← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٢٧ ـ وهي القول الصواب، قال تعالى: " إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا " (النبأ ٣٨)، يقول السمعاني: " أي: حقاً، وقيل: هو لا إله إلا الله، والمعنى: أنهم لا يتكلمون إلا بإذن، أو كلاماً صواباً، وهو لا إله إلا الله " (١). ٢٨ ـ وهي سبب التزكية للنفس، قال تعالى: " قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى " (الأعلى ١٤)، يقول السمعاني: " أي تطهر بالعمل الصالح، ويُقال: فلان تزكى بقول: لا إله إلا الله " (٢). ٢٩ ـ وهي الحُسنى، قال تعالى: " وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى " (الليل ٦)، قال أبو عبدالرحمن السلمي وعطاء: صدق الحسنى، أي بلا إله إلا الله. (٣) ٣٠ ـ وهي سبب لمغفرة الذنوب، قال تعالى: " غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ " (غافر ٣)، يقول السمعاني:" وقال بعضهم: غافر الذنب، لمن قال: لا إله إلا الله " (٤). ٣١ ـ وهي شهادة الحق، قال تعالى: " إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ " (الزخرف ٨٦)، " معناه: وهو من شهد بلا إله إلا الله " (٥). ٣٢ ـ أن جزاءها الجنة، قال تعالى: " هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ " (الرحمن ٦٠)، " يُقال: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله إلا الجنة " (٦)، وقال تعالى:" جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى " (طه ٧٦)، " وقيل: جزاء من قال: لا إله إلا الله " (٧).

стр. 282

المطلب الخامس: مسائل في توحيد الإلهية: الإمام السمعاني إمام محقق مدقق، شأنه شأن بقية العلماء، يصيب في اجتهاده ويُخطئ، لكن لدقة فهمه وقوة علمه، تبرز اجتهاداته في مُقدم الآراء، وتراه يُعطي بعض المسائل المُشكلة حقها من البحث والنظر والاستدلال، ودائما ما يخلص إلى رأي سديد يوافق فيه الجماعة، وربما خالف بحسب ما ظهر له من الأدلة، ومن المسائل المشكلة التي تتعلق بتوحيد الألوهية، التي يُظن فيها التعارض مع ما قرره القرآن الكريم في شأن هذا النوع من التوحيد، والتي تُشكل على بعض الناظرين لأول وهلة، كان لزاما على أمثال السمعاني ينبروا لإزاحة الإشكالات التي ترد، وتوجيه ما قد يعرض للذهن والفهم من خطأ وقصور، وبيان وجه الحق فيها، ومن تلك المسائل المشلكة التي تصدى لها السمعاني: ١ - تحقيق قصة الغرانيق، وأثرها على لبلاغ والتوحيد. ٢ - توجيه قول الله تعالى لنبيه ﷺ : (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين). ٣ - تحقيق القول في وقوع آدم ﵇ في الشرك. ٤ - توجيه قوله تعالى عن إبراهيم الخليل: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام). المسألة الأولى: قصة الغرانيق العلا قال تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " (الحج ٥٢)، يُقال: لما قرأ النبي ﷺ في الصلاة سورة النجم، فلما بلغ قوله: " أَفَرَءَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) " (النجم ١٩ ـ ٢٠)، ألقى الشيطان على لسانه: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى "، ما مدى صحة هذه الرواية، وكيف يجوز هذا على النبي ﷺ وقد كان معصوماً من الغلط في أصل الدين؟!

стр. 283

تطرق الإمام السمعاني لهذه المسألة، وبحثها بحثاً مستفيضاً كعادته، وذكر فيها أقوال المفسرين، ورجح السمعاني صحة ما ورد من قصة الغرانيق، ونسبه لأكثر السلف، وذلك أن هذا شيء جرى على لسان الرسول ﷺ بإلقاء الشيطان، من غير أن يعتقد، وذلك محنة وفتنة من الله تعالى، والله يمتحن عباده بما شاء، ويفتنهم بما يريد، وليس عليه اعتراض لأحد، وقال: وقالوا: إن هذا وإن كان غلطاً عظيماً، فالغلط يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه. (١) لكن شيخ الإسلام ابن تيمية، مع كونه (والله أعلم) يميل إلى هذا القول، ويجعله هو المشهور عند السلف والخلف (٢)، يقول: " والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك " (٣)، إلا أنه بيَّن منزع الخلاف عند العلماء، فيما يتعلق بهما من جهة العصمة، فقال: " والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ بإتفاق المسلمين. ولكن يصدر مايستدركه الله، فينسخ ما يُلقي الشيطان، ويحكم الله آياته؟ هذا فيه قولان " (٤). وقال: " ومن قامت البراهين والآيات، على صدقه فيما يُبلِّغه عن الله، كان صادقاً في كل ما يُخبر به عن الله، لا يجوز أن يكون في خبره عن الله شيء من الكذب، لا عمداً، ولا خطأً، وهذا مما اتفق عليه جميع الناس، من المسلمين، واليهود والنصارى، وغيرهم، لم يتنازعوا أنه لا يجوز أن يستقر خبره عن الله خطأ، وإنما تنازعوا هل يجوز أن يقع من الغلط، ما يستدركه ويُبيِّنه، فلا ينافي مقصود الرسالة، كما نُقل من ذكر: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) " (٥). وهذه المسألة، اختلف الناس فيها على قولين، قول يُجيز وقوعها على ما ورد عن السلف في بيان هذه القصة، وهؤلاء العلماء حين قرروا صحتها، ذهبوا يؤولون ويوجهون الأقوال، مع ما يتناسب مع القول بالعصمة، ولذا كثرت أقوالهم في المسألة.

стр. 284

وقول يمنع أصالة وقوع مثل هذه القصة، وطعنوا في الروايات الواردة عن السلف، وحكموا بعدم ثبوتها، مع مخالفتها من جهة أخرى للنصوص النقلية، الحجج العقلية، وهؤلاء سَلِموا من كل الأقوال الموجهة، لنفي التعارض بين صحة القصة، وقضية العصمة. ومُحصِّل ما ذكر العلماء في هذه المسألة ما يلي: القول الأول: أن ما ورد من إلقاء الشيطان على لسان النبي ﷺ صحيح، وارد عن ابن عباس وجماعة. وهذا ما رجحه الإمام السمعاني، والزجاج وغيرهم. قال الزجاج: " معنى (إذا تمنى) إذا تلا، ألقى الشيطان في تلاوته، فذلك محنة من الله عزوجل، وله أن يمتحن بما شاء، فألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ شيئاً من صفة الأصنام، فافتتن بذلك أهل الشقاق والنفاق، ومن في قلبه مرض " (١). وفي دعم هذا القول، يقول الأنجري (٢): " فتحصل أنه ﵊ لم ينطق بتلك الكلمات قط، لا سهواً ولا عمداً، وإنما ألقيت في مسامع الكفار؛ ليحصل ما تمناه ﵊ من المقاربة. ويدل على هذا، أن من حضر من المسلمين، لم يسمعوا من ذلك شيئاً، فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين، وأهل السير، من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق، وتأويل قريب، فلا تحسن المبادرة بالإنكار والرد عليهم، وهم عدول، لا سيما حبر هذه الأمة، وإنما يحتاج اللبيب على التطبيق بين المنقول والمعقول، فإن لم يمكن قدم المنقول إن ثبتت صحته، وحكم على العقل بالعجز " (٣).

