← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وكذا ذهب إلى هذا المعنى بعض المفسرين، وجعلوا المراد من الفساد: اختلال نظام المخلوقات، ومن ذهب لهذا، الإمام السمعاني، فقد قال: ومعنى الفساد في السماء والأرض، إذا كان الإله اثنين، هو فساد التدبير، وعدم انتظام الأمر، بوقوع المنازعة والمضادة، وهو أيضا معنى قوله تعالى:" وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ " (المؤمنون ٩١) (١). ومما يدل على اختياره هذا، هو أن هذه الآية مسوقة لبيان وحدانية الله تعالى، هو تفسيره لقوله جل وعلا:" قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا" (الإسراء ٤٢)، فقد نقل فيها قولان، ثم قال: " والآخر وهو الأصح: إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا بالمفازة والمغالبة وطلب الملك، وهذا مثل قوله تعالى:" لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا " " (٢). الثاني: أن الآية دالة على توحيد العبادة أصالة، وإنما تدل على الربوبية من جهة التضمن، وبهذا المعنى فسر الآية الإمام الطبري فقال: " لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله، الذي هو خالق الأشياء، وله العبادة والألوهية التي لا تصلح إلا له، لفسدتا، يقول: لفسد أهل السماوات والأرض " (٣)،وإلى هذا ذهب الإمام ابن تيمية، وفيها يقول: " في هذه الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشيء عن عبادة ماسوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته، من جهة غاية أفعالهم، ونهاية حركاتهم، وما سوى الله لا يصلح، فلو كان فيهما معبود غيره، لفسدتا من هذه الجهة " (٤). واستدل هؤلاء كما يقول شارح الطحاوية، بأن الله جل وعلا، أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل أرباباً (٥)، فدل على الفرق لتباين المقصود، والمراد من اللفظين المدلولين. والفرق بين القولين:

стр. 212

أن أصحاب القول الأول جعلوا الآية إنما سيقت أصالة في إثبات وحدانية الرب وتفرده بالربوبية والتدبير، ثم هي تدل بدلالة اللزوم على استحقاق الرب جل وعلا للعبادة وحده دونما سواه. وأن أصحاب القول الثاني: فقد جعلوا الآية سيقت أصالة في إثبات توحيد العبادة، ثم هي تدل بدلالة التضمن على وحدانية الرب جل وعلا. وترتب عليه الفرق في معنى الفساد: فعلى القول الأول: يصير معنى الفساد المذكور في الآية هو اختلال النظام بوقوع المنازعة والمضادة. وعلى القول الثاني: يصير معنى الفساد هو الفساد المعنوي المناقض للصلاح، المتعلق بأفعال العباد وأحوالهم، ولا صلاح لنظام الكون إلا بالحق والعدل والتوحيد، فلو كانت هناك آلهة تعبد بحق؛ لأصبح الشرك عدلاً، والكفر صلاحاً، وهذا من أعظم الفساد (١). والخلاف في هذه الآية كالخلاف في آيةالإسراء (٤٢):" قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا"فقد ذكر السمعاني في معناها قولبن: أحدهما: إذن لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه، والآخر: إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا بالمفازة والمغالبة وطلب الملك، وقال السمعاني: " وهو الأصح " (٢). وقد ذهب إلى القول الأول: الذي يدل على أن المقصود من الآية، الدلالة على توحيد الإلهية، الإمام الطبري (٣)، ورجحه الإمام ابن تيمية (٤). في حين ذهب أكثر المفسرين إلى القول الثاني: القاضي بأن الآية سيقت لاستحقاق الوحدانية، وهذا المنقول عن جماعة من السلف (٥)،، ولعل الأقرب والله أعلم هو أن سياق الآيتين ومقصودهما الأساس في توحيد العبادة مع تضمنهما لتوحيد الربوبية لما سبق ذكره. الجهة الثانية: الاستدلال بنقص الآلهة الباطلة وعجزها عن استحقاق الألوهية: وهذه الدلالة جاءت على عدة صور: الأولى: نقصها من جهة الكمال الذي يتصف به الإله:

стр. 213

ولذا فإن القرآن أبان عوار هذه المعبودات، وسقوطها عن درجة الحق فضلا عن الاستحقاق للعبودية، وجاء هذا بينا في هذه النصوص الشريفة: يقول الله تعالى: حاكيا قصة عبادة بني اسرائيل للعجل:" أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَايُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا " (طه ١٤٨)، يقول السمعاني: " وهذا دليل على أن الله متكلم، لم يزل ولا يزال؛ لأنه استدل بعدم الكلام من العجل على نفي الإلهية." وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا " أي: طريقا،" اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ" بوضع الإلهية في غير موضعها " (١). وفي قصة إبراهيم ﵇ مع قومه حين خرجوا إلى عيد لهم، فلما خرجوا وبقي إبراهيم وحده عمد إلى بيت أصنامهم ودخله، وكان الطعام موضوعا بين أيديهم، فقال: " أَلَا تَأْكُلُونَ" هذا على طريقة الإنكار على المشركين؛ لأنهم كانوا قدموا الطعام إليهم ليأكلوا، فقال: ... " مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ"أي: لا تتكلمون، وهذا أيضا مذكور على طريقة الإنكار، فلما جاء قومه فرأوا من تكسير أصنامهم مأغاظهم، وجيء بإبراهيم فسألوه عن هذه الفعلة، فقال:" أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات ٩٥ - ٩٦) أي من هذه الأصنام، فإذا كان الله خلقها فلا يصلح أن تتخذوها آلهة (٢).

стр. 214

وقال في مقام آخر:" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ" (الأنبياء ٦٣ - ٦٥) فلما أقروا ورجعوا إلى فكرهم وعقولهم، وعرفوا أن عبادة الأصنام لاتدفع عن نفسها فضلاً عن غيرها، ثم اعترفوا بعجز الآلهة المزعومة، بأنها لاتنطق فكيف نسألهم، حينها قال لهم إبراهيم" أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (الأنبياء ٦٦ - ٦٧) (١). وفي مقام آخر يبين لقومه عن حقيقة الأصنام وضعفها وعدم نفعها، قال تعالى:" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ" (الشعراء ٦٩ - ٧٤)، إذن أقروا واعترفوا بعجز هذه الأصنام، يقول السمعاني: معناه: أنها لاتسمع أقوالنا، ولا تجلب إلينا نفعا، ولا تدفع عنا ضرا، لكن اقتدينا بآبائنا (٢). وفي هذا دلالة واضحة بينة على أن الإله الذي يستحق أن يعبد هو من اتصف بصفات الكمال، من الإيجاد والإمداد والإعداد، يقول تعالى:" أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ" (الأنبياء ٢١)، يقول السمعاني: " أي: يحيون، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم؛ لأنه الإنعام بأبلغ وجوه النعم، وهذا لايليق بوصف البشر وكل محدث" (٣). الثانية: بيان عجزها وعدم استحقاقها للألوهية من جهة إفلاسها التام عن التصرف في الكون، أو نصرة معبوديها:

стр. 215

معلوم أن الأصنام والمعبودات الباطلة، لا تشفع ولا تدفع، ولا تضر ولا تنفع. وقد ذكر القرآن الكريم هذه الجهات التي ربما تعلق بها العابدون، فطمستها وأظهرت عوارها. قال الله تعالى:" قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍا" (سبأ ٢٢)، فالله جل وعلا نفى عن هذه المعبودات الملك، فقال:" لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ"أي: لاتملك وزن ذرة من النفع والضر، والذرة هي النملة الحمراء (١)، ونفى الشركة فقال: " وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ"أي: مال للآلهة التي تدعون من دون الله شركة في السموات والأرض (٢)، ونفى المعين فقال:" وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍا" أي معين. ولذا يقول الإمام ابن القيم: "فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسدت بها عليهم الباب، أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود؛ لما يرجوا من نفعه، وإلا فلو كان لايرجوا منفعة منه فلا يتعلق قلبه به أبدا، وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود إما مالكاً للأسباب التي ينتفع بها عابده، أو شريكاً لمالكها، أو ظهيرا أو وزيراً أو معاونا له، أو وجيها ذا حرمة وقدر، يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده " (٣).

