فإنهم من عظيم ماعاينوا من الآيات، كأنهم صاروا مفعولين في الإلقاء، فاضطرهم ذلك إلى مبادرة السجود (٨)، ولذا قال الرازي: "فليس المراد منه أنهم أُجبروا على السجود، وإلا لما كانوا محمودين، بل التأويل فيه ماقال الأخفش" (٩). المسألة الخامسة: لما كان السجود بهذه المثابة العظيمة، وبهذه المكانة والمنزلة الجليلة الكريمة، فإن القرآن عبَّر عن الصلاة التي هي أهم أركان الإسلام، بهذا الركن العظيم في مواطن كثيرة، وقد تتبع الإمام السمعاني بعض هذه المواطن، وأشار إلى خلاف العلماء فيها، ومنها:

стр. 190

-قوله تعالى:" فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا" (النجم ٦٢)،يقول السمعاني: "حمل بعضهم هذا على الصلوات الخمس، وقيل: أن الآية نزلت بمكة قبل فرض الصلوات الخمس، والسورة مكية فعلى هذا معناه:" فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا"أي: اخضعوا لله ووحدوا " (١). وقد فسرها بالصلوات الخمس مقاتل في تفسيره (٢)، وبذا فسرها الإمام الطبري فقال: "فاسجدوا أيها الناس في صلاتكم، دون من سواه من الآلهة والأنداد " (٣). والعلماء مختلفون في هذا السجود على قولين (٤): الأول: المراد به سجود التلاوة، وهو قول ابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة والشافعية. والثاني: المراد به سجود الفرض في الصلاة، وهو قول ابن عمر وقال به مالك. - وقال جل وعلا:"وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ" (ق ٤٠)، ذكر الإمام السمعاني أقوالاً في تأويل هذه الآية (٥): الأول: الركعتان بعد المغرب، وقال عنه هو القول المعروف، ورد القرآن به لزيادة الندب والتأكيد، وهو قول علي، وأبي هريرة، وابن عباس. الثاني: المراد جميع النوافل بعد الفرائض. الثالث: الوتر؛ لأنه آخر مايفعله الإنسان عند فراغه من الصلوات. وحكى الإمام الطبري عن جماعة من الأئمة أن المراد بأدبار السجود: التسبيح في أدبار الصلوات المكتوبة (٦)، ثم قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: هما الركعتان بعد المغرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك " (٧). ثم ختم السمعاني مايتعلق بهذه العبادة العظيمة، ببيان فضائلها وميزاتها وماورد فيها: يقول السمعاني: "وقد ورد في السجود أخبار منها (٨):

стр. 191

- ماروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سجد ابن آدم، اعتزل الشيطان يبكي، ويقول ياويلاه، أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) (١). - وفي حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: أنه أتى النبي ﷺ بوضوئه لحاجته، فقال: سلني، فقلت: أريد مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ فقلت: هو ذاك، فقال: (أعني على نفسك بكثرة السجود). (٢) - وروى أبو فاطمة عن النبي ﷺ أنه قال: (مامن عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة). (٣) وأخيراً يقول السمعاني: قد يعبر عن السجود بالركوع؛ لأن كل واحد منهما نوع من الانحناء، وأنشدوا في ذلك: (فخر على وجهه راكعاً ... وتاب إلى الله من كل ذنب) (٤) المسألة السادسة: الركوع: وهو عبادة، يقول السمعاني: "وأصل الركوع عبادة مع انحناء، يُقال: ركعت النحلة، إذا انحنت، وعنه قول الشاعر: (أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدب كأني كلما قمت راكع) " (٥) وقال: "وفي الركوع خضوع " (٦). وقد جاء ذكر الركوع في القرآن الكريم، قال جل وعلا: " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" (المائدة ٥٥)، يقول السمعاني: " يعني مصلون، إلا أنه خص الركوع تشريفا، وقيل: معناه خاضعون " (٧).

стр. 192

-" يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ" (آل عمران ٤٣)، يقول السمعاني: " إنما قدم السجود على الركوع؛ لأنه كان كذلك في شريعتهم، وقيل: لا بل الركوع قبل السجود في جميع الشرائع، وليست الواو للترتيب بل للجمع ... ، أي واركعي واسجدي، وإنما قال للراكعين ولم يقل للراكعات؛ ليكون أعم وأشمل، وقيل معناه مع المصلين في الجماعة " (١). -" وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ" (المرسلات ٤٨)، يقول السمعاني:"معناه: إذا قيل لهم صلوا لايصلون، وقيل: إنها نزلت في ثقيف استعفوا من الصلاة، وقيل: كانوا استعفوا من الركوع والسجود، فقال النبي: ﷺ لاخير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود" (٢). فالركوع عبادة عظيمة، فيها معنى الخضوع والذل: "وكانت العرب تسمي من آمن بالله تعالى ولم يعبد الأوثان راكعاً، ويقولون: ركع إلى الله، أي: اطمأن إليه خالصة" (٣). ويقول الراغب الأصفهاني: "الركوع: الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي، وتارة في التواضع والتذلل، إما في العبادة، وإما في غيرها" (٤). والخلاصة: أن السجود والركوع من أخص دلالات الخضوع، والتذلل، والتواضع لله جل وعلا، ولذا كانت الملائكة على ديمومة الركوع والسجود، كما جاء في الخبر عن النبي: ﷺ (ليس موضع قدم في السماء إلا وفيه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد) (٥) (٦). وهذا يبين بجلاء اهتمام الإمام السمعاني بتتبع المسائل العقائدية، وقضايا التوحيد وبيانها، والرد على المخالفات التي تنتابها.

