← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقال الإمام الشافعي: " من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة؛ لأن اسم الله غير مخلوق " (١)، وقول الجهمية ضلال، ووجهه ما يلي: قال تعالى: " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " (النساء ٣٦)، ومن أعظم الشرك أن يُقال: إن العبادة لاسمه، واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق " (٢)، ولذا قال الإمام عثمان بن سعيد (٣) في نقضه لمفتريات بشر المريسي (٤)، " ففي هذه الدعوى، استجهال الخالق، إذ كان بزعمه هملاً لا يُدرى ما اسمه، وماهو، وما صفته " (٥). ٤ ـ مذهب أهل السنة عموماً، مخالف لمذهب الجهمية والمعتزلة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الله الذي سمى نفسه بأسمائه الحسنى، وتكلم بها حقيقة، وهي غير مخلوقة، وليست من وضع البشر " (٦). واستدلوا لذلك بأدلة، سردها اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٧)، منها: ١ ـ قول النبي ﷺ : " ما أصاب عبداً قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم أني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك ... أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك ... " (٨)

стр. 317

٢ ـ أن أسماء الله تعالى من كلامه، وكلامه تعالى غير مخلوق، فأسماؤه غير مخلوقة. (١) ٣ ـ أن الله تعالى يُسأل بهذه الأسماء، فلو كانت مخلوقة لم يجز أن يُسأل بها. (٢) ٤ ـ أن اليمين بهذه الأسماء منعقدة، ولو كانت الأسماء مخلوقة لما جاز الحلف بها؛ لأن الحلف بغير الله شرك. (٣) ٥ ـ أن أسماء الله تعالى مشتقة من صفاته، وصفاته قديمة به، فأسماؤها غير مخلوقة. (٤) ٦ ـ أن المذاهب المحكية في هذه المسألة كثيرة، وهي كالآتي: أ ـ أن الاسم للمسمى، وهذا قول أكثر أهل السنة، كما حكاه الإمام ابن تيمية. (٥) ب ـ أن الاسم من المسمى، نقله اللالكائي عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني. (٦) ويقول الإمام ابن تيمية:" كان في كلام الإمام أحمد، أن هذا الاسم من أسمائه الحسنى، وتارة يقول: الأسماء الحسنى له ". (٧) " والمقصود أن الله هو المسمِّي نفسه بأسمائه الحسنى، وأن لها معاني دالة عليها، وهو يريد بذلك الرد على المعتزلة، في زعمهم: أن الصفات لا تقوم بالذات، وأن الأسماء لا تدل على الصفات " (٨) ج ـ أن الاسم هو المسمى، وهذا ما ذهب إليه الإمام السمعاني، وبعض أئمة أهل السنة، وهو ما سنناقشه. د ـ التوقف في المسألة نفياً وإثباتاً. (٩) هـ ـ أن الاسم غير المسمى، وهو قول الجهمية والمعتزلة، فهؤلاء غاية قولهم: إن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه اسماً، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، وهذا من أعظم الضلالة، والإلحاد في أسماء الله تعالى. (١٠)

стр. 318

و ـ أن أسماء البارئ لا هي البارئ، ولا هي غيره، وهذا قول بعض الكلابية، وهو متفرع عن قولهم في الصفات، فابن كلاب كان يقول: إن أسماء الله وصفاته لذاته، لا هي الله، وهي غيره، وإنها قائمة بالله، ولا يجوز أن تقوم بالصفات صفات، وكان يقول: إن وجه الله لا هو الله، ولا هو غيره، وهو صفة له. (١) ز ـ ما نُقل عن الإمام أبي الحسن الأشعري: من أن الاسم قد يكون عين المسمى، نحو الله، فإنه اسم علم للذات، من غير اعتبار معنى فيه، وقد يكون غيره، نحو الخالق والرازق، مما يدل على نسبته إلى غيره، ولا شك أنها غيره، وقد يكون لا هو ولا غيره، كالعليم والقدير، مما يدل على صفة حقيقية. نقله عنه صاحب المواقف (٢)، وقال الإمام ابن تيمية: " وهو المشهور عن أبي الحسن " (٣)، ورد في كتاب الإبانة على من يقول بقول الجهمية، وذكر قول أهل الحق، فقال: " وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً " (٤). والذي يهمنا في هذا المقام، رأي الإمام السمعاني في هذه المسألة، وسبق أن أشرت إلى أن قوله فيها، موافق لقول بعض أهل السنة، في أن الاسم هو المسمى، يقول: ـ " وقوله: " ذُو الْجَلَالِ " ينصرف إلى الاسم، وقوله: " ذِي الْجَلَالِ " ينصرف إلى الرب، والاسم والمسماة واحد عند أهل السنة " (٥). ـ " وقوله: " فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ " (الحاقة ٥٢)، أي: نزه ربك العظيم، واذكره بأوصافه المحمودة اللائقة. وفيه دليل على أن الاسم هو المسمى، ولا فرق بينهما " (٦). ـ " وقوله تعالى: " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى " (الأعلى ١)، وفي قراءة أبي: " سبحان ربي الأعلى ". وقال الشاعر: إلى الحول ثم اسم السلام عليكم ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

стр. 319

أي: ثم السلام عليكما " (١). وهذا هو خلاصة رأي السمعاني ﵀ في هذه المسألة، وقد نُسب هذا القول إلى جماعة من أهل العلم، يقول الإمام ابن تيمية: " والذين قالوا: الاسم هو المسمى، كثير من المنتسبين إلى السنة، مثل: أبي بكر عبدالعزيز، وأبي القاسم الطبري، واللالكائي، وأبي محمد البغوي ... وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري، اختاره أبو بكر بن فورك وغيره" (٢)، وهو قول أبي القاسم إسماعيل الأصبهاني (٣)، وأبي نصر السجزي (٤)، وقد حكى السجزي أن هذا هو منصوص بعض الأئمة، كالشافعي والأصمعي (٥)، ولكن كلام هؤلاء الأئمة، هو رد وإنكار على الجهمية حين قالوا: إن أسماء الله مخلوقة، ولذا قال ابن تيمية: " ولم يعرف أيضاً عن أحد من السلف، أنه قال: الاسم هو المسمى " (٦). وقد شنع ابن حزم عليهم هذا القول، ورده، وبيَّن ما يترتب عليه من المفاسد، غير أنه مال إلى قول الجهمية والمعتزلة، فقال: " الاسم على المسمى، فيه شيء ثالث غير الاسم، وغير المسمى " (٧).

стр. 320

وهذا القول تعقبه كذلك الإمام ابن تيمية، وبيَّن منشأ الغلط فيه، فقال: " لو اقتصروا على أن أسماء الشيء، إذا ذكرت في الكلام فالمراد المسميات، كما ذكروه في قوله: " يا يحيى " ونحو ذلك، لكان ذلك معنى واضحاً، لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك؛ ولذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم، لما في قولهم من الأمور الباطلة، مثل: دعواهم أن لفظ (اسم) الذي هو (ا س م)، معناه ذات الشيء ونفسه، وأن الأسماء التي هي الأسماء، مثل: زيد وعمرو، هي التسميات، ليست هي أسماء التسميات، وكلاهما باطل، مخالف لما يعلمه جميع الناس، من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون: إن زيداً وعمراً ونحو ذلك، هي أسماء الناس، والتسمية: جعل الشيء اسماً لغيره ... والاسم: هو القول الدال على المسمى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمى، بل قد يُراد به المسمى؛ لأنه حكم عليه، ودليل عليه. وأيضاً: فهم تكلفوا هذا التكليف؛ ليقولوا: إن اسم الله غير مخلوق، ومرادهم أن الله غير مخلوق، وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة، فإن أولئك ما قالوا: الأسماء مخلوقة، إلا لما قال هؤلاء هي التسميات، فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا أهل السنة في اللفظ " (١).

