← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال تعالى:" وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لقمان ١٣)، يقول السمعاني: "أي لا تعدل بالله أحدا في الربوبية، وقوله:" إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، من أشرك مع الله غيره، فقد وضع الشيء في غير موضعه" (١). ٥/الشرك زيغ، قال تعالى:" فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ" (آل عمران ٧)، يقول السمعاني: " قال مجاهد: الزيغ: اللبس، وقيل: هو الشرك، وقيل: هو الشبهات التي تتعلق بالقلب" (٢)، ففي أحد تفسيراته الشرك، وهذا يدل على خطورته. ٦/ الشرك ظلمات، يقول تعالى:" أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا " (الأنعام ١٢٢)، يقول السمعاني: "قوله تعالى:" أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ"قال مجاهد معناه: من كان ضالا فهديناه،" وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ"أي: نور الإسلام يعيش به بين المسلمين:" كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا "المثل صلة هاهنا، وتقديره: كمن هو في الظلمات، أي: في ظلمات الشرك لايخرج منها أبداً " (٣). ٧/الشرك فاحشة، قال تعالى:" وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (الأعراف ٢٨)، قال السمعاني: " قيل: الفاحشة هاهنا: هي طوافهم عراة، وقيل: هي الشرك (٤) ".

стр. 247

٨/الشرك إلحاد وميل عن الحق، قال تعالى:" وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم " (الحج ٢٥)، يقول السمعاني: " وأما معنى الإلحاد هاهنا: قال بعضهم: هو الشرك، وقال بعضهم: هو كل سيئة، حتى شتم الرجل غلامه " (١). ٩/ الشرك خيبة وظلم، قال تعالى:" وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا" (طه ١١١)، يقول السمعاني: " أي: هلك من حمل شركا، وحمل الشرك هو نفس الإشراك " (٢). ١٠/الشرك الحنث العظيم، قال تعالى:" وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ" (الواقعة ٤٦)،يقول السمعاني: " قال مجاهد وقتادة: الشرك، ويقال: هو الإثم العظيم، وقال علي: اليمين الفاجرة " (٣). ١١/ الشرك سيئة وخطيئة، قال تعالى:" وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (النمل ٩٠)، وأكثر المفسرين على أن المراد من السيئة الشرك (٤). وقال تعالى:" بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة ٨١)، السيئة: الشرك،"وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ"أي: مات على الشرك (٥). وقال تعالى:" وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّآتِ" (النساء ١٨)، يقول السمعاني: "بالسيئات: الشرك، وقال ابن عباس: هو النفاق " (٦). وقال تعالى:" أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّآتِ" (النحل ٤٥)، يقول السمعاني:" "مَكَرُوا السَّيِّآتِ" يعني: فعلوا السيئات، وذلك جحدهم التوحيد، وعبادتهم غير الله، وعملهم بالمعاصي" (٧).

стр. 248

١٢/ الشرك جهل، قال تعالى:" وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا " (العنكبوت ٨)، يقول السمعاني: " إنما قال هذا؛ لأن الشرك كله عن جهل، فإن العالم لايشرك بالله" (١). ١٣/الشرك منكر، يقول تعالى:" الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ" (التوبة ٦٧)، يقول السمعاني:" " يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ"فيه قولان: أن المنكر هو الشرك، والمعروف هو الإيمان بالله، وعن أبي العالية الرياحي أنه قال: كل ماذكر من المنكر في القرآن، فهو عبادة الأوثان والشرك بالله " (٢). وقال تعالى:" التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْأمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ" (التوبة ١١٢)، يقول السمعاني:" " وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ"يعني: عن الشرك " (٣). وقال تعالى:" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ" (النحل ٩٠)، يقول السمعاني: "والمنكر: يعني: كل مايكون منكرا في الدين، وقيل: إنه الشرك، فإنه أعظم المناكير" (٤). ١٤/الشرك فتنة، يقول تعالى:" كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا " (النساء ٩١)، يقول السمعاني: " أي: كلما دعوا إلى الشرك دخلوا فيه " (٥). ويقول تعالى:" لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ" (التوبة ٤٧)، يقول السمعاني: " وفي الفتنة معنيان: أحدهما: أنها الشرك، والثاني: تفريق الكلمة " (٦).

стр. 249

ويقول تعالى:" وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَأتَوْهَا" (الأحزاب ١٤)، يقول السمعاني: " وقوله:" ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ"أي: الشرك، ويقال: القتال في العصبية " (١). ١٥/الشرك الكلمة السفلى: قال تعالى:" وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى" (التوبة ٤٠)، يقول السمعاني: " كلمتهم الشرك، وهي السفلى إلى يوم القيامة " (٢). ١٦/الشرك قول الزور: قال تعالى:" فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" (الحج ٣٠)، وذكر السمعاني خلافا في معنى قول الزور، فذكر أنه الكذب، وقيل: هو الشرك، وقيل: هو الإشراك في التلبية الجاهلية (٣). وقال تعالى:" وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ" (االفرقان ٧٢)، فسرها السمعاني: بالشرك، ومعناه: لايشهدون شهادة الشرك، ويقال: الكذب، ويقال: الغناء (٤). ١٧/الشرك، المكر السيء، قال تعالى:" وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ" (فاطر ٤٣)، يقول السمعاني: " وفي المكر السيئ قولان: أحدهما: أنه الشرك، والآخر: أنه المكر برسول الله ﷺ " (٥). وقال تعالى:" قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" (الرعد ٢٦)، معناه قد أشرك الذين من قبلهم (٦). ١٨/ الشرك التكبر، قال تعالى:" إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ" (الصافات ٣٥)، يقول السمعاني:" وأصل التكبر: هو الشرك بالله " (٧)، وذلك أنهم يستكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها (٨).

стр. 250

والتكبر مانع من قبول الحق، قال تعالى:" إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ" (النحل ٢٢)، يقول السمعاني: " أي: متكبرون، ويُقال: إنه لاينكر الدين إلا متكبر " (١). ١٩/ الشرك ذنب لا يُغفر، يقول تعالى:" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا" (النساء ٤٨)، وهذه الآية لا تعارض بينها وبين قوله جل وعلا:" إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا" (الزمر ٥٣)؛ لأن المراد منها يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك (٢). وكذا لا تعارض هذه الآية قوله جل وعلا عن إبراهيم الخليل:" رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (إبراهيم ٣٦)؛ لأن قوله ﵇:" وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " يحتمل وجهين: الأول: أنه قال قبل أن يعلمه الله أنه لايغفر الشرك. الآخر: أن المراد من العصيان، هو مادون الشرك (٣). ويؤيد هذا المعنى قوله جل في علاه:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى" (طه ٨٢)، قال السمعاني: "وقوله:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ"أي: من الشرك " (٤). ٢٠/ الشرك إثم عظيم، قال تعالى:" وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًاعَظِيمًا" (النساء ٤٨) يقول السمعاني: " أي: قد اختلق إثما عظيماً " (٥).

стр. 251

٢١/ الشرك هلاك، يقول تعالى:" وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ" (الحج ٣١)، يقول السمعاني: " ومعنى الآية: أن من أشرك فقد هلك، وبَعُد عن الحق بعداً لا يصل إليه بحال، مادام مشركاً " (١). ٢٢/الشرك من أسباب التخليد في النار: يقول تعالى:" ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا " (غافر ١٢)، يقول السمعاني في معنى الآية معناه: "أن تخليدكم في النار ومكثكم فيها، كان بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، " وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا " أي: وإن يشرك بالله تؤمنوا، أي تصدقوا بالشرك " (٢). وقال تعالى:" إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ" (المائدة ٧٢)، يقول السمعاني: " روى أبو سفيان طلحة بن نافع عن جابرأن النبي ﷺ سئل ما الموجبتان؟ فقال: من وحد الله لايشرك به شيئا، وجبت له الجنة، ومن أشرك بالله وجبت له النار " (٣) (٤). ٢٣/ الشرك إسراف، يقول تعالى:"وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ" (طه ١٢٧)، يقول السمعاني: " أي من أشرك " (٥)، ويقول تعالى:" فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَاالْمُسْرِفِينَ" (الأنبياء ٩)، يقول السمعاني: " أي: أنجينا المؤمنين، وأهلكنا المسرفين، وكل مكذب مشرك مسرف على نفسه" (٦)، ويقول تعالى:" إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ" (غافر ٢٨)، يقول السمعاني: "أي: مشرك كذاب" (٧).