стр. 285

ولذا حكم الحافظ ابن حجر على مجموع هذه الروايات بأن لها أصلاً، مع أنه حكى بضعف كل هذه الروايات ما عدا طريق سعيد بن جبير، ثم حكم على ثلاثة أسانيد بأنها مرسلة وعلى على شرط الصحيح، وقال: وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل. ثم رد على الإمام ابن العربي والقاضي عياض في توهينهما لهذه القصة (١). ثم ذكر مسالك العلماء في توجيه هذه القصة، مع ما يتوافق مع العصمة. وكذا صححها الشيخ سليمان بن عبدالوهاب. (٢) ومن الأقوال التي قيلت في المسألة، بناء على صحة ما ورد: ١ ـ قيل: إن الرسول ﵊، لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر هذا بين قراءة النبي ﷺ ، وسمع المشركون ذلك، وظنوا أن الرسول قرأ، وهذا اختيار الأزهري وغيره. (٣) ٢ ـ وقيل: إن الرسول ﵊، أغفى إغفاءة ونعس، فجرى على لسانه هذا، ولم يكن به خبر بإلقاء الشيطان، وهذا قول قتادة. (٤) ٣ ـ وقيل: إن هذا ألقاه بعض المنافقين في قراءته، وكان المنافق هو القارئ، فظن المشركون أن الرسول ﷺ قرأ، وسُمي ذلك المنافق شيطاناً؛ لأن كل كافر متمرد بمنزلة الشيطان. قال السمعاني: " وهذا جواب ضعيف " (٥). ٤ ـ وقيل: إن شيطاناً يُقال له: الأبيض، عمل هذا العمل، وفي بعض الروايات: أنه تصور بصورة جبريل، وأدخل في قراءته هذا. (٦) ٥ ـ وقيل: ألقاه الشيطان على لسان النبي ﷺ ، فقرأ ساهياً. ٦ ـ وقيل: إن النبي ﷺ قالها على وجه التعيير والزجر، يعني: أنكم تعبدونها كأنها الغرانيق العلى، كما قال إبراهيم: " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا " (الأنبياء ٦٣).

стр. 286

٧ ـ وقيل: إن النبي ﷺ تمنى أي تفكَّر، وحدث بنفسه تلك الغرانيق العلى، ولم يتكلم به؛ لأن النبي ﷺ كان حجة، فلا يجوز أن يكون يجري على لسانه كلمة الكفر. ٨ ـ وقيل: إن النبي ﷺ دخل المسجد، وجلس عنده جماعة من المشركين، فتمنى في نفسه أن لا يأتيه من الله شيء ينفرون منه، فابتلاه الله تعالى، بما ألقى الشيطان في أمنيته. (١) ٩ ـ وقيل: أراد بالغرانيق العلى الملائكة، يعني: أن الشفاعة ترتجى منهم، لا من الأصنام، قال الثعلبي: " وهذا القول ليس بالقوي، ولا بالمرضي " (٢). القول الثاني: عدم صحة هذه القصة أساساً، وردها، وعدم الاحتجاج بها، وهذا قول كثير من محققي أهل العلم، ولذا شنع الرازي على أصحاب القول الأول، واعتبر أن القول بثبوت هذه القصة طعن في القرآن، فقال: " وعند هذا يُعلم أن من قال: إن الشيطان ألقى قوله: تلك الغرانيق العلى، في أثناء الوحي، فقد قال قولاً عظيماً، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن " (٣)، وقد رد على الآثار الواردة في هذا الباب، فقال بعد أن نقل الرواية الواردة في ثبوت القصة: " هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين، أما أهل التحقيق، فقد قالوا: هذه الرواية باطلة، موضوعة، واحتجوا عليه بالقرآن، والسنة، والمعقول " (٤)، ثم شرع في سرد الدلائل التي تدل على خلاف هذا القول، ورد على الأقوال الأخرى. وممن أطال النفس في هذه المسألة، ورد على الأقوال المثبتة للقصة، الإمام ابن العربي، والقاضي عياض، وفقد تتبعوا ما قيل، وردوا عليه. ومن هنا قال القرطبي في تفسيره: " الأحاديث المروية في نزول هذه الآية، وليس منها شيء يصح " (٥).

стр. 287

وقال البيضاوي (١): " وهو مردود عند المحققين، وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه " (٢). وقال ابن كثير عن طرق رواية حديث الغرانيق: " ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح " (٣)، وقال الشوكاني: " ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه " (٤)، وقال الخطيب الشربيني بعد أن ذكر كلام الرازي في وضع قصة الغرانيق: " هذا هو الذي يطمئن إليه القلب، وإن أطنب ابن حجر العسقلاني في صحتها " (٥)، ويقول الشنقيطي:" اعلم أن مسألة الغرانيق، مع استحالتها شرعاً، ودلالة القرآن على بطلانها، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، كما صرَّح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب " (٦). والنقل عن العلماء يطول جداً، في بيان عدم ثبوت هذه القصة، ولذا قال الإمام ابن حزم: "وأما الحديث الذي فيه: وإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فكذب بحت موضوع؛ لأنه لم يصح قط من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به؛ إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد " (٧). وقال أبو حيان:" وهي قصة سُئل عنها الإمام محمد بن إسحاق، جامع السيرة النبوية، فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتاباً. وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل " (٨).

стр. 288

وقال النحاس: " وهذا يجب أن يوقف على معناه من جهة الدين؛ لطعن من طعن فيه من الملحدين. فأول ذلك: أن الحديث ليس بمتصل الإسناد، ولو اتصل إسناده وصح لكان المعنى فيه صحيحاً " (١)، ونقل الألوسي عن أبي منصور الماتريدي قوله: " تلك الغرانيق العلى، من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة؛ حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين؛ ليرتابوا في صحة الدين، وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية " (٢). ثم ذكر الألوسي أوجهاً باطلة، تلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس. وممن أطال نقد هذه القصة، القاسمي في تفسيره، و د. محمد أبو شهبة في كتابه: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ". الترجيح: سبق أن ذكرنا رأي الإمام السمعاني في هذه المسألة، وهو إثبات أصل هذه القصة، ولكن حملها على ما يوافق العصمة، وإنما كان ذلك ابتلاء واختباراً من الله تعالى. وهذا هو الذي سار عليه كثير من العلماء ممن أثبت هذه القصة، فإنهم حملوها على ما يوافق العصمة، يقول ابن الجوزي: " ... فلما سمعوا هذه السورة، قال بعض الشياطين: هذه الكلمات على وزنها، فظنوا أن رسول الله قد قالها، وإنما قيلت في ضمن تلاوته. فأما أن يكون جرى على لسان الرسول المعصوم ﷺ مثل هذا فمحال، فلا تغتر بما تسمعه في التفاسير، من أنه جرى على لسانه، فإنه لو صح هذا لاختلط الحق بالباطل، وجاز أن يشك في الصحيح " (٣). وهذا فيه رد لقول السمعاني، في أن هذا شيء جرى على لسان الرسول ﷺ ، لكنه قال: وليس عليه اعتراض لأحد، وقالوا: إن هذا وإن كان غلطاً عظيماً، فالغلط يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه. (٤) وهذا التوجيه وغيره مما ذكر، يستقيم عند من صحح الآثار واعتبرها.

стр. 289

وتصحيح الحافظ ابن حجر لها، تعقبه فيها العيني، فبعد أن نقل قوله، قال: " قلت: الذي ذكراه هو اللائق بجلالة قدر النبي ﷺ ، فإنه قد قامت الحجة، واجتمعت الأمة على عصمة النبي ﷺ ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، وحاشاه أن يجري على قلبه أو لسانه شيء من ذلك، لا عمداً ولا سهواً، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله ، لا عمداً ولا سهواً. والنظر والعرف أيضاً يحيلان ذلك، ولو وقع لارتد كثير ممن أسلم، ولم يُنقل ذلك، ولا كان يخفى على من كان بحضرته من المسلمين " (١)، وقال: " وما قيل: كان ذلك بسبب ما القى الشيطان في أثناء قراءة رسول الله ﷺ : تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى، فلا حجة له نقلاُ وعقلاً " (٢) ولذا فإن الراجح ـ والله أعلم ـ هو قول من ذهب إلى أن القصة غير صحيحة، وقد نُقل عن الإمام ابن خزيمة أنه قال عنها: هي من وضع الزنادقة. (٣) وقال الشنقيطي مبيناً جهة بطلانها من نفس السورة، فقال: " وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين .... الذي لا شك في بطلانه، في نفس سياق آيات النجم، التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم، قرينة واضحة على بطلان هذا القول؛ لأن النبي ﷺ قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى في اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى: " إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ " (النجم ٢٣)، وليس من المعقول، أن النبي ﷺ يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخراً عن ذكره لها بخيرٍ المزعوم، وإلا غضبوا، ولم يسجدوا؛ لأن العبرة بالكلام الأخير " (٤).