стр. 321

ووضح الشيخ محمد رشيد رضا، منشأ الغلط كذلك فقال: " ومنشأ الاشتباه عند بعضهم: أن الله تعالى، أمرنا بذكره وتسبيحه في آيات، وبذكر اسمه وتسبيح اسمه في آيات أخرى ... رأى بعضهم أن يجمع بين هذه الآيات بجعل الاسم عين المسمى ... وإنما يذكر اللسان اسم الله تعالى، كما يذكر من الأشياء أسماءها دون ذوات مسمياتها، فإذا قال: نار لا يقع جسم النار على لسانه فيحرقه، وإذا قال الظمآن ماء، لا يحصل مسمى هذا اللفظ فينقع غلته " (١)، وهذا الذي ذهب إليه يبيِّن أن الاسم غير المسمى بحسب الوضع اللغوي، وهو يقرر بعد ذلك منهج السلف في الإثبات. (٢) وقد استدل السمعاني على صحة قوله بأن الاسم هو المسمى بثلاثة أدلة: ١ ـ قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي قراءة أبي: " سبحان ربي الأعلى "، فهنا ذكر الاسم وأراد المسمى، فالاسم هو المسمى. ٢ ـ قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، فقال: (ذُو الْجَلَالِ): ينصرف إلى الاسم، و (ذِي الْجَلَالِ) ينصرف إلى الرب، فالاسم والمسماة واحد. ٣ ـ قول الشاعر: (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ) أي: ثم السلام عليكما. وهناك أدلة أخرى استدل بها أصحاب هذا القول، غير ما ذكره السمعاني، وليس هذا مجال ذكرها، ولكن يهمنا ما ذكره السمعاني، واستدل به. وقد تعقب الإمام ابن تيمية هذا الأدلة، ورد عليها، وبيَّن أنه خِلاف المقصود، بل هي حجة عليهم لا لهم. وأوجه التعقب ما يلي: ١ ـ استدلاله بقول تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي قراءة أبي: (سبحان ربي الأعلى):

стр. 322

فإن المقصود منها كما قال الإمام الطبري: " معناه: نزه اسم ربك أن تدعو به الآلهة والأوثان، لما ذكرت الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة، أنهم كانوا إذا قرأوا ذلك، قالوا: سبحان ربي الأعلى، فبيَّن بذلك أن معناه كان عندهم معلوماً، عظم اسم ربك ونزهه " (١). ومع ذلك فقد فُسِّرت الآية بأقوال أخرى، تنقض وجه استدلاله: أ ـ أن (الاسم) في الآية صلة زائدة، والمراد: سبح ربك، وإذا قيل به، بطل قوله، بأن مدلول لفظ الاسم (ا ـ س ـ م) هو المسمى؛ لأنه لو كان مدلولاً له، لم يكن صلة. ومن قال بأنه هو المسمى، وهو صلة، فقد تناقض؛ لأن من قال له صلة، لا يجعل له معنى. ب ـ أن (الاسم) في الآية، ليس صلة، وإنما هو تسبيح الاسم نفسه، وهذا القول مناقض لقوله. وأما قراءة أبي بن كعب، فتدل على أن تسبيح الاسم هو تسبيح المسمى، لكن الذي يقول: سبحان الله، وسبحان ربنا، إنما نطق بالاسم، الذي هو (الله) والذي هو (ربنا)، فتسبيحه إنما وقع على الاسم، ولكن مراده هو المسمى، فهذا يُبيِّن أنه ينطق باسم المسمى، والمراد المسمى، لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذي هو (ا ـ س ـ م) يراد به المسمى، ولكن يدل على أن أسماء الله في نفسها ليست هي المسمى، لكن يُراد بها المسمى. (٢) ٢ ـ استدلاله بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]: يُرد عليه من جهتين: أ ـ أن " تبارك " تفاعل من البركة، والمعنى أن البركة تُكتسب وتُنال بذكر اسمه، فلو كان لفظ الاسم، معناه المسمى، لكان يكفي قوله " تبارك ربك "، فإن نفس الاسم عندهم هو نفس الرب، فكان هذا تكريراً.

стр. 323

ب ـ قول من قال: إن ذكر الاسم هنا صلة، والمراد: تبارك ربك، وليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك، فهذا غلط؛ فإنه على هذا يكون قول المصلي: " تبارك اسمك " أي: تباركت أنت، ونفس أسماء الرب لا بركة فيها. ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة، وبركتها من جهة دلالتها على المسمى، ولهذا فَرَّقت الشريعة، بين ما يُذكر اسم الله عليه، مالا يُذكر اسم الله عليه. (١) ٣ ـ استدلاله ببيت من الشعر: (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... )، وأنه أراد باسم السلام، نفس السلام، فصار الاسم هو المسمى، فيقال: ما ذُكر من قول لبيد مراده: ثم النطق بهذا الاسم وذكره، وهو التسليم المقصود، وكأنه قال: ثم سلام عليكم، ليس مراده أن السلام يحصل عليهما، بدون أن ينطق به، ويذكر اسمه، فإن اسم السلام قول، فإن لم ينطق به ناطق ويذكره لم يحصل. (٢)

стр. 324

والراجح في هذه المسألة ـ والعلم عند الله تعالى ـ هو قول من قال: إن الاسم للمسمى، مع ملاحظة ما أشرنا إليه من أن هذه مسألة حادثة، لولا وجود المخالف، لما خاض فيها العلماء (١). وهذا القول هو الأوفق والألصق بالنصوص: يقول الإمام ابن تيمية:"وأما الذين يقولون: إن الاسم للمسمى، كما يقوله أكثر أهل السنة، فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة، والمعقول، قال الله تعالى: " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى" (٢). وقال النبي ﷺ : (إن لي أسماء: أنا محمد، وأحمد، والماحي، والعاقب والحاشر) (٣) " (٤) فهذا القول يقف مع النصوص، والمراد من قولهم: الاسم للمسمى، أن الاسم دال عليه، فيكون للمسمى نصيب من معنى اسمه، وقد لا يكون، أما أسماء الله تعالى، فكلها دالة على مدلولها مطابقة تامة، في أكمل صورها، وأتمها، وأحسنها.

стр. 325

واختلفت التعبيرات لهذا القول، فبعضهم يقول: الاسم للمسمى، وقال بعضهم. هو صفة للمسمى، وقال بعضهم: علم للمسمى، والجميع واحد (١). ولذا أضاف الله تعالى الأسماء إليه بلام الاستحقاق، فقال: " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى"، والشيء لا يضاف إلى نفسه (٢). فالاسم للمسمى معلوم بأنه دليل وعلم عليه، لكن لا يُطلق القول بأن الاسم هو عين المسمى أو غيره، وإنما يستفصل منه، وهذا هو منشأ الخطأ والغلط، يقول ابن القيم: " منشأ الغلط في هذا الباب، من اطلاق ألفاظ مجملة، محتملة لمعنيين، صحيح وباطل، فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها " (٣)، فإذا قيل: أهو المسمى أم غيره فصلوا، فيقال:"الاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه تارة أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله، اسم عربي، والرحمن، اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى، ونحو ذلك، فالاسم هنا للمسمى، ولا يُقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال، فإذا أريد بالمغايرة، أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه، كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال، والإلحاد في أسماء الله تعالى " (٤)، وكذا لما كان قول بعضهم: الاسم هو المسمى، يحتمل حقاً وباطلاً، كان لابُدَّ من الاستفصال، فإن أراد بالاسم الذات، وأراد أن ألفاظ أسماء الله مخلوقة، فهذا معنى باطل، وإن أراد أن الاسم غير المسمى، بمعنى الاسم لا ينفك عن المسمى، ولم يقل بخلق أسماء الله، فهو كلام حق.

