← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٢ ـ الإسلام: كما قال تعالى: " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) " (الشورى ٨)، يقول السمعاني: " أي يدخل من يشاء في الإسلام " (١). ٣ ـ المطر: كما قال تعالى: " وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ " (الشورى ٢٨)، أي: بإنزال الغيث. (٢) وقوله: " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " (الأعراف ٥٧)، أي: المطر. (٣) ٤ ـ النبوة والرسالة: كما قال تعالى: " أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ " (الزخرف ٣٢)، أي: رسالة ربك، فيختارون لها من شاؤوا. (٤) ٥ ـ القرآن والرسول: كما قال تعالى: " وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ " (النمل ٧٧) يقول السمعاني: " فيه قولان: أحدهما: أنه الرسول، والآخر: أنه القرآن " (٥). ٦ ـ العصمة: كما قال تعالى: " وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي " (يوسف ٥٣)، يقول السمعاني: " أنه إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان " (٦). ٧ ـ المودة: كما قال تعالى:" مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ" (الفتح ٢٩)، يقول السمعاني: " أي: متوادون، ومتواصلون بينهم " (٧). ٨ ـ الخير والنصرة: كما قال تعالى: " قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً " (الأحزاب ١٧)، أي: خيراً ونصرة. (٨)

стр. 352

٢ - الغفور: ورد هذا الاسم الكريم في القرآن الكريم، في مواطن كثيرة، وجاء بلفظ غفار، وغافر، والمعنى، كما يقول السمعاني: الساتر والستور للذنوب، ففي قوله تعالى: " غَافِرِ الذَّنبِ " (غافر ٣)، أي: ساتر الذنب. (١) وفي قوله تعالى: " إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ " (فاطر ٢٨): أي: غفور لذنوب عباده. (٢) وقوله في نفس السورة: " إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ " (فاطر ٣٠)، يُقال: يغفر الكثير من الذنوب، ويشكر اليسير من الطاعات. (٣) فالغافر: الذي يستر على المذنب، ولا يؤاخذه به. والغفار: المبالغ في الستر، فلا يُشهِر المذنب، لا في الدنيا، ولا في الآخرة. والغفور: الذي يكثر منه الستر، على المذنبين من عباده. (٤) وقال الزجاج: " ويجيء على قياس قول أبي علي قطرب، أن يكون الغفور في ذنوب الآخرة، والغفار الذي يسترهم في الدنيا ولا يفضحهم " (٥). ٣ - الحليم: فَسَّر السمعاني هذا الاسم الكريم بمعنى: الإمهال، وعدم المعاجلة بالعقوبة، قال تعالى: "وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ " (التغابن ١٧)، يقول: " معناه: إمهال العباد، وترك معاجلتهم بالعقوبة " (٦). وقال تعالى: " وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ " (البقرة ٢٢٥)، أي: الذي لا يعجل العقوبة. (٧) ويقول الزجاج: " وليس قول من قال: إن الحليم هو من لا يُعاقب، بصواب، أما سمع قول الشاعر الفصيح، وأظنه كُثَيِّراً: (حليماً إذا ما نال عاقب مجملاً ... أشد العقاب أو عفا لم يثرب) (٨)

стр. 353

٤ - الشكور والشاكر: وردت الآيات القرآنية، في إثبات هذين الاسمين الجليلين الكريمين لله تعالى، قال سبحانه: " وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا " (النساء ١٤٧)، " إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ " (فاطر ٣٠). وفسر السمعاني هذين الاسمين بعدة تفاسير، فقال: ـ الشكر من الله: أن يعطي العبد فوق ما يستحق. (١) ـ والشكر من الله: قبول العمل، ومعناه في قوله:" وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا " (النساء ١٤٧)، وكان الله قابلاً للطاعات، عليماً بالنيات. (٢)، ومثله في قوله تعالى: "فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا " (الإسراء ١٩)، قال: أي مقبولاً، ويُقال: إن الشكر من الله هو قبول الحسنات، والتجاوز عن السيئات. (٣) ـ والشكر من الله: المجازاة، قال تعالى: " فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ " (الأنبياء ٩٤)، يقول السمعاني: " (كاتبون) أي: حافظون، ويُقال: إن حق الشكر من الله هو المجازاة ". (٤) ـ والشكر من الله: قبول اليسير من الطاعات، والعفو عن الكثير من السيئات. (٥) فالشكر من الله تعالى: هو إثابته الشاكر على شكره، فجعل ثوابه للشكر، وقبوله للطاعة، شكراً على طريقة المقابلة. (٦)

стр. 354

٥ - الحكيم: فسَّر السمعاني هذا الاسم الكريم بمعنيين: أ ـ الحاكم، وهو القاضي بالعدل. ب ـ الحكيم، المحكم للأمر، كيلا يتطرق إليه الفساد، ومنه: أحكمت الدابة؛ لأنها تمنعها من الفساد. (١). ومن الأول: قوله تعالى: " وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ " (هود ٤٥)، يعني: وأنت أحكم الحاكمين بالعدل. (٢)، وقوله تعالى: " فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) " (الأعراف ٨٧)، أي: حتى يقضي الله، " وهو خير الحاكمين " أي: خير القاضين. (٣)، وقوله تعالى: " حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ " (يوسف ٨٠)، يعني: وهو خير الفاصلين. (٤) وكما قال تعالى: " إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ " (النمل ٧٨)، " أي: يفصل بينهم بحكمه الحق ". (٥) وقوله تعالى: " إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (السجدة ٢٥)، " أي: يحكم بينهم حكم الفصل " (٦). وحكم الله تعالى كله حق وعدل، وقوله تعالى: " قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ " (الأنبياء ١١٢)، فهنا ذكر الحق وصفاً للحكم، لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق (٧) ـ تعالى الله وتقدس ـ ونقل عن بعضهم في الجواب عن هذه الآية الكريمة: " رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ"، أي: عجل الحكم بالحق، وقال أبو عبيد: رب احكم بحكمك الحق، والله يحكم بالحق، طلب أو لم يطلب، ومعنى: الطلب: هو ظهور الرغبة من الطالب في حكمه الحق، وقال بعضهم: "رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ" تعبد من الله، والله يحكم بالحق، سئل أو لم يسأل، أورده النحاس. (٨) وهذا مثل قوله تعالى: " رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) " (الأعراف ٨٩)،فهذا ليس على طريق طلب القضاء بالحق، وإنما هو على نعت قضائه بالحق، فإن صفة قضائه الحق. (٩)

стр. 355

ومن الثاني: قوله تعالى: " صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ" (النمل ٨٨)، أي: أحكم كل شيء. (١) فالحكيم يُظهر أثر حكمته في كل شيء، وإن كانت قد تخفى بعض الحكم، فهو العدل في الأحكام (٢)، والعدل في الأفعال (٣)، والحكيم في جميع ما يفعله (٤)، الحكيم في أمره (٥)، وتدبيره (٦)، وفعله (٧)، وخلقه (٨)، وملكه (٩)، وسلطانه (١٠)، وفي نصب الأحكام (١١)، وبعث الرسل (١٢). قال السمعاني: " والحكيم: ذو الإصابة في الأمر (١٣)، وقال: والحكيم: المصيب في تدبير خلقه " وفيما أوجب من العقوبة (١٤). ومن اللطائف التي ذكرها السمعاني، ما نقله عن ابن المعتز أن سُئل: إذا كان الله تعالى، واسع المغفرة، وسعت رحمته كل شيء، فما يمنعه أن يرحم الكافر؟ فقال: إن رحمته لا تغلب حكمته. (١٥)