стр. 193

٣ ـ الذكر (١): ناقش السمعاني فيه ثلاث مسائل: ١ - أهمية الذكر ومحله، ومدح أهله. ٢ - العموم والخصوص في إطلاق لفظ الذكر. ٣ - ما يشمله الذكر بمعناه الخاص، وذكر تحته: التسبيح والتحميد. ذكْرُ الله جل وعلا من أجل العبادات، وأسهل الطاعات، اشتركت فيه كل المخلوقات، وذكره تعالى قائم في كل الكائنات. ولما كان الذِكْر بهذه الميزة العظيمة، والمكانة الجليلة، والتي بها التفرقة بين القلب المعمور والقلب المهجور، تتبع الإمام السمعاني الآيات التي أشارت إلى فضل الذكر، وأصنافه، وأقسامه، وأنواعه، فأفاض-﵀ في بيانه، وأسهب في إيضاحه. وحَصْرُ ما ذكره السمعاني، وأشار إليه في هذا المقام، يُجمل في عدة مسائل: المسألة الأولى: أن الله جل وعلا أمر به، وحثَّ عليه، وبَيَّن الفضل المترتب عليه، وهي عبادة قلبية ولسانية، يقول السمعاني: "الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، هو ضد النسيان " (٢). ومن الآيات الآمرة بالذكر، والحاضة عليه، قول الله جل وعلا: " فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ" (البقرة ١٥٢)،ذكر الإمام السمعاني ثلاثة أقوال في المعنى المراد من الذكر (٣). الأول: بمعنى المدح والثناء عليه، ذكره الإمام الطبري عن الربيع، والسُدِّي (٤). الثاني: قيل معناه: فاذكروني كما أرسلنا، وضعف هذا القول الطبري في تفسيره (٥).

стр. 194

الثالث: قيل الذكر من العبد الطاعة، ومن الله المغفرة والرحمة، ومعناه: فاذكروني بالطاعة، أذكركم بالمغفرة والرحمة، وهذا القول روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، و"روي أن عبد الملك كتب إلى سعيد بن جبير في مسائل، فقال في جوابها: وتسأل عن الذكر، الذكر: طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكر الله، ومن لم يطعه فليس بذاكر، وإن أكثر التسبيح وتلاوة الكتاب، وتسأل عن قول الله تعالى: "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ" فإن ذلك: إن الله يقول: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي " (١). -" وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ" (البقرة ١٩٨)، يقول الإمام السمعاني:" أي: واذكروه بالتوحيد والتعظيم، كما ذكركم بالهداية " (٢). -"فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا " (البقرة ٢٠٠)، يقول الإمام السمعاني: " يعني: اذكروا الله بالتكبير، والتمجيد، والثناء عليه " (٣). -" وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا" (المزمل ٨)،يقول الإمام السمعاني: "قال مقاتل: إذا قرأت فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، عند افتتاح السورة، وقيل: اذكر ربك" (٤). -" وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" (الإنسان ٢٥)، يقول الإمام السمعاني: "أي بالغدو والعشي" (٥)، وقد فسر الإمام السمعاني قوله تعالى:" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا" (الفرقان ١٦٢)، بأن "من أراد ذكرا أو شكراً، فالليل والنهار زمانا الذكر والشكر" (٦). وقد أمر الله جل وعز بذكر الله على كل الأحوال، فقال:" فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ " (النساء ١٠٣)، "يعني الذكر بالتسبيح، والتهليل، والتحميد والتمجيد " (٧).

стр. 195

ولذا أثنى الله تعالى على الذاكرين في كل أحوالهم:"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ " (آل عمران ١٩١)، قيل معناه: "الذين يوحدون الله كل حال" (١). -"وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ" (الأحزاب ٣٥): هذه الآية ونحوها مما قيد فيه الذكر بالكثرة، مما رجح به العلماء الذكر على غيره من العبادات، وهذا السر في الذكر، الذي هو الإكثار من الدعاء، وقد ورد في عدة مواضع في الكتاب العزيز، يقول تعالى: -" إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا" (الأنفال ٤٥). -" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا" (الشعراء ٢٢٧). -" لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" (الأحزاب ٢١). -" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا" (الأحزاب ٤١). -" وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا" (الجمعة ١٠). يقول الإمام ابن جُزي: واعلم أن الذكر أفضل الأعمال على الجملة، وإن ورد في بعض الأحاديث، تفضيل غيره من الأعمال، كالصلاة وغيرها، فإن ذلك لما فيها من معنى الذكر، والحضور مع الله تعالى والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه: الأول: النصوص الواردة بتفضيله على سائر الأعمال. الوجه الثاني: أن الله تعالى حيث ما أمر بالذكر، أو أثنى على الذكر؛ اشترط فيه الكثرة، فقال:" وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا" (الأحزاب ٤١)،"وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا" (الأحزاب ٣٥)، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال. الوجه الثالث: أن للذكر مزية هي له خاصة وليست لغيره: وهي الحضور في الحضرة العلية، والوصول إلى القرب بالذي عبَّر عنه ماورد في الحديث من المجالسة والمعية، أن الله تعالى يقول: (أنا جليس من ذكرني) (٢)، وقد أشار السمعاني لهذا في تفسير قوله تعالى:" وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ " (العنكبوت ٤٥)، وذكر فيه ثلاثة أقوال:

стр. 196

الأول: ولذكر الله أكبر، أي: أفضل من كل الطاعات. والثاني: أي: ولذكر الله إياكم، أكبر من ذكركم إياه. والثالث: أي: ولذكر الله في الثواب، أكبر من ذكركم في الطاعة (١). وذكر الإمام السمعاني ضابط الذكر الكثير فقال: أ ـ أن يذكره في جميع المواطن على السراء والضراء (٢). ب ـ وقيل: حتى يذكره قائما، وقاعدا، ومضطجعا، رواه عن مجاهد (٣). ج ـ وقيل: الذكر الذي يستديم به طاعة الله، وينتهي به عن معصيته (٤). المسألة الثانية: إن لفظ الذكر يُطلق ويراد به العموم والخصوص، فالخصوص: كالأذكار، وقراءة القرآن، وكل ما يتعلق بذكر اللسان. والعموم: يُراد به كل طاعة وعبادة، ومن ذلك الصلاة، قال تعالى: (وأقم الصلاة لذكري)، قال السمعاني: فيه أقوال: أحدها: لتذكرني فيها (٥) إن لفظ الذكر يُطلق في القرآن، ويراد به الصلوات المفروضة، ومن ذلك ماحكاه الإمام السمعاني في قوله تعالى:" اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا" (الأحزاب ٤١)،فقال:" فيه قولان: احدهما: أن المراد بالذكر الكثير: هو الصلوات الخمس. الثاني: أن المراد بالذكر الكثير: هو التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وأشباهها، وهذه الأذكار هي التي لايُمنع منها مسلم بجنابة، ولا حدث، ولا بغير ذلك " (٦). وقوله تعالى:"فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ" (البقرة ٢٣٩)، يقول السمعاني: "يعني: كما علمكم من أصل الصلاة في حال الأمن" (٧). وذكر أئمة التفسير في معنى الآية قولاً آخر، وهو: الذكر بالثناء عليه، والحمد له (٨).

стр. 197

وقوله تعالى:" رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ" (النور ٣٧)، ويقول السمعاني: " فإن قيل: إذا حملتم ذكر الله على الصلوات الخمس، فما معنى قوله:" وَإِقَامِ الصَّلَاةِ"؟ قلنا معناه: حفظ المواقيت، ومن لم يحفظ المواقيت، فلم يُقم الصلاة" (١).وذكر الإمام الطبري هذا عن ابن عباس-﵄ (٢)، وروي عن ابن عمر-﵄ (٣)، وذكر أئمة التفسير أقوالا أخرى في معنى الذكر في الآية: فقيل: عن ذكره بأسمائه وصفاته، وقيل: عن الأذان (٤)، وقيل: عن ذكر الله باللسان (٥). وقوله تعالى:" فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (الجمعة ١٠)، وذكر السمعاني فيها قولان: الأول: الخطبة، والثاني: أنه الصلاة، وصحح الأول (٦). المسألة الثالثة: أن الذكر يشمل: التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، وغير ذلك. وقد ذكر السمعاني في تفسيره هذه المعاني، وأنها تدخل في عموم الذكر. ـ ففي قوله تعالى:" فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا" (النصر ٣)، قال: "والأصح أن معناه: اذكره بالتحميد والشكر لهذه النعمة العظيمة، فإن التسبيح هو بمعنى الذكر، فصار معنى الآية على هذا، فاذكر ربك بالتحميد والشكر" (٧). -وفي قوله تعالى:" يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... " (الجمعة ١)، يقول: ويُقال: التسبيح لله هو ذكر الله" (٨).

стр. 198

- وفي قوله تعالى:" وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى" (الأعلى ١٥)، يقول:"ويُقال: الذكر هو التكبير" (١)، وقد أفاض السمعاني في ذكر معاني هذه الأذكار، وبعض أحكامها، نُشير إلى بعضها إشارة: أ ـ التسبيح: التسبيح عبادة أهل السماوات والأرض (٢)، وهي كلمة تنزيه وتبرئة الرب عن السوء، والتنزيه: ألا يُوصف الرب بوصف لا يليق به. وقد عَرَّف السمعاني التسبيح بتعاريف متعددة، متقاربة، يجمعها معنى واحد، وهو الثناء على الله، وتعظيمه على وجه ينفي عنه كل سوء، فقال عن التسبيح: ـ " الثناء على الله بالتبرئة، والتنزيه من العيوب ". (٣) ـ " تعاظم بالأوصاف الحميدة عما يصفه به المشركون ". (٤) ـ " تنزيه الرب عن كل ما لا يليق ". (٥) ـ " تعظيم له، على وجه ينفي عنه كل سوء ". (٦) وفي قوله تعالى: " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) " (الأعلى ١)، يقول السمعاني:" " سَبِّحِ ": عظِّم ربك الأعلى، وقيل: نزه، وتنزيه الله ـ عز أسمه ـ الَّا يوصف بوصف لا يليق به ". (٧) وهذا ما عليه علماء اللغة والشرع في معنى التسبيح: يقول ابن الأنباري: " معنى سبحانك: تنزيها لك ربنا من الأولاد، والصاحبة، والشركاء، أي: نزهناك ". (٨) ويقول الإمام الخطابي: " فأما اشتقاقاته من اللغة، فمن قولك: سبحت الله، أي: نزهته من كل عيب، وبرأته من كل آفة نقص ". (٩)