стр. 216

وقال الله جل وعز:" قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (الأحقاف ٤)، يقول الإمام السمعاني: "ومعناه: أنه ليس لهم شرك لا في خلق الأرض ولا في خلق السماء: أي نصيب، فكيف تُعبد مع الله؟ " (١)، ولذا عقب جل وعلا على المشركين بقوله:" وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ" (الأحقاف ٥)، فهذه الأصنام لا يسمعون دعاءَهم وإن دعوا، فالمراد: كيف يعبدون الأصنام، ولو دعوهم لم يستجيبوا لهم، ولم يسمعوا كلامهم (٢) وقال جل وعلا:" قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا" (الإسراء ٥٦)، يقول السمعاني مبيناً وجه دلالة نقص هذه الآلهة وعجزها وعدم استحقاقها لوصف الإلهية: "روي أن المشركين لما قحطوا حتى أكلوا الجياف والكلاب استغاثوا بالنبي ﷺ ليدعو لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣)، ثم قال: "لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ"أي كشف الجوع والقحط عنكم،"وَلَا تَحْوِيلًا"أي: لايملكون نقل الحال، وتحويلا من السقم إلى الصحة، ومن الجدب إلى الخصب، ومن العسر إلى اليسر " (٤)، فأين هي من استحقاق الإلهية. وقال جل وعلا:" أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ" (الأنبياء ٤٣) فالآلهة الباطلة المزعومة، أحقر من أن تضر نفسها فتمنع عن نفسها، فضلا من أن تمنع عن معبوديها،" وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ" أي: يجاورون (٥).

стр. 217

ويقول جل وعلا موضحا هذا المعنى ومقررا إياه:" أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ" (الأعراف ١٩١)،أي: الأصنام لايخلقون شيئا بل هم مخلوقون،" وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ" (الأعراف ١٩٢)،" إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (الأعراف ١٩٣). ... يقول السمعاني: "فإن قال قائل: كيف تكون الأصنام عباد أمثالنا؟ ... والصحيح أنه في الأصنام، وهم عباد أمثال الناس في العبادة، وعبادتهم التسبيح، وللجمادات تسبيح كما نطق به الكتاب (١) ... "فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"وهذا لبيان عجزهم، ثم أكده يقول:" أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ" (الأعراف ١٩٥) ثم بين الباري جل وعلا وجها آخر من أوجه عجزهم فقال:" وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ" (الأعراف ١٩٧)، وفي هذه الآية بين جل وعلا، عجز هذه الأصنام من جهات: ١ - من جهة كونهم مربوبين مخلوقين ليس لهم من الأمر شيء. ٢ - ومن جهة أنهم مسخرون مذللون مسبحون لله تعالى. ٣ - ومن جهة عدم دفعهم عن أنفسهم فضلا عن غيرهم. ٤_ومن جهة فقدهم لآلات القدرة، إذ العابدون أكبر قدرة من المعبودين؛ لامتلاكهم لهذه الآلات والجوارح التي تكون بها القدرة. وقال تعالى في مقام آخر:" وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ " (يس ٧٤)،أي: تدفع عنهم العذاب، ثم قال سبحانه مبينا عجزها:" لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ" (يس ٧٥)،أي: أي لاتستطيع الأصنام دفع العذاب عنهم (٢)، ومع ذلك يحضرون يوم القيامة مع أصنامهم ويدخلونها سويا.

стр. 218

ويقول ﷻ :" وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا" (مريم ٨)،أي: منعة ومعنى المنعة: أنهم يمتنعون بها من العذاب، فقال جل وعلا:" كَلَّا "أي: ليس الأمر كما زعموا،" سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ"، والمعنى: أن الأصنام والملائكة يجحدون عبادتهم ويتبرؤون منهم (١)، كما قال تعالى:" وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ" (النحل ٨٦)، وهذا من قول الأصنام للمشركين:" إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ" في أنا دعوناكم إلى عبادتنا، أو في قولكم: إن هؤلاء آلهة، أو في قولكم: إنا نستحق العبادة، ولذا قال تعالى:" وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ " أي: استسلم العابد والمعبود لله " وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ" أي: بطل عنهم ماكانوا يكذبون، وحقيقة المعنى: أنه فات عنهم مازعموه، فإنه كان فرية وكذبا (٢)، ومن هنا ختم الله سبحانه الآية السابقة بأن هذه المعبودات تنقلب ضدا على معبوديها كما قال:" وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا" قيل: بلاء، وقيل: أعداء (٣). الجهة الثالثة: أن هذه المعبودات مع معبوديها في النار: كما قال جل وعلا:" إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ" (الأنبياء ٩٨) أي: داخلون، ثم يذكر جل وعلا وجه ضعفهم وعدم استحقاقهم للعبادة فيقول:" لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ" (الأنبياء ٩٩).

стр. 219

وما شأن المعبودات التي عبدت من دون الله وهي غير راضية كالملائكة والمسيح وعزير؟ فقد ذكر الله أنهم عنها مبعدون فقال:" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ" (الأنبياء ١٠١)، وأن هؤلاء المشركون الذين جادلوا النبي ﷺ في شأن هذه المعبودات كانوا يعرفون أن المراد: الأصنام ولكن كما حكى الله عنهم:" مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" (الزخرف ٥٨)، قال السمعاني: "يعني أنهم قالوا ماقالوا، خصومة ومجادلة بالباطل، وإلا قد عرفوا أن المراد هم الأصنام" (١).

стр. 220

وذكر السمعاني توجيها لبعض النحويين، أن هذه الآية خاصة بالأصنام فلا تشمل غيرهم من حيث العربية، فقال:"وزعم قطرب وجماعة من النحويين أن الآية ما تناولت إلا الأصنام من حيث العربية؛ لأن الله تعالى قال:" وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ" وهذا يقال فيما لايعقل، وأما فيما يعقل فيقال:"ومن تعبدون من دون الله" " (١)،وإلى هذا مال الطبري في تفسيره، فقال:" وليس الذين سبقت لهم منا الحسنى هم عنها مبعدون؛ لأنهم غير معنيين بقولنا:" إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ" " (٢)، وبهذا رد الطبري قول من يقول:"إن " هنا بمعنى"إلا" إلاستثنائية (٣)، فقال: "فأما قول الذين قالوا: ذلك استثناء من قوله" إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ" فقول لامعنى له؛ لأن الاستثناء إنما هو إخراج المستثنى من المستثنى له، ولا شك أن الذين سبقت لهم منا الحسنى إنما هم إما ملائكة، وإما إنس أو جان، وكل هؤلاء إذا ذكرتها العرب فإن أكثر ماتذكرها بمن، لابما والله تعالى ذكره، إنما ذكر المعبودين الذين أخبر أنهم حصب جهنم بما قال:" إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ"إنما أريد به ماكانوا يعبدونه من الأصنام والآلهة من الحجارة والخشب لا من الملائكة والإنس " (٤). الجهة الرابعة: أن هذه المعبودات من إفك الكفار وصنعهم: يقول تعالى:"إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (العنكبوت ١٧). واختلف المفسرون في معنى قوله:" وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا "على قولين (٥): الأول: أي وتصنعون كذبا وهذا مروي عن ابن عباس ﵄.