стр. 290

ومن لطيف الأدلة التي ذكرها الرازي عن بعض من لقيه، في بطلان هذا القول ما ذكره من قوله: " وكان صديقنا الملك سام بن محمد يرحمه الله ـ وكان من أفضل من لقيته من أرباب السلطنة، يقول: هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة، باطل من وجهين أخرين: الأول: أن النبي ﷺ قال: " من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي " (١) فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى. الثاني: أن النبي ﷺ قال: " ما سلك عمر فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر " (٢). فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي الله تعالى " (٣). وهذه الأوجه مع لطافتها، إلا أنها مما يُستأنس بها، وإلا لو صح ما رُوي عن السلف من الآثار؛ لكان ما جرى للنبي ﷺ هو من باب الامتحان والاختبار للعباد، كما قال السمعاني. المسألة الثانية: توجيه قوله تعالى لنبيه ﷺ : (لئن أشركت ليحبطن عملك) . قال الله تعالى مخاطباً نبيه ﵊:" وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ " (الزمر ٦٥). وفي قوله تعالى بعد ما سرد ذكر أنبيائه قال: " وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (الأنعام ٨٨). فكيف يكون توجيه الخطاب في هذه الآية، مع ما تقرر من عصمة الأنبياء عن الوقوع في الشرك؟! ذكر السمعاني في توجيه قوله تعالى: " لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ " (الزمر ٦٥) قولان: ١ ـ هذا خطاب للرسول ﷺ ، والمراد منه غيره. ٢ ـ يجوز أن يكون تأديباً للرسول ﷺ وتخويفاً له، ليتمسك بما عليه. (٤)

стр. 291

وفي تتبع أقواله في بقية الآيات الواردة، كهذا السياق، يوجهها السمعاني إلى مثل القول الأول، فمثلاً: ـ في قوله تعالى: " وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم " (البقرة ١٢٠)، يقول: " قيل: إنه خطاب للنبي ﷺ ، والمراد به الأمة؛ لأنه كان معصوماً من اتباع الأهواء، ومثله قوله تعالى: " لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ " " (١) وبمثله وجه الآية الواردة في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، " وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (٢). وهذا هو غالب ما عليه أهل التفسير، فسياق الآيات الواردة في مثل هذا الشأن، يحملها المفسرون، إما على سبيل الفرض والتقدير، وإما تحوير الخطاب لغير النبي ﷺ فيكون المراد أمته، وإنما خوطب ﵊ بذلك؛ ليعرف من دونه أن الشرك يحبط الأعمال المتقدمة كلها، ولو وقع من نبي. (٣) قال ابن عباس ﵁: هذا أدب من الله تعالى، لنبيه ﷺ ، وتهديد لغيره؛ لأن الله تعالى قد عصمه من الشرك، ومداهنة الكفار. (٤) وقد ذكر الرازي أوجهاً، في سبب تخصيصه بالنهي ﵊، منها: ـ أن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير. (٥) ومن الآيات الكريمة التي حملها أهل التفسير، على مثل هذا الشأن، قوله تعالى: ـ " لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا " (الإسراء ٢٢) ـ " وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا " (الإنسان ٢٤) ـ " فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ " (القلم ٨) ـ " وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ " (القلم ١٠) ـ " وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ " (الشورى ١٥)

стр. 292

ـ " فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ " (الأنعام ١٥٠) ـ " يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ " (الأحزاب ١) ـ " وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ " (القلم ٩) ـ " وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " (الأنعام ١٤) ـ " وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ " (الحاقة ٤٤) ـ " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (آل عمران ١٦١) ومن العبارات التي قيلت في هذا الشأن ما يلي: قال الإمام الرازي: " وقال في حق محمد ﷺ ، " لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ " وقد أجمعوا على أنه ﵊، ما أشرك، وما مال إليه " (١). وقال: " أن قوله: " لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ "، قضية شرطية، والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها، صدق جزائها. ألا ترى أن قولك: لو كانت الخمسة زوجاً، لكانت منقسمة بمتساويين، قضية صادقة، مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق، قال تعالى: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا " (الأنبياء ٢٢)، ولم يلزم من هذا، صدق القول بأن فيهما آلهة، وبأنهما قد فسدتا. (٢) وقال الإمام القرطبي: " واستظهر علماؤنا بقوله تعالى: " لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ": قالوا: هو خطاب للنبي ﷺ والمراد أمته؛ لأنه ﵊ يستحيل منه الردة شرعاً. وقال أصحاب الشافعي: بل هو خطاب النبي ﷺ على طريق التغليظ على الأمة، وبيان أن النبي ﷺ على شرف منزلته، لو أشرك لحبط عمله، فكيف أنتم، لكنه لا يُشرك لفضل مرتبته " (٣)

стр. 293

وقال البيضاوي: " كلام على سبيل الفرض، والمراد به: تهييج الرسل، وإقناط الكفرة، والإشعار على حكم الأمة " (١) وقال ابن جزي: " أن ذلك على وجه الفرض والتقدير، أي لو وقع منهم الشرك، لحبطت أعمالهم، لكنهم لم يقع منهم الشرك بسبب العصمة، ويحتمل أن يكون الخطاب لغيرهم، وخوطبوا هم؛ ليدل المعنى على غيرهم بالطريق الأولى " (٢) وقال الإمام ابن كثير: " وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين " (الزخرف ٨١)، وكقوله: " لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) " (الأنبياء ١٧)، وكقوله: " لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ " (الزمر ٤) " (٣) وقال الثعالبي:" بأن ماورد من مثل هذا، فهو محمول على إرادة الأمة؛ لعصمة النبي ﷺ وإنما المراد: من يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطب هو ﷺ تعظيماً للأمر " (٤) وقال الشوكاني: " هذا الكلام من باب التعريض لغير الرسل؛ لأن الله سبحانه قد عصمهم من الشرك، ووجه إيراده على هذه الوجه: التحذير والإنذار للعباد من الشرك؛ لأنه إذا كان موجباً لإحباط عمل الأنبياء على الفرض، والتقدير: فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى " (٥) وقال العثيمين: " فهذا يحتمل أنه للرسول ﷺ وحده، ولكن أمته تبع له، وهو ظاهر اللفظ، وإن كان هذا الشرك لا يقع منه؛ لأن (إن) قد يراد بها فرض الشيء دون وقوعه " (٦)

стр. 294

المسألة الثالثة: تحقيق القول في وقوع الشرك من آدم ﵇ . قال تعالى في شأن آدم وحواء: " فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) " (الأعراف ١٩٠)، جاء في سبب النزول عن ابن عباس ﵁ قال: كانت حواء تلد لآدم، فتعبدهم لله، تسميه (عبيدالله)، و (عبدالله) ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم، فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلاً فسماه " عبدالحارث ". فهل هذا فيه معارضة لما تقرر من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟! أورد هذا الإشكال الإمام السمعاني ثم أجاب عنه بجوابين: الأول: أن السياق كان في آدم وحواء، وعليه فيمكن الانفصال عن هذا الإشكال بأن يُقال: لم يكن هذا إشراكاً في التوحيد، وإنما ذلك إشراك في الاسم، وذلك لا يقدح في التوحيد، وهو مثل تسمية الرجل ولده، عبد يغوث، وعبد زيد، وعبد عمرو، وقول الرجل لصاحبه: أنا عبدك، ومثل هذا لايقدح، ثم أجاب عن الإشكال الآخر الذي يرد على آخر الآية حيث قال: " فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ "، وهما اثنان فكيف جمع، وانفصل السمعاني عن هذا الإشكال بجوابين: ١ ـ أن يكون هذا ابتداء الكلام بعد الأول، وأريد به: إشراك أهل مكة. ٢ ـ أو يُراد به الإشراك الذي سبق ـ في آدم وحواء ـ قال: استقام الكلام؛ لأنه كان الأولى ألا يفعل ما أتى به من الإشراك في الاسم، وكان ذلك زلة منه، فلذلك قال: " فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ".