стр. 326

والحاصل: أن قول القائل: إن الاسم عين المسمى أو غير المسمى، إن صدر من إمام من أئمة السنة، فيُحمل قوله على المعنى الحق، وإن جرى على لسان إمام من أئمة أهل الكلام، فيُحمل على المعنى الباطل. (١) المطلب الثاني: منهج السلف (٢) في باب الأسماء والصفات: المراد بالسلف هم أصحاب القرون الفاضلة: الصحابة والتابعون وأتباعهم. والسلفيون هم أتباعهم على منهجهم وطريقتهم من جهة التقرير للعقائد والاستدلال لها، وبهذا لا يدخل في هذا المصطلح أرباب الطوائف كالمعتزلة والأشاعرة ونحوهم. وذكر الإمام السمعاني جملة من قواعد المنهج السلفي، في التعامل مع نصوص الأسماء والصفات، وقبل ذكر هذه القواعد، أُشير إلى ما حكاه الأئمة من الإجماع على قواعد ومسائل الصفات، وأقوالهم:

стр. 327

يقول الإمام عبدالغني المقدسي (١): " اعلم وفقنا الله وإياك ... أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتقفت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم، على الإيمان بالله ، وأنه أحد، فرد، صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له، ولا وزير، ولا شبيه له، ولا نظير، ولا عدل له، ولا مثل. وأنه موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها كتابه العزيز ... وصح بها النقل من نبيه وخيرته من خلقه، محمد سيد البشر ﷺ " (٢). ويقول ابن أبي يعلى (٣) عن الصفات: " وإن أمرها كما جاءت، من غير تأويل، ولا تفسير، ولا تجسيم، ولا تشبيه، كما فعلت الصحابة والتابعون، فهو الواجب عليه " (٤).ويقول القصري: " الأسماء والصفات، فهي شعبة ثانية من الإيمان، لا بُدَّ من التصديق بها، ومن لم يصدق بالصفات، فقد كذب بالقرآن، والسنة وإجماع أهل السنة، وكذب العقل ... وأهل السنة والحديث نقلوا إلينا أخبار الصفات، ونطقوا بالصفات، فلو كذبناهم فيما نقلوا من ذلك، ونطقوا به، وجب تكذبيهم في كل ما نقلوا من الشريعة، وكان ذلك هدماً للإسلام " (٥).

стр. 328

ويقول الإمام ابن عبدالبر: " وأهل السنة مجموعون، على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، ولا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة " (١). ونقل الإمام ابن تيمية عن الإمام ابن خفيف قوله: " فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار، في توحيد الله ، ومعرفة أسمائه وصفاته، وقضائه، قولاً واحداً، وشرعاً ظاهراً ... فكانت كلمة الصحابة على اتفاق من غير اختلاف، وهم الذين أمرنا بالأخذ عنهم، إذا لم يختلفوا ـ بحمد الله تعالى ـ في أحكام التوحيد وأصول الدين، من الأسماء والصفات، كما اختلفوا في الفروع " (٢). ـ ويقول الإمام ابن تيمية: " وجماع القول في إثبات الصفات، هو القول بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ويُصان ذلك عن التحريف، والتمثيل، والتكييف، والتعطيل؛ فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله " (٣). ـ ويقول الشيخ الشنقيطي: " اعلموا أن مبحث آيات الصفات، دَلَّ عليه القرآن العظيم، أنه يتركز على ثلاثة أسس، ما جاء بها كلها فقد وافق الصواب، وكان على الاعتقاد الذي كان عليه النبي ﷺ ، وأصحابه، والسلف الصالح، ومن أخلَّ بواحد من تلك الأسس الثلاثة، فقد ضل، ولك هذه الأسس الثلاثة يدل عليها القرآن العظيم: ١ ـ أحد هذه الأسس الثلاثة هو: تنزيه الله جل وعلا، عن أن يشبه شيء من صفاته، شيئاً من صفات المخلوقين، وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" (الشورى ١١). ٢ ـ الثاني من هذه الأسس: هو الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا يصف الله، أعلم بالله من الله " ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ"، والإيمان بما وصفه به رسوله ﷺ ؛ لأنه لا يوصف الله بعد الله، أعلم بالله من رسول الله ﷺ .

стр. 329

٣ ـ قطع الطمع عن إدراك حقيقة الكيفية؛ لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل " (١). ـ ويقول ابن تيمية: " روى أبو بكر البيهقي في (الأسماء والصفات)، بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون؛ نقول: إن الله ـ تعالى ذكره ـ فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته ... وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أمروها كما جاءت، وروى أيضاً عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت، وفي رواية: فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. فقولهم ـ ضي الله عنهم ـ " أمروها كما جاءت "، رد على المعطلة، وقولهم " بلا كيف، رد على الممثلة " (٢). وهذه أقوال الأكابر من أهل العلم، في بيان المنهج الحق فيه هذا الباب: ١ ـ الإمام أبو حنيفة: يقول: ـ " لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه، صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى، ولا يُقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه، أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، حي، قادر، سميع، بصير، عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه " (٣).

стр. 330

ـ " وله يد، ووجه، ونفس، كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه، واليد، و النفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يُقال: إن يده قدرته، أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال " (١). ـ " ولا يشبه شيئاً من الأشياء من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته " (٢). ـ " وصفاته الذاتية والفعلية، أما الذاتية فالحياة، والقدرة، والعلم، والكلام، والسمع، والبصر، والإرادة، وأما الفعلية، التخليق، والترزيق، والإنشاء، والإبداع، والصنع، وغير ذلك من صفات الفعل، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته " (٣). ـ " والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء " (٤). ٢ ـ الإمام مالك بن أنس: يقول: ـ " جاءه رجل فقال: يا أبا عبدالله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده، حتى علاه الرحضاء، ثم رفع رأسه، ورمى العود وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة، وأمر به فأخرج " (٥). ـ " الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان " (٦). ٣ ـ الإمام الشافعي: يقول: ـ " القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث، الذين رأيتهم، وأخذت عنهم، مثل: سفيان، ومالك، وغيرهما، الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء " (٧).

стр. 331

ـ " إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى، أو الشيء غير الشيء، فاشهد عليه بالزندقة " (١). ـ " الحمد لله ... الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه " (٢). ـ " نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن، ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عنه، كما نفى عن نفسه فقا ل: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" (الشورى ١١) " (٣). ٤ ـ الإمام أحمد بن حنبل: يقول: ـ " لم يزل الله متكلماً، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه " (٤). ـ " وسُئل عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححها، وقال: تلقتها الأمة بالقبول، تمر الأخبار كما جاءت " (٥). ـ " نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا حد، ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد، فصفات الله منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار " (٦). هذه نقول لأعلام الأمة، في هذا النوع من التوحيد، وكان هذا معلوماً عند أهل العلم من الطوائف، " أن مذهب السلف: إمرار آيات الصفات، وأحاديثها كما جاءت، من غير تأويل، ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تكييف، فإن الكلام في الصفات، فرع على الكلام في الذات المقدسة، وقد عَلِم المسلمون، أن ذات الباري موجودة حقيقة، لا مثل لها، وكذلك صفاته تعالى موجودة، لا مثل لها " (٧).