стр. 356

وفي تفسير قوله تعالى: " وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " (المائدة ١١٨)، أورد السمعاني سؤالاً مفاده: كيف طلب المغفرة لهم، وهم كفار، وكيف قال: وإن تغفر لهم إنك أنت العزيز الحكيم، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة؟! وذكر عدة إجابات، منها ما يوافق ما نحن فيه،: " وقيل: معناه: إن تغفر لهم لا ينقص من عزك شيء، ولا يخرج من حكمتك. ويدخل في حكمة الله تعالى، وسعة رحمته، أن يغفر للكفار، ولكنه أخبر أنه لا يغفر، وهو لا يخلف خبره ". (١) ٦ - العزيز: فسَّره الإمام السمعاني بعدة تفسيرات: أـ الممتنع، والله تعالى ممتنع لا تناله الأيدي، ولا يصل إليه شيء. (٢) ب ـ القوي القاهر. (٣) ج ـ القادر الذي لا يمكن معازته، أي مغالبته. (٤) د ـ الغالب الذي لا يفوته شيء، والمنتقم المعاقب على الجناية. (٥) وقال: الغالب الذي لا يُغالب. (٦)

стр. 357

قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء ٦٨)، يقول السمعاني: " والله تعالى عزيز، وهو في وصف عزته رحيم " (١). فمن أسمائه العزيز، ومن صفة جل وعز، العِزة (٢)، فهو العزيز في: أمره (٣)، والمنيع في ملكه (٤)، والغالب على أمره (٥)، والمنتقم من أعدائه (٦)، والعزيز في نصرته (٧)، والغالب بقدرته على كل الأشياء (٨)، المقتدر على معاونة الخلق (٩)، ومعاقبتهم سبحانه جل في علاه (١٠).

стр. 358

ومن اللطيف في هذا المقام، ما حكاه السمعاني عن الأصمعي قال: قد كنت أقرأ هذه الآية، وبجنبي أعرابي فقرأت: " نكالاً من الله والله غفور رحيم "، فقال الأعرابي: هذا كلام مَنْ؟ فقلت: كلام الله، فقال الأعرابي: ليس هذا من كلام الله، فتنبهت وقرأت: " ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨]، فقال الأعرابي: هذا كلام الله، ثم سألته عن ذلك، فقال: إن الله لا يذكر العقوبة على العبد، ثم يقول: والله غفور رحيم، وإنما يليق بذكر العقوبة: العزيز الحكيم (١). وليُعلم أن العزة والغلبة كلها لله تعالى، كما قال: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩]، فإن قيل: قد نرى في بعض الأحوال، الغلبة للكفار؟ فالجواب: معنى هذه الآية: أن المقوي هو الله تعالى في الأحوال كلها، وقيل: معناه: الغلبة بالحجة لله جميعاً، " وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ "، لا يمنعه مانع، ولا يرده عما يريد راد. (٢) ٧ ـ الكريم: ورد في كتاب الله جل وعلا في موضعين: قال تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]، قال السمعاني: " ﴿الْأَكْرَمُ﴾: أي كريم، ومن كرمه أن يحلم عن ذنوب عباده، ويُؤخر عقوبتهم. وعن بعضهم: من كرمه، أن يَعْبُدَ الآدمي غيره، ولا يقطع عنه رزقه ". (٣) وقال في تفسير قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]: " الذي تجاوز عنك، ولم يعاقبك في الدنيا" (٤)

стр. 359

وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]:"أي: غني عن شكره، كريم في قبول شكره، وإثابته عليه ". (١) فالكريم بمعنى المُعطي، والمتجاوز، والمثيب، والكريم المغدق من الخيرات والبركات، "والله تعالى سبب كل خير ومسهله، فهو أكرم الأكرمين ". (٢) ويقول الإمام الغزالي: " الكريم: هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يُبالي كم أعطى، ولمن أعطى ". (٣) ويقول الحليمي: " الكريم، النَّفَّاع، ولاشك في كثرة المنافع التي مَنَّ الله بها على عباده ابتداء منه وتفضلاً، فهو باسم الكريم أحق من كل كريم " (٤). ٨ ـ العظيم، والكبير: هذان الاسمان من أسماء الله جَلَّ وعلا، ورد ذكرهما في القرآن العزيز، قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، والعظيم: الكبير، (٥) الذي لا يُمكن الامتناع عليه، والله جل ثناؤه، قادر، لا يعجزه شيء، ولا يمكن أن يُعصى كرهاً، أو يخالف أمره قهراً، فهو العظيم إذن حقاً وصدقاً، وكان هذا الاسم لمن دونه مجازاً. (٦) وقال الأصبهاني: " ومن أسمائه تعالى العظيم: العظمة صفة من صفات الله، لا يقوم لها خلق، والله تعالى خلق بين الخلق عَظَمَة يعظم بها بعضهم على بعض، فمن الناس من يُعظَّم لمال، ومنهم من يُعظم لفضل، ومنهم من يُعظم لعلم، ومنهم من يُعظم لسلطان، ومنهم من يُعظم لجاه، وكل واحد من الخلق، إنما يعظم لمعنى دون معنى، والله ، يُعظم في الأحوال كلها " (٧)، وعظمة الله جل وعز، لا تكيَّف، ولا تُحد، ولا تُمثل بشيء، ويجب على العباد أن يعلموا أنه عظيم، كما وصف نفسه، وفوق ذلك، بلا كيفية ولا تحديد.

стр. 360

والله جل وعز يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، فالله جل وعلا لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنه عظمته. (١) وأما اسمه تعالى الكبير، فقد ورد في مواطن، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، يقول السمعاني: "أي المتعالي المتعظم ... والكبير صفته ﵎ " (٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، يقول السمعاني: " أي: المتعالي العظيم في صفاته " (٣). يقول الطبري: " الكبير: يعني العظيم، الذي كل شيء دونه، ولا شيء أعظم منه " (٤) والكبير في حقه تعالى، مثل الجليل والعظيم، الذي جَلَّ سلطانه وعظم، فكل شيء مستحقر دونه، وقيل: الكبير عن صفات المخلوقين. (٥) ٩ ـ العلي، والأعلى، والمتعال: وفسَّره السمعاني: بالمتعالي عن الأشياء والأنداد، وقيل: العلي بالملك والسلطنة، (٦) قال : ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]. وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]، يعني: المتعالي عما يقوله المشركون. (٧) وقال تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠]، أي: إلا طلب رضاء ربه المتعالي. (٨)