стр. 295

القول لثاني: أن الآية عامة في جميع بني آدم، ونقل ذلك عن عكرمة، فيكون معنى الآية على قول عكرمة: " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ " يعني: خلق كل واحد من أبيه، " وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا " أي: جعل من جنسها زوجها، " لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا " يعني: كل زوج إلى زوجته، " فَلَمَّا تَغَشَّاهَا " أي: وطئها، " حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ". وقال السمعاني عن هذه القول: " وهذا قول حسن في الآية "، إلا أنه رجح القول الأول واستظهره، وقال " والأول أشهر وأظهر، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وجماعة من المفسرين كلهم قالوا: إن الآية في آدم وحواء " (١). وهذا القول اختاره الطبري، وجعله قول الأكثر، فقال:" وأولى القولين بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: " فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ " في الاسم لا في العبادة، وأن المعني بذلك آدم حواء؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك " (٢) والعلماء مختلفون في هذه المسألة اختلافاً كبيراً، ولذا سلكوا في توجيه الحديث الوارد في المسألة عن سمرة، وأثر ابن عباس، مسالك مختلفة، بيانها فيما يلي: المسلك الأول: الذي جرى عليه السمعاني، وهو إبقاء الآية على ظاهرها، والاحتجاج بما ورد في تفسيرها، وأن المَعنيَّ بها آدم وحواء. وهؤلاء الذين سلكوا هذا المسلك، اختلفوا أيضاً في توجيه معنى الشرك المضاف إلى آدم، بعد اتفاقهم على أن المراد بها: آدم وحواء، على أقوال:

стр. 296

القول الأول: أن الشرك المضاف إلى آدم، هو الشرك في التسمية لا في العبادة، ونقل الطبري هذا القول عن سمرة بن جندب، وابن عباس، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسُدِّي (١)، ورجحه جماعات من أهل التفسير، كالبغوي (٢)، وابن عطية (٣)، وابن الجوزي (٤)، والواحدي (٥)، وابن قتيبة (٦)، والسيوطي (٧)، وغيرهم. القول الثاني: أن الشرك المضاف إلى آدم، هو الشرك في الطاعة لا في العبادة، وهو مروي عن قتادة ومجاهد. (٨) ويظهر أنه لا فرق بين القولين؛ لأن التسمية تابعة للطاعة، يقول ابن الجوزي:" والمراد بالشريك: إبليس؛ لأنهما أطاعاه في الاسم، فكان الشرك في الطاعة، لا في العبادة، ولم يقصدا أن الحارث ربهما، لكن قصدا أنه سبب نجاة ولدهما ". (٩) وذكر يحيى بن سلام أوجه ورود الشرك في القرآن، ثم قال: " الوجه الثاني: الشرك يعني الطاعة من غير عبادة، وذلك قوله في الأعراف: " فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا "، يعني: جعلا إبليس شريكا لله في الطاعة، في اسم ولدهما، من غير عبادة، وهو قول قتادة، وقول إبليس، " إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ " (إبراهيم ٢٢)، يعني: أشركتموني مع الله في الطاعة " (١٠).

стр. 297

وقال القصَّاب (١): " وهو شرك الطاعة؛ لأن أحداً لا يشك أن آدم وحواء لم يشركا بالله شرك كفر وعبادة، ولكنهما عصيا في القبول من إبليس، واغترا بقوله: إن الولد إذا سُمّي عبدالحارث عاش، كما اغترا به في أكل الشجرة " (٢). المسلك الثاني: عدم الاحتجاج بما ورد من الآثار، وتأويل الآية على غير آدم وحواء: وهؤلاء نزعوا إلى تضعيف ما ورد في شأن المحاورة، التي جرت بين آدم وإبليس، ثم ذهبوا في تأويلها إلى قولين: الأول: أن المقصود أولادهما من المشركين، والثاني: أن المقصود هم المشركون من بني آدم عموماً، قال ابن القيم: " فالنفس الواحدة وزوجها: آدم وحواء، واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما، المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك، مما قيل إن آدم وحواء كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما إبليس، فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولد، فسمياه عبدالحارث، ففعلا، فإن الله سبحانه اجتباه وهداه، فلم يكن ليشرك به بعد ذلك " (٣). وذكر أن هذا نوع من أنواع الاستطراد الوارد في القرآن، بمعنى أنه يستطرد من ذكر الشخص إلى النوع، وذكر مثالا عليها هذه الآية، وقال " فاستطرد من ذكر الأبوين إلى ذكر المشركين من أولادهما " (٤). وهذا مروي عن الحسن البصري، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً، فهوَّدوا، ونصَّروا. (٥)

стр. 298

يقول أبو حيان: " من جعل الآية في آدم وحواء، جعل الضمائر والأخبار لهما، وذكروا في ذلك محاورات جرت بين إبليس وآدم وحواء، لم تثبت في قرآن، ولا حديث صحيح، فاطرحت ذكرها ... وأما من جعل الخطاب للناس، وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء، أو جعل الخطاب لمشركي العرب أو لقريش على ما تقدم ذكره، فيتسق الكلام اتساقاً حسناً، من غير تكلف تأويل ولا تفكيك " (١). ولما نقل القصاب قول الحسن قال: " ولا أدري ما وجهه؛ لأن أول الآية لا يدل عليه " (٢). وقال ابن جزي: " الكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما: أي أتى أولادهما وذريتهما " ثم قال وهذا القول أصح لثلاثة أوجه: " أحدهما: أنه يقتضي براءة آدم وزوجته من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والثاني: أنه يدل على أن الذين أشركوا، هم أولاد آدم وذريته؛ لقوله تعالى: " فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ "، بضمير الجمع. والثالث: أن ما ذكروا من قصة آدم، وتسمية الولد عبدالحارث، يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة " (٣). والإمام ابن كثير بعد أن ضعف المرفوع، كما قال: " إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع " (٤) وذكر أن ما تبقى من الآثار عن الصحابة والتابعين، أنها من آثار أهل الكتاب، قال: " أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، والله أعلم ـ وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك: المشركون من ذريته " (٥) وقال الإمام القرطبي: " وقال قوم: إن هذا راجع إلى جنس الآدميين، والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم ﵇ وهو الذي يعول عليه " (٦).

стр. 299

وقال الإمام البيضاوي بعد أن ذكر قصة آدم وإبليس هنا: " وأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء " (١) وبعد أن ذكر الإمام الرازي كذلك حديث ابن عباس قال: "وأعلم أن هذا التأويل فاسد"، ثم ذكر ستة أوجه تدل على فساده، ثم قال:"فثبت بهذه الوجوه، أن هذا القول فاسد، ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه " (٢). وقال الإمام المجاشعي (٣) بعد ذكره لأثر ابن عباس: " وهذا القول بعيد، ولا يجوز مثل هذا على نبي من أنبياء الله تعالى، والقول الأول أوضح هذه الأقاويل " (٤)، وهو مروي عن الحسن وقتادة، من مرد الضمير في قوله " جعلا " إلى ولد آدم. وقال الإمام ابن العربي، بعد أن ذكر تضعيف ما ورد في قصة آدم في هذا المقام: " الثاني: أن المراد بهذا جنس الآدميين .. وهذا القول أشبه بالحق، وأقرب إلى الصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشمل جميع متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياء عن النقص الذي لا يليق بجهال البشر، فكيف بسادتهم وأنبيائهم " (٥) ويقول الإمام ابن حزم: " وهذا الذي نسبوه إلى آدم ﵇، من أنه سمى ابنه عبدالحارث، خرافة، موضوعة، مكذوبة، من تأليف من لا دين له، ولا حياء، لم يصح سندها قط، وإنما نزلت في المشركين على ظاهرها " (٦)، ولو أردت سرد كلام العلماء في هذا المقام، لطال الحديث، لكنهم جميعهم ينزعون إلى أن الآية ليست مسوقة أصالة في آدم وحواء، وإنما هي في أولادهما، أو جنس بني آدم الذين أشركوا شركاً حقيقياً، فإن منهم مشرك، ومنهم موحد.