стр. 332

ولذا يقول نعيم بن حماد: " من شبه الله بخلقه كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه "، يقول الذهبي معلقاً عليه: " قلت: هذا الكلام حق، نعوذ بالله من التشبيه، ومن إنكار أحاديث الصفات، فما ينكر الثابت منها من فَقُهَ، وإنما بعد الإيمان بها هنا مقامان مذمومان: المقام الأول: تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب، فما أولها السلف، ولا حرفوا ألفاظها عن موضعها، بل آمنوا بها، وأمروها كما جاءت. المقام الثاني: المبالغة في إثباتها، وتصورها من جنس صفات البشر، وتشكلها في الذهن، فهذا جهل وضلال، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه، مع قوله لنا في تنزيله: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " (الشورى ١١)، فكيف بقي لأذهاننا مجال، في إثبات كيفية البارئ، تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدسة نقر بها، ونعتقد أنه حق، ولا نمثلها أصلاً، ولا نتشكلها " (١). فالواجب في هذا الباب: الإقرار والإمرار، يقول الذهبي: " سُئل الأديب أبو المظفر عن أحاديث الصفات، فقال: تُقر وتُمر " (٢)، ونقل عن الخطيب البغدادي قوله: " أما الكلام في الصفات، فإن ما رُوي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها " (٣). ومن هنا نعلم أن السلف كانوا ينهون عن الخصومة والجدال في الدين، والسير على منهج أهل الكلام، ومن ألطف ما نُقل في هذا الباب، ما قاله القاضي أبو يوسف: " العلم بالخصومة والكلام، جهلٌ، والجهل بالخصومة والكلام، علم "، يقول الذهبي معلقاً: " قلت: مثاله شبهٌ وإشكالات من نتائج أفكار أهل الكلام، تُورَدُ في الجدال على آيات الصفات وأحاديثها، فيكفِّر هذا هذا، وينشأ الاعتزال، والتجهم، والتجسيم، وكل بلاء، نسأل الله العافية " (٤).

стр. 333

وقد رد عليهم الإمام السمعاني فقال: " والأصل الذي يُؤسسه المتكلمون، والطرائق التي يجعلونها قاعدة علومهم، مسألة العرض والجوهر وإثباتهما، وأنهم قالوا: إن الأشياء لا تخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكون جسماً، أو عرضاً، أو جوهراً. فالجسم: ما اجتمع من الافتراق، والجوهر: ما احتمل لأعراض، والعرض: ما لا يقوم بنفسه، وإنما يقوم بغيره، وجعلوا الروح من الأعراض، وردوا أخبار رسول الله ﷺ في خلق الروح قبل الجسد؛ لأنه لم يوافق نظرهم وأصولهم ... ولهذا قال بعض السلف: إن أهل الكلام أعداء الدين؛ لأن اعتمادهم على حدسهم وظنوهم، وما يُؤدي إليه نظرهم وفكرهم، ثم يعرضون عليه الأحاديث، فما وافقه قبلوه، وما خالفه ردوه " (١). ولذا يجب أن تُجرى الصفات على حقيقتها، وهو مذهب السلف، يقول القصَّاب: " كل صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله، فليست صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفسِّرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف: إقرارها بلا تأويل، عُلِم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيِّن " (٢).

стр. 334

وأهل السنة وسط في هذا الباب، يقول الإمام ابن تيمية: " وهم وسط في باب صفات الله ، بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة " (١)، وبيان ذلك بقوله في موطن آخر: " وسط بين أهل التعطيل الذين يُلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال، ويشبهونه بالمخلوقات " (٢) إذ أهل السنة " يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه بن رسله، من غير تعطيل، ولا تمثيل، إثباتاً لصفات الكمال، وتنزيهاً له عن أن يكون له فيها أنداداً، وأمثال، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل " (٣). وقد أبان الإمام السمعاني، عن بعض ملامح المنهج السلفي وقواعده في هذا الباب، وهو موافق لمذهب السلف الصالح، ومن هذه القواعد: ١ ـ أهل السنة لا يكيفون صفات الله تعالى، يقول السمعاني: " وهو كما وصف به نفسه من غير تكييف " (٤)، وقد سار السمعاني على هذا في تفسيره لآيات الصفات ومن ذلك قوله: ـ في صفة الكلام لله تعالى: " وهذا مذهب أهل السنة، أنه سمع كلام الله حقيقة، بلا كيف " (٥)، وقال: " قال الزجاج والنحاس وغيرهما: كلم الله موسى عند الشجرة بلا كيف " (٦). ـ وفي صفة اليد لله تعالى: " وأما اليد: صفة لله تعالى بلا كيف، وله يدان " (٧). ـ وفي صفة الوجه لله تعالى: " والوجه: صفة لله تعالى بلا كيف، وجه لا كالوجوه " (٨). ـ وفي صفة الاستواء لله تعالى: " وأما أهل السنة فيتبرؤون من هذا التأويل، ويقولون: إن الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف " (٩).

стр. 335

ـ وفي صفة النزول لله تعالى: " وهو نزول يوم القيامة لفصل القضاء بلا كيف " (١). وقال: " وفي تفسير النقاش: انشقت لنزول الرب عز اسمه، وهو بلا كيف " (٢). ـ وفي صفة المعية: " وقال الحسن: هو معكم بلا كيف " (٣). وقد نقل الإمام الأشعري الإجماع على ما أشار إليه السمعاني، فقال: " وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه، ووصفه به نبيه ﷺ من غير اعتراض فيه، ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب، وترك التكييف له لازم " (٤). ٢ ـ أن أهل السنة لا يمثلون صفات الله تعالى بخلقه، يقول تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " (الشورى ١١)، وقال تعالى: " وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) " (الصمد ٤)، يقول السمعاني: " لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء " (٥). وذكر السمعاني خلاف النحويين في معنى الكاف وتقديرها في قوله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " (الشورى ١١): ١ ـ أنها زائدة (٦)، ومعناه: ليس مثله شيء. ٢ ـ أنها لغة تهامة يقولون: أنا كمثلك أو أنت كمثلي، أي: أنت مثلي، وأنا مثلك. ٣ ـ قال ثعلب: ليس كهو شيء، وهو الذي فسَّره به في موطن آخر. (٧)

стр. 336

٤ ـ وقال أهل المعاني: ولا يستقيم قول من يقول: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "، أي: ليس كمثل مثله مثل؛ لأن في هذا إثبات المثل، والله تعالى لا يوصف بالمثل، جل وتعالى عن ذلك. (١) وفُسِّر المثل الأعلى في قوله تعالى: " وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى " (الروم ٢٧)، بالصفة الأعلى، والصفة الأعلى: أنه لاشريك له، وليس كمثله شيء. (٢) وقد نقل الأشعري الإجماع على ما ذكره السمعاني فقال: " وأجمعوا على أنه ، غير مشبه لشيء من العالم، وقد نبه الله على ذلك بقوله: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " (٣). ٣ ـ أن تفسير ما وصف الله تعالى به نفسه، قراءته، وقد نقل السمعاني هذا عن سفيان بن عيينه، فقال: " كل وصف الله به نفسه في الكتاب، فتفسيره قراءته لا تفسير له غيره " (٤)، ولذا قال ﵀ في صفة الوجه لله تعالى: " وهو صفة الله تعالى، وتفسيره قراءته، والإيمان به " " والأولى في الأيدي أن يؤمن بها ولا تفسر " (٥).

стр. 337

وهذا المقصود به، إبقاء هذه النصوص على ظاهرها المراد، دون الخوض فيها بما يحيلها عن معانيها المرادة لله تعالى، بتحريفها أو تكييفها. وليس المقصود قراءتها دون فهم معانيها، فهذا قطعاً غير مراد، يدل عليه: تفسير السمعاني، وغيره من أئمة السلف لنصوص الأسماء والصفات، بمعنى أنهم يبينون معناها، ويكلون حقيقتها، وصفتها وكنهها، لله تعالى، هذا هو المقصود، وإلا فإن كلام السلف مبثوث، مستفيض، مشتهر، في تفسيرهم الحق لهذه النصوص، وإنما أرادوا بإطلاق هذه العبارات، إغلاق الباب أمام المنحرفين بهذه النصوص عن معانيها الحقة، إلى معانٍ باطلة، هي من التقول على الله بغير علم (١). وهذه نقول تُبين المراد: " قال أبو عبيد: ما أدركنا أحداً يُفسِّر هذه الأحاديث، ونحن لا نُفسِّرها "، علق عليه الذهبي: " قلت: قد صنَّف أبو عبيد كتاب غريب الحديث، وما تعرض لأخبار الصفات الإلهية بتأويل أبداً، ولا فَسَّر منها شيئاً. وقد أخبر بأنه ما لحق أحداً يفسرها، فلو كان ـ والله ـ تفسيرها سائغاً، أو حتماً، لأوشك أن يكون اهتمامهم بذلك، فوق اهتمامهم بأحاديث الفروع والآداب، فلما لم يتعرضوا لها بتأويل، وأقروها على ما وردت عليه، عُلِم أن ذلك هو الحق الذي لا حيدة عنه " (٢). ونُقل عن أبي عبيد القاسم بن سلَّام، في الباب الذي يُروى فيه: الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا، وأين كان ربنا، فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث، والفقهاء بعضهم على بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، لكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نُفسِّر هذا، ولا سمعنا أحداً يُفسره.