стр. 221

والثاني: أي وتنحتون إفكا، وهو مروي عن ابن عباس وقتادة، بمعنى: أنكم تنحتون الأصنام بأيديكم وتعبدونها، وحُكى أن بني حنيفة اتخذوا صنما من الحيس-وهو التمر مع السمن-ثم إنه أصابتهم مجاعة فأكلوه، قال الشاعر: أكلت حنيفة ربها ... زمن التفحم والمجاعة لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والتباعة وعلى كلا القولين: هو بيان لعجز الآلهة المزعومة، فعلى القول الأول: أنهم صنعوا كذبا، ولذا سميت الأصنام إفكا؛ لأنهم سموها آلهة. وعلى القول الثاني: كيف تعبدون أصناما تنحتونها بأيديكم. الجهة الخامسة: بيان عجز الأصنام بضرب الأمثال: وهذا في القرآن كثير: فقد ضرب الله تعالى المثل، ببطلان عبادة الأصنام واستحقاق الإلهية لله وحده لاشريك له، بأشياء كثيرة، كالذباب والعنكبوت، وبالأحرار والعبيد فقال : ١/" يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ" (الحج ٧٣). بينت هذه الآية عجز الأصنام من جهتين: الأولى: أنهم لو اجتمعوا برمتهم فهم أعجز وأحقر من أن يخلقوا ذبابا، فمن كان عاجزا عن خلق ذباب، فهو غير مستحق للعبادة، وإنما ذكر الذباب؛ لخسته ومهانته وضعفه (١)، فأراد أن يُعلمهم أن العبادة إنما تكون للخالق المُنشِيء، دون المخلوق المُنْشَأ (٢).

стр. 222

الثانية: عجزهم عن استنقاد ما استلبه الذباب منهم من الطعام أو الطيب، ومن كان كذلك بحيث لا يستطيع دفع أذية أحقر الحيوانات وأضعفها، فهو غير جدير بالعبودية. ولذا قال جل وعز:" ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ" قال ابن عباس: الطالب: آلهتهم، والمطلوب: الذباب، إذن: فكيف يُجعل مثل في العبادة ويشرك فيها مع الله تعالى، ما لاقدرة له على خلق الذباب، ولا استنقاذ ماسلبته اياه، والشأن أن الله تعالى هو الخالق المالك المحيي المميت، الذي بيده مقاليد كل شيء، ولا شك في أن فاعل هذا في غاية الجهل، ولذا فهؤلاء لم يعظموا الله حين أشركوا معه غيره (١). ٢/" مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" (العنكبوت ٤١). وهذا من أوضح البراهين، وأكبر الأدلة، على عدم استحقاق هذه الآلهة المزعومة للعبادة وإنما هي مستحقة لمن بيده الضر والنفع، والمنع والعطاء، فهؤلاء المشركون أضعف ماكانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء، فلم يستفيدوا منهم إلا ضعفا على ضعفهم، وكذا كل من تعزز بغير الله تعالى، لم يحصل مقصوده، وهذا من أحسن الأمثلة وأدلها على بطلان الشرك، وعلى خسران صاحبه (٢). وقد بين الإمام السمعاني وجه هذا المثل، على بطلان استحقاق المعبودات للإلهية، فقال:"وإنما مثّل عبادة الأصنام ببيت العنكبوت؛ لأن بيت العنكبوت لايقي حرا ولا بردا، وكذلك عبادة الأصنام لاتجلب نفعا ولا تدفع ضرا،" وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"أي: لو كانوا يعلمون أن عبادة الأصنام لا تغني شيئا، كما علموا أن بيت العنكبوت لايدفع شيئا " (٣).

стр. 223

٣/ وقال تعالى:" ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (النحل ٧٥) فهنا ضرب الله جل وعلا المثل لنفسه وللصنم الذي عُبد من دون الله، فالعبد المملوك أراد به الصنم، وقوله:" ومَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا"ضرب مثلا لنفسه، على معنى أنه الجواد الرزاق الذي يعطي من حيث يعلمه العبد، ومن حيث لايعلمه، ومضمون هذا التفسير منقول عن مجاهد (١). وجه هذا المثل كما يقول الزجاج: " إن الاثنين المتساويين في الخلق، إذا كان أحدهما مقتدرا على الإنفاق مالكا، والآخر عاجزا لايقدر على أن ينفق لا يستويان، فكيف بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل، وبين الله عزوجل الذي هو على كل شيء قدير، وهو رازق جميع خلقه، فبين لهم أمر ضلالتهم، وبُعدهم عن الطريق في عبادتهم الأوثان " (٢). ثم زاد الله عزوجل في البيان فقال: ٤/" وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (النحل ٧٦)، قال السمعاني: "والمراد من الآية ضرب مثلا آخر لنفسه وللأصنام، فالأول هو الصنم، والمراد من قوله:" وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ"هو الله تعالى،" وقوله:" عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ"؛ لأن الله تعالى على طريق الحق وليس عنه معدل (٣)، ومعنى هذا المثل: "هل يستوي القادر التام التمييز، والعاجز الذي لايحس ولا يأتي بخير، فكيف يسوون بين الله وبين الإحجار" (٤)، ومضمون هذا التفسير منقول عن قتادة (٥).

стр. 224

إذن: فكل مايعبد من دون الله تعالى ليس عليه حجة ولا سلطانا، يقول تعالى:" وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ" (الحج ٧١). يقول السمعاني:" " مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا" أي حجة، وقوله:" وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ " يعني أنهم فعلوا مافعلوا عن جهل لا عن علم " (١). وقال :" وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا " (الأعراف ٣٤)، والمراد بها الأصنام والأوثان وكل ماعبد من دون الله، والسلطان: الحجة والبرهان (٢)، يقول الإمام القرطبي: "ومعنى هذا أنه لم تثبت عبادة الأوثان في شيء من الملل، ولم يدل عقل على جواز ذلك " (٣)، "وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم " (٤). وقد ساهم السمعاني بهذا التتبع والاستقراء للنصوص الشرعية، في إغلاق الباب على كل مدع للألوهية لغير الله تعالى، فمن نظر في هذه الأزمان إلى كثرة المعبودات الباطلة، عرف سخافة العقول وعمق جهلها، واتباعها للهوى، وقد قيل: ما من معبود في السماء والأرض أعظم من الهوى (٥). المطلب الرابع: نواقض توحيد الإلهية: بعد أن بين السمعاني معالم هذا النوع من التوحيد، وطوف بنا في جوانبه ونواحيه، وأظهر حقائقه ومراميه، انبرى ثانيا ليُبرز ما يُناقض هذا النوع من التوحيد، وبالنظر لصنيع السمعاني، وتتبع أقواله، تبين أنه ساهم في بيان الخلل، وسد الزلل، الوارد على هذا النوع من التوحيد، وأظهر خطورته التي تنقض عُرى التوحيد. وهو بهذا البيان يُشير إلى وجب أخذ الحيطة والحذر، والبعد كل البعد عن هذه النواقض، وببيانها تتميز أضدادها. ومن النواقض التي ساقها السمعاني:

стр. 225

١ - الشرك بالله تعالى، ولما كان الشرك بالله تعالى أعظم الذنوب، أفاض في شأنه، وجاء على أصله وفرعه بالنقض، وقد انتظم كلام السمعاني في هذه المسألة في عدة أمور: - بيان حقيقة الشرك. ١ - بيان خطورة الشرك وقبحه. ٢ - الإشارة إلى بعض صور الشرك، ومن الصور التي ناقشها السمعاني: (السحر- الكهانة- الطيرة - التنجيم). ٣ - اتباع الهوى. ٤ - الغلو في الدين. ٥ - موالاة الكفار والركون إليهم. ٦ - اتباع الكفار وما كانوا عليه. والنواقض: جمع ناقض أو ناقضة، وناقض الشيء ونقيضه: ما لا يمكن اجتماعه معه، والنقض: إفساد ما أبرمت من حبل وبناء، وهو اسم فاعل من نقض الشيء إذا أفسده، فنواقض التوحيد مفسداته، والنقض متى أُضيف إلى الأجسام يُراد بها إبطال تأليفها، ومتى أُضيفت إلى المعاني يُراد به إخراجه مما هو المطلوب به، والنقض حقيقة في البناء، واستعماله في المعاني مجاز، وعلاقته الإبطال (١). المسألة الأولى: نواقض توحيد الإلهية: أولا: أكبر ناقض للتوحيد، وهادم لمعالمه، وطامس لحقيقته، ومغير لصفاته، الشرك بالله تعالى ولذا كان من أعظم الذنوب التي لايغفرها الله جل وعلا، قال تعالى:" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ " (النساء ٤٨)، وإنما كان الشرك أعظم الذنوب لأمور: ١/لأنه أقبح القبح، وأظلم الظلم، إذ مضمونه تنقيص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به، كما قال تعالى:" ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ" (الأنعام ١). ٢/ ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته، والذل له، والإنقياد لأوامره الذي لاصلاح للعالم إلا بذلك.

стр. 226

٣/ولأن الشرك تشبيه المخلوق بالخالق تعالى وتقدس في خصائص الإلهية، من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء، والخوف والرجاء، والتوكل، وأنواع العبادة كلها بالله وحده، فمن علق ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لايملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فضلا عن غيره شبيها بمن له الخلق (١). ولذا أمر الله جل وعز بتوحيده، ونهى عن الشرك، وبين خطورته وشدة جرمه، قال تعالى: ... " فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ" (الزمر ٢)، والإخلاص هو التوحيد (٢)، ثم قال:" أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ" (الزمر ٣)،"أي الدين الذي ليس فيه شرك هو لله، أي: واقع برضاه، وأما الدين الذي فيه شرك فليس لله، وإنما ذكر هذا؛ لأنه قد يوجد دين، ولا توحيد ولا إخلاص منه، ويقال: "أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ "، يعني هو ينبغي أن يوحد، ولا يشرك به سواه، وهذا لاينبغي لغيره " (٣). وفي السابق كذا أمر الله نبيه إبراهيم وابنه اسماعيل ﵉ بتطهير بيته فقال:" أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ" (البقرة ١٢٥)، يقول السمعاني: " يعني من الشرك والأوثان " (٤)، وجعل الله جل وعلا النجاة لمن اتقى الشرك، قال تعالى:" وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ" (فصلت ١٨)، يقول السمعاني: "أي يتقون الشرك " (٥). وخص الآخرة بمن اتقاه، قال تعالى:"وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ" (الزخرف ٣٥)،يقول السمعاني: "أي للمتقين من الشرك والمعاصي " (٦)، وقال تعالى:" مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ " (محمد ١٥)، يقول السمعاني: "ومعناه: وعد المتقون من الشرك " (٧).

стр. 227

ولذا أمر الله جل وعلا بتوحيده، والاستغفار من الشرك، قال سبحانه:" قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ" (فصلت ٦)، يقول السمعاني: " " فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ " أي: توجهوا إليه بالطاعة والعبادة، وقوله "وَاسْتَغْفِرُوهُ " أي من الشرك الذي أنتم عليه (١). ومن المواطن التي أمر الله جل وعلا باتقاء الشرك قوله تعالى:" بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (البقرة ٧٦)، يقول السمعاني:" " مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى" قال ابن عباس: واتقى الشرك،" فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ"الموحدين " (٢). وأخبر جل وعلا أنه إنما أنزل القرآن الكريم؛ ليوحد وليتقى الشرك، قال سبحانه:"وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا" (طه ١١٣)، يقول السمعاني:" " لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"أي يتقون الشرك والمعاصي " (٣). وكانت هي لب دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى:" وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ " (النحل ٣٦)،يقول السمعاني: " أي وحدوا الله واجتنبوا الأصنام" (٤)، وجاء على ألسنة الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم:"فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ" (الشعراء ١٠٨)، يقول السمعاني:" أي: اتقوا الله بترك الشرك، وأطيعون فيما أمركم به " (٥).

стр. 228

ومن هنا ورد الثناء العاطر لأهل التوحيد، قال تعالى:" التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ" (التوبة ١١٢)، يقول السمعاني: "التائبون: هم الذين تابوا من الشرك، وقيل: هم الذين تابوا من جميع المعاصي، والعابدون: هم الذين عبدوا الله بالتوحيد، وقيل: بسائر الطاعات " (١)، ولذا كانت خاتمة مطاف الموحدين:" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ" (النحل ٣٢)، يعني: طاهرين زاكيين من الشرك، وقيل إن وفاتهم تقع طيبة سهلة (٢). ثانيا: ومن نواقض هذا النوع من التوحيد إتباع الهوى المفضي إلى التعدي على الخصائص الإلهية، من استحقاق التفرد في العبودية، قال تعالى:" أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا" (الفرقان ٤٣)، " قال أهل التفسير: كان من اتخاذهم أهواءهم آلهتهم، أن الواحد منهم كان يعبد الحجر، فإذا رأى حجرا أحسن منه طرح الأول وأخذ الثاني وعبده، وفي بعض الأثار: مامن معبود في السماء والأرض أعظم من الهوى، وعن بعضهم قال: هو الطاغوت الأكبر " (٣). وقال تعالى:" أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" (الجاثية ٢٣)، قال قتادة في معنى الآية: لايهوى شيئا إلا ركبه فهو يعبد هواه، وقيل:" اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ" أي: أطاع هواه وأنقاد له كما ينقاد العبد لمعبوده (٤). والهوى: كل ماتدعو إليه شهوة النفس لا الحجة (٥)، لذا نهى الله أهل الكتاب عنه فقال:" قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا ... " (المائدة ٧٧).

стр. 229

وقد بين الله جل وعلا أن من أسباب عدم الاستجابة لدعوة الأنبياء، اتباع الهوى، قال تعالى: "فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ " (القصص ٥٠)، يقول السمعاني: "واتفق أهل المعرفة أن الهوى مرد مهلك" (١)، ولذا كان أفضل الجهاد مخالفة الهوى (٢). والخلاصة: أن الهوى مهلك، وكما قيل: هو أعظم معبود، ولذا كان من نواقض توحيد العبادة، ونعى الله عزوجل على المنافقين اتباعهم للهوى، قال تعالى:" وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ" (محمد ١٦)، يقول السمعاني: " والمراد من الآية وفائدتها، هو منع المسلمين أن يكونوا مثل هؤلاء وبيان حالهم للمؤمنين" (٣). وكانت نتيجة كبح الهوى جنة المأوى، قال تعالى:" وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى" (النازعات ٤٠ - ٤١)، يقول السمعاني: "نهى النفس عن الهوى، أي: عما هواه ويشتهيه على خلاف الشرع،" فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى"أي: منزله ومأواه الجنة" (٤). ونتيجة من ركب هواه واتبع شهوته،" فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا" (الإنشقاق ١١ - ١٣)، يقول السمعاني: " أي لم يحزن للتقصير في أوامر المسلمين، ولم يتعب ولم ينصب في العمل بطاعة الله، ويقال:" كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا"أي: راكبا هواه متبعا شهوته" (٥).