стр. 252

وقال تعالى:" لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٣٣) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ" (الذاريات ٣٣ - ٣٤)، يقول السمعاني: "أي: للمشركين، وهم الذين أسرفوا في المعاصي، وكل مشرك مسرف في المعصية " (١). ٢٤/الشرك كلمة خبيثة، يقول تعالى:" وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ" (إبراهيم ٢٦)، الكلمة الخبيثة هي الشرك (٢). ٢٥/المشرك لايكون حنيفاً (٣) *، يقول تعالى:" حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِي" (الحج ٣١)، يقول السمعاني: "يعني أن الحنيفة إنما يتم بترك الشرك، ومن أشرك لا يكون حنيفاً " (٤). ٢٦/ المشرك ظالم، يقول تعالى:" قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" (البقرة ١٢٤)، يقول السمعاني:"وقيل أراد به المشرك هاهنا" (٥). ٢٧/المشرك غاوٍ، يقول تعالى:" فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ" (الشعراء ٩٤)، يقول السمعاني: قوله:" " هُمْ وَالْغَاوُونَ": أي: الشياطين معهم، ويقال: من اتبعوهم في الشرك" (٦). ٢٨/المشرك ملحد، يقول تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا " (فصلت ٤٠)، يقول السمعاني:"قوله:" يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا"أي: يميلون إلى الجحد والتكذيب في آياتنا، وكل من مال من الحق إلى الباطل، ومن التوحيد إلى الشرك فهو ملحد" (٧).

стр. 253

٢٩/المشرك لايسعد، يقول تعالى:" إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ" (القصص ٣٧)، يقول السمعاني: أي: "لايسعد من أشرك بالله" (١). ٣٠/المشرك مجرم، يقول تعالى:" إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ" (الصافات ٣٤)، يقول السمعاني: "والجرم هاهنا هو الشرك" (٢). وكل ماذكر من هذه الأوصاف، فهي دالة على قبح الوصف والموصوف، وسبيل الخلاص، أن يوطن المؤمن قلبه لله تعالى، ويخضعه لشرعه، يقول الإمام ابن تيمية: "وطريق التخلص من هذه الآفات كلها، الإخلاص لله عزوجل، قال تعالى:" فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" (الكهف ١١٠)، ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي" (٣). وهذا الذي ينفع يوم القيامة، يقول تعالى:" يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" (إبراهيم ٨٨ - ٨٩)، قال أكثر أهل العلم: سليم من الشرك، فإن الآدمي لايخلو من ذنب (٤). وقال تعالى:" إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" (الصافات ٨٤)،أي: سليم من الشرك (٥). فقبح الشرك يكمن في أن يكون شاهدا على المرء يوم القيامة، قال تعالى:" بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ" (الأنعام ٢٨)، "أي: ظهر لهم ما أخفوا من قبل، من تبرئتهم عن الشرك بقولهم:" وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ"، وذلك أنهم إذا قالوا ذلك يختم الله على أفواههم، وتنطق جوارحهم بشركه، فيبدو لهم ماكانوا يخفون من قبل" (٦).

стр. 254

ولا ينفع يوم القيامة هذا الجدال، ولا تغني تلك المعاذير، كما قال تعالى:" يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" (النحل ١١١)، إذن: لا حجة في الشرك، وقد قطع الله جل وعلا كل المعاذير، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ومن عدل الله تعالى أن لا يعذب أحدا قبل بعثة الرسل، فببعثهم انقطعت كل الحجج، وأغلقت كل السبل إلا من لم تبلغه الحجة قال تعالى:" وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ" (المؤمنون ١١٧)، "أي: لابينة ولا حجة له به، قال أهل العلم: لا حجة لأحد في دعوى الشرك، وإنما الحجة عليهم" (١). ٤/ من صور الشرك: صور الشرك كثيرة، ولذا حذر القرآن الكريم أشد التحذير من مواقعتها، أو التلبس بها. وقد سدت الشريعة كل الأبواب المؤدية إلى الشرك، وحتى الشرك الأصغر؛ لأنه ذريعة للوصول للشرك الأكبر، وقد حمت الشريعة جناب التوحيد، من أن يدنس بياضه، أو يُعكر صفاؤه، يقول ابن القيم: "التوحيد أصلف (٢) * شيء وأنزهه، وأنظفه، وأصفاه، فأدنى شيء يخدشه ويدنسه، ويؤثر فيه، فهو كأبيض ثوب يكون، يؤثر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جدا، أدنى شيء يؤثر فيها، ولهذا تشوشه اللحظة، واللفظة، والشهوة الخفية، فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضده، وإلا استحكم وصار طبعا يتعسر عليه قلعه" (٣). فمن صور الشرك التي نبه عليها القرآن الكريم، وأشار إليها الإمام السمعاني:

стр. 255

١ ـ السحر: أما وجه كون السحر من الشرك ماروي عن النبي ﷺ أنه قال: (من عقد عقدة ثم نفخ فيها سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه) (١). والشاهد فيه: ومن سحر فقد أشرك؛ لأن السحر لاينفك عن الشرك، ففيه استعانات واستغاثات شركية بالشياطين. ويدل عليه أن السحر ضروب كثيرة، نص النبي ﷺ على كونها شركا، فقال في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) (٢). وبين الحافظ ابن حجر وجه كون هذه الأمور من الشرك فقال: "والتمائم جمع تميمة، وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات. والتولة: شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك؛ لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله، ولا يدخل في ذلك ماكان بأسماء الله وكلامه" (٣). وذكر الإمام السمعاني في تعليم الملكين للسحر قولان: وأحدهما يؤيد ماذكر، وفيه: أنهما يعلمان كيفية السحر؛ لينتهوا عنه، كان الرجل يأتيهما فيقول: ما الذي نهى الله عنه؟ فيقولان: الشرك، فيقول: وما الشرك، فيقولان: كذا وكذا. ويأتيهما آخر فيقول: ما الذي نهى الله عنه؟ فيقولان: السحر، فيقول: وما السحر؟ فيعلمانه كيفية السحر لينتهي، وكذا في كل المعاصي (٤).

стр. 256

٢ ـ الكهانة: وفسر الإمام السمعاني معنى الكاهن فقال: "هو الذي يخبر عن الغيب كذبا، وقيل: بظن وحدس لا عن علم" (١)، وقد حكى الله جل وعز عنهم طريقة الاخبار عن هذه المغيبات، وحكم بكذبهم فقال جل شأنه:" هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ" (الشعراء ١٢١ - ١٢٣)، يقول السمعاني:"قوله تعالى:" يُلْقُونَ السَّمْعَ" قال أهل التفسير: المراد منه الكهنة، ومعنى" يُلْقُونَ السَّمْعَ"أي: يستمعون للشياطين،" وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ"أي: كلهم، وروي عن عائشة ﵁ أنها قالت: قلت يارسول الله: إن الكهان يخبرون بأشياء وتكون حقاً، قال: تلك الخطفة يخطفها الجني فيلقيها في سمع الكاهن، فيكذب بها مائة كذبة" (٢)، وقد ذكرنا أنهم يسترقون من الملائكة، ويعلو بعضهم بعضا ثم يرمون بالشهب، وفي الخبر المشهور المعروف: أن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهنا أو عرافا فسأله فصدقه بما يقولون، فقد كفر بما أنزل على محمد) (٣) (٤). وقد فسر قتادة الطاغوت في قوله تعالى:" يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ" (النساء ٥١)، بالكاهن، قال مالك بن أنس: وقرأ قوله تعالى:" وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا" الطاغوت: كل مايعبد من دون الله، فقيل له ما الجبت: فقال: سمعت أنه الكاهن (٥). فالكهانة نوع من الشرك؛ لأن وصول الكاهن لهذه الأخبار الغيبية، تكون بواسطة الجن والشياطين، والتقرب لهم بالقرابين.

