← Акыда

Акыда · id 536

آراء السمعاني العقدية

مازن بن محمد بن عيسى

Полный текст (738 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٢ ـ ما معنى المكر من الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤]، يقول السمعاني: " المكر من العبد: الخبث الخِداع، ومن الله تعالى: أن يأخذ العبد بغتة من حيث لا يعلم، وإنما سماه مكراً، على المقابلة؛ لأنه جزاء مكرهم، كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، والمراد بمكرهم هنا: أنهم احتالوا لقتل عيسى، فقال رجل: ألا أدلكم على البيت الذي فيه عيسى، فجاؤوا معه البيت الذي كان فيه عيسى، فرفعه الله إلى السماء، وألقى شبه عيسى على من دلهم عليه، فأخذوه وهو يصيح، لست بعيسى، فقتلوه، وقيل: إن الدال كان واحداً من الحواريين، فذلك مكر الله " وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " " (١). وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، يقول السمعاني: "المكر من الله: التدبير بالحق، وقيل: هو الأخذ بغتة. قال الزجاج: يجازيهم جزاء المكر، " وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ "، أي: خير المدبرين " (٢). وقال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ [الزُّخرُف:٧٩]، يقول السمعاني: " يُقال: " أَمْ أَبْرَمُوا ": أي: كادوا كيداً، ومكروا مكراً، وقوله: " فَإِنَّا مُبْرِمُونَ " أي: نُقابل كيدهم ومكرهم بالإبطال، ونجازيهم جزاء مكرهم " (٣). ٣ ـ ما معنى قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]: يقول السمعاني: "يخادعون الله: أي يعاملون الله معاملة المخادعين، حيث أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، وهو خادعهم، أي: يعاملهم معاملة المخادعين، وذلك على وجهين: أحدهما: أنه حكم بإيمانهم في الظاهر، وكفرهم في الباطن، كما فعلوا هم. والثاني: أنه في القيامة يعطيهم نوراً، كما يُعطي المؤمنين، ثم إذا كانوا على الصراط طفيء نورهم، وذهب المؤمنون بنورهم " (٤).

стр. 422

٤ ـ ما معنى السخرية من الله تعالى: قال تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩]، يقول السمعاني: " فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ " يستهزؤون منهم، " سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ " جازاهم جزاء السخرية " (١). ٥ ـ ما معنى قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٣٠]: يقول السمعاني: " قال أبو عبيدة: لعنهم الله، وقيل: قلتهم الله، كما تقول العرب: عافاه الله، أي: أعفاه الله. وفيه قول ثالث: أن هذه كلمة تعجب، وليس المعنى تحقيق المقاتلة، ولكنه كلمة تعجب" (٢). ٦ ـ ما معنى قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]: يقول السمعاني: " أي: تركوا أمر الله، فتركهم الله من رحمته " (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، يقول السمعاني: " أي: تركوا أمر الله، فتركهم من نظره ورحمته ... ونُسب إلى الله تعالى؛ لأن تركهم طلب الحظ لأنفسهم، وفواته إياهم، كان لأجل ما توجه عليه من أمر الله. وقيل: أغفلهم من حظ أنفسهم عقوبة لهم" (٤).

стр. 423

٧ ـ ما معنى نصرة الله تعالى: قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، يقول السمعاني: " معناه: إن تنصروا الله نبي الله، أو دين الله ينصركم، والنصرة من الله: الحفظ والهداية " (١). ٨ ـ ما معنى الحسرة من الله تعالى على العباد الذي أهلكهم: والله جل وعز لا تجوز عليه هذه الصفة؟ يقول تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠]، يقول السمعاني: " معنى الآية: يا حسرة على العبادة من أنفسهم، وكأنهم يتحسرون على أنفسهم غاية الحسرة، والحسرة: هي التلهف على أمر فائت، بأبلغ وجوهه، حتى يبقى الرجل حسيراً، منقطعاً عن شدته. وجواب آخر: أنه تعالى قال: " يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ "؛ لأنهم صاروا بمنزلة يُتحسر عليهم. يُقال: يا حسرة الرسل، والملائكة على العباد. والجواب الأول أحسن الأجوبة " (٢). ٩ ـ ما معنى أذية الرب جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٥٧] يقول السمعاني: " أي أولياء الله، وأصح القولين، أن قوله " يُؤْذُونَ اللَّهَ " على طريق المجاز، وأما على الحقيقة فلا يلحقه أذى من قبل أحد " (٣)، ومعنى قوله ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ [هود:٥٧]، أي: ولا تنقصونه شيئاً. (٤) ١٠ ـ ما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]: ذكر السمعاني في معناه ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه: إن ربي يعمل بالعدل، وإن كان قادراً على كل شيء، فلا يعمل إلا بالعدل والإحسان. والثاني: معناه: إن دين ربي على صراط مستقيم. والثالث: هو في معنى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] يعني: إنه على طريق الخلق أجمع. (٥) ١١ ـ ما معنى الإقراض من الله تعالى ؟! يقول تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥]، يقول السمعاني: " قيل: يقرض أنبياء الله، فقال الضحاك: معناه: يتصدق لله، وسماه قرضاً؛ لأن الله تعالى قد وعد الثواب عليه " (٦). ومعنى الآية: من الذي يفعل فعلاً حسناً، فيجازيه الله بذلك. (٧)

стр. 424

وقال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [التغابن:١٧]، ذكر السمعاني في تفسير الآية ثلاثة أقوال: أحدها: هو الإنفاق في سبيل الله. والثاني: هو جميع حقوق المال، وسُمي ذلك قرضاً؛ لأن الله تعالى يُثيبهم عليه، ويعطيهم عوضه، فهو بمنزلة القرض. والثالث: أن الإقراض هاهنا، هو قول القائل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. (١) ١٢ ـ ما معنى الاستهزاء من الله تعالى: قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]، ذكر السمعاني فيه أقوالاً في المعنى: الأول: معناه: يجازيهم على صنيعهم، إلا أنه سماه الله استهزاء؛ لأنه جزاء الاستهزاء. الثاني: يستهزئ بهم، أي: يعيبهم، منه قوله تعالى: ﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ [النساء:١٤٠] أي: يُعاب، كذلك هذا. الثالث: أن الله يستهزئ بهم في الآخرة، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يضرب للمؤمنين على الصراط نوراً يمشون به، وإذا وصل المنافقون إليه، حال بينهم وبين المؤمنين، فذلك الاستهزاء بهم. والثاني: أن يقربهم من الجنة، حتى إذا رأوا زهرتها، وحسنها، وبهجتها، واستنشقوا رائحتها، صرفهم عنها إلى النار، فذلك الاستهزاء بهم. (٢) ١٣ ـ ما معنى الرمي من الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، المقصود بالرمي في قوله " وَمَا رَمَيْتَ " أي: بالحصباء التي رمى بها النبي ﷺ فأصابت عيون المشركين، فهذا ليس في قدرة البشر، أن ترمي بالحصباء إلى وجوه جيش، بحيث لا تبقي عين إلا ويصيبها منها، " وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى " بقوته وقدرته. وقيل: معناه: وما بلغت إذ رميت، ولكن الله بلغ، وقيل معناه: وما رميت بالرعب في قلوبهم. (٣)

стр. 425

١٤ ـ ما معنى مقام ربه: فَرَّق السمعاني بين المَقام والمُقام: فقال: " المَقام: موضع الإقامة، والمُقام: فعل الإقامة "، والله جل وعز يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، ويقول: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم:١٤]، فكيف يكون لله مقام؟ يقول السمعاني: " أجمع أهل التفسير أن معناه: ذلك لمن خاف مقامه بين يدي ربه للسؤال والحساب. (١) ١٥ ـ ما معنى الجد في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:٣]: يقول السمعاني: " الجد: العظمة، وهو البخت أيضاً، وهو أب الأب، والمراد به هنا: " جَدُّ رَبِّنَا ": عظمة ربنا، وهذا قول قتادة، وقيل: " جَدُّ رَبِّنَا ": أي: غنى ربنا، وهو قول الحسن، وقيل: " جَدُّ رَبِّنَا " أي: أمر ربنا، وهو قول إبراهيم والسدي. (٢) وقوله ﵊: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (٣)، أي: لا ينفع ذا البخت منك بخته، إذا أردت به سوءاً أو مكروهاً. (٤) ١٦ ـ ما معنى الذكر من الله جل وعز: قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]: أ ـ قيل: ذكر الله ها هنا: بمعنى المدح والثناء عليه، وفي الخبر عن النبي ﷺ : أن الله تعالى يقول: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه) (٥). ب ـ وقيل: الذكر من العبد الطاعة، ومن الله المغفرة والرحمة، ومعناه: فاذكروني بالطاعة، اذكركم بالمغفرة والرحمة. (٦)