стр. 300

الترجيح: يترجح ـ والعلم عند الله تعالى ـ، القول الذي يذهب إلى أن الآية مسوقة لبيان حال المشركين من بني آدم، ولم تُسق في آدم وحواء إما أصالة، وإما أن يكون مسار الآية القرآنية الكريمة، فيها انتقال من العين إلى النوع، فيكون آخر الآية منفصلاً عن أولها، فيكون هذا من قبيل الموصول لفظاً، المقطوع معنى، فينتهي الحديث عن آدم وحواء عند قوله " دعوا الله ربهما "، وباقي النص في غيرهما. (١) ولو كانت الآية في آدم وحواء، لكان ختامها موافقاً لابتدائها، قال تعالى: " فتعالى الله عما يشركون "، " فلو أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان، ولا يُقال: أن المثنى جمع؛ لأن القرينة العقلية والنقلية، تبطل إرادة المثنى. والقرينة هي العصمة الثابتة بالعقل والنقل " (٢). ومن اللطيف أن أختم هنا بما ذكره صاحب (تحفة الأحوذي)، في شرحه على جامع الترمذي، حيث نقل نقلاً موسعاً عن القنوجي صاحب كتاب فتح البيان، رد فيه على من ذهب إلى تضعيف القصة وإنكارها، بأن قولهم معتمد على رأي محض، مع مافيه من خرم لنظم السياق القرآني، ومع ذلك، العجيب أنه فسَّر وقوع الشرك من حواء فقط دون آدم ﵉، وقال: وقوله: " جعلا له شركاء " بصيغة التثنية، لا تنافي ذلك؛ لأنه قد يُسند فعل الواحد إلى الاثنين بل إلى جماعة، كما هو شائع في كلام العرب. ويمكن أن نقول كذلك: إن قوله هذا، مخالف لنقله السابق من خرم نظم السياق القرآني، على أنه على ما سبق وأشرنا، أن القرينة العقلية والنقلية، تبطل إرادة المثنى.

стр. 301

ومع ذلك علَّق صاحب التحفة، بعد نقله الموسع عن صاحب فتح البيان قائلاً: " قلت: لو كان حديث سمرة المذكور، صحيحاً ثابتاً صالحاً للاحتجاج، لكان كلام صاحب فتح البيان هذا، حسناً جيداً، ولكنك قد عرفت أنه حديث معلول، لا يصلح للاحتجاج، فلا بُدَّ لرفع الإشكال المذكور، أن يُختار من هذه الأقوال التي ذكروها في تأويل الآية، ما هو الأصح والأقوى، وأصحها عندي هو ما اختاره الرازي وابن جرير وابن كثير " (١) قلت: ولعل قوله (وابن جرير) سبق قلم، والله أعلم، لأن ابن جرير ذهب إلى تعيين آدم وحواء، وثانياً: لم يجر له ذكر في نقولاته. المسألة الرابعة: توجيه قوله تعالى عن نبيه إبراهيم ﵇: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) . قال الله تعالى عن خليله إبراهيم: " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) " (إبراهيم ٣٥). أورد السمعاني في شرحه لهذه الآية تساؤلاً مفاده: قد كان إبراهيم ﵇ معصوماً عن عبادة الأصنام، فكيف يستقيم سؤاله لنفسه، وقد عبد كثير من بنيه الأصنام، فأين الإجابة؟! (٢) وقد أجاب السمعاني عن هذا التساؤل من جهتين فقال: ١ ـ " أما ما يتعلق في حق إبراهيم، فالدعاء لزيادة العصمة والتثبيت، وبهذا فسَّره الزجاج. ٢ ـ وأما في حق البنين فيقال: إن الدعاء لبنيه من الصلب، ولم يعبد أحد منهم الصنم، وقيل: إن دعاءه لمن كان مؤمناً من بنيه " (٣) والذي ذكره السمعاني يخصص ما نُقل عن مجاهد قال: فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده، قال: فلم يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته. (٤) يقول ابن عطية: " وهذا الدعاء من الخليل ﵇ يقتضي إفراط خوفه على نفسه، ومن حصل في رتبته، فكيف يخاف أن يعبد صنماً؟، لكن هذه الآية ينبغي أن يُقتدى بها في الخوف، وطلب الخاتمة " (٥)

стр. 302

ومع هذا لجواب الذي ذكره السمعاني من فائدة الدعاء من إبراهيم الخليل، إلا أن الرازي، يقول: حتى على هذا التفسير، لا يزال السؤال باقياً، " لما كان من المعلوم أنه تعالى، يثبت الأنبياء ﵈ على الاجتناب من عبادة الأصنام، فما الفائدة في هذا السؤال ". ويتابع الرازي حديثه، مبيناً الفائدة من هذا السؤال فيما ظهر له فيقول: " والصحيح عندي في الجواب وجهان: الأول: أنه ﵇، وإن كان يعلم أنه تعالى يعصمه من عبادة الأصنام، إلا أنه ذكر ذلك هضماً لنفسه، وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب. والثاني: أن الصوفية يقولون: إن الشرك نوعان: شرك جلي، وهو الذي يقول به المشركون، شرك خفي: وهو تعليق القلب بالوسائط والأسباب الظاهرة، والتوحيد المحض هو أن ينقطع نظره عن الوسائط، ولا يرى متصرفاً سوى الحق ، فيحمل أن يكون قوله " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ " المراد منه: أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي، والله أعلم بمراده " (١) ويقول التستري: " فهذا كله تبرء من الحول والقوة، بالافتقار إليه " (٢) وأورد السمعاني احتمالين، لفهم قول إبراهيم الخليل: " وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (إبراهيم ٣٦)، إذ الشرك غير مغفور؛ فقال السمعاني: يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قال هذا قبل أن يُعلمه الله، أنه لا يغفر الشرك. والآخر: أن المراد من العصيان، هو ما دون الشرك. (٣) ونزع الرازي، إلى أن المقصود من هذه الآية، شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة (٤). والجمهور على أن المقصود، بالمعصية هنا، عبادة الأوثان، ولكن على ما يحمل قوله؟ إما على أنه لم يُعلمه الله أنه لا يغفر الشرك، أو أنه عبد الأوثان ثم تاب منها. (٥)

стр. 303

كل ما سبق بيانه، يوضح بجلاء، اهتمام الإمام السمعاني، ببيان عقيدة التوحيد التي جاء بها القرآن، ولما كان مدار التوحيد، على هذا النوع، فقد أولاه السمعاني عناية فائقة، فعَرَّف، وبيَّن، ودَلَّل، ووجَّه، وصَوَّب، وهذا كله واضح فيما سردناه من مسائل متعلقة بهذا النوع من التوحيد. والإمام السمعاني سار في طريقته كما بيَّنا، على طريقة السلف الأوائل، من جهة البيان والاستدلال. ويظهر هذا واضحاً في المباحث التي سُقناها، فقد أشار السمعاني إلى عدة أمور في بيان هذا النوع من التوحيد: ١ ـ جهة الاشتقاق اللفظي، والتصريف اللغوي، لمعنى كلمة الإله. ومن ذلك، بيانه لأصل كلمة (اللهم) فقال: "فأصله: يا الله، فما حذف حرف النداء، زيدت الميم في آخره، قال الفراء: الميم فيه معنى، ومعناه: يا الله، أعنا بالمغفرة، أي اقصدنا " (١) وذكر بعض العلماء، فرقاً لطيفاً بين قول (الله)، وقول (إله): فقال: " إن قولنا (الله) اسم لم يسم به غير الله، يُسمى غير الله إلهاً على وجه الخطأ، وهي تسمية العرب الأصنام آلهة، وأما قول الناس: لا معبود إلا الله، فمعناه: أنه لا يستحق العبادة إلا الله تعالى " (٢) وقال في بيان الفرق بين قول (الله)، وقول (اللهم): " إن قولنا (الله) اسم، واللهم نداء، والمراد به: يا الله، فحذف حرف النداء، وعوض الميم في آخره " (٣) ٢ ـ اهتمامه بذكر دلائل هذا النوع من التوحيد، وأن الخلق كلهم مسؤولون عنه، فقد نقل عن أبي العالية قوله: " إن جميع الخلق يسألون عن شيئين: عن التوحيد، وعن إجابة المرسلين " (٤)، وذلك عند تفسير قوله تعالى: " فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) " (الحجر ٩٢ ـ ٩٣).