стр. 257

٣ ـ الطيرة: وقد حكى الله جل وعز ما كان من الأمم السابقة، من التطير بأنبيائهم ﵈، قال تعالى حكاية لما قاله قوم صالح لنبيهم:" اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ " (النمل ٤٧)، وفي قصة موسى:" يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ" (الأعراف ١٣١)، وفي سورة يس (١٨):" إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ "والمعنى: تشاءمنا بكم. وقال المشركون فيما حكى الله عنهم:" وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ" (النساء ٧٨)، يقول السمعاني:" " وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ"أي: بشؤمك، وذلك أن النبي ﷺ لما قدم المدينة أصاب أهلها نوع سوء، فقالت اليهود: مارأينا أشأم من هذا الرجل، منذ دخل ديارنا قد غلت أسعارنا، ونقصت ثمارنا، وذلك بلية للمسلمين (١)، فرد الله افتراءهم فقال:" قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ" أي: الخصب والجدب، والنصر والهزيمة، كل من عند الله تعالى (٢). ولذا لما قال قوم موسى لموسى ماقالوا، رد الله عليهم فقال:" أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (الأعراف ١٣١)، أي: الشؤم والبركة، والخير والشر، كله من الله تعالى، وقيل معناه: الشؤم العظيم هو الذي لهم عندالله تعالى في الآخرة (٣). والطيرة من الأمور المحرمة، يقول السمعاني: " وأعلم أن الطيرة منهي عنها، وفي بعض الأخبار عن النبي ﷺ :لا عدوى ولا طيرة (٤)، وعنه: أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة (٥). وقد كان أهل الجاهلية يتطيرون، وكان الرجل إذا خرج لحاجة فطار طائر، أو لقي شيئاً، أوسمع كلاماً، يتطير بذلك، إما في الامتناع من ذلك الفعل، أو في الدخول في ذلك الفعل، وقد قال بعض الشعراء شعراً:

стр. 258

لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الليل ما الله صانع " (١). وفي الحديث: (الطيرة شرك) (٢)، وفي الآخر: (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) (٣)، وفي وجه كونها شركا، يقول الإمام النووي: "الطيرة شرك، أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر، إذا عملوا بمقتضاها، معتقدين تأثيرها، فهو شرك؛ لأنهم جعلوا لها أثرا في الفعل والإيجاد" (٤)، فكأنهم أشركوه مع الله (٥)، ولذا أبطل النبي ﷺ لأن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها، من ناحية حسن الظن بالله تعالى (٦). إذن: إنما كان النبي ﷺ يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشرك؛ ولأنها تجلب سوء الظن بالله تعالى. ووجه الشرك فيها: أن من اعتقد فيها ما كانت الجاهلية تعتقده فيها، فقد أشرك مع الله تعالى خالقا آخر، ومن لم يعتقد ذلك، فقد تشبه بأهل الشرك (٧). ولما كان التطير ربما يعتري القلب، ويهجم عليه، كما قال ابن مسعود: وما منا إلا: يعني: إلا من يعتريه التطير، وسبق إلى قلبه الكراهة فيه، والحل الناجح: (ولكن الله يذهبه بالتوكل) (٨)، "أي بسبب الاعتماد عليه، والإسناد إليه سبحانه. وحاصله: أن الخطرة ليس بها عِبرة، فإن وقعت غفلة لا بد من رجعة، وأوبة من حوبة" (٩).

стр. 259

٤ ـ التنجيم: علم النجوم يسمى بالعربية التنجيم، وباليونانية: اصطرنوميا، واصطر هو النجم، ونوميا هو العلم (١)، والحديث عنه ينتظم عدة امور: أ / التنجيم في اللغة: مصدر الفعل نجَّم وهو مأخوذ من النجم، وهو الكوكب (٢). يقول السمعاني: "والعرب إذا أطلقت النجم عنت به الثريا" (٣). والمنجم والمتنجم: الذي ينظر في النجوم، ويحسب مواقيتها وسيرها (٤). ب /التنجيم في الاصطلاح: عرفه الإمام السمعاني بقوله: هو النظر فيها للقول بالغيب عنها (٥)، وهو ما عرفه به الأئمة: يقول الإمام ابن تيمية: "التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية من السحر" (٦)، وقال: "وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية" (٧). وقال الإمام الخطابي: "علم النجوم المنهي عنه: هو مايدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغيّر الأسعار، وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها، ويدعون أن لها تأثيرا في السفليات، وأنها تتصرف على أحكامها، وتجري على قضايا موجباتها (٨).

стр. 260

جـ /البروج هي النجوم العظام، كما قال تعالى:" وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا" (الحجر ١٦)، ويقال: إنها البروج الإثنا عشر، ويقال: أنها السبع السيارة (١)، ونقل السمعاني عن عائشة ﵂: أن علم النجوم كان حقا إلى أن حبست الشمس ليوشع بن نون، فتشوش الأمر عليهم (٢)، وسيأتي في معرفة حكم التنجيم، أن الحق من التنجيم، ماكان تعلقه بالنظر فيها للاهتداء، أو للاعتبار، أو لمعرفة القبلة، وما أشبه ذلك (٣). وقد أقسم الله جل وعلا بالنجوم، لما عُلق بها من مصالح العباد، من مساقطها ومطالعها (٤). د /يقول السمعاني: والله تعالى خلق النجوم لفوائد: - منها تزيين السماء، كما قال تعالى:"وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ" (الملك ٥). - ومنها رمي الشياطين بها كما قال:" وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ" (الملك ٥). - ومنها الاهتداء في ظلمات البر والبحركما قال:" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ" (الأنعام ٩٧) (٥). ونقل عن قتادة" خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: لزينة السماء الدنيا، ولرجم الشياطين، وليهتدى بها في البر والبحر، فمن طلب منها على غير هذا فقد أخطأ (٦). وقال محمد بن كعب القرظي: إن النجم لا يطلع لموت أحد ولا لحياته، ولكن زينة الدنيا، ورجوم الشياطين (٧).

стр. 261

هـ /وقد ذكر السمعاني الاعتقاد الفاسد الذي كان في الكواكب، عند تفسير قوله تعالى:" الْجَوَارِ الْكُنَّسِ" (التكوير ١٦)، فقال: "وهذه الكواكب هي التي يسميها المنجمون المُتحيرة، وقد تفردت، حيث تسير بخلاف سائر الكواكب؛ لأن سائر الكواكب تسير من المشرق إلى المغرب، وهي تسير من المغرب إلى المشرق، ويحيلون عليها الأفعال في العالم، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا الاعتقاد، ونحيل الجميع على الله تعالى، وإنما النجوم آيات، ودلائل، ومسخراتٍ خُلقت لمعاني ذكرناها من قبل" (١). و/ اختلف العلماء في حكم تعلم التنجيم، وحكم المنجم؟ أما حكم التنجيم فهو على أقسام: ١ ـ ما هو كفر بإجماع المسلمين، وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي، مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة، وهذا كفر بإجماع المسلمين، وهذا قول الصابئة المنجمين الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل ﵇ (٢). وفيها يقول الإمام ابن تيمية: "صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل هي محرمة على جميع لسان جميع المرسلين في جميع الملل" (٣). وهذا هو الذي أشار إليه الإمام السمعاني وتبرأ منه كما في النقل السابق، وقال في موطن آخر، "وقد ورد في الأخبار أن النبي ﷺ نهى عن النظر في النجوم، والمعنى هو النظر فيها للقول بالغيب عنها" (٤). ٢ ـ الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسيرة الكواكب واجتماعها وافتراقها ونحو ذلك، ويقول: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، فلا ريب في تحريم ذلك (٥). واختلف العلماء في تكفير القائل بذلك على قولين: الأول: أنه كافر؛ لأنه ادعى علم شيء استأثر الله تعالى بعلمه، وكفره القرطبي (٦).