стр. 199

وقد يأتي التسبيح بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى: " فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) (الروم ١٧) " وإنما سميت تسبيحاً؛ لأن التسبيح تعظيم الله، وتبرئته من السوء، والصلاة يوحد الله فيها، ويحمد، ويوصف بكل ما يبرئه من السوء. (١) وهذا كان قول الملائكة حين قالوا: " وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ " (البقرة ٣٠)، يقول السمعاني:" " وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ": هو التنزيه عن السوء، ومعناه: ونحن ننزهك عن الأضداد والشركاء " (٢) وذكر السمعاني أن التسبيح ورد في القرآن على وجوه متعددة (٣): ١ ـ ورد بمعنى الصلاة، قال تعالى: " فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ " (الصافات ١٤٣)، أي: من المصلين. ٢ ـ ورد بمعنى الاستثناء، قال تعالى: " قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ " [القلم ٢٨]، أي: تستثنون. ٣ ـ ورد بمعنى التنزيه، وهو قوله تعالى: " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ " (الإسراء ١). ٤ ـ ورد في الخبر بمعنى النور، وهو في الخبر الذي قال: " لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره ". (٤)، أي: نور وجهه. وأشار السمعاني إلى مسألة مهمة وهي: هل يمكن أن يُوصف أحد غير الله تعالى بـ (سبحان)؟ فأجاب قائلا: " وكلمة سبحان، كلمة ممتنعة لا يجوز أن يوصف بها غير الله؛ لأن المبالغة في التعظيم لا تليق لغير الله، ولا تتصرف كما تتصرف كثير من المصادر؛ لأنه لما لم يستقم الوصف به لغير الله، ولم تتصرف جهاته، لزم أيضاً منهاجاً واحداً في الصرف " (٥)، ونَقل عن علي ﵁ أنه قال: " هو اسم ممتنع، لاينتحله مخلوق ". (٦)

стр. 200

ولما كان التسبيح عظيماً؛ لأنه تنزيه للعظيم، كانت عبادة الملائكة قائمة على التسبيح، قال : " وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ " (الأنبياء ١٩)، أي: لا يعيون، قال كعب الأحبار: التسبيح لهم كالتنفس لبني آدم. وقوله تعالى: " يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ " (الأنبياء ٢٠)، يعني: يسبحون دائماً، لا يضعفون ولا يفنون، واعلم أنه ليس عند الملائكة ليل ولا نهار، وإنما المراد بذكر الليل والنهار هاهنا: هو الدوام على التسبيح ". (١) وقال جل وعز في موطن آخر: " وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ " (الزمر ٧٥)، يقول السمعاني: " ويُقال: إن هذا التسبيح تسبيح تلذذ لا تعبد " (٢)، ويقول جل وعلا: " يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ" (فصلت ٣٨)، يقول السمعاني: " أي: لا يملون، وعن كعب الأحبار أنه قال: التسبيح للملائكة كالنفس والطرف لبني آدم، فكما لا يلحق الآدمي تعب في الطرف والنفس، فكذلك لا يلحقهم التعب بالتسبيح ". (٣) ويقول جل وعلا: " وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ " (الشورى ٥)، يقول السمعاني: " أي: يصلون بحمد ربهم، ويُقال: ينزهون ربهم ". (٤) ولذا قال الله جل وعلا لنبيه عليه والصلاة والسلام في أكثر من مقام: " فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ " (الحاقة ٥٢) وغيرها، يقول السمعاني: " كأنه أرشده إلى الاشتغال بتنزيه الرب، وتسبيحه، وتقديسه، حين لزم الكفار الحجة ". (٥) ويقول في مقام آخر: " أي نزه ربك وعظمه، كأنه أرشده إلى الاشتغال بثنائه، وتسبيحه، وتقديسه؛ ليصل إلى درجة المقربين " (٦)

стр. 201

ويقول في مقام آخر: " أي: نزه ربك العظيم، واذكره بأوصافه المحمودة اللائقة " (١)، ثم نزه الباري جل وعلا نفسه في أكثر من موضع؛ أساء المشركون في قولهم، فقال : " فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ " (الأنبياء ٢٢)، يقول السمعاني: " نزه نفسه عما يصفه به المشركون من الشريك والولد " (٢)، وقال جل وعلا في موطن آخر: " وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " (النمل ٨)، فنزه الله نفسه، وهو المنزه عن كل سوء. (٣) ب ـ التحميد: الحمد لله رداء الرحمن، كما حكاه السمعاني عن الضحاك (٤)، فالله جل وعز له الحمد في الأولى والآخرة، كما قال تعالى: " وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ " (القصص ٧٠)، أي: في الدنيا والآخرة، ويقال: في السماء والأرض. (٥) وقال سبحانه في موطن آخر: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ " (سبأ ١)، قال السمعاني: " فيه قولان: أحدهما: أن معناه: له الحمد في الأولى والآخرة، على ما قال في موضع آخر، والقول الثاني: هو ما جاء من ذكر الحمد عن أهل الجنة، وهو في قوله تعالى: " وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " (يونس ١٠) " (٦) وقد أمر الله جل وعز بالحمد فقال سبحانه: " وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا " (الأسراء ١١١)، وقال جل وعلا:" قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى " (النمل ٥٩). وحمد الله نفسه، لعلمه بعجز المخلوقين إيفاءه جل وعلا تمام الحمد، فقال: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " (الفاتحة ٢).