стр. 304

وأن القلوب السليمة عن الشرك، الذي هو مضاد التوحيد، هي القلوب السليمة المستقيمة، التي ينتفع بها صاحبها يوم القيامة، قال تعالى: " يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) " (الشعراء ٨٨ ـ ٨٩)، يقول السمعاني: " قال أكثر أهل العلم: سليم من الشرك، فإن الآدمي لا يخلو من ذنب، وقيل: مخلص، وقيل: ناصح، وقيل: قلب فيه لا إله إلا الله ". (١) وبين أن صاحب التوحيد الخالص، أحق بالأمن والاهتداء، قال: " وحجته في ذلك: أن الذي يعبد الله، لا يشرك به شيئاً، أحق بالأمن من الذي يعبد الله ويشرك به " (٢) ٣ ـ إسهامه الواسع في تتبع أنواع العبادة، التي هي أساس هذا التوحيد، سواء كانت عبادات قلبية، أو بدنية. ٤ ـ التطواف الطويل في ذكر دلائل استحقاق الله جل وعلا للعبودية، وذكر ما يضادها. ٥ ـ وأن أكبر مضاد للتوحيد، هو الشرك بالله تعالى، والذي يراد به الشرك في العبادة، ولذا أشار إلى أوجه التنفير منه في كتاب الله جل وعلا؛ ليجتنبه المرء، ويكون عنه في معزل، ويدعو بدعوة أبيه إبراهيم: " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ "، بمعنى: بعدني وبني من عبادة الأصنام ". (٣) ونجد اهتمامه واضحاً جلياً، بالتحذير من خطورة الشرك والرد على المخالفين، في ذكر صوره وأنواعه. ٦ ـ ولما كان القرآن الكريم كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك، وأهله، وجزائهم (٤)، أفاض السمعاني في ذكر التوحيد، وفضائله، وذكر ما يضاده، بأبلغ عبارة، وأوجز بيان.

стр. 305

٧ ـ أزاح الإمام السمعاني بعض ما يُشكل، أو يطرأ على ذهن القارئ، حين قراءته وتدبره لكلام الباري جل وعلا، ولذا نجد أنه يوجه في كثير من المواطن الآيات، بما يتوافق مع المسلَّمات، أو يحل ما يعرض من إشكال أو تعارض، كله يرجع إلى ذهن القارئ، وإلا فالقرآن الكريم لا يمكن أن يحصل فيه تناقض أو تعارض؛ لأنه من عند الله تعالى، والله يقول: " وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا " (النساء ٨٢)، ". قال ابن عباس: ليس في القرآن تناقض ولا تفاوت، وقال الزجاج: ما أخبر عن الغيب فكله صدق، ليس بعضه صدقاً، وبعضه كذباً، وقيل: معناه: أن كله بليغ فصيح، ليس فيه مرذول ولا فاسد " (١).

стр. 306

الفصل الأول: الإيمان بالله تعالى المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات المطلب الثاني: منهج السلف في باب الأسماء والصفات المطلب الثالث: معاني أسماء الله تعالى وصفاته، ومقتضياتها المطلب الرابع: بعض الصفات الواردة في القرآن المطلب الخامس: مسائل في توحيد الأسماء والصفات

стр. 307

المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات: هذا النوع من التوحيد من أدق أنواع التوحيد؛ لكثرة ما توارد النزاع فيه وتكاثر عليه، وإلا فهو من أوضح الواضحات، وأحكم المحكمات، يعلم هذا كل من سار على المنهج القرآني النقي الصافي، دون أن يُعمل عقله وهواه. ولذا كان السلف الأوائل أعلم الناس بهذا الباب، وهم أحكم الناس له، فمنهجهم فيه أسلم وأعلم وأحكم؛ لأنه يقوم على ساق التسليم للنصوص، بعيدا عن التأويل المذموم، وصرف النصوص عن ظواهرها، والتكلف في استحداث معانٍ جديدة لها. والإمام السمعاني أحكم هذا الباب، وضبط قواعده، حين سار على منهج السلف في تقريرهم لقواعد هذا الباب، وهذا يظهر جليا في تقريرات السمعاني، وتتبعه للنصوص، فمما قرره في هذا الباب: أن الأصل فيه التوقيف، فقال: الأصل في أسامي الرب هو التوقيف، فلا توقيف في وصف الله بالعقل، فلا يُوصف به (١)، ويقول: لا يجوز أن يُسمى الرب تعالى، أو يُوصف بوصف إلا الذي ورد به القرآن والسنة (٢)، وهذا مما توارد عليه السلف. وقد ظهر اهتمام السمعاني بهذا النوع من التوحيد من عدة جهات: ١ - تعريفه وذكر قواعده، فذكر أربع قواعد مُستقاة من كلام السلف، ومن ظواهر النصوص الشرعية. ٢ - ذكر معاني أسماء الله تعالى الوارة في القرآن، وقد ذكر ما يزيد عن سبعة وستين اسما، ويُشير في تفسيرها إلى الفروق واختلاف القراءات. ٣ - ذكر بعض الصفات الواردة في القرآن الكريم، وقد ذكر حوالى عشرين صفة، دلل عليها، ورد على المخالفين والمتأولين بالباطل فيها. ٤ - عرض لبيان بعض الآيات التي يُشكل ظاهرها على بعض الأفهام، ويخفى معناها على بعض الأذهان، وذكرت حوالى تسع عشرة آية، أبانها السمعاني، ووضح معناها بجلاء.

стр. 308

المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات: المسألة الأولى: تعريف توحيد الأسماء والصفات: عَرَّف الإمام السمعاني، الأسماء الحسنى بأنها:" هي ما وردت في الخبر، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " إن لله تسعة وتسعين اسماً ـ مائة غير واحد ـ من أحصاها دخل الجنة " (١)، وقوله: " الحسنى ": يرجع إلى التسميات " (٢).

стр. 309

وقال في تفسير قوله تعالى: " اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى " (طه ٨): " الحسنى للأسماء هو جمع، والحسنى صفة الواحد، وذلك لأن هذه تتناول الأسماء كلها؛ لأنها جمع، كما تتناول الواحدة من المؤنثات، يُقال: هذه أسماء، فلذلك صح أن يُقال: حسنى، ولم يقل: حسان، وهكذا قوله تعالى: " مَآرِبُ أُخْرَى "، ولم يقل آخر " (١). وفي تفسير قوله تعالى: " هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى " (الحشر ٢٤)، يقول السمعاني:"الحسنى: هو تأنيث الأحسن، وهي ها هنا بمعنى العليا" (٢). وقال في الصفات: " وقوله: " وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى " (النحل ٦٠)، أي: الصفة العليا، وذلك مثل قولهم: عالم، وقادر، ورازق، وحي، وغير هذا " (٣). وقال: " وقوله: " وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى " (الروم ٢٧)، أي: الصفة الأعلى، والصفة الأعلى: أنه لا شريك له وليس كمثله شيء، قاله ابن عباس " (٤). وأشار السمعاني في مقام آخر، إلى أن الواجب في الصفة، هو إثباتها كما أثبتها الله تعالى لنفسه، من غير تكييف، فقال: قوله تعالى: " يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ " (النحل ٥٠)، كما وصف به نفسه، من غير تكييف " (٥). وهنا يُلاحظ أن السمعاني ذكر قيوداً مهمة في التعريف، وهي: ١ ـ ورودها في الأخبار والنصوص، وعليه فهي توقيفية نصية (٦)،كما قال هو في موطن آخر: " واعلم أن أسماء الله تعالى على التوقيف " (٧).