стр. 426

١٧ ـ ما معنى الصلاة من الله تعالى: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٣]، ذكر السمعاني ثلاثة أقوال: " اختلفوا في معنى الصلوات من الله تعالى: قال أبو العالية: هو الثناء من الله على عباده، وعن بعضهم: إشاعة الذكر الجميل لهم، وأشهر الأقوال: أن الصلاة من الله تعالى بمعنى: الرحمة والمغفرة" (١). وفسَّرها السمعاني في أكثر من موطن، بالرحمة والمغفرة. (٢) ١٨ ـ ما معنى إمهال الله جل وعز: قال تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الحج:٤٤]، يقول السمعاني: " أي: أمهلت للكافرين، والإمهال من الله؛ هو الاستدراج والمكر " (٣)، والله تعالى يقول في مقام آخر: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف:١٨٢]، قيل: الاستدراج من الله: هو أن العبد كلما ازداد معصية، زاده الله نعمة، وقيل: هو أن يُكثِر عليه النعم، ويُنسيه الشكر، ثم يأخذه بغتة. (٤) وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤]، يقول السمعاني: " الاستدراج في كلام العرب: هو الأخذ قليلاً قليلاً ". (٥) ١٩ ـ ما معنى مدافعة الله عن المؤمنين: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، يقول السمعاني:"والمدافعة عنهم: بحفظهم ونصرتهم، ويُقال: يدافع الكفار عن الذين آمنوا، ويُقال: يُدافع المؤمنين وساوس الشيطان، وهواجس النفوس، ويُقال: يدافع عن الجهال بالعلماء، وعن العصاة بالمطيعين " (٦).

стр. 427

خلاصة الفصل: تبيَّن مما سبق ذكره وإيضاحه، التزام السمعاني بمذهب السلف، في أنواع التوحيد الثلاثة، من جهة الدلالة والاستدلال، وإن كان قوله ﵀ مرجوحاً في بعض المسائل، كمسألة الاسم والمسمى، وتخريج بعض أقواله في إطلاقه التشابه، على بعض نصوص الصفات، وما عدا ذلك، فكان الإمام السمعاني حرباً على أهل الشرك، والبدع، والتأويلات الفاسدة، فقد قَرَّر العقيدة والتوحيد، بأسلوب سهل ميسَّر، بعيد عن الفلسفات والقوانين المنطقية، والأُطر الكلامية، ولذا فقد سلك في بيان تقرير المعتقد الصحيح، منهج السلف في التدليل والبيان، والتوجيه والتقعيد، والرد على الشبهات، بل ربما أورد بعض المشكلات، ورد عليها بأسلوب عقلي مقنع. وكذلك تبيَّن ـ مما سبق ـ أهمية التوحيد بأنواعه الثلاثة، وشرفها، ومنزلتها، فإن " كل آية في القرآن، فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما خبر عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يُعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يُكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خبر عن حكم التوحيد " (١). وتبيَّن لنا خطورة الشرك، وأن أصله وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، إما تعطيل المصنوع عن صانعه، أو تعطيل الصانع عن كماله الثابت له، أو تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد (٢)، وحقيقته: تشبيه الخالق بالمخلوق، أو تشبيه المخلوق بالخالق. (٣)

стр. 428

وتبيَّن لنا وسطية أهل السنة بين طوائف الملة، في توحيد الأسماء والصفات، وأنهم لا يتجاوزون في الوصف القرآن والحديث، وكان مطرف يقول: الحمد لله الذي من العلم به، الجهل بغير ما وصف به نفسه، ويقول سحنون: من العلم بالله، السكوت عن غير ما وصف به نفسه. (١) ويُخشى على من جحد التوحيد، وعَبَد غير الله تعالى، وانغمس في المعاصي، أن يكون ممن مكروا السيئات، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:٤٥]، يقول السمعاني: " مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ " يعني: فعلوا السيئات، وذلك: جحدهم التوحيد، وعبادتهم غير الله، وعملهم بالمعاصي، وقد قالوا في هذا الموضوع: هو السعي بالفساد، وما قلناه أفسد الفساد " (٢). وتبيَّن ـ فيما سبق ـ أن بين أنواع التوحيد الثلاثة، إما علاقة تضمن والتزام، وإما علاقة شمول: فعلاقة الشمول، بمعنى أن توحيد الأسماء والصفات شامل لنوعي التوحيد الآخرين، من جهة الإقرار، فإن من أقرَّ بأسمائه وصفاته، ضمن ذلك الإقرار، بأن الله هو الرب والإله. وأما علاقة التضمن واللزوم: فإن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية والربوبية متضمن لتوحيد الأسماء والصفات، ومن اعتقد أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، الصفات العلى، لزمه اعتقاده رباً وإلهاً. (٣)

стр. 429

الفصل الثاني: الإيمان بالملائكة المبحث الأول: تعريف الملائكة، وأسماؤهم المطلب الأول: تعريف الملائكة المطلب الثاني: أسماء الملائكة المبحث الثاني: أعمال الملائكة وصفاتهم المبحث الثالث: مسائل في الملائكة المطلب الأول: التفضيل بين الملائكة والبشر المطلب الثاني: هل الملائكة يموتون؟ المطلب الثالث: الاختلاف في البرق والرعد المبحث الرابع: الإيمان بالجن والشياطين المطلب الأول: تعريف الجن والشياطين المطلب الثاني: أعمال الشياطين وأحوالهم، وصفاتهم المطلب الثالث: أعمال الجن، وأحوالهم، وصفاتهم المطلب الرابع: مسائل في عالم الجن والشياطين

стр. 430

الفصل الثاني: الإيمان بالملائكة: مدخل: الملائكة من عالم الغيب الذي يجب الإيمان به واعتقاده، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، يقول ابن عباس: الغيب كل ما أُمرت بالإيمان به، مما غاب عن بصرك، وذلك مثل الملائكة (١). وقد أثنى الله جل وعلا على ملائكته، فقال سبحانه: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧]، يقول السمعاني: " هذا ثناء من الله على الملائكة ... معناه: أنهم لا يُخالفونه، لا قولاً، ولا عملاً، ويُقال: إذا أمر بأمر أطاعوه، فإذا قال لهم: افعلوا، قالوا: طاعة" (٢). وقد أجمع العلماء على أن الملائكة حق، واتفقوا على أنهم كلهم مؤمنون فضلاء (٣)، وأنهم مجبولون على طاعة الله ، معصومون من الغلط (٤).