стр. 361

١٠ ـ العليم: من أسماء الله جل وعلا، العليم، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢]، والعليم بمعنى العالم (١). وهل العليم والعالم بمعنى واحد، أم بينهما فرق؟! قولان: الأول: قيل هما بمعنى واحد. الثاني: هما مُختلفان: العالم بما كان، والعليم بما يكون. (٢) ويأتي العلم بمعنى المجازاة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠]، يقول السمعاني: " فإن الله يعلمه " أي: يجازي، وقال مجاهد: يحصيه. (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢]، يقول السمعاني: " أي يعلمه، أي: يجازي عليه " (٤). وقد يُفسَّر الخبير بمعنى العليم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، أي: عليم بما يصنعون. (٥) ولذا قال السمعاني في تفسير الخبير في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [المُلك:١٤]، قال: " ويُقال: الخبير هو العالم " (٦) قال الخطابي: في تفسير الخبير: " هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته " (٧). وذكر الغزالي الفرق بينهما فقال: " وهو بمعنى العلم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سُمي خبرة، وسُمي صاحبها خبيراً " (٨). ومن خصائص علم الله تعالى: ١ ـ أن انتهاء العلم البشري إلى الله تعالى، يقول الله جل وعلا: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، قال ابن عباس: وفوق كل عالمٍ عالم، إلى أن ينتهي العلم إلى الله، وقرأ ابن مسعود: " وفوق كل عالم عليم " " (٩)

стр. 362

٢ ـ وأن علم الله تعالى لا ينفد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، بمعنى: أن جميع أشجار العالم، ونباتها، لو بريت أقلاماً، وصارت البحور مداداً، ما نفدت كلمات الله، أي: كلام الله وعلمه " (١) ٣ ـ أن علمه وسع كل شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، أي: وسع علمه كل شيء (٢). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]، أي: أحاط به علم الله. (٣) وشاهده قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، يقول السمعاني: " وقيل عبارة عن كل شيء " (٤)، وقال جل وعلا: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]، قال السمعاني: " والمعنى: أن كل ذلك في علمه " (٥) فالله جل وعلا، يعلم السر والإعلان (٦)، فلا يخفى عليه عمل ولا يُضيعه، بل يثيب عليه (٧).

стр. 363

وهو العالم بصغار خلقه قبل كبارهم (١)، والعالم بوجوه المصلحة (٢)، وبأمر خلقه، وعباده، وما يُصلحهم (٣)، بل هو عالم بخلقه قبل أن يخلقهم (٤)، وهو عالم بالنيات وما تُخفيه الصدور (٥)، ويستوي في علم الله المُسَّرُ بالقول، والجاهر به (٦)، ويعلم ما تحمل كل أُنثى، من ذكر أو أنثى، أو سَوِيِّ الخلق أو غير سويه، أو واحد أو اثنين أو أكثر (٧). يقول جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه:٧]، يقول السمعاني: " إن جهرت أو أسررت فلا يغيب عن علمه. واختلفت الأقوال في قوله: (وأخفى): ١ ـ فروى ابن عباس أنه قال: السر: ما تُحدث به غيرك، وأخفى ما تحدث به نفسك، وفي الآية تقدير، ومعناه: وأخفى منه، أي من السر. ٢ ـ أن السر ما تحدث به نفسك، وأخفى ما يلقيه الله تعالى في قلبك من بعد، ولم تحدث به نفسك. ٣ ـ أن السر هو العزيمة، أخفى هو مادون العزيمة، كأنه ما يخطر على القلب، ولم تعزم عليه. ٤ ـ يعلم السر وأخفى، أي: والخفي. ٥ ـ يعلم السر وأخفى، أي: أخفى سره عن عباده ". (٨)

стр. 364

١١ ـ الخبير: من أسماء الله تعالى، الخبير، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:١١]، وفسَّرها السمعاني ـ كما سبق ـ بالعالم، ويُقال في هذا الموضع: يجازيهم بأعمالهم. (١) والخبير إذا اجتمع مع العليم، اختص الخبير بالأمور الباطنة، كما قال تعالى: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣]، ويقول السمعاني: " أي الله، فإنه العليم بالأمور، الخبير بما في الصدور " (٢)،كذا فسرها السمعاني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر:٣١]، فقال: " أي: خبير بما في ضمائرهم " (٣)، وبمثله فسَّر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:٦٣]، قال السمعاني: " خبير بما في قلوبهم، أي: بما يعرض في قلوبهم عند نقصان الرزق أو عدمه، وقيل: عند جدوبة الأرض " (٤). ولذا قال جل في علاه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]، قال السمعاني: " ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: ولا ينبئك بهذا أحد مثله، والخبير هو الله تعالى، والمعنى: أن الذي أنبأك بهذا خبير بالأمور، عالم بها " (٥)، فهو الخبير بخلقه وما يصلحهم. (٦)

стр. 365

١٢ ـ السميع، البصير: من أسماء الله تعالى الثابتة في محكم التنزيل، فالله تعالى هو السميع، كما قال سبحانه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧]، وهو البصير كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فالله جل وعلا، سميع لأقوال العباد، بصير بأفعالهم (١)، وقد جمع الله جل وعلا بين هذين الاسمين، في مقام من أشرف المقامات للنبي ﷺ ، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، قال السمعاني: " ذكر السميع هاهنا؛ ليُنبه على أنه المجيب لدعائه، وذكر البصير؛ ليُنبه على أنه كان الحافظ له في ظلمة الليل " (٢). والسمع قد يكون مقتضاه المدح، أو الذم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٢١]، يقول السمعاني: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي سميع بما قاله المنافقون، عليم بما أضمروا، فيكون على وجه التهديد، وقيل معناه: " وَاللَّهُ سَمِيعٌ " بما قال المؤمنون، " عَلِيمٌ " بما أضمروا، فيكون على وجه المدح " (٣). وقد فَسَّر السمعاني البصير بالخبير (٤)، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، وفَسَّر البصير بالعليم (٥)، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [المُلك:١٩].

стр. 366

يقول الإمام أبو الحسن الأشعري:" وأجمعوا على أن الله يسمع ويرى " (١). ١٣ ـ القدير، والقادر، والمقتدر: كل هذه الأسماء الحسنى، ثابتة في الكتاب العزيز، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، أي قادر (٢)، بمعنى أنه: لا يعجزه شيء، بل تيسر له ما يريد على مايريد؛ لأن أفعاله قد ظهرت، ولا يظهر الفعل اختياراً، إلا من قادر غير عاجز، كما لا يظهر إلا من حي عالم. (٣) وفَسَّر السمعاني قوله تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر:٣]، بالقدرة. (٤) ونقل السمعاني عن بعض التفاسير: "أن أجل فائدة للعباد من الله، هو العلم والقدرة؛ لأن بهما يكتسب الإنسان ما يوصله إلى رضا الله تعالى، قال: والعلم أكثر فائدة من القدرة؛ لأن العلم يتمخض نفعاً، والقدرة قد يكتسب بها المعصية" (٥) وكل الأشياء سهلة هينة في القدرة، ولا يصعب على الله شيء من الأشياء، وإن جَلَّ وعَظُمَ. (٦) وشواهد القدرة كثيرة جداً، لا تُعد ولا تُحصى، فكل ما يشاهد في هذا الكون، هو من دلائل القدرة الإلهية: ١ ـ فلما شاهد العزير ما شاهد، من آثار القدرة الإلهية، ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]، يقول السمعاني: " فلما ظهرت له قدرة الله تعالى، على عمارة بيت المقدس، وإحياء الموتى " قَالَ أَعْلَمُ "، يقرأ بقراءتين: على الخبر، وعلى الأمر، أما على الخبر فمعناه: علمت أن الله على كل شيء قدير، وأما على الأمر، قال لنفسه: " أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ". (٧)