стр. 338

فكلامه هذا يُفسِّر معنى كلامه الأول، إذ المقصود بعدم التفسير هو الدخول فيما لا يجوز، ولا يحل، من التقول على الله بغير علم، والخوض فيما أخفى الله عنا حقائقها، والسكوت عنها هو العلم، وكذا علَّق الإمام الذهبي، على ما ذكره من أثر أبي عبيد، وأوضح المراد فقال: " ... فعُلِمَ قطعاً أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداء بالسلف، معتقدين أنها صفات الله تعالى، استأثر الله بعلم حقائقها، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين" (١) وقال الإمام أبو ذر الهروي: " وقد بيَّنا دين الأمة وأهل السنة، أن هذه الصفات تُمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير " (٢). وبمثل ما ذُكر يُحمل كلام الإمام السمعاني، حين أطلق على بعض آيات الصفات، أنها من المتشابه، كما قال في قوله تعالى: " وَجَاءَ رَبُّكَ " (الفجر ٢٢): " وهو من المتشابه الذي يُؤمن به ولا يُفسَّر " (٣)، وهو لا يريد بالمتشابه الذي لا يُعلم معناه الحق، بل يقصد بالمتشابه، حقائق المعاني وكيفياتها، فهذا مما اختص الله تعالى بعلمه. والذي يدل على ذلك، ما ذكره السمعاني بعده، من تأويل أهل الكلام لهذه الصفة، فقال: " وقد أول بعضهم: (وجاء أمر ربك). الصحيح ما ذكرنا " (٤)، فهو أراد أن يثبت أنه مجيء حقيقي، لا كما يقول هؤلاء، لكن حقيقة مجيئه، مما لا يعلمه إلا الله تعالى. مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية، أشار إلى أنه لا يعلم عن أحد من سلف الأمة، أنه جعل آيات الصفات من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. (٥)

стр. 339

وعليه يُحمل كلام السمعاني، على إرادة المتشابه المطلق، بمعنى العلم الذي استأثر الله جل وعلا به، فلم يطلعه لأحد من خلقه، كالكيفيات، والصفات، والهيئات، والمواعيد، والمواقيت الغيبية (١). ٤ ـ أن أسماء الله تعالى توقيفية، يقول السمعاني:"واعلم أن أسماء الله تعالى على التوقيف" (٢)، ومعنى توقيفية: أنها موقوفة على ورود النص (٣)، ولذا يقول السمعاني:"فإنه يُسمى جواداً، ولا يُسمى سخياً، وإن كان في معنى الجواد، ويُسمى رحيماً، ولا يسمى رقيقاً، ويسمى عالماً، ولا يُسمى عاقلاً، وعلى هذا لا يُقال: يا خادع، يا مكار، وإن ورد في القرآن: "يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ" (النساء ١٤٢)، "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ " (الأنفال ٣٠)، لكن لما يرد الشرع بتسميته به، لم يجز ذلك له " (٤)، وهذا هو الصحيح، وهو الذي نص عليه الأئمة ـ كما سبق ـ، بألا يتجاوز القرآن والحديث.

стр. 340

وقد ذكر ابن عطية خِلاف الناس في الاسم الذي يقتضي مدحاً خالصاً، ولا يتعلق به شبهة ولا اشتراك، إلا أنه لم ير منصوصاً، هل يطلق ويُسمى به الله؟ فقال: " فنص الباقلاني على جواز ذلك، ونص أبو الحسن الأشعري على منع ذلك، والفقهاء والجمهور على المنع، وهو الصواب، أن لا يُسمى الله تعالى إلا باسم قد أطلقته الشريعة، ووقفت عليه أيضاً ... واختلف أيضاً في الأفعال التي في القرآن، مثل قوله: " اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" (البقرة ١٥)، "وَمَكَرَ اللَّهُ " (آل عمران ٥٤)، ونحو ذلك، هل يُطلق منها اسم الفاعل؟ فقالت فرقة: لا يُطلق ذلك بوجه، وجوزت فرقة أن يُقال ذلك مقيداً بسببه، فيقال: الله مستهزئ بالكافرين، وماكر بالذين يمكرون، وأما إطلاق ذلك دون تقييد، ممنوع إجماعاً، والقول الأول أقوى، ولا ضرورة تدفع إلى القول الثاني؛ لأن صيغة الفعل الواردة في كتاب الله تُغني " (١). ويقول ابن القيم: " أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيداً، أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى، المضل، الفاتن، الماكر، تعالى الله عن قوله، فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها، إلا أفعال مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يُسمى بأسمائها المطلقة " (٢). أما ما كان محموداً في حال دون حال، فهذا يوصف به في الحال الذي يكون فيها محموداً، ولا يُسمى به على الإطلاق، كالمكر، والخداع، والاستهزاء، والكيد، فهذه أوصاف إذا ذكرت في مقابل من يعامل بهذه الأوصاف، صارت أوصافاً محمودة، فيوصف الله بها، وإلا فلا " (٣). وقد أشار السمعاني لأمثلة على هذه القاعدة، ومنها غير ما ورد ذكره:

стр. 341

١ ـ موقناً: فلا يُسمى الله بهذا الاسم؛ لأنه ناتج عن استدلال، وما كان كذلك، فلا يُسمى الإيقان واليقين: علم عن استدلال، وكذلك لا يُسمى الله تعالى مؤمناً؛ إذ ليس علمه عن استدلال " (١). ٢ ـ قائماً: لا يجوز أن يُسمى الله جل وعز، قائماً؛ لأنه لم يرد به الشرع، وإنما يوصف بالقيام على التقييد، يقول السمعاني في قوله تعالى: " أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ " (الرعد ٣٣)، أكثر المفسرين أن قوله: " أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ " هو الله، والله تعالى لا يجوز أن يُسمَّى قائماً على الإطلاق؛ لأن الشرع لم يرد به؛ ولأن القائم هو المنتصب، ويجوز أن يوصف بالقيام على التقييد، وهو أنه قائم على كل نفس بما كسبت" (٢). ٣ ـ رمضان: رُوي عن مجاهد: أنه اسم من أسماء الله تعالى، ولذلك لا يُجمع على رمضانات، وروي هذا عن النبي ﷺ غريباً. قال السمعاني: " والصحيح أنه اسم الشهر " (٣). وقد نُقل عن مجاهد وعطاء أنهما كانا يكرهان أن يُقال رمضان، قالا: وإنما نقول ما قال الله تعالى: " شَهْرُ رَمَضَانَ " (البقرة ١٨٥)، لأنا لا ندري لعل رمضان اسم من أسماء الله، قال ابن النحاس: وهذا قول ضعيف؛ لأنا وجدنا النبي ﷺ قال: (رمضان) بغير شهر (٤). وأما الحديث الوارد فيه، فقد حكى العلماء تضعيفه، وقال ابن كثير: " وقول من قال: إن اسم من أسماء الله، خطأ لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه " (٥). ٤ ـ الأحرف المقطعة: نقل السمعاني عن بعض السلف، أن الأحرف المقطعة من أسماء الله تعالى. ـ عن ابن عباس: أن (الر، و حم، و ن) نظم قوله الرحمن، ونُقل عن سعيد بن جبير (٦).

