← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال الإمام العربي: " وعلى القول بأنه القادر، يكون من صفات الذات، وإن قلنا: إنه اسم للذي يُعطي القوت، فهو اسم للوهاب والرزاق، ويكون من صفات الأفعال " (١) ٣٠ ـ الواحد، الأحد: ورد ذكرهما في كتاب الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:١٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، نقل السمعاني عن الأزهري في تفسير اسم الله الواحد، قوله: " الواحد: الذي لا نظير له، يُقال: فلان واحد العالم، أي: لا نظير له في العالم. وحقيقة الواحد: هو المنفرد الذي لا نظير له ولا شريك ". (٢) وقال: " الواحد: هو الشيء الذي لا ينقسم، وقد يكون شيئين لا ينقسم في معنى، وليس واحداً، مثل قولهم: دينار واحد؛ لأنه لا ينقسم في الدينارية " (٣). فهو الواحد في ذاته سبحانه (٤)، ولذا قال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣]، قال المشركون لرسول الله ﷺ : ما الدليل على أنه واحد؟ فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]. (٥) فهو الواحد في ذاته، وفي صفاته، وهو معبود واحد، لا يستحق العبادة سواه، ولذا قال: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]،"فإن قال قائل: إيش معنى قوله: (اثنين) وقد قا ل: (إلهين)؟ الجواب من وجهين: أحدهما: على طريق التأكيد، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦].

стр. 387

والجواب الثاني: أن الآية على التقديم والتأخير، ومعناها: وقال الله: لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد ". (١) وهل اسم الله الواحد بمعنى الأحد، أم بينهما فرق؟! قولان: الأول: أن الأحد بمعنى الواحد، قال السمعاني: " وأكثر المفسرين أنه (الأحد) بمعنى الواحد ". (٢) الثاني: بينهما فرق: فقيل: إن الأحد أبلغ من الواحد، يُقال: فلان لا يقاومه أحد، نفياً للكل، ويُقال: لا يقاومه واحد، ويجوز أن يقاومه اثنان. وأيضاً فإن الواحد، يكون الذي يليه الثاني، والثالث، في العدد، والأحد لا يكون بمعنى هذا الحال. (٣) ورجح البغوي الأول، وقال: " ولا فرق بين الواحد والأحد، يدل عليه قراءة ابن مسعود: " قل هو الله الواحد " (٤)، ولذا قال الخليل: يجوز أن يُقال: أحد، اثنان، وأصل أحد، وحد، إلا أنه قُلبت الواو همزة؛ للتخفيف، وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة، والمكسورة. (٥) وذهب الأزهري إلى التفريق، وقال: لا يوصف شيء بالأحدية، غير الله تعالى، فلا يُقال: رجل أحد، ولا درهم أحد، كما يُقال: رجل واحد، أي فرد، بل أحد صفة من صفات الله تعالى، استأثر بها، فلا يشركه فيها شيء (٦). قال ابن الأثير: " فالواحد منفرد بالذات، والأحد منفرد بالمعنى " (٧). ومن الفروقات بينهما: ١ ـ ما ذكره السمعاني سابقاً. ٢ ـ أن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل فيه. ٣ ـ أن الواحد يُستعمل في الإثبات، والأحد في النفي، تقول في الإثبات: رأيت رجلاً واحداً، وتقول في النفي: ما رأيت أحداً، فيفيد العموم. (٨) فالله الأحد، أي: الواحد الوتر، الذي لا شبيه له، ولا نظير، ولا صاحبه، ولا ولد، ولا شريك. (٩)

стр. 388

٣١ ـ الصمد: قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص:١ - ٢]. ذكر السمعاني في تفسير اسم الله (الصمد) عدة أقوال، وكلها منقولة عن السلف: ١ ـ أنه الذي يُصْمَد إليه في الحوائج. ٢ ـ أنه هو الذي انتهى في السؤدد، وبلغ كماله. ٣ ـ أنه الذي ليس له جوف، أي: لا يأكل. ٤ ـ أن تفسيره قوله: " لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ". ٥ ـ أنه الباقي الذي لا يفنى. ٦ ـ أنه الدائم الذي لا يزول. (١) ٣٢ ـ الأول والآخر، والظاهر والباطن: هذه الأسماء الجليلة وردت في كتاب الله، في مكان واحد، يقول تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]. وأولى ما تُفسر به هذه الأسماء، ما فسره بها النبي ﷺ ، حين قال: " اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء " (٢) وقد فسَّرها السمعاني بمقتضى ما فسرها به النبي ﷺ ، فقال: ـ الأول: قبل كل شيء، والآخر: بعد كل شيء. ـ الأول: فلا أول له، والآخر: فلا آخر له. ـ الأول: بلا ابتداء، والآخر: بلا انتهاء. ـ الظاهر: أي الظاهر بالدلائل والآيات، وقيل: هو الغالب، وهذا يُحكى عن ابن عباس. ـ الباطن: لأنه لا يُرى بالأبصار، ولا يدرك بالحواس، وقيل: هو المحتجب عن خلقه. وقال بعضهم: أي العالم بما ظهر وما بطن. (٣)

стр. 389

٣٣ ـ القاهر، والقهار: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، يقول السمعاني: " القاهر: الغالب الذي لا يُغلب، وقيل: هو المنفرد بالتدبير، يجبر الخلق على مراده " (١) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ [ص:٦٥]، يقول السمعاني: " والله الواحد القهار، القاهر عباده بما يُريد " (٢) فالقهار: هو الغالب على كل شيء (٣)، والغالب الذي لا يغلبه شيء، فسبحان من تعزز بقدرته، وقهر عباده بالموت. (٤) ٣٤ ـ الواسع: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥]، وفسره السمعاني بقوله: " أي: غني يعطي من السعة " (٥)، فالواسع: ذو السعة، وهو الذي يُعطي عن غِنى (٦). والله واسع في الفضل، والرحمة، والقدرة سبحانه جل في علاه. (٧) وهو سبحانه واسع الغنى، ولذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦]، أي: رزقي واسع، ذكره مطرف بن عبدالله بن الشخير. (٨) وهو سبحانه واسع المغفرة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢]، أي: كثير المغفرة. (٩) فإن قيل: ما مناسبة سعة الرحمة في سياق التكذيب، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ﴾ [الأنعام:١٤٧]؟، يقول السمعاني: " قال ثعلب: هو الرحمة بتأخير العذاب عنهم، لا بترك أهل العذاب، وهذا حسن، بدليل قوله: " وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ " (١٠)

стр. 390

٣٥ ـ الولي، والمولى: أ ـ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨]، يقول السمعاني في تفسير اسم الله تعالى الولي هاهنا: " أي: المالك لما يفعله " (١). والولي يأتي بمعنى الناصر والمعين (٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ [الأعراف:١٩٦]، والولي هو من يلي أمور الدنيا والآخرة (٣)، قال تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [يوسف:١٠١]. والولي هو الناصر والمثبت، قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران:١٢٢]، أي: ناصرهما، ومثبتهما على الحرب. (٤) ب ـ وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠]: فالمولى هو القيم بالأمور (٥)، والمولى الحافظ (٦)، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، والمولى هو المتولي للأشياء (٧)، يقول تعالى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى:٩]، والمولى هو والي الأمور، والهادي إلى الأرشد، والأقوم، والأولى (٨)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]. والله جل وعلا، قد نفى ولايته عن الكافرين، فقال: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، أي: أنه لا يتولاهم الله تعالى، بمعنى: أنه لا يهديهم، ولا ينصرهم. (٩) فإن قيل: فما معنى الولاية الواردة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]، والآية شاملة للمؤمنين والكافرين؟! قيل: المولى في آية (سورة محمد)، بمعنى: الناصر والحافظ، ولا ناصر للكفار، والمولى في آية (الأنعام) بمعنى: المالك، والله مالك الكل.