стр. 367

٢ ـ وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]، يقول السمعاني: " ذكر هذا كله، لبيان القدرة، وإظهار المنة ". (١) ٣ ـ وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل:٤]، يقول السمعاني: " ومعنى الآية بيان القدرة، وهي أن الله تعالى خلق النطفة من كائن بهذه الحالة". (٢) ٤ ـ وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل:٤]، يقول السمعاني: " أي: لما قدر على ابتداء الخلق، وعلى إحياء الأرض الميتة، فاعلم أنه على كل شيء قدير" (٣) ٥ ـ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر:١٢]، يقول السمعاني: " وفي الآية بيان القدرة في خلق الماء العذب والأجاج " (٤) ٦ ـ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ [الطارق:٨]، يقول السمعاني بعد ذكره الخلاف في المعنى: " والقول الثالث ـ وهو أولى الأقاويل ـ أن المراد منه: أنه على إحيائه بعد الإماتة لقادر، ذكره الفراء والزجاج وغيرهما " (٥) ولذلك يقول جل وعز مقرراً هذا الاسم العظيم، وهذه الصفة الكريمة بقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٦]، يقول السمعاني: " فقوله " أَلَمْ تَعْلَمْ " وإن كان على صيغة الاستفهام، لكن المراد به التقرير، ومعناه: أنك تعلم أن الله على كل شيء قدير " (٦)

стр. 368

١٤ ـ القوي، المتين: القوي من أسماء الله تعالى، والمتين كذلك من أسمائه، وهي صفة لله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، يقول السمعاني: " أي: القوة البالغة " (١)، والقوة والغلبة كلها لله تعالى، قال تعالى: " أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ " يعني: أيطلبون عندهم القوة والغلبة، " فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا "، أي: القوة والغلبة كلها لله تعالى. (٢) فهو ، القوي في نصرة المؤمنين، والقادر على إيصال الرزق إليهم (٣)، وهو القوي على مايريد (٤)، ولما يريد، قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة:٢١]، أي: قوي في الأمور، غالب عليها. (٥) ١٥ ـ اللطيف، والبر: هو من الأسماء الحسنى، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [المُلك:١٤]، فهو سبحانه اللطيف في علمه، يعلم ما يظهر وما يسر، وكل ما دق يُقال: لطيف. (٦) وفَسَّر السمعاني اسم الله جل وعلا (اللطيف) بأنه: ـ موصل الشيء باللين والرفق. ـ اللطيف بأوليائه وعباده. (٧) يقول السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف:١٠٠]، "اللطيف: هو الرفيق، ويُقال معنى الآية: إن ربي لطيف بمن يشاء. وحقيقة اللطيف: هو الذي يوصل الإحسان إلى غيره برفق " (٨). وقد فَسَّر السمعاني اسم الله (الْبَرُّ) باللطيف، قال: " والبر: هو البار اللطيف بعباده، ولطفه بعباده: هو إنعامه عليهم، مع عِظَم جرمهم وذنبهم " (٩). وقال البر: الذي يصدق وعده لأوليائه. (١٠)

стр. 369

وظهر معنى اللطف في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى:١٩]، " أي: بار حفي رحيم بهم، ويُقال: معنى اللطيف ها هنا: الرزاق، أي: لا يهلكهم جوعاً، بل يرزقهم ". (١) ١٦ ـ الملك، والمالك، والمليك: وردت هذه الأسماء لله جل وعلا، في الكتاب العزيز، قال تعالى: ـ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ [الحشر:٢٣]، قال السمعاني:" الملك: أي: المقتدر على الأشياء" (٢). ـ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران:٢٦]. ذكر السمعاني قراءتين لقوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: (مالك، وملك)، وذكر الخلاف في أيهما الأولى على قولين: (٣) الأول: أن (مالك) أولى، قال أبو حاتم السجستاني: (مالك) بالألف أولى؛ لأنه أوسع وأجمع، يُقال: مالك الدار، ومالك الطير، ومالك العير، ولا يُستعمل منها اسم الملك. الثاني: أن (ملك) أولى، قال أبو عبيد والمبرد: (وملك) أولى؛ لأنه أتم، فإن الملك يجمع معنى المالك، والمالك لا يجمع معنى الملك، فإن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملك؛ ولأنه أوفق لألفاظ القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٦]، وقوله: " لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ " غافر، ونحو ذلك، فمالك: من الملك والملكة، وملك من الملك والملكة، والله تعالى مالك وملك. (٤)

стр. 370

فالله جل وعلا تفرد بالملك التام، والسلطان التام، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١٠٧]، يقول السمعاني: " وأما المُلك: هو القدرة التامة، ومنه المَلِك، وهو السلطان التام القدرة" (١) ـ والله جل وعز له تمام الملك في الدنيا والآخرة، قال سبحانه: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم:٢٥]، أي: الملك في الآخرة والأولى. (٢) فإن قيل: لِمَ خص الملك بالآخرة في قوله تعالى: " ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] "؟! قيل: إنما خصه؛ لأن الأمر في القيامة يخلص له، كما قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]، وأما في الدنيا للملوك أمر، وللمسلمين أمر، وللأنبياء أمر. (٣) فلا شيء يخرج عن ملكه جل وعلا، قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون:٨٨]، أي: مالك كل شيء، والتاء للمبالغة (٤). وقال سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس:٨٣]، أي: ملك كل شيء (٥)، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك:١]، أي: ملك السموات والأرض (٦)، وقال سبحانه: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الحديد:٢]، أي: له الملك في السموات والأرض، محيياً ومميتاً. (٧) ـ وقال جل شأنه: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]، واختلف: هل الملك والمليك بمعنى واحد أم لا؟ قولان: الأول: أن الملك والمليك بمعنى واحد، قال ابن الزبعري: (يا رسول المليك إن لساني ... ... رائق ما فتقت إذ أنا بور)، أي: رسول الملك.