стр. 310

وهذا هو مذهب السلف، يقول الإمام ابن تيمية: " ثم القول الشامل في جميع هذا الباب، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ ، وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز القرآن والحديث. قال الإمام أحمد ﵁: " لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث ". ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل " (١). ٢ ـ ألَّا يتعرض لهذه النصوص، بتأويل فاسد، أو تكييف، أو تمثيل، أو غيره من أوجه الإلحاد في الأسماء الحسنى، قال تعالى: " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (الأعراف ١٨٠)، يقول السمعاني: "الإلحاد: هو الميل عن الحق، وإدخال ما ليس في الدين، قيل: والإلحاد في الأسماء هاهنا: " كانوا يقولون في مقابلة اسم الله: اللات، وفي مقابلة العزيز: العُزى، ومناة في مقابلة المنان، وقيل: هو تسميتهم الأصنام آلهة، وهذا أعظم الإلحاد في الأسماء " (٢) وقد بيَّن السمعاني في تفسير قوله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " (الشورى ١١)، أن الله جل وعلا لا يوصف بالمثل، جل وتعالى عن ذلك. (٣) وقال في تفسير قوله تعالى: " وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ " (الصمد ٣): " لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء " (٤)

стр. 311

فالله جل وعز تنزه عن كل هذه النقائص، والمماثلات، والتشبيهات، ولذا فإن هذا الباب قائم على أساس التنزيه، يقول السمعاني: " قوله تعالى: " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ": أي عظم ربك الأعلى، وقيل: نزه، وتنزيه الله ـ عز اسمه ـ ألا يوصف بوصف لا يليق به " (١) ٣ ـ أن أسماء الله تعالى حسنى، أي بالغة في الحسن والجمال غايته، وكل أسمائه حسن " (٢)، وهي التي تقتضي أفضل الأوصاف (٣). يقول السمعاني: الحسنى هاهنا بمعنى العليا، وقال ابن عطية: " " لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ": أي: ذات الحُسن في معانيها، القائمة بذاته، لا إله إلا هو " (٤). وقال القرطبي: " سمَّى الله سبحانه أسمائه بالحسنى؛ لأنها حسنة في الأسماع والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه، وجوده، ورحمته، وإفضاله " (٥). وقال: " وحُسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع بالإطلاق والنص عليها. وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي معانٍ حسانٍ شريفة، وهي بتوقيف، لا يصح وضع اسم لله بنظر إلا بتوقيف من القرآن، أو الحديث، أو الإجماع " (٦) وقال الرازي: " والاستدلال بالآية على أن كون الأسماء حسنة، لا معنى له، إلا كونها دالة على الصفات الحسنة الرفيعة الجليلة، فإذا لم يدل الاسم على هذا المعنى، لم يكن الاسم حسناً " (٧). وقال الماوردي: " وفي المراد بالحسنى هنا وجهان: أحدهما ما مالت إليه القلوب، من ذكره بالعفو، والرحمة، دون السخط والنقمة، والثاني: أسماؤه التي يستحقها لنفسه ولفعله، ومنها صفات هي طريقة المعرفة به " (٨).

стр. 312

إذن: فتعريف هذا النوع من التوحيد، كان ممارسة عملية لأئمة السلف، " ولهذا كان مذهب السلف الأمة وأئمتها، أنهم يصفون الله ، بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يُثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، إثبات بلا تمثيل، وننزيه بلا تعطيل " (١). فهذا الباب يقوم على الإيمان الكامل، والتصديق الجازم، بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، "وهذه الاحترازات تمحض سبيل أهل السنة والجماعة، وطريقة سلف الأمة وأئمتها، وتخلصها من الضلالة، والبدعة في هذه الباب " (٢). يقول الإمام ابن تيمية: " ومتى جُنِّب المؤمن طريق التحريف، والتعطيل، وطريق التمثيل، سلك سواء السبيل، فإنه قد عُلِم بالكتاب، والسنة، والإجماع، ما يعلم بالعقل أيضاً، أن الله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا يجوز أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين؛ لأنه متصف بغاية الكمال، منزه عن جميع النقائص" (٣). وقد عَرَّف الإمام ابن تيمية هذا النوع بتعريف جامع مانع، موافق لما في الكتاب، فقال: "هي التي يُدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها " (٤). فهذا هو ضابط الأسماء، أما ضابط الصفات: " فهي ما قام بالذات الإلهية، مما يميزها عن غيرها، ووردت به نصوص الكتاب والسنة " (٥).

стр. 313

وفي هذا يقول الزجاج: " صفات الله تعالى، هي مصادر أسمائه الحسنى، وصفات الله تعالى، كلها ثناء عليه، ومدح له، مدح بها نفسه، ونبه العباد إليها، وتعبدهم بوصفه بها " (١). المسألة الثانية: في الاسم والمسمى: هذه المسألة من المسائل التي طال بحثها، وكثر نقاشها، فهي مسألة طويلة الذيل، قليل النيل، قال الإمام الطبري: " وأما القول في الاسم: أهو المسمى أم غير المسمى؟ فإنه من الحماقات الحادثة، التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيسمع، فالخوض فيها شين، والصمت عنها زين. وحسب امرئ من العلم به، والقول فيه، أن ينتهي إلى قول الله ثناؤه، الصادق، وهو قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ويعلم أن ربه، هو الذي على العرش استوى، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦]، فمن تجاوز ذلك، فقد خاب وخسر، وضل وهلك " (٢). وأهل السنة المتقدمون لم يتحدثوا عن هذه المسألة، إلا أنه لما ذاع وشاع عن الجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن انحرفوا في هذا الباب، وقالوا: إن الاسم غير المسمى، وكانوا يقصدون إلى معنى فاسد، تصدى لهم أهل السنة بالرد والبيان.

стр. 314

ونقل الإمام ابن تيمية، عن الإمام ابن خفيف، أن القول في الاسم والمسمى بدعة (١)، وفي جزء امتحان السني من البدعي: " يُسأل: عن الاسم هل هو المسمى أم غيره؟ فإن قال: الاسم للمسمى، أو علم دل على المسمى، أوصفة للمسمى فهو سني، وإن قال: غير المسمى، فهو معتزلي " (٢). وقبل ذكر رأي الإمام السمعاني في هذه المسألة، أُشير إلى بعض القضايا المهمة التي تُؤصل لهذه المسألة: ١ ـ أن هذه المسألة فرع عن مسألة أخرى كبرى، تولى كبرها الجهمية والمعتزلة، وذلك حين شاع عنهم القول: بأن أسماء الله تعالى مخلوقة، وهؤلاء الذين كان العلماء يُغلظون القول فيهم، ويحذرون منهم، وكانوا يُطلقون على من يقول: الاسم غير المسمى زنديقاً؛ بناء على أن الأسماء مخلوقة، وأن الله لم يسم نفسه، ولم يتكلم بها حقيقة، وإنما خلقها في غيره، أو سماه بها بعض خلقه. (٣) ٢ ـ أن مرد هذه المسألة، إلى صفة الكلام لله جل وعلا، فبينهما ارتباط وثيق، يقول الإمام ابن تيمية: " إن القول في أسماء الله، هو نوع من القول في كلام الله " (٤)، فمن أثبت صفة الكلام على حقيقتها، وأن الله جل وعلا يتكلم بحرف وصوت، ويتكلم كيف شاء، ومتى شاء، أثبت أن الله تعالى هو الذي سمَّى نفسه، وتكلم بها حقيقة، وأنها غير مخلوقة، وليست من وضع البشر. ومن أنكر قيام الصفات بالله تعالى، وقال: إن كلامه مخلوق، خلقه خارجاً عن ذاته، وأنه خلقه في بعض الأجسام، وابتداؤه من ذلك الجسم لا من الله، كما هو قول الجهمية والمعتزلة، طرد مذهبه، وقال: إن أسماءه مخلوقة، لكن هم عبروا بأن الاسم غير المسمى من جهة احتمالها في اللغة؛ تلبيساً على الناس، وإن كانوا يقصدون إلى ما ذكرناه، ولذلك كانت هذه اللفظة محتملة للحق والباطل.

стр. 315

وأما الأشاعرة والكلابية الذين نزعوا إلى أن الكلام الإلهي، صورة لا حقيقة له؛ لأنهم قالوا بالكلام النفسي، وأنه قديم قائم بالنفس، لازم له غير متعلق بمشيئته وقدرته، واختلفت بعد ذلك ألفاظهم، فقالت الكلابية: أن الحروف والصوت حكاية له دالة عليه، وهي مخلوقة، وقالت الأشاعرة والماتريدية: هي صفة قديمة قدم الذات الإلهية، وأنه واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، وأن الألفاظ عبارة عنه، وهي من المخلوقات، ولذا كان من نتاج هذا القول، أن الأسماء هي عين المسمى، ولذا وافقوا أهل السنة حين صرحوا، بأن الأسماء غير مخلوقة، ولكن لم يكن قصدهم هو مقصود أهل السنة فيما نزعوا إليه، بل كان مرادهم: أن الله بذاته غير مخلوق؛ لأن الاسم هو المسمى ذاته وعينه، هذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة، ثم أطلقوا القول بأن التسميات مخلوقة، والتسميات عندهم هي الأسماء، كالعليم، والعزيز، وبذلك وافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى. (١) ٣ ـ أن النزاع فيه هذه المسألة، اشتهر بعد الأئمة، بعد أحمد وغيره. وإنما الذي كان معروفاً عن أئمة السنة، الإنكار على الجهمية، الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة، فنُقل عن الإمام أحمد، أنه قيل له: إن رجلاً قال: إن أسماء الله مخلوقة، والقرآن مخلوق، فقال: كفر بيِّن (٢).