стр. 391

وقيل: أراد به رد المؤمنين إليه، ويدخل الكفار فيه تبعاً. (١) ٣٦ ـ النصير: قال تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠]، النصير من أسماء الله تعالى، ومعناه الناصر (٢)، ونصر الله جل وعلا وعد عليه حقاً، كما قال جل شأنه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، أي: نصرة المؤمنين بإنجائهم، وقيل: نصرة المؤمنين بالذب عنهم، ودفع العذاب عنهم. (٣) ولذا قال الله لنبيه ﵊: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:٣]، أي: نصراً مع عز، لا ذل فيه (٤)، فتحقق النصر، حين قال الرب النصير: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]، والفتح هو فتح مكة، وكان النصر فيه. (٥) وذكر الله فرح المؤمنين بنصره الروم على فارس، قال تعالى ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤ - ٥]، أي: بنصر الله أهل الكتاب، على غير أهل الكتاب، وإنما فرحوا بذلك، لصدق وعد الله تعالى؛ ولأنهم قالوا: كما نصر الله أهل الكتاب، على غير أهل الكتاب، وكذلك ينصرنا عليكم (٦). ولذا قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف:١٣]، والفتح القريب هو فتح مكة، وقيل: فتح فارس والروم، ثم قال تعالى: " وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ " أي: بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة. (٧)

стр. 392

وأما تحقق نصرة الله جل وعز، فهي مشروطة بنصرة نبي الله ودينه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، والنصرة من الله: الحفظ والهداية، وعن قتادة قال: من ينصر الله ينصره، ومن يسأله يعطه، ويقال: ينصركم بتغليبكم على عدوكم، وإعلائكم عليهم. (١) ٣٧ ـ الحميد: قال تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فالحميد: المستحق للحمد (٢)، لما له من جميل الأسماء والصفات، ولما له من نعوت الجلال والكمال والجمال، ولذا كان هو المحمود بكل لسان، على مدى الأزمان، محمود في قوله (٣) وفعله (٤) سبحانه، فهو الحميد في إفضاله على خلقه (٥)، وإحسانه إليهم (٦)، فهو سبحانه مستحق للحمد في أفعاله؛ لأنه إنما متفضل أو عادل. (٧) فالله مُستَحمد إلى خلقه، بالإنعام عليهم، والله جل وعلا يُحب أن يُحمد (٨)، قال النبي ﷺ : (ما من أحد أغير من الله، وما أحد أحب إليه الحمد من الله، وما أحد أحب إليه العذر من الله). (٩) ٣٨ ـ المجيد: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣]، المجيد: هو الكريم، وأصل المجد: هو الرفعة والشرف. (١٠) وقال جل وعلا: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]، المجيد قُرئ بقراءتين: ١ ـ قراءة الرفع (المجيدُ)، فهو صفة لله تعالى، وذلك بمعنى: العلو والعظمة. ٢ ـ قراءة الخفض (المجيدِ)، وفيها أقوال: أحدهما: أنه صفة العرش، ومعنى المجيد فيه العالي الرفيع. والقول الثاني: أنه صفة الله تعالى، إلا أنه خفض بالجوار.

стр. 393

والقول الثالث: أنه راجع إلى قوله: " إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ "، كأنه قال: إن بطش ربك المجيد لشديد، أورده النحاس. (١) فَفُسِّر المجيد، بالكرم، والعلو، والعظمة. يقول الحليمي: " المجيد: المنيع المحمود، والبارئ جل ثناؤه، يُجلُّ عن أن يُرام، وأن يوصل إليه، وهو مع ذلك محسن، لا يستطيع العبد أن يحصي نعمته، ولو استنفذ فيه مدته " (٢). وقال ابن الأثير:" المجيد: هو الواسع الكرم، وقيل: هو الشريف " (٣). ٣٩ ـ الودود: قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]. وقد فسَّره السمعاني بتفسيرين: أحدهما: أن الودود: هو المحب لعباده المؤمنين، وهو المتودد إليهم بجميل أفعاله، وكثير إحسانه. والثاني: الودود بمعنى المودود، أي: يحبه العباد؛ لفضله وإحسانه. (٤) ٤٠ ـ الوارث: قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحِجر:٢٣]، يقول السمعاني: "والوارث في صفات الله: أنه الباقي بعد هلاك الخلق أجمعين، وقيل معناه: أن مصير الخلق إليه " (٥) وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠]، " ومعنى الإرث: هو أنه لا يبقى لأحد ملك ولا سبب سوى الله " (٦) وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٠]، يقول السمعاني: " فإن قال قائل: كيف يكون له ميراث السموات والأرض؟ قيل: العرب تسمي كل ما انتقل من أحد إلى غيره ميراثاً بأي سبب كان، فلما خلصت السموات والأرض لله تعالى، بعد هلاك العباد، سمَّاه ميراثاً، كأنه انتقل منهم إليه " (٧).

стр. 394

٤١ ـ الحق: قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ [يونس:٣٢]، أي فذلكم الذي صفته هذه، هو ربكم الحق. (١) وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦٢]، يقول السمعاني: " ويُقال: الحق اسم من أسماء الله تعالى، ذكره يحيى بن سلَّام " (٢). فالحق هو العادل سبحانه، قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٥]. ٤٢ ـ الفتَّاح: قال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٦]. الفتَّاح: القاضي العليم بالقضاء بين خلقه، والفتح: القضاء، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، أي: قضينا لك قضاء بيناً، وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: تعال إلى الفتَّاح. (٣) وكقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨]، أي: اقض بيني وبينهم بقضائك. تقول العرب: أحاكمك إلى الفتاح، أي: إلى القاضي (٤). فالفتاح: هو الحاكم العالم بوجوه المصلحة. (٥)

стр. 395

٤٣ ـ الوهاب: قال تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص:٩]، يقول السمعاني: " الوهاب: المُعطي لخلقة " (١)، وقال سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]، أي: المُعطي (٢)، كما قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾ [الشورى: ٤٩]. ٤٤ ـ الرزَّاق: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١]، قال الزجاج: معناه: أنه يرزقكم ولا يمسكه عنكم، فلا تنشغلوا بطلبه عن الصلاة وعن ذكر الله. ويُقال: الرزق مسجلة للبر والفاجر. (٣) والرازق: هو خير من يُعطي ويرزق. (٤) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، الرزاق بمعنى الرازق، ويُقال: يقتضي مبالغة وتكثيراً. (٥) ٤٥ ـ التوَّاب: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧]، والتواب: هو القابل للتوبة من العباد، الرحيم بهم (٦)، ويُقال: التواب: هو المسهِّل لسبيل التوبة. (٧) المطلب الرابع: بعض الصفات الواردة في القرآن: تبيَّن مما سبق، إثبات السمعاني لأسماء الله تعالى، خِلافاً لمن أنكرها من الجهمية، وأن الأسماء الحسنى تدل على ذات الباري جل وعز، فهي باعتبار دلالتها على الذات الإلهية مترادفة؛ لأنها تدل على ذات واحدة، وباعتبار دلالتها على المعنى فهي متباينة؛ لأن كل اسم منها يختص بمعنى دون الآخر، وفيه رد على من جَوَّز أن تكون الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف. (٨)