стр. 371

الثاني: أن بينهما فرق، فقيل: إن المليك هو المستحق للملك، والملك: القائم بالملك. (١) ١٧ ـ القدوس: ورد هذا الاسم في كتاب الله جل وعلا، قال : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣]، وفَسَّره السمعاني بثلاثة معانٍ: (٢) أ ـ المنزه من كل عيب وآفة. ب ـ الطاهر. ج ـ القدوس بمعنى المُقَدَّس، يعنى: يقدسه الملائكة ويسبحونه، وفي تسبيح الملائكة سبوح، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، يقول السمعاني: "ونقدس لك " يعني: نثني عليك بالقدس والطهارة، وقيل معناه: نطهر أنفسنا بطاعتك، والثناء عليك " (٣). قال الحليمي: " القدوس: الممدوح بالفضائل والمحاسن، وإثبات المدائح له، نفي للمذام عنه، كقولنا: إنه عالم، نفي للجهل عنه، وكقولنا: إنه قادر، نفي للعجز عنه " (٤). ١٨ ـ السلام: قال : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر:٢٣]، وقد استدل السمعاني في هذا الموطن على هذا الاسم بالسنة، فقال (٥): " وفي بعض الأخبار: أن النبي ﷺ قال: (السلام اسم من أسماء الله تعالى، وضعه بينكم فأفشوه) " (٦). وقد فَسَّره السمعاني بما ورد عن السلف، فنقل عن قتادة قال: معناه: مُسلم من الآفات والعيوب، ونقل عن مجاهد قال: سَلِم الناس من ظلمه. (٧) وقال الخطابي: " السلام في صفة الله سبحانه، هو الذي سَلِم من كل عيب، وبرئ من كل آفة ونقص يلحق بالمخلوقين، وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه " (٨).

стр. 372

١٩ ـ المؤمن: قال : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣]، وذكر السمعاني في تفسيره ثلاثة أقوال: (١) الأول: أنه يُؤَمَّن المؤمنين من النار والعذاب. الثاني: أن المؤمنين أمنوا من ظلمه، فهو مؤمن. الثالث: أنه شهد لنفسه بالوحدانية، فهو مؤمن بهذا المعنى، وشهادته لنفسه بالوحدانية، هو قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران:١٨]. ٢٠ ـ المهيمن: قال : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣]، المهيمن: قيل إن أصله: المؤيمن، إلا أنه قد قلبت الهمزة هاء، مثل قولهم: أرقت الماء وهرقته. (٢) وفي معناه قيل: ١ ـ الشهيد، قاله قتاده. ٢ ـ الأمين، ومعنى كونه أميناً، أنه لا يُضيع أعمال العباد، فكأن أعمال العباد في أمانته لا يضيعها. ٣ ـ الرقيب (٣)، وهو على معنى ما ورد عن ابن عباس: المهيمن: الشهيد، أو الشاهد على خلقه، وقال: الأمين والمؤتمن، وقيل: المصدق. (٤) ٤ ـ وقيل: القائم بأمور الخلق. (٥) ٢١ ـ الجبار: قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر:٢٣]، أصل هذا اللفظ: " وأصل الجبار: المتعظم الممتنع عن الذل والقهر، ومنه يُقال: نخلة جبارة، إذا كانت طويلة ممتنعة على وصول الأيدي إليها " (٦).

стр. 373

والجبار وصف مدح في حق الله جل وعلا، وهو وصف ذم للخلق؛ لأن الجبار هو الذي لا يرى فوقه أحد، والجبرية: طلب العلو بما لا غاية وراءه، وهو وصف لا يصح إلا لله تعالى. (١) فمعنى الجبار: هو الذي جبر الخلق على مراده ومشيئته. ـ وقيل: الجبار: أي العظيم. ـ وقيل: هو الذي يفوت عن الأوهام والإدراك. (٢) يقول الزجاج: " الجبار من الآدميين: العاتي الذي يجبر الناس على مايريد، والله ، الجبار العزيز، وهو الممتنع من أن يُزَلَّ، والله يأمر بما أراد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه " (٣). ٢٢ ـ المتكبر: قال تعالى ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣]، قيل في تفسيره: الكبير، وقيل: هو الذي أعلى نفسه وعظمها، وهذا ممدوح في صفات الله تعالى، مذموم في صفات الخلق؛ لأن الخلق لا يخلون عن نقيصة، فلا يليق بهم إعظامهم أنفسهم، وإعلاؤهم إياها، والله تعالى لا يجوز عليه نقص؛ فيصح مدحه لنفسه وإعظامه. وقيل: مدح نفسه؛ ليعلم خلقه مدحهم إياه؛ ليُثيبهم عليه؛ إذ لا يجوز أن يعود إليه ضر ولا نفع. (٤) والله ، له الكبرياء في السموات والأرض، قال جل شأنه: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية:٣٧]، أي: العظمة، والعلو (٥)، وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدة منهما ألقيته في جهنم ". (٦) قال قتادة: المتكبر: الذي تكبر عن كل شر. (٧)

стр. 374

وقال الزجاج: المتكبر: الذي تكبر عن ظلم عباده. (١) فالمتكبر صفة مدح في جلال الله تعالى وكماله وجماله، " وفي صفات الخلق مذموم؛ لأن الخلق أمروا بالتواضع، والخشوع، والخضوع، ولين الجانب، وخفض الجناح، وأما الرب ﷻ ، فيليق به الجبروت والكبرياء؛ لأنه المتعالي عن إدراك الخلق، القاهر لهم في كل مايريده، ولم يصفه أحد حق صفته، ولا عظمه أحد حق تعظيمه، ولاعرفه أحد حق معرفته " (٢) ٢٣ ـ الخالق، والبارئ، والمصور: وهذه الأسماء الجليلة العظيمة لله تعالى، وردت في مقام واحد، يقول سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر:٢٤]. أ ـ الخالق: هو الذي خلق لا على مثال سابق، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧]، أي: مبدعهما، قال ابن عباس: هو الخالق لا على مثال سابق. (٣) وهو الفاطر المنشيء للخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٤]، " قال الأصمعي: ما كنت أعرف معنى فاطر، حتى اختصم إلى أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرته، فعرفت أنه إنشاء الخلق " (٤) وقال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠]، أي: خالق السموات والأرض (٥). وقال تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء:٥٦]، أي: خلقهن، ثم قال: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: على أنه الإله الذي لا يستحق العبادة غيره، وأن الأصنام ليست بآلهة، وقيل: وأنا من الشاهدين على أنه خالق السموات والأرض. (٦)

стр. 375

والرب هو الخالق، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزُّخرُف:٨٢]، يقول السمعاني: " أي: خالق السموات والأرض " (١) والمشركون يقرون بالخالقية لله تعالى، يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزُّخرُف:٩]، ويقول تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]، يقول السمعاني: " وفي التفسير: أنهم كانوا مقرين بأن الله خالق السموات والأرض، فالمعنى: أنهم إذا كانوا مقرين بأن الله هو الخالق، فلِمَ يشركون معه غيره " (٢). فالله جل وعلا هو الخالق، والخلَاّق، والخلق: هو اختراع الشيء على غير مثال سابق. (٣) وقال جل شأنه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحِجر:٨٦]، يعني: الخالق العليم بخلقه، كما قال في موطن آخر: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [المُلك:١٤]، وهو " استفهمام بمعنى الإنكار والتوبيخ، والمعنى: ألا يعلم مَنْ في الصدور، مَنْ خلق الصدور، ويُقال: ألا يعلم ما خلق، (من) بمعنى (ما) " (٤) وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١]، والخلاق: هو الذي يخلق مرة بعد مرة، والعليم هو العالم بخلقه (٥)، فالخلق: هو ابتداع الشيء وتقديره. (٦) وصفة الخالقية تتسم بعدة خصائص:

стр. 376

١ ـ الشمولية: قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَر:٦٢]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٠١]، واستدل السمعاني بهذا على نفي الولد عن البارئ جل وعز، فقال: " وفيه أيضاً دليل على أن لا ولد له؛ لأنه إذا كان خلق كل شيء، لم يصلح شيء أن يكون ولد له؛ إذ المخلوق لا يصلح ولداً للخالق؛ فإن ولد كل أحد يكون من جنسه " (١)، والكلية هنا شاملة لكل مايصلح أن يكون مخلوقاً، أما ما لا يدخله الخلق، كذات الله تعالى وأسمائه وصفاته، فلا تدخل في هذا العموم. يقول السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان:٢]، (٢): "أي: مما يصلح أن يكون مخلوقاً " (٣)، وقد حكى الأشعري الإجماع على هذا فقال: " واعلموا ـ أرشدكم الله ـ أن مما أجمعوا عليه ـ رحمة الله عليهم ـ على اعتقاده، مما دعاهم النبي ﷺ إليه، ونبههم بما ذكرناه على صحته: أن العالم بما فيه من أجسامه وأعراضه، محدث لم يكن ثم كان، وأن لجميعه محدثاً واحداً، اخترع أجناسه، وأحدث جواهره وأعراضه، وخالف بين أجناسه. وأنه لم يزل قبل أن يخلقه، واحداً، عالماً، قادراً، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنهم عرفوا ذلك بما نبههم الله عليه، وبين لهم ﷺ وجه الدلالة فيه " (٤).

стр. 377

وقال عبدالقاهر البغدادي: " فقد أجمعوا على أن العالم، كل شيء هو غير الله ، وعلى أن كل ما هو غير الله تعالى، وغير صفاته الأزلية، مخلوق مصنوع، وعلى أن صانعه ليس بمخلوق، ولا مصنوع، ولا هو من جنس العالم، ولا من جنس شيء من أجزاء العالم" (١). ٢ ـ الحُسن والإبداع، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة:٧]، " قال ابن عباس: أي: أتقن وأحكم. قيل: أما إن إسْت القرد ليس بحسن، ولكنه محكم، وقيل: خلق البهائم على صورة البهائم، والآدميين على صورة الآدميين، ولم يخلق الآدميين على صورة البهائم، ولا البهائم على صورة الآدميين، فكل حيوان كامل حسن في خلقته، وهذا معنى قول الحكماء الذين مضوا: كل حيوان كامل في نقصانه، يعني: أنه لو قوبل بغيره كان ناقصاً، وهو في نفسه، وأداته كامل. وذكر بعضهم في معنى الآية: طول رجل البهيمة، وطول عنق الطائر؛ ليصل كل واحد منهما إلى معاشه " (٢)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]، أي: في أحسن صورة، وقيل: هو اعتداله واستواؤه. (٣)

стр. 378

وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]، أي: مما تولينا خلقه وإبداعه. (١) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ [القيامة:٣٨]، أي: خلق منه الإنسان، فسوى خلقه. (٢) ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]. ٣ ـ التهيئة والإصلاح، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]، قال الحسن: أعطى كل شيء ما يصلحه، ثم هداه إليه، وقال مجاهد: معناه: أعطى كل شيء صورة، ثم هداه إلى منافعه من المطعم، والمشرب، والمنكح. (٣) وقال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٤]، الطور: الحال، ومعنى الحالات، هاهنا: أنه خلقه من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً ولحماً، إلى أن أتم خلقه. (٤) وقال تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾ [عبس:١٨ - ١٩]، أي: وضع كل شيء موضعه، وهيأ له ما يصلحه. (٥) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار:٦ - ٨]، قال عطاء: جعلك قائماً معتدلاً، حسن الصورة، وقيل: سواك، أي: سوَّى بين يديك، ورجليك، وعينيك، وأذنيك، ووضع كل شيء موضعه، هو أيضاً في معنى قوله: "فعدلك "، وقُرِئ بالتخفيف، أي: صرفك في أي صورة شاء، من حسن وقبيح، وطويل وقصير، وقيل: أي في عدل بعضك ببعض، فكنت معتدل الخلق، مناسبها، فلا تفاوت فيها. (٦) ٤ ـ الإنفراد في الخلق، والإيجاد من العدم:

стр. 379

قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، هنا استفهام على وجه التقرير، كأنه قال: لا خالق غير الله (١). وهذا لا يُعارِض: ـ الجمع في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون:١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ [الصافات:١٢٥]. ـ أو إضافة الخلق لغيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧]؛ لأن المعنى فيها التقدير، فقد ورد الخلق بمعنى التقدير، أي: تقدرون إفكاً، قال الشاعر: (ولأنت تفري وما خلقت وبعض ... القوم يخلق ثم لا يفري) أي: يقدر. فيكون المعنى على الأول: أحسن المقدرين، ويُقال: إن معناه: يصنعون وأصنع، وأنا أحسن الصانعين. (٢) ب ـ البارئ: قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر:٢٤]: قيل: البارئ هو في معنى الخالق، على طريق التأكيد. وقيل: إن معناه: المحيي بعد الإماتة. (٣) وقد فَسَّره السمعاني بالخالق في مواطن أخرى، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٥٤]، قال: بارئكم: خالقكم. (٤) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]، يقول السمعاني: " مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا " أي: من قبل أن نخلقها. (٥) قال الحليمي: " البارئ الموجد لأصناف الخلائق ". (٦)

стр. 380

وقال القرطبي: " البارئ: الخالق، وبينهما فرق، وذلك أن البارئ هو المُبدع المُحدِث، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال ". (١) وقال ابن الأثير: " البارئ: هو الذي خلق الخلق لا على مثال، إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان، ماليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السموات والأرض ". (٢) ج ـ المصور: قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]. قال السمعاني: " المصور: هو التصوير المعلوم، يصور كل خلق على ما يشاء. وقيل: التصوير: هو تركيب مخصوص، في محل مخصوص من الخلق ". (٣) وقال الطبري: " المصور: خلقه كيف شاء، وكيف يشاء ". (٤)

стр. 381

وقال ابن الأثير: " المصوِّر: هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل " (١)، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٦]، " روي عن ابن مسعود ﵁ قال: " إن النطفة إذا وقعت في الرحم، تكون أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم يبعث الله تعالى ملكاً، يأخذ تراباً بين أصبعيه، فيخلطه بالمضغة، ثم يصوره ـ بإذن الله ـ كيف شاء، أحمر، أو أسود، أو أبيض، طويلاً، أو قصيراً، حسناً، أو قبيحاً ... " (٢)، وقال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:٦٤]، " في التفسير: أنه لا يأكل بيده سوى الآدميين، ولا صورة على هذه الصورة، أحسن من الآدميين " (٣)، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن:٣]، أي: خلق الإنسان في أحسن صورة، ولو عرض الله عليه الصور، ما اختار غير صورته. (٤) وقال بعض المفسرين في هذه الأسماء الثلاثة، هي من قبيل الترتيب المخصوص، فيقدم العام على الخاص، " فالخالق يعم، وذكر المصور؛ لما في ذلك من التنبيه على الصفة، ووجوه الحكمة ". (٥) يقول القرطبي: " الخالق هنا المقدر، والبارئ: المنشئ المخترع، والمصور: مُصوِّر الصُّور، ومركبها على هيئات مختلفة، فالتصوير مرتب على الخلق والبراية، وتابع لهما، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل. وخلق الله الإنسان في أرحام الأمهات ثلاث خِلَق: جعله علقة، ثم مضغة، ثم جعله صورة، وهو التشكيل الذي يكون به صورة وهيئة، يُعرف بها، ويتميز عن غيره بسمتها، فتبارك الله أحسن الخالقين". (٦)