стр. 202

وقد فَرَّق الإمام السمعاني بين الحمد والشكر، وذكر أن الحمد يأتي بمعنى الشكر على النعمة، ويأتي بمعنى التحميد والثناء على الأوصاف المحمودة، قال: " يُقال: حمدت فلاناً على ما أسدى إليَّ من النعمة. ويُقال: حمدت فلاناً على شجاعته وعلمه. وأما الشكر لا يكون إلا على النعمة؛ فللحمد معنى عام، وللشكر معنى خاص. فكل حامد شاكر، وليس كل شاكر حامداً " (١) وأشار السمعاني إلى فائدتين لطيفتين في الحمد: الأولى: بيان أن حمد الله تعالى لنفسه، يختلف عن حمد المخلوقين لأنفسهم؛ لأن حمد المخلوقين لا يخلو عن نقص؛ فلا يخلو مدحه نفسه عن كذب، فيقبح منه أن يمدح نفسه. وأما الله ﷻ بريء عن النقص والعيب؛ فكان مدحه نفسه حسناً. (٢) الثانية: أن قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، يحتمل معنيين: الإخبار، والتعليم: أما الإخبار، كأنه يُخبر أن المستوجب للحمد هو الله، وأن المحامد كلها لله تعالى. وأما التعليم، كأنه حمد نفسه، وعَلَّم العباد حمده، وتقديره: قولوا الحمد لله. (٣) وقال في تفسير قوله تعالى: " وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ "،: " فقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) معناه: احمدوا الله، ذكر الخبر بمعنى الأمر، وفائدته: الأمر بالحمد، وتعليم الحمد، فإنه لو قال: احمدوا الله، دعت الحاجة إلى بيان كيفية الحمد " (٤) فالحمد من أعظم الأذكار، ولذا حمد الله نفسه، فقال: " الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (النحل ٧٥)، يقول السمعاني: " ظاهر المعنى: أي: حمد نفسه على علمه وجهلهم، وقيل: معناه: قل الحمد لله على ما أوضح من الدليل، وبَيَّنَ من الحق، بل أكثرهم لا يعلمون، ويقال: الحمد لي فإني أنا المستحق للحمد، لا ما يشركون بي، بل أكثرهم لا يعلمون أني أنا المستحق للحمد " (٥).

стр. 203

القضية الثانية: التفاضل بين العبادات: لا شك أن التفاضل بين الأعمال له أصل في الشريعة، فليست النوافل كالفرائض، وليست الفرائض على حد سواء، وكذا النوافل فبعضها يفوق بعضا، فما يكون فاضلا في زمان ومكان، قد لا يكون فاضلا كذلك في زمان ومكان آخر. وقد أشار السمعاني إلى جملة من المفاضلات الواردة في الشريعة، مما له تعلق بهذا الباب، وذكر أربع مسائل: ١ - تفضيل الذكر على ما عداه. ٢ - تفضيل العلم على صلاة النوافل. ٣ - المفاضلة بين إخفاء الصدقات وإظهارها. ٤ - المفاضلة بين الطواف والصلاة لمن قدم مكة. المسألة الأولى: تفضيل الذكر على ما عداه: حكى السمعاني تفضيل بعض العلماء الذكر على كل الطاعات، واستدل بقوله تعالى: (ولذكر الله أكبر)، قال: والمعنى عند بعضهم: أي ولذكر الله أفضل من كل الطاعات، واحتج كذلك بما رُوي عنثابت البناني: أن رجلا أعتق أربع رقاب، وجعل آخر يذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل، ثم سسُئل عن ذلك جماعة من أهل العلم فقالوا: ذكر الله تعالى أفضل؛ لأن الله تعالى قال: (ولذكر الله اكبر) (١). وهذا المعنى الذي ذكره السمعاني صحيح، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره، أن ملازمة ذكر الله دائما هو أفضل ما شغل العبد به نفسه بالجملة ... والدلائل القرآنية والإيمانية بصرا وخبرا ونظرا على ذلك كثيرة (٢).

стр. 204

المسألة الثانية: تفضيل العلم على صلاة النوفل: حين تكلم السمعاني عن الفقه وفضله، حكى عن الإمام الشافعي تفضيل العلم على صلاة النافلة، فقال: وعن الشافعي أنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة (١)، وقد عقد الإمام ابن عبد البر بابا في تفضيل العلم على العبادة، وساق جملة من الأدلة على ذلك (٢)، ونُقل عن الإمام أحمد: أن طلب العم أفضل الأعمال لمن صحت نيته، قيل: فأي شيء تصحيح النية؟ قال: ينوي يتواضع فيه، وينفي عنه الجهل، ونقل ابن منصور أن تذاكر بعض ليلة أحب إلى أحمد من إحيائها (٣)، وقد ذكر الإمام ابن تيمية أن الاشتغال بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض يُعد من ذكر الله تعالى (٤). المسألة الثالثة: المفاضلة بين إظهار الصدقات وإخفائها: أشار السمعاني إلى المفاضلة بين الصدقات من جهة إظهارها وإخفائها، فذكر نوعي الصدقات الواجبة والمستحبة، ثم قال: صدقة التطوع الإخفاء فيها أفضل، واستدل بقوله تعالى: (إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)، على القول بأنها نزلت في صدقة التطوع، واستدل بما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: صدقة السر تفضل صدقة العلانية بسبعين ضعفا، والصحيح أن هذا مرو عن ابن عباس. وأما الزكاة الواجبة، فالأفضل فيها الإظهار، واحتج بما رُوي عن النبي ﷺ : صدقة العلانية تفضل صدقة السر بخمس وعشرين، والصحيح كذلك أنه مرو عن ابن عباس. وذكر قولا ثانيا في المسألة: وهو أن الإخفاء كان هو الخير والأفضل على عهد رسول الله ﷺ ، وأما في غيره من الأزمان، فالإظهار خير في الزكاة؛ لسوء الزمان، كيلا يساء الظن به (٥). هذا مجمل ما ذكره السمعاني في هذه المسألة، ومما يحسن ذكره تتميما في هذا المقام:

стр. 205

١ - أن الإمام الطبري وغيره حكوا الاتفاق على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء، وصدقة التطوع على العكس من ذلك (١). ٢ - يرى ابن عطية أن التستر بصدقة الفرض أولى، قال: ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها، وصار إخراجها عرضة للرياء (٢)، وتعقبه ابن رجب فقال: وهذا الذي تخيله ابن عطية ضعيف؛ فلو كان الرجل في مكان يترك أهله الصلاة، فهل يُقال: إن الأفضل ألا يُظهر صلاته المكتوبة (٣). ٣ - حكى بعضهم عن النقاش أنه يقول بنسخ هذه الآية بقوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية)، وتعقبه ابن رجب قائلا: ودعوى النسخ ضعيف جدا، وأن معنى هذه الآية، كمعنى الآية قبلها، إن النفقة تُقبل سرا وعلانية (٤). والمسألة فيها تفصيل واسع، ليس هذا المقام مقامه، لكن المقصود هنا الإشارة والإشادة بجهود السمعاني في هذا الباب، الذي يصب في بيان أهمية توحيد العبادة.