стр. 230

والهوى: بهذا الاعتبار مختص بالأراء والاعتقادات؛ لأن هناك فرقا بين الهوى والشهوة، فالهوى ماذكرنا، والشهوة مختصة بنيل المستلذات، فصارت الشهوة من نتائج الهوى، والهوى أصل وهو أعم (١). والهوى يعمي صاحبه ويصمه، ويسقطه في عواقب المهلكات، ولذلك العاقل من يتفكر في عواقب الهوى، فينظر كم فضيلة فوتها، وكم رذيلة واقعها، والعاقل من يتفكر في ضدها، من اكتساب الجميل في الدنيا، وسلامة النفس والعرض، والأجر في الآخرة (٢). فالهوى مذموم، قال ابن عباس: ماذكر الله تعالى الهوى في موضع إلا ذمه (٣)، وورد ذكر الإله على الهوى المتبع (٤)، كما قال تعالى:" أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ" (الجاثية ٢٣)، والإنسان بحاجة لمجاهدة هواه، وهو لايخلو عن أحوال ثلاثة: ١/أن يغلبه الهوى، فيملكه ولا يستطيع له خِلافاً، وهو حال أكثر الخلق. ٢/أن يكون الحرب بينهم سجالاً تارة لها اليد، وتارة عليها اليد، فهذا الرجل من المجاهدين. ٣/أن يغلب هواه فيصير مستوليا عليه لايقهره بحال من الأحوال، وهذا هو الملك الكبير، والنعيم الحاضر، والحرية التامة، والخلاص من الرق (٥). والخلاصة: أن الهوى مخرج عن هذا النوع من التوحيد، فكل من اتبع هواه فقد اتخذه معبودا، وإذا تأملت عرفت أن عابد الصنم لا يعبده إنما عبد هواه، وهو ميل نفسه إلى دين آبائه فيتبع ذلك الميل (٦)، ولذا كان أضل الضلال: اتباع الظن والهوى (٧).

стр. 231

ثالثا: ومن نواقض هذا النوع من التوحيد، الغلو في الدين: نهى الله عزوجل أهل الكتاب عن الغلو في الدين؛ لأنه من أسباب تضييع الشرائع، وخفاء الحق وظهور التفرق، فقال:" يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ" (النساء ١٧١)، فكان من أثار هذا الغلو، أن قصرت اليهود في حق عيسى، وجاوزت النصارى فيه الحد، حتى جعلته إلها معبودا من دون الله تعالى (١). وقد بين السمعاني هذا المصطلح من جه حَدِّه، ودليله، وخطورته. أ/فأما حَّدُه فقال: الغلو: مجاوزة الحد (٢)، وجَعَل الاستكبار عن العبادة هو نوع من الغلو، قال تعالى:" وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا" (النساء ١٧٢) يقول السمعاني: " أن الاستنكاف: هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار هو الغلو والتكبر من غير أنفه" (٣)، وفسر العتو بالغلو، قال تعالى:" فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ" (الأعراف ٧٧)، يقول السمعاني: " العتو: الغلو في الباطل" (٤). وهذا الذي عَرَّف به السمعاني الغلو، هو ماتعارفته كتب اللغة والمعاجم، فقد نصت على هذا المعنى وتوارثته: يقول الأزهري: " غلا في الدين، يغلوا غلوا: إذا جاوز الحد " (٥). ويقول ابن منظور: " أصل الغلاء: الارتفاع، ومجاوزة القدر في كل شيء، وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حَدَّه" (٦) .. وبين ابن الأثير معناه من جهة أخرى فقال: "وقيل معناه: البحث عن مواطن الأشياء، والكشف عن عللها، وغوامض متعبداتها " (٧). ويقول الإمام ابن تيمية في تعريف الغلو: " مجاوزة الحد، بأن يزاد الشيء في حده، أو ذمه على مالايستحق ونحو ذلك " (٨).

стр. 232

ومن مسائل الفضل بن زياد: للإمام أحمد، أنه قال: كتبت إلى أبي عبدالله أسأله عن حديث ابن عباس: (إياكم والغلو)، مامعنى الغلو؟: فأتاني بالجواب: يغلو في كل شيء، في الحب والبغض (١). فدين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، فمن جفا فقد فرَّط، ومن غلا فقد أفرط، فمن جفا عن كمال الامتثال، أو غلا وجاوز كمال الامتثال، فقد وافق هوى الشيطان، ولذا "ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط من الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين: فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه: مضيع له هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد " (٢). ب/وأما دليله: فقد استدل السمعاني ببعض النصوص الواردة في السنة المؤيدة للقرآن، الناهية عن الوقوع في الغلو في الدين، ومجاوزة الحد فيه، فاستدل (٣) بحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو) (٤)، يقول الإمام ابن القيم تعليقا على الحديث: "عام في جميع أنواع الغلو بين الاعتقاد والأعمال" (٥)، وقد جاء في السنة المطهرة ما يوافق هذا المعنى ويعضده، فعن عبدالله ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (هلك المتنطعون) قالها ثلاثا (٦). قال ابن الجوزي: "التنطع: التعمق والغلو، والتكلف لما يؤمر به" (٧).

стр. 233

وقال ابن الأثير: "هم المتعمقون والمغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم اُستعمل في كل تعمق، قولا وفعلا" (١). وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر له كماتقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) (٢)، وهنا يعلق الإمام ابن القيم فيقول: "والغلو نوعان: نوع يخرج صاحبه من كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالحجرات الكبار، التي يرمى بها في المنجنيق، أو سعى بين الصفا والمروة عشراً، إلى نحو ذلك عمدا، وغلو يخاف منه الانقطاع والإستحسار، كقيام الليل كله، وسرد لصيام الدهر أجمع، بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد" (٣). ج/ وأما خطورته: فهو الذي أوقع اليهود والنصارى في الغلو في المسيح ﵇، ولذا يقول السمعاني: "الغلو غير محمود في الدين" (٤)، ويقول: "وهو مذموم وكذلك التقصير، ودين الله بين الغلو والتقصير" (٥). ويقول ابن القيم مبينا خطورة الغلو: "ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جُعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه" (٦).

стр. 234

ويقول الإمام ابن تيمية: "وكما أن الغلو في غير الرسول ﷺ فيه قدح في منصب الرسول، وما خصه الله به، وهو أحد أصلي الإسلام، فكذلك الغلو في غير الله، فيه قدح فيما يجب لله من الألوهية وفيما يستحق من صفاته، فمن غلا في البشر أو غيرهم، فجعلهم شركاء في الألوهية أو الربوبية فقد عدل بربه وأشرك به وجعل له نداً " (١) .. والغلو في المخلوق درجات فيترقى إلى درجة الشرك، يقول ابن القيم في تعداد الكبائر: "ومنها الغلو في المخلوق حتى يتعدى به منزلته، وهذا قد يرتقي من الكبيرة إلى الشرك" (٢). والذي أمر الله جل وعلا به في هذا المقام: هو الاستقامة على شرعه، كما قال جل وعلا:" فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ" (هود ١١٢)، يقول السمعاني: "معنى الاستقامة يعني: المداومة على موجب الأمر والنهي " (٣)، ثم نهاه عن ا لطغيان فقال: " وَلَا تَطْغَوْا "، وقد ذكر السمعاني في توجيهها قولين: أحدهما: ولا تطغوا في الاستقامة يعني: لاتزيدوا على ما أمرت ونهيت، فتحرموا ما أحل الله، وتكلفوا أنفسكم مالم يشرعه الله، ولم يفعله الرسول وأصحابه، والمعنى الثاني: الطغيان: هو البطر لزيادة النعمة (٤) ..