стр. 382

٢٤ ـ الحي القيوم: ورد ذكر هذين الاسمين في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. أ ـ الحي: هو الباقي الدائم على الأبد، وهو من الحياة، والحياة: صفة الله تعالى. (١) فالحي هو الدائم الذي لم يزل (٢)، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]، وهو الله تعالى. (٣) ب ـ القيوم: قيل: هو القائم على كل أحد، بتدبيره في الدنيا. وقيل: هو القائم على كل نفس بما كسبت للمجازاة في الآخرة، وقيل: هو القائم بالأمور (٤)، وقيل: هو الذي لا يزول ولا يحول. (٥) فالله جل وعلا قائم على خلقه بتدبير أمورهم، وتصريفها، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]، يقول السمعاني: " فهو الله تعالى قائم بتدبير الخلق " (٦)، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣]، هذا وصف لله جل وعلا، والله تعالى لا يجوز أن يُسمى قائماً على الإطلاق؛ لأن الشرع لم يرد به، وإنما يوصف به على التقييد، وهو أنه قائم على كل نفس بما كسبت، والقائم هو المتولي لأحوالها، وأعمالها، وأرزاقها، وكذلك هو المتولي للمجازاة، بكسب الخير والشر، وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ أي: عالم بكسب كل نفس. (٧) وقد ربط القرآن بين اسمي الحي القيوم؛ لارتباطهما ففيهما إثبات الكمال الذاتي في الحي، والسلطاني في القيوم. (٨)

стр. 383

٢٥ ـ الحسيب: قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب:٣٩]، وقد فسَّر السمعاني الحسيب بعدة تفسيرات: الحسيب: الشهيد الحافظ (١)، كما قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب:٣٩]، والحسيب: المحاسب، وقيل: الكافي (٢)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء:٨٦]، وقال تعالى لنبيه ﵊: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، يعني يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين. (٣) فالله سبحانه أسرع الحاسبين، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]، أي: يحاسب الكل في لحظة. (٤) قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، أي: محاسبين، وقيل: حافظين عالمين، وقيل: محصين. (٥) ٢٦ ـ الشهيد: قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ:٤٧]، يقول السمعاني: " الشهادة: خبر عن مشاهدة، يبنى عليها حكم شرعي، والله تعالى شهيد، على أفعال المؤمنين والكفار جميعاً" (٦). فالشهيد هو الشاهد (٧)، كما قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الرعد:٤٣]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩]، أي يشهد لي بالحق، وعليكم بالباطل. (٨) والشهيد الكفيل، كما قال تعالى: " ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل:٩١]، أي: شهيداً. (٩) والشهيد هو الذي لا يخفى عليه شيء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:٩٨]، أي: لا يخفى عليه ما تعملون، ويجازيكم عليه. (١٠)

стр. 384

وقال الله تعالى لنبيه ﵊: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فُصِّلَت:٥٣]، يعني: أولم يكفك يا محمد من ربك، أنه على كل شيء شهيد، وقيل: معناه: أو ليس في شهادة ربك كفاية، وقيل: أو ليس في الدلالة التي أقامها على التوحيد كفاية. وقوله: ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، أي لأنه على كل شيء شهيد، أو بأنه على كل شيء شهيد. (١) والشهيد، والخبير، والعليم: كلها ترجع إلى العلم، فالأول: يرجع إلى الأمور الظاهرة، والثاني إلى الأمور الباطنة، والثالث يشملهما. (٢) ٢٧ ـ الرقيب: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، أي: حافظاً. (٣) قال الحليمي: " الرقيب: الذي لا يغفل عما خلق، فيلحقه نقص، أو يدخل عليه خلل " (٤). ٢٨ ـ الوكيل: قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام:١٠٢]، قال السمعاني: " قيل: هو الكفيل بالأرزاق، وقيل: الوكيل هاهنا بمعنى: القائم بخلق كل شيء وتدبيره " (٥). والوكيل الحافظ والحفيظ (٦)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود:١٢]. والوكيل الشاهد (٧)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص:٢٨]. والوكيل الذي يدبر الأمور على مشيئته (٨)، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزُّمَر:٦٢].

стр. 385

وقال : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٣٢]، أي: اتخذوه وكيلاً، ولا تتكلوا على غيره (١)، ونهى جل وعلا عن اتخاذ الوكيل دونه، فقال: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٢]، أي: شريكاً، وقيل معناه: أمرناهم ألا يتوكلوا على غيري، ولا يتخذوا أرباباً دوني. (٢) والوكيل هو من يُوكل إليه الأمر (٣)، قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥]، وقد نعى الله تعالى على الكفار اتخاذهم الآلهة من دونه، فقال ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٨]، أي: من تكلون أمركم إليه فينجيكم (٤). ولذا تولى الله تعالى كفاية نبيه ﷺ وحمايته، فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣]، أي: وكفى بالله حافظاً لك، ويُقال: وكفى بالله كفيلاً يرزقك. (٥) وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزَّمل:٩]، قال الفراء: كفيلاً، وقيل: إلهاً، وقيل: كِل أمورك. (٦) ٢٩ ـ المقيت: قال : ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء:٨٥]، قال ابن عباس: المقيت: المقتدر، والقول الثاني له أيضاً: المقيت: الحافظ، وقيل:"إن الله على كل حيوان مقيتاً، أي: يوصل القوت إليه. (٧) ورجح الإمام الطبري في معنى اسم الله المقيت: أنه القدير، قال وهو مروي عن السُّدي وابن زيد. (٨)

стр. 386

وقال الإمام العربي: " وعلى القول بأنه القادر، يكون من صفات الذات، وإن قلنا: إنه اسم للذي يُعطي القوت، فهو اسم للوهاب والرزاق، ويكون من صفات الأفعال " (١) ٣٠ ـ الواحد، الأحد: ورد ذكرهما في كتاب الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:١٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، نقل السمعاني عن الأزهري في تفسير اسم الله الواحد، قوله: " الواحد: الذي لا نظير له، يُقال: فلان واحد العالم، أي: لا نظير له في العالم. وحقيقة الواحد: هو المنفرد الذي لا نظير له ولا شريك ". (٢) وقال: " الواحد: هو الشيء الذي لا ينقسم، وقد يكون شيئين لا ينقسم في معنى، وليس واحداً، مثل قولهم: دينار واحد؛ لأنه لا ينقسم في الدينارية " (٣). فهو الواحد في ذاته سبحانه (٤)، ولذا قال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣]، قال المشركون لرسول الله ﷺ : ما الدليل على أنه واحد؟ فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]. (٥) فهو الواحد في ذاته، وفي صفاته، وهو معبود واحد، لا يستحق العبادة سواه، ولذا قال: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]،"فإن قال قائل: إيش معنى قوله: (اثنين) وقد قا ل: (إلهين)؟ الجواب من وجهين: أحدهما: على طريق التأكيد، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦].