стр. 262

الثاني: أنه لايكفر، ونُقل عن مالك (١)، وحكاه القرافي (٢)،وابن حجر (٣). ونقل القرطبي تكفير علي ﵁ للمنجم، فقال: يا أيها الناس، إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم، وتعمل بها، لأخلدنك في الحبس ما بقيتُ، ولأحرمنك العطاء، ماكان لي من سلطان (٤). وفي بدائع السلك: قال سحنون: من صَدَّق عرافاً، أو كاهناً، أو منجماً، فيما يقوله فقد كفر بما أنزل على قلب محمد ﷺ : قال: وكيف يحل لقلب مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصدقهم مع قوله تعالى:" قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ " (النمل ٦٥) (٥)، وبهذا قال السمعاني في تفسير قوله تعالى:" عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا" (الجن ٢٦)، "وفي الآية دليل على أن من قال بالنجوم شيئاً، وادعى علماً من الغيب بجهتها، فهو كافر بالقرآن" (٦). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الوهاب: "وينبغي أن يُقطع بكفره؛ لأنها دعوى علم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، بما لايدل عليه" (٧). ونقل السمعاني عن الخليل بن أحمد في النجوم قوله: أبلغوا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكب عالم أن ما يكون وما كان ... حتم من المهيمن واجب (٨)

стр. 263

٣ ـ تعلم منازل الشمس والقمر للاستدلال بذلك على القبلة، وأوقات الصلوات والفصول، "كره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد واسحاق" (١). إلا أن الصحيح عن الجماهير، جوازه؛ لدلالات النصوص الشرعية عليه، كما قال تعالى: ... " وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ" (النحل ١٦). وقد نص السمعاني على جوازه في أكثر من موطن: ـ فقد نقل عن إبراهيم النخعي جوازه فقال: قال إبراهيم النخعي: يجوز أن يتعلم الإنسان من النجوم، بقدر ما يعرف منازل القمر، وسير الكواكب لمعرفة القبلة وأوقات الصلاة (٢). ـ وقال: "فأما النظر فيها للإهتداء أو للاعتبار أو لمعرفة القبلة وما أشبه ذلك مطلق جائز" (٣). ـ ووجه كون التنجيم من الشرك في بعض أنواعه، أنه من أنواع السحر، والنبي ﷺ يقول: (من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر زاد مازاد) (٤). ـ وقد نص العلماء على أنه لايجوز أخذ العوض على هذا العمل المحرم، يقول الإمام ابن تيمية عن التنجيم وأخذ الأجرة عليه: "بل ذلك محرم بإجماع المسلمين، وأخذ الأجرة على ذلك، ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات، ومنع الناس من أن ينكروهم، والقيام في ذلك من أفضل الجهاد في سبيل الله" (٥)، ويقول الحافظ ابن حجر: " حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع؛ لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل، وفي معناه التنجيم، والضرب بالحصى، وغير ذلك مما يتعناه العرافون من استطلاع الغيب" (٦). المطلب الرابع: شروط كلمة التوحيد، وفضائلها: المسألة الأولى: شروط كلمة التوحيد:

стр. 264

لم يقتصر جهد السمعاني على بيان ما يُضاد أصل التوحيد، بل تتبع كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وأبان ما لها من الشروط والفضائل، وهذه الشروط وإن لم ينص عليها صراحة، لكنه أشار إليها في مواضعها من الكتاب والسنة، فلا مُشاحة في الاصطلاح ما دام المعنى المقصود بيّن واضح، فالنصوص تُبين بجلاء، أن كلمة التوحيد لابد لها من شروط؛ حتى تُؤتي ثمارها، والشروط التي ذكرها العلماء سبعة: (العلم، واليقين، والإخلاص، والصدق، والمحبة، والانقياد، والقبول). ولما كانت كلمة التوحيد أعظم كلمة تُقال، ذكر السمعاني في تفسيره ما يزيد عن ثلاثين فضيلة لهذه الكلمة العظيمة، وهذا يدل على جهاد السمعاني لبيان الحق الناصع، وإيصاله إلى الناس في أزهى صوره، وأنقى أشكاله. كلمة التوحيد " لا إله إلا الله "،والتي معناها: لا معبود بحق إلا الله تعالى، عند هذه الكلمة، تتهاوى كل الأهواء، وتسقط كل الآراء، وتتحطم كل القيود، ويذل الناس للرب المعبود. هذه الكلمة حصن مانع، أمام كل أنواع الطغيان البشري، بجميع صوره وأشكاله، فالتوحيد، تعبيد، وإيمان وعمل وترديد. التوحيد ليس مجرد كلمة تُقال، ولا لفظ يُنال، التوحيد أعلى من ذلك، التوحيد إخلاص، والتوحيد يقين، والتوحيد استسلام، والتوحيد قبول، والتوحيد انقياد، والتوحيد رضا، والتوحيد خضوع، والتوحيد صدق، والتوحيد محبة، ولا يكون هذا إلا مع العلم بها، ولذا قال الله تعالى لنبيه ﷺ الذي هو أعلم الناس بهذه الكلمة وألزمهم بها، وأولهم تحقيقاً لمقتضاها،: " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " (محمد ١٩)، يقول الإمام السمعاني: " فإن قيل: كيف قال: " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وقد عَلِمَ؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن المراد منه: هو الثبات على العلم، لا ابتداء العلم. والثاني: أن معناه: فاذكر أنه لا إله إلا الله، فعبَّر عن الذكر بالعلم؛ لحدوثه عنده، ويُقال: الخطاب مع الرسول، والمراد منه الأمة " (١)

стр. 265

ولذا ليست هذه الكلمة لفظة تُقال، وإن كان مجرد قولها يحمى بها المرء دمه، وماله، وعرضه إلا بحقها، ولكن مالم تكن مقرونة بشروطها، ممزوجة بحقائقها، فإنها لا تنفع، يقول الإمام ابن القيم: " وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه، كما كان عبَّاد الأصنام مقرين بذلك، وهم مشركون. بل التوحيد يتضمن من محبة الله، والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى، بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه، وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي، والإصرار عليها ... والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلاً بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلا بُدَّ من قول القلب، وقول اللسان. " (١) وشروط كلمة التوحيد، هي نتاج استقراء الأئمة من النصوص، وهذه التقسيمات مسائل اصطلاحية، لا تُؤثر على الواقع شيئاً، دام أن الحقيقة باقية على ما هي عليه، فكما قيل: لا مشاحة في الاصطلاح. فكلمة التوحيد مثل المفتاح، والمفتاح لا يمكن أن يفتح، مالم يكن له أسنان، فكذلك كلمة التوحيد، فأسنانها شروطها التي بها تُؤدي ثمارها. وقد قيل لوهب بن منبه (٢): أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان، فتح لك، وإلا لم يُفتح لك. (٣) وقد تأول العلماء قول وهب بن منبه في مراده بالأسنان:

стр. 266

ـ فقيل: أراد بالأسنان: القواعد التي بُني عليها الإسلام، والتي هي كمال الإيمان ودعائمه، وبهذا هو يرد على الغالية من المرجئة والجهمية، الذين يقولون: إن الفرائض ليست إيماناً. (١) ـ وقيل: المراد بالأسنان: التزام الطاعة، ولا يرد على هذا إشكال موافقة الخوارج وغيرهم: أن أهل الكبائر لا يدخلون الجنة؛ لأن مراده من قوله (لم يُفتح له): أي فتحاً تاماً، أو لم يُفتح له في أولي الأمر، وهذا بالنسبة إلى الغالب، وإلا فالحق أنهم في مشيئة الله تعالى. (٢) وقال في المرقاة: " قال الطِّيبي: المعني بها الأركان الأربعة، أي: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وقيل مُطلق الأعمال الصالحة، والمتضمنة لترك الأعمال السيئة ... فالأولى أن يُقال: المراد بالأسنان: إنما هو تصديق القلب من غير ترديد بالوفاق، والإقرار باللسان من غير نفاق، وانقياد لأحكام الإسلام من غير كره وشقاق، فالكلمة حينئذ بهذه الأوصاف المشبَّهة بالأسنان، تكون مفتاحاً، إما أولاً، أو آخراً، على وفق الإذن من الفتاح العليم ". (٣) وفي هذا يقول الإمام ابن رجب: " وقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سبب مقتضٍ لدخول الجنة، والنجاة من النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانع وهي إتيان الكبائر. قال الحسن للفرزدق: إن لـ (لا إله إلا الله) شروطاً، فإياك وقذف المحصنة. ورُوي عنه أنه قال: هذا العمود، فأين الطُنب، يعني: أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات. وقيل للحسن: إن ناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها، دخل الجنة " (٤)

стр. 267

وهذا كله دليل على أنه ليس المراد، هو قول الكلمة التوحيدية فقط، فإن من صَدَقَ فيها وأخلص، اقتضى ذلك أن يرسخ فيه تأله الله وحده، إجلالاً، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيماً، وتوكلاً، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومن كان كذلك، لم يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريد الله، ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب، جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان " (١). وشروط كلمة التوحيد، المستقرأة من النصوص الشرعية مايلي: ١ ـ العلم: وهو ضد الجهل، والمراد به: العلم بمعنى " لا إله إلا الله " نفياً وإثباتاً (٢) *. قال تعالى: " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " (٣) ** (محمد ١٩)، وقال تعالى: " فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٤) " (هود ١٤)، يقول السمعاني: " وقوله: " وَأَن لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ "، يعني: فأعملوا أن لا إله إلا هو، فهل أنتم مسلمون؟ أي: مخلصون ". (٤)

стр. 268

وقال تعالى: " إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) " (الزخرف ٨٦)، يقول السمعاني: "وهو من شهد بلا إله إلا الله ". (١) وقال تعالى: " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ " (فاطر ٢٨)، يقول السمعاني: " كفى بخشية الله علماً، والاغترار به جهلاً ... وعن بعضهم: " إنما يخشى الله من عباده العلماء الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير، وعد بعض التابعين: من لم يخش الله فليس بعالم" (٢). وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " (٣)، أي: علماً يقينياً. (٤) ٢ ـ اليقين: المنافي للريب والشك، فيقولها موقناً بها يقيناً جازماً، لا يتطرق إليه الشك، فيما علم من أحقية العبادة لله تعالى، ونفيها عما سواه. يقول الإمام السمعاني:" والإيقان هو العلم، وقيل: الإيقان واليقين: علم عن استدلال " (٥)، فإذا علمت فالزم. قال تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا " (الحجرات ١٥)، يقول السمعاني: " أي: صدقوا ولم يشكوا " (٦)، ويقول الإمام الطبري: " ثم لم يرتابوا ": يقول: ثم لم يشكوا في وحدانية الله، ولا في نبوة نبيه ﷺ ، وألزم نفسه طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ ، والعمل بما وجب عليه من فرائض الله بغير شك منه في وجوب ذلك عليه " (٧).

стр. 269

وقال تعالى: " الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ " (الرعد ٢٨)، يقول السمعاني: "تستأنس قلوبهم بذكر الله، والسكون باليقين، والاضطراب بالشك " وقال: " وطمأنينة القلب: بزوال الشك منه، واستقرار اليقين فيه " (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " أشهد ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما، إلا دخل الجنة " (٢). يقول الإمام أبو العباس القرطبي (٣): " فإن من اعتقد الحق، وصَدَّق به تصديقاً جازماً لا شك فيه ولا ريب، دخل الجنة " (٤). ٣ ـ الإخلاص: هو التوحيد، وضده الشرك بكل صوره وأنواعه، ويُقال: الإخلاص: هو تصفية النية في طاعة الله تعالى (٥). قال تعالى: " هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " (غافر ٦٥)، يقول السمعاني: " والدعاء على الإخلاص، ألَّا يدعو معه سواه " (٦). وقال تعالى: " وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ " (النساء ١٤٦)، يقول السمعاني: " شَرَط الإخلاص بالقلب؛ لأن الآية في المنافقين، والنفاق كفر القلب، فزواله بالإخلاص " (٧).

стр. 270

وقال تعالى: " لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ " (الرعد ١٤)، يقول السمعاني: " وقيل: دعوة الحق هو الدعاء بالإخلاص، والدعاء بالإخلاص لا يكون إلا لله، ألا ترى أن الله تعالى قال: "فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " (غافر ٦٥)، ومعنى قوله تعالى: "ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" (غافر ٦٥)، أي: مخلصين له التوحيد، ومعناه: وحدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً. (١) والإخلاص المقصود: الذي يكون في كل الأوقات في الرخاء والشدة، لا كحال المشركين، الذين يخلصون في الشدة، ويشركون في الرخاء، فإن الكفار في حال الضرورات يدعون الله، كما قال تعالى: " وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ " (لقمان ٣٢)، " وفي التفسير: أن الآية نزلت في عكرمة بن أبي جهل، حين هرب من مكة يوم فتحها رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله أَمَّن جميع الناس إلا نفراً، منهم عكرمة بن أبي جهل، فهرب عكرمة إلى البحر، فجاءهم ريح عاصف، فقال صاحب السفينة: أخلصوا، فإنه لا ينجيكم إلا الإخلاص. ورُوي أنه قال لهم: لا تدعوا آلهتكم؛ فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً، وادعوا الله وحده. فقال عكرمة: إنما هربت من هذا، ولئن نجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد، ولأضعن يدي في يده، ثم سكن الريح، وخرج عكرمة ورجع إلى مكة، وأسلم وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليرموك الشام " (٢).

стр. 271

وقال سبحانه عن حال المشركين: " فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ " (العنكبوت ٦٥)،" أي: دعوا الله، وتركوا دعاء الأصنام، وحُكي عن عكرمة قال: لو كانوا يركبون البحر، ويحملون أصنامهم معهم، فإذا هاج البحر، وخافوا الغرق، طرحوا أصنامهم في البحر، وقالوا: يارب، يارب " (١). وقال سبحانه: " وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا (٦٧) " (الإسراء ٦٧). وعن أبي هريرة ﵁ قال: يارسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه " (٢). وقال ﵊: " فإن الله حَرَّم على النار، من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله " (٣). قوله: " يبتغي بذلك ": أي: بقولها خالصاً من قلبه (٤). ولا تعارض بين هذا الحديث، وبين تعذيب الموحدين؛ لأن المقصود: أن من قالها مخلصاً، فإنه لا يترك العمل بالفرائض، إذ إخلاص القول حامل على أداء اللازم. أو يكون المقصود من الحديث " حرَّم على النار "، أي: تحريم خلودٍ فيها. (٥) ٤ ـ الصدق: وضده الكذب والنفاق، فيكون الموحد صادقاً في قوله وفعله، في ظاهره وباطنه. يقول السمعاني: " ويُقال: من صدق الله في وحدانيته، وصدق أنبياءه ورسله، وصدق بالبعث، وقال بالأوامر فعمل بها، فهو صدِّيق " (٦).