стр. 431

والإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان عبد حتى يقر ويعترف، بأن لله تعالى ملائكة خلقهم من نور، ويؤمن بما ورد من صفاتهم في الكتاب والسنة، ولذا حكم الله جل وعز بكفر من أنكر الملائكة، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦]، فمن صفات المؤمنين التي ذكرها القرآن: أنهم يؤمنون بالملائكة، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، يقول الرازي: " من الأصول المعتبرة في الإيمان: الإقرار بالملائكة، كما قال تعالى: " وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ "، والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم، تارة على سبيل الإجمال، وأخرى على طريق التفصيل " (١). يقول القصري: " واعلم ـ رحمك الله ـ أن الإيمان بالملائكة واجب، كالإيمان بالرسل، والجاحد للملائكة كافر، لا يُقبل إيمانه؛ لأنه يكذب بكتب الله ورسله، وعددهم لا يحصيهم إلا الله ﵎ " (٢). والإيمان بالملائكة ينتظم ثلاثة أمور: ١ ـ التصديق بوجودهم. ٢ ـ إنزالهم منازلهم. ٣ ـ الاعتراف بأن منهم رسلاً يرسلهم الله إلى من يشاء من البشر. (٣) وذكر القصري أوصافهم، وقال: " واعلم أن أوصافهم ستة أوصاف، هي جامعة كل فضيلة: ١ ـ العلم الكامل، ٢ ـ العفة الكاملة عن الشهوات، ٣ ـ الاجتناب للمعصية، ٤ ـ الطاعة الكاملة والامتثال الكامل في كل ما أمر به المعبود ﷻ ، ٥ ـ الذكر الدائم المتصل الذي لا يدخله فتور ولا غفلة، ولا يقطعه سهو ولا نوم، ٦ ـ الأخلاق الحسنة الكاملة " (٤). ثم قال: " فإذا فهمت هذا فاعلم أن الإيمان بهم ﵈ على ثلاثة أضرب: ١ ـ العمل بأعمالهم. ٢ ـ التصديق بوجودهم

стр. 432

٣ ـ التشبه بهم في أوصافهم وأفعالهم وعلومهم " (١). وقد جرى السمعاني في تقريره لهذا الركن مجرى السلف، فسلك المسلك الواضح البين الذي جاء تفصيله في النصوص، بعيدا عن النظرات الفلسفية التي تنظر إلى هذه العوالم، نظرة مباينة للشرع. وعالم الغيب يشمل كذلك عالم الجن والشياطين، ولذا أولاها السمعاني عناية خاصة، وظهر اهتمامه في إبراز مسائل هذا الركن من عدة جهات: ١ - التعريف بهم، وذكر أسمائهم وأوصافهم، والتعريج على بعض أعمالهم. ٢ - تحقيق بعض المسائل المتعلقة بهم: - المفاضلة بين الملائكة والبشر. - هل الملائكة يموتون؟ - تعلق الرعد والبرق بالملائكة. ٣ - التعريف بالجن والشياطين، وذكر أوصافهم وأحوالهم، وشيء من أعمالهم. ٤ - تحقيق بعض المسائل المتعلقة بهم: - هل إبليس من الملائكة؟ - هل من الجن رسل؟ - هل الجن يدخلون الجنة؟ - حول إمكان وطء الجني الأنسية؟ والمقصود هنا حصر جهد السمعاني في هذا الباب مما ورد في التفسير، وذكر آرائه المتعلقة به، بعيدا عن استقصاء المسائل المفضي إلى الترهل البحثي، إلا ما كان له تعلق بموضوع البحث. وبعد استقراء آراء السمعاني، يظهر توافقه مع المنهج القرآني الذي انبثق عنه منهج السلف، فهو لا يتحيز مع رأي دون رأي، إلا ما كان موافقا للمنقول والمعقول، وهذا كذلك يُظهِر تجرد السمعاني للحق وبعده عن الأهواء وشهوات النفس. وآراء السمعاني تأتي متوافقة لأصول السلف في هذا الباب، إلا ما كان من مسائل اجتهادية هي محل بحث ونظر، لا تُخرجه عن الأصل الأصيل في متابعته لمنهج السلف.

стр. 433

المبحث الأول: تعريف الملائكة، وأسماؤهم: المطلب الأول: تعريف الملائكة: قال السمعاني: " الملائكة: جمع الملك، وأصل الملك: مألك، فقلبت الهمزة، فصار مالك، ثم أسقط الهمزة فصار ملك. واشتقاقه من الألوكة، وهي الرسالة، ومثلها: المالكة، والمألكة، قال الشاعر (١): (ألِكِني إليها وخيرُ الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر) أي: أرسلني إليها " (٢).

стр. 434

يقول ابن الأنباري: " الملائكة: سميت ملائكة؛ لتبليغها رسائل الله ، إلى أنبيائه ـ صلوات الله عليهم ـ. أُخذوا من الألوك، وهي الرسالة، ويُقال لها أيضاً: مألَكة، ومألُكة، وقوم يقلبون فيقولون: مَلأَكاً، ويقولون: هو ملك من الملائكة، وهو مَلأَك من الملائكة، فمن قال: ملأك، أخرج الحرف على أصله، ومن قال: ملَك، حوَّل فتحة الهمزة إلى اللام، وأسقط الهمزة، ويُقال: هم الملائكة، وهم الملائك، بغير هاء " (١). وفي الكليات: " والمتولِّي من الملائكة شيئاً من السياسة، يُقال له (مَلَك) بفتح اللام، ومن البشر يُقال له (ملِك) بكسرها، فكل ملك ملائكة، وليس كل ملائكة ملكاً " (٢). فالملائكة: " أجسام لطيفة نورانية، قادرة على التشكلات بأفكار مختلفة، كاملة في العلم والقدرة على الأفعال الشاقة، شأنها الطاعات، ومسكنها السموات، هم رسل الله تعالى إلى أنبيائه ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وأمناؤه على وحيه " (٣). ويقول الإمام ابن تيمية: " الملائكة: رسل الله في تنفيذ أمره الكوني، الذي يُدبِّر به السموات والأرض، وأمره الديني الذي تنزل به الملائكة " (٤). أما الفلاسفة المنتسبون إلى المسلمين فيقولون: إن الملائكة هي العقول، والنفوس المجردات، وهو الجواهر العقلية. وبعضهم يقول: هي القوى العالمة التي في النفوس، ويقولون: إن جبريل هو العقل الفعَّال، أو هو ما يتخيل في نفس النبي ﷺ من الصور الخيالية، وكلام الله ما يُوجد في نفسه، كما يوجد في نفس النائم. (٥)

стр. 435

ولذا يقول الإمام ابن تيمية: " وأما أهل الملل، ومن علم ما أخبر الله به من صفات الملائكة، فيعلمون قطعاً، أن الملائكة ليست المجردات التي يُثبتها هؤلاء " (١)، ثم يقول: "وهذا مما يَعَلمه كل من له علم، بما جاء به الرسول، أنه من أعظم الأمور تكذيباً للرسول ﷺ ، ويعلم أن هؤلاء أبعد عن متابعة الرسول ﷺ من كفار اليهود والنصاري " (٢). المطلب الثاني: أسماء الملائكة: الواجب الإيمان بالملائكة على وجه الإجمال، من علمنا منهم، ومن لم نعلم، وأما من علمنا أسماءهم، وأوصافهم، وأعمالهم، فوجب الإيمان بهم على وجه التفصيل، وهو جزء من الإيمان بالملائكة. والملائكة لا يَعلم عددهم، ولا يُحصي عُدَدهم، إلا الله جل وعلا، قال : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدَّثر:٣١]، " أي: له من الجنود، سوى هذا العدد، ما لا يعلم عددها إلا الله" (٣). وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النجم:٢٦]، روى كعب الأحبار أنه قال: ما من موضع شبر في السماء، إلا وفيه ملك قائم، أو ساجد، وقد رُوي مثل هذا في الأرض عن غيره، وكم في اللغة للتكثير " (٤). والملائكة الذين ورد ذكر أسمائهم في القرآن الكريم كثير، وليس الغرض مجرد السرد المحض لأسمائهم، فهو مبثوث في كثير من الكتب والمصنفات، لكن المقصود بيان اهتمام السمعاني بهذا الركن، وأن تحقيقه مبني على المعرفة، وأن الإيمان بهم واجب حسبما ورد في النصوص، خلافا لمن يعدون جبريل عدوا، أو من يزعمون أن جبريل خان الرسالة فأنزلها على محمد ﷺ ولم ينزلها على علي ﵁، ونحو ذلك من الأفكار المنحرفة عن الشرع، وأنه يجب الإيمان بمن سًمي، والوقوف عنده، وعدم البحث عما وراء ذلك.