стр. 206

المطلب الثالث: أدلة إثبات استحقاق الألوهية لله تعالى: القرآن الكريم مليء بالدلالات والشواهد، التي تدل على استحقاق الباري جل وعلا للعبادة، وانتفائها عمن سواه، يقول التفتازاني (١): " وبالجملة فنفي الشركة عن الألوهية، ثابت عقلاً وشرعاً، وفي استحقاق العبادة شرعاً، " وَمَا أُمِرُوا إِلَّالِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ " (التوبة ١١) (٢)، ويقول المقريزي:" وأعلم أن من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة له وحده، عقلاً، وشرعاً، وفطرة، فمن جعل ذلك لغيره، فقد شبَّه الغير بمن لا شبيه له، ولشدة قبحه، وتضمنه غاية الظلم، أخبر من كتب على نفسه الرحمة، أنه لا يغفره أبداً ". (٣)

стр. 207

وسبق أن أشرنا إلى أن استحقاق الألوهية هي من لوازم الإقرار بالربوبية، وأن توحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية (١)، يقول الشيخ علي القاري (٢): " ثم المقصود من كلمة التوحيد، نفي كون الشيء يستحق العبودية، وإثبات الربوبية لمن له استحقاق الألوهية، وإلا فالكفار كانوا عارفين للوجود، ومغايرته لما سواه " (٣)، وهي من الأدلة التي استدل بها السمعاني لإثبات الألوهية، وقد عرض الإمام السمعاني لهذه المسألة، وظهر صنيعه في تقريرها من عدة جهات: الجهة الأولى: إثبات وحدانية الرب جلّ وعلا، وانفراده بمقام الإلهية الحقة: وقد أظهر السمعاني هذا المعنى جليا من خلال تتبعه لنصوص القرآن، الدالة على استحقاق الرب للإلهية، وإنفراده بها، ومن تلك النصوص: ١/ يقول الله تعالى:" شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّاهُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (آل عمران ١٨)؛ يقول السمعاني:" شَهِدَ اللَّهُ" أي: بين وأعلم، وكل شاهد مبين ومعلم،" أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ"لنفسه بالوحدانية، وذلك أن وفد نجران قد أنكروا وحدانيته،" وَالْمَلَائِكَةُ"أي: وشهدت الملائكة،" وَأُوْلُوا الْعِلْمِ": قيل هم علماء بني إسرائيل، وقيل عنهم المهاجرون والأنصار، وقيل: هم جميع علماء الأمة " (٤).

стр. 208

وقص الله تعالى ماجرى لنبيه وخليله إبراهيم ﵇ في دعوة قومه، ومحاربته للوثنية وعبادة الأصنام، وذكر الرب جل وعز حكاية إبراهيم وشهادته له وشهادته باستحقاق العبودية لله وحده دونما سواه، قال تعالى:" قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ" (الأنبياء ٥٥ - ٥٦)، يقول السمعاني: وقوله:" وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ"أي: على أنه الإله الذي لايستحق العبادة غيره، وأن الأصنام ليست بآلهة " (١)، ونقل السمعاني عن بعض المفسرين أن معنى اسم الله المؤمن أنه شهد لنفسه بالوحدانية (٢). ٢/ وقوله تعالى:" وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (الأعراف ٥٤)، يقول السمعاني: " أي تعالى بالوحدانية " (٣). ٣/ ولما حكى الله جل وعلا، ما اختلق المشركون له من البنين والبنات، نزه الرب بعدها نفسه، وأكد ذلك بنعت الوحدانية في الذات والصفات والأفعال، واستحقاق العبادة وحده دونما سواه، فقال جلّ شأنه:" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" (الأنعام ١٠٢)، ويقول السمعاني: " وأكد ماسبق ذكره من نعوت الوحدانية،" فاعبدوه" أي: فأطيعوه " (٤). ٤/وأكد الله جل وعز: معنى الوحدانية والأحدية وعدم جواز الشركة في استحقاق العبودية، في أكثر من مقام، فيقول جل وعلا:" وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ" (البقرة ١٦٣)، يقول السمعاني: " وحقيقة الواحد: هو المنفرد الذي لانظير له ولاشريك " (٥).