стр. 272

وهذا هو حال أهل الإيمان الذين أثني عليهم، والذين ساروا على طريقتهم ونهجهم، قال تعالى: " فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ" (الفتح ١٩)، أي: من الصدق والوفاء، وقيل: هو الإخلاص. (١) ويقول جل وعلا عن المؤمنين: " فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ " (البقرة ٢٦)، يقول السمعاني: "يعني: أنه الصدق من ربهم " (٢). أما حال أهل النفاق الذين يبطنون خلاف ما يظهرون، فقد تولى القرآن فضحهم، وبيان حالهم، ومن ذلك قوله تعالى: " إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) " (المنافقون ١)، فأخبر الله تعالى أنهم كاذبون؛ وسَمَّى قولهم كذباً؛ لأنهم كذبوا على قلوبهم، وقيل: لما أظهروا بألسنتهم خلاف ما كان في ضمائرهم، سمي بذلك كذباً، كالرجل يخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه. (٣) " فإن عدم العبد الصدق، خلفه ضده وهو الكذب في الأقوال والأفعال، فكان بالمنافقين أشبه منه بالصادقين، على قدر قلة صدقه وكذبه، إلا أن المؤمنين ضد الكافرين، والمنافقين ضد الصادقين ـ فإن الكافرين جحدوا ظاهراً وباطناً، والمنافقين تحلوا بالإيمان ظاهراً، وعروا منه باطناً، فكانوا كاذبين " (٤). وقال النبي ﷺ : " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، صدقاً من قلبه، إلا حرمه الله على النار " (٥)، وهذا احترز به عن شهادة المنافقين. (٦)

стр. 273

وقوله: (من قلبه) صفة " صدقاً "؛ لأن الصدق قد لا يكون من قلب، أي اعتقاد، كقول المنافق: إنك لرسول الله. (١) ٥ ـ المحبة: وضدها الكراهية لكلمة التوحيد، ولما دلت عليه، أو الإشراك في المحبة. والمحبة من الإيمان، أي محبة الله ورسوله وشرعه، فمن أبغض الله كفر بعداوته له، قال تعالى: " مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (٩٨) " (البقرة ٩٨)، فأطلق عليهم الكفر بضد المحبة. (٢) قال النبي ﷺ : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: ... وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ". (٣) قال تعالى: " وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ " (البقرة ١٦٥)؛ لأنهم لايختارون على الله ما سوى الله، والمشركون إذا اتخذوا صنماً، ثم رأوا أحسن منه، طرحوا الأول واختاروا الثاني. (٤) وقال تعالى: " قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣١) " (آل عمران ٣١)، يقول السمعاني: " واعلم أن محبة الله للعبد، ومحبة العبد لله، لا يكون بلذة الشهوة، ولكن محبة العبد في حق الله، وهو إتيان طاعته، وابتغاء مرضاته، واتباع أمره. ومحبة الله في حق العبد: هو العفو عنه، والمغفرة، والثناء الحسن، وأكد قوله تعالى: " قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ " (آل عمران ٣٢)، بيَّن أن محبته في طاعته، وطاعة رسوله " (٥). ولذا كانت الكراهة للشرع ضد المحبة، قال تعالى: " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) " (محمد ٩)، قال السمعاني: " أي: كرهوا نبوة محمد ﷺ ، وما أنزله الله من القرآن " (٦).

стр. 274

٦ ـ الانقياد: وهو الاستسلام التام للشرع، وقبوله، والرضا به، وهذا يقتضي عدم تركه أو هجره، ولا يكون الانقياد إلا بالوقوف على الأمر والنهي، والقيام بهما وبحقوقهما حق قيام، من العمل بما أمر، والاجتناب عما نهى. وهو يشمل معاني ما سبق، من الإخلاص، واليقين، والصدق، والمحبة، والعلم؛ لأنه لن يستسلم للشرع وينقاد، إلا من علم، وأخلص، وأيقن، وصدق، وأحب. يقول تعالى: "بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ " (البقرة ١١٢)، يقول السمعاني: " مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ "، أخلص عبادته لله، وهو محسن مؤمن " (١). وقال الله تعالى مثنياً على إبراهيم الخليل ﵇: " إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) " (البقرة ١٣١)، يقول السمعاني:" إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ "، يعني أي: أستسلم وأخلص عبادتك لله، " قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " أخلصت وفوضت إليه " (٢). وقال تعالى: " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ " (النساء ١٢٥)، يقول السمعاني: " أي: أخلص عبادته لله، وقيل: توجه عبادته إلى الله، والوجه يذكر بمعنى الدين والعبادة، ومنه قول المصلي: وجهت وجهي، أي: ديني وهو الصلاة " (٣). وقال تعالى: " وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) " (غافر ٦٦)، يقول السمعاني: " أي: استسلم وانقاد لحكمه " (٤). وقال تعالى:" وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ " (لقمان ٢٢)، يقول السمعاني: " أي ومن يخلص دينه لله، وقيل: يسلم نفسه وعمله إلى الله، وقوله: " يُسَلّم " من التسليم، وقوله " يُسْلِم " من الانقياد " (٥).

стр. 275

وقال تعالى: " وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ " (الزمر ٥٤)، يقول السمعاني: " أي: وأخلصوا له، ويُقال: واستسلموا له " (١). والانقياد بلوازمه ومقتضياته مضمن في هذه الآية الكريمة: " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا " (فصلت ٣٠)، يقول السمعاني: " وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: استقاموا، أي: لم يشركوا بالله شيئاً، وعن عمر ﵁ قال: لم يروغوا روغان الثعلب. ومن المعروف أن الاستقامة هي: طاعة الله، وأداء فرضه، واتباع سنة نبيه محمد ﷺ " (٢). وقال تعالى: " وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا " (الجن ١٦)، والطريقة الإيمان، وهو قول مجاهد، وقتادة، وعكرمة. (٣) ٧ ـ القبول: المنافي للرد، والقبول يشمل التصديق والطاعة، فيصدق بكل الأخبار، ويطيع في المأمورات، فلا يرد شيئاً مما تقتضيه كلمة التوحيد؛ لأن فيه جناية على النفس والشرع فجنايته على النفس برد ما أُمر به، وهذا مخالف لفطرته، لكن كثيراً من عرف رد، بطارئ الحسد والكِبر، وكما كان في أقوام الأنبياء السابقين، قال تعالى عن قوم صالح لما جاءهم برسالة الحق: " قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ " (الأعراف ٧٦)، وقال تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ" (سبأ ٣٤)، أي: جاحدون. (٤) وقال تعالى: " قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ " (فصلت ١٤)، أي: جاحدون. (٥)

стр. 276

وقال تعالى: " قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ " (الزخرف ٢٤)، أي: جاحدون " (١). وقال تعالى: " وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ " (الزخرف ٣٠)، أي: جاحدون. (٢) ومن صور رد الشرع، قول الكفار المشركين: " وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ " (ص ٤)، أي: خادع كذاب (٣)، تعالى نبينا ﷺ عن قولهم الكاذب. وهذا ما قاله الأولون مع أنبيائهم، " وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ " (غافر ٢٣ ـ ٢٤) وقال تعالى عن وجه آخر من رد الشرع: " وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " (الأعراف ٣٦)، يقول السمعاني: " وإنما ذكر الاستكبار؛ لأن كل مكذب، وكل كافر مستكبر، وإنما كذب وكفر تكبراً " (٤). وقال تعالى: " إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ " (النحل ٢٢)، يقول السمعاني: " أي متكبرون، ويقال: إنه لا ينكر الدين إلا متكبر " (٥). وقال تعالى: " إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ " (الصافات ٣٥)، أي: عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها. (٦) وقال تعالى: " إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ". (غافر ٦٠)، أي عن دعائي، ويُقال: عن توحيدي.