стр. 235

رابعا: ومن نواقض هذا النوع من التوحيد: موالاة الكفار والركون إليهم: موالاة الكفار والركون إليهم، فيه مضادة لما أمر الله جل وعز، فالله أمر بعدائهم، ونهى عن موالاتهم، والركون إليهم، قال تعالى:" لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ" (الممتحنة ١)، هذه الآية وإن كان نزولها، بسبب ماجرى من حاطب بن أبي بلتعة ﵁، إلا أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما يقول أهل التفسير، والذي يدل عليه، هو ذكر الأسوة الحسنة في إبراهيم الخليل ﵇ بعد هذه الآية فقال تعالى:" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ " (الممتحنة ٤)، يقول السمعاني: "المعنى في الكل: أنه أمرهم بأن يتأسوا بإبراهيم في التبرؤ من المشركين، وترك الموالاة معهم" (١). ويدل عليه قوله تعالى في آخر السورة:" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ" (الممتحنة ١٣)، يقول السمعاني: "فيه رجوع إلى قصة حاطب، وتأكيد النهي عن موالاة الكفار، وقيل إن الآية عامة" (٢) .. وقال تعالى:" لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً " (آل عمران ٢٨)، يقول السمعاني: "هذا في قوم مخصوصين أسلموا على موالاة اليهود والمشركين، فنهاهم الله عن ذلك، وهو معنى قوله:"لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" (المجادلة ٢٢) " (٣).

стр. 236

وقال سبحانه ناهياً عن اتخاذ المشركين أولياء:" وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (النساء ٨٩)، يقول السمعاني: "" فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ"، منعهم عن الموالاة معهم" حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ"أي: حتى يسلموا" (١). وقال تعالى:" يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ " (النساء ١٤٤)، يقول السمعاني: "في الآية نهي عن موالاة المؤمنين مع الكفار" (٢). وقال تعالى:" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا" (المائدة ٥٥)، يقول السمعاني:" قوله تعالى:" إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ"هذا راجع إلى قوله:" لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ "لمَّا منعهم من موالاة اليهود والنصارى دعاهم إلى موالاة الله ورسوله" (٣). والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد بين السمعاني الحد المحرم في الموالاة فقال في تفسير قوله تعالى:" وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ" (هود ١١٣):" الركون: هو المحبة والمودة والميل بالقلب، وعن أبي عالية الرياحي قال: هو الرضا بأعمالهم، وعن السدي قال: هو المداهنة معهم، وعن عكرمة قال: هو طاعتهم" (٤).

стр. 237

والنهي عن موالاة الكفار عامة، إلا في الموارد التي خصصتها الشريعة من جهة التعامل بالحسنى كما قال تعالى:" لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة ٨)؛ ففي هذه الآية رخصة من الله جل وعز في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من ديارهم، وهذا لا يدل على الموالاة بل هو نوع بر أمرت به الشريعة، يقول الواحدي: "وهذا يدل على جواز البر بين المسلمين والمشركين، وإن كانت الموالاة منقطعة" (١). وحكى السمعاني في تفسير هذه الآية، إن هذا الحكم كان قبل نزول آية السيف، ثم نسخت بآية السيف (٢)، إلا أن هذا القول لم يرتضه الطبري، ورجح أن الآية محكمة، وأن المقصود بهم جميع الأصناف الملل والأديان، وقال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُني بذلك:" لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ"من جميع أصناف الملل والأديان، أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم، إن الله عزوجل عَمَّ بقوله:" الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ" جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأنه بر المؤمن من أهل الحرب فمن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب، غير محرم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح" (٣).

стр. 238

خامسا: ومن نواقض هذا التوحيد: اتباع الآباء على ماكانوا عليه: وكان هذا من أسباب رد التوحيد الحق، قال تعالى:" وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَايَهْتَدُونَ" (البقرة ٧٠)، إذن: كيف يتبعون آباءهم وآباؤهم لايعقلون شيئا ولا يهتدون؟ وفي هذا نهي عن تقليد الآباء في الدين (١). وقال عن المشركين في قصة إبراهيم الخليل:" بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ" (الزخرف ٢٢)، يقول السمعاني:"" عَلَى أُمَّةٍ"أي: على ملة ودين، وقوله:" وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ"أي متبعون" (٢)، ثم قال تعالى:" وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ" (الزخرف ٢٣)، يقول السمعاني: وفي الآيتين دليل على ذم التقليد، والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة" (٣)، وقال ابن الجوزي: "وفي هذه الآية إبطال القول بالتقليد" (٤)، ويقول الرازي:" لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد، وذلك لأن الله تعالى بين أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلي ولا بطريق نقلي، ثم بَيَّن أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف، وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في معرض الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل" (٥).

стр. 239

إذن: فتقليد الآباء داء قديم، حكاه الباري في كتابه في أكثر من موضع، وشاهده في قصة إبراهيم مع قومه لما دعاهم إلى توحيد الله تعالى، بم أجابوه حين قال لهم:" مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ" (الأنبياء ٥٢)،" قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ" (الأنبياء ٥٣)، معناه: وجدناهم كذلك فاتبعناهم (١)، فرد عليهم خليل الرحمن قائلاً:" قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" (الأنبياء ٥٤)، أي: في خطأ بيّن وفي خسران في عبادتها؛ لأنها جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم (٢)، فهم اقتدوا بهم على طريق التقليد في عبادتها (٣)،فلم تكن لهم حجة إلا صنيع آبائهم الضُلال (٤). والشاهد: أن المشركين: يسوغون شركهم بأسباب وهمية، وطرق واهية، وهي لاتقوم على أساس من برهان أو دليل أو حجة، وليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك، سوى تقليد الأسلاف بأنهم كانوا على دين وملة، ولكن تشابهت قلوب أهل الشرك وتقاربت مقالاتهم (٥). وهذا المقام وجد في قوم إبراهيم حكاه الله في القرآن في سورة أخرى، فهم يقولون تلك الحجة الباطلة، والمقالة الفاسدة:" قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ" (الشعراء ٧٤)، فهم أقروا واعترفوا أن هذه المعبودات لاتسمع أقوالا، ولا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرا، وإنما فقط هو مجرد الاقتداء الفاسد، يقول السمعاني عن هذه الآية:"واستدل أهل العلم بهذا على أن التقليد لا يجوز" (٦)

стр. 240

المسألة الثانية: معنى الشرك، وخطورته، وصوره: ١/ تعريف الشرك في اللغة: يقول السمعاني: "الإشراك: هو الجمع بين الشيئين في المعنى" (١)، يُقال: "الشِّرك والشِّركة بكسرهما وضم الثاني بمعنى واحد، وهو مخالطة الشريكين وقد اشتركا وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، والاشتراك هنا بمعنى التشارك. ويجمع الشريك على شركاء، والشرك يكون بمعنى الشريك وبمعنى النصيب" (٢)، وفي المصباح المنير: "والشرك: اسم من أشرك بالله، إذا كفربه" (٣)، وفي النهاية لابن الأثير:" يقال شركته في الأمر أشركه شركة، والاسم: الشرك، وشاركته إذا صرت شريكة، وقد أشرك بالله فهو مشرك إذ جعل لله شريكا" (٤)، ويقول الراغب في مفرداته: "الشركة والمشاركة خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعداً، عينا كان ذلك الشيء أو معنى" (٥). إذن: فالشرك في اللغة: مصدر شركته في الأمر أشركه (٦)، فمدلول كلمة الشرك لها أكثر من معنى، فتطلق على التسوية والنصب، والخالطة والمصاحبة، وغيرها فهو من الألفاظ المشتركة. ٢/ تعريف الشرك في الاصطلاح: يقول السمعاني في تعريف الشرك وبيان حقيقته: "هو أن يجمع مع الله غير الله فيما لايجوز إلا لله" (٧)، ويقول ابن قتيبة (٨) في تعريف الشرك: "الشرك بالله هو أن يجعل له شريك" (٩)، ويقول ابن تيمية: "الإشراك: أن يُجعل لله ند فيما يختص به من العبادة أو التوكل" (١٠).