стр. 342

ـ وعن ابن عباس: أن (حم ـ عسق) اسم الله الأعظم (١). ـ وعن علي: أن (كهيعص) اسم من أسماء الله تعالى (٢). أولاً: نقل السمعاني خِلافاً طويلاً في الأحرف المقطعة، حتى قال ابن حجر: " وقد اختلف في هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور، على أكثر من ثلاثين قولاً " (٣). فذكر السمعاني قولان: (٤) الأول: أنها غير معلومة المعنى، وهو منقول عن الشعبي وجماعة من المتقدمين، قال: "والفائدة من ذكرها: طلب الإيمان بها، وأن يُعلم أنها من عند الله تعالى " (٥). وفي هذا يقول ابن العربي المالكي: " وقد تحصَّل لي فيها عشرون قولاً وأزيد، ولا أعرف أحداً، يحكم عليها بعلم، ولا يصل فيها إلى فهم " (٦). الثاني: أنها معلومة المعنى، واختلفوا في المراد منها على أقوال: ١ ـ أن كل حرف منها يدل على معنى، قال ابن عباس: معنى قوله (الم): أنا الله أعلم، و (المص) معناه: أنا الله أعلم وأفصل، وفي (المر): أنا الله أعلم وأرى، وفي (الر): أنا الله أرى، واستحسنه الزجاج، وقال: وبمثله قالت العرب، فإن العرب قد تأتي بحرف، وتريد به معنى. ٢ ـ أنها أسماء للقرآن، قاله قتادة. ٣ ـ أنها أسماء للسور، قاله مجاهد. ٤ ـ أنها قسم، أقسم الله بها؛ لشرفها وفضلها؛ لأنها مباني كتبه المنزلة. وهذا ملخص ما ذكره السمعاني، وإلا فإن هناك أقوال أخرى، حكيت في المسألة. أما ما يتعلق بأنها من أسماء الله تعالى، أو أنها اسم الله الأعظم، فهذا وإن ورد فيه النقل عن بعض السلف، إلا أنه يعوزه أمران: الأول: إثبات صحة ما ورد عنهم بالسند الصحيح.

стр. 343

الثاني: إن صَحَّ السند فيه، فيقال: قد قال غيرهم بخِلافه، فليس قول بعضهم أولى ببعض، مع أنه لم يرد فيه عن النبي ﷺ شيء يُذكر، وإلا لكان فاصلاً للنزاع، يقول الشوكاني: " ثم هاهنا مانع آخر: وهو أن المروي عن الصحابة في هذا مختلف متناقض، فإن عملنا بما قاله أحدهم دون الآخر، كان تحكماً لا وجه له، وإن عملنا بالجميع، كان عملاً بما هو مختلف متناقض، ولا يجوز. ثم هاهنا مانع غير هذا المانع، وهو: أنه لو كان شيء مما قالوه، مأخوذاً عن النبي ﷺ ، لاتفقوا عليه ولم يختلفوا، كسائر ما هو مأخوذ عنه، فلما اختلفوا في هذا، علمنا أنه لم يكن مأخوذاً عن النبي ﷺ ... " (١). وفي هذا الكم المتراكم من الأقوال، يقول الشيخ الشنقيطي: " أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة، ذُكرت في أوائل السور التي ذُكرت فيها، بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وحكى هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرِّد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء، وقطرب، نصره الزمخشري في الكشاف. قال ابن كثير: "وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية " (٢).

стр. 344

وقد تقرر أن أسماء الله تعالى كلها حُسنى، وأنها على التوقيف الصحيح، ولذا يقول المناوي (١): " ومن زعم أن (حم) اسم من أسماء الله، ففيه نظر؛ لأن أسماءه تقدست، ما منها شيء إلا وهو صفة مقصودة، مفصحة عن ثناء وتحميد، و (حم) ليس إلا حرفين من حروف المعجم، فلا معنى تحته يصلح لكونه بتلك المثابة" (٢).

стр. 345

وبعد ذكر هذه القواعد التي قعَّدها السمعاني، متتبعاً فيها النصوص، ومستقرئاً كلام السلف، نختم بما نقله عنه الأصبهاني، في بيان منهج أهل السنة في هذا الباب: " وأما أهل السنة ـ سلمهم الله ـ، فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب، ووردت به السنة، ويحتجون له بالحجج الواضحة، والدلائل الصحيحة، على حسب ما أذن فيه الشرع، وورد به السمع، ولا يدخلون بآرائهم في صفات الله تعالى، ولا في غيرها من أمور الدين، وعلى هذا وجدوا سلفهم وأئمتهم ... وإذا كان الأمر على ما قلنا، وقد علمنا أن النبي ﷺ لم يدعهم في هذه الأمور إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر، وذكر ما هيتها، ولا يمكن لأحد من الناس أن يروي في ذلك عنه، ولا عن أحد من الصحابة ﵃ من هذا النمط حرفاً واحداً فما فوقه، لا في طريق تواتر، ولا آحاد، فعلمنا أنهم ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء، وسلكوا غير طريقهم، وأن هذا طريق محدث مخترع، لم يكن عليه رسول الله ﷺ ولا أصحابه. وسلوكه يعود عليهم بالطعن، والقدح، ونسبتهم إلى قلة العلم في الدين، واشتباه الطريق عليهم، فإياك ـ رحمك الله ـ أن تشتغل بكلامهم، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم؛ فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم، إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه أو يقاربه " (١). المطلب الثالث: معاني أسماء الله تعالى وصفاته، ومقتضياتها: تَتَبُعُ الأسماءِ والصفاتِ وإحصائها، وبيانِ معانيها، وإن كان بعض الأئمة قد خصها بمصنفات، إلا أن إبراز جهد السمعاني فيه يُؤكد على عدة قضايا: ١ - قضايا معرفية: وتظهر من جهة التعبد بهذه الأسماء والصفات، والتعبد لازم المعرفة، والمعرفة لازمة البحث والتقصي، فمن رام التعبد على بصيرة، اجتهد في معرفة الحق، فإظهار معاني هذه الأسماء والصفات وإثباتها، مُعين على التعبد بها، وهذا يشمل: حفظها، ومعرفة معانيها، والتعبد بمقتضاها. ٢ - قضايا احترازية غائية: وتظهر من جهة إغلاق الباب على المتقولين المتخرصين على النصوص الشرعية في هذا الباب.

стр. 346

٣ - قضايا مقاصدية: ويراد بها: بث الوعي المجتمعي من خلال معاني أسماء الله وصفاته، والتي تُسهم في إيقاف المد السلوكي الخاطئ، وتربية المجتمع على المحاسن ومعالي الأمور. ٤ - قضايا دفاعية: ضد كل الأفكار التي تُناقض هذا النوع من التوحيد، فهذا البيان يُسهم في كشف التأويلات المنحرفة، وإبطال الأقوال الفاسدة، وهذا يظهر جليا في الرد على: -المفوضة: الذين يزعمون أن آيات الصفات من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فيفوضون المعاني، والمشكلة أنهم يبثون في تقريراتهم الفاسدة، أنهم أهل العلم والمعرفة والحكمة، وهو في حقيقته تجهيل للأمة جمعاء. -والجهمية بجميع طبقاتهم: الذين ينكرون الأسماء والصفات أو بعضها؛ بحجة التنزيه وعدم التشبيه. -والفلاسفة: الذين ينفون هذا النوع من التوحيد نفيا تاما؛ لمعارضته لحقيقة واجب الوجود الذي يعتقدونه، وهو أنه موجود وجودا كليا مطلقا بشرط الإطلاق، فيصير لا حقيقة له في الواقع إلا في الأذهان، ولا مانع لديهم من وصفه بالسلوب والإضافات؛ لأنها في الحقيقة ليست معانٍ وجودية بل اعتبارية فقط، فجعلوا الصفة هي الموصوف، والصفة هي الأخرى. ٥ - قضايا تأصيلية: تتمثل في عدة أمور: - عدم الترادفية بين الأسماء والصفات، فهي باعتبار دلالتها على الذات مترادفة؛ لأنها تدل على ذات واحدة، لكن باعتبار معانيها فهي متباينة غير مترادفة، فليس العلم هو القدرة، وليست القدرة هي الرحمة، وهكذا. - أن الأسماء تتضمن صفاتا، فالأسماء تدل على الصفات، ولا يمكن وجود ذات خلية عن الصفات، خلافا لمن جعل الأسماء؛ كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير، كالأعلام المحضة المترادفة، ومن قال: هو عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، فأخلوا الأسماء عن معانيها، وعطلوها عن حقائقها. - أن الاتفاق في الأسماء لا يستلزم الاتفاق في المسميات والحقائق. - أن الأسماء تتفق عند الإطلاق، أما عند التخصيص والإضافة، فيختص كل اسم بمعنى دون الآخر، فالمشاركة تكون في المعنى المطلق الذهني.