стр. 387

والجواب الثاني: أن الآية على التقديم والتأخير، ومعناها: وقال الله: لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد ". (١) وهل اسم الله الواحد بمعنى الأحد، أم بينهما فرق؟! قولان: الأول: أن الأحد بمعنى الواحد، قال السمعاني: " وأكثر المفسرين أنه (الأحد) بمعنى الواحد ". (٢) الثاني: بينهما فرق: فقيل: إن الأحد أبلغ من الواحد، يُقال: فلان لا يقاومه أحد، نفياً للكل، ويُقال: لا يقاومه واحد، ويجوز أن يقاومه اثنان. وأيضاً فإن الواحد، يكون الذي يليه الثاني، والثالث، في العدد، والأحد لا يكون بمعنى هذا الحال. (٣) ورجح البغوي الأول، وقال: " ولا فرق بين الواحد والأحد، يدل عليه قراءة ابن مسعود: " قل هو الله الواحد " (٤)، ولذا قال الخليل: يجوز أن يُقال: أحد، اثنان، وأصل أحد، وحد، إلا أنه قُلبت الواو همزة؛ للتخفيف، وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة، والمكسورة. (٥) وذهب الأزهري إلى التفريق، وقال: لا يوصف شيء بالأحدية، غير الله تعالى، فلا يُقال: رجل أحد، ولا درهم أحد، كما يُقال: رجل واحد، أي فرد، بل أحد صفة من صفات الله تعالى، استأثر بها، فلا يشركه فيها شيء (٦). قال ابن الأثير: " فالواحد منفرد بالذات، والأحد منفرد بالمعنى " (٧). ومن الفروقات بينهما: ١ ـ ما ذكره السمعاني سابقاً. ٢ ـ أن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل فيه. ٣ ـ أن الواحد يُستعمل في الإثبات، والأحد في النفي، تقول في الإثبات: رأيت رجلاً واحداً، وتقول في النفي: ما رأيت أحداً، فيفيد العموم. (٨) فالله الأحد، أي: الواحد الوتر، الذي لا شبيه له، ولا نظير، ولا صاحبه، ولا ولد، ولا شريك. (٩)

стр. 388

٣١ ـ الصمد: قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص:١ - ٢]. ذكر السمعاني في تفسير اسم الله (الصمد) عدة أقوال، وكلها منقولة عن السلف: ١ ـ أنه الذي يُصْمَد إليه في الحوائج. ٢ ـ أنه هو الذي انتهى في السؤدد، وبلغ كماله. ٣ ـ أنه الذي ليس له جوف، أي: لا يأكل. ٤ ـ أن تفسيره قوله: " لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ". ٥ ـ أنه الباقي الذي لا يفنى. ٦ ـ أنه الدائم الذي لا يزول. (١) ٣٢ ـ الأول والآخر، والظاهر والباطن: هذه الأسماء الجليلة وردت في كتاب الله، في مكان واحد، يقول تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]. وأولى ما تُفسر به هذه الأسماء، ما فسره بها النبي ﷺ ، حين قال: " اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء " (٢) وقد فسَّرها السمعاني بمقتضى ما فسرها به النبي ﷺ ، فقال: ـ الأول: قبل كل شيء، والآخر: بعد كل شيء. ـ الأول: فلا أول له، والآخر: فلا آخر له. ـ الأول: بلا ابتداء، والآخر: بلا انتهاء. ـ الظاهر: أي الظاهر بالدلائل والآيات، وقيل: هو الغالب، وهذا يُحكى عن ابن عباس. ـ الباطن: لأنه لا يُرى بالأبصار، ولا يدرك بالحواس، وقيل: هو المحتجب عن خلقه. وقال بعضهم: أي العالم بما ظهر وما بطن. (٣)

стр. 389

٣٣ ـ القاهر، والقهار: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، يقول السمعاني: " القاهر: الغالب الذي لا يُغلب، وقيل: هو المنفرد بالتدبير، يجبر الخلق على مراده " (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ [ص:٦٥]، يقول السمعاني: " والله الواحد القهار، القاهر عباده بما يُريد " (٢) فالقهار: هو الغالب على كل شيء (٣)، والغالب الذي لا يغلبه شيء، فسبحان من تعزز بقدرته، وقهر عباده بالموت. (٤) ٣٤ ـ الواسع: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥]، وفسره السمعاني بقوله: " أي: غني يعطي من السعة " (٥)، فالواسع: ذو السعة، وهو الذي يُعطي عن غِنى (٦). والله واسع في الفضل، والرحمة، والقدرة سبحانه جل في علاه. (٧) وهو سبحانه واسع الغنى، ولذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦]، أي: رزقي واسع، ذكره مطرف بن عبدالله بن الشخير. (٨) وهو سبحانه واسع المغفرة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢]، أي: كثير المغفرة. (٩) فإن قيل: ما مناسبة سعة الرحمة في سياق التكذيب، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ﴾ [الأنعام:١٤٧]؟، يقول السمعاني: " قال ثعلب: هو الرحمة بتأخير العذاب عنهم، لا بترك أهل العذاب، وهذا حسن، بدليل قوله: " وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ " (١٠)

стр. 390

٣٥ ـ الولي، والمولى: أ ـ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨]، يقول السمعاني في تفسير اسم الله تعالى الولي هاهنا: " أي: المالك لما يفعله " (١). والولي يأتي بمعنى الناصر والمعين (٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف:١٩٦]، والولي هو من يلي أمور الدنيا والآخرة (٣)، قال تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [يوسف:١٠١]. والولي هو الناصر والمثبت، قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران:١٢٢]، أي: ناصرهما، ومثبتهما على الحرب. (٤) ب ـ وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠]: فالمولى هو القيم بالأمور (٥)، والمولى الحافظ (٦)، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، والمولى هو المتولي للأشياء (٧)، يقول تعالى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى:٩]، والمولى هو والي الأمور، والهادي إلى الأرشد، والأقوم، والأولى (٨)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]. والله جل وعلا، قد نفى ولايته عن الكافرين، فقال: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، أي: أنه لا يتولاهم الله تعالى، بمعنى: أنه لا يهديهم، ولا ينصرهم. (٩) فإن قيل: فما معنى الولاية الواردة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]، والآية شاملة للمؤمنين والكافرين؟! قيل: المولى في آية (سورة محمد)، بمعنى: الناصر والحافظ، ولا ناصر للكفار، والمولى في آية (الأنعام) بمعنى: المالك، والله مالك الكل.
следующие страницы →