стр. 277

أما المؤمنون فهم خاضعون، ذليلون، منقادون، قابلون لكل ما جاء به الحق غير مستكبرين، قال تعالى: " إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ " (السجدة ١٥)، "أي: لا يتكبرون، ويقال: من سجد لله فقد طرح التكبر عن رأسه " (١). المسألة الثانية: فضائل كلمة التوحيد: لكلمة التوحيد فضائل كثيرة، وفوائد جمة مستفيضة، ويكفيها شرفاً، وعلواً، ورفعة، ومقاماً، اختصاصها بالذات العلية المقدسة، ومع ذلك فقد ورد في القرآن الكريم، ما يدل على اختصاصها، وميزاتها، وفضائلها، وقد تتبعها السمعاني في تفسيره، وأظهر المراد منها، وبيّن كلام السلف فيها، ومن ذلك: ١ ـ أن كلمة التوحيد، سبب لحط الذنوب، قال تعالى: " ... وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ " (البقرة ٥٨)، قال عكرمة: هو قول: لا إله إلا الله. (٢) ٢ ـ أنها العروة الوثقى، قال تعالى: " فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " (البقرة ٢٥٦)، قال ابن عباس: أراد به كلمة (لا إله إلا الله). (٣) ٣ ـ أنها زاد المتقين، وشَرُفَ وصفهم بها، قال تعالى:" إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " (المائدة ٢٧)، قال قتادة: المتقون: أهل لا إله إلا الله. (٤) ٤ ـ أنها أعظم الحسنات، قال تعالى: " مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا " (الأنعام ١٦٠)، قال السمعاني: " قال أبو صالح: الحسنة: قول لا إله إلا الله ". (٥) ٥ ـ أنها الكلمة العليا، قال تعالى:" وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا " (التوبة ٤٠)، قال السمعاني: "يعني لا إله إلا الله، وهي العليا إلى يوم القيامة ". (٦)

стр. 278

٦ ـ هي الإحسان، يقول تعالى:" لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ " (يونس ٢٦). " والإحسان: هو قول: لا إله إلا الله ". (١) ٧ ـ هي دعوة الحق، قال تعالى: " لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ " (الرعد ١٤): " وهي شهادة أن لا إله إلا لله، هذا روي عن ابن عباس وغيره " (٢) ٨ ـ أنها الكلمة الطيبة، قال تعالى:" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً" (إبراهيم ٢٤)، قال السمعاني: " أجمع المفسرون على أن الكلمة الطيبة ها هنا: لا إله إلا الله ". (٣) ٩ ـ أنها القول الثابت، قال تعالى: " يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ " (إبراهيم ٢٧)، " القول الثابت: كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله" (٤) ١٠ ـ وهي المثل الأعلى: قال تعالى: " وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى " (النحل ٦٠)، قال مجاهد: ومن المثل الأعلى، شهادة أن لا إله إلا الله، وقال قتادة: الصفة الأعلى؛ أنه لا إله إلا الله. (٥) ١١ ـ وهي العدل، قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ " (النحل ٩٠)، قال ابن عباس: العدل هو شهادة أن لا إله إلا الله. (٦) ١٢ ـ هي أقوم وأعدل كلمة، قال تعالى: " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ " (الإسراء ٩)، قال السمعاني:"وأقوم أي: أعدل، والكلمة هي: شهادة أن لا إله إلا الله ". (٧) ١٣ ـ وهي ذكر الله تعالى، قال تعالى: " وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا " (الإسراء ٤٦)، هو قول لا إله إلا الله. (٨)

стр. 279

١٤ ـ وهي العهد، قال تعالى: " أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا " (مريم ٧٨)، وهي لا إله إلا الله. (١) ١٥ ـ وهي القول المرضي عند الله، قال تعالى: " يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا " (طه ١٠٩)، " أي: قول: لا إله إلا الله، وهو القول المرضي عند الله " (٢). وقال تعالى: " وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى" (الأنبياء ٢٨)، معناه: إلا لمن قال: لا إله إلا الله. (٣) ١٦ ـ وهي الطيب من القول، قال تعالى: " وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ " (الحج ٢٤)، قال ابن عباس: هو شهادة أن لا إله إلا الله. (٤) ١٧ ـ وهي العمل الصالح، قال تعالى:" حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ " (المؤمنون ٩٩ - ١٠٠)، أي: أقول: لا إله إلا الله. (٥) ١٨ ـ وهي أساس دعوة الأنبياء، قال تعالى: " وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا " (الأحزاب ٤٦)، " وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ" أي: إلى الإسلام، وقيل: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. (٦) ١٩ ـ وهي القول السديد، قال تعالى: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا" (الأحزاب ٧٠)، قال ابن عباس: هو كلمة لا إله إلا الله. (٧) ٢٠ ـ وهي الموعظة، قال تعالى: " قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ " (سبأ ٤٦)، " قيل: بتوحيد الله، وهو قوله: لا إله إلا الله ". (٨)

стр. 280

٢١ ـ وهي الكلم الطيب، قال تعالى: " إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ " (فاطر ١٠)، وهو لا إله إلا الله. (١) ٢٢ ـ وهي الدين الخالص، قال تعالى: " أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ " (الزمر ٣)، قال قتادة: "أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ"، هو قول القائل: لا إله إلا الله. (٢) ٢٣ ـ وهي أحسن القول: قال تعالى:" الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ " (الزمر ١٨)، يقول السمعاني: " يستمعون القول، أي: الكلام، فيتبعون أحسنه، أي قول: لا إله إلا الله ". (٣) ٢٤ ـ وهي عنوان الاستجابة، قال تعالى: " اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ" (الشورى ٤٧)، " أي: استجيبوا لربكم بقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ". (٤) ٢٥ ـ وهي الكلمة الباقية، قال تعالى: " وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " (الزخرف ٢٨)، قال مجاهد: هي قول لا إله إلا الله. (٥) ٢٦ ـ وهي كلمة التقوى، قال تعالى:" وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى " (الفتح ٢٦)، يقول السمعاني: " روى أبو الطفيل عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ : " هي: لا إله إلا الله " (٦)،وفي الخبر المشهور عن عمر قال: إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: أنا أعلم كلمة إذا قالها العبد، مخلصاً من نفسه دخل الجنة، ولا أدري ما هي، فقال: أنا أدري، هي الكلمة التي ألاص عليها عمه ـ أي: ألحَّ على عمه أن يقولها، وهي: لا إله إلا الله " (٧).

стр. 281

٢٧ ـ وهي القول الصواب، قال تعالى: " إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا " (النبأ ٣٨)، يقول السمعاني: " أي: حقاً، وقيل: هو لا إله إلا الله، والمعنى: أنهم لا يتكلمون إلا بإذن، أو كلاماً صواباً، وهو لا إله إلا الله " (١). ٢٨ ـ وهي سبب التزكية للنفس، قال تعالى: " قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى " (الأعلى ١٤)، يقول السمعاني: " أي تطهر بالعمل الصالح، ويُقال: فلان تزكى بقول: لا إله إلا الله " (٢). ٢٩ ـ وهي الحُسنى، قال تعالى: " وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى " (الليل ٦)، قال أبو عبدالرحمن السلمي وعطاء: صدق الحسنى، أي بلا إله إلا الله. (٣) ٣٠ ـ وهي سبب لمغفرة الذنوب، قال تعالى: " غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ " (غافر ٣)، يقول السمعاني:" وقال بعضهم: غافر الذنب، لمن قال: لا إله إلا الله " (٤). ٣١ ـ وهي شهادة الحق، قال تعالى: " إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ " (الزخرف ٨٦)، " معناه: وهو من شهد بلا إله إلا الله " (٥). ٣٢ ـ أن جزاءها الجنة، قال تعالى: " هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ " (الرحمن ٦٠)، " يُقال: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله إلا الجنة " (٦)، وقال تعالى:" جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى " (طه ٧٦)، " وقيل: جزاء من قال: لا إله إلا الله " (٧).