стр. 347

- ومن جهة جواز إطلاق هذه الأسماء على غير الله تعالى، فبعضها مختص بالله تعالى لا يشركه غيره فيها، وبعضها من المشترك الذي يجوز إطلاقه على الله تعالى وعلى غيره، وقد أشار السمعاني إلى جملة منها. أسماء الله الحسنى: * سأشير في هذا المطلب إلى الأسماء الحسنى، التي ذكرها السمعاني، وأبان معانيها، وما يتعلق بها من المسائل التي أشار إليها. ١ - الرحمن ـ الرحيم: أ ـ المعنى: قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. وحكي عنه أنه قال: الرحمن: الرفيق بالعباد، والرحيم: العاطف عليهم (١)، والعطوف (٢). ب ـ هل بينهما فرق أم لا؟! قولان: الأول: بينهما فرق، فالرحمن غير الرحيم، ولكل واحد منهما معنى، غير معنى صاحبه. قالوا: للرحمن معنى العموم، وللرحيم معنى الخصوص. وذلك من جهتين: ١ ـ من جهة الرزق، فالرحمن بمعنى الرازق في الدنيا، والرزق على العموم، للكافر والمؤمن. والرحيم بمعنى العافي في الآخرة، والعفو في الآخرة على الخصوص للمؤمنين دون الكافرين. ٢ ـ ومن جهة الرحمة: فالرحمن: من تصل رحمته إلى الخلق على العموم، والرحيم: من تصل رحمته إلى الخلق على الخصوص، ولذلك قيل في الدعاء: " يا رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة". الثاني: أن معناهما واحد. قال قطرب: هما اسمان، ذكر أحدهما تأكيداً للآخر، مثل: لهفان، ولهيف، وندمان ونديم. وقال المبرد: هذا تمام بعد إتمام، وتفضل بعد تفضل، وتطميع لقلوب الراغبين، ووعد لا يخيب آمله، ومعناه: ذو الرحمة، والرحمة هي: الإنعام والتفضل (٣). ج ـ هل يجوز إطلاق هذين الاسمين على غير الله تعالى؟!

стр. 348

أما الرحمن: فلا يُطلق إلا على الله تعالى، فلا يجوز إطلاقه على غيره، قال تعالى: " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا " (مريم ٦٥)، قال ابن عباس: هل تعلم أحداً يُسمى " الرحمن " غير الله؟! (١). وقال الحسن: هو اسم لا يستطيع أحد أن ينتحله ويُقال: اسم ممتنع، وإنما لم يصح أن يُقال لغيره، وصح أن يقال راحم، ورحيم؛ لأن معنى الرحمن: أن رحمته وسعت كل شيء، وهذا لا يصح في غير الله جل وعلا. (٢) ويقول السمعاني في الفرق في التسمية بينهما: " فالرحمن من تصل رحمته إلى الخلق على العموم، والرحيم من تصل رحمته إلى الخلق على الخصوص، ولذلك يُدعى غير الله رحيماً، ولا يُدعى رحماناً؛ لأن الله تعالى هو الذي تصل رحمته إلى الخلق، كأنه كما قال تعالى: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ " (الأعراف ١٥٦)، وأما غير الله قد يخص شيئاً بالرحمة، فيكون ذلك رحيماً " (٣). وقد سمَّى الله نبيه بالرحيم، فقال: " بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٢٨) " (التوبة ١٢٨)، أي: عطوف رفيق. (٤) د ـ كفر المشركين بالرحمن: قال تعالى: " كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ " (الرعد ٣٠)، يقول السمعاني: " وقوله: " وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ " فيه قولان: أحدهما: قال ابن جريج: الآية مدنية في قصة الحديبية، فإن سهيل بن عمرو لما جاء، واتفقوا أن يكتبوا كتاب الصلح، كتب علي ﵁: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقالوا: لا نعرف الرحمن، اكتب كما نكتب نحن: باسمك اللهم. والقول الثاني: وهو المعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي

стр. 349

صلى الله عليه وسلم وهو في الحجر يدعو ويقول: " يا الله، يا رحمن "، فرجع إلى المشركين، وقال: إن محمداً يدعو إلهين، يدعو الله، ويدعو آخر اسمه الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله هذه الآية، وأنزل أيضاً قوله تعالى: " قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ " (الإسراء ١١٠) " (١). ـ وقال : " وَإِذَا رَأَىكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) " (الأنبياء ٣٦)، يقول السمعاني: قال هذا، لأنهم كانوا يقولون: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة " (٢). ـ وقال تعالى: " وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا " (الفرقان ١٦٠)، قال أهل التفسير: إنما قالوا هذا؛ لأنهم كانوا لا يعرفون اسم الرحمن في كلامهم، فسألوا عن الرحمن لهذا. وروي أن رسول الله ﷺ لما دعاهم للرحمن، ويُقال: إن أبا جهل قال له: يا محمد، من يعلمك القرآن؟ فأنزل الله تعالى: " الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) " (الرحمن ١ - ٢)، قال أبوجهل وغيره: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة باليمامة، وكان يُسمى: رحمان اليمامة. (٣) وذكر اسم الرحمن كان كثيراً في التوراة، يقول تعالى: " وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ " (الرعد ٣٦)، رُوي أن اليهود الذين أسلموا، كانوا يستقلون ذكر الرحمن في القرآن، مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله ذكر الرحمن في القرآن فرحوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. (٤)

стр. 350

هـ ـ ومما يُقارب معنى الرحيم من أسماء الله تعالى: اسمه (الرؤوف): وقد أثبت الله جل وعز له هذا الاسم، في كتابه العزيز، فقال: " وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ " (البقرة ٢٠٧)، يقول السمعاني: " أي: شديد الرحمة بهم " (١). وقال سبحانه: " إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ " (البقرة ١٤٣)، يقول السمعاني: "الرأفة: أشد الرحمة " (٢). وقال سبحانه: " وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ " (آل عمران ٣٠)، ومن رأفته، أن حذرهم، ورغبهم، ورهبهم، ووعدهم، وأوعدهم. (٣) يقول الحليمي: " الرؤوف: المتساهل على عباده، لم يحملهم مالا يطيقون، ومع ذلك غلَّظ فرائضه، في حال شدة القوة، وخففها في حال الضعف ونقصان القوة، وأخذ المقيم بما لم يأخذ به المسافر، والصحيح بما لم يأخذ به المريض، وهذا كله رأفة ورحمة " (٤). وقد فسَّر السمعاني اسم الله اللطيف في قوله تعالى: " اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ " (الشورى ١٩)، بالرحمة، فقال:" أي: بار، حفي، رحيم بهم " (٥). ورحمة الله تعالى التي هي من آثار اسمه الرحيم، وسعت كل شيء، كما قال تعالى: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ " (الأعراف ١٥٦)، يقول الحسن وقتادة: وسعت رحمته البر والفاجر في الدنيا، وهي للمتقين يوم القيامة. (٦) ومن رحمته بالكفار: إمهالهم في العذاب. (٧) أما لفظ الرحمة في القرآن، فهو يختلف باختلاف مورده وسياقه، فقد يرد بمعنى: ١ ـ الجنة: كما قال تعالى: " فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ " (الجاثية ٣٠)، يقول السمعاني: أي جنته. (٨)