стр. 436

١ ـ جبريل ﵇: ونُجمل ما ذكره السمعاني، عن جبريل ﵇، في النقاط التالية: أ ـ أن اسم جبريل فيه أربع قراءات: (جَبرِيل: على الكسر واللين ـ وجَبريل: على الفتح واللين ـ وجبرئيل: على الفتح والهمزة، والإشباع ـ وجبرئيل: على الفتح والهمزة، ومن غير إشباع). وجبر بمعنى العبد، وئيل: اسم الله، ومعناه: عبدالله أو عبدالرحمن، كذا قال ابن عباس، والحسن بن علي ﵃. فجبريل على وزن: قنديل، وبرطيل، وزنبيل، وجبرئيل على وزن عندليب، وجَبْريل لا مثال له. (١) ب ـ وصف الله جل وعلا جبريل بعدة صفات: ١ ـ روح القدس: قال تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٨٧]، قال الحسن وقتادة، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس: أنه أراد جبريل، يقول السمعاني: " وأما جبريل: فإنما سُمي روحاً؛ للطافته، أو لمكانه من الوحي الذي هو سبب لحياة القلوب. وأما القدس: قيل: إنه نعت لجبريل. وأصل القدس: الطهارة ... وإنما وصف جبريل بالقدس؛ لأنه لم يقترف ذنباً قط، وكان طاهراً من الذنوب " (٢). ٢ ـ الأمين: قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣]، قال السمعاني: " والروح الأمين: هو جبريل ﵇ وسُمي أميناً؛ لأنه أمين الله على وحيه " (٣). ٣ ـ مكين: قال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠]، " هو بمعنى المكانة، أو المنزلة عند الله تعالى. وذي العرش: هو الله تعالى " (٤). ٤ ـ كريم: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، أي: رسول كريم على الله تعالى، وقيل: إنه جبريل، وقيل: إنه محمد ﷺ (٥). ٥ ـ القوة: قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥]، يقول السمعاني: " أكثر أهل التفسير على أن المراد به جبريل ﵇، والقوى جمع القوة " (٦).

стр. 437

٦ ـ ذو منظر حسن: قال تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٦]، روي هذا عن الحسن، وقال السمعاني:" وقال غيره: وهو الأولى: ذو قوة، يُقال: حبل مري، أي: محكم الفتل" (١). ج ـ أن جبريل ﵇، كان يأتي إلى النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي (٢)، وأما رؤيته في صورته الحقيقية، فإن النبي ﷺ ما رآه في صورته التي خُلق عليها إلا مرتين: مرة بالأفق الأعلى، وكان ذلك عند ابتداء الوحي، وقال أهل المعاني: كان ذلك شبه آية، أراها النبي ﷺ ؛ ليعلم أنه من الله، والمرة الثانية: رآه عند سدرة المنتهى ليلة المعراج (٣)، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨]، قال ابن مسعود: أي: جبريل وله ستمائة جناح، قد سد الأفق، وفي رواية ينتشر من ريشه الدر والياقوت والتعاويذ، وفي رواية أخرى عن ابن مسعود: أنه رأى رفرفا أخضر، قد ملأ الأفق (٤) (٥). د ـ لِمَ استعاذت مريم ﵍ من جبريل ﵇ في قولها:" قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا" [مريم:١٨]، وإنما يستعاذ بالرحمن من الشخص إذا كان فاجراً، فأما إن كان متقياً لا يكون محل الإستعاذة منه؛ لأنه متق لايقدم على الفجور؟ والجواب من أوجه: ١ - أن هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلمني، يعني: أنه ينبغي أن يكون إيمانك مانعا من الظلم، كذلك هاهنا معناه، ينبغي أن يكون تقواك مانعا من الفجور. ٢ - وقيل: إنها شكت في حاله، فقالت ماقالت على الشك.

стр. 438

٣ - وقيل: إن كنت متقيا يعني: ماكنت متقيا جئت وقلت عليَّ في هذه الحالة، وهذا مثل قوله تعالى:" قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ" أي: ماكان للرحمن ولد. ٤ - وقال بعض السلف: إن كنت متقيا، علمت أن التقى ذو نُهية، أي: ذو عقل، فلهذا قالت: إن كنت تقيا (١). هـ ـ أن جبريل ﵇ موكل بحفظ الوحي وإيصاله إلى الأنبياء ﵈، وكذلك موكل بنصرة الأنبياء وعذاب الكفار (٢). و ـ وجبريل ممن اصطفاه الله جل وعز، قال تعالى:" اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ" [الحج:٧٥]، يقول السمعاني: "أما من الملائكة فهم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وغيرهم" (٣). ٢ - ميكائيل ﵇ -: قال تعالى:" مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ" [البقرة:٩٨]، فهنا قال تعالى:" وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ" وإن دخل في جملة الملائكة الرسل لكن خصهما بالذكر تشريفا (٤)، وكان ميكائيل موكلا بالقطر والنبات (٥)، والرزق والرياح (٦). ٣ - إسرافيل ﵇ -: نصَّ على اسمه الإمام السمعاني في أكثر من موضع تفسيره إلا أنه لم يرد باسمه الصريح إلا في السنة، فكان النبي ﷺ يستفتح صلاته من الليل: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (٧). وإسرافيل هو الملك الموكل بالنفخ في الصور، قال تعالى:" فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ " ... [المؤمنون:١٠١]، يقول السمعاني: "والصحيح أن الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل" (٨).

стр. 439

٤ - ملك الموت ﵇ -: قال تعالى:" قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ " [السجدة:١١]، يقول السمعاني: "ملك الموت هو عزرائيل" (١)، وهو موكل بقبض الأرواح (٢)، ولم يرد في شيء من الصحاح شيء يعتمد في هذه اتسمية، فهي من قبيل الإسرائليات التي تُذكر، مع شهرته الواسعة بهذا الاسم في كتب التفسير، قال ابن كثير: وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل، والله أعلم (٣) وأما معنى التوفي: فهو استيفاء العدد، ومعناه: أنه يقبض أرواحهم حتى لايبقى أحد من العدد الذين كتب موتهم (٤). وأورد السمعاني سؤالا مفاده، كيف وجه الجمع بين الآية السابقة:" قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ"وهو واحد، وقوله تعالى:" تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا" [الأنعام:٦١]، وقوله تعالى:" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ" [النساء:٩٧]؟! أجاب عنها السمعاني بجوابين: (٥) أ ـ قيل أورده بلفظ الجمع، والمراد به الواحد، ومثله شائع في كلام العرب. ب ـ وقيل: إن لملك الموت أعوانا، فلعله أراده مع أعوانه، فلذلك ذكر بلفظ الجمع، وأعوانه لايصدرون إلا عن أمره، ولذلك نسب الفعل إليه. وقد أشار السمعاني إلى تفصيلات وقصص، هي من قبيل الإسرائليات عن ملك الموت وأعوانه، فذكر مجيء ملك الموت إلى نوح ويعقوب ﵉ ومحادثته لهما، وهذا ورد مثيله في السنة المطهرة من مجيء ملك الموت إلى موسى ﵇ واستئذانه في قبض روحه، فضربه موسى ففقأ عينه، كما هو مشهور في الحديث، وعليه فلا يُستبعد ما ذكره السمعاني، لكن تُحكى على أنها من قبيل الإسرائليات.