стр. 282

المطلب الخامس: مسائل في توحيد الإلهية: الإمام السمعاني إمام محقق مدقق، شأنه شأن بقية العلماء، يصيب في اجتهاده ويُخطئ، لكن لدقة فهمه وقوة علمه، تبرز اجتهاداته في مُقدم الآراء، وتراه يُعطي بعض المسائل المُشكلة حقها من البحث والنظر والاستدلال، ودائما ما يخلص إلى رأي سديد يوافق فيه الجماعة، وربما خالف بحسب ما ظهر له من الأدلة، ومن المسائل المشكلة التي تتعلق بتوحيد الألوهية، التي يُظن فيها التعارض مع ما قرره القرآن الكريم في شأن هذا النوع من التوحيد، والتي تُشكل على بعض الناظرين لأول وهلة، كان لزاما على أمثال السمعاني ينبروا لإزاحة الإشكالات التي ترد، وتوجيه ما قد يعرض للذهن والفهم من خطأ وقصور، وبيان وجه الحق فيها، ومن تلك المسائل المشلكة التي تصدى لها السمعاني: ١ - تحقيق قصة الغرانيق، وأثرها على لبلاغ والتوحيد. ٢ - توجيه قول الله تعالى لنبيه ﷺ : (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين). ٣ - تحقيق القول في وقوع آدم ﵇ في الشرك. ٤ - توجيه قوله تعالى عن إبراهيم الخليل: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام). المسألة الأولى: قصة الغرانيق العلا قال تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " (الحج ٥٢)، يُقال: لما قرأ النبي ﷺ في الصلاة سورة النجم، فلما بلغ قوله: " أَفَرَءَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) " (النجم ١٩ ـ ٢٠)، ألقى الشيطان على لسانه: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى "، ما مدى صحة هذه الرواية، وكيف يجوز هذا على النبي ﷺ وقد كان معصوماً من الغلط في أصل الدين؟!

стр. 283

تطرق الإمام السمعاني لهذه المسألة، وبحثها بحثاً مستفيضاً كعادته، وذكر فيها أقوال المفسرين، ورجح السمعاني صحة ما ورد من قصة الغرانيق، ونسبه لأكثر السلف، وذلك أن هذا شيء جرى على لسان الرسول ﷺ بإلقاء الشيطان، من غير أن يعتقد، وذلك محنة وفتنة من الله تعالى، والله يمتحن عباده بما شاء، ويفتنهم بما يريد، وليس عليه اعتراض لأحد، وقال: وقالوا: إن هذا وإن كان غلطاً عظيماً، فالغلط يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه. (١) لكن شيخ الإسلام ابن تيمية، مع كونه (والله أعلم) يميل إلى هذا القول، ويجعله هو المشهور عند السلف والخلف (٢)، يقول: " والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك " (٣)، إلا أنه بيَّن منزع الخلاف عند العلماء، فيما يتعلق بهما من جهة العصمة، فقال: " والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ بإتفاق المسلمين. ولكن يصدر مايستدركه الله، فينسخ ما يُلقي الشيطان، ويحكم الله آياته؟ هذا فيه قولان " (٤). وقال: " ومن قامت البراهين والآيات، على صدقه فيما يُبلِّغه عن الله، كان صادقاً في كل ما يُخبر به عن الله، لا يجوز أن يكون في خبره عن الله شيء من الكذب، لا عمداً، ولا خطأً، وهذا مما اتفق عليه جميع الناس، من المسلمين، واليهود والنصارى، وغيرهم، لم يتنازعوا أنه لا يجوز أن يستقر خبره عن الله خطأ، وإنما تنازعوا هل يجوز أن يقع من الغلط، ما يستدركه ويُبيِّنه، فلا ينافي مقصود الرسالة، كما نُقل من ذكر: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) " (٥). وهذه المسألة، اختلف الناس فيها على قولين، قول يُجيز وقوعها على ما ورد عن السلف في بيان هذه القصة، وهؤلاء العلماء حين قرروا صحتها، ذهبوا يؤولون ويوجهون الأقوال، مع ما يتناسب مع القول بالعصمة، ولذا كثرت أقوالهم في المسألة.

стр. 284

وقول يمنع أصالة وقوع مثل هذه القصة، وطعنوا في الروايات الواردة عن السلف، وحكموا بعدم ثبوتها، مع مخالفتها من جهة أخرى للنصوص النقلية، الحجج العقلية، وهؤلاء سَلِموا من كل الأقوال الموجهة، لنفي التعارض بين صحة القصة، وقضية العصمة. ومُحصِّل ما ذكر العلماء في هذه المسألة ما يلي: القول الأول: أن ما ورد من إلقاء الشيطان على لسان النبي ﷺ صحيح، وارد عن ابن عباس وجماعة. وهذا ما رجحه الإمام السمعاني، والزجاج وغيرهم. قال الزجاج: " معنى (إذا تمنى) إذا تلا، ألقى الشيطان في تلاوته، فذلك محنة من الله عزوجل، وله أن يمتحن بما شاء، فألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ شيئاً من صفة الأصنام، فافتتن بذلك أهل الشقاق والنفاق، ومن في قلبه مرض " (١). وفي دعم هذا القول، يقول الأنجري (٢): " فتحصل أنه ﵊ لم ينطق بتلك الكلمات قط، لا سهواً ولا عمداً، وإنما ألقيت في مسامع الكفار؛ ليحصل ما تمناه ﵊ من المقاربة. ويدل على هذا، أن من حضر من المسلمين، لم يسمعوا من ذلك شيئاً، فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين، وأهل السير، من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق، وتأويل قريب، فلا تحسن المبادرة بالإنكار والرد عليهم، وهم عدول، لا سيما حبر هذه الأمة، وإنما يحتاج اللبيب على التطبيق بين المنقول والمعقول، فإن لم يمكن قدم المنقول إن ثبتت صحته، وحكم على العقل بالعجز " (٣).

стр. 285

ولذا حكم الحافظ ابن حجر على مجموع هذه الروايات بأن لها أصلاً، مع أنه حكى بضعف كل هذه الروايات ما عدا طريق سعيد بن جبير، ثم حكم على ثلاثة أسانيد بأنها مرسلة وعلى على شرط الصحيح، وقال: وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل. ثم رد على الإمام ابن العربي والقاضي عياض في توهينهما لهذه القصة (١). ثم ذكر مسالك العلماء في توجيه هذه القصة، مع ما يتوافق مع العصمة. وكذا صححها الشيخ سليمان بن عبدالوهاب. (٢) ومن الأقوال التي قيلت في المسألة، بناء على صحة ما ورد: ١ ـ قيل: إن الرسول ﵊، لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر هذا بين قراءة النبي ﷺ ، وسمع المشركون ذلك، وظنوا أن الرسول قرأ، وهذا اختيار الأزهري وغيره. (٣) ٢ ـ وقيل: إن الرسول ﵊، أغفى إغفاءة ونعس، فجرى على لسانه هذا، ولم يكن به خبر بإلقاء الشيطان، وهذا قول قتادة. (٤) ٣ ـ وقيل: إن هذا ألقاه بعض المنافقين في قراءته، وكان المنافق هو القارئ، فظن المشركون أن الرسول ﷺ قرأ، وسُمي ذلك المنافق شيطاناً؛ لأن كل كافر متمرد بمنزلة الشيطان. قال السمعاني: " وهذا جواب ضعيف " (٥). ٤ ـ وقيل: إن شيطاناً يُقال له: الأبيض، عمل هذا العمل، وفي بعض الروايات: أنه تصور بصورة جبريل، وأدخل في قراءته هذا. (٦) ٥ ـ وقيل: ألقاه الشيطان على لسان النبي ﷺ ، فقرأ ساهياً. ٦ ـ وقيل: إن النبي ﷺ قالها على وجه التعيير والزجر، يعني: أنكم تعبدونها كأنها الغرانيق العلى، كما قال إبراهيم: " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا " (الأنبياء ٦٣).
следующие страницы →