стр. 316

وقال الإمام الشافعي: " من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة؛ لأن اسم الله غير مخلوق " (١)، وقول الجهمية ضلال، ووجهه ما يلي: قال تعالى: " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " (النساء ٣٦)، ومن أعظم الشرك أن يُقال: إن العبادة لاسمه، واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق " (٢)، ولذا قال الإمام عثمان بن سعيد (٣) في نقضه لمفتريات بشر المريسي (٤)، " ففي هذه الدعوى، استجهال الخالق، إذ كان بزعمه هملاً لا يُدرى ما اسمه، وماهو، وما صفته " (٥). ٤ ـ مذهب أهل السنة عموماً، مخالف لمذهب الجهمية والمعتزلة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الله الذي سمى نفسه بأسمائه الحسنى، وتكلم بها حقيقة، وهي غير مخلوقة، وليست من وضع البشر " (٦). واستدلوا لذلك بأدلة، سردها اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧)، منها: ١ ـ قول النبي ﷺ : " ما أصاب عبداً قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم أني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك ... أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك ... " (٨)

стр. 317

٢ ـ أن أسماء الله تعالى من كلامه، وكلامه تعالى غير مخلوق، فأسماؤه غير مخلوقة. (١) ٣ ـ أن الله تعالى يُسأل بهذه الأسماء، فلو كانت مخلوقة لم يجز أن يُسأل بها. (٢) ٤ ـ أن اليمين بهذه الأسماء منعقدة، ولو كانت الأسماء مخلوقة لما جاز الحلف بها؛ لأن الحلف بغير الله شرك. (٣) ٥ ـ أن أسماء الله تعالى مشتقة من صفاته، وصفاته قديمة به، فأسماؤها غير مخلوقة. (٤) ٦ ـ أن المذاهب المحكية في هذه المسألة كثيرة، وهي كالآتي: أ ـ أن الاسم للمسمى، وهذا قول أكثر أهل السنة، كما حكاه الإمام ابن تيمية. (٥) ب ـ أن الاسم من المسمى، نقله اللالكائي عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني. (٦) ويقول الإمام ابن تيمية:" كان في كلام الإمام أحمد، أن هذا الاسم من أسمائه الحسنى، وتارة يقول: الأسماء الحسنى له ". (٧) " والمقصود أن الله هو المسمِّي نفسه بأسمائه الحسنى، وأن لها معاني دالة عليها، وهو يريد بذلك الرد على المعتزلة، في زعمهم: أن الصفات لا تقوم بالذات، وأن الأسماء لا تدل على الصفات " (٨) ج ـ أن الاسم هو المسمى، وهذا ما ذهب إليه الإمام السمعاني، وبعض أئمة أهل السنة، وهو ما سنناقشه. د ـ التوقف في المسألة نفياً وإثباتاً. (٩) هـ ـ أن الاسم غير المسمى، وهو قول الجهمية والمعتزلة، فهؤلاء غاية قولهم: إن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه اسماً، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، وهذا من أعظم الضلالة، والإلحاد في أسماء الله تعالى. (١٠)

стр. 318

و ـ أن أسماء البارئ لا هي البارئ، ولا هي غيره، وهذا قول بعض الكلابية، وهو متفرع عن قولهم في الصفات، فابن كلاب كان يقول: إن أسماء الله وصفاته لذاته، لا هي الله، وهي غيره، وإنها قائمة بالله، ولا يجوز أن تقوم بالصفات صفات، وكان يقول: إن وجه الله لا هو الله، ولا هو غيره، وهو صفة له. (١) ز ـ ما نُقل عن الإمام أبي الحسن الأشعري: من أن الاسم قد يكون عين المسمى، نحو الله، فإنه اسم علم للذات، من غير اعتبار معنى فيه، وقد يكون غيره، نحو الخالق والرازق، مما يدل على نسبته إلى غيره، ولا شك أنها غيره، وقد يكون لا هو ولا غيره، كالعليم والقدير، مما يدل على صفة حقيقية. نقله عنه صاحب المواقف (٢)، وقال الإمام ابن تيمية: " وهو المشهور عن أبي الحسن " (٣)، ورد في كتاب الإبانة على من يقول بقول الجهمية، وذكر قول أهل الحق، فقال: " وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً " (٤). والذي يهمنا في هذا المقام، رأي الإمام السمعاني في هذه المسألة، وسبق أن أشرت إلى أن قوله فيها، موافق لقول بعض أهل السنة، في أن الاسم هو المسمى، يقول: ـ " وقوله: " ذُو الْجَلَالِ " ينصرف إلى الاسم، وقوله: " ذِي الْجَلَالِ " ينصرف إلى الرب، والاسم والمسماة واحد عند أهل السنة " (٥). ـ " وقوله: " فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ " (الحاقة ٥٢)، أي: نزه ربك العظيم، واذكره بأوصافه المحمودة اللائقة. وفيه دليل على أن الاسم هو المسمى، ولا فرق بينهما " (٦). ـ " وقوله تعالى: " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى " (الأعلى ١)، وفي قراءة أبي: " سبحان ربي الأعلى ". وقال الشاعر: إلى الحول ثم اسم السلام عليكم ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

стр. 319

أي: ثم السلام عليكما " (١). وهذا هو خلاصة رأي السمعاني ﵀ في هذه المسألة، وقد نُسب هذا القول إلى جماعة من أهل العلم، يقول الإمام ابن تيمية: " والذين قالوا: الاسم هو المسمى، كثير من المنتسبين إلى السنة، مثل: أبي بكر عبدالعزيز، وأبي القاسم الطبري، واللالكائي، وأبي محمد البغوي ... وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري، اختاره أبو بكر بن فورك وغيره" (٢)، وهو قول أبي القاسم إسماعيل الأصبهاني (٣)، وأبي نصر السجزي (٤)، وقد حكى السجزي أن هذا هو منصوص بعض الأئمة، كالشافعي والأصمعي (٥)، ولكن كلام هؤلاء الأئمة، هو رد وإنكار على الجهمية حين قالوا: إن أسماء الله مخلوقة، ولذا قال ابن تيمية: " ولم يعرف أيضاً عن أحد من السلف، أنه قال: الاسم هو المسمى " (٦). وقد شنع ابن حزم عليهم هذا القول، ورده، وبيَّن ما يترتب عليه من المفاسد، غير أنه مال إلى قول الجهمية والمعتزلة، فقال: " الاسم على المسمى، فيه شيء ثالث غير الاسم، وغير المسمى " (٧).

стр. 320

وهذا القول تعقبه كذلك الإمام ابن تيمية، وبيَّن منشأ الغلط فيه، فقال: " لو اقتصروا على أن أسماء الشيء، إذا ذكرت في الكلام فالمراد المسميات، كما ذكروه في قوله: " يا يحيى " ونحو ذلك، لكان ذلك معنى واضحاً، لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك؛ ولذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم، لما في قولهم من الأمور الباطلة، مثل: دعواهم أن لفظ (اسم) الذي هو (ا س م)، معناه ذات الشيء ونفسه، وأن الأسماء التي هي الأسماء، مثل: زيد وعمرو، هي التسميات، ليست هي أسماء التسميات، وكلاهما باطل، مخالف لما يعلمه جميع الناس، من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون: إن زيداً وعمراً ونحو ذلك، هي أسماء الناس، والتسمية: جعل الشيء اسماً لغيره ... والاسم: هو القول الدال على المسمى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمى، بل قد يُراد به المسمى؛ لأنه حكم عليه، ودليل عليه. وأيضاً: فهم تكلفوا هذا التكليف؛ ليقولوا: إن اسم الله غير مخلوق، ومرادهم أن الله غير مخلوق، وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة، فإن أولئك ما قالوا: الأسماء مخلوقة، إلا لما قال هؤلاء هي التسميات، فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا أهل السنة في اللفظ " (١).
следующие страницы →