стр. 440

٥ - ملك اليمين والشمال: قال تعالى:" مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" [ق:١٨]، يقول السمعاني: قال الحسن: يكتب الملكان كل شيء حتى قوله لجاريته: اسقني الماء، وناوليني نعلي، أو اعطيني ردائي، ويقال: يكتب كل شيء حتى صغيره بشرب الماء. وأعلم أن ملك اليمين يكتب الحسنات، وملك الشمال يكتب السيئات، واليمين محبوب الله ومختاره، قال تعالى:" وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ " [الانفطار:١٠ - ١١]، وهم الملائكة يقعدون عن يمين الإنسان ويساره فيكتبون ماعليه وله. وقيل: واحد عن يمينه، وواحد عن يساره، وقيل: إن الذي عن يمينه أمين على الذي عن يساره لا يكتب إلا بإذنه، وقال تعالى: " ن وَالْقَلَمِ وَمَايَسْطُرُونَ" [القلم:١] قيل: مايكتبون من أعمال بني آدم يعني الملائكة " (١). ٦ - حملة العرش: قال تعالى:" الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ" [غافر:٧]، يقول السمعاني: "ذكر النقاش: أن حملة العرش الكروبيون وهم سادة الملائكة، وفي بعض التفاسير أن أقدامهم في تخوم الأرضين، والأرضون والسماوات إلى حجزهم، وهم يقولون: سبحان ذي العز والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لايموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح " (٢). ٧ - هاروت وماروت: ذكر السمعاني خلافا فيها هل كانا ملكين أم رجلين أم قبيلان من الجن؟ وقال: "والصحيح: أنهما كانا ملكين، وهو القراءة المعهودة " (٣). وأورد السمعاني: كغيره من المفسرين قصة الملكين: وذلك أن الملائكة تعجبوا من كثرة معاصي بني آدم، فقال لهم الله، لو أنزلتكم إلى الأرض، وركبت فيكم ما ركبت فيهم، لفعلتم مثلما فعلوا، فاختاروا من خيارهم ملكين: هاروت وماروت فأنزلهما الله تعالى إلى الأرض، وأخذ عليهما أن لا يشركا ولا يقتلا ولا يزنيا، قال كعب: فما مضى عليهما اليوم إلا وفعلا الكل (٤). وقد حكى السمعاني قولين في وقوع المعصية من الملائكة:

стр. 441

الأول: عدم وقوع ذلك منهم، استنادا لقوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم). والثاني: صحة وقوع ذلك منهم، ونسبه لأهل السنة، واستدل بقصة إبليس فإنه كان من الملائكة، وبقصة هاروت وماروت وكانا من الملائكة، وأما الآية السابقة، فيجوز حملها على طائفة منهم، أو في زمان مخصوص (١). ولكن ضعف هذه القصة جماعة من العلماء: فقال ابن حزم عن القصة أنها " كذب مفترى " (٢). وقال القاضي عياض: "لم يرو فيها شيء، لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله ﷺ " (٣). وقال ابن عطيه: "وهذا كله ضعيف " (٤)، وقال الرازي: إن القصة التي ذكروها باطلة (٥)، وقال: " واعلم أن هذه الرواية فاسدة، مردودة، غير مقبولة؛ لأنه ليس في كتاب الله مايدل على ذلك، بل فيه ما يبطله من وجوه " (٦). وقال القرطبي: "هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمرو وغيره، لايصح منه شيء، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة، الذين هم أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله، لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " (٧)، وقال ابو حيان: "وهذا كله لا يصح منه شيء " (٨). وقال البيضاوي: "فمحكي عن اليهود، ولعله من رموز الأوائل، وحله لايخفى على ذوي البصائر " (٩).

стр. 442

وذهب جماعة من العلماء إلى ثبوتها، ومنهم السمعاني كما ذكرنا، وأفاض الطبري في ذكر الروايات الدالة على هذه القصة (١)، ونافح عنها الهيثمي (٢)، والشوكاني (٣)،وجماعة، قال الحافظ بن حجر: "وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، من حديث ابن عمر في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها بحيث يقضي بمجموعها، على أن للقصة أصلا، خلافا لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه " (٤). وقد ذكر الرازي وغيره أوجها من بطلان هذه القصة، حتى قال الرازي: فهذه القصة قصة ركيكة، يشهد كل عقل سليم بنهاية ركاكتها (٥)، فمن أوجه بطلانها: ١ - أنهم ذكروا في القصة: أن الله تعالى قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت بنا ذلك يارب لما عصيناك، وهذا منهما تكذيب لله تعالى، وتجهيل له، وذلك من صريح الكفر. ٢ - في القصة أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب، والله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره، وبالغ في إيذاء أنبياءه. ٣ - في القصة أنهما يعلمان السحر حال كونهما مُعَذبين، ويدعوان إليه وهما معاقبان على المعصية. ٤ - أن المرأة الفاجرة كيف يُعقل أنها لما فجرت صعدت إلى السماء وجعلها الله تعالى كوكباً مضيئاً، وعظَّم قدره؛ بحيث أقسم به، حيث قال:" فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ" [التكوير:١٥ - ١٦] (٦)، ولذا ذهب العلماء في تخريج هذه القصة إلى أقوال: أ ـ ذهب بعضهم إلى أنهما كانا رجلين متظاهرين بالصلاح والتقوى من أهل بابل، وكانا يعلمان الناس السحر، وبلغ حسن اعتقاد الناس بهما أن ظنوا أنهما ملكان من السماء، وما يعلمانه هو بوحي من السماء (٧).

стр. 443

ب ـ وذهب بعضهم: إلى أنهما قبيلان من الجن، واستغربه ابن كثير (١)، وضعفه ابن حجر (٢). ج ـ وذهب بعضهم: إلى أنهما ملكين أنزل الله عزوجل عليهما شريعة حق، تم مسخها فصارت كفراً، فتمادى الشياطين على تعليمهما، وهي بعد كفر (٣). د ـ أن حاصل كل ماورد من تفاصيل القصة، راجع إلى أخبار بني إسرائيل، فليس منها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لاينطق عن الهوى، وأن ظاهر سياق القصة في القرآن الإجمال من غير بسط ولا إطناب، فنؤمن بما ورد في القرآن على ما أراد الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال، وهذا ما ذهب إليه ابن كثير (٤). هـ ـ ذهب بعضهم: إلى أنهما ملكان أنزلهما الله تعالى إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر اختباراً للعباد بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسن الرسل، وأنهما مطيعان في ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به، وهذا ما ذهب إليه الطبري، وقال عنه ابن كثير: "وهذا الذي سلكه غريب جدا " (٥). واختار هذا القول لجنة الفتوى في السعودية، إلا أنهم ردوا ماورد من القصص في مسخهما، وأنهما معلقان من شعورهما، فقالوا:"فكل هذا وأمثاله من كلام الكذابين من القصاص" (٦).

стр. 444

المبحث الثاني: أعمال الملائكة وصفاتهم: ذكر السمعاني في تفسيره، أعمال الملائكة وصفاتهم، وهي كثيرة نجملها فيما يلي: ١ - قال تعالى في بيان أعمال الملائكة الكرام:" وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا " [النازعات:١ - ٥]، فهنا أشار الباري جل وعلا إلى جملة من أعمالهم:

стр. 445

" وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ": الملائكة تنزع الكفار بشدة، وهو قول ابن عباس، وروي عن ابن مسعود، ثم قال:"وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا"أي: الملائكة تنشط أرواح الكفار، أي: تجذبها بسرعة، ويُقال: تجذب روح الكفار كما يجذب السفود من الصوف الرطب، وقيل: إن معنى الناشطات: أخذ الملائكة أرواح المؤمنين بسهولة، كما ينشط البعير من العقال. وقوله:" وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا" أي: الملائكة تسير من السماء والأرض، ثم قال:" فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا"أي: أن الملائكة تبادر إلى الأعمال الصالحة والخيرات، ثم قال:" فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا " وهي الملائكة في قول الجميع، ومعنى التدبير من الملائكة: هو ماجعل الله إليها من الأمور، فإلى جبريل الجنود، وإلى ميكائيل القطر والنبات، وإلى عزرائيل قبض الأرواح، وإلى اسرائيل النفخ في الصور (١) ' قال تعالى:" بِأَيْدِي سَفَرَةٍ " وهم الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله وبين رسوله (٢). ٢ - ويأتون بالفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، قال تعالى:" فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا" [المرسلات:٤] وهو قول أكثر المفسرين (٣). ٣ - أنهم كرام على الله تعالى مطيعون له، قال تعالى:"كِرَامٍ بَرَرَةٍ" [عبس:١٦]، فقوله:"كِرَامٍ" صفة الملائكة، أي: كرام على الله، وقوله:" بَرَرَةٍ"أي: مطيعين (٤). ٤ - طاعتهم الدائمة لله جل وعلا: قال تعالى:" قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ" [البقرة:٣٠]، فمعناه: أننا نظهر أنفسنا بطاعتك والثناء عليك. وهل ماقالته الملائكة فيه وجه اعتراض، ومفاخرة بالعمل؟!