стр. 209

ويقول الطبري: " فمعنى قوله:" وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ" والذي يستحق عليكم أيها الناس الطاعة له، ويستوجب منكم العبادة، معبود واحد، ورب واحد، فلا تعبدوا غيره، ولا تشركوا معه سواه، فإن من تشركون معه في عبادتكم إياه، هو خَلْقٌ من خَلْقِ إلهكم مثلكم، وإلهكم إله واحد لامثيل له ولا نظير " (١). ٥/ وقد حكى الله جل وعز احتجاج يوسف ﵇ للرجلين بوحدانية الله وعلى بطلان الأرباب المتفرقة فقال سبحانه:" يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ" (يوسف ٣٩ - ٤٠)، فهنا بين يوسف ﵇ أحقية الواحد الغالب على كل شيء، ونفي الخيرية عما سواه مطلقا، يقول السمعاني:" خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ"الواحد: الغالب على كل شيء، والمراد نفي الخيرية منهم أصلا " (٢). ويقول الطبري في معنى هذه الآية: " أعبادة أرباب شتى متفرقين، وآلهة لاتنفع ولا تضر، خير أم عبادة المعبود الواحد، الذي لاثاني له في قدرته وسلطانه، الذي قهر كل شيء، فذَلَّلَه وسخره، فأطاعه طوعا وكرها " (٣)، وقوله تعالى:" أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ" هي الدلالة على استحقاقه جل وعز على العبودية على خلقه أجمعين، يقول الطبري: " وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميع خلقه، إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصة دون كل ماسواه من الأشياء ... عن أبي العالية قال: أسَّسَ الدين على الإخلاص لله وحده لاشريك (٤). ٦/قوله تعالى:" لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ" (الأنبياء ٢٢).

стр. 210

اختلف المفسرون في هذه الآية من جهتين: الأولى: في معنى قوله:" إِلَّا اللَّهُ"،والثانية: هل هذه الآية دلالتها على توحيد الربوبية أم توحيد الألوهية؟! فأما المسألة الأولى: فقد بين السمعاني الخلاف في معنى قوله::" إِلَّا اللَّهُ" (١)، وذكر أن أكثر أهل التفسير على أن "إلا" هنا بمعنى غير كما قال الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمرو أبيك إلا الفرقدان يعني غير الفرقدين، وهذا على ما اعتقدوه من دوام السماء والأرض. وذهب بعضهم إلى أن معنى" إِلَّا اللَّهُ"، أن"إلا" هنا بمعنى "الواو" ومعناه: لو كان فيهما آلهة والله أيضا لفسدتا، وهذا المقصود منه إثبات وحدانية الله تعالى، على أن يكون له شريك يعارضه في ملكه. وذهب الفراء إلى أن"إلا" بمعنى سوى، ويكون المقصود منه، إبطال عبادة غيره لعجزه عن أن يكون له إلها؛ لعجزه عن قدرة الله. فالنحويون كلهم قالوا:"إلا" هنا ليست باستثناء، ولكنه على ما بعده صفة للآلهة في معنى (غير) (٢). وأما المسألة الثانية: فإن العلماء مختلفون في دلالة هذه الآية الكريمة، على الوحدانية أم على الإلهية؟ قولان: الأول: أنها دالة على الوحدانية، وهو الذي ذهب إليه عامة المتكلمين، ولذلك ساقوا في هذا المقام دليل التمانع، وجعلوه كالتفسير للآية؛ لأن خلاصة دليل التمانع إثبات وحدانية الله في الخلق والإيجاد، فهذا الدليل قرروا به توحيد الربوبية؛ لأنه مُعَلَّقٌ بالقدرة على الفعل أوالعجز، وجعلوا الآية الكريمة دليلا على ماساقوه من هذا الدليل. مع أن هذا الدليل في ذاته مستقيم، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ورد على من خالفه (٣)، إلا أنه ناقش في دلالته على الربوبية (٤).

стр. 211

وكذا ذهب إلى هذا المعنى بعض المفسرين، وجعلوا المراد من الفساد: اختلال نظام المخلوقات، ومن ذهب لهذا، الإمام السمعاني، فقد قال: ومعنى الفساد في السماء والأرض، إذا كان الإله اثنين، هو فساد التدبير، وعدم انتظام الأمر، بوقوع المنازعة والمضادة، وهو أيضا معنى قوله تعالى:" وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ " (المؤمنون ٩١) (١). ومما يدل على اختياره هذا، هو أن هذه الآية مسوقة لبيان وحدانية الله تعالى، هو تفسيره لقوله جل وعلا:" قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا" (الإسراء ٤٢)، فقد نقل فيها قولان، ثم قال: " والآخر وهو الأصح: إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا بالمفازة والمغالبة وطلب الملك، وهذا مثل قوله تعالى:" لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا " " (٢). الثاني: أن الآية دالة على توحيد العبادة أصالة، وإنما تدل على الربوبية من جهة التضمن، وبهذا المعنى فسر الآية الإمام الطبري فقال: " لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله، الذي هو خالق الأشياء، وله العبادة والألوهية التي لا تصلح إلا له، لفسدتا، يقول: لفسد أهل السماوات والأرض " (٣)،وإلى هذا ذهب الإمام ابن تيمية، وفيها يقول: " في هذه الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشيء عن عبادة ماسوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته، من جهة غاية أفعالهم، ونهاية حركاتهم، وما سوى الله لا يصلح، فلو كان فيهما معبود غيره، لفسدتا من هذه الجهة " (٤). واستدل هؤلاء كما يقول شارح الطحاوية، بأن الله جل وعلا، أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل أرباباً (٥)، فدل على الفرق لتباين المقصود، والمراد من اللفظين المدلولين. والفرق بين القولين:

стр. 212

أن أصحاب القول الأول جعلوا الآية إنما سيقت أصالة في إثبات وحدانية الرب وتفرده بالربوبية والتدبير، ثم هي تدل بدلالة اللزوم على استحقاق الرب جل وعلا للعبادة وحده دونما سواه. وأن أصحاب القول الثاني: فقد جعلوا الآية سيقت أصالة في إثبات توحيد العبادة، ثم هي تدل بدلالة التضمن على وحدانية الرب جل وعلا. وترتب عليه الفرق في معنى الفساد: فعلى القول الأول: يصير معنى الفساد المذكور في الآية هو اختلال النظام بوقوع المنازعة والمضادة. وعلى القول الثاني: يصير معنى الفساد هو الفساد المعنوي المناقض للصلاح، المتعلق بأفعال العباد وأحوالهم، ولا صلاح لنظام الكون إلا بالحق والعدل والتوحيد، فلو كانت هناك آلهة تعبد بحق؛ لأصبح الشرك عدلاً، والكفر صلاحاً، وهذا من أعظم الفساد (١). والخلاف في هذه الآية كالخلاف في آيةالإسراء (٤٢):" قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا"فقد ذكر السمعاني في معناها قولبن: أحدهما: إذن لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه، والآخر: إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا بالمفازة والمغالبة وطلب الملك، وقال السمعاني: " وهو الأصح " (٢). وقد ذهب إلى القول الأول: الذي يدل على أن المقصود من الآية، الدلالة على توحيد الإلهية، الإمام الطبري (٣)، ورجحه الإمام ابن تيمية (٤). في حين ذهب أكثر المفسرين إلى القول الثاني: القاضي بأن الآية سيقت لاستحقاق الوحدانية، وهذا المنقول عن جماعة من السلف (٥)،، ولعل الأقرب والله أعلم هو أن سياق الآيتين ومقصودهما الأساس في توحيد العبادة مع تضمنهما لتوحيد الربوبية لما سبق ذكره. الجهة الثانية: الاستدلال بنقص الآلهة الباطلة وعجزها عن استحقاق الألوهية: وهذه الدلالة جاءت على عدة صور: الأولى: نقصها من جهة الكمال الذي يتصف به الإله:

стр. 213

ولذا فإن القرآن أبان عوار هذه المعبودات، وسقوطها عن درجة الحق فضلا عن الاستحقاق للعبودية، وجاء هذا بينا في هذه النصوص الشريفة: يقول الله تعالى: حاكيا قصة عبادة بني اسرائيل للعجل:" أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَايُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا " (طه ١٤٨)، يقول السمعاني: " وهذا دليل على أن الله متكلم، لم يزل ولا يزال؛ لأنه استدل بعدم الكلام من العجل على نفي الإلهية." وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا " أي: طريقا،" اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ" بوضع الإلهية في غير موضعها " (١). وفي قصة إبراهيم ﵇ مع قومه حين خرجوا إلى عيد لهم، فلما خرجوا وبقي إبراهيم وحده عمد إلى بيت أصنامهم ودخله، وكان الطعام موضوعا بين أيديهم، فقال: " أَلَا تَأْكُلُونَ" هذا على طريقة الإنكار على المشركين؛ لأنهم كانوا قدموا الطعام إليهم ليأكلوا، فقال: ... " مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ"أي: لا تتكلمون، وهذا أيضا مذكور على طريقة الإنكار، فلما جاء قومه فرأوا من تكسير أصنامهم مأغاظهم، وجيء بإبراهيم فسألوه عن هذه الفعلة، فقال:" أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات ٩٥ - ٩٦) أي من هذه الأصنام، فإذا كان الله خلقها فلا يصلح أن تتخذوها آلهة (٢).

стр. 214

وقال في مقام آخر:" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ" (الأنبياء ٦٣ - ٦٥) فلما أقروا ورجعوا إلى فكرهم وعقولهم، وعرفوا أن عبادة الأصنام لاتدفع عن نفسها فضلاً عن غيرها، ثم اعترفوا بعجز الآلهة المزعومة، بأنها لاتنطق فكيف نسألهم، حينها قال لهم إبراهيم" أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (الأنبياء ٦٦ - ٦٧) (١). وفي مقام آخر يبين لقومه عن حقيقة الأصنام وضعفها وعدم نفعها، قال تعالى:" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ" (الشعراء ٦٩ - ٧٤)، إذن أقروا واعترفوا بعجز هذه الأصنام، يقول السمعاني: معناه: أنها لاتسمع أقوالنا، ولا تجلب إلينا نفعا، ولا تدفع عنا ضرا، لكن اقتدينا بآبائنا (٢). وفي هذا دلالة واضحة بينة على أن الإله الذي يستحق أن يعبد هو من اتصف بصفات الكمال، من الإيجاد والإمداد والإعداد، يقول تعالى:" أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ" (الأنبياء ٢١)، يقول السمعاني: " أي: يحيون، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم؛ لأنه الإنعام بأبلغ وجوه النعم، وهذا لايليق بوصف البشر وكل محدث" (٣). الثانية: بيان عجزها وعدم استحقاقها للألوهية من جهة إفلاسها التام عن التصرف في الكون، أو نصرة معبوديها:

стр. 215

معلوم أن الأصنام والمعبودات الباطلة، لا تشفع ولا تدفع، ولا تضر ولا تنفع. وقد ذكر القرآن الكريم هذه الجهات التي ربما تعلق بها العابدون، فطمستها وأظهرت عوارها. قال الله تعالى:" قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍا" (سبأ ٢٢)، فالله جل وعلا نفى عن هذه المعبودات الملك، فقال:" لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ"أي: لاتملك وزن ذرة من النفع والضر، والذرة هي النملة الحمراء (١)، ونفى الشركة فقال: " وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ"أي: مال للآلهة التي تدعون من دون الله شركة في السموات والأرض (٢)، ونفى المعين فقال:" وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍا" أي معين. ولذا يقول الإمام ابن القيم: "فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسدت بها عليهم الباب، أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود؛ لما يرجوا من نفعه، وإلا فلو كان لايرجوا منفعة منه فلا يتعلق قلبه به أبدا، وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود إما مالكاً للأسباب التي ينتفع بها عابده، أو شريكاً لمالكها، أو ظهيرا أو وزيراً أو معاونا له، أو وجيها ذا حرمة وقدر، يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده " (٣).
следующие страницы →