стр. 396

وفي هذا المطلب سأذكر بعض الصفات التي نص عليها السمعاني، وتعقب فيها بعض المخالفين، ومن هذه الصفات: ١ ـ صفة العلم: أثبت السمعاني صفة العلم لله تعالى، فقال: " قوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، أي: مع علمه، كما يُقال: جاءني فلان بسيفه، أي: مع سيفه، فيه دليل على أن لله تعالى علماً، هو صفته، خلاف قول المعتزلة خذلهم الله " (١)، ويقول السمعاني: " قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود:١٤]، وقوله (بِعِلْمِ اللَّهِ) بمعنى أنزله وفيه علمه، وهذا رد على المعتزلة حين قالوا: لا علم فيه " (٢). وهذا مما اتفق عليه السلف، ونقله غير واحد من العلماء: ـ يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: " وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهمية، والمعتزلة، والحرورية، على أن لله علماً لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء، ولا يمتنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث، ونازلة تنزل، كل هذا سابق في علم الله، فمن حجد أن لله علماً، فقد خالف المسلمين، وخرج عن اتفاقهم " (٣) ـ ويقول الإمام الآجري: " فعلمه محيط بجميع خلقه، وهو على عرشه، وهذا قول المسلمين" (٤) ـ ويقول الإمام ابن تيمية:"ومن المعلوم باتفاق المسلمين، أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة" (٥)

стр. 397

أما قول السمعاني: " خلاف قول المعتزلة "، فهو مما خالفت فيه الكتاب والسنة، وأهل الحديث، وقد نقل الأشعري مقالاتهم، وصنف آراءهم (١)، ولذا كان قولهم، في إثبات الأسماء والصفات، مكابرة للعقل، ومخالفة للإجماع، يقول الإمام ابن تيمية: " وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام،، من المعتزلة ومن اتبعهم، فأثبتوا له الأسماء، دون ما تضمنته من الصفات، فمنهم من جعل العليم، والقدير، والسميع، والبصير، كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم ... فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات. والكلام على فساد مقالة هؤلاء، وبيان تناقضها، بصريح المعقول، المطابق لصحيح المنقول، مذكور في غير هذه الكلمات " (٢). وفيما يتعلق بصفة العلم الإلهي، ذكر السمعاني جملة من السؤالات المتعلقة به، وأجاب عنها، وهي كالآتي: أ ـ ما معنى قول الله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة:١٤٣]، مع أنه عالم بالأشياء قبل كونها؟ ومثله قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:١٤٠]؟!، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران:١٦٦ - ١٦٧]، ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، ومثله قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:٢١]، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد:٣١]؟. أجاب السمعاني عن هذه الآيات، بأن الله تعالى، كان عالماً به علم الغيب، وإنما أراد بهذا العلم، الذي يتعلق به الثواب والعقاب، وهو العلم بوجود الاتباع، فإن كونه موجوداً، يُعلم بعد الوجود. وقيل معناه: إلا لنرى، وهو قريب من الأول، وقيل: الابتلاء مضمر فيه، وتقديره: إلا لنبتلي " (٣).

стр. 398

وقال في مقام آخر: " العلم الأول علم الغيب، وقوله:" وليعلم " يعني: علم المشاهدة، والوقوع والمجازاة على علم الوقوع، لا على علم الغيب " (١). ب ـ ما فائدة الابتلاء من الله جل وعلا، وهل هو مخالف لعموم صفة العلم الإلهي؟ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:١٥٥]. يقول السمعاني في الآية الأولى: " ومعنى ابتلاء العباد، ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء، لأنه عالم بهم، وبما يملكون منهم، ولكن ليعلم العباد أحوالهم، حتى يعرف بعضهم بعضاً " (٢). ويقول في الآية الثانية: " وحكمة الابتلاء ليظهر المطيع من العاصي، لا ليعلم شيئاً لم يكن عالماً به " (٣) ج ـ هل يكون علم الله تعالى حجة على المشركين بإرسال الرسل؟، أورد السمعاني سؤالاً، هذا مفاده، في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٦]، فقال: "فإن قيل: كيف يكون علم الله تعالى أنهم رسل الله، حجة عليهم؟ الجواب عنه: أن معناه: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، بما أظهر على أيدينا من الآيات والمعجزات، فصارت الحجة عليهم قائمة بالآيات والمعجزات، لا بنفس العلم " (٤)

стр. 399

٢ ـ القدرة: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام:٣٧]، يعني: قادر على إنزال الآيات (١)، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠]، يعني: هو قادر (٢). لكن هل تُنسب الاستطاعة إلى الله؟ يقول السمعاني: " الاستطاعة لا تُنسب إلى الله غالباً. وإنما يوصف بالقدرة، وأما الاستطاعة تكون للعبد " (٣)، وقد نُقل الإجماع في إثبات هذه الصفة لله تعالى، نقلها الأشعري وغيره. (٤) ٣ ـ المحبة: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، يقول السمعاني في إثبات هذه الصفة لله تعالى: " واعلم أن محبة الله العبد، ومحبة العبد لله، لا يكون بلذة وشهوة، ولكن محبة العبد في حق الله، هو إتيان طاعته، وابتغاء مرضاته، واتباع أمره، ومحبة الله في حق العبد، هو العفو عنه، والمغفرة، والثناء الحسن " (٥). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، أي: محبة، قال مجاهد: يحبهم الله، ويحببهم إلى المؤمنين، وقد ثبت عن النبي ﷺ برواية أبي هريرة أنه قال: " إذا أحب الله عبداً ينادي جبريل، فيقول: أنا أحب فلاناً فأحبه ... " (٦) (٧).

стр. 400

وأهل السنة مع إثباتهم لأصل الصفة لله تعالى، على ما تليق به سبحانه، قد يفسرون الصفة بلازمها، وفرق بين الصفة ولازمها، ولذا السمعاني، أثبت أساس الصفة على مايليق بجلال الله تعالى، وفسَّر بعض المواطن بلازم الصفة، فقال مثلاً: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:٥٧]، يقول السمعاني: " أي: لا يرحم الكافرين، ولا يُثني عليهم بالجميل " (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء:١٠٧]، يقول السمعاني: " قال أهل التفسير: معناه: إن الله لا يقرب من كان خواناً أثيماً " (٢). يقول الإمام ابن تيمية: " والذي جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، وعليه مشايخ المعرفة، وعموم المسلمين، أن الله يُحِبُ ويُحَبُ، كما نطق بذلك الكتاب والسنة " (٣). ٤ ـ البركة: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١]، يقول السمعاني:"وقال الحسن: تبارك صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجيء منه، وقال غيره: لأنه تبرك باسمه" (٤). وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [المُلك:١]، والمعنى: أن جميع البركات منه تعالى، ويُقال: تبارك الله، أي: تعظم وتقدس وتعالى (٥)، وقال السمعاني أيضاً في المعنى: " أي: ثبت له ما يستحقه من التعظيم والجلال، فيما لم يزل ولايزال " (٦).

стр. 401

٥ ـ الساق: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، ذكر السمعاني خلاف المفسرين في توجيه الآية، هل يُوخذ منها إثبات الساق لله تعالى، على ما يليق بعظمته وجلاله، أم يُراد منها معنى آخر؟! ذكر السمعاني ثلاثة أقوال (١): الأول: أن المراد بالساق: الأمر الشديد، وهذه رواية عكرمة عن ابن عباس. وقال ابن قتيبة: كانت العرب إذا اشتد بهم الأمر، عبَّروا بهذا اللفظ؛ لأن الإنسان إذا وقع له الأمر، وأخذه بجد وجهد، يقول: شمَّر عن ساقة، فوضعت الساق موضع الشدة. وروي عن ابن عباس قول بمعنى الأول، وهو: عن هول وكربة وشدة. وقال مجاهد: هو أول ساعة من ساعات القيامة، وهي أفظعها، وأشدها على الناس. قال السمعاني: وهذا كله قول واحد. الثاني: قال الحسن البصري: " يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ "، أي: الستر بين الدنيا والآخرة، ويُقال: الغطاء بين الدنيا والآخرة، يقول السمعاني: " ومعناهما قريب ". الثالث: هو ما فسَّره النبي ﷺ كما في حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا كان يوم القيامة، يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد كل مؤمن ومؤمنة، ويذهب المنافقون ليسجدوا فلا يستطيعون " (٢). قال السمعاني: وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال نحواً من هذا، فأخرج عبدالرزاق في تفسيره عن ابن مسعود، في قوله: " يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ "، قال: (عن ساقِهِ، يعنى: ساقه ﵎ (٣). يقول ابن القيم: " وقوله في الحديث: " فيكشف عن ساقه "، وهذه الإضافة تُبيِّن المراد بالسياق المذكور في الآية " (٤)، ويقول الشوكاني: " وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية، بما صح عن رسول الله ﷺ كما عرفتَ، وذلك لا يستلزم تجسيماً، ولا تشبيهاً، فليس كمثله شيء " (٥). المفسرون مختلفون في هذه الآية، هل هي من آيات الصفات أم لا؟! فذهب بعضهم إلى أنها ليست من آيات الصفات، إلا بضميمة دليل آخر عليه، كما أشار إليه الإمام ابن تيمية (٦)، مع أنه يثبت صفة الساق لله تعالى، بالحديث الوارد.