стр. 446

قال السمعاني: أما قولهم:" أَتَجْعَلُ فِيهَا"معناه: أنت جاعل فيها على سبيل التقدير، وقالوا: إنما قالوه على سبيل التعجب، طلبا لوجه الحكمة فيه، وأما قوله:" وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ" ليس على سبيل التفاخر، بل معناه: أنه إذا أفسدوا وسفكوا الدماء فنحن نبقى على هيئة التسبيح والتقديس أم لا؟ قال:" قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (١). وقال سبحانه عن عبادتهم:" وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ" [الأنبياء:١٩ - ٢٠]، فهم يسبحون دائما لايضعفون ولا يفنون، واعلم أنه ليس عند الملائكة ليل ولا نهار، وإنما المراد بذكر الليل والنهار هاهنا: الدوام على التسبيح (٢). وقال تعالى:" وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [النحل:٤٩ - ٥٠]، يقول السمعاني: "ويُقال: ولله يسجد مافي السموات من الملائكة، ومافي الأرض من دابة، فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا المعنى؟، وقد قال بعده " وَالْمَلَائِكَةُ"؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أنه خصهم بالذكر تشريفا لهم، والآخر: أن المراد من الملائكة المذكورين أخيرا هم ملائكة الله في الأرض، يعبدون الله ويسبحونه" (٣). وأثنى الله جل وعلا على الملائكة بأنها تصف عند ربها في السماء، قال تعالى:" وَالصَّافَّاتِ صَفًّا" [الصافات:١]، يقول السمعاني: "أنهم الملائكة ... والملائكة صفوف في السماء يذكرون الله تعالى ويذكرهم" (٤). وكذا قال تعالى:" فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا" [الصافات:٣]، قال السمعاني: " ذهب أكثرهم أن المراد بها: الملائكة وهي تتلو ذكر الله" (٥).

стр. 447

وقال تعالى:" وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ" [الصافات:١٦٤]، هذا خبر عن الملائكة،" وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ" [الصافات:١٦٥]،أي: المصطفون في السماء للعبادة،" وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ" [الصافات:١٦٦]،أي: الممجدون لله، المنزهون إياه عما لايليق به (١). وقال تعالى:" فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ" [فصلت:٣٨]، " أي: لا يملون، وعن كعب الأحبار أنه قال: التسبيح للملائكة، كالنفس والطرف لبني آدم، كما لايلحق الآدمي تعب في الطرف والنفس، فكذلك لايلحقهم التعب بالتسبيح " (٢). ٥ - أنهم معصومون، قال تعالى:" إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي " [يوسف:٥٣] يقول السمعاني: وقوله:" إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي" وفيه معنيان: ..... والقول الثاني: هم الملائكة؛ فإن الله تعالى لم يركب فيهم الشهوة وخلقهم على العصمة من الهم وغيره (٣). ٦ - أنهم يستغفرون لمن في الأرض، قال تعالى:" وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ " [الشورى:٥]، معناه: للمؤمنين الذين في الأرض، وهذا محكي عن ابن عباس، واللفظ عام أريد به الخاص، وقيل: إن الذين يستغفرون للمؤمنين حملة العرش خاصة على ماذكر الله في سورة المؤمنين، وقيل: هم جميع الملائكة، قال تعالى:" هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ" [الأحزاب:٤٣]، وصلاة الملائكة بمعنى الاستغفار للمؤمنين (٤).

стр. 448

٧ - قتال الملائكة مع المؤمنين يوم بدر، قال تعالى:" إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ" [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٥]، وكان هذا يوم بدر، قال ابن عباس:: ماقاتلت الملائكة في معركة إلا يوم بدر، وأجمعوا على أن عدد الملائكة يومئذ خمسة آلاف (١). وقال تعالى:" إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ" [الأنفال:١٢]، روي أن الملك كان يمشي بين أيديهم وينادي: أيها المسلمون أبشروا بالظفر والنصر، وقيل: وقيل: كان يلهمهم الملك ذلك، وللملك إلهام، وكان ذلك يوم بدر (٢). وفي يوم حنين أنزل الله ملائكته لا للقتال؛ لأن المروي أن الملائكة لم تقاتل إلا في يوم بدر، ولكن نزلت لتجبين الكفار، وتشجيع المسلمين، قال تعالى:" ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا" [التوبة: ٢٦]، وكذا في يوم الأحزاب (٣). ٨ - أن الله جل وعلا يرسل ملائكة تحفظ على العباد أعمالهم، وآجالهم، وأرزاقهم (٤)، قال تعالى:" وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً" [الأنعام:٦١].

стр. 449

وقال تعالى:" لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِاللَّهِ " [الرعد:١١] والمعقبات: الملائكة المتداينات، يعني: يذهب بعضها ويأتي البعض في عقبها،" يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِاللَّهِ "يقول السمعاني: "الأكثرون على قوله:" مِنْ أَمْرِ اللَّهِ " ومعناه: أنهم يحفظونه بإذن الله، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه، وفي بعض الآثار: أن الله تعالى يوكل ملائكة بالنائم يحفظونه من الحي والهوام، فإذا قصده شيء قالوا: وراءك وراءك، إلا شيئا قدر أن يصيبه" (١). ٩ - أخبر الله تعالى عن ملائكة النار أنهم غلاظ القلوب، شداد الأيدي (٢)، فقال:" عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [التحريم:٦]. وفي بعض الآثار: أن الله تعالى لم يخلق في قلوب الزبانية شيئا من الرحمة، وعن بعضهم: أنه يأخذ العبد الكافر بعنف شديد، فيقول ذلك العبد: أما ترحمني؟ فيقول: كيف ارحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين (٣). ١٠ - ذكر الله جل وعلا اختصام الملائكة في الملأ الأعلى، وهو كلامهم في أعمال الخير، وأقدار المثوبة فيها، وزيادة بعض الأعمال على بعض في الثواب (٤)، قال تعالى:" مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ" [ص:٦٩]. ١١ - أن الملائكة تفزع وتخاف إذا قضى الله تعالى بأمر من السماء إلى الأرض (٥)، قال تعالى:" وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" [سبأ:٢٣].

стр. 450

المبحث الثالث: مسائل في الملائكة: المطلب الأول: التفضيل بين الملائكة والبشر: أشار السمعاني في تفسيره إلى الخلاف الواقع بين العلماء، في مسألة التفضيل بين الملائكة والبشر، ورجح القول بالتفصيل، وذلك أن عوام المؤمنين الأتقياء، أفضل من عوام الملائكة، وخواص المؤمنين، أفضل من خواص الملائكة (١). فالإمام السمعاني ينحو إلى تفضيل البشر على الملائكة، على التفصيل المذكور، وهذه المسألة محل نزاع عند المتأخرين، حتى كان يُمتحن بهذه المسألة بين أهل السنة والبدعة، يقول الإمام أبو الفرج الشيرازي في جزئه في امتحان السني من البدعي:" يُسأل عن الطائعين من بني آدم، هل هم أفضل من الملائكة، أم الملائكة أفضل منهم؟ فإن قال: الآدميون المطيعون أفضل من الملائكة فهو سني، وإن قال الملائكة أفضل منهم فهو بدعي" (٢)، والقول بتفضيل الملائكة على صالحي البشر منسوب إلى المعتزلة (٣)، وإن كان هذا القول منسوبا إلى المعتزلة، فهل هو شعار لأهل البدع، بمعنى أن من قال إن هذا القول نُسب إليهم، لايلزم ذلك، وإن كان ظهور هذا الخلاف ناشئا بعد تشتت الأهواء بأهلها، وتفرق الآراء، وإلا فإن المستقر عند الأولين، أو هو كالمستقر عندهم، أنهم كانوا يعتقدون أن صالحي البشر أفضل من الملائكة (٤)، وقد حكى ابن حزم الخلاف في المسألة، ورجح تفضيل الملائكة على البشر (٥). وقال الإمام أحمد: "وأن بني آدم أفضل من الملائكة، ويُخطئ من يفضل الملائكة على بني آدم " (٦). وقد حكى الإمام الأشعري الخلاف في التفضيل بين الملائكة والأنبياء فقال: " واختلف الناس هل الملائكة أفضل أم الأنبياء؟ فقال قائلون: الملائكة أفضل من الأنبياء، وقال قائلون: الأنبياء أفضل من الملائكة، والأئمة أفضل من الملائكة أيضا وهذا قول الروافض، وقال قوم من المتنسكين: إنه جائز أن يكون في الناس غير الأنبياء والأئمة من هو أفضل من الملائكة " (٧).