стр. 351

٢ ـ الإسلام: كما قال تعالى: " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) " (الشورى ٨)، يقول السمعاني: " أي يدخل من يشاء في الإسلام " (١). ٣ ـ المطر: كما قال تعالى: " وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ " (الشورى ٢٨)، أي: بإنزال الغيث. (٢) وقوله: " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " (الأعراف ٥٧)، أي: المطر. (٣) ٤ ـ النبوة والرسالة: كما قال تعالى: " أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ " (الزخرف ٣٢)، أي: رسالة ربك، فيختارون لها من شاؤوا. (٤) ٥ ـ القرآن والرسول: كما قال تعالى: " وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ " (النمل ٧٧) يقول السمعاني: " فيه قولان: أحدهما: أنه الرسول، والآخر: أنه القرآن " (٥). ٦ ـ العصمة: كما قال تعالى: " وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي " (يوسف ٥٣)، يقول السمعاني: " أنه إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان " (٦). ٧ ـ المودة: كما قال تعالى:" مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ" (الفتح ٢٩)، يقول السمعاني: " أي: متوادون، ومتواصلون بينهم " (٧). ٨ ـ الخير والنصرة: كما قال تعالى: " قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً " (الأحزاب ١٧)، أي: خيراً ونصرة. (٨)

стр. 352

٢ - الغفور: ورد هذا الاسم الكريم في القرآن الكريم، في مواطن كثيرة، وجاء بلفظ غفار، وغافر، والمعنى، كما يقول السمعاني: الساتر والستور للذنوب، ففي قوله تعالى: " غَافِرِ الذَّنبِ " (غافر ٣)، أي: ساتر الذنب. (١) وفي قوله تعالى: " إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ " (فاطر ٢٨): أي: غفور لذنوب عباده. (٢) وقوله في نفس السورة: " إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ " (فاطر ٣٠)، يُقال: يغفر الكثير من الذنوب، ويشكر اليسير من الطاعات. (٣) فالغافر: الذي يستر على المذنب، ولا يؤاخذه به. والغفار: المبالغ في الستر، فلا يُشهِر المذنب، لا في الدنيا، ولا في الآخرة. والغفور: الذي يكثر منه الستر، على المذنبين من عباده. (٤) وقال الزجاج: " ويجيء على قياس قول أبي علي قطرب، أن يكون الغفور في ذنوب الآخرة، والغفار الذي يسترهم في الدنيا ولا يفضحهم " (٥). ٣ - الحليم: فَسَّر السمعاني هذا الاسم الكريم بمعنى: الإمهال، وعدم المعاجلة بالعقوبة، قال تعالى: "وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ " (التغابن ١٧)، يقول: " معناه: إمهال العباد، وترك معاجلتهم بالعقوبة " (٦). وقال تعالى: " وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ " (البقرة ٢٢٥)، أي: الذي لا يعجل العقوبة. (٧) ويقول الزجاج: " وليس قول من قال: إن الحليم هو من لا يُعاقب، بصواب، أما سمع قول الشاعر الفصيح، وأظنه كُثَيِّراً: (حليماً إذا ما نال عاقب مجملاً ... أشد العقاب أو عفا لم يثرب) (٨)

стр. 353

٤ - الشكور والشاكر: وردت الآيات القرآنية، في إثبات هذين الاسمين الجليلين الكريمين لله تعالى، قال سبحانه: " وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا " (النساء ١٤٧)، " إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ " (فاطر ٣٠). وفسر السمعاني هذين الاسمين بعدة تفاسير، فقال: ـ الشكر من الله: أن يعطي العبد فوق ما يستحق. (١) ـ والشكر من الله: قبول العمل، ومعناه في قوله:" وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا " (النساء ١٤٧)، وكان الله قابلاً للطاعات، عليماً بالنيات. (٢)، ومثله في قوله تعالى: "فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا " (الإسراء ١٩)، قال: أي مقبولاً، ويُقال: إن الشكر من الله هو قبول الحسنات، والتجاوز عن السيئات. (٣) ـ والشكر من الله: المجازاة، قال تعالى: " فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ " (الأنبياء ٩٤)، يقول السمعاني: " (كاتبون) أي: حافظون، ويُقال: إن حق الشكر من الله هو المجازاة ". (٤) ـ والشكر من الله: قبول اليسير من الطاعات، والعفو عن الكثير من السيئات. (٥) فالشكر من الله تعالى: هو إثابته الشاكر على شكره، فجعل ثوابه للشكر، وقبوله للطاعة، شكراً على طريقة المقابلة. (٦)

стр. 354

٥ - الحكيم: فسَّر السمعاني هذا الاسم الكريم بمعنيين: أ ـ الحاكم، وهو القاضي بالعدل. ب ـ الحكيم، المحكم للأمر، كيلا يتطرق إليه الفساد، ومنه: أحكمت الدابة؛ لأنها تمنعها من الفساد. (١). ومن الأول: قوله تعالى: " وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ " (هود ٤٥)، يعني: وأنت أحكم الحاكمين بالعدل. (٢)، وقوله تعالى: " فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) " (الأعراف ٨٧)، أي: حتى يقضي الله، " وهو خير الحاكمين " أي: خير القاضين. (٣)، وقوله تعالى: " حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ " (يوسف ٨٠)، يعني: وهو خير الفاصلين. (٤) وكما قال تعالى: " إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ " (النمل ٧٨)، " أي: يفصل بينهم بحكمه الحق ". (٥) وقوله تعالى: " إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (السجدة ٢٥)، " أي: يحكم بينهم حكم الفصل " (٦). وحكم الله تعالى كله حق وعدل، وقوله تعالى: " قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ " (الأنبياء ١١٢)، فهنا ذكر الحق وصفاً للحكم، لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق (٧) ـ تعالى الله وتقدس ـ ونقل عن بعضهم في الجواب عن هذه الآية الكريمة: " رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ"، أي: عجل الحكم بالحق، وقال أبو عبيد: رب احكم بحكمك الحق، والله يحكم بالحق، طلب أو لم يطلب، ومعنى: الطلب: هو ظهور الرغبة من الطالب في حكمه الحق، وقال بعضهم: "رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ" تعبد من الله، والله يحكم بالحق، سئل أو لم يسأل، أورده النحاس. (٨) وهذا مثل قوله تعالى: " رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) " (الأعراف ٨٩)،فهذا ليس على طريق طلب القضاء بالحق، وإنما هو على نعت قضائه بالحق، فإن صفة قضائه الحق. (٩)

стр. 355

ومن الثاني: قوله تعالى: " صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ" (النمل ٨٨)، أي: أحكم كل شيء. (١) فالحكيم يُظهر أثر حكمته في كل شيء، وإن كانت قد تخفى بعض الحكم، فهو العدل في الأحكام (٢)، والعدل في الأفعال (٣)، والحكيم في جميع ما يفعله (٤)، الحكيم في أمره (٥)، وتدبيره (٦)، وفعله (٧)، وخلقه (٨)، وملكه (٩)، وسلطانه (١٠)، وفي نصب الأحكام (١١)، وبعث الرسل (١٢). قال السمعاني: " والحكيم: ذو الإصابة في الأمر (١٣)، وقال: والحكيم: المصيب في تدبير خلقه " وفيما أوجب من العقوبة (١٤). ومن اللطائف التي ذكرها السمعاني، ما نقله عن ابن المعتز أن سُئل: إذا كان الله تعالى، واسع المغفرة، وسعت رحمته كل شيء، فما يمنعه أن يرحم الكافر؟ فقال: إن رحمته لا تغلب حكمته. (١٥)
следующие страницы →