стр. 402

وذهب بعضهم إلى أن الآية لا تدل على صفة الساق، ولا حتى الحديث، وهؤلاء أولوا حتى ما ورد مُضافاً إلى الله جل وعلا؛ بناء على ما توهموه من إن إثباته، يلزم منه ما يلزم البشر، وهذا ليس كذلك، فإن الله ليس كمثله شيء، ولذلك تأولوا ما ورد في السنة، بأن المراد: يكشف عن قدرته، التي تكشف عن الشدة، أو أن المراد به نور عظيم (١). ولذا ردها الرازي، وتأولها. (٢) والذي يظهر ـ والعلم عند الله تعالى ـ أنه لا تنافي بين قول ابن عباس، وما ورد في الحديث، فإن الأمر شديد يوم القيامة، ولا ينافي هذا أن يكشف ربنا عن ساقه سبحانه. (٣) والإمام السمعاني ساق الأقوال، ولم يرجح شيئاً، ولكن سوقه لحديث أبي سعيد في تفسير الآية، يدل على قبوله؛ لأنه سبق أن أشرنا إلى أن السمعاني، يُفسِّر القرآن بالقرآن، والقرآن بما صح في السنة، ولكنه على أصل قبول الصفات سواء فسَّر الآية بالحديث، أو لا. ٦ ـ الغضب: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزُّخرُف:٥٥]، يقول السمعاني:" قوله تعالى: " فَلَمَّا آسَفُونَا " أي: أغضبونا وأسخطونا ... وفي بعض الآثار: أن عروة بن الزبير، كان جالساً مع وهب بن منبه، فجاء قوم فشكوا عاملهم، وكان العامل حاضراً، فغضب وهب بن منبه، وأخذ عصا، وشَجَّ رأس العامل، فضحك عروة بن الزبير، فقال: انظروا إلى هذا، ينهى عن الغضب ويغضب؟، فقال وهب: لا، لا تلمني، فإن الله تعالى يغضب، وهو خالق الأحلام، ثم قرأ قوله تعالى: " فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ " (٤).

стр. 403

٧ ـ الرضا: قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، أي: ﵃ بطاعتهم، ورضوا عنه بثوابه (١)، وقال في موطن آخر: " رضي أعمالهم، ورضوا ثوابه " (٢). وعدم المحبة تدل على عدم الرضا، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، أي: لا يرضى الفساد. (٣) ٨ ـ التعجب: أثبت السمعاني صفة التعجب لله تعالى، على ما يليق بجلاله وعظمته، فقال في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]:" وقرأ حمزة والكسائي: " بل عجبتُ " على إضافة التعجب إلى الله، وهي قراءة علي، وابن مسعود، وابن عباس "، ثم قال: " وأما القراءة بضم التاء، فالتعجب من الله، ليس مثل التعجب من الآدميين "، فمعنى قوله: " عجبت " أي: عظم حلمي عن ذنوبهم، والمتعجب هو الذي يرى ما يعظم عنده، وقيل: " بَلْ عَجِبْتَ "، أي: كل فعلهم محل ما يتعجب منهم، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (عجب ربك من شاب ليس له صبوة) (٤)، ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: (عجب ربكم من إلكم، وقنوطكم، وسرعة إجابته إياكم " (٥) (٦). ٩ ـ الوجه: قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]، يقول السمعاني: " والوجه صفة لله تعالى، بلا كيف، وجه لا كالوجوه " (٧). وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، يقول السمعاني: " وقد ذكر الله تعالى الوجه في أحد عشر موضعاً من القرآن، قد بينا أنه صفة من صفات الله، يُؤمن به على ما ذكره الله تعالى " (٨)

стр. 404

وقد نُقِلَ الإجماع عن علماء الأمة على إثبات الوجه: يقول الإمام ابن خزيمة: " فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز، وتهامة، واليمن، والعراق، والشام، ومصر، مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه نُقرُّ بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا، من غير أن نُشبِّه وخالقنا، بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا عن أن يُشبه المخلوقين، وجَلَّ ربُنا عن مقالة المعطلين" (١)، وكذا حكى الإجماع الإمام ابن تيمية، فقال: " ... مع ما في الكتاب والسنة، واتفاق سلف الأمة وأئمتها، من وصفه باليدين والوجه " (٢). ١٠ ـ صفتا القرب والدنو لله تعالى: قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، " أي: لا يخفى علي شيء، وهو أقرب إلى العباد من حبل الوريد، وأقرب إلى القلب من ذي القلب " (٣)، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:٨]، ذكر السمعاني ثلاثة أقوال في معنى الآية: الأول: دنا جبريل من النبي ﷺ . الثاني: دنا محمد ﷺ من ربه. الثالث: دنا الرب ﷻ ، من محمد ﷺ ، ثم قال: " وهو لفظ ثابت أيضاً، وهو على ما شاء الله " (٤)، مع أنه رجح القول الأول. فهاتان صفتان لله جل وعلا، أجمع العلماء على إثباتهما لله تعالى، على ما يليق بعظمته، وجلاله، وكماله، فهو " عليٌّ في دنوه، قريب في علوه " (٥)، يقول الإمام ابن تيمية: " وأما دنوه وتقربه من بعض عباده، فهذا يُثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف، وأئمة الإسلام المشهورين، وأهل الحديث، والنقل بذلك متواتر " (٦).

стр. 405

١١ ـ النزول: قال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزَّمل:١٨]، يقول السمعاني: " قد ورد عن كثير من السلف أن قوله " مُنْفَطِرٌ بِهِ " أي: بالله، وهو نزول يوم القيامة لفصل القضاء، بلا كيف " (١). وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]، يقول السمعاني: " وفي تفسير النقاش: انشقت لنزول الرب عز اسمه، هو بلا كيف " (٢). قال ابن عباس: قوله: " السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ "، يعني: تشقَّق السماء، حين ينزل الرحمن جل وعز. (٣) ١٢ ـ الإتيان والمجيء: قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]،يقول السمعاني: " والآية من المتشابهات " (٤)، وأشرنا سابقاً إلى أن آيات الصفات، ليست من المتشابهات، وإنما هي من المحكمات البينات والواضحات، ولكن يُحمل كلام الأئمة في مثل هذه المقامات، على أن مقصودهم، إثبات الصفة على حقيقتها، والإيمان بظاهرها، ووكل علم حقيقتها إلى الله تعالى، وهذا يُبينه كلام السمعاني، حين نقل عن أصحاب التفسير، كأبي بن كعب ومجاهد، أنهما قالا في تفسير الآية: يأتي الله يوم القيامة في ظلل من الغمام، ثم قال:" والأولى في هذه الآية وما يشاكلها، أن نؤمن بظاهره، ونكل علمه إلى الله تعالى، وننزه الله عن سمات الحدث والنقص " (٥).