стр. 451

ونقل الكلاباذي (١) عن أهل التصوف في هذه المسألة قولين: ١ ـ سكت جمهورهم عن التفضيل، وقالوا: الفضل لمن فضله الله، ليس ذلك بالجوهر ولا بالعمل، ولم يروا أحد الأمرين، أوجب من الآخر بخبر إلا عقل. ٢ ـ وفضل بعضهم الرسل. ٣ ـ وفضل بعضهم الملائكة (٢). ونُسب القول في تفضيل الملائكة على الأنبياء، إلى المعتزلة والفلاسفة، وهو قول أبي عبدالله الحليمي، والباقلاني (٣). إذن: فالقول الذي رجحه الإمام السمعاني: وهو قول السواد الأعظم من أهل الملة، وهو تفضيل الأنبياء على الملائكة وإن كانوا رسلا، قال السمعاني:" كما ذهب إليه أهل السنة" (٤). ومما استدل به السمعاني في تفضيل الأنبياء على الملائكة: -قوله تعالى:" وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا" [البقرة:٣١]، قال: "إنما علمه ذلك تكريما وتشريفا له، وذلك دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا" (٥). وبين السمعاني بعض أدلة المخالفين ورد عليها ومنها: ١ - قوله تعالى:" لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ " [النساء:١٧٢]، قال السمعاني: "واستدل بهذه الآية من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر؛ لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة، وليس في الآية مستدل، وإنما قال الملائكة المقربون لامتناع مكانهم ومقامهم على مقام البشر، وإنما قال ذلك على ماعند النصارى، ولعله كان عندهم، أن الملائكة أفضل من البشر، فقال ذلك على مافي زعمهم" (٦).

стр. 452

٢ - وقوله تعالى:" قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ " [الأنعام:٥٠]، يقول السمعاني: "واستدل بهذا من فضَّل الملائكة على الآدميين، وليس فيه مستدل، لأن معنى قوله:" وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ "إنما أمر بقول هذا؛ لأن الملك يقدر على مالا يقدر عليه الآدمي، وقيل: لأن الملك يشاهد مالا يشاهده الآدمي" (١)، وعليه فلا مستدل في الآية. ٣ - وقوله تعالى: " مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ " [الأعراف: ٢٠]، قال السمعاني: "وليس في هذا دليل على أن الملك أفضل من الآدمي؛ لأن معناه والله أعلم أنهما رأيا الملائكة في أحسن صورة، وأرفع منزلة، وفي تسبيح دائم من غير تعب ولا شهوة، فتمنيا أن يصلا إلى تلك المنزلة لو أكلا من تلك الشجرة ويتخلصا من التعب ومن شهوة البشرية " (٢)، فليس فيها دليل على التفضيل، وقد أطال السيوطي في تفصيل المسألة، وتفريع صورها، وبيان دلائلها في كتابه: الحبائك في أخبار الملائك. المطلب الثاني: هل الملائكة يموتون أم لا ؟! ذكر السمعاني في تفسيره نقلا عن الكلبي وغيره، أن الموت يلحق الملائكة، قال تعالى: "فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ " [الزمر:٦٨]، قال السمعاني في قوله:" مَن شَاءَ اللَّهُ " قولان: أحدهما: الشهداء، والآخر: أنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وفي تفسير الكلبي وغيره: لا يبقى إلا هؤلاء بعدما ينفخ في الصور، ثم إن الله تعالى يقبض روح ميكائيل، ويقبضه ملك الموت ثم روح إسرافيل ثم روح ملك الموت، ثم يكون آخرهم موتا جبريل ﵇ فيسقطون ويكون فضل جبريل ﵇ كفضل الجبل على الظراب " (٣).

стр. 453

وما ذكره السمعاني من موت الملائكة وإمكانه، هو ماحكاه شيخ الإسلام ابن تيمية إجماعاً فأجاب حين سئل عن موت الملائكة:"الذي عليه أكثر الناس، أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة، والمسلمون واليهود والنصارى على إمكان ذلك، وقدرة الله عليه" (١)، إلا أنه أنكر ماذُكِرَ من نزول الملائكة إلى الأرض، وأنهم يعبدون الله فيها ويموتون فيها، وقال: "لا أصل لذلك" (٢). وعلى هذا تتابع قول العلماء واستفاض: يقول القصري: "قال الله عزوجل:" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ " [الزمر:٦٨]، أي الملائكة، مثل: ملك الموت وغيره، ثم يموتون بعد ذلك، قال تعالى:" كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ" [الرحمن:٢٦]،" كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" [القصص:٨٨] " (٣). ويقول ابن القيم: "لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلا هذا، وحديث إسماعيل بن رافع الطويل، وهو حديث الصور، وقد يستدل عليه بقوله تعالى:" " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ " [الزمر:٦٨] " (٤).

стр. 454

وفي اتحاف الجماعة معلقا على كلام ابن القيم: "وقد تقدم حديث عبدالله بن مسعود ﵁ قال: (يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك)، رواه الطبراني والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لايقال من قبل الرأي، إنما يُقال عن توقيف. وهذا الحديث يؤيد ماجاء في حديث أبي رزين، وحديث اسماعيل بن رافع، من النص على موت الملائكة إذا نفخ في الصور، والله أعلم" (١).وروي عن مقاتل مثل هذا القول (٢). ويقول السيوطي: "سُئلت هل تموت الملائكة بنفخة الصور، ويحيون بنفخة البعث؟ والجواب: نعم" (٣). وهل في دعاء النبي ﷺ : (أنت الحي الذي لايموت والجن والإنس يموتون)، دلالة على عدم موت الملائكة؟! لايلزم ولا حجة فيه؛ لأنه مفهوم لقب، ولاعبرة به، وعلى تقديره فيعارضه ماهو أقوى منه، وهو عموم قوله تعالى:" كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" مع أنه لامانع من دخولهم في مسمى الجن، بجامع مابينهم من الاجتنان عن عيون الناس (٤). وذهب ابن حزم إلى إنكار موت الملائكة، وعلل ذلك: بعدم وجود نص في المسألة، ولا إجماع (٥). نقول: أما الإجماع فقد حكاه الإمام ابن تيمية (٦)، وأما النص فقد ورد في السنة مايدل عليه، ففي حديث لقيط بن عامر مطولا وفيه: (يلبثون مالبثتم ثم تبعث الصائحة، فلعمر إلهك، ماتدع على ظهرها من أحد إلا مات، حتى الملائكة الذين مع ربك) (٧).

стр. 455

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذه المسألة، وذكر أنه إنما يُخالف فيها طوائف المتفلسفة أتباع أرسطو وأمثالهم، ممن زعم أن الملائكة هي العقول والنفوس، وأنه لا يمكن موتها بحال؛ بل هي عندهم آلهة وأرباب هذا العالم (١). المطلب الثالث: الاختلاف في الرعد والبرق: حكى السمعاني خلافا عند المفسرين في معنى الرعد والبرق: أ ـ معنى الرعد: ذكر السمعاني في معناه أقوال: الأول: أن الرعد صوت ملك يزجر السحاب، ونسبه لأكثر المفسرين، قال:" أكثر المفسرين: أن الرعد ملك، والمسموع من الصوت تسبيحه، وهذا مروي عن النبي ﷺ حين سأله اليهود عن الرعد، وذكر فيه أن الصوت، هو زجرة السحاب، وقد حُكي هذا عن ابن عباس، وعلي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وعن قتادة قال: هذا عبد لله تعالى، سامع مطيع" (٢)، وصححه السمعاني. الثاني: أن الرعد اسم الملك. الثالث: هو صوت اختناق الريح إلى السحاب (٣). الرابع: هو صوت اصطكاك الأجرام العلوية. الخامس: أن الرعد هو نطق السحاب (٤). أ ـ معنى البرق: وذكر السمعاني خلافا في معنى البرق: الأول: أن البرق لمعان سوط في يد ملك يضرب به السحاب، يسوقه إليه حيث قدره الله تعالى (٥). الثاني: أن البرق ضحك السحاب (٦). وذكر الطبري في تفسيره أقوال السلف في معنى البرق: ١ ـ جاء عن علي قال: البرق مخاريق الملائكة، وهو مروي عن ابن عباس، قال علي: الرعد الملك، والبرق ضَرْبُه السحاب بمخراق من حديد. ٢ ـ وجاء عن ابن عباس أنه سوط من نور، يزجي به الملك السحاب. ٣ ـ وجاء عن ابن عباس ايضا أنه فسره بالماء. ٤ ـ وقال مجاهد: هو (مَصْعُ) ملك.