стр. 241

ويقول الراغب في مفرداته: "وشرك الإنسان في الدين ضربان: أحدهما: الشرك العظيم: وهو إثبات شريك لله تعالى: يقال: أشرك فلان، وذلك أعظم الكفر. والثاني: الشرك الصغير: وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق" (١). ولفظ الشرك يأتي في القرآن على معان (٢): ١ ـ بمعنى الإشراك بالله تعالى، ومنه:" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ " (النساء ٤٨) ٢ ـ بمعنى الشرك في الطاعة، ومنه: " وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " (الكهف ١١٠) ٣ ـ بمعنى الشرك مع أحد في أمر، ومنه:" أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ " (الأحقاف ٤) ٤ ـ بمعنى الشريك المعروف، ومنه: " فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ " (الزمر ٢٩) ٥ ـ بمعنى الشريك إبليس، ومنه:" جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا" (الأعراف ١٩٠) ٦ ـ بمعنى الأوثان والأصنام، ومنه:" فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ " (القلم ٤١). وهنا يلاحظ أن تعريف الشرك شامل لأنواع التوحيد الثلاثة؛ لأن بعضهم عرفه فقال: والشرك الكفر، فالشرك يسري إلى الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. وهذا فيه رد على من حصر الشرك في الربوبية دون الألوهية، فبعضهم حصر تعريف الشرك بقيود مخالفة لدعوة الرسل أصالة؛ لأن الأنبياء إنما جاؤوا لدعوة الناس إلى التوحيد الخالص، الذي كان مشوباً عند المشركين بشائبة الشرك والمساواة، والذي يدل عليه ماحكاه الله جل وعلا عن قوم إبراهيم أنهم يقولون:" قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ" (الشعراء ٩٦ - ٩٨)، يقول السمعاني: "هذا قولهم للأصنام، ومعناه: نعدلكم برب العالمين" (٣).

стр. 242

وقد عرفه بعض المتأخرين:" بأنه عبارة عن أن يجعل العبد مع الله أحدا شريكا في الربوبية، والخلق والتدبير والإيجاد والإحياء والإماتة، واعتقاد الاستغلال فيه بالنفع والضر بنفسه وبذاته، ونفوذ المشيئة له لامحالة، وتأثيره في الكائنات من تلقاء نفسه بدون حاجة إلى الله تعالى" (١)، وهذا بحد ذاته يسقط وقوع الشرك في العبادة؛ لأن العبادة على هذا التعريف مالم تكن مقرونة بهذه القيود فليست عبادة، ولا يقع فيها الشرك، ولو كان في صورة عبادة كالسجود، والاستغاثة ونحوها. وهذا لاشك أنه تعريف فاسد باطل؛ لمضادته لدعوة الرسل، وهو ذريعة ووسيلة لفتح باب الشرك في الأمة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الشرك نوعان: شرك في الربوبية: بأن يجعل لغيره معه تدبيرا ما، وشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة" (٢). وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام ابن تيمية كثيراً في كتبه ورسائله وردوده على المخالفين، ونقل عن بعضهم بأن التوحيد الذي يعتقدونه هو توحيد الإقرار والخالقية التي لايشاركه فيه أحد، وظنوا أن هذا هو غاية التوحيد، وظنوا أن شرك العرب إنما هو في الربوبية، أي: أن الآلهة شاركت الله تعالى في الخلق، وبسبب ذا كثر الشرك في بني آدم (٣). ويقول في مقام آخر: "فأما الشرك في الإلهية فهو: أن يجعل لله ندا، أي: مثلاً في عبادته، أو محبته، أو خوفه، أو رجائه، أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لايغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو الذي قاتل عليه رسول الله ﷺ مشركي العرب" (٤)، وهذا المعنى قرره السمعاني، وهو أن الشرك كما يكون في الربوبية والأسماء والصفات، يكون في الألوهية، وهو ما سيتبين في المسائل القادمة التي تحدثت عن خطورة الشرك، وبيان بعض صوره.

стр. 243

وللعلماء تقسيمات متعددة للشرك: ١/ ينقسم باعتباره شركا أكبر وأصغر وخفيا: إلى ثلاثة أقسام: [أكبر-أصغر-خفي]. ٢/ وينقسم من جهة أخرى إلى أنواع: ١ ـ وشرك الاستقلال: وهو إثبات إلهية مستقلين كشرك المجوس. ٢ ـ وشرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى. ٣ ـ وشرك التقريب: وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى كشرك متقدمي الجاهلية. ٤ ـ وشرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعا للغير كشرك متأخري الجاهلية. ٥ ـ شرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة والطبائعيين. ٦ ـ وشرك الأغراض: وهو العمل لغير الله. " فحكم الأربعة الأولى: الكفر بإجماع، وحكم السادس: المعصية من غير كفر بإجماع (١)،

стр. 244

وحكم الخامس: التفصيل: فمن قال: في الأسباب العادية إنها تؤثر بطبعها فقد حُكي بالإجماع على كفره، ومن قال: إنها تؤثر بقوة أودعها الله فيها فهو فاسق، والقول بأن لا تأثير لشيء في شيء أصلا، وما يرى من ترتيب الأثار على الأشياء، إنما هو بطريق إجراء العادة، بأن يخلق الله الأثر عقب مايظن به سببا مبنيا على أصل الأشعري ... ، ولا يخفى أنه يتضمن كثيرا من الفسادات، مثل: الجبر، والظلم، وخلو بعثة الأنبياء من الفائدة" (١). ٣/ خطورة الشرك: الشرك خطير بكل أنواعه، إلا أن الشرك الذي لايغفره الله تعالى إذا مات عليه العبد، ويكون مورده إلى النار، مع حبوط العمل في الدنيا، هو الشرك الأكبر الذي أخبر الله عنه فقال: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ " (النساء ٤٩)، ويقول:" وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" (الزمر ٦٥)، وقال تعالى:" وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأنعام ٨٨)، يقول السمعاني: " " لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" أي: لبطل، الحبوط، البطول، وهذا مثل قوله:" لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ" " (٢). والشرك جاء وصفه في القرآن الكريم بأوصاف منفرة، تدل على خطورته، وشدة قبحه، وتنبئ عن أثاره المهلكة، ونتائجه المدمرة على الأفراد والجماعات. والشرك آفة العبادة، ومحور خراب الطاعة، ولذا جاء في وصفه أنه أكبر الكبائر، وبتتبع أوصافه في القرآن الكريم يتبين قبحه من عدة جهات: ١/ أن الشرك كذب على الله تعالى، يقول :" فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ" (الزمر ٣٢)، قال السُّدي: هو الشرك (٣) ..

стр. 245

ويقول في مقام آخر عن الكفار:" نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ " (ق ٤٥)، " أي: بما يقولون من الشرك والكذب على الله، وعلى رسوله " (١) .. ٢/أن الشرك أعظم الذنوب، قال تعالى:" وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ" (الإسراء ٢٣)، يقول السمعاني: " يعني: أن توحدوه ولا تشركوا به (٢) .... فقد ثبت عن النبي ﷺ برواية ابن مسعود أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: أي الذنوب أعظم؟ فقال: الإشراك بالله ... " (٣). ٣/أن الشرك أكبر الكبائر، قال تعالى:" إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّآتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا" (النساء ٣١)، أورد السمعاني في تفسير الآية (٤) حديث النبي ﷺ حين سُئل فقيل له: أي الكبائر أكبر؟ فقال: (أن تدعو لله ندا وهو خلقك ... ) (٥). ٤/الشرك ظلم عظيم، يقول تعالى:" الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" (الأنعام ٨٢)، يقول السمعاني: " ومعناه: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، هذا قول أبي بكر، وعلي، وحذيفة، وسلمان، أن المراد بالظلم الشرك، وقد صَحَّ برواية ابن مسعود: أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال: " ليس الأمر كما تظنون، إنما الظلم هنا بمعنى الشرك، وقرأ قوله تعالى:" إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لقمان ١٣) " (٦) (٧).