стр. 406

وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، يقول السمعاني: " وهو من المتشابه، الذي نؤمن به، ولا يُفسر، وقد أول بعضهم: وجاء أمر ربك، والصحيح ماذكرنا" (١)، فهنا رد السمعاني التأويل الفاسد، الذي يخالف الظاهر من النص، وهو المجيء الحقيقي لله تعالى، إلا أنه قال: " ولا يُفسَّر " بمعنى: يبقى على ظاهره المراد، دون تعرض له بتأويل فاسد، كتأويلات المتكلمين. وهاتان الصفتان قد أجمع عليهما أئمة الإسلام، يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على أنه يجيء يوم القيامة، والملك صفاً صفاً، لعرض الأمم، وحسابها، وعقابها، وثوابها " (٢). ١٣ ـ اليدان: قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]، يقول السمعاني: " وأما اليد: صفة لله تعالى، بلا كيف، وله يدان، وقد صَحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: " كلتا يديه يمين" (٣)، والله أعلم بكيفية المراد " (٤). وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١]، يقول السمعاني: " أي: مما تولينا خلقه وإبداعها، والأولى في الأيدي: أن يُؤمن بها، ولا تُفَسَّر " (٥). وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمَر:٦٧]، يقول السمعاني: " ويُقال: إن قبضته ويمينه بلا وصف، قال سفيان: كل ماورد في القرآن من هذا، فتفسيره قراءته، وقيل: قبضته: قدرته، والأول أولى: بما بينا من قبل " (٦).

стр. 407

وقد حكى العلماء الإجماع على إثبات صفة اليدين لله جل وعلا، على ما يليق بجلاله، وعظمته، يقول الإمام الأشعري: " أجمعوا على أنه يسمع ويرى، وأن له تعالى يدين مبسوطتين، وأن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه .. وأن يديه غير نعمته " (١). ويقول الإمام السجزي: " وأهل السنة متفقون، على أن لله سبحانه يدين، بذلك ورد النص في الكتاب والأثر " (٢). ١٤ ـ المعية: قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، يقول السمعاني: " أي: بعلمه وقدرته، ذكره ابن عباس وغيره. وقال الحسن: هو معكم بلا كيف " (٣). فالسمعاني يثبت معية الله جل وعلا لخلقه، والتي مقتضاها، العلم، والنصرة، والحفظ، والتأييد، قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة:١٢]، يعني: بالنصر (٤)، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:١٢]، أي: بالنصر والظفر (٥)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥]، أي: بالنصر والحفظ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، أي: بالنصرة والمعونة (٧)، وقال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧]، يعني: بالعلم والقدرة " (٨)، وهذا الذي عليه علماء السلف وأئمتهم، يقول الإمام مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان. (٩)

стр. 408

وقال الإمام ابن عبدالبر: " لأن علماء الصحابة والتابعين، الذين حملت عنهم التأويل في القرآن، قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج به " (١). ١٥ ـ العلو: قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، يقول السمعاني: " قال بعضهم معناه: يخافون عذاب ربهم من فوقهم، والقول الثاني ـ وهو الأصح ـ: أن هذه الصفة (العلو) التي تفرد الله بها، وهو كما وصف به نفسه، من غير تكييف " (٢). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، يقول السمعاني: " هو صفة الاستعلاء، الذي لله تعالى، الذي يعرفه أهل السنة " (٣). وقال تعالى عن الشيطان: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧]، يقول قتادة: لم يقل الخبيث: من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل عليهم من فوقهم (٤)، وهذا فيه دلالة على العلو لله تعالى. وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [المُلك:١٦]، قال ابن عباس: أي: الله تعالى. (٥) والأعلى هو المتعالى على خلقه جل في علاه. (٦) وقد حكى العلماء الإجماع على ثبوت هذه الصفة لله جل وعلا: ـ يقول الإمام الدارمي:" وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين، أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث، قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء، يرفع يديه إلى ربه، يدعوه في السماء دون ما سواها" (٧).

стр. 409

ـ ويقول الإمام ابن تيمية: " وأما علوه على العالم، ومباينته للمخلوقات، فمتفق عليه بين الأنبياء والمرسلين، وسلف الأمة وأئمتها " (١). ١٦ ـ الاستواء على العرش: قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، أثبت الإمام السمعاني هذه الصفة، على ما يليق بجلال الله وعظمته، ورد على المخالفين: أ ـ إثبات الصفة: يقول السمعاني: أهل السنة يقولون: إن الاستواء على العرش، صفة لله تعالى، بلا كيف، والإيمان به واجب، كذلك يُحكى عن مالك بن أنس، وغيره من السلف، أنهم قالوا في هذه الآية: الإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " (٢). وقال في موطن آخر: " قد بينا مذهب أهل السنة في الاستواء، وأن نؤمن به، ونكل علمه إلى الله تعالى، ومن غير تأويل ولا تفسير " (٣). وقال: " اعلم أن مخارج الاستواء في اللغة كثيرة: وقد يكون بمعنى العلو، وقد يكون بمعنى الاستقرار، وقد يكون بمعنى الاستيلاء ـ على بُعد ـ، وقد يكون بمعنى الإقبال. والمذهب عند أهل السنة: أنه يُؤمن به، ولا يكيف " (٤). ب ـ الرد على المخالفين: ذكر السمعاني أن المعتزلة أولت صفة الاستواء بالإستيلاء، واستدلوا ببيت من الشعر: (قد استوى بشر على العراق ... *** ... من غير سيف ولا دم مهراق) وقد رد عليهم السمعاني من عدة أوجه: الأول: أنه هذا خِلاف منهج السلف، فقال: " وأما أهل السنة فيتبرؤون من هذا التأويل، ويقولون: إن الاستواء صفة لله تعالى، بلا كيف، والإيمان به واجب " (٥).

стр. 410

الثاني: أنه باطل من جهة اللغة العربية، وذلك أن العرب لا تعرف الاستواء بمعنى الاستيلاء، " حُكي عن أحمد بن أبي دؤاد ـ وكان من رؤوس المعتزلة ـ أنه قال لابن الأعرابي: أتعرف العرب الاستواء، بمعنى الاستيلاء؟ فقال: لا، ويُحكى أن هذه المسألة، جرت في مجلس المأمون، فقال بشر المريسي: الاستواء بمعنى الاستيلاء، فقال له أبو السمراء ـ وهو رجل من أهل اللغة ـ: أخطأت يا شيخ، فإن العرب لا تعرف الاستيلاء، إلا بعد عجز سابق " (١). وما نُقل عن بعض أهل اللغة، من تسمية الاستواء استيلاء، فهذا على بُعد، كما قال السمعاني، " وذكر الزجاج، والنحاس، وجماعة من النُحاة من أهل السنة: أنه لا يُسمى الاستواء استيلاء في اللغة، إلا إذا غلب غيره عليه، وهذا لا يجوز على الله تعالى " (٢)، بل المشهور عن العرب، أن الاستواء يكون بمعنى الارتفاع والاستقرار، " قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون:٢٨]، أي: استقررت وجلست، وقد يكون الاستواء بمعنى الارتفاع، قال الخليل: دخلنا على أبي ربيعة الأعرابي، فقال لنا: استووا، أي: ارتفعوا " (٣). وقد اتفق أهل السنة والجماعة، على إثبات هذه الصفة لله تعالى، يقول الإمام ابن تيمية: "فالآيات الكثيرة، والأحاديث الكثيرة، وإجماع السلف، يدل على أن الله فوق العرش " (٤).