стр. 456

ثم قال الطبري: "وقد يحتمل أن ماقاله علي بن أبي طالب، وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد، وذلك أن تكون المخاريق التي ذكر على أنها البرق: هي السياط التي هي من نور التي يزجي بها الملك السحاب كما قال ابن عباس، ويكون إزجاء الملك بها السحاب قَصْعَه إياه، وذلك أن المِصَاع عند العرب أصله: المجالدة بالسيوف، ثم تستعمله في كل شيء جُولد به، في حرب وفي غير حرب" (١). وهكذا نجد أن السمعاني ﵀ في باب الإيمان بالملائكة ﵈، خط فيه منهج السلف بعيدا عن كلام الفلاسفة الذين يقولون بالعقول المجردة، وأنها أرواح لا أشخاص، ليس لهم حركات ولا أعمال البتة، فليست هناك ذات منفصلة تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، وترى وتخاطب الرسول ﷺ ، وإنما هي مجرد أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان (٢)، وبعضهم يقول: هي القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد (٣)، وهذه انحرافات عن المنهج الحق. فالسمعاني ذكر أوصاف الملائكة، وأعمالهم، وحركاتهم، وعباداتهم، فهذا كله يدل على أنها أجسام "وكِلوا بأمور، عرفهم الله عزوجل العمل بها" (٤). يقول الله جل وعلا:" مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ" [الحجر:٨]، يقول السمعاني: "الحق الذي تنزل به الملائكة هو الوحي، وقبض أرواح العباد، وإهلاك الكفار، وكتبة الأعمال، وما أشبه ذلك" (٥).

стр. 457

فهذا من أعمال الملائكة التي وكلوا بها، إلا أنهم صُمُد، بمعنى أنهم لا يأكلون (١)، ولا يشربون ولا يناكحون، ولا ذرية لهم (٢)، وقد نقل الرازي الاتفاق على ذلك، فقال: "اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولاينكحون، يسبحون الليل والنهار لايفترون" (٣)، وقال السفاريني: "وقد حكى غير واحد من محققي العلماء: الاتفاق على أن الملائكة لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون" (٤). ولما كان للملائكة مقام عليٌّ عند الله ذكرهم بالتقريب والكرامة (٥)، فقال سبحانه:" إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ " [الأعراف:٢٠٦].

стр. 458

المبحث الرابع: الإيمان بالجن والشياطين: مدخل: الإيمان بوجود الجن والشياطين، ومالهم من الأحوال التي جعلهم الله تعالى عليها، هي من عقيدة المسلم، وهي جزء من الإيمان، وهو يدخل تحت الإيمان بالغيب الذي أخبر الله جل وعلا عنه، وهذا مما اتفق عليه علماء الأمة، يقول الإمام ابن تيمية:" لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن" (١)، وأجمع المسلمون من أهل السنة على الإيمان بالجن، وعلى أن لهم ثوابا وعليهم عقابا، وعلى أنهم مأمورون مكلفون" (٢)، وقال الرازي: "وقد يتصل بأحوال الملائكة، أحوال الجن والشياطين" (٣)، فهما يتفقان بأنهم عوالم غيبية لاترى، ولكل صنف أعمال وأحوال وصفات، فالملائكة خلقت من نور، والشياطين من مارج من نار. فالإمام السمعاني أفاض في ذكر أحوال الجن والشياطين، وأخبارهم وصفاتهم، وهو في هذا موافق لإجماع الأمة، يقول السمعاني: "ويُقال: وفي الجن مؤمنون وكافرون، ويحيون ويموتون. وأما الشياطين فليس فيهم مسلم، ويموتون إذا مات ابليس" (٤).

стр. 459

وهو بهذا يرد على كافة الطوائف المنكرة لوجود الجن، سواء أنكرهم إنكارا كليا، وزعم أن الجن هي أرواح الكواكب، وهم قلة من المشركين، أو زعم بأن الجن تعبير عن نوازع الشر في النفس الإنسانية وقواها الخبيثة، أو من تخبط في هذا الباب في هذه الأزمان المتأخرة، ممن زعم أن الجن عبارة عن الجراثيم والميكروبات التي كشف عنها العلم الحديث، أو من زعم التداخل بين عالمي الملائكة والجن والشياطين، وأنهم عالم واحد لا فرق بينهما. (١) المطلب الأول: تعريف الجن والشياطين: يقول السمعاني: "الجان هو ابليس، ويقال الجان أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، وأما ابليس هو أبو الشياطين" (٢). ويقول:" الشيطان كل عاتٍ متمردٍ من الجن والإنس، وأصله: البعد والامتداد، يقال: بئر شطون، أي: بعيد العمق والقعر، ويقال: للجبل شطن: لامتداده، وسمي الشيطان شيطانا؛ لامتداده في الشر وبعده عن الخير" (٣). وروي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر: (تعوذ بالله من شياطين الإنس)، قال أبو ذر قلت: ومن الإنس شياطين: فقال ﵊: نعم، وتلا قوله تعالى:" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ" [الأنعام:١١] (٤)، وحُكِيَ عن مالك بن دينار أنه قال: خوفي من شيطان الإنس أكبر من خوفي من شيطان الجن؛ لأن الجني يذهب إذا ذكرت الله، والإنس ي يجرني إلى المعاصي (٥).

стр. 460

والإمام السمعاني يفرق بين الجن والشياطين، يقول:" الجان أبو الجن، وأما إبليس هو أبو الشياطين" (١)، وهو أحد القولين، وقيل: إن الجميع من ولد إبليس؛ إلا أنه جعل ولده قسمين، فأرسل أحد القسمين وسوسة الإنس، والقسم الثاني إلى وسوسة الجن، فالفريقان شياطين، الإنس والجن (٢). ووصف الشيطان بأنه رجيم، قال تعالى: "فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" [الأعراف: ٩٨]، والرجيم فسرت بتفاسير قيل: الرجيم، المرجوم، وقيل: الملعون، وقيل: الشتيم (٣). والله جل وعز طرد ابليس من رحمته فقال:" فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ" [ص:٧٧]، والمرجوم: هو المبعد باللعنة (٤)، وقال تعالى:" فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ" [الحجر:٣٤ - ٣٥]، قال السمعاني: "ويقال: إن بليس ملعون السماء والأرض وإن أهل السماء يلعنونه، كما أن أهل الأرض يلعنونه" (٥)، وقد لعنه الله فقال تعالى:"وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا (١١٧) لَّعَنَهُ اللَّهُ " [النساء:١١٧ - ١١٨]، أي: أبعده الله من الرحمة (٦). ووصف الشيطان بأنه عارٍ عن كل خير، قال تعالى:" وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا" [النساء:١١٧]، قال السمعاني: "والمريد: العاتي المتمرد، وحقيقته العاري من كل خير" (٧). ووصف الشيطان بأنه مارد، قال تعالى:" وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ" [الصافات:٧]، يقول السمعاني: "أي: متمرد، والشيطان كل متمرد عاتٍ من إنس، أو جن، أو جنّة" (٨)، فهو معيب مقيت أي: ممقوت، مطرود من رحمة الله (٩).
следующие страницы →