стр. 246

وقال تعالى:" وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لقمان ١٣)، يقول السمعاني: "أي لا تعدل بالله أحدا في الربوبية، وقوله:" إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، من أشرك مع الله غيره، فقد وضع الشيء في غير موضعه" (١). ٥/الشرك زيغ، قال تعالى:" فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ" (آل عمران ٧)، يقول السمعاني: " قال مجاهد: الزيغ: اللبس، وقيل: هو الشرك، وقيل: هو الشبهات التي تتعلق بالقلب" (٢)، ففي أحد تفسيراته الشرك، وهذا يدل على خطورته. ٦/ الشرك ظلمات، يقول تعالى:" أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا " (الأنعام ١٢٢)، يقول السمعاني: "قوله تعالى:" أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ"قال مجاهد معناه: من كان ضالا فهديناه،" وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ"أي: نور الإسلام يعيش به بين المسلمين:" كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا "المثل صلة هاهنا، وتقديره: كمن هو في الظلمات، أي: في ظلمات الشرك لايخرج منها أبداً " (٣). ٧/الشرك فاحشة، قال تعالى:" وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (الأعراف ٢٨)، قال السمعاني: " قيل: الفاحشة هاهنا: هي طوافهم عراة، وقيل: هي الشرك (٤) ".

стр. 247

٨/الشرك إلحاد وميل عن الحق، قال تعالى:" وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم " (الحج ٢٥)، يقول السمعاني: " وأما معنى الإلحاد هاهنا: قال بعضهم: هو الشرك، وقال بعضهم: هو كل سيئة، حتى شتم الرجل غلامه " (١). ٩/ الشرك خيبة وظلم، قال تعالى:" وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا" (طه ١١١)، يقول السمعاني: " أي: هلك من حمل شركا، وحمل الشرك هو نفس الإشراك " (٢). ١٠/الشرك الحنث العظيم، قال تعالى:" وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ" (الواقعة ٤٦)،يقول السمعاني: " قال مجاهد وقتادة: الشرك، ويقال: هو الإثم العظيم، وقال علي: اليمين الفاجرة " (٣). ١١/ الشرك سيئة وخطيئة، قال تعالى:" وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (النمل ٩٠)، وأكثر المفسرين على أن المراد من السيئة الشرك (٤). وقال تعالى:" بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة ٨١)، السيئة: الشرك،"وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ"أي: مات على الشرك (٥). وقال تعالى:" وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّآتِ" (النساء ١٨)، يقول السمعاني: "بالسيئات: الشرك، وقال ابن عباس: هو النفاق " (٦). وقال تعالى:" أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّآتِ" (النحل ٤٥)، يقول السمعاني:" "مَكَرُوا السَّيِّآتِ" يعني: فعلوا السيئات، وذلك جحدهم التوحيد، وعبادتهم غير الله، وعملهم بالمعاصي" (٧).

стр. 248

١٢/ الشرك جهل، قال تعالى:" وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا " (العنكبوت ٨)، يقول السمعاني: " إنما قال هذا؛ لأن الشرك كله عن جهل، فإن العالم لايشرك بالله" (١). ١٣/الشرك منكر، يقول تعالى:" الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ" (التوبة ٦٧)، يقول السمعاني:" " يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ"فيه قولان: أن المنكر هو الشرك، والمعروف هو الإيمان بالله، وعن أبي العالية الرياحي أنه قال: كل ماذكر من المنكر في القرآن، فهو عبادة الأوثان والشرك بالله " (٢). وقال تعالى:" التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْأمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ" (التوبة ١١٢)، يقول السمعاني:" " وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ"يعني: عن الشرك " (٣). وقال تعالى:" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ" (النحل ٩٠)، يقول السمعاني: "والمنكر: يعني: كل مايكون منكرا في الدين، وقيل: إنه الشرك، فإنه أعظم المناكير" (٤). ١٤/الشرك فتنة، يقول تعالى:" كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا " (النساء ٩١)، يقول السمعاني: " أي: كلما دعوا إلى الشرك دخلوا فيه " (٥). ويقول تعالى:" لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ" (التوبة ٤٧)، يقول السمعاني: " وفي الفتنة معنيان: أحدهما: أنها الشرك، والثاني: تفريق الكلمة " (٦).

стр. 249

ويقول تعالى:" وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَأتَوْهَا" (الأحزاب ١٤)، يقول السمعاني: " وقوله:" ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ"أي: الشرك، ويقال: القتال في العصبية " (١). ١٥/الشرك الكلمة السفلى: قال تعالى:" وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى" (التوبة ٤٠)، يقول السمعاني: " كلمتهم الشرك، وهي السفلى إلى يوم القيامة " (٢). ١٦/الشرك قول الزور: قال تعالى:" فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" (الحج ٣٠)، وذكر السمعاني خلافا في معنى قول الزور، فذكر أنه الكذب، وقيل: هو الشرك، وقيل: هو الإشراك في التلبية الجاهلية (٣). وقال تعالى:" وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ" (االفرقان ٧٢)، فسرها السمعاني: بالشرك، ومعناه: لايشهدون شهادة الشرك، ويقال: الكذب، ويقال: الغناء (٤). ١٧/الشرك، المكر السيء، قال تعالى:" وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ" (فاطر ٤٣)، يقول السمعاني: " وفي المكر السيئ قولان: أحدهما: أنه الشرك، والآخر: أنه المكر برسول الله ﷺ " (٥). وقال تعالى:" قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" (الرعد ٢٦)، معناه قد أشرك الذين من قبلهم (٦). ١٨/ الشرك التكبر، قال تعالى:" إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ" (الصافات ٣٥)، يقول السمعاني:" وأصل التكبر: هو الشرك بالله " (٧)، وذلك أنهم يستكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها (٨).

стр. 250

والتكبر مانع من قبول الحق، قال تعالى:" إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ" (النحل ٢٢)، يقول السمعاني: " أي: متكبرون، ويُقال: إنه لاينكر الدين إلا متكبر " (١). ١٩/ الشرك ذنب لا يُغفر، يقول تعالى:" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا" (النساء ٤٨)، وهذه الآية لا تعارض بينها وبين قوله جل وعلا:" إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا" (الزمر ٥٣)؛ لأن المراد منها يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك (٢). وكذا لا تعارض هذه الآية قوله جل وعلا عن إبراهيم الخليل:" رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (إبراهيم ٣٦)؛ لأن قوله ﵇:" وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " يحتمل وجهين: الأول: أنه قال قبل أن يعلمه الله أنه لايغفر الشرك. الآخر: أن المراد من العصيان، هو مادون الشرك (٣). ويؤيد هذا المعنى قوله جل في علاه:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى" (طه ٨٢)، قال السمعاني: "وقوله:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ"أي: من الشرك " (٤). ٢٠/ الشرك إثم عظيم، قال تعالى:" وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًاعَظِيمًا" (النساء ٤٨) يقول السمعاني: " أي: قد اختلق إثما عظيماً " (٥).
следующие страницы →