стр. 411

١٧ ـ الكلام: فقد أثبت السمعاني صفة الكلام لله جل وعلا، على مقتضى ما ورد في النصوص، وما جاء في ظواهرها، على الحقيقة، وأنه يتكلم بحرف وصوت، فقد كلم موسى وناجاه، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، يقول السمعاني: " إنما كلمه بنفسه من غير واسطة، ولا وحي، وفيه دليل على من قال: إن الله خلق كلاماً في الشجرة، فسمعه موسى، وذلك لأنه قال: " وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا "، قال الفراء، وثعلب: إن العرب تُسمي ما توصل إلى الإنسان كلاماً، بأي طريق وصل إليه، ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حُقق بالمصدر، لم تكن إلا حقيقة الكلام ... فلما حقق الله كلامه موسى بالتكلم، عرف أنه حقيقة الكلام من غير واسطة. فإن قال قائل: بأي شيء عرف موسى أنه كلام الله؟ قيل: بتعريف الله تعالى إياه، وإنزال آية عرف موسى بتلك الآية، أنه كلام الله تعالى. وهذا مذهب أهل السنة: أنه سمع كلام الله حقيقة، بلا كيف، وقال وائل بن داود، معنى وقوله: " وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا "، أي: مراراً، كلام بعد كلام " (١). وقال تعالى عن موسى ﵇: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، يقول السمعاني: " وقوله: " وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا "، ويُقال: أي كلمناه، والتقريب هاهنا هو التكلم، وأما النجي فهي المناجي، وكأن معناه على هذا القول: أن الله يُكلمه، وهو يُكلم الله " (٢). ومن الأدلة التي استدل بها السمعاني على أن الله تعالى متكلم، قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٨]، يقول: " وهذا دليل على أن الله مُتكلم لم يزل ولايزال؛ لأنه استدل بعدم الكلام من العجل، على نفي الإلهية " (٣).

стр. 412

وقال السمعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧٧]،: " أي: لا يكلمهم كما يُكلم المؤمنين، وقد صَحَّ أنه ﷻ ، يُكلم المؤمنين يوم القيامة من غير ترجمان " (١). وأما نفي التكليم يوم القيامة، ففيه قولان: (٢) أحدهما: أنه لا يكلمهم، ولكن يكلمهم بالتهديد والتوبيخ. والآخر: أنه غضبان عليهم، كما يُقال: فلان لا يُكلم فلاناً، إذا كان غضباناً عليهم. ولذا فإن كلام الله جل وعلا لا ينفد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، بمعنى: أن جميع أشجار العالم، ونباتها، لو بريت أقلاماً، وصارت البحور مداداً، ما نفدت كلمات الله، أي: كلام الله وعلمه. (٣) ورد السمعاني على المعتزلة في قولهم: إن الله خلق كلاماً في الشجرة، على مذهبهم الفاسد في إنكار الصفات لله تعالى، فقال السمعاني: " وعند المعتزلة: أن الله تعالى خلق كلاماً في الشجرة فسمع موسى ذلك الكلام، وهذا عندنا باطل، وذلك لأن الله تعالى هو الذي كلم موسى على ماورد به النص، وإذا كان على هذا الوجه الذي قالوا، فيكون الله خالقاً لا مكلماً؛ لأنه يُقال: خلق فهو خالق، ولا يُقال: خلق فهو مُكلم " (٤). وقد استفاض النقل عن علماء السلف في حكاية الإجماع على أن الله تعالى متكلم بكلام قائم به، وأن كلامه غير مخلوق.

стр. 413

يقول الإمام أبو بكر بن أبي عاصم (١): " ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة ... والقرآن كلام الله ﵎، تكلم به، ليس بمخلوق " (٢). ويقول ابن تيمية: " ... بل نقول: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، كلاماً قائماً بذاته، كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع السلف والأئمة " (٣). ١٨ ـ الرؤية: يقول السمعاني في إثبات رؤية الرب جل وعلا: " واعلم أن الرؤية حق على مذهب أهل السنة، وقد ورد به القرآن والسنة " (٤)، ويقول: " وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]: هو النظر إلى الله تعالى بالأعين، وهو ثابت للمؤمنين في الجنة، بوعد الله تعالى، وبخبر الرسول ﷺ " (٥). واستدل السمعاني على إثبات الرؤية بأدلة القرآن والسنة، منها: أ ـ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦]، قال: "وقيل: هو اللقاء الموعود، وهو رؤية الله تعالى ". (٦) ب ـ وقال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، يقول السمعاني: " فالإدراك غير الرؤية؛ لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء وحقيقته، والرؤية، هي المعاينة ... وإذا كان الإدراك غير الرؤية، فالله تعالى يجوز أن يُرى، ولكن لا يدرك كنهه، إذ لا كنه له حتى يدرك، وهذا كما أنه يعلم ويعرف ولا يُحاط به" (٧).

стр. 414

ج ـ وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣]، يقول السمعاني: " وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يُرى؛ لأنه لم يُعلّق الرؤية بما يستحيل وجوده؛ لأن استقرار الجبل مع تجليه له غير مستحيل، بأن يجعل له قوة الاستقرار مع التجلي " (١). د ـ وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، يقول السمعاني: "واختلفوا في الحسنى وزيادة، فروي عن أبي بكر الصديق، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وحذيفة، وقتادة، وجماعة من التابعين أنهم قالوا: الحسنى هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى الله " (٢). هـ ـ وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، قال ابن سيرين: ما أخفي لهم من قرة أعين: هو النظر إلى الله تعالى. (٣) و ـ وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، يقول السمعاني: " فيه قولان: ... والآخر: أنه النظر إلى الله تعالى " (٤). ز ـ وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، يقول السمعاني: " (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ): هو النظر إلى الله تعالى بالأعين " (٥).

стр. 415

ح ـ وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطفِّفين:١٥]، يقول السمعاني: "في الآية دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى، وقد نقل هذا الدليل عن مالك والشافعي ـ رحمة الله عليهما ـ، قال مالك: لما حجب الله الفجار عن رؤيته، دَلَّ على أنه ليتجلى للمؤمنين حتى يروه، ومثل هذا رواه الربيع بن سليمان عن الشافعي، قال الربيع، قلت للشافعي: أيرى الله بهذا؟ فقال: لو لم أوقن أن الله يُرى في الجنة، لم أعبده في الدنيا. وفي الآية أبين دليل من حيث المعنى على ما قلنا؛ لأنه ذكر قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، في حق الكفار عقوبة لهم، فلو قلنا: إن المؤمنين يحجبون، لم يصح عقوبة الكفار به " (١). وحَكى الأئمة الإجماع على إثبات هذه الصفة لله تعالى: قال الإمام أحمد: " والأحاديث في أيدي أهل العلم، عن النبي ﷺ : أن أهل الجنة يرون ربهم، لا يختلف فيها أهل العلم " (٢). وقال الإمام ابن تيمية: " أجمع سلف الأمة وأئمتها، على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة. واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عياناً، كما يرون الشمس والقمر " (٣). وقد ناقش السمعاني المخالفين للرؤية، النافين لها، وهم المعتزلة، فقال:

стр. 416

١ ـ قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، " استدل بهذه الآية من يعتقد نفي الرؤية، قالوا: لما تمدَّح بأنه لا تدركه الأبصار؛ فمدحه يكون على الأبد في الدنيا والآخرة " (١). ورد عليه السمعاني بقوله: " فأما قوله تعالى: " لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ " فالإدراك غير الرؤية؛ لأن الإدراك: هو الوقوف على كنه الشيء وحقيقته، والرؤية: هي المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦١]، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، وإذا كان الإدراك غير الرؤية، فالله تعالى يجوز أن يُرى، ولكن لا يدرك كنهه، إذ لا كنه له حتى يُدرك، وهذا كما أنه يُعلم ويُعرف ولا يُحاط به، كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم " (٢). والوجه الثاني في الرد: أن يكون معنى قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني: في الدنيا، هو يرى الخلق، ولا يراه الخلق في الدنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ فكما أثبتت الرؤية بتلك الآية في الآخرة، دَلَّ على أن المراد بهذه الآية: الإدراك في الدنيا؛ ليكون جمعاً بين الآيتين " (٣).

стр. 417

٢ ـ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، يقول السمعاني: " قَالَ لَنْ تَرَانِي " يستدل من ينفي الرؤية بهذه الكلمة، وليس لهم فيها مُستدل، وذلك لأنه لم يقل: إني لا أُرى، حتى يكون حجة لهم، ولأنه لم ينسبه إلى الجهل في سؤال الرؤية، كما نسب إليه قومه بقولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، لما لم يجز ذلك. وأما معنى قوله " لَنْ تَرَانِي "، يعني: في الحال، أو في الدنيا " (١). وفي ختام هذا المطلب، أًشير إلى مسألتين، أثارهما الإمام السمعاني: المسألة الأولى: هل الدهر من أسماء الله وصفاته؟! أورد السمعاني الأثر الوارد في السنة، وهو قوله في الحديث القدسي: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أدبر الأمر، أقلب الليل والنهار) (٢). وصنيع السمعاني في ذكر تأويل الخبر، يدل على أنه ليس من أسماء الله ولاصفاته، إلا على تأويل الدهر بالخالق فيعود لصفة الخلق، أي يكون معنى الخبر: فإن الله هو الدهر: أي خالق الدهر. وهذا هو الوجه الأول الذي فسَّر به السمعاني هذا الخبر. والوجه الثاني: لا تسبوا الدهر فإني فاعل الأشياء. وكانوا يضيفون الفعل إلى الدهر، ويسبونه، فإن الله هو الدهر، يعني: أن الله فاعل الأشياء، لا الدهر. قال السمعاني: "وهذا قول معتمد ". والوجه الثالث: وهو أنهم كانوا يعتقدون بقاء الدهر، وأنه لا يبقى شيء مع بقاء الدهر، فقال: لا تسبوا الدهر، يعني: لا تسبوا الذين يعتقدون أنه الباقي، فإن الله هو الدهر، يعني: فإن الله هو الباقي، بقاء الأبد على ما يعتقدون في الدهر. (٣)

стр. 418

وقد ذهب ابن حزم ومن معه، إلى أن الدهر من أسماء الله تعالى؛ استناداً على هذا الحديث، وقد غلطه العلماء في ذلك، يقول ابن كثير: " وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية، في عدهم الدهر، من الأسماء الحسنى، أخذاً من هذا الحديث " (١). المسألة الثانية: هل يجوز السؤال عن الله بالمائية؟! قال السمعاني في قصة موسى مع فرعون، وسؤال فرعون لموسى ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء:٢٣ - ٢٤]: "واعلم أن سؤال المائية، لا يجوز على الله، وإنما هذا من أوصاف المخلوقين، والدليل عليه: أن موسى لم يجب سؤال المائية، فلم يقل: ربي لونه كذا، وهو من كذا، وريحه كذا، ولكن أجاب بذكر أفعاله الدالة عليه، فقال: " رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ". واعلم أن سؤال المائية، سؤال عن جنس الشيء، والله تعالى منزه على الجنسية، ويُقال: إن جواب موسى عن معنى السؤال، لا عن عين السؤال، كأن معنى السؤال: ومن رب العالمين؟ قال: " رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ " (٢).

стр. 419

وذكر الإمام ابن حزم مسألة المائية وفصَّل فيها، فقال: " ذهب طوائف من المعتزلة إلى أن الله تعالى لا مائية له، وذهب أهل السنة، وضرار بن عمرو إلى أن الله تعالى مائية " (١). وقال التفتازاني: " وهذا البحث عند المتكلمين يُعرف بمسألة المائية، ويُنسب القول بها إلى ضرار، حيث قال: إن لله تعالى مائية لا يعلمها إلا هو، ولو رؤي لرؤي عليها، وفي قدرة الله تعالى أن يخلق في الخلق حاسة سادسة، بها يُدركون تلك المائية والخاصية، وحين رُوي ذلك عن أبي حنيفة ﵁ أنكر أصحابه هذه الرواية أشد إنكار؛ وذلك لأن المائية عبارة عن المجانسة، حيث يُقال: ماهو، بمعنى: أي جنس هو من أجناس الأشياء، والله تعالى منزه عن الجنس؛ لأن كل ذي جنس مماثل لجنسه، ولما تحته من الأنواع والأفراد، فالقول به تشبيه " (٢). وذهب الإمام ابن تيمية إلى أن القول بأن المائية تقتضي الجنس، بمعنى أن يكون له ما يجانسه، أي يماثله في حقيقته، إلى أن الأمر ليس كذلك، يقول: " فإن من أثبت له مائية، وهي الحقيقة التي تخصه، ويمتاز لها عن غيره، لم يلزمه أن تكون تلك المائية من جنس المائيات، كما أن الذين يطلقون عليه اسم الذات، لا يلزمهم أن تكون ذاته من جنس سائر الذوات، وإن فُسِّر ذلك بثبوت قدر ما يتفقان فيه، فهذا لا بد منه على كل تقدير. ولفظ الجنس فيه عدة اصطلاحات، فإن فُسِّر بما يوجب مثلاً لله، فهو منتف عنه، وإن فُسِّر بالحد اللغوي الذي هو مدلول الأسماء المتواطئة والمشككة، كما في اسم الحي، والعليم، والقدير، ونحو ذلك من الأسماء، فهذا لا بُدَّ منه باتفاق أهل الإثبات " (٣).

стр. 420

إذن: إنما أجاب موسى ﵇ بما أجاب به؛ لأن الرب جل وعلا معروف، " وأن آياته، ودلائل ربوبيته، أظهر، وأشهر من أن يُسأل عنه (بما هو)، فإن هذا إنما هو سؤال عما يجهل، والله سبحانه أعرف، وأظهر، وأبين من أن يُجهَل، بل معرفته مستقرة في الفطِر، أعظم من معرفة كل معروف " (١) المطلب الخامس: مسائل في الأسماء والصفات: هذا المطلب معقود لبيان تفسير السمعاني، لبعض الآيات الكريمات التي تصف الرب جل وعلا ببعض الصفات، أو بعض الأفعال التي تكون من الله جل في علاه: ١ ـ ما معنى الكيد من الله تعالى: قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٧٦]، يقول السمعاني: " الكيد من الخلق هو الحيلة، ومن الله: التدبير بالحق " (٢). فمعنى الآية: " كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ " أي: دبرنا ليوسف، وقيل: صنعنا ليوسف، وقال ابن الأنباري: أردنا ليوسف. (٣) وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، يقول السمعاني: "والكيد في اللغة: هو صنع يصل به إلى الشيء على الخفية والاستتار. الكيد من الله: هو الاستدراج من حيث لا يعلمون الكفار، والاستدراج؛ هو الأخذ قليلاً قليلاً، وقيل: هي الأخذ من حيث يخفى عليهم، وقيل: " وَأَكِيدُ كَيْدًا "، أي: أعاقبهم عقوبة كيدهم " (٤).

стр. 421

٢ ـ ما معنى المكر من الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، يقول السمعاني: " المكر من العبد: الخبث الخِداع، ومن الله تعالى: أن يأخذ العبد بغتة من حيث لا يعلم، وإنما سماه مكراً، على المقابلة؛ لأنه جزاء مكرهم، كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، والمراد بمكرهم هنا: أنهم احتالوا لقتل عيسى، فقال رجل: ألا أدلكم على البيت الذي فيه عيسى، فجاؤوا معه البيت الذي كان فيه عيسى، فرفعه الله إلى السماء، وألقى شبه عيسى على من دلهم عليه، فأخذوه وهو يصيح، لست بعيسى، فقتلوه، وقيل: إن الدال كان واحداً من الحواريين، فذلك مكر الله " وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " " (١). وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، يقول السمعاني: "المكر من الله: التدبير بالحق، وقيل: هو الأخذ بغتة. قال الزجاج: يجازيهم جزاء المكر، " وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ "، أي: خير المدبرين " (٢). وقال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزُّخرُف:٧٩]، يقول السمعاني: " يُقال: " أَمْ أَبْرَمُوا ": أي: كادوا كيداً، ومكروا مكراً، وقوله: " فَإِنَّا مُبْرِمُونَ " أي: نُقابل كيدهم ومكرهم بالإبطال، ونجازيهم جزاء مكرهم " (٣). ٣ ـ ما معنى قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]: يقول السمعاني: "يخادعون الله: أي يعاملون الله معاملة المخادعين، حيث أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، وهو خادعهم، أي: يعاملهم معاملة المخادعين، وذلك على وجهين: أحدهما: أنه حكم بإيمانهم في الظاهر، وكفرهم في الباطن، كما فعلوا هم. والثاني: أنه في القيامة يعطيهم نوراً، كما يُعطي المؤمنين، ثم إذا كانوا على الصراط طفيء نورهم، وذهب المؤمنون بنورهم " (٤).

стр. 422

٤ ـ ما معنى السخرية من الله تعالى: قال تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩]، يقول السمعاني: " فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ " يستهزؤون منهم، " سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ " جازاهم جزاء السخرية " (١). ٥ ـ ما معنى قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٣٠]: يقول السمعاني: " قال أبو عبيدة: لعنهم الله، وقيل: قلتهم الله، كما تقول العرب: عافاه الله، أي: أعفاه الله. وفيه قول ثالث: أن هذه كلمة تعجب، وليس المعنى تحقيق المقاتلة، ولكنه كلمة تعجب" (٢). ٦ ـ ما معنى قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]: يقول السمعاني: " أي: تركوا أمر الله، فتركهم الله من رحمته " (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، يقول السمعاني: " أي: تركوا أمر الله، فتركهم من نظره ورحمته ... ونُسب إلى الله تعالى؛ لأن تركهم طلب الحظ لأنفسهم، وفواته إياهم، كان لأجل ما توجه عليه من أمر الله. وقيل: أغفلهم من حظ أنفسهم عقوبة لهم" (٤).

стр. 423

٧ ـ ما معنى نصرة الله تعالى: قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، يقول السمعاني: " معناه: إن تنصروا الله نبي الله، أو دين الله ينصركم، والنصرة من الله: الحفظ والهداية " (١). ٨ ـ ما معنى الحسرة من الله تعالى على العباد الذي أهلكهم: والله جل وعز لا تجوز عليه هذه الصفة؟ يقول تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠]، يقول السمعاني: " معنى الآية: يا حسرة على العبادة من أنفسهم، وكأنهم يتحسرون على أنفسهم غاية الحسرة، والحسرة: هي التلهف على أمر فائت، بأبلغ وجوهه، حتى يبقى الرجل حسيراً، منقطعاً عن شدته. وجواب آخر: أنه تعالى قال: " يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ "؛ لأنهم صاروا بمنزلة يُتحسر عليهم. يُقال: يا حسرة الرسل، والملائكة على العباد. والجواب الأول أحسن الأجوبة " (٢). ٩ ـ ما معنى أذية الرب جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٥٧] يقول السمعاني: " أي أولياء الله، وأصح القولين، أن قوله " يُؤْذُونَ اللَّهَ " على طريق المجاز، وأما على الحقيقة فلا يلحقه أذى من قبل أحد " (٣)، ومعنى قوله ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود:٥٧]، أي: ولا تنقصونه شيئاً. (٤) ١٠ ـ ما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]: ذكر السمعاني في معناه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: إن ربي يعمل بالعدل، وإن كان قادراً على كل شيء، فلا يعمل إلا بالعدل والإحسان. والثاني: معناه: إن دين ربي على صراط مستقيم. والثالث: هو في معنى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] يعني: إنه على طريق الخلق أجمع. (٥) ١١ ـ ما معنى الإقراض من الله تعالى ؟! يقول تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥]، يقول السمعاني: " قيل: يقرض أنبياء الله، فقال الضحاك: معناه: يتصدق لله، وسماه قرضاً؛ لأن الله تعالى قد وعد الثواب عليه " (٦). ومعنى الآية: من الذي يفعل فعلاً حسناً، فيجازيه الله بذلك. (٧)

стр. 424

وقال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [التغابن:١٧]، ذكر السمعاني في تفسير الآية ثلاثة أقوال: أحدها: هو الإنفاق في سبيل الله. والثاني: هو جميع حقوق المال، وسُمي ذلك قرضاً؛ لأن الله تعالى يُثيبهم عليه، ويعطيهم عوضه، فهو بمنزلة القرض. والثالث: أن الإقراض هاهنا، هو قول القائل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. (١) ١٢ ـ ما معنى الاستهزاء من الله تعالى: قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]، ذكر السمعاني فيه أقوالاً في المعنى: الأول: معناه: يجازيهم على صنيعهم، إلا أنه سماه الله استهزاء؛ لأنه جزاء الاستهزاء. الثاني: يستهزئ بهم، أي: يعيبهم، منه قوله تعالى: ﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ [النساء:١٤٠] أي: يُعاب، كذلك هذا. الثالث: أن الله يستهزئ بهم في الآخرة، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يضرب للمؤمنين على الصراط نوراً يمشون به، وإذا وصل المنافقون إليه، حال بينهم وبين المؤمنين، فذلك الاستهزاء بهم. والثاني: أن يقربهم من الجنة، حتى إذا رأوا زهرتها، وحسنها، وبهجتها، واستنشقوا رائحتها، صرفهم عنها إلى النار، فذلك الاستهزاء بهم. (٢) ١٣ ـ ما معنى الرمي من الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، المقصود بالرمي في قوله " وَمَا رَمَيْتَ " أي: بالحصباء التي رمى بها النبي ﷺ فأصابت عيون المشركين، فهذا ليس في قدرة البشر، أن ترمي بالحصباء إلى وجوه جيش، بحيث لا تبقي عين إلا ويصيبها منها، " وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى " بقوته وقدرته. وقيل: معناه: وما بلغت إذ رميت، ولكن الله بلغ، وقيل معناه: وما رميت بالرعب في قلوبهم. (٣)

стр. 425

١٤ ـ ما معنى مقام ربه: فَرَّق السمعاني بين المَقام والمُقام: فقال: " المَقام: موضع الإقامة، والمُقام: فعل الإقامة "، والله جل وعز يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، ويقول: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم:١٤]، فكيف يكون لله مقام؟ يقول السمعاني: " أجمع أهل التفسير أن معناه: ذلك لمن خاف مقامه بين يدي ربه للسؤال والحساب. (١) ١٥ ـ ما معنى الجد في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:٣]: يقول السمعاني: " الجد: العظمة، وهو البخت أيضاً، وهو أب الأب، والمراد به هنا: " جَدُّ رَبِّنَا ": عظمة ربنا، وهذا قول قتادة، وقيل: " جَدُّ رَبِّنَا ": أي: غنى ربنا، وهو قول الحسن، وقيل: " جَدُّ رَبِّنَا " أي: أمر ربنا، وهو قول إبراهيم والسدي. (٢) وقوله ﵊: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (٣)، أي: لا ينفع ذا البخت منك بخته، إذا أردت به سوءاً أو مكروهاً. (٤) ١٦ ـ ما معنى الذكر من الله جل وعز: قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]: أ ـ قيل: ذكر الله ها هنا: بمعنى المدح والثناء عليه، وفي الخبر عن النبي ﷺ : أن الله تعالى يقول: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه) (٥). ب ـ وقيل: الذكر من العبد الطاعة، ومن الله المغفرة والرحمة، ومعناه: فاذكروني بالطاعة، اذكركم بالمغفرة والرحمة. (٦)
следующие страницы →